هؤلاء لا يحكم عليهم بأنهم كفار وبأنهم خارجون عن الإسلام، حسبنا وفي نفوسنا أن نعتقد بلا شك ضالون عن الإسلام، هذا فيما يتعلق بهم، فيما يتعلق بنا نحن كدعاة يجب علينا كما مثلت آنفاً بالطبيب والمريض أن نترفق بهم وأن نهديهم سواء السبيل.
والحمد لله رب العالمين.
"الهدى والنور" (٨٠٩/ ٠٠: ٤٤: ٠٠)
[٧٤٧] باب من وُصف له الرسول ﵌ على خلاف الواقع فصده ذلك عن الإسلام هل هو في حكم أهل الفترة ؟
السائل: الحمد لله رب العالمين, حديث: «من رآني فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي» [لو] تُحَدثنا فضيلتنا عن فقه هذا الحديث جزاكم الله خيرًا.
الشيخ: [هذا] حديث صحيح أخرجه الشيخان في صحيحيهما وله ألفاظ كثيرة متقاربة تؤدي إلى هذا المعنى أي: إن الله ﵎ حفظ نبيه صلى الله عليه وآله سلم أن يتشبه به الشيطان لبني الإنسان حتى في المنام، وهذه غاية محافظة الله لعصمة النبي ﵌، وما ذلك إلا لمحافظته على شريعته ﵎ حتى لا يؤتى المسلم في نومه من الشيطان: «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا» لم؟ علل ذلك ﵇ بقوله: «فإن الشيطان لا يتمثل بي» وفي لفظ آخر «لا يتزيى بي» ويُخبر بعض الناس ممن يرون أو يظنون بالأحرى أو الأصح أن نقول: يظنون أنهم رأوا النبي ﵌ ﷺ ﵃ المنام لمجرد أنه خيل إليهم أنهم رأوه في المنام فإذا ما سئلوا عن أوصافه ﵌ وشمائله حيث ادعوا أنهم رأوه أجابوا بصفات تخالف المعروف عنه ﵌ من شمائله, لقد وقع لنا
стр. 2382
كثيرًا مع بعض الرائين فكنا نسألهم بعضهم يقول: رأيت النبي ﵌ ووجهه ولحيته بيضاء كلها نور يتوهم, أنه يصف حقيقة النبي ﵌ وما درى أن هذا الوصف باطل إلى ما وصف به النبي ﵌ يدريه ويعلمه من كان على علم واسع بشمائل النبي ﵌، فإننا نقرأ في صحيح البخاري وغيره عن أنس ابن مالك ﵁ أن النبي ﵌ ما شانه الله ببيضاء, فإذن كيف يصف المرئي في منامه بأن له لحية بيضاء، وإن كان يضيف إلى ذلك بأنها من نور والرسول ﵇ لا يجوز أن يوصف بأنه كان شائبًا لأنه كذب عليه ﵌ ويمكن أن هذا كذب يدخل في عموم قوله ﵊: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (١) وفي لفظ آخر: «من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» (٢) وهذا الحديث وإن كان ظاهره التقول عليه بالكلام على كلامه ﵊، فلا شك أنه يشمل أيضًا أن يُنسب إلى النبي ﵌ من الشمائل والأوصاف ما لم يكن عليها فمن ذلك وصفه ﵇ بأنه كان شائبا أبيض اللحية لكثرة الشيب في لحيته فهذا كذب لما ذكرته آنفًا من حديث أنس، وفي رواية أخرى عنه أن الشعرات البيضاء لا يتجاوز عددها عشرين شعرة ...
فهذا الرائي الذي يقول: رأيته ذا لحية بيضاء إلى آخر كلامه يدل على أنه لم ير النبي ﵌، ذلك لأنه يقول ﵊: «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا» من رآني: يعني بأوصافي وبشمائلي مش بالخيال لا يطابق ما كنت عليه في حياتي، لذلك كان إمام المؤولين للرؤى وهو تابعي جليل محمد ابن سيرين
стр. 2383
رحمه الله الراوي عن أبي هريرة المكثر من الرواية عن أبي هريرة ﵁، كان مشهورًا بإصابته في تأويل الرؤى، كان إذا جاءه شخص وادعى بأنه رأى النبي ﵌ في المنام سأله كيف رأيته؟ فيصفه بصفات لم يكن ﵇ متصفًا بها في حياته فيقول: لم تر الرسول لكن ذاك شيطان خيل إليك أنه الرسول والرسول يقول: «من رآني» أي على حقيقتي, وهذا يذكرنا بحديث آخر وله علاقة بمسألة أخرى هامة وهي هل تكون الدعوة دعوة النبي صلى الله عليه وآله سلم قد بلغت ناسًا أو قومًا إذا ما بلغتهم محرفة عن حقيقة الدعوة الإسلامية هل تكون بلغتهم والحالة هذه الدعوة وأقيمت عليهم الحجة؟ أم يكونون ممن يسميهم العلماء بأهل الفترة وينطبق عليهم قول ربنا في القرآن: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾؟
الجواب بحديث يشبه هذا الحديث من جانب ذاك الحديث هو: ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي - هنا الشاهد - يسمع بي - كما قال: «من رآني» ما من رجل في هذه الأمة - أي أمة الدعوة -من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» فقوله ﵊ في هذا الحديث: «يسمع بي» يعني على حقيقته وعلى حقيقة ما جاء به من الدعوة إلى الإسلام فإذا كان ذلك الرجل من يهودي أو نصراني لم يسمع به ﵇ على حقيقته فلم تبلغه الدعوة لأنها بلغته محرفة فإذا آمن بهذه الدعوة المحرفة لم يؤمن به ﵇ وعلى ذلك نفهم حقيقتين مؤسفتين:
الحقيقة الأولى: أن النصارى بخاصة في بلاد الغرب وأمريكا حينما يقوم
стр. 2384
المبشرون الذين يسمون على غير اسمهم مبشرون وهم في ضلال مبين، حينما يصفون نبينا ﵌ لأقوامهم بأوصاف مخالفة لما كان عليه الرسول ﵇ من طهر وكمال في الأخلاق كما قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١) فحينما يصف المبشرون نبينا ﵌ لقومهم بهذه الأوصاف ثم كانت النتيجة أنهم لم يؤمنوا به ﵇، فما بلغتهم الدعوة؛ لأنهم وصفوه لهم بأنه كان ذا شهوة عارمة ودليل أن المسلمين يقولون بأنه ﵇ حرم على أمته من النساء أكثر من أربع بينما هو تزوج وجمع في وقت واحد بين تسع من النساء, فهم - أعني المبشرين الكذابين المفترين - يقولون فأباح النبي لنفسه لغلبة الشهوة عليه ما حرم على أمته, فحينما يسمع النصارى مثل هذه الأوصاف الكاذبة تكون النتيجة أنهم لا يؤمنون لأنهم قد وُصف لهم الرسول على غير حقيقته هذه المسألة
الأولى المؤسفة.
والمسألة الأخرى على العكس من هذا ولكنها أيضا مؤسفة, هناك طائفة من المسلمين ينتمون إلى الإسلام يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصلون ويحجون ويزكون ويصومون ولكنهم يعتقدون عقائد باطلة تخالف الشريعة الإسلامية في كثير من عقائدها المعلومة من الدين بالضرورة أولئك هم المعروفون عند عامة المسلمين بالقاديانيين والذين يسمون أنفسهم بالأحمديين, لهم عقائد ضالة منحرفة عن الإسلام منها اعتقادهم بأن باب النبوة بعده ﵇ لم يغلق وأنه مفتوح إلى قيام الساعة، وأنه قد جاء واحد منهم وهو الذي اتبعوه واغتروا به وابتعدوا بسبب ذلك عن الإسلام بعيدًا بعيدًا جدًّا وهو المعروف بميرزا غلام أحمد القادياني هؤلاء يدعون إلى الإسلام في تلك البلاد الأوروبية
стр. 2385
بنشاط عجيب مع الأسف واستطاعوا أن يدخلوا في إسلامهم كثير من أولئك الأوروبيين فاعتقدوا ما اعتقدوه من جواز مجيء أنبياء بعد الرسول ﵇ ومنهم ميرزا غلام أحمد فهل هؤلاء الذين أسلموا إسلامًا قاديانيًّا سمعوا به ﵇ على حقيقته وحقيقة دعوته، وهل ينفعهم هذا الإسلام أم لا ينفعهم؟ , الجواب في الحديث السابق «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» فمن سمع بالنبي ﵌ على غير ما كان عليه من أخلاق ومن شريعة فهو لم يسمع به وحينذاك لا يكون من المعذبين الكافرين في النار لأن الحجة لم تقم عليه وعلى العكس من ذلك أولئك الذين آمنوا به ﵇ على أنه يقول بأن النبوة بعده سائغة ماشية وإلى غير ذلك من عقائد القاديانية، ولستُ الآن بصدد ذكر كثير منها وإنما ذكرتُ هذا على سبيل التمثيل, فقوله ﵌ في الحديث الأول: «من رآني في المنام» أي: من رآني على حقيقتي البدنية وشمائلي المحمدية فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي، وبذلك نعلم أن كثيرًا من الرؤى التي يدعي أصحابها فيها أنهم رأوا النبي ﵌ وإذا ما سئلوا عن وصف المرئي كان جوابهم أنهم رأوه في صورة لم يكن ﵇ عليها، كما ضربنا لكم آنفا مثلاً بالرجل الشايب والذي لحيته نور هكذا رأى الرسول فهذه رؤيا شيطانية, كذلك مثلا: وقع لنا أننا سألنا كيف رأيت الرسول فيجيب بأني رأيته يمشي (الهوينة) يمشي بضعف وهذا خلاف شمائله ﵊ حيث جاء فيها أن النبي ﵌ كان إذا مشى فكأنما ينصب من صبب كناية على أنه ﵇ يمشي بقوة فمن رأى أنه يمشي على ضعف فليس هو الرسول ﵇ وهكذا يجب أن نفهم هذا الحديث ...
"فتاوى جدة -الأثر-" (١٧/ ٠٠:٢٦:٤٨)
стр. 2386
[٧٤٨] باب الكلام على أهل الأعذار
الذين لم تصلهم الدعوة، وأطفال المشركين
السائل: [الحديث]: «فمن سمع بي ولم يتبعني دخل النار»، ولكن من لم يسمع بالرسول ﵌؟
الشيخ: الجواب في الحديث، الحديث كما يقول علماء الأصول له منطوق وله مفهوم، منطوقه: "وسمع بي"، مفهومه ولم يسمع بي لا يدخل النار، أي: في كل عصر وفي كل مصر يوجد غير مسلمين، سواء كانوا يهوداً أو نصارى أو بوذيين أو دهريين أو أي شيء، غير مسلمين، هؤلاء يدور أمرهم بين واحد من اثنتين لا ثالث لهما: إما أن يكون بلغته دعوة الرسول ﵇ أو لم تبلغه، فإذا بلغته عرفت الجزاء من نفس الحديث، وإذا لم تبلغه فليس له هذا الجزاء، هذا هو الجواب عن سؤالك، ماشي؟
السائل: ماشي.
الشيخ: أم فيه شيء؟
السائل: نحن نسأل عن المصير، هل يجب أن يكون متبع لدين معين إذا ما وصله دين الإسلام، هل يحاسب على أعماله الشخصية، أو هل يصل إلى معرفة الخالق أو وحدانية الخالق ...
الشيخ: أنت يا أستاذ الحقيقة يكون في ذهنك أسئلة كثيرة جداً تظن لما توجه سؤالاً واحداً لازم يكون هذا متضمن لكل الأسئلة، أنت كان سؤالك: وإذا لم يسمع، جاءك الجواب، الآن تجي وتقول: هل يحاسب هل كذا هل كذا .. إلخ، كل سؤال له جواب، ما فيه عندي مانع أي إنسان يسأل سؤالاً وفي مطلع هذه الجلسة
стр. 2387
قلنا: الذي عندنا جوابه نجاوب، وإلا وكلنا العلم إلى الله ، لكن لازم يكون سؤال واضح، سؤالك أولاً قال: وإذا لم يسمع، فأخذت الجواب، إذا لم يسمع لا يكون له هذا الوعيد، لكن فيه سؤال ثاني، حدد لي إياه وأنا أجاوب عليه، ما سؤالك الثاني؟
السائل: ناس لم تصلهم رسالة محمد ﵌، في «الإسكيمو» في أي منطقه من مناطق العالم.
الشيخ: هو قلنا نحن.
السائل: هل الجماعة هؤلاء ... إذا حوسبوا مثلاً وكانوا على النصرانية يحاسبون على دين النصرانية؟
الشيخ: يا أخي! سبق الجواب بارك الله فيك، إما سمع بالإسلام أو لم يسمع، إذا سمع بالإسلام ولم يؤمن فهو في النار، إذا لم يسمع فليس في النار، أي: لا يحاسب هذا الحساب الذي يحاسب عليه من سمع.
السائل: بارك الله فيك.
مداخل آخر: يحاسب يعني ...
الشيخ: لا لا، اسمح ليس قليل، لأني أنا شاعر أنه ما أخذ الجواب، ما دام أنه لم يسمع بالرسول ﵇ فهو ليس في النار، فسؤالك الآن ما هو: هل يحاسب؟ كيف يحاسب وهو لم تبلغه الدعوة؟
السائل: نحن نعلم من خلال قراءة التفاسير أن الطفل الصغير يُحاسب.
الشيخ: كيف يحاسب؟
стр. 2388
السائل: في تفسير القرآن والتفاسير، إنسان: طفل، إذا مات غير مكلف: سنتين أو خمس سنوات عمره أو أقل أو أكثر تحت التكليف أنه يمتحن يوم القيامة من الله .
الشيخ: وبعد الامتحان ماذا يكون؟
السائل: يقرر إما جنة أو نار إذا أطاع أو خالف.
الشيخ: لا، هذا ما هو صحيح.
السائل: حسب ما قرأت.
الشيخ: لا هذا ليس صحيحاً.
مداخلة: علمه عند الله.
الشيخ: هذا علمه عند الله، هذا علم الله في القرآن، ماذا يقول ربنا في القرآن الكريم: ألحقنا بهم ذرياتهم، من يأتي بالآية.
مداخلة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ﴾ (الطور:٢١).
الشيخ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ﴾ (الطور:٢١) أين أنت من هذه الآية، كيف تقول أنت هؤلاء الأطفال يحاسبون؟
السائل: نحن قرأنا في تفاسير كثيرة ...
الشيخ: لا بارك الله فيك، هذه الآية عندك صريحة.
السائل: الإخوان مشاركون لي في هذه الشغلة وقرؤوا الموضوع هذا.
стр. 2389
الشيخ: لا، ما قرؤوا الموضوع، قرؤوا موضوعاً ثانياً أنا أقول لك ما هو، أطفال المشركين، هذا الموضوع الذي قرأتوه، أما أطفال المسلمين: «ألحقنا بهم ذريتهم»، هذا ما فيه إشكال أبداً، أطفال المؤمنين ملحقون بآبائهم، حتى في أشياء لها فضيلة كبيرة جداً جداً، وما أدري كيف مريت عليها، قال ﵇: «ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنثة -أي: التكليف- إلا لم تمسه النار إلا تحلة القسم» (١) وليس هذا فقط ليس أنهم لا يدخلون النار وهم ملحقون بآبائهم بل يكونون شفعاء لآبائهم، جاء في صحيح مسلم أن الأطفال الصبيان غير البالغين يقفون عند باب الجنة يبكون، فيرسل الله إليهم جبريل ﵇: سلهم ما بهم وهو أعلم ما بهم ربنا ، فيأتيهم: ما بالكم؟ قالوا: لا ندخل الجنة إلا وآباؤنا معنا، فيقول الله : أدخلوهم وآباؤهم معهم, ... ، البحث الذي قرأته والله أعلم هم أطفال المشركين، فيه ثلاثة أقوال لعلماء المسلمين: أطفال المشركين في الجنة، وهم خدم أهل الجنة هذا قول، القول الثاني هم يمتحنون في عرصات يوم القيامة كما امتحن آباؤهم في الدنيا، القول الثالث: هم وآباؤهم في النار، حتى بهذه المناسبة يرووا حديثاً وأنا أذكره لتحذيري لكم منه، أنه السيدة خديجة ﵂ وأرضاها تعلمون أن النبي ﵌ لما تزوجها كانت متزوجة من قبل رجلاً وخلفت منه أولاداً، فسألت يوماً الرسول ﵇ عن أولادها من زوجها الأول الذي مات في الجاهلية وماتوا، قال لها وانتبهوا الحديث غير صحيح: «إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار». هذا حديث غير صحيح.
القول الصحيح بالنسبة للأقوال الثلاثة أن الأطفال الصغار للمشركين حكمهم حكم المجانين وحكم الشيوخ الخرفانين، وحكم أهل الفترة الذين
стр. 2390
حكينا عليهم وهم الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ﵇، هؤلاء جاء في الحديث الصحيح أن الله يرسل إليهم في عرصات يوم القيامة رسولاً، فيأمرهم بأن يلقوا بأنفسهم في النار، وأمامهم النار، فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، تماماً كما هو الشأن في هذه الحياة، لكن مع فارق كبير، والفارق هنا يا إخواننا أرجو أن تنتبهوا يتعلق بالمرسِل والمرسَل إليهم، المرسَل هنا في الدنيا في عنده معجزات وعنده براهين تتناسب حياة المرسل إليهم المادية التي يعيشون فيها، المرسل هناك يأتي أيضاً بعلامة يقتنع المرسلون إليه بأنه هذا فعلاً مرسل من رب العالمين، والابتلاء هناك كالابتلاء هنا مع فارق كبير، هنا من يؤمن فسيصاب بما جاء في الحديث: حفت الجنة بالمكارة وحفت النار بالشهوات، فالذي يريد يؤمن يحف ويصاب بنار معنوية، أما هناك فنار حقيقية مادية، لكن الرسول الذي يرسل إليهم يعلمون يقيناً أن هذا من الله، فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار.
فإذاً: لا تكليف قبل بلوغ النذارة، لا تكليف قبل مجيء الرسول أو الدعوة، وهذا من تمام حكم الله ورحمته بعباده التي أودعها فيما يتعلق بهذا الموضوع في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) فهؤلاء الصبيان من المشركين ما جاءهم رسول لأنهم بعد ما دخلوا في دائرة التكليف، أولئك الأقوام الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ما جاءهم الرسول ولذلك ربنا لا يعذبهم، هذا قولاً واحداً، أما يا ترى ماذا يعمل بهم ربنا؟ من كان عنده علم بالحديث الذي ذكرناه آنفاً فالجواب أن لهم امتحاناً في عرصات يوم القيامة.
فهذا هو الحق ما به خفاء فدعني عن بنيات الطريق
"الهدى والنور" (٢٦١/ ٠٤: ٣٨: ٠٠)
стр. 2391
[٧٤٩] باب من وصلته الدعوة
على غير حقيقتها ليس من أهل الوعيد
[قال رسول الله ﵌]:
«ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة، ولا يهودي، ولا نصراني، فلا يؤمن بي، إلا دخل النار»
[قال الإمام]:
ثم إن حديث الترجمة يمكن عده مبيناً ومفسراً لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ مع ملاحظة قوله ﵌ فيه:
«يسمع بي»؛ أي: على حقيقته ﵌ بشراً رسولاً نبياً فمن سمع به على غير ما كان عليه ﵌ من الهدى والنور ومحاسن الأخلاق؛ بسبب بعض جهلة المسلمين؛ أو دعاة الضلالة من المنصرين والملحدين؛ الذين يصورونه لشعوبهم على غير حقيقته ﵌ المعروفة عنه؛ فأمثال هؤلاء الشعوب لم يسمعوا به، ولم تبلغهم الدعوة، فلا يشملهم الوعيد المذكور في الحديث.
وهذا كقوله ﵌: «من رآني في المنام .. »؛ أي: على حقيقته وصفاته التي كان عليها في حال حياته، فمن ادعى فعلاً أنه رآه شيخاً كبيراً قد شابت لحيته؛ فلم يره؛ لأن هذه الصفة تخالف ما كان عليه ﵌ مما هو معروف من شمائله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
"الصحيحة" (٧/ ١/٢٤٥، ٢٥١).
стр. 2392
[٧٥٠] باب من مات في الجاهلية ليس من أهل الفترة
[عن] زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﵌ في حَائِطٍ لِبَنِى النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ - قَالَ كَذَا كَانَ يَقُولُ الْجُرَيْرِيُّ - فَقَالَ «مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الأَقْبُرِ». فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا.
قَالَ «فَمَتَى مَاتَ هَؤُلاَءِ». قَالَ مَاتُوا في الإِشْرَاكِ ... الحديث
[قال الإمام معلقًا على قوله في الإشراك]:
أي زمن الإشراك، يعني في الجاهلية، ففيه دليل على أن الذين ماتوا في الجاهية ليسوا من أهل الفترة والأحاديث في ذلك كثيرة.
"مختصر صحيح مسلم" (ص١٣٣).
[٧٥١] باب أهل الجاهلية ليسوا من أهل الفترة
[قال رسول الله ﵌]:
«لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم (من) عذاب القبر (ما أسمعني)».
[وقال ﵌]:
«إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه». قال زيد: ثم أقبل علينا بوجهه فقال: «تعوذوا بالله من عذاب النار»، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: «تعوذوا بالله من عذاب القبر»، قالوا: نعوذا بالله من عذاب القبر، قال: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن»، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: «تعوذوا بالله
стр. 2393
من فتنة الدجال»، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال».
[ترجم الإمام للحديثين بقوله:"الجاهليون ليسوا من أهل الفترة" ثم أورد الحديثين مع تخريجهما ثم قال:]
وفي هذه الأحاديث فوائد كثيرة [منه]:
إن أهل الجاهلية الذين ماتوا قبل بعثته ﵊ معذبون بشركهم وكفرهم، وذلك يدل على أنهم ليسوا من أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة نبي، خلافا لما يظنه بعض المتأخرين؛ إذ لو كانوا كذلك لم يستحقوا العذاب لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. وقد قال النووي في شرح حديث مسلم: " أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار ... " الحديث.
قال النووي (١/ ١١٤ طبع الهند): " فيه أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أن من مات على الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ".
"الصحيحة" (١/ ١/٢٩٢، ٢٩٤، ٢٩٧).
[٧٥٢] باب أهل الجاهلية ليسوا من أهل الفترة
عن زيد بن ثابت قال بينما النبي ﵌ ﷺ ﵃ حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به فكادت تلقيه وإذا أقبر ستة أو خمسة فقال: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر فقال رجل أنا قال: «فمتى ماتوا؟» قال: ماتوا في الشرك، فقال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه» ثم أقبل علينا بوجهه فقال: «تعوذوا بالله من عذاب
стр. 2394
النار» قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: «تعوذوا بالله من عذاب القبر» قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: «تعوذوا بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن» قالوا نعوذ بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن. قال: «تعوذوا بالله من فتنة الدجال» قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال». رواه مسلم.
[علق الإمام على قوله: ماتوا في الشرك قائلاً]:
أي في الجاهلية قبل بعثته ﵌ , ففيه دليل على أن أهل الجاهلية ليسوا من أهل الفترة وأنهم معذبون والأحاديث في ذلك كثيرة فانظر الحديث (١١١) [من مشكاة المصابيح] وما ذكرناه في تخريجه, والحديث (١٩) من «الأحاديث الصحيحة» ...
" تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٤٦).
[٧٥٣] باب بيان أن مشركي الجاهلية في النار
وليسوا من أهل الفترة بما فيهم والدي الرسول ﵌ -
[قال رسول الله ﵌]:
«إن أبي وأباك في النار»
[قال الإمام]:
والحديث أخرجه الجورقاني (١) في " الأباطيل والمناكير " (١/ ٢٣٥) من طريق أخرى عن داود بن أبي هند في جملة أحاديث أخرى تدل كلها - كهذا -
стр. 2395
على أن من مات في الجاهلية مشركاً فهو في النار، وليس من أهل الفترة كما يظن كثير من الناس، وبخاصة الشيعة منهم، ومن تأثر بهم من السنة! ومن تلك الأحاديث، ما رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفى دعاه، فقال: فذكر حديث الترجمة حرفا بحرف.
أخرجه مسلم (١/ ١٣٢ - ١٣٣) وأبو عوانة (١/ ٩٩) وأبو داود (٤٧١٨) والجورقاني (١/ ٢٣٣) وصححه، وأحمد (٣/ ٢٦٨) وأبو يعلى (٦/ ٢٢٩/ ٣٥١٦) وابن حبان (٥٧٨ - الإحسان) والبيهقي (٧/ ١٩٠) من طرق عن حماد بن سلمة به. ومنها سعد بن أبي وقاص المتقدم في المجلد الأول برقم (١٨) بلفظ: ِ «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار». فراجع سببه هناك، فإنه بمعنى حديث الترجمة لمن تأمله.
وإن مما يتصل بهذا الموضوع قوله ﵌ لما زار قبر أمه: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها، فأذن لي .. » الحديث.
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص ١٨٧ - ١٨٨) من حديث أبي هريرة وبريدة، فليراجعهما من شاء.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرنا خير كبير وبركة.
واعلم أيها الأخ المسلم أن بعض الناس اليوم وقبل اليوم لا استعداد عندهم لقبول هذه الأحاديث الصحيحة، وتبني ما فيها من الحكم بالكفر على والدي الرسول ﵌، بل إن فيهم من يظن أنه من الدعاة إلى الإسلام ليستنكر أشد الاستنكار التعرض لذكر هذه الأحاديث ودلالتها الصريحة! وفي اعتقادي أن هذا الاستنكار إنما ينصب منهم على النبي ﵌ الذي قالها إن صدقوا بها، وهذا - كما
стр. 2396
هو ظاهر - كفر بواح، أو على الأقل: على الأئمة الذين رووها وصححوها، وهذا فسق أو كفر صراح، لأنه يلزم منه تشكيك المسلمين بدينهم، لأنه لا طريق لهم إلى معرفته والإيمان به، إلا من طريق نبيهم ﵌ كما لا يخفى على كل مسلم بصير بدينه، فإذا لم يصدقوا بها لعدم موافقتها لعواطفهم وأذواقهم وأهوائهم - والناس في ذلك مختلفون أشد الاختلاف - كان في ذلك فتح باب عظيم جدا لرد الأحاديث الصحيحة، وهذا أمر مشاهد اليوم من كثير من الكتاب الذين ابتلي المسلمون بكتاباتهم كالغزالي والهويدي وبليق وابن عبد المنان وأمثالهم ممن لا ميزان عندهم لتصحيح الأحاديث وتضعيفها إلا أهواؤهم!
واعلم أيها المسلم - المشفق على دينه أن يهدم بأقلام بعض المنتسبين إليه - أن هذه الأحاديث ونحوها مما فيه الإخبار بكفر أشخاص أو إيمانهم، إنما هو من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها وتلقيها بالقبول، لقوله تعالى: ﴿ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب﴾ (البقرة:١ - ٣) وقوله: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم .. ﴾ (الأحزاب: ٣٦)، فالإعراض عنها وعدم الإيمان بها يلزم منه أحد أمرين لا ثالث لهما - وأحلاهما مر -: إما تكذيب النبي ﵌، وإما تكذيب رواتها الثقات كما تقدم، وأنا حين أكتب هذا أعلم أن بعض الذين ينكرون هذه الأحاديث أو يتأولونها تأويلاً باطلاً كما فعل السيوطي -عفا الله عنا وعنه- في بعض رسائله، إنما يحملهم على ذلك غلوهم في تعظيم النبي ﵌، وحبهم إياه، فينكرون أن يكون أبواه ﵌ كما أخبر هو نفسه عنهما، فكأنهم أشفق عليهما منه ﵌!!
وقد لا يتورع بعضهم أن يركن في ذلك إلى الحديث المشهور على ألسنة
стр. 2397
بعض الناس الذي فيه أن النبي ﵌ أحيا الله له أمه، وفي رواية: أبويه، وهو حديث موضوع باطل عند أهل العلم كالدارقطني والجورقاني، وابن عساكر والذهبي والعسقلاني، وغيرهم كما هو مبين في موضعه، وراجع له إن شئت كتاب " الأباطيل والمناكير " للجورقاني بتعليق الدكتور عبد الرحمن الفريوائي (١/ ٢٢٢ - ٢٢٩) وقال ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٢٨٤): " هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم، عديم العلم، إذ لو كان له علم لعلم أن من مات كافراً لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن عند المعاينة، ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فيمت وهو كافر﴾، وقوله ﵌ ﷺ ﵃ (الصحيح): «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي».
ولقد أحسن القول في هؤلاء بعبارة ناصعة وجيزة الشيخ عبد الرحمن اليماني ﵀ في تعليقه على " الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة " للإمام الشوكاني، فقال (ص ٣٢٢): "كثيراً ما تجمح المحبة ببعض الناس، فيتخطى الحجة ويحاربها، ومن وفق علم أن ذلك مناف للمحبة الشرعية، والله المستعان".
قلت: وممن جمحت به المحبة السيوطي عفا الله عنه، فإنه مال إلى تصحيح حديث الإحياء الباطل عند كبار العلماء كما تقدم، وحاول في كتابه " اللآلئ" (١/ ٢٦٥ - ٢٦٨) التوفيق بينه وبين حديث الاستئذان وما في معناه، بأنه منسوخ، وهو يعلم من علم الأصول أن النسخ لا يقع في الأخبار وإنما في الأحكام! وذلك أنه لا يعقل أن يخبر الصادق المصدوق عن شخص أنه في النار ثم ينسخ ذلك بقوله: إنه في الجنة! كما هو ظاهر معروف لدى العلماء.
стр. 2398
ومن جموحه في ذلك أنه أعرض عن ذكر حديث مسلم عن أنس المطابق لحديث الترجمة إعراضاً مطلقاً، ولم يشر إليه أدنى إشارة، بل إنه قد اشتط به القلم وغلا، فحكم عليه بالضعف متعلقا بكلام بعضهم في رواية حماد بن سلمة! وهو يعلم أنه من أئمة المسلمين وثقاتهم، وأن روايته عن ثابت صحيحة، بل قال ابن المديني وأحمد وغيرهما: أثبت أصحاب ثابت حماد، ثم سليمان، ثم حماد بن زيد، وهي صحاح.
وتضعيفه المذكور كنت قرأته قديماً جدا في رسالة له في حديث الإحياء
- طبع الهند - ولا تطولها يدي الآن لأنقل كلامه، وأتتبع عواره، فليراجعها من شاء التثبت.
ولقد كان من آثار تضعيفه إياه أنني لاحظت أنه أعرض عن ذكره أيضا في شيء من كتبه الجامعة لكل ما هب ودب، مثل " الجامع الصغير " و" زيادته" و"الجامع الكبير "! ولذلك خلا منه " كنز العمال " والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وتأمل الفرق بينه وبين الحافظ البيهقي الذي قدم الإيمان والتصديق على العاطفة والهوى، فإنه لما ذكر حديث: «خرجت من نكاح غير سفاح»، قال عقبه: " وأبواه كانا مشركين، بدليل ما أخبرنا .. "، ثم ساق حديث أنس هذا وحديث أبي هريرة المتقدم في زيارة قبر أمه ﵌.
"الصحيحة" (٦/ ١/١٧٧ - ١٨٢).
стр. 2399
[٧٥٤] باب هل يمتحن بعض أهل الجاهلية في عرصات القيامة ؟
[قال ابن كثير]:
إخباره ﵌ عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار؛ لا ينافي الحديث الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة، كما بسطناه سندًا ومتنًا في "تفسيرنا" عند قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ (الإسراء: ١٥). فيكون منهم من يجيب ومنهم من لا يجيب فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب فلا منافاة.
[فعلق الإمام قائلاً]:
وهذا جمع جيد جدًّا، لأنه وإن كان من الممكن افتراض أن بعض من كان في الجاهلية قد بلغته الدعوة وأقيمت عليه الحجة ... فإن من الممكن أيضًا أن نفترض أن بعضهم لم تبلغه الدعوة، وحينئذ فأمامه الامتحان في عرصات القيامة، فمن نجح فقد نجا، وإلا فقد هلك، وعلى هذا النوع من الهالكين تحمل الأحاديث التي صرحت بعذاب بعض من مات في الجاهلية.
"صحيح السيرة النبوية" (ص٢٨).
[٧٥٥] باب الجمع بين قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا﴾ وقوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾
[ذكر العز ابن عبد السلام في "بداية السول" من خصائص النبي ﵌:
"أن الله تعالى أرسل كل نبي إلى قومه خاصة، وأرسل نبينا محمد ﵌ إلى الجن والإنس، ولكل نبي من الأنبياء ثواب تبليغه إلى أمته، ولنبينا ﵌ ثواب
стр. 2400
التبليغ إلى كل من أرسل إليه، ولذلك تمنن عليه بقوله تعالى: ﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا﴾ ووجه التمنن: أنه لو بعث في كل قرية نذيرا لما حصل لرسول الله ﵌ إلا أجر إنذاره لأهل قريته".
[فقال الإمام معلقًا:]
قلت: وفي هذا الكلام تنبيه لطيف إلى أنه لا منافاة بين الآية المذكورة وبين وقوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾؛ لأن المراد بالأولى زمانه ﵌، وبالأخرى ما قبله.
"تحقيق بداية السول" (ص ٤٧)
[٧٥٦] باب منه
[أورد الصنعاني في «رفع الأستار» أدلة من قال بفناء النار فذكر منها ما] أخرجه أحمد في «مسنده» من حديث الأسود بن سريع مرفوعاً «[يأتي] أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، أما الأصم فيقول: رب قد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول: رب جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني من رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل عليهم ليدخلوا النار قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً» (١).
стр. 2401
[ثم عقب عليه قائلا]:
ليس الحديث أيضاً في محل النزاع إذ هو في فناء النار ودخول أهلها الجنة، وهؤلاء الثلاثة الأولون ليسوا بمشركين، فإنهم كانوا في دار الدنيا غير مكلفين، فلم يتحقق منهم أنهم كانوا مشركين، وليسوا ممن دخل النار ثم فنيت وهم فيها: والرابع الذي مات في الفترة مخاطب بشرع من قبله بنص قوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ (فاطر: ٢٤) ... وهو حديث مشكل.
[فعلق الإمام قائلاً]:
قلت: لم يتبين لي وجه الإشكال إلا أن يكون بدا له التعارض بين الآية ﴿ .. إلا خلا فيها نذير﴾ وبين قوله الذي مات في الفترة: «ما أتاني من نذير». فإن كان هذا هو المشكل فلا إشكال عندي؛ لأنه ليس من الضروري أن تبلغ النذارة كل فرد من أفراد كل أمة، بل يمكن أن يكون في كل أمة من لم تبلغهم الدعوة، حتى في هذه الأمة المحمدية، فمن الذي يستطيع أن يقول بأن سكان القطب الشمالي والقطب الجنوبي قد بلغتهم دعوة النبي ﵌، لا سيما قبل عصرنا هذا الذي تيسرت فيه طرق التبليغ كالراديو وغيره، ولكن أين المبلغون للدعوة إليهم وإلى أمثالهم على وجه الأرض وبلغاتهم؟ بل أين المبلغون للدعوة الحق التي نزلت على قلب محمد ﵌ للمسلمين أنفسهم حين انحرف الكثيرون منهم عنها، بل وحاربوها،
стр. 2402
هذا أولاً؛ وثانياً: فإن قول المؤلف: أن الذي مات في الفترة مخاطب بشرع من قبله .. لا يدل عليه قوله تعالى: ﴿وإن من أمة﴾؛ لأن المعنى: «ما من أمة من الأمم الماضية إلا مضى فيها نذير من الأنبياء ينذرها» كما قال الشوكاني في
«فتح القدير».
وأما أنها تدل على أن من مات في الفترة مخاطب بشرع من قبله فهذا شيء لا تدل عليه الآية لا من قريب ولا من بعيد بل لا بد له من دليل خاص. فكيف والثابت خلافه وهو قوله ﵌: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة». رواه الشيخان وهو مخرج في «الإرواء» (٢٨٥).
"تحقيق رفع الأستار" (ص١١٣ - ١١٤).
[٧٥٧] باب هل كان والدا الرسول ﵌ من أهل الفترة
عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلاً قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ أَبِى؟ قَالَ: «فِي النَّارِ». فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ «إِنَّ أَبِى وَأَبَاكَ في النَّارِ».
[قال الإمام]:
[أخرجه] مسلم (١/ ١٣٢ - ١٣٣) , وله شواهد، منها حديث سعد بن أبي وقاص الآتي بعده.
واعلم أن هذا الحديث مع صحة إسناده, وكثرة شواهده, وتلقي العلماء
النقاد بالقبول له, فإن الشيخ (أبو زهرة) قد رده بجرأة وجهالة متناهية, فقال (١/ ١٣٢):
«إنه خبر غريب في معناه, كما هو غريب في سنده, لأن الله تعالى يقول: [وما
стр. 2403
كنا معذبين حتى نبعث رسولاً] (الإسراء:١٥) , وقد كان أبو محمد ﵊ وأمه على فترة من الرسل, فكيف يعذبون؟!! ... وفي الحق إني ضرست في سمعي وفهمي عندما تصورت أن عبد الله وآمنة يتصور أن يدخلا النار»!
فأقول: يا سبحان الله! هل هذا موقف من يؤمن برسول الله أولاً, ثم بالعلماء الصادقين المخلصين ثانياً, الذين رووا لنا أحاديثه ﵌ وحفظوها لنا, وميزوا ما صح مما لم يصح منها, واتفقوا على أن هذا الحديث من الصحيح الثابت عنه ﵌؟! أليس موقف (أبو زهرة) هذا هو سبيل أهل الأهواء - كالمعتزلة وغيرهم- الذين قالوا بالتحسين والتقبيح العقليين, مما رده عليهم أهل السنة؟! والشيخ يزعم أنه منهم, فما باله خالفهم, وسلك سبيل المعتزلة في تحكيم العقل, وردهم للأحاديث الصحيحة لمجرد مخالفتها لأهوائهم, إما تأويلاً إذا لم يستطيعوا رده من أصله؟! وهذا عين ما فعله الشيخ, فإنه رد هذا الحديث لظنه أنه حديث غريب فرد - كما رأيت - وتأول أحاديث الزيارة بقوله:
«ولعل نهي النبي ﵌ عن الاستغفار (لأمه)؛ لأن الاستغفار لا موضع له, إذ أنه لم يكن خطاب بالتكليف من نبي مبعوث»!
ونحن نقول له - كما تعلمنا من بعض السلف-: اجعل (لعل) عند ذاك الكوكب! فإن أحاديث الزيارة تدل دلالة قاطعة على أن بكاءَه ﵌ إنما كان شفقة عليها من النار, وهذا صريح في بعض طرق حديث بريدة, كما سبق ذكره مني في التعليق عليه قريباً. ولذلك علق الإمام النووي على حديث أبي هريرة منها بقوله في «شرح مسلم»:
«فيه جواز زيارة المشركين في الحياة, وقبورهم بعد الوفاة, لأنه إذا جازت
стр. 2404
زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى، وفيه النهي عن الاستغفار للكفار».
وقال في شرح حديث أنس هذا:
«فيه أن من مات على الكفر فهو في النار, ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أن من مات على الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار, وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة, فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم».
قلت: وفي كلام الإمام النووي رد صريح على زعم (أبو زهرة) أن أهل الفترة الذين كانوا من قبل بعثة النبي ﵌ لا يعذبون! ومع أن قوله هذا مجرد دعوى, لأنه لا يلزم من صحة القاعدة - وهي هنا أن من لم تبلغه الدعوة لا يعذب - أن الشخص الفلاني أو الأمة الفلانية لم تبلغهم الدعوة, بل هذا لا بد له من دليل كما هو ظاهر, وهذا مما لم يعرج عليه (أبو زهرة) مطلقاً, وحينئذ يتبين للقارئ الكريم كم قد تجنى على العلم حين رد حديث أنس, وتأول أحاديث الزيارة بما يفسد دلالتها بمجرد هذه الدعوى الباطلة؟!
وإن مما يؤكد لك بطلانها مخالفتها لأحاديث كثيرة جدّاً يدل مجموعها على أن الصواب على خلافها, وأرى أنه لا بد هنا من أن أذكر بعضها:
١ - قوله ﵌: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار, كان أول من سيب السوائب». رواه الشيخان.
وفي رواية: «كان أول من غير دين إسماعيل».
٢ - سألوه ﵌ عن عبد الله بن جدعان, فقالوا: كان يقرى الضيف, ويعتق, ويتصدق, فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال:
стр. 2405
«لا, إنه لم يقل يوماً: رب! اغفر لي خطيئتي يوم الدين». رواه مسلم.
٣ - أنه ﵌ مر بنخل فسمع صوتاً (يعني: من قبر) , فقال: «ما هذا؟». قالوا: قبر رجل دفن في الجاهلية فقال ﵌:
«لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمعني»، رواه أحمد من طرق عن أنس, وعن جابر, وله شاهد من حديث زيد بن ثابت عند مسلم وأحمد, وهو مخرج في «الصحيحة» (١٥٨و١٥٩)
٤ - حديث رؤيته ﵌ في صلاة الكسوف صاحب المحجن يجر قصبة في النار, لأنه كان يسرق الحاج بمحجنه.
رواه مسلم وغيره, وهو مخرج في «الإرواء» (٦٥٦).
وفي الباب أحاديث أخرى خرجها الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١١٦ - ١١٩) , فليراجعها من شاء, وهي بمجموعها تدل دلالة قاطعة على أن المشركين في الجاهلية من أهل النار, فهم ليسوا من أهل الفترة, فسقط استدلال (أبو زهرة) بالآية جملة وتفصيلاً.
وأما قوله في حديث أنس المتقدم أعلاه:
« .. كما هو غريب في سنده»!
فأقول: وهذه دعوى باطلة كسابقتها, فالحديث صحيح لا غرابة فيه, وحسبك دليلاً أنه أخرج في «الصحيح» , وإن أراد بذلك أنه غريب بمعنى أنه تفرد به واحد, فذلك مما لا يضره, لأن كل رواته ثقات أثبات, على أن له شواهد تزيده قوة على قوة كما تقدم. وأنا حين أقول هذا أعلم أن السيوطي تورط أيضاً وغلبه الهوى, فأعل الحديث بتفرد حماد بن سلمة به - إلى درجة أنه لم يورده في «الجامع
стр. 2406
الصغير» ولا في «ذيله عليه» - وهو من أئمة المسلمين وحفاظهم, وكنت أود
أن أطيل النفس أيضاً في الرد عليه, ولكن طال الكلام, فحسبنا منه تقدم, والله
ولي التوفيق.
"صحيح السيرة النبوية" (ص٢٤ - ٢٧)
[٧٥٨] باب منه
مداخلة: بالنسبة للحديث، قول الرسول ﵌ للأعرابي: «أبي وأبوك في النار» ... بعض المفسرين يقولون أن هذا يخالف قول الله : ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ (يس:٦)، وكيف يعذبهم الله ولم يرسل فيهم رسول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، فما ردكم جزاكم
الله خيراً.
الشيخ: ردي أن هذا الجاهل يقول: إن نحن ما بعث الله إلينا رسولاً. بس.
وفي فهمك الكفاية.
مداخلة: بارك الله فيك.
الشيخ: واضح ولا لا.
مداخلة: واضح.
مداخلة: لو ترجمت لنا أحسن.
مداخل آخر: الكل بده ترجمه ...
الشيخ: هذه غفلة متناهية، أنهم يقولون أن هذا الحديث وأمثاله يخالف القرآن، فالحق والحق أقول أن الأحاديث الصحيحة التي تلقتها الأمة بالقبول
стр. 2407
وعلى رأسها أئمة الحديث، حينما يأتي واحد أو اثنين ويدعوا أن هذا الحديث مخالف للقرآن، هذا من أحمق الناس ومن أجهل الناس؛ لأنه يتصور أن الأمة على مر الزمان هذا الحديث بين أيديها، وهي تصححه وتدين الله به مع مخالفة هذا الحديث أو هذه الأحاديث للقرآن الكريم.
فالحق أقول أنه ليس مخالفاً، مخالفٌ لفهمه للقرآن الكريم، هو يفهم القرآن الكريم خطأ، ثم يبني على هذا الخطأ أخطاء متتالية، فيرُد الأحاديث الصحيحة بسبب سوء فهمه للآيات الكريمة، يفهمون من هذه الآية وما يماثلها أن النذارة أو النذير يجب أن يكون بشخصه في كل ما تقوم به الحجة به على عباده ﵎، وليس الأمر كذلك، أنا أجبت السائل هنا معنى هذا الكلام أننا نحن المسلمين ما جاءنا من نذير، أين نذيرنا، ما عندنا نذير، النذير نبينا ﵇، طيب نبينا ما أرسل إلينا مباشرة.
إذاًَ: لماذا نأتي نفهم هناك الآية أنه لازم يكون نذير مباشرة، ونحن الآن
لم يأتينا نذير مباشرة، ... فإذا كان نحن نقدر نقول ما أتانا من نذير، ونقدر نقول
أتانا نذير.
مداخلة: طبعاً.
الشيخ: كيف نجمع بين التعبيرين، ما أتانا نذير، وأتانا نذير، ما أتانا نذير مباشرة، لكن جاءنا نذير أي دعوته وصلت إلينا.
إذاً: المسألة ليست مربوطة بالنذير شخصياً، وإنما المسألة مربوطة بدعوته، فأي أمة وأي شعب على وجه الأرض منذ أن بعث الله الرسل وأنزل الكتب مكلفون ببلوغ الدعوة سواء مباشرة من النذير، من النبي أو الرسول أو بواسطة من
стр. 2408
جاؤوا من بعده، فالشخص إذاً هنا ليس له مفعول، إنما دعوته، نحن الآن قلنا ما أتانا من نذير، لكن أتتنا دعوته والحمد لله.
إذاً: من اتبع هذه الدعوة نجا، ومن خالفها وكفر بها هلك.
نرجع للعرب في الجاهلية، كذلك نقول عنهم ما أتاهم من نذير، وجاءهم من نذير، الرسول ﵇ أبوه وأمه وعمه وجده وما قبل ذلك بمئات السنين، نقدر نقول ما جاءهم من نذير، أي: شخص، لكن لا نستطيع ننفي أنهم جاءهم نذير بالمعنى الثاني يعني: الدعوة، والدليل على ذلك وجود المسجد الحرام وكعبة الله في عقر دار الحجاز وهي مكة، ومحافظتهم على الطواف حول الكعبة، وعلى بعض المناسك التي توارثوها عن إبراهيم وعن إسماعيل، وقوله تعالى في القرآن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ (البقرة:١٢٧)، لمن هذا الرفع، لأي قوم، هم العرب.
فإذاً: العرب لا نقول نحن لم يأتهم من نذير، إلا إذا كان الأحمق يريد كل شعب يجيه نذير مباشرة، بل أنا أقول كل فرد يريد نذير، وهذا لا يقوله إنسان عاقل يدري ما يخرج منه، لا تتصوروا أنتم أن النذير الذي بعث في مكة، ما تتصوروا أنه يكون هناك أشخاص ما سمعوا بالدعوة مطلقاً بسبب أو أكثر من سبب، واحد يكون أصم مثلاً ... ، أو يكون مختل العقل، أو .. أو .. إلى آخره، نقدر نتصور في كل زمان وجود هؤلاء الأشخاص.
إذاً: ماذا نقول عن هؤلاء، جاءهم نذير أو لم يأتهم نذير، جاءهم نذير لكن ما بلغتهم الدعوة، هؤلاء اثنين ثلاثة، أما الآخرون ما جاءهم شخص لكن جاءتهم دعوته، والدليل على هذا عندنا أحاديث كثيرة وكثيرة جداً، بأن أهل الجاهلية
стр. 2409
معذبون، منها حديث مسلم أن الرسول ﵇ كان راكباً على بغلته يوماً فمر بقبرين فشمست البغلة، فقال ﵇: «متى دفن هذان؟ قالا: في الجاهلية. فقال ﵇: لولا أن تدافنوا لأسمعتكم عذاب القبر». الدابة سمعت عذاب القبرين فشمست به ﵇، فسأل: هؤلاء ما قصتهم؟ قالوا له ماتوا في الجاهلية، إذاً هؤلاء ماتوا، هذا حديث لازم ينكره صاحبكم هذا، لأنه ما جاءه من نذير، وعدي بن حاتم لما سأل عن أبيه أنه كان كريماً وكان كذا إلى آخره، فهل ينفعه ذلك، قال: لا، لأنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
مداخلة: السيدة عائشة.
الشيخ: هي السائلة.
هؤلاء كلهم ماتوا في الجاهلية.
إذا: بدنا ننكر التاريخ الإسلامي الذي لا يوجد له أصح في الدنيا أبداً، لا يوجد له مثيل أصح بهذه الطريقة المعوجة، بسوء الفهم للآيات الكريمة، فالآن الأوربيون والأمريكيون، هل بلغتهم الدعوة أولاً نسأل، جاءهم نذير؟ ما جاءهم نذير؟ جاءهم نذير بالمعنى الثاني.
مداخلة: جاءهم.
الشيخ: أنا ما أقول جاءهم، الشيخ استعجل.
أنا ما بقول جاءهم، وكمان تعلم مني ولا بقول ما جاءهم، حط في بالك، لا بقول جاء ولا بقول ما جاء.
هذه قصة وقعت بيني وبين أحد المشايخ أول ذهابي إلى المدينة أستاذاً في الجامعة، في الليل وسهرانين هناك، المجلس عامر بالمشايخ أساتذة في الجامعة،
стр. 2410
أثير هذا الموضوع، فادعى أحدهم لكن في فرق بينك وبينه، إنه هو أستاذ وأنت لست أستاذ.
وفرق ثاني أنه ما كان مستعجل مثل حكايتك،
قال جاءتهم الدعوة يا أخي، الإذاعات العربية واصلة إلى الدنيا كلها، والقرآن يتلى ليلاً نهاراً، فتبسمت في وجهه ضاحكاً، قلت له: هذا القرآن ما بدك من يفهمه؟ إذا العرب ما استطاعوا أن يفهموه فضلاً عن الأعاجم، كيف يعرف البريطان والألمان .. إلى آخره، أنه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ (المائدة:٧٣)، لا يفهمون شيئاً، ثار نقاش ونقاش طويل حول الموضوع.
الشاهد حتى الإنسان ما يتورط وما يقول جاءهم نذير بالمعنى الثاني أي: الدعوة، ولا يقول إنه ما جاءهم، مش نحن الذين نحاسب هؤلاء الناس، رب العالمين.
فنقول: من علم الله منهم أنه بلغته الدعوة الإسلامية ثم جحدها كما قال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤)، فهذا كافر مخلد في النار، ومن لم تبلغه كذلك فليس كذلك، أما بلغتهم نجلس نتناقش، لا ما بلغتهم، سأقول لك هؤلاء الذين في القطب الشمالي والجنوبي بلغتهم، كيف نعرف؟ والله أنا أقول إن الألبان ... بالنسبة لغيرهم ما بلغتهم الدعوة إلا أفراداً قليلين منهم، ليه؟ من الذي يبلغهم الدعوة، القرآن يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم:٤)، فما فائدة أننا نذيع القرآن ليلاً نهاراً، وهم لا يفهمونه.
فإذاً: لا نستطيع أن نقول يا جماعة أن هؤلاء بلغتهم الدعوة، لكن لا بد في أفراد منهم بلغتهم الدعوة، لكن هؤلاء الأفراد لا بد أن تتصورهم من خاصة القوم،
стр. 2411
يعني من مثقفيه، يعني هؤلاء القسيسين الرهبان، لا شك أن فيهم ناساً عرفوا الحقيقة، فمنهم من آمن وكتم إيمانه، ومنهم من آمن وأعلن إسلامه، ومنهم من كفر، والتاريخ يعيد نفسه، ما بعرف أنتم كنتوا يوم كان هذا مازن النابلسي.
مداخلة: والله شيء عجيب.
الشيخ: كان الأستاذ موجود والأخ موجود.
واحد نابلسي يقول أنه ذهب لمكتبة القدس في هناك مكتبة ستة
ملايين كتاب.
علي حسن: أكبر مكتبة في العالم بعد الكونجرس.
الشيخ: في القدس، اليهود قاتلهم الله أنشؤوا هناك مكتبة يقول فيها ست ملايين كتاب، واتصل هناك تَعَرَّف على مستشرق بولاندي، وعمره نحو ٧٧ سنة، ويتكلم اللغة العربية الفصحى، ولا تظنه إلا مسلماً، وعنده معرفة بالحديث.
علي حسن: متخصص حديث، سألته فيما بعد، قال دراساته دكتوراه وبرفسور حديث، الحديث النبوي.
الشيخ: وبعدين الرجل حواليه - كما يقولون باللغة الأجنبية - بروفسورات يعني أساتذة يتعلمون منه؛ لأنه كبير السن، وهذا النابلسي عنده قليل معلومات لا بأس بها في علم الحديث، كان يجلس معه ويتناقش معه، يعترف هذا المستشرق أمام البروفسورات أنه يتعلم من النابلسي، والنابلسي من إخوانا شاب، فقال إنه أحياناً تطلع منه عبارات تدل على إسلامه.
مداخلة: قال لما كان يذكر النبي يقول: ﵌، ولما يذكر الله سبحانه وتعالى
стр. 2412
عز وجل، أو عمر بن الخطاب أو الصحابة ﵃، يعني لا يفعل إلا هذا.
الشيخ: وذكر قضية إنه واحد من الحاضرين قال له هل أسلمت؟
علي حسن: فقال له بالعبري: ليش لا؟ ... في أثناء محاضرة بالجامعة، فواحد قال له: أنت نحكي معك لما تذكر النبي ﵌ تقول كذا، فهل أسلمت، فقال له: ليش لا، باللغة العبرية.
الشيخ: يعني أسلوبه في الكلام أسلوب مسلم.
مداخلة: كان طالب كتاب الزهد لهناد ومخطوطات وكذا ... طالب كتب والله أنه أقل من النادر من يعرفها ولا أقول يطلبها من أهل العلم أو من العلماء أو ما شابه ذلك.
مداخلة: ما موقفك منه يعني إنه من ناحية ...
مداخلة: قال كلمة طيبة، قال: لعله ممن يكتم إيمانه مثل هذا الرجل.
الشيخ: نحن شاهدنا الآن أن مثل هذا الرجل يمكن أن يكون أسلم.
مداخلة: نعم.
الشيخ: لأنه عنده اطلاع وعنده كذا ..
وبالمناسبة أذكر في كتاب يعرفه إخواننا الطلبة، اسمه "مفتاح كنوز السنة"، عندما اقتنيته وعرفت الجهد اللي مفروغ فيه، أن هذا كونه دراس كتب السنة أربعة عشر كتاباً، لا بد أن يكون صاحبه أسلم، هكذا أنا قلت يومئذ، راحت أيام وأتت أيام كما يقولون؛ عندنا في الشام كنت جالس في المكتبة العربية الهاشمية، ... ، وقع تحت يدي عدد من مجلة الهلال قديمة، لجورج زيدان، وإذا به الخبيث هذا
стр. 2413
الألماني مؤلف كتاب مفتاح كنوز السنة «فنسنك» ناشرين مقالة لأحد الكتاب المصريين المسلمين رد على فنسنك ينقل عنه كلمات يصرح فيها أن محمد رجل عبقري وداهية و ... إلى آخره، وادعى النبوة واستطاع بعقله وشطارته أنه يلملم العرب حوله ... وإذا به ينكر النبوة، إذاً: هذا ما استفاد شي من الكتب الذي درسها، استطاع أن يفعل فهرسة تقرب البعيد كما هو معلوم لدينا.
فالشاهد لا نقول إذاً: هذا الشعب البريطاني أو الفرنسي أو الألماني أسلم أو ما بلغه، الله أعلم، من بلغته الدعوة وهذا يذكرني أيضاً بهذه الكلمة، من بلغته الدعوة كما أنزلت في أصولها وفي أسسها وما آمن، فهو إلى جهنم.
قلت لهذا الذي كنت أتناقش معه في الجامعة: أنت تعرف الآن نشاط القاديانيين في كثير من البلاد الأجنبية في ألمانيا وبريطانيا بصورة خاصة، من هؤلاء يسلمون على إسلام القاديانيين، القايادنيين كفار، صحيح أنهم يصلون ويحجون، لكن ينكرون ما هو معلوم من الدين بالضرورة من ذلك أن الرسول في أنبياء بعده، ويؤلون الآيات ويحرفونها و ... إلى آخرها، وينكرون عالم اسمه عالم الجن، ينكرونه ويقولون الجن المذكور في سورة الجن المذكورة في القرآن أن الجن هو اسم مرادف للبشر، لفظ مرادف للإنس، كما أننا نقول إنس وبشر معنى واحد، هم صار عندهم إنس وبشر وجن معنى واحد، وعندما تذكر له الآيات التي تقول: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف:١٢)، يقول لك: هذا مجاز، وليس حقيقة أنه خلقه من نار، كله تأويل يعني تعطيل؛ لأنه الأمر الحقيقة كما يقول ابن القيم في بعض كتبه: المعطل يعبد عدماً، والممثل يعبد صنماً، فهؤلاء عطلوا وأنكروا حقائق شرعية، مع ذلك كثير من الأوروبيين يستجيبون لدعوة هؤلاء؛ لأنهم يرون في دعوتهم من الإسلام الصافي ما لا يجدونه في التوراة والإنجيل
стр. 2414
عندهم، فهل هؤلاء بلغتهم الدعوة؟ ما بلغتهم الدعوة، لانه بلغتهم دعوة منحرفه ... عن أصولها، لذلك إذا جاء حديث: «إن أبي وأباك في النار» ليس هناك مبرر للتأويل يا جماعة، عندنا أحاديث تؤدي إلى نفس المعنى بالعشرات إذا أنكرناها معناها أنكرنا الشريعة.
"الهدى والنور" (٢٥١/ ٤٥: ٤٨: ٠٠) و (٢٥٢/ ٤٢: ٠٠: ٠٠)
[٧٥٩] باب منه
سؤال: كيف نوفق بين هذا الحكم، أو ما دلت عليه الأحاديث من أن أبوي الرسول ﵌ في النار، وبين الآية في سورة السجدة التي تقول: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (السجدة:٣)، إذاً ما أتاهم من نذير، وهنا الأحاديث تدل على أنهم لم يعذروا في شركهم؟
الشيخ: إيه، أظن هذا البحث جرى بيني وبينك وفي هذا المكان.
الملقي: هو من أجل فهم الآية فهماً واقعياً.
الشيخ: ما قد فعلنا ذلك، قد فعلنا ذلك، والآن الحر تكفيه الإشارة، فأنا أسألك فأقول: هل جاءنا من نذير؟
الملقي: نعم.
الشيخ: أجب بوضوح.
الملقي: [جاءنا] الكتاب النذير، هل النذير تقصد به الرجل.
الشيخ: الذي تقصده أنت، ما الذي تقصده أنت، ما الذي تقصده بسؤالك؟
الملقي: أقصد رسولاً.
стр. 2415
الشيخ: فهل جاءنا رسول؟
الملقي: ما جاءنا.
الشيخ: إذاً نحن من أهل الفترة؟
الملقي: جاءنا كتابه.
الشيخ: إذاً نحن من أهل الفترة؟
الملقي: أنا لا أقول ...
الشيخ: هههه.
الملقي: الفترة آمنا بذلك، لكن هذه الآية تقول: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (السجدة:٣).
الشيخ: نحن عرفنا ما تقول، لكن نحن الآن في صدد بيان ماذا تريد هذه الآية؟ هل تريد في قوله تعالى: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ (المائدة:١٩) مباشرة، أم ما جاءتنا دعوة نبي ولو غير مباشر، الجواب: واضح جداً من هذا الكلام الموجز، أي ما جاءنا من نذير من دعوة نذير، فأنت بقى بدك تقدر مضاف محذوف هنا، كما يقال في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (يوسف:٨٢)، القرية لا تسأل، إنما سكانها، فهنا: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ (المائدة:١٩).
أي: من دعوة نذير، هذه الدعوة قد تكون مباشرة من النذير، وقد تكون غير مباشرة من النذير، هذا شأننا نحن اليوم، فإن نحن جمدنا على فهم الآية نذير بشخصه وليس بدعوته ولو بشخص غيره، معناها نحن أمة محمد عليه السلام
стр. 2416
سواء أمة الإجابة أو أمة الدعوة بالمعنى العام، كلنا من أهل الفترة، وهل من عاقل لا أقول مسلم، هل من عاقل يقول أن هؤلاء البشر الذين ليسوا من أصحاب الرسول ﵇ لم يصحبوهم مباشرة ولم يتلقوا الدعوة منهم مباشرة من التابعين إلى العصر الحاضر، هؤلاء ما جاءهم من نذير؟! ما أظن عاقلاً ولو كان كافراً يعتقد هذه العقيدة.
السائل: هنا في الآية أستاذ هم كانوا ينفون أن يكون جاءهم نذير: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ (المائدة:١٩) لكن هنا الآية، الله تعالى يقول: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (القصص:٤٦).
الشيخ: أنا ما فرقت تفريقك، ما فرقت تفريقك، سامحك الله.
السائل: أما أن تقول: هناك حذف تقيس الآية على الآية الأخرى، واسأل القرية، هناك معروف مجاز مرسل، كل من يسمع الآية يعرف أنه القرية لا تسأل في مجاز العقلي، واسأل القرية البيوت لا تسأل، ولكن يسأل ساكنها، أما هنا فالآية صريحة لا تحتاج إلى إضافة محذوف.
الشيخ: في مجاز شرعي ولا ما في؟
السائل: نعم!
الشيخ: في مجاز شرعي.
السائل: ما هو هنا لا بد تكون في قرينة.
الشيخ: ما عم تجاوب.
السائل: في قرينة.
стр. 2417
الشيخ: في مجاز شرعي.
السائل: في مجاز.
الشيخ: إي هاي بدي أنا الجواب هذا ... إذاً قلت: ذاك مجاز لغوي، ما دام في مجاز شرعي، فلماذا لم تقف عند المجاز الشرعي، وانتقلت للمجاز اللغوي. وقلت: هذاك بيفهمه كل الناس.
الملقي: هناك مجمع عليه أنه مجاز عقلي.
الشيخ: ما لنا ولذاك.
الملقي: لكن هنا، ما جاء من نذير أي من دعوة نبي لا تخطر لبال
الشيخ: لبال الجهلة؟
السائل: لا لبال أي عالم.
الشيخ: للعلماء.
الملقي: لا تخطر ... .
الشيخ: لا، قف عندك.
الملقي: أي عالم.
الشيخ: قف عندك ... لا حول ولا قوة إلا بالله.
الملقي: تحتاج إلى قرينة.
الشيخ: القرينة يا شيخ أنك أنت بتطلع من أهل الفترة إذا لم تفهم الآية بهذا المفهوم، أنت من أهل الفترة هل تريد أن تكون من أهل الفترة؟
стр. 2418
الملقي: لست من أهل الفترة.
الشيخ: هل جاءك من نذير؟
الملقي: جاءني نذير؛ كتاب الله.
الشيخ: فهذا هو المحذوف، الله يهديك.
مداخلة: ههه تقدير، تقدير
الشيخ: هههه ههه.
"الهدى والنور" (٥٣٠/ ٣٢: ١٣: ٠٠)
[٧٦٠] باب كيف يكون والدا النبي ﵌ في النار ؟
سؤال: ما الجواب على من يقول: كيف يكون والدا النبي ﵌ في النار، وقد قال ﵊: «كل نسب ينقطع أو منقطع يوم القيامة إلا نسبي»؟
الشيخ: هذا سؤال غير فقيه، هل المقصود هنا النسب الديني، وإلا النسب التناسلي، طبعاً المقصود فيه النسب التناسلي، والجواب بإيجاز كما يقال عن آزر والد إبراهيم ﵇، ماذا يقال؟ .. آزر والد إبراهيم وهو مشرك: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام:٧٤)، فهذا هو الجواب الموجز، أما المفصل فالكلام فيه طويل وطويل جداً، لكننا نقول: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (النساء:١٢٣)، وربنا يقول: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون:١٠١)، والرسول ﵇ الذي جاء السائل يسأل عن أبيه يقول: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، ثم الدين ليس بالعقل ولا بالعاطفة، إنما باتباع أحكام الله في كتابه وأحكام رسوله في سنته
стр. 2419
وفي حديثه، لو أراد الإنسان أن يعالج الأحكام الشرعية ولو كان من أعلم أهل الأرض بعد رسول الله ﵌ لأصاب هذا الإسلام ما أصاب الأديان التي كانت قبله، كاليهودية والنصرانية، فضلاً عن غيرها كالبوذية والهندوسية ... وغيرها، لكن الله بسابق علمه وغالب حكمته قدر أن يكون هذا الإسلام محفوظاً إلى أن يقبض الله بتلك الريح الطيبة روح كل مؤمن، فلا يبقى على وجه الأرض من يقول: لا إله إلا الله، فعليهم تقوم الساعة، قدر أن يظل هذا الإسلام محفوظاً في أصلين، في كتاب الله وسنة رسول الله ﵌، فهذا وذاك كان صيانة للمسلمين أن ينحرفوا في دينهم إلى عقولهم وأهوائهم كما أصاب الذين من قبلنا ممن بدلوا دينهم واتبعوا أهواءهم واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات، ولذلك فما ينبغي للمسلم خاصة من ليس عنده يعني وفر من الثقافة الإسلام إذا ما سمع خبراً نبوياً أن يعالجه بطرح إشكالات وشبهات، كهذا السؤال.
فأي شيء في حديث أنه: «كل نسب وسبب ينقطع إلا نسبي»، هذا له علاقة بالتوالد، فنحن نعتقد أن النبي ﵌ كما جاء عنه أنه ولد من نكاح وليس من سفاح، فأبواه كانا معصومين من الوقوع في الفاحشة وفي الزنا لكي لا يكون ابنهما وهو محمد ﵌ إلا شريف النسب، لكن ذلك لا ينفي أن يكون على الأقل أبوه وأمه أقول على الأقل من أهل الضلال يعني من أهل الشرك وعبادة الأوثان ما ينافي هذا ذاك، وبعد ذلك أقول: ما ينافي أن يكون من أولئك المشركين الذين بلغتهم دعوة التوحيد ثم انحرفوا فيها مع المنحرفين عنها وهم كثر في الجاهلية الأولى، كما هم كثيرون في جاهلية القرن العشرين كما يقولون، وحينئذ فلا غرابة أن يقول النبي ﵌ جواباً على سؤال ذلك السائل القائل: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: «في النار»، ثم ولى الرجل السائل، طبعاً نتصور المشهد هذا، نتصوره الآن،
стр. 2420
أنه رجع أسيفاً حزيناً على أبيه، لأنه هو ولده، والرسول ﵇ أدق الناس نظراً وأشدهم فراسةً قال: «هاتوا الرجل»، فقال له: «إن أبي وأباك في النار»، لا شك نحن يحزننا أن يكون والدا نبينا ﵌ ﷺ ﵃ النار، ولكن حزنه ﵇ عليهما أكبر وتأثره بذلك أشد منا بكثير، ولكن أليس هذا الاستسلام منا تبعاً لاستسلام نبينا بحكم ربنا العادل على الوالدين بهذا الحكم الشديد بالنسبة إلينا، والعادل بالنسبة لصدوره من ربنا في حقهما؟ هو كذلك ولهذا هنا هذا التقدير الإلهي امتحان من أشد أنواع الامتحان للرسول أصالةً ولأتباعه المؤمنين به تبعاً، هل يرضى رسول الله ﵌ بقضاء الله وقدره أم يقول: لم أبي وأمي في النار؟، لا هو يرضى بلا شك، ونحن إذاً تبعاً له نرضى بما رضي هو به من قضاء الله وقدره، ثم إن الحكمة البالغة أن يتذكر الإنسان بمثل هذا الحكم الشديد على العواطف، عواطف المسلمين أن يرجعوا في أنفسهم إلى أن الأمر كله بيد الله، وأن لا أحد هناك يؤثر بجاهه ومنزلته على الله، وكما قال ﵎: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (القصص:٦٨)، فإذاً تقدير الله لمثل هذا الأمر، أبوا الرسول ﵇ مشركان وفي النار لأكبر دليل على أن الواسطة البشرية بين الناس وبين خالق الناس لا تفيد إطلاقاً؛ لأن السلطة كل السلطة بيد الله ﵎، فهو الفعال لما يريد، وهنا تأتي الآية السابقة التي ذكرنا: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون:١٠١)، ففيها [قطع] دابر الاعتماد على النسب؛ لأن المسلم لما يرى أن أبوي الرسول ﵇ هذا مصيرهم بسبب كفرهم، فإذاً سوف لا يغتر أحد بأن يقول على خلاف ما قال ذلك الشاعر العربي، أيش قال، هات لنشوف:
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوماً على الأحساب ... على الأحساب