هو الشخص، وإنما المقصود دعوته ورسالته.
ذلك لأننا لو فرضنا إنسانًا في زمن الرسول المبعوث مباشرةً إلى قومٍ ما كان أصم أبكم، التقى مع الرسول المبعوث ولكنه هو لا يفقه شيئًا مما يقول لما به من صمم وبكم، فهذا لم تبلغه الدعوة وإن كان قد بلغه الرسول بشخصه، والعكس كذلك حينما نتصور قومًا جاءتهم دعوة الرسول ﵇ دون أن يروا الرسول وبعينه وشخصه فقد قامت الحجة عليهم.
إذا كان الأمر كذلك وهو كذلك دون خلاف بين مسلمين فحينئذٍ لا محظور بالنسبة لتلك الأحاديث الصحيحة التي تشهد بأن أولئك الأشخاص هم من أهل النار، فلازم ذلك أنهم قد بلغتهم الدعوة، وأقيمت عليهم الحجة، فلا جرم أن النبي ﵌ حكم عليهم بأنهم من أهل النار، فقول من يقول بدفع هذه الأحاديث أن إسماعيل أو إبراهيم أو غيرهما من الأنبياء الذين أرسلوا إلى العرب ما جاءهم رسول مباشرةً، هذا كما لو قال قائل اليوم: أن التابعين وأتباع التابعين إلى هذا الزمان وإلى آخر الزمان الذي لا يبقى على وجه الأرض من يشهد ألا إله إلا الله إلا جاءت ريح طيبة وقبضت أرواحهم، كل هؤلاء من المسلمين أتباع الصحابة ومن بعدهم نقول: لم تبلغهم الدعوة؛ لأنهم ما جاءهم الرسول، فهل من عاقل يقول بمثل هذه الكلمة؟
ظني أن لا أحد يقول، إذًا: نحن نلزمهم بأن يقولوا نفس الكلمة معنا: بأنه ليس المقصود من إرسال الرسل فيما قبل الرسول ﵇ هو أشخاصهم فقط، بل المقصود: دعوتهم أيضًا، فسواء لا فرق بين قوم جاءهم الرسول مباشرةً بدعوته، وبين قوم أو أقوام آخرين جاءتهم دعوة الرسول بوساطة أتباع الرسول،
стр. 2347
فكل من هؤلاء وهؤلاء قد قامت حجة الله على الناس جميعًا بطريق من هاتين الطريقتين: إما وصول دعوة الرسول بواسطته هو مباشرةً، أو وصول دعوة الرسول بواسطة غيره من أتباعه الذين آمنوا به، فحينئذٍ نعرف من هم أهل الفترة.
وخلاصة ذلك: أن أهل الفترة هم الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ﵌ مباشرةً منه إليهم، أو بواسطة أحد أتباع هذا الرسول.
إلى هنا فيما يبدو لي ينتهي الجواب عن السؤال السابق، ولكن لا بد لي من كلمة قصيرة حول الدعوة التي يجب أن تبلغ ناسًا لتكون حجة الله قائمةً عليه؛ لأنهم قد تكون جاءتهم الدعوة بطريق غير طريق الرسول، فلا تكون الحجة قائمةً في هذه الحالة، لتقصير وقع من هؤلاء المبلغين، فقد ذكرت آنفًا أن الرسالة قد تبلغ بطريق من طريقتين:
الطريقة الأولى: بشخص الرسول، وهذه بلا شك ولا ريب أقوى من الطريقة الأخرى.
وهي: أن تصل الدعوة إلى قوم ما بواسطة أتباع الرسول، سواء كان هؤلاء الأتباع من أتباع الرسول مباشرًة، أو على التسلسل كما نقول في فهم حديث الرسول: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» فخير الناس أصحابه ﵇؛ لأنهم هم الذين أرسل إليهم الرسول مباشرةً، ثم التابعون لهؤلاء الأصحاب، ثم أتباعه.
فالطريقة الأخرى أن تصل الدعوة إلى ناس ما بطريق أتباع الرسول، سواء التابعين للصحابة أو أتباعهم، أو من جاءوا من بعدهم كما هو واقعنا اليوم.
الذي أريد الآن أن أذكر به إتمامًا للفائدة: أن الدعوة التي تصل إلى قوم ما
стр. 2348
بالطريقة الأخرى، ليس بطريقة الرسول مباشرةً يجب أن تكون هذه الدعوة قد بلغتهم صافيةً نقية، لا تغيير فيها ولا تبديل ولا تحوير، لأنها في هذه الحالة إذا بلغتهم كذلك تكون بلوغ الدعوة إليهم بواسطة الأتباع كما لو كانت وصلت إليهم بواسطة الرسول مباشرةً، أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك، أي: إن قومًا ما أو ناسًا ما بلغتهم دعوة الإسلام محرفةً .. مغيرةً .. مبدلةً، وبخاصة ما كان منها متعلقًا في أصولها وفي عقيدتها، فهؤلاء الناس أنا أول من يقول إنهم لم تبلغهم الدعوة؛ لأن المقصود ببلوغ الدعوة على صفائها وبياضها ونقائها، أما والفرض الآن أنها بلغتهم مغيرةً مبدلة، فهؤلاء لم تبلغهم الدعوة وبالتالي لم تقم حجة الله ﵎ عليهم.
هذا الذي أردت أن أضيفه إلى ما سبق من البيان لتتم الفائدة إن شاء الله.
مداخلة: ... هو لا شك بأن الدعوة وصلت إلى كثير من الناس ... ولكن هؤلاء الناس يختلفوا، إذا عرب درسوا إلى جانب هذه الدعوة المحرفة .. درسوا القرآن واللغة العربية بعلومها من بلاغة وبيان وإلى آخر والنحو والصرف، فهموا اللغة فهمًا واضحًا يعني: فهموا أيضًا القرآن .. اطلعوا على شيء من تفاسير السلف، هناك دعوة قائمة أيضًا تؤكد المبادئ وقواعد التوحيد التي جاء بها القرآن الكريم، كل هذا تتوفر لكثير من الناس خصوصًا العرب منهم، فهل نقول في هؤلاء: إنهم ما قامت عليهم الحجة وما بلغتهم الدعوة؟
الشيخ: من يقول بهذا؟
مداخلة: أخشى أن يتبادر فهم ..
الشيخ: لكن اعكس تصل الطرف الثاني بلغتهم الدعوة؟
стр. 2349
مداخلة: أي طرف ثاني؟
الشيخ: الذي يقابل هذا الطرف الذي وصفته.
مداخلة: لا لا.
الشيخ: هذا هو المهم بارك الله فيك.
مداخلة: لا أقول بهذا، مثلاً الآن: مدرسة الأزهر تدرس العلوم الإسلامية بلغاتها وعقائدها وتراثها وكذا وكذا .. مثلهم بعض المدارس ... أيضًا يدرسون هذه العلوم، يدرسون القرآن وعلومه ولغته بأصنافها، فهل نقول في هؤلاء فعلًا وصلتهم الدعوة المحرفة أو بطريق الأشعرية أو غيرهم، لكن بقي هناك ما تقوم به عليهم الحجة من فهمهم اللغة العربية وبفهمهم لعلوم القرآن وعلوم الحديث وتراث السلف الصالح، هل نقول في هؤلاء: بلغتهم الحجة فعلًا وقامت عليهم أو نقول: إن هناك احتمال أنه ما بلغتهم الحجة أو بعضهم ما بلغته الحجة.
الشيخ: أنا أعتقد بارك الله فيك أننا في كل المسائل يجب أن نأخذ أوضح الأمثلة وليس أغمضها، فالآن لنقل عن المسلمين الأعاجم، لا نتحدث عن علمائه، بل لنقل عن العرب أمة العرب الذين ليسو من العلماء، هل بلغتهم الدعوة؛ لأن المهم أن نتكلم في الأمة التي نقول عنها إنها أمة مسلمة سواء كانوا عربًا أو كانوا عجمًا، لا نريد أن نتكلم عن نخبة منها .. عن خاصة هذه الأمة العربية أو الأعجمية، وإنما نتكلم عن عامة هذه الأمة، هل بلغتهم الدعوة في هذا العصر؟ أنت ذكرت الأزهريين بخاصة، ترى! المصريين هل المصريون كشعب هل بلغتهم الدعوة كما جاء بها رسول الله ﵌ إلى الصحابة، وكما نقلها الصحابة إلى التابعين وهكذا؟
стр. 2350
أنا أقطع بأن هذا الشعب كشعب لم تبلغهم الدعوة كما جاءت وكما أنزلت، لكن بلا شك بعض الخاصة من أولئك كما شرحتم آنفًا قد بلغتهم الدعوة وأقيمت عليهم الحجة، ونحن غرضنا من هذا البيان هو أن نخلص عامة المسلمين وبخاصة منهم الأعاجم من أن نبادر إلى تسليط سيف التكفير عليهم، ونحن نعرف أنهم يعيشون بين علماء كثير منهم من لم يفهم الدعوة كما يجب، وقسم منهم كما أشرت فهمها كما جاءت ولكنه اتبع هواه كما وقع مع العرب الأولين تمامًا الذين بعث إليهم الرسول مباشرًة، ولذلك أنا فرقت بين الدعوة بالطريقة الأولى حيث يأتي الرسول فيبلغ قومه مباشرًة، هنا ليس هناك مجال أن يكون التبليغ فيه سوء تبليغ .. فيه تقصير، بينما نقل الدعوة بالطريقة الأخرى يمكن أن يرد عليها شيء من هذا التقصير، أو من ذاك السوء سوء التبليغ.
فهناك فرق بين الطريقة الأولى والطريقة الأخرى تمامًا، وما دمنا نحن نعيش اليوم وقد بلغنا الدعوة بالوسائط، وبخاصة وبيننا وبين الرسول الذي أرسل مباشرةً إلى الصحابة أربعة عشر قرنًا فيجب أن نتصور أن الدعوة إلى جمهور الأمة الإسلامية اليوم حتى العرب لم تبلغهم الدعوة كما جاءت أو كما أنزلت من العلماء؛ لأنهم من علماء السوء ومن الذين وصفهم الرسول ﵇ في الحديث الصحيح حين قال: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من صدور العلماء، ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (١).
غرضي من هذا ليس أن نقدم عذرًا لمن لا عذر له وهم الأقلية، وإنما أن نقدم
стр. 2351
عذرًا لمن لهم عذر في أن الدعوة لم تبلغهم كما جاءت، اليوم المصريون مثلًا وكثير من أمثالنا من السوريين العرب زعموا، هل بلغتهم دعوة التوحيد كما بلغت العرب الأولين؟ أنا أقول: لا، العامة عامة المسلمين العرب فضلًا عن الأعاجم لم تبلغهم الدعوة؛ لأن هؤلاء الذين يفترض أن يكونوا أداة هداية وإرشاد من هؤلاء المنتمين إلى العلم أن يكونوا أداة هداية وإرشاد للعامة وأداة إضلال وإفساد للعامة بسبب أن علمهم هو الجهل بعينه؛ لأنهم يتأولون لهم النصوص الصريحة من الكتاب والسنة التي تصرح بأن ما يسمونه بالتوسل مثلًا هو الشرك بعينه.
فالعامة من أين لهم أن يفهموا هذا الفهم الصحيح الذي تفردت لا أقول: كل أفراد هذه البلاد إنما أقول: كثير من أفراد هذه البلاد تفردت بفهم التوحيد فهمًا صحيحًا بسبب دعوة الدعاة المخلصين منهم، أما تلك البلاد فقل ما يوجد فيهم عالم بمعنى الكلمة وبلغهم الدعوة الصحيحة ثم هم نكلوا عنها، هذا واقع العالم الإسلامي فضلًا عن العالم الغربي.
لننتقل الآن إلى الغرب: أوروبا وأمريكا، هل هؤلاء الأقوام من الكفار بلغتهم دعوة الإسلام كما أنزلها الله على قلب محمد ﵊؟ مع الأسف الشديد ما بلغتهم، وأنا أضرب لكم مثلًا قريبًا جدًا: الذي نعرفه ولو من سنين طويلة، ولا أدري الوضع هو الآن، إن الطائفة القديانية التي خرجت من الإسلام بما تحمل من عقائد باطلة، هي من أنشط الفرق التي تتبنى الإسلام دينًا في دعوة الأوروبيين إلى الإسلام، وقد استجاب لهم المئات بل الألوف من الأوروبيين، سواء من الألمان أو البريطان أو الأمريكان .. استجابوا لدعوة القديانيين فصاروا مسلمين قاديانيين.
ومن عقيدة هؤلاء أن النبوة لم تختم، وأن قوله ﵎: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ
стр. 2352
اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) ليس معناه كما نفهم نحن، أي: آخر النبيين وأنه لا نبي بعده، وإنما تأولوا لهؤلاء الأعاجم من الأوربيين والأمريكان خاتم النبيين، يعني: زينة النبيين! أي: ليس معنى الآية بأنه آخر الأنبياء، فأسلم الأوروبيون على دين القديانيين، هل هؤلاء بلغتهم الدعوة كما أنزلها الله ؟ الجواب: لا، أما من انحرف منهم من العلماء فهذا أمر واضح لا إشكال فيه.
مداخلة: طيب لو قال قائل يا شيخ: بالنسبة لموضوع الفترة .. لو قال قائل: ... نفس المقالة هذه التي نحن نقولها: أن مشركي العرب ما بلغتهم الدعوة كما جاءت عن الرسول السابق، أليس له الحق في ذلك؟
الشيخ: لا ليس له الحق في ذلك، أولًا: هذا القول ليس هي المشكلة، المشكلة هي في العرب الأولين ليس في العرب الآخرين، مشكلة أولئك الذين سميتهم بالخصوم هو ردهم للأحاديث الصريحة التي ذكرنا آنفًا بعضها ..
مداخلة: والد النبي ووالدته ... يقولون أنهم ما يمكن أن يكونوا في النار، لماذا لا نقول: نحن أمة كلفنا بأن نؤمن بالغيب؟ والله امتدحنا بالإيمان بالغيب، فنحن نقول: أن الله هو أعلم بعباده، ويعلم بأن والد النبي ووالدة النبي وكل من كان من أهل الفترة، وأخبر الله نبيه أنه من أهل النار أنه يستحق ذلك حتى ولو بعث إليه نبي ما يمكن أن يؤمن به، ونرتاح من هذه الإشكالات حتى لا يرد علينا أي شيء ...
الشيخ: ما فهمت عليك كثيرًا مما تقول!
مداخلة: أنا أقول: الذين يقولون: أن أهل الفترة هؤلاء .. أن بعض أهل الفترة ممن أخبر النبي ﵌ عنهم بأنهم في النار، هؤلاء ما بلغتهم الدعوة.
стр. 2353
الشيخ: نحن انتهينا من هذا، قلنا: من لم تبلغهم الدعوة فهم غير معذبين، ولكن هل كل أهل الفترة لم تبلغهم الدعوة؟
مداخلة: لا أنا ما أقول .. أقول عن هؤلاء بخصوصهم ..
الشيخ: بارك الله فيك أنا ما أسألك أنت، أسأل عن أولئك الناس هل يعتقدون أن كل أهل الفترة ما بلغتهم الدعوة، أم بعضهم بلغتهم وبعضهم لم تبلغهم، أنا أسألك أنت عنهم، ليس ما تقول أنت.
مداخلة: هم يقولون البعض والبعض .. يقولون يخصصون والد النبي ﵌ ومن جاءوا قبل بعثة النبي ﵌ ولُبِّسَ عليهم، كما حصل من عمرو بن لحي الخزاعي الذي جاء بالأصنام إلى مكة وفعل وفعل، وغطى عليهم دعوة الأنبياء، يقولوا: أن هؤلاء ما بلغتهم الدعوة، ومن ذلك والد النبي ووالدته.
نقول لهم: والد النبي ووالدته ورد في النصوص الصحيحة التي تبين، ونحن أمة آمنا برسول الله ﵌، وإذا أخبر الرسول ﵌ بأمر لا يمكن أن نقول عن الأمر الذي بلغنا به النبي ﵌ أن هذا فيه كذا أو فيه ما يوحي أن هؤلاء بلغتهم أو ما بلغتهم، علينا أن نسلم بأننا مسلمين ...
الشيخ: أنت تتكلم عن من يا شيخ؟ أنت تتكلم عن الذين يؤمنون بصحة هذه الأحاديث أم الذين ينكرونها؟
مداخلة: لا يؤمنون بها ولكن ينكرونها، يقولون: أن الأحاديث هذه واردة صحيحة لكن ..
الشيخ: أرجوك أن تجيبني: هل تتكلم عن الذين يؤمنون بهذه الأحاديث ويصدقون بها فيقولون كما قال ﵇: أبي في النار، أم أنت تتحدث عن غير
стр. 2354
هؤلاء الذين ينكرون هذه الأحاديث؟
مداخلة: أنا أتكلم عمن يقول بها ثم يحرف فيقول: الأب المراد به العم؛ لأنهم يؤولون يقولون: والعم أصلًا هو الأب، هم يقولون: نحن نقول النبي ﵌ قال بأن والده في النار ...
الشيخ: الآن انحرفت عن السؤال .. الآن بارك الله فيك خرجت عن الصدد، الآن دخلت في موضوع تأويل الأحاديث.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! نحن أتينا بأحاديث أخرى صريحة الدلالة بأن بعض من مات في الجاهلية يعذبون في القبر.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! فهؤلاء كيف يؤولون هذه الأحاديث إلا بالتسليم بأن هناك في العرب من بلغتهم الدعوة ولذلك عذبوا، فنحن الآن ما نريد أن ندخل في متاهات تخرجنا عما كنا في صدده، والرد عندنا واضح، لكن ما بين أيدينا الآن شخص يقول: أنا أؤمن بأن النبي ﵌ قال: «إن أبي وأباك في النار» لكن أنا أتأول: الأب هنا بمعنى العم فحينئٍذ نبدأ ونرد عليه، لسنا في هذا الصدد، سنقول: وكيف تفسر حديث الأم: «واستأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي» لعله يقول ..
مداخلة: يأتي بأحاديث يقول أنه ما مات وأحاديث موضوعة ومكذوبة ما مات النبي ﵌ حتى أحيا الله له الاثنين ....
الشيخ: هذا موقف المسلم؟
стр. 2355
مداخلة: ليس موقف مسلم، لكن أنا أقول مثل هذا ... كيف نرد عليه؟ ...
الشيخ: سبق كيف نرد عليهم، الآن أتينا بأحاديث صريحة بأن بعض من مات في الجاهلية معذب.
مداخلة: نعم، نرد بالإيمان بالغيب ونستريح.
الشيخ: هل يؤمنون بها؟
مداخلة: لذا يجب عليهم أن يؤمنوا بالغيب ...
الشيخ: يا أخي بارك الله فيك! أنت تقول: يجب عليهم، نحن ليس هذا موضع الخلاف، نسأل عن واقعهم: هل هم يؤمنون بها، أم تدفعهم عاطفتهم الجامحة التي لا تقف ..
مداخلة: تدفعهم العاطفة.
الشيخ: طيب! فإذًا: هم لا يؤمنون بها وإلا هو ..
مداخلة: الذين يؤمنون بالغيب لا يستحق المناقشة.
مداخل آخر: لو سمحت يا شيخ! لا شك أن الدعوة السلفية لها نشاط في العالم العربي والإسلامي عمومًا في بلاد العجم وغيرها، ومن آثار هذه الدعوة تجد مثلًا المسلمين في الهند يبلغون ملايين السلفيين اثنا عشر مليون مثلًا بنجلاديش .. اثنا عشر مليون في باكستان .. اثنا عشر مليون في الهند، أكثرهم عوام، يعني: ...
الشيخ: الحمد لله ذلك ما نبغي.
مداخلة: هذا شيء.
стр. 2356
الشيخ: طيب.
مداخلة: هؤلاء السلفيون حركتهم تتمثل في الخطابة .. تتمثل في نشر الكتب مترجمة التي تبلغ العوام وغير العوام، هذا على مستوى واحد، العامي والعامي يأتي إلى هذا الكتاب يدعو إلى التوحيد ويحارب الشرك أنا اقتنعت، أخي بنفس المستوى ... يقرأ هذا ولا يعمل، يكتب: هل يعذر هذا ...
الشيخ: لا يعذر إذا قدمت إليه العقيدة صحيحة كما جاءت.
مداخلة: قدمت له صحيحة ...
الشيخ: لا يعذر.
مداخلة: طيب! في مصر مثلًا هناك نشاط سلفي قوي جدًا .. في السودان نشاط سلفي قوي .. في سوريا نشاط سلفي جيد .. في الأردن على مستوى الكتب والدعوة في المساجد والخطابة، تجلس أمام أناس درجاتهم يعني: متحدة في الفهم وكذا وكذا، واحد يسمع هذه الخطبة تقول كلمة الحق تبين التوحيد الشرك البدعة، قال: والله هذا كلام حق وسلم، هذا أخوه في نفس المستوى، مثله سمع هذا الكلام الحق الذي يشرح لا إله إلا الله وبين التوحيد من الشرك، يرفض يقول: هذا وهابي! ما يقبل، هذا قامت عليه الحجة أو ما قامت؟
الشيخ: بارك الله فيك! هذه حياة عشناها نحن في سوريا، لكن لماذا تدع الجانب الآخر السلبي الذي لا شك فيه؟ ضربنا لكم مثلًا بالقاديانيين ودعوتهم، هل هؤلاء الأوربيون الذين جاءتهم الدعوة الإسلامية بطريق القاديانيين قامت عليهم الحجة؟
مداخلة: لا.
стр. 2357
الشيخ: هذا هو.
مداخلة: أنا ما أعرض هذا، أعرض فيمن بلغتهم الدعوة على الوجه الصحيح.
الشيخ: وأنا معك في هذا بارك الله فيك، لكن المشكلة ليس في هذا النوع، المشكلة في النوع الثاني.
مداخلة: انتهينا من الثاني هذا نعرفه، [نتكلم] عن كثير من العوام إن عوام أمامي في هذا المسجد .. في هذه المدرسة .. في هذا المجال يخطب واحد، يقدم لهم كتب يعني: كلهم في مستوى واحد، هذا يقبل الحق وهذا يرفضه ويعارضه بتهمة أن هذا وهابي وهذا الكلام الذي يقوله ضلال وتحريف لكلام الله، بينما الآخر يقول: والله هذا كلام سليم وهذا كلام حق يقوم على قال الله قال رسول الله، تَقَبَّل هذا ورفض هذا، هل نفهم إخواننا أن هؤلاء والذي سميناهم عوام عندهم عقول .. وإن سميناهم عوام إنهم قد قامت عليهم الحجة ولم تكن عاميتهم هذه عذرًا لهم ما دامت قد بلغتهم الدعوة على المنهج الصحيح عن طريق الكتب أو عن طريق ...
الشيخ: حولها ندندن! بلغتهم الدعوة .. بلغتهم الدعوة انتهى الأمر .. بلغتهم الدعوة سليمة انتهى الأمر .. بلغتهم الدعوة غير سليمة انتهى الأمر .. ما بلغتهم الدعوة مطلقًا انتهى الأمر، المسألة واضحة جدًا.
"الهدى والنور" (٣٦٣/ ٠٦: ٣٠: ٠٠)
стр. 2358
[٧٤٢] باب منه
سؤال: أستاذنا سؤال آخر، قضية أهل الفترة، هل يمكن أن نعرف تحديد من هم أهل الفترة، وقضية الآيات التي جاءت تبين أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير وكذا، كيف يجمع بين هذه الأمور حتى نعرف أنه ما كان قبل النبي ﵌ هل هم داخلين في أهل الفترة أم لا؟ جزاك الله خيراً.
الشيخ: كأنك تعني بمن هم أهل الفترة، ليس كأفرادٍ وإنما كجماعة، لعلك تقصد هذا؟
مداخلة: ...
الشيخ: لا تحيد عن الجواب، إما أن تقصد أفراداً وهذا أستبعده عنك، وإما أن تقصد جماعة أو أمة أو عصراً معيناً، فماذا تعني؟
مداخلة: الحقيقة أنا سؤالي أعم أنه قد يكون جماعة لا أقصد أمة، إنما قد يكون جماعة وقد يكون أفراداً.
الشيخ: جميل جداً.
الآن في العصر الحاضر عصر المدنية والعلم وما شاء الله، هل تعتقد أنه يمكن أن يوجد فرد في هذه الملايين المملينة من البشر من أهل الفترة أم لا؟
مداخلة: والله باعتقادي لا، لكن بعض الناس الذين ...
الشيخ: دعك والناس، أنا أحكي بيني وبينك، لماذا تريد أن تدخل نفسك في معركة الناس؟
стр. 2359
مداخلة: لا، هم الذين ...
الشيخ: يا أخي ...
مداخلة: الجواب، لا.
الشيخ: لا، كيف يعني، حتى نفهم المنفي شو هو؟
مداخلة: المنفي أنه في هذه المدنية التي نعيشها لا يعقل أنه لم يصل اسم الإسلام إلى الناس بمجموعه العام.
مداخلة: أَكَلْهَا.
الشيخ: لا مش أَكَلْهَا، خربها. لأننا نتكلم الآن عن فرد، السؤال فرد، أنت تقول لي مجموع، الآن إذا كان هناك ملايين من أفراد البشر الذي دخلوا سن التكليف، السؤال كان: ألا تتصور أن يكون فرد من هذه الملايين هو من
أهل الفترة؟
مداخلة: نعم موجود.
الشيخ: هذا ينافي ما قلته آنفاً.
مداخلة: لعلي فهمتك خطأً يا شيخ.
الشيخ: معليش عفا الله عما سلف.
إذاً: الآن ممكن أن تتصوروا وجود شخص في هذه الملايين المملينة هو من أهل الفترة، ولو وضعنا أمام الواحد نقطة يختلف الأمر عندك؟
مداخلة: لا.
стр. 2360
الشيخ: نقطة على اليمين وليس على الشمال. كم صار العدد؟
مداخلة: عشرة.
الشيخ: ونقطة ثانية، ونقط، هل يختلف الجواب؟
مداخلة: الحقيقة أن الإشكال ...
الشيخ: الكلام لي وليس لك؟
مداخلة: ما هو أنت ...
الشيخ: ماذا أريد أورطك أم أنقذك؟
لماذا أنت خايف؟
معليش، نحن من عاداتنا في سوريا كلمة طيبة، اللي ما يجي معك تعال معه، فأنا سأمشي معك، سنعود للشخص الأول حتى يسهل عليك الجواب أنه هذا ممكن أن يكون موجوداً، ليش؟
مداخلة: أحسبها بعدم وصول الدعوة له.
الشيخ: لا، أنا السبب أطلبه منك.
مداخلة: هو قد يكون تقصير منه.
الشيخ: لا، لا تدخل في التفاصيل يا أخي، عرفت ما هو السؤال الثاني؟
مداخلة: الذي هو سبب كونه من أهل الفترة.
الشيخ: أيوه.
مداخلة: عدم وصول الدعوة له.
стр. 2361
الشيخ: كويس، هذا السبب يمكن أن يتكرر.
مداخلة: نعم.
الشيخ: إذاً ممكن نضع نقطة أمام الواحد إلى العشرة ونقط ..
مداخلة: نعم.
الشيخ: مع أنه لا أزال عند موقفي، لكن فقط تغيير العبارة.
هذا في عصرنا، لماذا خصصت عصرنا؟
مداخلة: لأنه عصر ...
الشيخ: لوجود الوسائل هذه المقربة للبعيد التي كادت أن تجعل الكرة الأرضية كقرية صغيرة بسبب الوسائل التي خلقها الله، وذللها للبشر، فما رأيك قبل عصر العلم والثقافة .. إلى آخره، لنعد إلى عصر الجاهلية الأولى، يمكن أن يكون هناك مثل هؤلاء الأشخاص الذين لم تبلغهم الدعوة.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب، وقبل أن نمضي في الكلام، هل نحن متفقون أن أهل الفترة سواء كان فرداً أو عشرة أو أكثر هم الذين لم تبلغهم الدعوة، هل نحن متفقون
على هذا.
مداخلة: لكن أريد أن أجعل السؤال عام، هل الدعوة المقصود بها ...
الشيخ: الله يحفظنا من كلمة لكن ..
مداخلة: هل دعوة نبي قبلنا تصدق عليه أم لا بد من دعوة النبي ﵌ حتى
стр. 2362
نعتبره من أهل الفترة.
الشيخ: أنت رجعت إلى العصر الحاضر.
مداخلة: لا، مثلاً حتى نشمل في سؤالنا ما كان قبل النبي لما ذكرتنا في الجاهلية الآن.
الشيخ: ما علاقة الجاهلية بالنبي، النبي جاء بعد الجاهلية؟
مداخلة: أي نعم، قبل.
الشيخ: طيب، ما الجواب الآن.
أعيد السؤال: إذا رجعنا قبل بعثة الرسول ﵇ يمكن أن يكون هناك أهل فترة، يمكن، وهكذا دواليك ..
ترجع للوراء يعني. إلى عهد آدم ﵇.
نحن نتصور بوضوح أن آدم ﵇ كان نبياً في أولاده، ولما تكثر وتتناسل أولاده، بحيث أنه تصور أنه يمكن أن يكون هناك فرد أو أكثر من فرد ما بلغته دعوة آدم ﵇.
إذاً: الآن أنا فيما أظن أو يخيل إلي أنني أجبتك عن سؤالك بطريقة السؤال والجواب.
مداخلة: نعم، بس يرد سؤال في ذهني .. أستاذي.
الشيخ: نعم.
مداخلة: قضية أنه مثلاً ما قبل النبي ﵌ جاءت بعض الأحاديث تبين
стр. 2363
مثل: «عمرو بن لحي يَجُرُّ قصبه .. في النار»، مثل حديث: «أبي وأباك في النار» (١)، مثل حديث «استأذنت ربي في أمي»، يعني هؤلاء كيف يفهم الآن مثل عمرو بن لحي دخوله النار، أو أن أبي وأباك في النار، هنا الإشكال الذي ورد في ذهني، أنه هل نعتبرهم أهل فترة، إن اعتبرناهم أهل فترة فَلِمَ عذبوا؟
الشيخ: أنت اتفقت معي أن أهل الفترة هم الذين لم تبلغهم الدعوة.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ألست تربط في ذهنك وفي عقيدتك أن كل من كان من أهل الفترة فهو لا يعذب في النار.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب، فكلما جاءك نص عن شخص أنه يعذب في النار سترفع من ذهنك أن هذا من أهل الفترة؛ لأن الله يقول في صريح القرآن: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
إذاً: قول الرسول ﵌ في أي شخص هذا في النار، يساوي بلغته الدعوة وكفر بها فهو في النار، المسألة واضحة جداً.
مداخلة: يعني الاستثناء لأشخاص وليس للمجموع.
الشيخ: الاستثناء للأشخاص من حيث الإخبار عنهم، وليس من إخبار العام الشامل الذي يختم كل قرن مثلاً أو كل جماعة أو كل أمة، هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، ليس عندنا هذا التقسيم.
стр. 2364
مداخلة: جزاك الله خيراً.
الشيخ: واضح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: لكن هناك شيء ظننت أنك ستتدرج إلى الوصول إليه لأهميته، يمكن نحن الآن أن نتصور أناساً بلغتهم الدعوة الإسلامية، ومع ذلك فأنا أقول ما بلغتهم الدعوة الإسلامية، ومعنى هذا الكلام أنه ينبغي أن نستحضر في أذهاننا أن كل فرد أو كل طائفة أو جماعة لا نستطيع أن نقول إنهم بلغتهم الدعوة إلا إذا بلغتهم صافية غضة طرية كما أنزلت، وهذا من الصعب بمكان؛ لأنك تعلم اليوم أن هناك طوائف يدعون الإسلام ويدعون إلى الإسلام، وهم إما بريئون من الإسلام براءة الذئب من دم ابن يعقوب كما يقال في المثل العربي القديم أو أنهم ضلوا ضلالاً بعيداً عن قسم كبير من الإسلام، وإن كانوا لا يزالون محسوبين في دائرة الإسلام.
أضل هذه الطوائف هم البهائيون، ثم يأتي من بعدهم القاديانيون، القاديانيون أشد ضرراً على المجتمع، مجتمع أمة الدعوة كما يقول العلماء ولا أريد المجتمع الإسلامي، بل الأمم القائمة المكلفين اليوم بالاستجابة لدعوة الحق، هؤلاء البهائيون أضر ما يكونون لأنهم نسفوا الإسلام نسفاً، وما أبقوا عليه من شيء، بينما القاديانية يصومون ويحجون ويصلون، كل شيء يفعلوه مثل أهل السنة والجماعة، ولكن عندهم عقائد أخرجتهم عن دائرة الإسلام، فهم مرتدون عن دينهم، لكنهم خطيرون من هذه الزاوية بأنهم مسلمون منا، بينما الخلاف بيننا وبينكم أنكم فهمتهم نصوصاً على وجه خطأ في رأينا، ونحن نرى الصواب فيما نحن عليه.
стр. 2365
ونشاط القاديانيين هو أوسع ما يكون انتشاراً في العالم اليوم، وأشد الفرق الضالة تأثيراً على الناس، ولذلك تجد قاديانيين مسلمين في ألمانيا، في فرنسا، في بريطانيا، وأنا شخصياً رأيت هناك مسجد في بريطانيا مكتوب عليه بخط كبير جداً، لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقلت هذا من نفاقكم؛ لأنكم يجب أن تقولوا وميرزا غلام أحمد نبي الله، كما يقول الشيعة مثلاً وعلي ولي الله في أذانهم، فهؤلاء الذين تقدينوا إذا صح التعبير، هؤلاء ما نستطيع أن نقول بلغتهم دعوة الإسلام، بل هم لا يزالون من أهل الفترة، لأنهم ما بلغتهم دعوة الإسلام على الوجه الصحيح، ولهذا أنا أذكر جيداً حينما انتدبنا للتدريس في جامعتكم ولما تفتح أبوابها للتدريس، كنا في سهره كهذه السهرة بحضرة جماعة من أساتذة الجامعة، فأثيرت هذه النقطة، ادعى بعضهم عجباً، قال لا يا أخي الإسلام بلغ المشرق والمغرب، هذه كل يوم صباح ومساء في إذاعة القرآن الكريم، قلت له يا شيخ هذا القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين أهل العروبة الآن ومدعوا العروبة لا يفقهون كثيراً من كلام القرآن الكريم، فماذا نقول عن الأعاجم الذين يسمعون هذه الإذاعات لتلاوة القرآن ولا يكادون يفقهون منه شيئاً، هذا ليس معناه أنه بلغتهم الدعوة، ولذلك فيجب ملاحظة هذا القيد فإنه ضروري جداً.
مداخلة: جزاك الله خيراً.
الشيخ: وإياكم.
"الهدى والنور" (٦٣٤/ ٠٨: ٣٢: ٠٠ طريق الإسلام) و (٦٧٧/ ٤٢: ٣١: ٠٠)
[٧٤٣] باب هل يوجد في هذا الزمان من له حكم أهل الفترة ؟
[قال الإمام]: اليوم يوجد أهل فترة، تسمع بسكان القطب الشمالي والقطب الجنوبي؟
стр. 2366
مداخلة: نعم.
الشيخ: هؤلاء وكثير من الأمريكان وغيرهم ما بلغتهم الدعوة، فإن الحقيقة
-وهذه المسألة أثيرت منذ سنين وأنا في الجامعة الإسلامية-، ليس المقصود ببلوغ الدعوة بلوغ اسمها دون حقيقتها، وإنما المقصود أن تبلغ قومًا ما الدعوة التي بعث بها الرسول سواء خاتم الأنبياء والرسل أو من بعثوا قبل النبي ﵌، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه (١) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني سمع بي، ثم لم يؤمن بي إلا دخل النار» فقوله ﵊: يسمع بي، يعني: على حقيقة دعوته أم على ما انحرفت هذه الدعوة بالنسبة لبعض المسلمين الذين ضلوا في فهمها ضلالًا بعيدًا أو قريبًا فضلًا عن ضلال الكفار متشتتين والرهبان الذين يتعمدون نقل الدعوة الإسلامية إلى أقوامهم على خلاف عقيدتها وواقع أمرها.
لعلكم جميعًا تعلمون أن النصارى ما يعرفون جلهم عن النبي ﵌ إلا أنه كان يحب النساء؛ لأنه تزوج فوق التسع منهن، هكذا يصور قسيسوهم ورهبانهم نبينا ﵌ لأولئك الأقوام الكفار، فهل هؤلاء بلغتهم دعوة الرسول حينما لا يعرفون عنها إلا أن نبي الإسلام هو رجل يحب النساء وفقط، لا شك أن هؤلاء لا تبلغهم الدعوة، وأنا أفترض هذا وهذه فرضية واسعة، لكن من عرف الإسلام على عقيدته الصافية، منها: لا إله إلا الله بمعناها الصحيح، وأن محمد رسول الله كذلك، فهذا بلغته الدعوة فإن لم يؤمن فهو بلا شك كافر كما قال ﵇: فهو في النار.
فالآن: الدعوة الإسلامية اسمها بلغ آذان كثيرين من الأعاجم، أما حقيقتها فلم
стр. 2367
تصل بعد إليهم، لذلك سمى أهل الفترة ... أنهم الذين لم تبلغهم الدعوة، وعلى حقيقتها؛ لأن النبي قال: «ثم لم يؤمن بي» وهذا كقوله ﵇: «من رآني في المنام فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل بي» (١) فمن رأى النبي ﵌ على غير أوصافه، وشمائله التي كان عليها في حياته ما رآه؛ لأنه يقول: «من رآني» فمن رآه مثلًا شيخًا كبيرًا كما وقع كثيرًا مع بعض الناس حينما يستفتون علينا يقول: أنا البارح رأيت الرسول في المنام، ويقص قصة طويلة، كيف رأيته يا أخي؟ يقول: رأيته ما شاء الله شيخ كبير وجهه مصباح نور، لحيته بيضاء إلى آخره، نقول: ما رأيت الرسول؛ لأن أصحابه يقولون: ما شانه ﵎ ببيضاء (٢)، أو رآه يمشي على عكاز بينما هو كان يمشي وكأنه ينصب من صبب (٣) إذًا: حديثان يفضيان إلى حقيقة واحدة: من رآه في المنام كما كان هو في حياته، من سمع به كما كان هو في دعوته فهذا وذاك قد انطبق عليهم حديث الذي رآه بصفته فقد رآه حقًا، والذي بلغته الدعوة على حقيقتها فقد بلغته، فإذا لم يؤمن فقد كفر ومأواه النار كما جاء في الحديث.
مداخلة: الرافضة عوامهم وجهالهم ينطبق عليهم هذا؟
الشيخ: إذا أنتم قصرتم معهم فهم كذلك، إذا قصرتم معهم وهم عرب أمثالكم ليسوا مسلمين مثل الإيرانيين الأعاجم لا يفقهون اللغة العربية، فإذا لم تبلغوا الدعوة للروافض الذين ابتيتم بهم في عقر داركم فأنتم مسؤولون عنهم، ليس هم المسؤولون.
"رحلة النور" (٤٦أ/٠٠:١٤:٣٠)
стр. 2368
[٧٤٤] باب هل من لم يصله الدين في هذا الزمان, أو وصله على غير وجهه له حكم أهل الفترة ؟
السؤال: اللي بيموت الآن من غير المسلمين مثلاً في دول أوروبا ونشأ في بيئة والعياذ بالله فاسدة، وما أحد وصل له الدين الإسلامي، وإن كان وصل له فوصل له ... مشوشاً بحيث إنه ما يرغب أنه يدخل فيه، فلا أدري يعني .. هل هؤلاء يدخلون في حكم أهل الفترة أم فيه اختلاف كبير؟
الشيخ: لا، هذا مثل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة، لهم معاملة خاصة في عرصات يوم القيامة.
مداخلة: أما هذول؟
الشيخ: عم أقول لك هذول مثل أهل الفترة لهم معاملة في عرصات يوم القيامة معاملة خاصة، فلا يحكم لهم هنا بجنة ولا بنار.
مداخلة: العرصات تأتي بمعنى الطرق يعني؟
الشيخ: العرصات ساحة موقف المحشر.
مداخلة: ... الذي بيموت منهم الآن يعني، بيكون حقه عَلَى مَنْ مثلاً؟
الشيخ: ما بيكون؟
مداخلة: يكون حقه على من يعني: مسئول عنه مَن ... يحتمل خطيئته وإثمه؟ هل المسلمون يعني مثلاً ... الذي لم يذهبوا له يبلغوه الدين؟
الشيخ: عن أي نوع أنت عم بتحكي عن النوع اللي سألت عنه أولاً.
مداخلة: هو نفس السؤال اللي فيه، الذي يموت مثلاً في فرنسا من أمريكا من
стр. 2369
بريطانيا من ألمانيا إلى ما شابه ذلك، وما عنده يعني من يوصلّه الدين
الشيخ: الله يهديك، أنت حكمت هذيك الساعة إنه هذول عليهم إثم؟
مداخلة: كيف؟
الشيخ: حكمت هذيك الساعة إنه عليهم الإثم؟
مداخلة: إثم يعني اللي مثلاً ما بلغوهم هذا قصدي.
الشيخ: أنا عارف لقصدك الله يهديك، هل فهمت مني إنه هذول اللي ماتوا ولم تبلغهم الدعوة آثمين؟
مداخلة: لا ما فهمت هكذا.
الشيخ: طيب! فهمت أنهم غير آثمين؟
مداخلة: نعم فهمت.
الشيخ: فإذاً كيف تقول: إنه من يتحمل إثمهم؟
مداخلة: أيوه صحيح.
"الهدى والنور" (٣٢٦/ ٢٧: ٣٥: ٠٠ طريق الإسلام)
[٧٤٥] باب حكم من لم تبلغهم الدعوة في الآخرة
مداخلة: نحن نقرأ قول الله : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
الشيخ: أي نعم.
стр. 2370
مداخلة: ونرى أن في هذه الأيام الملايين من البشر يعيشون في معزل عن العلم ... أي نعم، فالحقيقة وقد انقطع الوحي، وما عاد الرسل يأتون.
مداخلة: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام:١٩).
مداخلة: أي نعم، وطبعاً نحن نعرف حكم أهل الفترة في هذه المسألة بالذات، فهل يقاسون هؤلاء على أهل الفترة، وما هو الشيء الذي لا يؤاخذون
به شرعاً؟
الشيخ: هو في اعتقادي لا يخفاك أن علة التكليف، مناط الحكم على طائفة من الناس أو شعب من الشعوب أو أمة من الأمم.
مداخلة: عفواً يا شيخنا، تكملة للسؤال وأستميحكم وأقول: مع ملاحظة أن الرسول ﵊ ذكر بأن أباه في النار، ولم يؤذن بالاستغفار لأمه، فهذه المسألة نريد توضيحها.
الشيخ: أردت أن أقول أن مناط الحكم في المؤاخذة وعدمها، هو وصول الدعوة وعدم وصولها، فأي جماعة أو أي شعب أو أي أمة نفترض أنها لم تبلغها دعوة الرسول ﵇، وهذا الذي يهمنا بالنسبة ... لخاتم [الأنبياء] حين ذاك يرتفع القلم عن هؤلاء فلا يؤاخذون بكفرهم وبضلالهم، ما دام أننا افترضنا أنهم لم تبلغهم دعوة الرسول ﵇، فالشيخ محمد جزاه الله خيراً ذكر الآية: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام:١٩)، وهذه الآية فيها لفت النظر لبعض الناس الذين يستشهدون لهذه المسألة بمثل قوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ (يس:٦).
إذاً: ما دام أن آباءهم لم ينذروا، فإذاً: يتبادر إلى الذهن أنهم من أهل الفترة.
стр. 2371
أنا أقول: أولاً الآية عطفت، قال: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام:١٩)، وهذا يعني أن النذير لا يشترط في إقامة الحجة أن يكون اتصل بالقوم مباشرةً بجسده وصوته ودعوته، هذا طبعاً واقع ولكن ليس شرطاً، إنما المهم أن تبلغهم الدعوة، والذي يؤكد لنا هذا أن أي نبي وبخاصة خاتم الأنبياء لو أتى قوماً وبشرهم وأنذرهم، لكن فيهم رجل أصم، فإذاً: هذا جاءه الرسول مباشرة، لكن ليس هذا هو المقصود، لكن أن تصل الدعوة إليه، وهذا باعتباره أصم أو باعتباره أحمق، ونحو ذلك، فهو غير مؤاخذ لأنه لم تبلغه الدعوة، مع أنه شخص الرسول اتصل به، فالعكس بالعكس تماماً.
وأنا أقول بهذه المناسبة لهؤلاء الذين يتمسكون بالآية السابقة: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام:١٩):
نحن الآن المسلمين على هذا الفهم الضيق للآية السابقة: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ (يس:٦)، نحن أيضاً ما جاءنا من نذير، لكن نحن جاءتنا الدعوة، بلغتنا، ولذلك فنحن مُكلَّفون، وإذا لم نستجب فنكون غير معذورين.
نفس الكلام يقال تماماً بالنسبة لأهل الفترة قبل الرسول ﵇، ومنه نستطيع أن نأخذ جواب الحديثين الذين ذكرتهما آنفاً، لا نستطيع أن نقول أن الذين كانوا قبل الرسول ﵇ كلهم من أهل الفترة، ولا نستطيع أن نقول كلهم ليسوا من أهل الفترة، لا نستطيع أن نقطع بأن كل فرد من أفراد العرب الذين كانوا قبل الرسول بلغته الدعوة، كما أن العكس لا نستطيع أن نقوله، أن كل فرد من أفراد هؤلاء ما بلغتهم الدعوة.
إذاً: القضية مربوطة بالبلاغ وعدم البلاغ، إذا كان هذا بيناً كما تعلمون، حينئذ أقول: إذا جاءنا خبر عن الرسول ﵇ صحيح بأن فلاناً كان من أهل
стр. 2372
الجاهلية وهو في النار، نحن نقطع فوراً أن هذا بلغته الدعوة، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، ولا يخفاكم أن هذه الآية تعني أيضاً رسولاً إما مباشرةً وإما بدعوته، فإذا سلفت هناك أحاديث مثل حديث: «إن أبي وأباك في النار» يحكم على ناس ماتوا في الجاهلية قبل بعثة الرسول ﵇، فذلك يعني تماماً أن هؤلاء بلغتهم دعوة التوحيد، ولذلك جحدوا بها، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤).
اليوم كما أشرتم، أمم في الشمال القطب الشمالي، القطب الجنوبي، بل أوروبا، بل أمريكا إلى آخره، لا يعرفون عن الإسلام شيئاً، والحقيقة كما يقال: إن أنسى فلن أنسى، وأول لقاء كان بيني وبين بعض الأساتذة في الجامعة (١) لأول سنة أظن، في نفس الجامعة في جماعة من أهل العلم ومحمد أمان تذكره جيداً، أثيرت هذه القضية، وأنا بينت وجهة نظري باختصار حسب ما سمعتم بشيء من التفصيل، قال الشيخ المشار إليه بأنه ما نستطيع أن نقول أنه لم تبلغهم الدعوة اليوم الأوربيون والأمريكيون ونحو ذلك؛ لأنه ما شاء الله الآن القرآن يتلى في الإذاعات ليلاً نهاراً، قلنا له: يا شيخ، الله يهدينا وإياك العرب لا يفهمون الكلام هذا حتى يفهمه الأعاجم، فإذا قلت للأعجمي، قل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (الإخلاص:١ - ٢)، سيقولها ولكن بشيء من الصعوبة، لكن هل يعلم أن هذا يهدم الصليب والمعبود بالباطل، لا يدري ولا يفقه أي شيء.
فإذاً: ليس المقصود ببلوغ الدعوة ألفاظها، وإنما المقصود معاني الدعوة وحقائقها.
стр. 2373
مداخلة: سماعها على الوجه الذي يحمله على
الشيخ: هو كذلك، هذه حقائقها، ولهذا أن أقول اليوم كثير من المشركين الذين نراهم في ضلال مبين، ويشركون ويجعلون لله أنداداً وهم لا يعلمون، المشركين الأولين وهم يعلمون ...
إذاً: لا نستطيع أن نحكم لهم بنار؛ لأن الذي يقيم الحجة عليهم المشايخ الذين يحيطون بهم هم سبب بلاغهم، يسموا الاستغاثة كما تعلم توسلاً، ونحو ذلك من الضلالات، والانحرافات، فهؤلاء ما بلغتهم الدعوة.
مداخلة: إذاً: على هذا شيخنا نحمل قول النبي ﵊: «والذي نفسي بيده! لا يسمع بي يهودياً ولا نصرانياً من هذه الأمة ثم لا يؤمن بي إلا
دخل النار».
إذاً: هذا السماع [ما] المقصود به؟
الشيخ: السماع الحق.
مداخلة: الذي عناه الله أيضاً بقوله ﵎: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (التوبة:٦).
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: هنا سؤال يا شيخنا متصل بهذه المسألة بالذات، وهو: الرسول ﵌ يقول: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تولد البهيمة بهمية ... » إلى آخر الحديث.
وفي سورة الروم قول الله ﵎: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا
стр. 2374
تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (الروم:٣٠)، هذه الفطرة التي في الآية وفي هذا الحديث، أليست تعني فطرة التوحيد؟
الشيخ: فيها خلاف هذه، منهم من يقول هذا، وهذا هو الظاهر، ومنهم من يقول استعداد لتقبل دعوة الحق، لكن الأول هو الأرجح.
مداخلة: فإذا كان الأمر كذلك، فهل يصح لنا أن نقول بأنه يمكن أن نقسم الأمر بالنسبة للدعوة إلى قسمين أو للنجاة والعذاب، نقسم الناس إلى قسمين وهم: أهل الفترة ومن يشبههم في أي زمان يأتي من بعد النبي ﵊، فنقول: من كان في نفسه هذه الفطرة لن تتغير ولن تتبدل، ولم يبلغه الدعوة، ولم تكن قد بلغته الدعوة، فهذا يعد من الناجين، ومن كان قد تغيرت
في نفسه فطرة التوحيد، ولم تبلغه التوحيد، فهذا يعتبر غير ناجي، فهل يمكن أن يقال هذا؟
الشيخ: من الناحية النظرية بلا شك يمكن أن يقال هذا، لكن من الناحية الواقعية يا ترى إذا تُرِكَ الإنسان خاصة إذا كان في مجتمع منحرف، هل يظل على فطرته، أنا أتصور أن الحديث الذي ذكرته، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، يعطي أن التربية لها تأثير، فمن الناحية النظرية؛ هو كما تقول ما أشرك مع الله أحداً، فهو ناجي بفطرته الأصيلة في نفسه، لكن تَصَوُّرُ الأمر كأمر واقع، أنا أستبعده جداً، إلا إذا تصورنا إنسان من العصر الحجري، يعيش لوحده في هذه البراري ولا يعيش في بيئة تصلحه أو تفسده، ممكن هذا أن يعيش على الفطرة السليمة ويموت كذلك، فعلى هذا نقول هو ناجي.
مداخلة: بس نحن الآن نريد أن نستدرك فقرة في هذا الحديث: «فأبواه
стр. 2375
يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» إذاً: المفهوم المتبادر في ضوء إجابتكم الطيبة هذه، أن الأبوين هم اللذان يتحملان مسؤولية الولد أليس كذلك؟
الشيخ: نعم، لكن هذا لا ينجي الولد.
هم بلا شك يتحملان مسؤولية الولد، لكن لا ينجي الولد من العذاب؛ لأنه إذا كان الولد مات قبل بلوغ سن التكليف فهذا طبعاً لا نقول أنه معذب، أما إذا بلغ سن التكليف ومات يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، فلا عذر له باعتبار أن (أباه) وأمه كانوا من الضالين يهود أو نصارى أو مجوس، فتحمل الآباء مسؤولية الأبناء شيء، وعدم مؤاخذة الولد شيء آخر، هنا لا بد من التفصيل الذي ألمحتُ إليه؛ أنه إن كان بلغ سن التكليف فهو مؤاخذ؛ لأنه لم يستعمل عقله في تفهم الدعوة، ويعود للكلام السابق، إذا بلغته، يعني نحن الآن عندما نتصور ...
مداخلة: نحن نقول في الذي لم تبلغه الدعوة.
الشيخ: حينئذ لا فرق بارك الله فيك بين الولد وبين الوالد.
مداخلة: وهذا هو الذي أريد أن أصل إليه، إذاً: معناه أنه صارت سلسلة
من التهويد والتمجيس والتنصير، لا حد لها ... وكل والدين يحملان مسؤولية
ما قبلهما (١).
إذاً: هذا كما قال النبي ﵊: «من أجرب البعير الأول؟» (٢).
الشيخ: لكن لا بد أن نلاحظ أن هذا التسلسل لا ينبغي طرده لا سلباً ولا
стр. 2376
إيجابياً، يعني لا نستطيع أن نتصور أن كل واحد من هؤلاء لم تبلغه الدعوة، فأنت تعرف النصارى الذين يعيشون في البلاد الإسلامية، كبلاد الشام مثلاً، هؤلاء لا أتصور أن نقول عنهم أنهم لم تبلغهم الدعوة؛ لأننا حينما نقول لم تبلغهم الدعوة ما نعني تفاصيلها، وإنما نعني محاربة الشرك الذي هم واقعين فيه، بينما نصارى أوروبا وأمريكا .. وإلى آخره، هؤلاء يغلب على الظن أنهم ما بلغتهم الدعوة، لكن مع ذلك لا يجوز أن نطلق هذا النفي؛ لأنه ممكن بعض أفراد من أولئك إما دراسة شخصية أو اتصالات شخصية كما نعلم عن بعض السفراء الذي كانوا يرسلون إلى بعض البلاد العربية، فتتاح لهم فرصة في لقاء بعض العلماء وبعض المشايخ، فتتجلى لهم عن الإسلام حقائق كانوا يجهلونها من قبل، فهؤلاء بالرغم أنهم من أمريكا مثلاً، لكن هؤلاء لا ينساقون مساق أولئك أبداً.
لذلك ... فيجب أن ننظر إلى المناط، من بلغته الدعوة فقد أنذر، من لم تبلغه الدعوة فكما تعلم له حساب في عرصات يوم القيامة.
مداخلة: إذاً: هنا يا شيخنا سؤال يسترجع السؤال الآخر، وهو إذا كان هذا الإنسان، فسدت فطرته بأبويه وتحول إلى دين الشرك حتى بفطرته، فهذا الإنسان إذا بلغ سن التكليف وكان في بيئة كبيئة ديار الشام أو مصر مثلاً، وهو يسمع بهذه الدعوة التي أقل ما فيها فهماً له أنه قادر على نفي الشرك عنه، فإذاً مؤاخذٌ ولو أن أبويه قد أفسدا فطرته.
الشيخ: لا شك.
مداخلة: الرسول ﵊ حكم بأن أباه في النار، وهذا حكم قضى به ﵌ بصريح اللفظ والعبارة، لكن أمه لم يصرح بأنها في النار، وإنما قال:
стр. 2377
«استأذنت ربي أن أزور قبرها فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي»، فهل هذا أيضاً ينبئ عن ما صرح بحق أبيه؟
الشيخ: طبعاً بلا شك؛ لأنه كما لا يخفاك عدم الاستغفار.
مداخلة: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾.
الشيخ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (التوبة:١١٤).
فعدم الإذن للرسول ﵇ بالاستغفار لأمه يعني بأنه لا يجوز الاستغفار لمشرك.
مداخلة: لكن أيضاً هل يقال بأنه قد يلمح عدم تصريح النبي ﵌ بأن أمه في النار، أنها في منزلة دون منزلة أبيه في النار؟
الشيخ: لا، الأمر مسكوت عنه، ممكن كما حدث الرسول ﵇ عن عمه أبي طالب أنه في ضحضاح، هذا ممكن، لكن كما لا يخفاك أيضاً أن الأمور الغيبية لا يجوز التوسع فيها، وإنما نكل الأمر إلى الله .
مداخلة: وإلا لانتهينا إلى ما انتهى إليه القوم، بأن الله بعث أبوي النبي ﵌ ...
الشيخ: أحياهما له، حتى آمنا به.
مداخلة: يعني: إنسان غير موحد لا يُسْتَغْفَر له، ولو أيقنا أنه لم تبلغ الدعوة.
الشيخ: هذا لأنك أنت لك الظاهر، أنت لا تدري أن هذا معذور أو غير معذور، فهو مشرك من حيث الظاهر.
أردت أن أقول بالنسبة لحديث: «ما من يهودي أو نصراني من هذه الأمة
стр. 2378
يسمع بي ثم لا يؤمن بي ... » أنا أقول في تفسير هذا الحديث بهذه المناسبة، يسمع بي على حقيقتي، فإن النصارى مثلاً في فرنسا في بريطانيا في ألمانيا، سمعوا بالرسول ﵇، لكن سمعوا به رجل دجال نسونجي .. إلى آخره،
لكن هم معناه ما سمعوا به على حقيقته، دعمت هذا الفهم بحديث: «من رآني في المنام فقد رآني حقاً؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي» ... لا بد أن يكون الذي رآه في المنام تطابق أوصافه أوصاف الرسول ﵌ الواردة في الشمائل.
إذاً: لا بد له أن يرى شخص الرسول في المنام، ليس صورة يقال له: في المنام هذه شخصية محمد ﵇، فهنا قوله: (رآني) مثل قوله: (سمع بي) تماماً، أي: كل منهما على حقيقته ﵇، هنا من حيث شخصه، وهناك من حيث دعوته.
"الهدى والنور" (١٧٩/ ٠١: ٢٩: ٠٠)
[٧٤٦] باب مصير من وصلهم الدين على غير حقيقته
سؤال: بالنسبة للأمور الشركية، طبعاً في الشيشان صوفيين، وسألت في الداغستان بعض أهل العلم عن الدين الذين وصلهم؟
الشيخ: عن؟
مداخلة: عن الدين الإسلامي كيف وصلهم يعني، صوفي أم .. دعوة التوحيد، قالوا: الذي وصلهم منذ ثلاثمائة سنة الذي هو صوفية فقط هذا ما عرفوه، طبعاً نتكلم مع كبار السن، يعني: هم يقولون: لا إله إلا الله، ولكن اعتقادهم الجازم إذا ما في له أستاذ لا يدخل الجنة، والأستاذ طبعاً رجل ميت، طبعاً يسألون الأستاذ يعني التقرب إلى الله كقريش، يعني: يقولون: يا أستاذ يا وقحجي ينادون الأولياء،
стр. 2379
هذا الذي وصلهم لا يعرفون غير هذا، كبار السن معظمهم يرفضون ما نقوله بالنسبة للا إله إلا الله، ولكن الصغار يتقبلون الحمد لله، يعني هؤلاء الحكم يا شيخ، هل هم .. في بعضهم يقولون أنهم مشركون؟
الشيخ: نحن ذكرنا أكثر من مرة أن الإسلام يبني أحكامه على الظواهر، ويدع البواطن لله ، والإسلام كما تعلمون جميعاً له شروط وأركان، فكل من اعترف بها حسب مسلماً، وقد يكون اعترافه نفاقاً، فنفاقه بينه وبين ربه الله يحاسبه، ونحن ليس لنا إلا الظاهر، فهؤلاء الذين ذكرتهم أتصور من بعيد وما رأيتهم، لكني رأيت أمثالهم في بعض البلاد الأخرى، لا شك أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ويصومون ويحجون، إذاً: هم جاءوا بأركان الإسلام الخمسة، ثم هم يؤمنون بالله وملائكته و .. وكتبه الأركان المعروفة الإيمانية، لكن بلا شك يسيئون فهم كثير من هذه الشروط أو الأركان.
أول ذلك: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن معنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق في الوجود إلا الله، ومعنى: وأن محمداً رسول الله، أننا لا نعبد الله إلا بما جاء به رسول الله، فمن حقق هذا المعنى في الشهادة الأولى، وهذا المعنى في الشهادة الأخرى يكون مسلماً ويصدق عليه ما قاله ﵇: «فإذا قالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله فلهم ما لنا وعليهم ما علينا».
إذاً: هؤلاء نحن نسوقهم مساق المسلمين، أما الله فهو المحاسب لهم هو أعلم بهم، نحن نفرق هنا بين هؤلاء المساكين الذين لم تبلغهم دعوة الحق التي نسميها نحن بالدعوة السلفية، وبين كثير من هؤلاء العرب الذين يعيشون في البلاد العربية وقد سمعوا دعوة الحق ثم جحدوها وأنكروها، فأعتقد أنهما أي الفريقين ليسوا سواء عند رب العالمين؛ ذلك لأن الفريق الأول يعتبر جله عذراً لهم
стр. 2380
أي: لم تبلغهم الدعوة، وربنا يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
وبهذه المناسبة أقول: ﴿حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، إما رسولاً بشخصه ودعوته أو بدعوته دون شخصه كما هو شأننا اليوم، نحن ما جاءنا رسول، لكن جاءتنا دعوة الرسول، فالحجة قائمة علينا، لكن ليس كل فرد في العالم -كل العالم الإسلامي وغير الإسلامي- قد قامت الحجة عليه كأمثال هؤلاء الذين ما عرفوا الإسلام إلا من الزاوية الصوفية.
لذلك نحن موقفنا بالنسبة لهؤلاء حقيقة موقف الطبيب بالنسبة للمريض، فهو شفيق على مريضه وحريص على شفائه؛ وذلك بما يقدم إليه من أدويته، هؤلاء يجب العناية بهم أن يفهموا القرآن ولو بِلُغَتِهِم، وأظن مهما بلغ بهم الجهل والتشبث بالتصوف فلابد أنهم سمعوا بشيئين أحدهما القرآن والآخر السنة، فحينئذ يدندن حولهم دائماً أن الإسلام هو القرآن والسنة .. القرآن والسنة .. القرآن والسنة .. ولو بقي الداعية بينهم سنين حتى يغرس في أذهانهم أن الإسلام قال الله قال رسول الله، فإذا ما غرست هذه النواة في قلوبهم يبدأ الداعية يفهمهم بعض الأمور المتعلقة بالكتاب والسنة وبخاصة ما ذكرته آنفاً من التوحيد، ما معنى لا إله إلا الله، وهذه العقيدة والحمد لله بينة جداً في القرآن الكريم: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات:٣٥)، المشركون هكذا إذا دعوا أن يقولوا: لا إله إلا الله يستكبرون، فيبين لهم ما معنى هذه الآيات، ويلفت نظرهم الفرق بين ما يعنيه القرآن والسنة أيضاً عن الرسول ﵇ وبين ما هم عليه مما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم.
المهم شيئان اثنان، أحدهما: يتعلق بالداعية، والآخر يتعلق بهؤلاء المدعوين،
стр. 2381
هؤلاء لا يحكم عليهم بأنهم كفار وبأنهم خارجون عن الإسلام، حسبنا وفي نفوسنا أن نعتقد بلا شك ضالون عن الإسلام، هذا فيما يتعلق بهم، فيما يتعلق بنا نحن كدعاة يجب علينا كما مثلت آنفاً بالطبيب والمريض أن نترفق بهم وأن نهديهم سواء السبيل.
والحمد لله رب العالمين.
"الهدى والنور" (٨٠٩/ ٠٠: ٤٤: ٠٠)
[٧٤٧] باب من وُصف له الرسول ﵌ على خلاف الواقع فصده ذلك عن الإسلام هل هو في حكم أهل الفترة ؟
السائل: الحمد لله رب العالمين, حديث: «من رآني فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي» [لو] تُحَدثنا فضيلتنا عن فقه هذا الحديث جزاكم الله خيرًا.
الشيخ: [هذا] حديث صحيح أخرجه الشيخان في صحيحيهما وله ألفاظ كثيرة متقاربة تؤدي إلى هذا المعنى أي: إن الله ﵎ حفظ نبيه صلى الله عليه وآله سلم أن يتشبه به الشيطان لبني الإنسان حتى في المنام، وهذه غاية محافظة الله لعصمة النبي ﵌، وما ذلك إلا لمحافظته على شريعته ﵎ حتى لا يؤتى المسلم في نومه من الشيطان: «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا» لم؟ علل ذلك ﵇ بقوله: «فإن الشيطان لا يتمثل بي» وفي لفظ آخر «لا يتزيى بي» ويُخبر بعض الناس ممن يرون أو يظنون بالأحرى أو الأصح أن نقول: يظنون أنهم رأوا النبي ﵌ ﷺ ﵃ المنام لمجرد أنه خيل إليهم أنهم رأوه في المنام فإذا ما سئلوا عن أوصافه ﵌ وشمائله حيث ادعوا أنهم رأوه أجابوا بصفات تخالف المعروف عنه ﵌ من شمائله, لقد وقع لنا
стр. 2382
كثيرًا مع بعض الرائين فكنا نسألهم بعضهم يقول: رأيت النبي ﵌ ووجهه ولحيته بيضاء كلها نور يتوهم, أنه يصف حقيقة النبي ﵌ وما درى أن هذا الوصف باطل إلى ما وصف به النبي ﵌ يدريه ويعلمه من كان على علم واسع بشمائل النبي ﵌، فإننا نقرأ في صحيح البخاري وغيره عن أنس ابن مالك ﵁ أن النبي ﵌ ما شانه الله ببيضاء, فإذن كيف يصف المرئي في منامه بأن له لحية بيضاء، وإن كان يضيف إلى ذلك بأنها من نور والرسول ﵇ لا يجوز أن يوصف بأنه كان شائبًا لأنه كذب عليه ﵌ ويمكن أن هذا كذب يدخل في عموم قوله ﵊: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (١) وفي لفظ آخر: «من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» (٢) وهذا الحديث وإن كان ظاهره التقول عليه بالكلام على كلامه ﵊، فلا شك أنه يشمل أيضًا أن يُنسب إلى النبي ﵌ من الشمائل والأوصاف ما لم يكن عليها فمن ذلك وصفه ﵇ بأنه كان شائبا أبيض اللحية لكثرة الشيب في لحيته فهذا كذب لما ذكرته آنفًا من حديث أنس، وفي رواية أخرى عنه أن الشعرات البيضاء لا يتجاوز عددها عشرين شعرة ...
فهذا الرائي الذي يقول: رأيته ذا لحية بيضاء إلى آخر كلامه يدل على أنه لم ير النبي ﵌، ذلك لأنه يقول ﵊: «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا» من رآني: يعني بأوصافي وبشمائلي مش بالخيال لا يطابق ما كنت عليه في حياتي، لذلك كان إمام المؤولين للرؤى وهو تابعي جليل محمد ابن سيرين
стр. 2383
رحمه الله الراوي عن أبي هريرة المكثر من الرواية عن أبي هريرة ﵁، كان مشهورًا بإصابته في تأويل الرؤى، كان إذا جاءه شخص وادعى بأنه رأى النبي ﵌ في المنام سأله كيف رأيته؟ فيصفه بصفات لم يكن ﵇ متصفًا بها في حياته فيقول: لم تر الرسول لكن ذاك شيطان خيل إليك أنه الرسول والرسول يقول: «من رآني» أي على حقيقتي, وهذا يذكرنا بحديث آخر وله علاقة بمسألة أخرى هامة وهي هل تكون الدعوة دعوة النبي صلى الله عليه وآله سلم قد بلغت ناسًا أو قومًا إذا ما بلغتهم محرفة عن حقيقة الدعوة الإسلامية هل تكون بلغتهم والحالة هذه الدعوة وأقيمت عليهم الحجة؟ أم يكونون ممن يسميهم العلماء بأهل الفترة وينطبق عليهم قول ربنا في القرآن: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾؟
الجواب بحديث يشبه هذا الحديث من جانب ذاك الحديث هو: ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي - هنا الشاهد - يسمع بي - كما قال: «من رآني» ما من رجل في هذه الأمة - أي أمة الدعوة -من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» فقوله ﵊ في هذا الحديث: «يسمع بي» يعني على حقيقته وعلى حقيقة ما جاء به من الدعوة إلى الإسلام فإذا كان ذلك الرجل من يهودي أو نصراني لم يسمع به ﵇ على حقيقته فلم تبلغه الدعوة لأنها بلغته محرفة فإذا آمن بهذه الدعوة المحرفة لم يؤمن به ﵇ وعلى ذلك نفهم حقيقتين مؤسفتين:
الحقيقة الأولى: أن النصارى بخاصة في بلاد الغرب وأمريكا حينما يقوم
стр. 2384
المبشرون الذين يسمون على غير اسمهم مبشرون وهم في ضلال مبين، حينما يصفون نبينا ﵌ لأقوامهم بأوصاف مخالفة لما كان عليه الرسول ﵇ من طهر وكمال في الأخلاق كما قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١) فحينما يصف المبشرون نبينا ﵌ لقومهم بهذه الأوصاف ثم كانت النتيجة أنهم لم يؤمنوا به ﵇، فما بلغتهم الدعوة؛ لأنهم وصفوه لهم بأنه كان ذا شهوة عارمة ودليل أن المسلمين يقولون بأنه ﵇ حرم على أمته من النساء أكثر من أربع بينما هو تزوج وجمع في وقت واحد بين تسع من النساء, فهم - أعني المبشرين الكذابين المفترين - يقولون فأباح النبي لنفسه لغلبة الشهوة عليه ما حرم على أمته, فحينما يسمع النصارى مثل هذه الأوصاف الكاذبة تكون النتيجة أنهم لا يؤمنون لأنهم قد وُصف لهم الرسول على غير حقيقته هذه المسألة
الأولى المؤسفة.
والمسألة الأخرى على العكس من هذا ولكنها أيضا مؤسفة, هناك طائفة من المسلمين ينتمون إلى الإسلام يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصلون ويحجون ويزكون ويصومون ولكنهم يعتقدون عقائد باطلة تخالف الشريعة الإسلامية في كثير من عقائدها المعلومة من الدين بالضرورة أولئك هم المعروفون عند عامة المسلمين بالقاديانيين والذين يسمون أنفسهم بالأحمديين, لهم عقائد ضالة منحرفة عن الإسلام منها اعتقادهم بأن باب النبوة بعده ﵇ لم يغلق وأنه مفتوح إلى قيام الساعة، وأنه قد جاء واحد منهم وهو الذي اتبعوه واغتروا به وابتعدوا بسبب ذلك عن الإسلام بعيدًا بعيدًا جدًّا وهو المعروف بميرزا غلام أحمد القادياني هؤلاء يدعون إلى الإسلام في تلك البلاد الأوروبية
стр. 2385
بنشاط عجيب مع الأسف واستطاعوا أن يدخلوا في إسلامهم كثير من أولئك الأوروبيين فاعتقدوا ما اعتقدوه من جواز مجيء أنبياء بعد الرسول ﵇ ومنهم ميرزا غلام أحمد فهل هؤلاء الذين أسلموا إسلامًا قاديانيًّا سمعوا به ﵇ على حقيقته وحقيقة دعوته، وهل ينفعهم هذا الإسلام أم لا ينفعهم؟ , الجواب في الحديث السابق «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» فمن سمع بالنبي ﵌ على غير ما كان عليه من أخلاق ومن شريعة فهو لم يسمع به وحينذاك لا يكون من المعذبين الكافرين في النار لأن الحجة لم تقم عليه وعلى العكس من ذلك أولئك الذين آمنوا به ﵇ على أنه يقول بأن النبوة بعده سائغة ماشية وإلى غير ذلك من عقائد القاديانية، ولستُ الآن بصدد ذكر كثير منها وإنما ذكرتُ هذا على سبيل التمثيل, فقوله ﵌ في الحديث الأول: «من رآني في المنام» أي: من رآني على حقيقتي البدنية وشمائلي المحمدية فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي، وبذلك نعلم أن كثيرًا من الرؤى التي يدعي أصحابها فيها أنهم رأوا النبي ﵌ وإذا ما سئلوا عن وصف المرئي كان جوابهم أنهم رأوه في صورة لم يكن ﵇ عليها، كما ضربنا لكم آنفا مثلاً بالرجل الشايب والذي لحيته نور هكذا رأى الرسول فهذه رؤيا شيطانية, كذلك مثلا: وقع لنا أننا سألنا كيف رأيت الرسول فيجيب بأني رأيته يمشي (الهوينة) يمشي بضعف وهذا خلاف شمائله ﵊ حيث جاء فيها أن النبي ﵌ كان إذا مشى فكأنما ينصب من صبب كناية على أنه ﵇ يمشي بقوة فمن رأى أنه يمشي على ضعف فليس هو الرسول ﵇ وهكذا يجب أن نفهم هذا الحديث ...
"فتاوى جدة -الأثر-" (١٧/ ٠٠:٢٦:٤٨)