سواء أمة الإجابة أو أمة الدعوة بالمعنى العام، كلنا من أهل الفترة، وهل من عاقل لا أقول مسلم، هل من عاقل يقول أن هؤلاء البشر الذين ليسوا من أصحاب الرسول ﵇ لم يصحبوهم مباشرة ولم يتلقوا الدعوة منهم مباشرة من التابعين إلى العصر الحاضر، هؤلاء ما جاءهم من نذير؟! ما أظن عاقلاً ولو كان كافراً يعتقد هذه العقيدة.
السائل: هنا في الآية أستاذ هم كانوا ينفون أن يكون جاءهم نذير: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ (المائدة:١٩) لكن هنا الآية، الله تعالى يقول: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (القصص:٤٦).
الشيخ: أنا ما فرقت تفريقك، ما فرقت تفريقك، سامحك الله.
السائل: أما أن تقول: هناك حذف تقيس الآية على الآية الأخرى، واسأل القرية، هناك معروف مجاز مرسل، كل من يسمع الآية يعرف أنه القرية لا تسأل في مجاز العقلي، واسأل القرية البيوت لا تسأل، ولكن يسأل ساكنها، أما هنا فالآية صريحة لا تحتاج إلى إضافة محذوف.
الشيخ: في مجاز شرعي ولا ما في؟
السائل: نعم!
الشيخ: في مجاز شرعي.
السائل: ما هو هنا لا بد تكون في قرينة.
الشيخ: ما عم تجاوب.
السائل: في قرينة.
стр. 2417
الشيخ: في مجاز شرعي.
السائل: في مجاز.
الشيخ: إي هاي بدي أنا الجواب هذا ... إذاً قلت: ذاك مجاز لغوي، ما دام في مجاز شرعي، فلماذا لم تقف عند المجاز الشرعي، وانتقلت للمجاز اللغوي. وقلت: هذاك بيفهمه كل الناس.
الملقي: هناك مجمع عليه أنه مجاز عقلي.
الشيخ: ما لنا ولذاك.
الملقي: لكن هنا، ما جاء من نذير أي من دعوة نبي لا تخطر لبال
الشيخ: لبال الجهلة؟
السائل: لا لبال أي عالم.
الشيخ: للعلماء.
الملقي: لا تخطر ... .
الشيخ: لا، قف عندك.
الملقي: أي عالم.
الشيخ: قف عندك ... لا حول ولا قوة إلا بالله.
الملقي: تحتاج إلى قرينة.
الشيخ: القرينة يا شيخ أنك أنت بتطلع من أهل الفترة إذا لم تفهم الآية بهذا المفهوم، أنت من أهل الفترة هل تريد أن تكون من أهل الفترة؟
стр. 2418
الملقي: لست من أهل الفترة.
الشيخ: هل جاءك من نذير؟
الملقي: جاءني نذير؛ كتاب الله.
الشيخ: فهذا هو المحذوف، الله يهديك.
مداخلة: ههه تقدير، تقدير
الشيخ: هههه ههه.
"الهدى والنور" (٥٣٠/ ٣٢: ١٣: ٠٠)
[٧٦٠] باب كيف يكون والدا النبي ﵌ في النار ؟
سؤال: ما الجواب على من يقول: كيف يكون والدا النبي ﵌ في النار، وقد قال ﵊: «كل نسب ينقطع أو منقطع يوم القيامة إلا نسبي»؟
الشيخ: هذا سؤال غير فقيه، هل المقصود هنا النسب الديني، وإلا النسب التناسلي، طبعاً المقصود فيه النسب التناسلي، والجواب بإيجاز كما يقال عن آزر والد إبراهيم ﵇، ماذا يقال؟ .. آزر والد إبراهيم وهو مشرك: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام:٧٤)، فهذا هو الجواب الموجز، أما المفصل فالكلام فيه طويل وطويل جداً، لكننا نقول: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (النساء:١٢٣)، وربنا يقول: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون:١٠١)، والرسول ﵇ الذي جاء السائل يسأل عن أبيه يقول: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، ثم الدين ليس بالعقل ولا بالعاطفة، إنما باتباع أحكام الله في كتابه وأحكام رسوله في سنته
стр. 2419
وفي حديثه، لو أراد الإنسان أن يعالج الأحكام الشرعية ولو كان من أعلم أهل الأرض بعد رسول الله ﵌ لأصاب هذا الإسلام ما أصاب الأديان التي كانت قبله، كاليهودية والنصرانية، فضلاً عن غيرها كالبوذية والهندوسية ... وغيرها، لكن الله بسابق علمه وغالب حكمته قدر أن يكون هذا الإسلام محفوظاً إلى أن يقبض الله بتلك الريح الطيبة روح كل مؤمن، فلا يبقى على وجه الأرض من يقول: لا إله إلا الله، فعليهم تقوم الساعة، قدر أن يظل هذا الإسلام محفوظاً في أصلين، في كتاب الله وسنة رسول الله ﵌، فهذا وذاك كان صيانة للمسلمين أن ينحرفوا في دينهم إلى عقولهم وأهوائهم كما أصاب الذين من قبلنا ممن بدلوا دينهم واتبعوا أهواءهم واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات، ولذلك فما ينبغي للمسلم خاصة من ليس عنده يعني وفر من الثقافة الإسلام إذا ما سمع خبراً نبوياً أن يعالجه بطرح إشكالات وشبهات، كهذا السؤال.
فأي شيء في حديث أنه: «كل نسب وسبب ينقطع إلا نسبي»، هذا له علاقة بالتوالد، فنحن نعتقد أن النبي ﵌ كما جاء عنه أنه ولد من نكاح وليس من سفاح، فأبواه كانا معصومين من الوقوع في الفاحشة وفي الزنا لكي لا يكون ابنهما وهو محمد ﵌ إلا شريف النسب، لكن ذلك لا ينفي أن يكون على الأقل أبوه وأمه أقول على الأقل من أهل الضلال يعني من أهل الشرك وعبادة الأوثان ما ينافي هذا ذاك، وبعد ذلك أقول: ما ينافي أن يكون من أولئك المشركين الذين بلغتهم دعوة التوحيد ثم انحرفوا فيها مع المنحرفين عنها وهم كثر في الجاهلية الأولى، كما هم كثيرون في جاهلية القرن العشرين كما يقولون، وحينئذ فلا غرابة أن يقول النبي ﵌ جواباً على سؤال ذلك السائل القائل: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: «في النار»، ثم ولى الرجل السائل، طبعاً نتصور المشهد هذا، نتصوره الآن،
стр. 2420
أنه رجع أسيفاً حزيناً على أبيه، لأنه هو ولده، والرسول ﵇ أدق الناس نظراً وأشدهم فراسةً قال: «هاتوا الرجل»، فقال له: «إن أبي وأباك في النار»، لا شك نحن يحزننا أن يكون والدا نبينا ﵌ ﷺ ﵃ النار، ولكن حزنه ﵇ عليهما أكبر وتأثره بذلك أشد منا بكثير، ولكن أليس هذا الاستسلام منا تبعاً لاستسلام نبينا بحكم ربنا العادل على الوالدين بهذا الحكم الشديد بالنسبة إلينا، والعادل بالنسبة لصدوره من ربنا في حقهما؟ هو كذلك ولهذا هنا هذا التقدير الإلهي امتحان من أشد أنواع الامتحان للرسول أصالةً ولأتباعه المؤمنين به تبعاً، هل يرضى رسول الله ﵌ بقضاء الله وقدره أم يقول: لم أبي وأمي في النار؟، لا هو يرضى بلا شك، ونحن إذاً تبعاً له نرضى بما رضي هو به من قضاء الله وقدره، ثم إن الحكمة البالغة أن يتذكر الإنسان بمثل هذا الحكم الشديد على العواطف، عواطف المسلمين أن يرجعوا في أنفسهم إلى أن الأمر كله بيد الله، وأن لا أحد هناك يؤثر بجاهه ومنزلته على الله، وكما قال ﵎: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (القصص:٦٨)، فإذاً تقدير الله لمثل هذا الأمر، أبوا الرسول ﵇ مشركان وفي النار لأكبر دليل على أن الواسطة البشرية بين الناس وبين خالق الناس لا تفيد إطلاقاً؛ لأن السلطة كل السلطة بيد الله ﵎، فهو الفعال لما يريد، وهنا تأتي الآية السابقة التي ذكرنا: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون:١٠١)، ففيها [قطع] دابر الاعتماد على النسب؛ لأن المسلم لما يرى أن أبوي الرسول ﵇ هذا مصيرهم بسبب كفرهم، فإذاً سوف لا يغتر أحد بأن يقول على خلاف ما قال ذلك الشاعر العربي، أيش قال، هات لنشوف:
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوماً على الأحساب ... على الأحساب
стр. 2421
مداخلة: لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوماً على الأحساب نتكل
الشيخ: على الأحساب نتكل، أنا أحفظ هكذا
نبني كما بنت أوئلنا
مداخلة: نبني كما كانت أوئلنا ... تبنى ونفعل ...
الشيخ: كما فعلوا
"الهدى والنور" (٥٣٠/ ١٤: ٠١: ٠٠)
[٧٦١] باب كيف الجمع بين كون من لم تبلغهم الرسالة من أهل الفترة وبين قول النبي ﵌ «أبي وأبوك في النار» ؟
السؤال: حول قضية تفضلت فيها أن الذين لم تبلغهم الرسالة وأن أطفال المشركين وأهل الفترة يمتحنون في عرصات يوم القيامة، الحديث الذي تفضلت به، وهذا يعارضه حديثان، أريد أن نعلم [كيف الجمع] وهما الحديث الذي رواه مسلم ﵀: «أبي وأبوك في النار» ثم الحديث الآخر أن النبي ﵌ قال في الحديث الصحيح: «إن الله وعدني أن لا يعذب اللاهين من أمة البشر» (١) واللاهين معلوم أنهم الأطفال، وهذا عموم الأطفال المشركين وغيرهم.
الجواب: العموم أمره سهل، تعرف أن العام يدخله التخصيص أليس
كذلك؟
مداخلة: نعم.
стр. 2422
الشيخ: إذاً تخصيص حسب ما سمعت من التفصيل. واضح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: يبقى الجواب عن الحديث الأول، الحديث الأول ليس فيه معارضة والحمد لله شأن كل الأحاديث الصحيحة، إنما يأتي ادعاء المعارضة هو من فكرة قائمة في أذهان كثير من الناس اليوم وهي فكرة خاطئة، وهي أن الذين كانوا قبل الرسول ﵇ هم من أهل الفترة، وهذا خطأ فاحش جداً، العرب في الجاهلية لم يكونوا من أهل الفترة، أي: لم تبلغهم دعوة نبي. كيف وإبراهيم وإسماعيل يقول الله رب العالمين في القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (البقرة:١٢٧) .. إلى آخر الآية.
وبعدين هم كانوا يحجون ويعتمرون وكانوا يطوفون، وكانوا يأتون بكثير من المناسك التي ورثوها عن إبراهيم وإسماعيل، فمن الخطأ الفاحش أن يقال: إن العرب كل العرب كانوا من أهل الفترة، ولذلك فالعرب بلغتهم دعوة إبراهيم وإسماعيل والآثار إلى الآن، آثار هذه الدعوة لا تزال موجودة في المسجد الحرام، لكن معلوم أيضاً بالإضافة إلى هذا أن العرب دخل في ديانتهم أشياء كثيرة من الشرك والوثنية، وكان ذلك ظاهراً حتى في الكعبة التي كانت نصبت فيها الأصنام، والرسول لما دخلها كان يحطمها بعصاه، وكلما حطم صنماً يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء:٨١)، لكن هذا لا يعني أنهم ما جاءتهم الدعوة، إنما نستطيع أن نقول: منهم من جاءتهم الدعوة والمقصود هنا بالدعوة ليس تفصيلياً؛ لأن الحقيقة المسلمين اليوم الدعوة التفصيلية ما جاءتهم على وجه الصحيح إلا أفراد قليلين جداً، لكن يهمنا العقيدة التوحيد الذي هي سبب النجاة من الخلود في النار يوم القيامة واضح أو لا؟
стр. 2423
فأنا أقول أن العرب كأي أمة أخرى بلغتهم دعوة نبي أو رسول فمنهم من جاءته كما جاءت إلى الرسول وكما بلغها الرسول، ومنهم من انحرفت جاءته منحرفة، والله هو الذي يعلم من هو الذي بلغته الدعوة قبل أن تنحرف عن الجادة والعكس بالعكس، لكن الغرض أن لا نطلق الكلام ونقول أن العرب في الجاهلية كانوا أهل فترة لهذا السبب أولاً، ولأحاديث متكاثرة جداً تدل على أن أفراداً من الجاهلية يعذبون، كهذا الحديث مثلاً: «إن أبي وأباك في النار» فهذا دليل أنه بلغته الدعوة وإلا كيف يعذب في النار ولم تبلغه الدعوة، وكحديث أن الرسول ﵇ كان مع بعض أصحابه على دابته لما مر بقبرين فشمست الدابة، نفرت، فنظر الرسول ﵇ فرأى هناك قبرين، فسأل أصحابه وقال: «متى مات هؤلاء أو هذان؟ قالوا: ماتا في الجاهلية. فقال ﵇: لولا أن تدافنوا لأسمعتكم عذاب القبر» فالدابة سمعت عذاب القبر فشمست، والرسول يقول: «لولا أن تدافنوا» أي: لولا أن تموتوا فيدفن بعضكم بعضاً من رهبة سماع العذاب في القبر لأسمعتكم العذاب هذا.
كذلك الحديث الذي يقول السائل أو السائلة أن فلان في الجاهلية، حاتم الطائي أو غيره، ابن جدعان يمكن أنه كان كريماً وكان مضيافاً وكان كثير الخيرات واليتامى والمساكين .. وإلى آخره هل ينفعه شيء من ذلك يا رسول الله؟! قال: «لا، إنه لم يقل يوماً من دهره: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»، لذلك فباختصار أهل الجاهلية ليسوا أهل فترة، بلغتهم دعوة إبراهيم وإسماعيل وكان بعض أفرادهم على التوحيد. نعم.
مداخلة: هل صح بأنه كان أفراد ... لا يتجاوزون الستة نفر هم الذين يعلمون كورقة بن نوفل مثلاً عن الحنيفية السمحة وكان كثير النظر للسماء والهمهمة ولا
стр. 2424
يعلم كيف يعبد الله ﵎، يقول: لو أعلم كيف تبعد لعبدتك، وأخبر الله ﵎ عن المشركين بأنهم كانوا يتقربون للأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، يعبدونها ليتقربوا من الله ﵎، فهم لا يعلمون الوسيلة والصحيحة والعقيدة السليمة التي يعبد الله ﵎ بها، إذ كانوا يعبدوا الأصنام لكي تقربهم إلى خالقهم.
فمن هذا ألا تكون الديانة الحنيفية اندثرت وزالت وما بقي لها أي معان؟
الشيخ: أنا أعتقد أنه سبق الجواب عن مثل هذا السؤال أيضاً؛ لأني جعلت العرب في الجاهلية كالمسلمين اليوم، فمنهم من بلغته الدعوة فهو مسؤول مؤاخذ إذا كفر بها، ومنهم من لم تبلغه الدعوة فهو غير مؤاخذ وله حساب كما عرفتم في عرصات يوم القيامة، وقلت أيضاً: بأن من العرب من بلغته الدعوة وضربت مثلاً بجماعة التوحيد هؤلاء معروفين يعني، لكن هذا لا يعني أنه لم يكن هناك أفراد آخرون كانوا موحدين، وما ذكرته بالنسبة لورقة أو غيره أنه كان يقول: لا أعرف كيف أعبد الله. هذا أنا شيء لا أعرفه، ولا أعتقد صحته، لكن هب أن الأمر كذلك، لكن هذا هل معناه أنه كان مشركاً؟ لا. كان موحداً، فالتوحيد هو سبب الخروج أو عدم الخلود في النار على الأقل.
الخلاصة عرفتموها وهو: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
فكل شخص بعينه جاءنا حديث صحيح في الجاهلية أنه معذب لا يجوز أن نتصور أنه من أهل الفترة، هذا هو المهم في الموضوع، فقد بلغته الدعوة وبذلك ترتب العذاب به. والحمد لله.
"الهدى والنور" (٢٦٢/ ٠٠:٠٨:٣٩)
стр. 2425
[٧٦٢] باب هل يصح تأويل حديث
«أبي وأبوك في النار» بعمي وعمك
السائل: شيخنا بالنسبة لقوله ﵎: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ (التوبة:١١٣). دلت السنة النبوية أنه ﵌ أجاب الأعرابي أو أجاب الرجل، قال: «أبي وأبوك في النار» ... [يقول] بعض إخواننا الذي نشهد لهم بالالتزام أنه يحتمل أبي وأبوك في النار، أي: عمي وعمك، ما ردكم يا شيخ؟
الشيخ: وهل يحتمل العكس؟
مداخلة: بده يكون كذلك، وده يبرأ والدي الرسول ﵌، تحتمل هذيك.
الشيخ: التبرئة أولاً لا هي بيده ولا بيدنا، لكن نحن الآن نتكلم عن معنى الحديث، أنت على ذمتك.
مداخلة: ... أنا ما رديت عليه.
الشيخ: لا لا على ذمتك تنقل عنه، بيقول أنه تحتمل. طيب ما يحتمل
المعنى الظاهر.
مداخلة: أكيد.
الشيخ: إذاً: شو جوابه؟
مداخلة: لم نسأله عن هذه الثانية.
الشيخ: هذه المشكلة.
لذلك بدنا نتعلم السؤال والجواب.
стр. 2426
هذا الحديث إذا أُوِّلَ تعطلت الشريعة، هذا أولاً.
ثانياً: الحديث له مناسبة، وهي أن رجلاً جاء إلى النبي ﵌ فقال له: «أين أبي؟ قال: في النار» هل نفسر أن هذا الرجل يقصد عمه؟
مداخلة: لا. ظاهر الحديث واضح.
الشيخ: إذاً: هذا التأويل لا يمشي هنا، لأنه له مناسبة المناسبة تمنع التأويل وتبطله، هذه واحدة.
ثاني واحدة: ماذا يفعل بحديث: «استأذنت ربي في أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي» ولَّا خاطر الأب عنده هذا صاحبك أكثر من خاطر الأم؟!!
"الهدى والنور" (٢٥١/ ٠٣: ٣٦: ٠٠)
стр. 2427
جماع أبواب مسألة
مصير أطفال المؤمنين وأطفال المشركين في الآخرة
стр. 2428
[٧٦٣] باب عدم التكليف قبل البلوغ وقيام الحجة
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار. يعني: أطفال المشركين»
(موضوع)
[قال الإمام]:
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤ - دار العروبة) بعد أن ذكر الحديث بنحوه: "وهذا الحديث كذب موضوع عند أهل الحديث، ومن هو دون أحمد من أئمة الحديث يعرف هذا فضلاً عن مثل أحمد".
قلت: وإنما جزم شيخ الإسلام بوضعه - وإن كان السند لا يقتضي ذلك -؛ لمنافاة متنه للمقطوع به في الإسلام من الأدلة الكثيرة القاضية بعدم التكليف إلا بعد البلوغ، وقيام الحجة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ (الإسراء: ١٥)، وقوله ﵌: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ ... » الحديث (١).
"الضعيفة" (٨/ ٣٦٧ - ٣٦٨).
[٧٦٤] باب أطفال المؤمنين في الجنة
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«أولاد - وفي رواية أطفال - المؤمنين في جبل في الجنة يكفلهم إبراهيم
стр. 2429
وسارة، حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة»
(منكر بهذا التمام)
[قال الإمام]:
ثم إن الحديث يخالف بظاهره ما جاء في عدة أحاديث صحيحة: إن نبينا ﵌ هو أول من يدخل الجنة، وأن أولاد الآباء يأبون أن يدخلوا الجنة إلا وآبائهم معهم، فيدخلون جميعاً.
"الضعيفة" (١٢/ ١/٥٧ - ٥٨).
[٧٦٥] باب منه
سؤال: تقول عائشة ﵂: «أدرك النبي ﵌ جنازة صبي من صبيان الأنصار، فقالت عائشة: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﵌: وما يدريك إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب أبنائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم» (١) ماذا تقصد بعصافير الجنة؟
الجواب: يعني تفهم أن هذا الولد الصغير الذي لم يبلغ سن الحلم، أنه يدخل الجنة؛ لأنه غير مكلف، فرد الله عليها بأن الأولاد الصغار، -وهذه مسألة أيضاً مما اختلف فيه العلماء- لهم معاملة في عرصات يوم القيامة، يمتحنون، يعني الذين ماتوا قبل سن البلوغ والتكليف، يمتحنون يوم القيامة، كما لو كانوا عاشوا في الدنيا، وبلغوا سن التكليف، فمنهم من يستجيب للدعوة التي يدعى إليها في عرصات القيامة، فيكون من أهل الجنة، ومنهم من لا يستجيب فيكون من أهل النار، ولذلك قال ﵇: «وما يدريك إن الله خلق للجنة خلقاً وللنار
стр. 2430
خلقاً» فالرسول ما يدري ماذا سيكون مصير هذا الطفل هناك في العرصات.
مداخلة: يعني ما أقر قولها؟
الشيخ: لا ما أقر طبعاً.
"الهدى والنور" (٤٢٦/ ٥٠: ١٤: ٠٠)
[٧٦٦] باب أطفال الكفار في الجنة
[قال رسول الله ﵌]:
«سألت ربي اللاهين، فأعطانيهم. قلت: وما اللاهون؟ قال: ذراري البشر».
[قال الإمام]:
والمراد بـ (اللاهين) الأطفال كما في حديث لابن عباس عند الطبراني (١١٩٠٦) بسند حسن.
فالحديث من الأدلة على أن أطفال الكفار في الجنة، وهذا هو الراجح كما ذكرنا في " ظلال الجنة " (١/ ٩٥) فراجعه.
"الصحيحة" (٤/ ٥٠٢، ٥٠٤).
[٧٦٧] باب منه
[قال الإمام]:
القول الراجح في أطفال المشركين أنهم في الجنة، فضلاً من الله ورحمة.
وقد جاء في بعض الأحاديث: «أطفال المشركين خدم أهل الجنة». وهو صحيح بطرقه.
"الضعيفة" (١٢/ ٢/٦٤٥).
стр. 2431
[٧٦٨] باب هل أطفال المشركين، ومن لم يبلغه الإسلام الحق من المسلمين؛ من أهل الفترة ؟
السائل: [أطفال المشركين] هم مِنْ أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة؟
الجواب: أي نعم.
السؤال: مِن أهل الفترة؟
الجواب: من أهل الفترة؛ يعني يبعث الله إليهم رسولاً في عرصات يوم القيامة فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، ككل أصحاب الأعذار الذين لم تبلغهم الدعوة، ولذلك لما سئل ﵊ عن أطفال المشركين قال: ﴿الله أعلم بما كانوا يعملون﴾.
فمن استجاب منهم يوم القيامة للرسول وأطاعوه كان من خدم أهل الجنة ..
السؤال: هؤلاء الذين يُسْلِمُون على يد أصحاب الطرق الغلاة من الصوفيين وغيرهم ويعتقدون أن هذا هو الإسلام، هل هؤلاء يعتبرون من أهل الفترة أيضاً؟
الجواب: أي نعم. ما دام أن الإسلام الصحيح ما بلغه فهم كذلك، كالأوروبيين والأمريكان وغيرهم، ممن يغترون ببعض الدعوات منها غلاة الصوفيين، ومنها جماعة القاديانية ونحو ذلك.
السؤال: وهم يعتقدون أن هذا هو الإسلام ... ولهذا لا نستطيع أن نكفرهم؟
الجواب: لا. نحن قلنا إن ظاهرهم يشهدوا أن لا إله إلا الله ومحمد رسول الله، وأما حسابهم عند الله.
"الهدى والنور" (٢٠٦/ ٥٠: ٢٣: ٠٠)
стр. 2432
[٧٦٩] باب حكم أولاد النصارى والمنافقين ممن لم يبلغ سن التكليف في الآخرة، ومن بلغته الدعوة في سن الخرف، ومن لم تبلغه أصلا، وأمثالهم .
سؤال: حكم أولاد النصارى المتوفون دون سن التكليف؟
أولاد الكفار إذا ماتوا قبل سن التكليف فهؤلاء لا يحكم لهم بجنة أو بنار، فأما أنه لا يحكم لهم بنار؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
وتمام هذا قوله ﵇: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق» (١).
فإذاً: هذا الصبي النصراني أبوه وأمه هذا مرفوع عنه القلم، مرفوع عنه المؤاخذة، ولذلك فلا يحكم له بنار، لكن في الوقت نفسه لا يحكم له أيضاً بجنة؛ لأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، وهذا لا يعرف الإيمان من الكفر، لذلك فلا يُقطع له بجنة ولا يُقطع له بنار، ولكن لهم في عرصات وساحات يوم القيامة، لهم معاملة خاصة لهؤلاء الأطفال .. أطفال النصارى، والذين جاءتهم الدعوة في سن الخرف .. الكبر، والذين لم تبلغهم الدعوة مطلقاً، هؤلاء أيضاً لا يحكم لهم بجنة ولا بنار، هؤلاء جميعاً لهم معاملة خاصة في عرصات يوم القيامة كما جاء في مجموعة من الأحاديث خلاصة هذه المعاملة أن الله كما أرسل إلى الناس في الدنيا رسولاً، فمن أطاع الرسول دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، كما قال ﵊ في الحديث الصحيح: «كلكم يدخل الجنة إلا من
стр. 2433
أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» (١).
كذلك الذين ذكرناهم من الأنواع، يبعث الله إليهم يوم القيامة رسولاً خاصاً بهم، فيأمرهم جميعاً بأن يلقوا بأنفسهم في النار.
مداخلة: من هم؟
الشيخ: الذي ذكرناهم الأطفال النصارى والشيخ الفاني الذي بلغته الدعوة على خرف وعلى كبر، والذي لم تبلغه الدعوة مطلقاً.
هذه الأجناس يبعث الله إليهم رسولاً في عرصات يوم القيامة، ليس هناك دار تكليف صلِّ .. صُم، لا، إنما هي ساعة من نهار، ألقوا أنفسكم في النار، طبعاً هذا الرسول المرسل من الله إلى هؤلاء الناس كأي رسول أرسل إلى أهل الأرض، فهؤلاء الرسل أرسلوا ومعهم براهين ومعجزات يثبتون للناس أنهم مبعوثون من الله ﵎، كذلك يجب أن نتصور بأن هذا الرسول الذي يرسله الله ﵎ في عرصات يوم القيامة، يرسله ومعه التصديق ..
مداخلة: من هو الرسول الذي يرسل إليهم؟
الشيخ: ليس مسمى في الحديث من هو، لكن الشاهد معه «الراية»، معه البرهان على أنه مرسل من الله ﵎، فيأمرهم جميعاً بأن يلقوا أنفسهم في النار، فمن أطاع كانت ناره جنة، ومن عصاه دخل النار رغم أنفه.
هؤلاء الناس الذين هم من الأصناف الثلاثة حينما يبعث الله إليهم
стр. 2434
رسولاً يأمرهم بأن يلقوا بأنفسهم في النار، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.
وهذا التكليف في عرصات القيامة له شبه في آخر أيام من أيام الدنيا، وذلك حينما يخرج الدجال الأكبر الذي حدثنا عنه الرسول ﵌ في أحاديث كثيرة متواترة، منها قوله ﵇: «ما بين خلق آدم والساعة فتنة أشد من فتنة المسيح الدجال» (١). وذلك لأنه يأتي بمخاريق، بخوارق للعادات يظن ضعفاء الإيمان أنه فعلاً هو كما يزعم، أنه رب، وأنه الإله الذي يستحق العبادة، لأنه يقول للسماء أمطري فتمطر، ويقول للأرض القاحلة الجدبة: أنبتي أخرجي نباتك، فتصبح خضراء مورقة، ويقول للخربة: أخرجي كنوزك، فتخرج الكنوز تمشي وراءه، يعني أشياء من جملة الفتنة التي يفتتن بها الناس بالدجال، لكن الله كما هي سنته في عباده يبتلي الناس بالخير والشر، فهو بالإضافة إلى أنه يسخر لهذا الدجال هذه الأنواع من الخوارق، فبالإضافة إلى ذلك يبتليه بأن يكون أعور العين، ومكتوب على جبينه: كافر، يقرأه الأمي والقارئ، وهذا برهان لكونه كذاب، وتلك براهين توهم ضعفاء الإيمان أنه إله، ولذلك قال ﵇ لما وصفه بأنه أعور، قال ﵇: «وإن ربكم ليس بأعور، وإن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت» (٢).
إذاً: أي إنسان مهما كان صاحب مخاريق وخوارق وآيات يظن الناس أنها كرامات، فما دام أنه يدعي الألوهية، فإن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت. إذاً: هو دجال.
стр. 2435
هذا الدجال يقول للناس آمِنْ بي أدخلتك الجنة، ويريه جنة، ولمن يعصيه يريه النار، فيقول الرسول ﵇: «فمن كفر به أدخله النار وهو في الجنة» والعكس بالعكس: «من آمن به أدخله الجنة وهو في النار».
نفس العملية تتكرر يوم القيامة مع أولئك الأجناس، ... هذا جواب سؤالك.
مداخلة: شيخنا بالنسبة [لنفس المسألة كيف الجمع بين ما ذكرت وحديث] «أطفال المشركين خدم أهل الجنة»؟
الشيخ: نعم، إذا عرفت التفصيل السابق، فلا شك أن في هؤلاء الأطفال من يستجيب لدعوة الرسول، فيكونوا أولئك هم الخدم.
ما في إشكال.
مداخلة: يعني أنا شايف الحديث في كل أطفال المشركين.
الشيخ: لو غيرك قال هكذا، أما تعرف أن الفقه فيه عام وخاص.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب الكلية هذه ما الذي أوقفك عندها.
مداخلة: ما الذي خصصها؟
الشيخ: ما ذكرته لك آنفاً، في بعض الروايات الذي ذكرها الإمام ابن كثير في تفسير آية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
هذا شيء، والشيء الثاني أن الرسول ﵌ لما سئل عن أطفال المشركين،
стр. 2436
هل هم في النار أم في الجنة، قال: «الله أعلم بما كانوا يعملون (١)» يعني: إذا بلغوا سن التكليف.
فهم في الدنيا لا يحكم لهم بجنة أو بنار كما ابتدأنا الكلام، هذا بالنسبة للمؤاخذة الأخروية.
لكن ما رأيك إذا مات الطفل الكافر أين يدفن؟
مداخلة: في مقابر المسلمين.
الشيخ: سبحان الله ..
مداخلة: على ظاهر الحديث يعني.
الشيخ: لو غيرك قالها، وهذا من الأمثلة الكثيرة أن المنهج السلفي يحتاج إلى تطبيق كثير، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥).
فالسؤال الآن يتطور بناء على الجواب السابق، فنقول: ما هو سبيل المؤمنين بالنسبة للكفار عموماً كباراً وصغاراً؟
مداخلة: شيخنا ... أنا أعرف أن هذا تفصيل شيخ الإسلام ابن تيمية
وابن القيم.
الشيخ: وهو؟
مداخلة: أن أطفال المشركين في الجنة، بناء على هذا الحديث.
стр. 2437
الشيخ: لا حِدْتَ الآن.
مداخلة: لا هو هذا ...
الشيخ: حِدْتَ الآن، كان آخر نقطة في الدفن.
مداخلة: .. هؤلاء من أئمة السلف واختاروا هذا القول.
الشيخ: حِدْتَ، لا تزال أنت مصر على الحيدة، الظاهر أنك تريد أن تؤلف كتاب ثاني: الحيدة.
هب أن الأمر كذلك، هذا في الدنيا أم في الآخرة، فتح عينك، يعني ما نقلته عن شيخ الإسلام.
في الأمر الأخروي، طالما أن هذا الحديث يقول: «أطفال المشركين خدم أهل الجنة»، بم أخرجناهم وقلنا أنهم ليسوا في الجنة وهم في النار؟
الشيخ: ذكرنا لك أن الأطفال مذكورون في بعض الروايات [التي] ذكرها ابن كثير في الآية السابقة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥).
ثم ذكرنا لك الحديث المتفق عليه لما سُئل عن أولاد المشركين هل
هم في ...
مداخل آخر: ... الحديث الثاني يا شيخنا ممكن يوجه
الشيخ: من؟
الآخر: الحديث الثاني: «الله أعلم بما كانوا فاعلين».
الشيخ: أي نعم، بما كانوا يعملون.
стр. 2438
الآخر: بما كانوا يعملون، بمعنى أن الله يعلم بما سيؤولون إليه، وبالتالي حكم لهم بالجنة على لسان نبيه ...
الشيخ: لا هناك أشياء كثيرة وكثيرة جداً، إذا قلنا بأن أطفال المشركين كلهم في الجنة حين ذاك يستوون مع أطفال المسلمين، وهذا يخالف ظاهر قول القرآن الكريم الذي يقول: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الطور:٢١)، هؤلاء المسلمون تلحق بهم ذرياتهم، بينما الذي يقول بإلحاق أطفال المشركين كلهم بإدخالهم الجنة، هذا ينافي هذا التخصيص الإلهي في القرآن الكريم: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أنت ذاكر الآية طبعاً.
فحينئذ لا يستوي الطفل المسلم أبوه مع الطفل الكافر أبوه، لا يستويان مثلاً.
مداخلة: .. يا شيخنا لو قال قائل: ذلك جاء من أبوين مسلمين، وذلك جاء
من أبوين كافرين، فما الفرق بينهما، يعني ما هو ذنب الطفل الذي ولد من
أبوين كافرين.
الشيخ: أخطأت فأعد كلامك، لكي لا تخطئ، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، أين المؤاخذة هنا؟
مداخلة: أقول ..
الشيخ: لا تَقُل، أنا أسألك الآن: أنت تقول: بماذا يؤاخذ، أين المؤاخذة في قولنا السابق؟
مداخلة: يعني عطفه على الامتحان في يوم القيامة وعدم الحكم له بالجنة مع أنه بريء.
стр. 2439
الشيخ: واحدة واحدة .. هذه مؤاخذة؟
مداخلة: هكذا يبدو لي؛ لأنه لم يبلغ سن التكليف.
الشيخ: [ما] يبدو لك ينبغي أيضاً أن يلحقه المحو، تدري لم؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: لأنك حينئذ تحكم على الناس جميعاً في الدنيا بما حكمت على أطفال الكفار، يكفيك هذا أو ..
مداخلة: أظن أنه لا يلزمني؟
الشيخ: يكفيك هذا، فهمت علي؟
أنا أقول لك كلمة المؤاخذة، بلغ سن التكليف أو لم يبلغ سن التكليف، لكن ربنا يكلف من يشاء بما يشاء، وخلق الخلق وكلفهم، وأرسل إليهم رسولاً، فهل في هذا شيء من المؤاخذة.
مداخلة: لا في هذا ليس هناك شيء.
الشيخ: الآن نأتي إلى أطفال الكفار، إذا أرسل إليهم رسولاً ومع هذا الرسول كما قلنا سلفاً برهان أنه مرسل من الله، وأنت تعلم أن طبيعة البرهان أن يفهمه كل مكلف، حينذاك لا يهمنا أكان طفلاً أم كان رجلاً، المهم أن هذا الرسول
معه برهان أنه من الله ، فحينئذ ظهر له البرهان ولم يخضع له، في مؤاخذة في هذا؟
مداخلة: لا ليس هناك مؤاخذة.
الشيخ: إذاً: ما هو الإشكال؟
стр. 2440
مداخلة: أنا تعليقي يا شيخنا على أنه لم يبلغ سن التكليف ومرفوع
عنه القلم.
الشيخ: أنا سأجاوبك عن هذا، ولَّا كلامي حول ماذا؟! هذا الطفل بلغ سن الرشد، سن فهم البرهان، ثم آمن أو كفر، في مؤاخذة هنا؟
مداخلة: لا.
الشيخ: فإذاً، ستعيد كلامك وتقول لي: أنا أتكلم عن الطفل.
هذا شيء، الشيء الآخر: هل من الضروري أن هؤلاء الأطفال يظلون كما ماتوا من حيث طفولتهم؟
مداخلة: معليش يا شيخ أعِد
الشيخ: أقول: هل من الضروري كون هؤلاء الأطفال [الذين] ماتوا قبل سن التكليف في الدنيا، أنهم حين يبعثون يكونون كذلك.
مداخلة: ليس من الضروري؟
الشيخ: فإذاً ليس لك حجة قاطعة أبداً فيما أوردت من إشكال ...
مداخلة: المهم يا شيخنا الحديث: «أطفال المشركين خدم أهل الجنة» [بينت] بكلامك السابق أنه مخصص، بالرواية التي رواها ابن كثير.
الشيخ: بمن أطاع الرسول في عرصات يوم القيامة.
مداخلة: يعني الخلاصة: أنه من دخل الجنة من أطفال المشركين تكون وظيفته خادماً.
стр. 2441
الشيخ: هذا لم نختلف فيه، لكن ..
مداخلة: أقصد أنه هذا هو الجمع، وبهذا الأمر يتضح تمام، يعني انه مش في ناس والله بيكونوا في الجنة وفي النعيم كذا، وفي ناس خدم، لأنه هكذا أظنه يتوضح، يعني من دخل من أطفال المشركين الجنة استجابة للرسول تكون وظيفته خادماً
مداخل آخر: يا سيدي المهم يدخلوا الجنة مش مشكلة.
[ثم سئل الشيخ عن حال حديث أخرجه مالك وأورده شيخ الإسلام فيه أن الطفل الكافر يعذب في مداخلة غير واضحة-، فأجاب الشيخ]:
الشيخ: إذا كنت لا تستحضر الحديث، فأنا لا أعرفه.
"الهدى والنور" (١٧٧/ ٥٧: ٤٢: ٠٠)
[٧٧٠] باب الكلام على أهل الأعذار الذين لم تصلهم الدعوة، ومصير أطفال المشركين وأطفال المؤمنين
السائل: [الحديث]: «فمن سمع بي ولم يتبعني دخل النار»، ولكن من لم يسمع بالرسول ﵌؟
الشيخ: الجواب في الحديث، الحديث كما يقول علماء الأصول له منطوق وله مفهوم، منطوقه: "وسمع بي"، مفهومه ولم يسمع بي لا يدخل النار، أي: في كل عصر وفي كل مصر يوجد غير مسلمين، سواء كانوا يهوداً أو نصارى أو بوذيين أو دهريين أو أي شيء، غير مسلمين، هؤلاء يدور أمرهم بين واحد من اثنتين لا ثالث لهما: إما أن يكون بلغته دعوة الرسول ﵇ أو لم تبلغه، فإذا بلغته
стр. 2442
عرفت الجزاء من نفس الحديث، وإذا لم تبلغه فليس له هذا الجزاء، هذا هو الجواب عن سؤالك، ماشي؟
السائل: ماشي.
الشيخ: أم فيه شيء؟
السائل: نحن نسأل عن المصير، هل يجب أن يكون متبع لدين معين إذا ما وصله دين الإسلام، هل يحاسب على أعماله الشخصية، أو هل يصل إلى معرفة الخالق أو وحدانية الخالق ...
الشيخ: أنت يا أستاذ الحقيقة يكون في ذهنك أسئلة كثيرة جداً تظن لما توجه سؤال واحد لازم يكون هذا متضمن لكل الأسئلة، أنت كان سؤالك: وإذا لم يسمع، جاءك الجواب، الآن تجي وتقول: هل يحاسب هل كذا هل كذا .. إلخ، كل سؤال له جواب، ما فيه عندي مانع أي إنسان يسأل سؤالاً وفي مطلع هذه الجلسة قلنا: الذي عندنا جوابه نجاوب، وإلا وكلنا العلم إلى الله ، لكن لازم يكون سؤال واضح، سؤالك أولاً قال: وإذا لم يسمع، فأخذت الجواب، إذا لم يسمع لا يكون له هذا الوعيد، لكن فيه سؤال ثاني، حدد لي إياه وأنا أجاوب عليه، ما سؤالك الثاني؟
السائل: ناس لم تصلهم رسالة محمد ﵌، في «الإسكيمو» في أي منطقه من مناطق العالم.
الشيخ: هو قلنا نحن.
السائل: هل الجماعة هؤلاء ... إذا حوسبوا مثلاً وكانوا على النصرانية يحاسبون على دين النصرانية؟
стр. 2443
الشيخ: يا أخي! سبق الجواب بارك الله فيك، إما سمع بالإسلام أو لم يسمع، إذا سمع بالإسلام ولم يؤمن فهو في النار، إذا لم يسمع فليس في النار، أي: لا يحاسب هذا الحساب الذي يحاسب عليه من سمع.
السائل: بارك الله فيك.
مداخل آخر: يحاسب يعني ...
الشيخ: لا لا، اسمح ليس قليل، لأني أنا شاعر أنه ما أخذ الجواب، ما دام أنه لم يسمع بالرسول ﵇ فهو ليس في النار، فسؤالك الآن ما هو: هل يحاسب؟ كيف يحاسب وهو لم تبلغه الدعوة؟
السائل: نحن نعلم من خلال قراءة التفاسير أن الطفل الصغير يُحاسب.
الشيخ: كيف يحاسب؟
السائل: في تفسير القرآن والتفاسير، إنسان: طفل، إذا مات غير مكلف: سنتين أو خمس سنوات عمره أو أقل أو أكثر تحت التكليف أنه يمتحن يوم القيامة من الله .
الشيخ: وبعد الامتحان ماذا يكون؟
السائل: يقرر إما جنة أو نار إذا أطاع أو خالف.
الشيخ: لا، هذا ما هو صحيح.
السائل: حسب ما قرأت.
الشيخ: لا هذا ليس صحيحاً.
مداخلة: علمه عند الله.
الشيخ: هذا علمه عند الله، هذا علم الله في القرآن، ماذا يقول ربنا في
стр. 2444
القرآن الكريم: ألحقنا بهم ذرياتهم، من يأتي بالآية.
مداخلة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ﴾ (الطور:٢١).
الشيخ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ﴾ (الطور:٢١) أين أنت من هذه الآية، كيف تقول أنت هؤلاء الأطفال يحاسبون؟
السائل: نحن قرأنا في تفاسير كثيرة ...
الشيخ: لا، بارك الله فيك، هذه الآية عندك صريحة.
السائل: الإخوان مشاركون لي في هذه الشغلة وقرؤوا الموضوع هذا.
الشيخ: لا، ما قرؤوا الموضوع، قرؤوا موضوعاً ثانياً أنا أقول لك ما هو، أطفال المشركين، هذا الموضوع الذي قرأتوه، أما أطفال المسلمين: «ألحقنا بهم ذريتهم»، هذا ما فيه إشكال أبداً، أطفال المؤمنين ملحقون بآبائهم، حتى في أشياء لها فضيلة كبيرة جداً جداً، وما أدري كيف مريت عليها، قال ﵇: «ما من مسمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنثة -أي: التكليف- إلا لم تمسه النار إلا تحلة القسم» وليس هذا فقط ليس أنهم لا يدخلون النار وهم ملحقون بآبائهم بل يكونون شفعاء لآبائهم، جاء في صحيح مسلم أن الأطفال الصبيان غير البالغين يقفون عند باب الجنة يبكون، فيرسل الله إليهم جبريل ﵇: سلهم ما بهم وهو أعلم ما بهم ربنا ، فيأتيهم: ما بالكم؟ قالوا: لا ندخل الجنة إلا وآباؤنا معنا، فيقول الله : أدخلوهم وآباؤهم معهم, ... ، البحث الذي قرأته والله أعلم هم أطفال المشركين، فيه ثلاثة أقوال لعلماء المسلمين: أطفال المشركين في الجنة، وهم خدم أهل الجنة هذا قول، القول الثاني هم يمتحنون في عرصات
стр. 2445
يوم القيامة كما امتحن آباؤهم في الدنيا، القول الثالث: هم وآباؤهم في النار، حتى بهذه المناسبة يرووا حديثاً وأنا أذكره لتحذيري لكم منه، أنه السيدة خديجة ﵂ وأرضاها تعلمون أن النبي ﵌ لما تزوجها كانت متزوجة من قبل رجلاً وخلفت منه أولاداً، فسألت يوماً الرسول ﵇ عن أولادها من زوجها الأول الذي مات في الجاهلية وماتوا، قال لها وانتبهوا الحديث غير صحيح: «إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار». هذا حديث غير صحيح.
القول الصحيح بالنسبة للأقوال الثلاثة أن الأطفال الصغار للمشركين حكمهم حكم المجانين وحكم الشيوخ الخرفانين، وحكم أهل الفترة الذين حكينا عليهم وهم الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ﵇، هؤلاء جاء في الحديث الصحيح أن الله يرسل إليهم في عرصات يوم القيامة رسولاً، فيأمرهم بأن يلقوا بأنفسهم في النار، وأمامهم النار، فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، تماماً كما هو الشأن في هذه الحياة، لكن مع فارق كبير، والفارق هنا يا إخواننا أرجو أن تنتبهوا يتعلق بالمرسِل والمرسَل إليهم، المرسَل هنا في الدنيا في عنده معجزات وعنده براهين تتناسب حياة المرسل إليهم المادية التي يعيشون فيها، المرسل هناك يأتي أيضاً بعلامة يقتنع المرسلون إليه بأنه هذا فعلاً مرسل من رب العالمين، والابتلاء هناك كالابتلاء هنا مع فارق كبير، هنا من يؤمن فسيصاب بما جاء في الحديث: حفت الجنة بالمكارة وحفت النار بالشهوات، فالذي يريد يؤمن يحف ويصاب بنار معنوية، أما هناك فنار حقيقية مادية، لكن الرسول الذي يرسل إليهم يعلمون يقيناً أن هذا من الله، فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار.
فإذاً: لا تكليف قبل بلوغ النذارة، لا تكليف قبل مجيء الرسول أو الدعوة،
стр. 2446
وهذا من تمام حكم الله ورحمته بعباده التي أودعها فيما يتعلق بهذا الموضوع في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) فهؤلاء الصبيان من المشركين ما جاءهم رسول لأنهم بعد ما دخلوا في دائرة التكليف، أولئك الأقوام الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ما جاءهم الرسول ولذلك ربنا لا يعذبهم، هذا قولاً واحداً، أما يا ترى ماذا يعمل بهم ربنا؟ من كان عنده علم بالحديث الذي ذكرناه آنفاً فالجواب أن لهم امتحاناً في عرصات يوم القيامة.
فهذا هو الحق ما به خفاء فدعني عن بنيات الطريق
"الهدى والنور" (٢٦١/ ٠٤: ٣٨: ٠٠)
[٧٧١] باب معنى قول النبي ﵌: «الوائدة والموؤدة في النار»
عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «الوائدة والموؤدة
في النار».
[قال الإمام]:صحيح.
[ثم علق على الحديث قائلا]:
ظاهر الحديث أن الموؤدة في النار ولو لم تكن بالغة, وهذا خلاف ما تقتضيه نصوص الشريعة: أنه لا تكليف قبل البلوغ, وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة أقربها عندي إلى الصواب أن الحديث خاص بمؤودة معينة, وحينئذ فـ (ال) في (المؤودة) ليست للاستغراق بل للعهد. ويؤيده قصة ابني مليكة, وعليه فجائز أن تلك المؤودة كانت بالغة فلا إشكال. والله أعلم.
"تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٤٠).
стр. 2447
[٧٧٢] باب منه
سؤال: حديث «الوائدة والموءودة في النار» ما معناه؟
الشيخ: الوائدة والموءودة في النار، أي: "والموءودة له" في النار، فيطيح الإشكال، وضح لك أم لا؟ يعني: يوجد تقدير هنا شيء ليس مذكوراً صراحةً، لكن هو معروف فكراً: الوائد والموءودة في النار، أو الوائدة والموءودة في النار، الوائدة: كونها في النار لا يوجد إشكال؛ لأنها مكلفة بالغة، أما الموءودة: الطفلة الصغيرة كيف تكون في النار؟
أولاً: لا تزر وازرة وزر أخرى.
ثانياً: رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، فهذه موءودة لا تعقل شيئاً، فكيف يحكم بها في النار؟ الجواب: ليست المقصودة هي الموءودة بذاتها وإنما المقصود: الموءود له إما الأب وإما الأم وإما كلاهما معاً إذا كانا اشتركا واتفقا على وأد البنت تَبَعْهُم فهما الاثنان في النار، أما الموءودة هي بالذات فلا حكم لها لا بالجنة ولا بالنار، فالوائدة والموءودة له أي: الزوج في النار.
فالوائدة المصرح به بأنها هي الأم المؤنثة، أما الأب لم يذكر في الحديث صراحةً لكن ذكر ضمناً؛ لأن قوله: "والموءودة" لا يمكن أن يحمل على ظاهر النص؛ لأن الشريعة قاطعة الدلالة على أن الطفل الصغير الذي لم يبلغ سن التكليف ليس مكلفاً ولا مؤاخذاً فلا يحكم له بالنار، ولذلك فتأويل الحديث: "والموءودة له" أي: وهو زوج الوائدة.
"الهدى والنور" (١٥/:٠٠:٥٠:٢٩)
стр. 2448
جماع أبواب الكلام
على إقامة الحجة وشروطها
стр. 2449
[٧٧٣] باب تعريف الحجة ومن يقيم الحجة على الحكام ؟
السؤال: إقامة الحجة على الحكام، يعني: تعريف الحجة، وكيفية إقامة الحجة، ومن يقيمها؟
الشيخ: يقيمها أولاً أهل العلم، وثانياً: يقيمها بكتاب الله وحديث رسول الله ﵌، وعمل السلف الصالح، وما أدري أنت قلت ثالثاً ما هو الثالث؟
السائل: تعريف الحجة.
الشيخ: تعريف الحجة، كما قال ابن القيم ﵀:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحاب ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه
فالحجة هو قال الله وقال رسول الله.
السائل: بالنسبة للكيفية، تكون بطريقة مباشرة أم غير مباشرة، أم عن
طريق الرسائل.
الشيخ: لا، المباشرة ليست ضرورية لأن الرسول ﵇ لما دعا ملوك الكفر إلى الإسلام ما دعاهم مباشرة، أرسل إليهم خطاباً وأحياناً أرسل إليهم رسولاً من طرفه ﵇، فليس من الضروري أن تكون الحجة قائمة مباشرة، وإنما بواسطة، وبخاصة أن الآن نحن لو اتصلنا مع الذي نريد أن نقيم الحجة عليه، حتى لو اتصلنا عليه مباشرة فالحجة منا إليه نقدم ما قال الله وقال رسول الله، وبين الرسول ﵇ الذي بلغنا شريعة الله منذ أربعة عشرة قرناً، فإذاً: في وسائط هنا لتبليغ الحجة حتى لو اتصلنا مباشرة بالذي نريد أن نقيم عليه الحجة، فالمهم
стр. 2450
تبليغ الحجة إليه إما بواسطة شخص يذهب إليه كما جاء في الحديث الصحيح: «أفضل الجهاد كلمة حق تقال أمام سلطان جائر»، لكن هذا لو أرسل إليه خطاباً وبينت له المسألة بأدلتها من الكتاب والسنة فقد أقيمت عليه الحجة.
"الهدى والنور" (٤٦٨/ ٢٠: ١٣: ٠٠)
[٧٧٤] باب هل يجوز تكفير الفرق الضالة بعد إقامة الحجة عليهم؟ والتطرق لمعنى إقامة الحجة
سؤال: هل يجوز تكفير الفرق الضالة كالخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم بعد إقامة الحجة عليهم؟
الشيخ: إذا كان السؤال مقيداً بما جاء في آخره بعد إقامة الحجة عليهم؟ الجواب: نعم، ولكن لا بد هنا من القول: هل كل من ادعى بأنه أقام الحجة على المنكر أو المخالف هو أهل لإقامة الحجة على ذلك المخالف؟
لأننا نشاهد اليوم مع الأسف أن كثيراً من شبابنا السلفي إذا ما تعلم بعض المسائل واختلف هو وأحد المشايخ العلماء، وقد يكونون علماء فعلاً بما يسمونه بعلوم الآلة يعني: بعلم النحو والصرف والبيان وإلى آخره، والأصول: أصول الحديث وأصول الفقه، لكن لم يطبقوا ذلك، فيأتي أحد إخواننا المبتدئ في العلم ويكون تعلم مسألة أو مسألتين أو ثلاثة واختلف مع ذلك العالم فيقول أنا أقمت الحجة عليه، ما أظن بمثل هذه السهولة نستطيع أن نقول بأن الحجة قد أقيمت عليه؛ ولذلك فأنا أقول: في هذا السؤال:
إذا أقيمت الحجة عليه فعلاً فقد سبق الجواب في هذا تماماً، لكن من الذي
стр. 2451
يقيم الحجة؟ هم أهل العلم .. أهل المعرفة بالكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح من المنهج السليم، فكما قلتم يعني: هذا السؤال تقدم جوابه في تضاعيف الجواب عن السؤال الأول.
مداخل آخر: شيخنا تعقيباً على كلمتكم حيث قلتم: من الذي يملك إقامة الحجة على من يجب إقامة الحجة عليه ليؤوب إلى الحق؟ دائماً نذكر لكم كلمة لطيفة كنتم تقولونها وأطلقتموها منذ عقود:
العلماء قسمان: عالم عامل، وعامل عالم، وقد جرى قياساً على ذلك حيث أصبحت كلمة العالم الآن استبدلت بكلمة أخرى وجرى ذكرها على ألسنة الكثيرين حيث صاروا يقولون: شيخ.
الشيخ: وكثر الشيوخ في آخر الزمان
مداخلة: فأقول: أيضاً قياساً على تلك الكلمة، ونسجاً على من منوالها: هناك الشيوخ قسمان: شيخ عامل، وعامل شيخ.
الشيخ: الحقيقة بهذه المناسبة أنا أريد أن أذكر إخواننا أن لا يستعملوا هذه الكلمة يعني: أن ينبهوا أهاليهم أنهم لا ينادون رب البيت مثلاً الذي هو طالب علم مثلاً الشيخ فلان، وإنما بدل الاسم الكنية: أبو فلان .. أبو أحمد .. أبو محمد .. أبو عبد الرحمن .. أبو عبد الله .. أبو زيد أبو إلى آخره، أما الشيخ فلان في الحقيقة بالتعبير السوري هذه الكلمة: تبهدلت يعني: نزلت قيمتها.
سبحان الله ككلمة العالم.
مداخلة: هنا شيخنا أيضاً ما دام ذكرنا هذه المسألة، لقيني بالأمس القريب
стр. 2452
بعض الإخوة كنت داخل السوق فجاؤوا مسرعين إلي وقالوا: أنجدنا أنجدك الله، قلت: أسأل الله أن يعيننا على النجدة ما ورائكم؟ قال: نحن من تلاميذ فلان، وهناك إخوة لنا من تلاميذ فلان وقبل أن ينقسم التلامذة إلى شيخين كنا نحب بعضنا بعضاً.
الشيخ: الله أكبر.
مداخلة: والآن صار يكره بعضنا بعضاً.
الشيخ: أعوذ بالله.
مداخلة: أي نعم، وحدثت يعني منافرة قلبية حتى أن الواحد منا صار لا يحب أن يلقى أخاه، والسبب في ذلك هما: الشيخان.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فلان وفلان، ولذلك نرجوك أنك تتدارك الأمر بينهما لعل الله يصلح بينهما على يديك.
الشيخ: الله المستعان، الله المستعان.
مداخلة: والأمر يزداد نسأل الله العافية بسبب الهوى نسأل الله العافية.
الشيخ: هذا الداء العضال ....
مداخلة: نعم والله.
"الهدى والنور" (٨٢٠/ ٥٨: ٣٩: ٠٠)
стр. 2453
[٧٧٥] باب من شروط إقامة الحجة
سؤال: البعض يقولون أو الدعاة يقولون إقامة الحجة يكون بشرطين بحامل الحجة وبذل الحجة، حامل الحجة أن يكون مقبولاً لدى الناس، وبذل الحجة ان تكون واضحة بينة، فما معنى هذا الكلام؟
الشيخ: الكلام الأول باطل، لأن الأنبياء والرسل ما كانوا مقبولين عند الكفار، أما الشرط الثاني فهو بلا شك فيجب أن يكون واضحاً.
"الهدى والنور" (٥٨٠/ ١٩: ١٨: ٠٠)
[٧٧٦] باب هل يشترط فهم الحجة ؟
السائل: فضيلة الشيخ هل تكفي إقامة الحجة على أهل الشرك وسائر أهل البدع أم لابد من فهمها؟ وماهو ضابط هذا الفهم؟ والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ -وذلك في الكفار- ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾؟
الشيخ: لا شك أن حجة الله ﵎ إذا قُدِمت لبعض الناس من الأعاجم باللغة العربية التي لايفهمونها فلم تقم الحجة عليهم، ومن أجل ذلك قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، فإذا أقام العالِم حجة الله على عباده ولم يفهموها بسبب عُجمة طرأت على لسانهم العربي، أو بسبب أنهم أعاجم فلا بد لهذا العالم حينذاك أن يشرح لهم حجة الله ﵎ حتى تتبين لهم، فإذا تبينت لهم الحجة ثم جحدوها بعد أن استيقنتها أنفسهم حين ذلك يُحكم عليهم بأنهم كفار وبأنهم مخلدون في النار، أما مجرد تلاوة الحجة على ناس لا يفقهونها فذلك مما لا تقوم به الححة باتفاق أهل العلم، والله عز
стр. 2454
وجل حينما قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ فإنما يعني رسولاً بلسان قومهم ليفهموا عليه ما يخاطبهم به من الوحي الذي أنزل عليه من ربه ﵎، ولذلك تأكيدًا لهذا المعنى جاء قوله ﵊ كما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: «ما من رجل من هذه الأمة من يهوديٍ أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» ففي هذا الحديث قوله ﵌ في كل كافرٍ على وجه الأرض يبلغه خبر النبي ﵌ كما كان هو ﵇ في دعوته على حقيقتها ثم يكفر بها؛ فهو في النار.
فقوله ﵊: «يسمع بي» إنما يعني دعوته الحق، ولا يعني بطبيعة الحال لو سمع أحد الكفار الأوروبيين مثلاً أو الأمريكيين أو غيرهم بالنبي ﵌ بطريق القساوسة والرهبان والمستشرقين الذين يتحدثون عن نبينا ﵌ بالأكاذيب، ولا يحدثون أقوامهم بحقيقة ما كان عليه رسول الله ﵌ من الأخلاق والشمائل فيما يتعلق بشخصه ثم هم لا يتحدثون بحقيقة دعوة الرسول ﵌ وأنها دعوة التوحيد وأنها دعوة الإصلاح في كل ميادين الحياة وإنما يحدثون أقوامهم على خلاف ما كان عليه النبي ﵌ ﷺ ﵃ شخصه وفي دعوته، فلا يكون والحالة هذه أولئك الناس قد سمعوا به ﵊ حقًا ولذلك فلا يشملهم الوعيد المذكور في آخر الحديث.
أعيد ذكر هذا الحديث لأهميته في هذا الموضوع، فإن كثيرًا من الناس يتوهمون أنه من مجرد بلوغ القرآن الكريم بسبب الإذاعات العربية إلى تلك الشعوب الكافرة، قد قامت حجة الله ﵎ عليهم ولذلك فليس على المسلمين أن يعملوا شيئًا من تبليغ الدعوة، ليس الأمر كذلك، فإن القرآن إنما نزل
стр. 2455
بلسان عربي مبين، وأولئك الناس لا يفقهون منه شيئًا، كيف وكثير من العرب أنفسهم من عامتهم هم عادوا أشباه الأعاجم لا يفهمون كثيرًا مما يتلى عليهم من كتاب ربهم فكيف يقال بأن حجة الله ﵎ قد قامت على أولئك الأوروبيين وأمثالهم من الأعاجم لمجرد أنهم يسمعون كل يوم صباحًا ومساءَ تلاوة القرآن من الإذاعات العربية، فلا جرم أنه يجب على طائفة من المسلمين أن يبلّغوا شريعة الإسلام بلغة أولئك الأقوام، وعلى هؤلاء أن يكونوا من أهل العلم حقًا يحسنون ترجمة القرآن، ترجمة معنوية وليس ترجمة لفظية، هذا هو جواب ذاك السؤال الهام.
"فتاوى جدة -الأثر-" (٢٦أ /٠٠:١٥:٣٩)
[٧٧٧] باب هل يغني أخذ الميثاق في الأزل عن إقامة الحجة ؟
سؤال: شيخ في سورة الأعراف آية الفطرة، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ (الأعراف:١٧٢) .. الآية، ففيها أن الله ﵎ يسأل كل بني آدم يوم القيامة عندما يشركون بالله ﵎ شركاً، إذ أن الله ﵎ جعل فيهم الفطرة وأشهدهم على أنفسهم، هل في الآية دليل على أن الله ﵎ يحاسب الذي يشرك به من غير إرسال رسول بدليل آية الفطرة ويؤاخذه؟
الشيخ: البتة لا يوجد في الآية دليل لذلك إطلاقاً، وإنما فيه أن حجة الله قائمة على عباده من جهة الفطرة أولاً، لكن ليس في الآية أنه يؤاخذهم بناء على هذه الحجة فقط للأدلة المعروفة التي منها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، وحديث الأربعة الذين يدافعون عن أنفسهم، كالذي