ب - القسم الثاني: أخبار ساقطة بأسانيد واهية وألفاظ شنيعة أجمع أهل العلم بالنقل على بطلانها، فهذه لا يجوز الاشتغال بها ولا التعريج عليها.
ج - والقسم الثالث: أخبار اختلف أهل العلم في أحوال نقلتها فقبلهم البعض دون الكل، فهذه يجب الاجتهاد والنظر فيها لتلحق بأهل القبول أو تجعل في حيز الفساد والبطول ".
قلت: فاحفظ هذا الأصل من الكلام في الصفات وافهمه جيداً؛ فإنه مفتاح الهداية والاستقامة عليها، وعليه اعتمد الإمام الجويني حين هداه الله تعالى لمذهب السلف في الاستواء وغيره كما تقدم ذكره عنه، وهو عمدة المحققين كلهم في تحقيقاتهم لهذه المسألة كابن تيمية وابن القيم وغيرهما قال ابن تيمية في " التدمرية " (ص ٢٩): طبع المكتب الإسلامي:
" القول في الصفات كالقول في الذات؛ فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات.
فإذا قال السائل كيف استوى على العرش؟ قيل له كما قال ربيعة ومالك وغيرهما ﵃: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة "؛ لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر ولا يمكنهم الإجابة عنه؛ وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: لا أعلم كيفيته. قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله؛ إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف وهو فرع له وتابع له فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟ وإذا كنت تُقر
стр. 2522
بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم ونزوله واستواؤهم ... ".
وقال في " الحموية " (ص ٩٩) بعد أن ذكر مختصر ما تقدم:
" ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل، فلا يُمثلِّون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف بها نفسه ووصفه به رسوله، فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا، ويحرِّفوا الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسماء الله وآياته.
وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل، أما المعطلِّون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل مثلَّوا أولاً وعطلوا آخراً، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة به ؛ فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساوياً، وكل ذلك من المحال - ونحو ذلك من الكلام - فإنه لم يَفهم من كون الله على العرش إلا ما يَثُبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم، أما استواء يليق بجلال الله ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها كما يلزم سائر الأجسام، وصار هذا مثل قول الممثل: إذا كان للعالم صانع فإما أن يكون جوهراً أو عرضاً إذا لا يعقل موجود إلا هذان، وقوله: إذا كان مستوياً على العرش فهو مماثل لاستواء
стр. 2523
الإنسان على السرير والفلك؛ إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فإن كليهما مَثَّلَ وكليهما عَطَّلَ حقيقة ما وصف الله به، وامتاز الأول بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي، وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين.
والقول الفصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به، فكما أنه سبحانه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأغراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم؛ فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها.
واعلم أنه ليس في العقل الصريح، ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريقة السلفية أصلاًَ".
"مختصر العلو" (ص٤٦ - ٥٠).
[٧٩٣] باب من أصول مذهب السلف في الأسماء والصفات
[قال الإمام]:
- أحاديث الصفات يجب (إمرارها) على (ظاهرها)، دون تعطيل أو تشبيه كما هو مذهب السلف
"الصحيحة" (٢/ ٣٨٥).
[وقال ﵀]:
-[الذي] كان عليه السلف ... [هو] تفسير النصوص على ظاهرها دون تأويل أو تشبيه كما قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى:١١).
"الصحيحة" (٦/ ١/١٠٨).
стр. 2524
[وقال ﵀]:
- طريقة السلف .. : الإثبات مع التنزيه.
"الصحيحة" (٦/ ٢/٧٣٣).
[وقال ﵀]:
- أئمة الحديث ... مجمعون على اتباع السلف في الإيمان بحقائق الصفات الإلهية اللائقة به ﵎: إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى: ١١).
"الصحيحة" (٧/ ٢/٨٠٨).
[وقال ﵀]:
والأصل إمرارها [أي نصوص الصفات] على ظاهرها على الوجه
اللائق بعظمة الله وجلاله؛ كما في قوله سبحانه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.
"الصحيحة" (٧/ ٣/١٦٣٨).
[وقال ﵀]:
فالتمسك بظاهر النصوص دون تأويل أو تعطيل هو مذهب السلف الصالح والأئمة الأربعة وغيرهم، لا يرغب عنه إلا كل هالك.
"الضعيفة" (٢/ ١٨٩).
[وقال ﵀]:
فرحم الله امرءًا آمن بما صح عن رسول الله ﵌ في الصفات وغيرها, على الحقيقة اللائقة بالله تعالى, ولم يقبل في ذلك ما لم يصح عنه ﵌.
"الضعيفة" (٢/ ٢٥٦).
стр. 2525
[٧٩٤] باب منه
[قال الإمام]:
صفاته تعالى توقيفية فلا تثبت له صفة بطريق اللزوم مثلاً، كأن يقال: يلزم من ثبوت مجيئه تعالى ونزوله ثبوت الحركة، فإن هذا إن صح بالنسبة للمخلوق، فالله ليس كمثله شيء فتأمل.
"التعليق على التنكيل" (١/ ٣٤٩).
[٧٩٥] باب أحاديث وآيات الصفات يجب إمرارها كما جاءت
[قال الإمام]:
أحاديث الصفات وآيات الصفات يجب إمرارها كما جاءت وكما قال سلفنا الصالح ﵃، بدون تأويل ولا يكفي هذا؛ بل ينبغي أن ينضم إلى ذلك أن يقال: وبدون تعطيل.
والمقصود بدون تعطيل هو أن لا يُؤَوِل معانيها وتصرف هذا المعاني عن دلالتها الظاهرة، فلا يكفي فقط عدم التأويل، وإنما يجب أن ينضم إلى ذلك أيضاً التفسير الصحيح مع التنزيه، يعني مثلاً: لا يجوز أن نفسر ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) بمعنى: استولى؛ لأن هذا تأويل، كما أنه لا يجوز إمرارها دون فهم لمعناها، ومعنى استوى هو: استعلى. فنقول حينئذ: معنى استوى على العرش أي: استعلى عليه دون كيف ودون تشبيه ودون تعطيل أيضاً، هكذا يجب أن تكون أو أن يكون موقف كل مسلم تجاه آيات الصفات وأحاديث الصفات، هو الإيمان بمعانيها الحقيقية دون تأويل ودون تجسيم .. هذه نصيحتي ..
مداخلة: هذا قول الشيخ الألباني، فما القول لطلبة العلم، لأن هناك أحاديث
стр. 2526
للصفات، فهم يؤولون فيها باجتهاد منهم.
الشيخ: لا يجوز التأويل، نقول نحن: بدون تأويل وبدون تجسيم، التأويل هو التعطيل والتجسيم هو التشبيه، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فربنا سميع وبصير ولكن ليس كمثله شيء.
فنحن ننصح الطلبة هكذا أن يكونوا دائماً مع الآيات، مع التسليم بمعانيها الظاهرة دون تشبيه ودون تأويل الذي هو التعطيل كما يقول ابن القيم ﵀: المجسم يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، المجسم يعبد صنماً، والله منزه أن يكون مجسماً، والمعطل يعبد عدماً، ولذلك فينبغي التسليم .. وهكذا.
مداخلة: أيضاً إلقاء الضوء أن الإخوة لا يتبعون كل ما روى الرواة وخط كل بنان، وينتقوا الأحاديث المنتقاة عن ...
الشيخ: طبعاً الحديث لو كان في الأحكام وفي الأخلاق لا يجوز إلا أن يكون صحيحاً فكيف به إذا كان له علاقة بالعقيدة، فلا ينبغي إلا أن يؤخذ بالأحاديث الصحيحة في كل ما يتعلق بالشريعة سواء كان عقيدةً أو كان عبادةً أو كان سلوكاً.
"الهدى والنور" (١٦٩/ ٠٠:٣٩:٥٨)
[٧٩٦] باب شرح ما جاء عن جماعة من السلف من قولهم في نصوص الصفات:"أمرُّوها كما جاءت بلا تفسير "
قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصفات؟ فكلهم قالوا لي:
"أمرُّوها كما جاءت بلا تفسير".
стр. 2527
[قال الإمام]:
أي بلا تكييف .. : قال المؤلف [أي الذهبي] في "الأربعين" (١٨٠ك ١ - ٢) عقب هذا الأثر:
"قلت: مالك في وقته إمام أهل المدينة، والثوري إمام الكوفة، والأوزاعي إمام أهل دمشق، والليث إمام أهل مصر، وهم من كبار أتباع التابعين، وحكى الإجماع على ذلك بعدَهم محمد بن الحسن فقيه العراق ".
"مختصر العلو" (ص١٤٢)
[٧٩٧] باب معنى ما روي
عن السلف من أنهم لا يفسرون نصوص الصفات
قال يحيى بن معين: شهدت زكريا بن عدي سأل وكيعاً فقال: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث مثل حديث الكرسي موضع القدمين، ونحو هذا ... ؟
فقال: كان إسماعيل بن أبي خالد, والثوري, ومسعر يروون هذه الأحاديث، لا يفسرون منها شيئاً.
(صحيح).
[قال الإمام]:
المراد بقوله: "لا يفسر منها شيئاً" لا يتأولونها, ولا يخرجون معناها
عن ظاهرها.
"مختصر العلو" (ص١٥٠).
стр. 2528
[٧٩٨] باب شرح ما جاء عن جماعة من السلف من قولهم لمن سأل عن أحاديث الرؤية: "امضها بلا كيف "
[قال الإمام]:
قال ابن القيم في (الجيوش الإسلامية) (ص٧٧): "ومراد السلف بقولهم: بلا كيف هو نفي للتأويل، فإنه التكييف الذي تزعمه أهل التأويل، فإنهم هو الذي يثبتون كيفية تخالف الحقيقة فيقعون في ثلاثة محاذير: نفي الحقيقة وإثبات التكييف بالتأويل وتعطيل الرب عن صفته التي أثبتها لنفسه, وأما أهل الإثبات فليس أحد منهم يكيف ما أثبته الله تعالى لنفسه ... ﴾ إلخ كلامه.
"مختصر العلو" (ص١٤٣).
стр. 2529
جماع أبواب الكلام على بطلان
مذهب التفويض وبراءة أهل السنة منه والرد على المفوضة
стр. 2530
[٧٩٩] باب معنى التفويض في الأسماء والصفات
[قال الإمام]:
والتفويض بزعمهم إمرار النصوص بدون فهم، مع الإيمان بألفاظها.
"الصحيحة" (٢/ ٣٨٥)
[٨٠٠] باب بيان خطر التفويض وأنه ليس مذهب السلف
[قال الإمام في مقدمة " مختصر العلو" بعد أن بيِّن وهاء مقولة المخالفين:"مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم"]:
والظن الذي أُتي منه المخالفون هو مما يُكرِّر ذكرّه بعض المؤيدين لمذهب الخلف على مذهب السلف ويتوهم صحته بعض الكتاب الإسلاميين الذين لا علم عندهم بأقوال السلف ويسمونه بـ " التفويض "، وهو مما يكثر الكوثري عزوه إليهم زوراً فيقول في تعليقه على " السيف الصقيل " (ص ١٣): " الذي كان عليه السلف إجراء ما ورد في الكتاب والسنة المشهورة (!) في صفات الله سبحانه على اللسان مع التنزيه بدون خوض في المعنى ومن غير تعيين المراد ".
وأعاد هذا المعنى في مواضع أخرى منه (ص ١٣١ و١٤٥) وجرى على منواله قرينُه المتعاون معه على تحريف نصوص كتاب " الأسماء والصفات " للبيهقي ذاك في التعليق عليه وهذا في التقديم له في كتابه الذي سماه " فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان " أعني الشيخ سلامة القضاعي العزامي فقد ذكر نحوه في مواطن منه غير أنه قال: " أكثر السلف على الكف عن بيان المعنى المراد اللائق بالحق تعالى " كذا قال (ص ٩٤).ونحوه (ص ٨١ و٥)
стр. 2531
فقد نسب إلى أكثر السلف تنزههم عن بيان المعنى اللائق بالحق تعالى. فهل كان ذلك جهلا منهم بالله أم كتما للعلم؟ فبأيهما أجاب فهو كما قيل: أحلاهما مر. وصدق الله العظيم: ﴿ذلك مبلغهم من العلم﴾.
وجملة القول في التأويل الذي تمسك به الخلف أنه كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في منتصف قصيدته الرائعة " الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية "المعروفة بالنونية:
هذا وأصل بلية الإسلام ... من تأويل ذي التحريف والبطلان
ثم أفاض في سرد أضراره نظماً بما لا تجده عند غيره نثراً فراجعه فإنه هام جداًّ. وانظرها مع شرحها للشيخ أحمد بن عيسى المسمى بـ " توضيح المقاصد وتصحيح القواعد بشرح قصيدة ابن القيم " (١)، ثم إن عجبي لا يكاد ينتهي من الكوثري وأمثاله الذين ينسبون السلف الصالح في آيات الصفات إلى التفويض وعدم البحث عن المراد منها كما سبق النقل الصريح بذلك عنه؛ فإنه إن لم يجد في قلبه من التعظيم للسلف وعلمهم ما يزعه عن التلفظ بها بما يمس مقامهم في المعرفة بالله تعالى وصفاته؛ أفلم يقف على ما نقله العلماء عنهم من العبارات المختلفة لفظاً والمتحدة معنى وكلها تلتقي حول شيء واحد وهو إثبات الصفات، مع الرد على المعطلة النافين لها والممثلة المشبهين لها بصفات الخلق؟! وإليك بعض النصوص في ذلك مما ستراه في الكتاب [أي: مختصر العلو] في تراجمهم إن شاء الله تعالى.
١ - قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري
стр. 2532
والليث بن سعد: عن الأحاديث التي في الصفات؟ فكلهم قالوا لي:
"أمرُّوها كما جاءت بلا تفسير".وفي رواية: "بلا كيف".
٢ - قال ربيعة الرأي ومالك وغيرهما: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب "
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الفتوى الحموية " (ص ١٠٩ مطبعة السنة المحمدية):
" فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول ... "موافق لقول الباقين" أمروها كما جاءت بلا كيف " فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" ولما قالوا: "أمروها كما جاءت بلا كيف"؛ فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم".
وأيضا فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبت الصفات.
وأيضا فإن من ينفي الصفات الجزئية - أو الصفات مطلقاً - لا يحتاج إلى أن يقول "بلا كيف" فمن قال: "إن الله ليس على العرش" لا يحتاج أن يقول:
"بلا كيف" فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر فلما قالوا:
"وبلا كيف".
وأيضا فقولهم " أمروها كما جاءت " يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه فإنها جاءت ألفاظًا دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: " أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد
стр. 2533
أن (من) (١) الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة " وحينئذ تكون قد أمرت
كما جاءت، ولا يقال حينئذ " بلا كيف " إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو
من القول".
٣ - قال الإمام الخطابي:
" مذهب السلف في الصفات إثباتها وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها".
٤ - قال الحافظ ابن عبد البر:
" أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لم يُكَيَّفوا شيئا من ذلك، وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل منها شيئاً على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود ".
قلت: فهذا قُلٌّ من جُلٍّ النصوص التي سنراها في الكتاب وهي كلها متفقة على أن السلف كانوا يفهمون آيات الصفات ويفسرونها ويعينون المعنى المراد منها على ما يليق به ﵎.
"مختصر العلو" (ص٣٥ - ٣٨).
[٨٠١] باب هل التفويض هو مذهب السلف ؟
[قال الإمام]:
ليس مذهبهم [أي السلف] التفويض كما يزعم الكوثري وأمثاله من المعطلة،
стр. 2534
كما شرحه ابن تيمية في رسالته " التدمرية " وغيرها.
"الصحيحة" (٢/ ٣٨٥).
[٨٠٢] باب منه
سؤال: هناك من يزعم أن التأويل أو التفويض كان من منهج السلف الصالح في العقيدة، هل هذا الأمر صحيح وهل ثبت عن أحد من السلف التأويل أو التفويض، وما حكم من يؤول أو يفوض؟
الشيخ: أولاً: يبدو لي أن هنا كثيراً من الشباب فعلاً متأثر بكتب هذا السقاف الذي سماه بعضهم بحق بالسخاف؛ لأن هذه الشبهات التي تثار في هذا الزمان هو أصلها هذا السقاف الذي يعيش في هذا البلد.
أولاً: علماء السلف القاعدة عندهم هو عدم التأويل وعدم التفويض وإنما تفسير الآيات والأحاديث تفسيراً يدل عليه علمهم باللغة العربية وآدابها، فهم يفسرون مثلاً النزول بالنزول ولا يؤولونه، ويفسرون الاستواء بالاستواء والاستعلاء ولا يؤولونه وإنما يؤول الخلف الذين خالفوا السلف، وهذا طبعاً يحتاج إلى بيان وتفصيل ولي أشرطة كثيرة في هذا المجال خضنا فيها إلى حد كبير في ضرب الأمثلة.
لكني أقول الآن: قد يوجد لبعض السلف تفسير لبعض النصوص من القرآن أو السنة يتوهم هؤلاء المؤولة الذين خالفوا السلف بأنه تأويل، وهو ليس من التأويل بسبيل، فأريد أن أذكر شيئاً هنا حول كلمة التأويل: التأويل له معنيان: أحدهما لغوي، والآخر: عرفي.
стр. 2535
أما التأويل بالمعنى اللغوي فهو بمعنى التفسير تماماً والبيان، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران:٧) أي: ما يعلم ما يؤَوُل إليه وما يعود إليه، هذا
معنى لغوي.
أما التأويل الآخر الذي هو عرفي: أي: اصطلاحي فهو بمعنى إخراج
دلالة النص عن الظاهر إلى معنى غير متبادر، هذا التأويل هو يقصد في كلام
علماء الكلام.
على هذا نقول: إذا فسر بعض السلف آية في القرآن الكريم بخلاف ما يفهمه بعض المتأولة، يقولون: هه! هذه سلف أول، والحقيقة: أن هذا الذي يسمونه تأويلاً أي: إخراج للنص عن معناه الظاهر هو ليس تأويلاً إنما هو تفسير، يعني: مثلاً ما ذكر في تفسير ابن كثير وغيره عن ابن عباس في تأويل آية: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) قال ابن عباس: وهو معكم بعلمه، هذا ليس تأويلاً! هذا تفسير لأنه نظر إلى سياق الآية من أولها إلى آخرها فانتبه إلى أن الله يتحدث عن المعية العلمية وليس عن المعية الذاتية التي يظهر من هذه الجملة أن المقصود وهو، أي: بذاته، ليس هذا الذي يتبادر من دراسة الآية من أولها إلى آخرها وإنما المتبادر أنه ربنا عني المعية العلمية، فهذا ورد عن ابن عباس، فهم يتشبثون بهذا ويسمونه تأويلاً وهو ليس من التأويل في شيء.
ومثله نصوص كثيرة وكثيرة جداً، مثلاً: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦) أيضاً: هذه ليست معية ذاتية وإنما هي معية صفتية .. ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦) معكما فسرت بما بعدها: أسمع وأرى! هذا ليس تأويلاً بمعنى إخراج اللفظ عن ظاهره، وهكذا الأمثلة كثيرة وكثيرة جداً.
стр. 2536
الخلاصة: هؤلاء الذي يزعمون بأن السلف أولوا: إن كانوا يعنون أنهم جعلوا مذهبهم التأويل كما هو مذهب الخلف فهم يُكَذِّبون أنفسَهم بأنفسِهم؛ لأن الخلف يقولون: مذهب السلف أسلم، ما هو مذهب السلف؟ هو أنهم لا يؤولون، ومذهب الخلف زعموا أنه أعلم وأحكم، لماذا؟ لأنهم يؤولون، فنفس علماء الخلف يعترفون بأن السلف ما كانوا يؤولون، لكن هؤلاء لتضليل الناس اليوم وإخراجهم عن سبيل المؤمنين الأولين يزعمون بأن السلف أولوا، الحقيقة: أنهم ما أولوا والنصوص الكثيرة والكثيرة جداً يجدها المسلم مجموعة في كتاب الحافظ الذهبي المعروف بالعلو للعلي الغفار.
وكنت أنا اختصرته وحذفت منه بعض الروايات والآثار الواهية الضعيفة، فتجد هناك عشرات الصحابة والتابعين وأتباعهم والحفاظ من الأئمة كلهم لا يؤولون ويردون على المؤولة؛ لذلك فهذا تضليل من هذا السخاف لسبيل المؤمنين، من أجل أن يضلوا هؤلاء الناس الذين لا علم لهم بما يدجل به هذا الإنسان الذي ابتلي من حوله اليوم ومن وصلت رسائله إليهم بأضاليله الكثيرة المبثوثة في رسائله.
"الهدى والنور" (٧٩٥/ ١٧: ٤٤: ٠٠)
[٨٠٣] باب منه
سؤال: كثيراً ما يُزْعَمُ أن مذهب السلف هو التفويض في الصفات, ويستندون على ذلك ببعض الأقوال لأهل العلم.
الشيخ: الأهل من؟
مداخلة: للأئمة مثل الإمام أحمد كقوله: أَمِرُّوها كما جاءت بلا تفسير, نعم,
стр. 2537
شيخنا يعني لم توجهوا هذه الأقوال خاصة أنها ثابتة عن الإمام أحمد وغيره نرجو منكم بيان هذه المسألة وجزاكم الله خيراً؟
الشيخ: سبق أن تكلمنا عن هذه المسألة وجواباً عنها نقول: إن السلف كما جاء في كتب أئمة الحديث وكما جاء في بعض كتب الأشاعرة كالحافظ ابن حجر العسقلاني، هو من حيث الأصول والعقيدة هو أشعري على علمه وفضله وهو قد ذكر في أكثر من موضع واحد في الكتاب العظيم المسمى بفتح الباري أن عقيدة السلف فهم الآيات على ظاهرها دون تأويل ودون تشبيه, فقول الأمام أحمد أمروها كما جاءت أي افهموها كما جاءت دون أن تتعمقوا في محاولة معرفة الكيفية, والذين يقولون إن مذهب السلف هو التفويض أولاً يلزمهم أمران اثنان وكما يقال أحلاهما مر يلزمهم أن الآيات التي وصف الله نفسه بها فضلاً عن الأحاديث الكثيرة التي وصف النبي ﵌ ربه فيها كل هذه النصوص معناها على مذهب التفويض أننا لا نفهم هذه النصوص بل ولا ندري لماذا ربنا أنزلها في كتابه ولا ندري لماذا نبيه وصف ربه بهذه الصفات, والواجب علينا أن لا نفهم هذه الصفات المذكورة في القرآن والسنة علماً أن الله نعى على قوم أنهم لا يهتمون بفهم القرآن الكريم حينما قال رب العالمين: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد:٢٤).
بلا شك أن أعظم شيء يتعلق بهذا الإسلام هو معرفة الرب الذي شرع هذا الدين وعلى لسان نبيه ﵊, فحينما يقال في آيات الصفات وفي أحاديث الصفات لا نفهم منها شيئاً إذاً هم لم يعتبروا بمثل قوله في الآية السابقة ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد:٢٤) ويشملهم أيضاً: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (الحج:٤٦).
стр. 2538
﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت:٤٣).
والآيات كلها إنما أنزلت لتُعقل وتُفهم عن الله فإن كانت متعلقة بالعقيدة تبناها عقيدةً وأن كانت متعلقة بالأحكام تبناها وعمل بها.
إذاً إذا كانت الآيات المتعلقة بصفة الله لا تفهم فإذاً نحن لا ندري عن ربنا شيئاً إلا أن له وجوداً, وعلى هذا هناك صفات مجمع عليها بين العلماء حتى علماء الخلف مثلاً: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١).
هل نفهم من السميع أن نُفَوِّض فنقول: لا ندري ما هي صفة السمع البصير لا ندري ما هي صفة البصر والقدير والحكيم والعليم إلى آخره معنى ذلك التفويض المزعوم أننا لا نفهم شيئاً من هذه الصفات, إذاً آمنا برب موجود لكن لا نعرف له صفة من الصفات وحينئذٍ كفرنا برب العباد حينما أنكرنا الصفات بزعم التفويض, هذا هو الذي يرد أولاً على أولئك المفوضة زعموا.
الشيء الثاني: إذا قال الإمام أحمد أو غيره أمروها كما جاءت تُرى قبل الإمام أحمد إمام دار الهجرة وهو الإمام مالك رحمه الله تعالى هل كان على هذا المذهب حينما جاءه ذاك السائل فقال له: يا مالك يا مالك ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم فالاستواء معلوم لا يعني الاستواء مفوض معناه لا قال الاستواء معلوم، وهو العلو، ولكن الكيف مجهول، وهذا هو مذهب السلف, ولذلك تمام كلام الإمام مالك ﵀ أن قال: أخرجوا الرجل فإنه مبتدع لم يكن هذا الرجل السائل مبتدعاً لأنه سأل عن معنى خفي عليه من قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥).
وإنما أخرج وبُدِّع؛ لأنه سأل عن كيفية الاستواء فكان قول الإمام مالك هذا
стр. 2539
هو الذي يمثل منهج السلف الصالح والمتبعين لهم بإحسان إلى يوم الدين
وهو أن معاني آيات الصفات وأحاديث الصفات مفهومة لغة لكن كيفياتها
مجهولة تماماً.
فلا يعرف كيفية الذات إلا صاحب الذات ولا يعرف كيفية الصفات إلا الذات نفسها, لكن الاستواء والسمع معلوم والبصر معلوم والعلم معلوم وو إلى أخره ولذلك فأنا أعتقد أن تفسير كلمة الإمام أحمد أمِرُّوها كما جاءت هو بأنها تعني عدم فهم الآيات وأن نقول الله أعلم بمراده كما يزعم الخلف هذا هو أصل التعطيل أن نؤدي إلى جحد الخالق , ولذلك فأنا يعجبني كلمة الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأكررها على مسامعكم لتحفظوها لأن فيها جماع هذه المسألة في كلمتين اثنتين يقول ﵀: المشبه يعبد صنماً والمعطل
يعبد عدما.
فالله إذا قال إنسان ليس فوق وليس تحت وليس يمين وليس يسار وليس داخل العالم ولا خارجه كما يقول بعض المبتدعة الضالين في هذا البلد
خاصة يزعمون بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه هذا وصف للمعدوم الذي
لا وجود له.
لو قيل لإنسان ما العدم ماذا تتصورون يكون الجواب؟ هو شيء لا شيء العدم لا شيء, إذا قيل هذا العدم لا شيء هل هو داخل العالم أو خارجه هل يصح هذا الوصف؟
مداخلة: لا يصح
الشيخ: لا يصح هذا الوصف. لا يصح طيب, فإذا كان هناك شيء له وجوده
стр. 2540
وله كيانه فهل يقال أنه ليس داخل العالم وليس خارج العالم؟ كذلك لا يقال إذاً من هنا قال ابن تيمية ﵀: والمعطل يعبد عدما أي شيء لا وجود له, وقد قلنا في بعض مناسبات كثيرة أن حديث عمران بن حصين ﵁ المروي في صحيح البخاري: أن رجلاً سأل النبي ﵌ عن العرش وعما خلق الله بعد العرش وعما كان قبل العرش فقال ﵊: «كان الله ولا شيء معه».
أي لا مخلوق, فإذاً هو كان ولا مخلوق ثم خلق العرش ثم خلق السموات والأرض فإذاً حينما خلق السموات والأرض كان الموجود بإيجاد الله إياه، لا شك ولا ريب أن الله والحالة هذه ليس في المخلوقات.
أما أن يقال أنه ليس خارج المخلوقات فهذا جحد لوجود الله ؛ لأنه كان ولا مخلوقات ولا أي عرش ولا كرسي ولا سماء ولا أرض ولا .. إلى أخره.
لذلك نحن نقول عاقبة التأويل هو التعطيل, لهذا يقول ابن تيمية:
المجسم يعبد صنماً, وهذا حرام بلا شك لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١).
والمعطل يعبد عدماً أي شيئاً لا وجود له, فآمِنوا بالله ورسوله على أساس من الفهم للآيات على الأسلوب العربي الذي كان عليه سلفنا الصالح أولاً مع الاحتفاظ بأن حقائق هذه الصفات وهذه الأسماء لا يعرفها إلا الله ﵎.
مداخلة: شيخنا إذا سمحت بارك الله فيك كما الإثبات على أنه الإمام أحمد ﵁ ورحمه الله تعالى يعرف ويفهم معنى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ عندما أثبت أن الله فوق السماء بذاته سُئل وقيل له يا إمام: ماذا تقول في قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (المجادلة:٧).
стр. 2541
قال بعلمه إلى آخر الآيات فهذا يدل أيضاً على أن الإمام أحمد يفهم قول الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥).
الشيخ: يا سيدي هذه الحقيقة أن يقال أن السلف ما فسَّروا هذا جحد لحقيقة تشبه جحد البديهيات من الأمور.
مداخلة: ثم بدعة جديدة يا شيخ.
الشيخ: الله المستعان نعم.
مداخلة: ابتدعها السقاف في هذه الأيام بالنسبة لهذه المسألة تكلمت مع أحد تلامذته أو رواده فعندما ناقشت هذه المسألة قال شيخنا يقول لنا عندما قالوا له أن هي في صحيح مسلم هذا الحديث الجارية قال: الصحابة قالوا أن الرحمن على العرش استوى ولكنهم يريدون التأويل, فعندما ناقشت هذا الرجل كلما يأتي بشيء آتي له بشيء قال في النهاية: أنا أثبت أن الله فوق السماء كما أثبتتُّ في الجارية يعني بقي مصر على كلام شيخه أن الجارية أثبتته ولكن تريد التأويل.
الشيخ: وما يدريه؟
مداخلة: أنا قلت له ما هي الحجة ما هو البرهان هذا لا بد له من برهان
ودليل قال ..
الشيخ: على كل حال هذه الكلمة أعتقد أنا أنها كلمة يقولونها بألسنتهم يقولونها هرباً من الحجة التي تقام عليهم لأن الرجل في كتبه يصرح بأن القول بأن الله في السماء كفر هكذا: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦).
قال في بعض كتبه ونقلاً عن بعض المفسرين المؤولين مع الأسف: ﴿أَأَمِنتُمْ
стр. 2542
مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦).
كما يقول أهل الشرك هكذا الكتاب مطبوع, ولذلك إذا وصل معك إلى أن يقول أنا أقول كما قالت الجارية لكن مع التأويل هذا أولاً: أعتقد أحد شيئين حتى ننصف الرجل هذا أو الشاب الذي تشير إليه إما أنه كفر بشيخه أو تأول كلام الشيخ بتأويل لا يرضاه الشيخ.
أو أن الشيخ علمهم إذا قيل لكم كذا فقولوا كذا لكن قولهم هذا يخالف المسطور في كتبهم لأن الرجل يصرح بأنه لا يجوز للمسلم أن يقول الله في السماء، لأن هذه قول كفار فالمشركين في العهد الجاهلي، وهو تلقاه عن الشيخ عبد الله الغماري المغربي، فهو يصرح أيضاً في بعض تعليقاته على كتاب "التمهيد" هذا الكتاب العظيم الذي ابتلي ببعض المعلقين من أهل الأهواء وأهل التعطيل ولا أقول التأويل, ولذلك فهذا القول إذا قال حقيقة فهذه خطوة إلى الأمام، لكن الحقيقة أن السقاف لا يؤمن إلا أن كلمة الله في السماء هذا كفر لأنه يفسر في السماء أي في جوف السماء، وهذا كفر لهذا يقول بأننا نحن نقول بأن الله ليس في مكان ومن قال إن الله في مكان فقد كفر، لذلك يتأولون ليتهم يتأولون في بمعنى على كما هو صريح الآيات الأخرى.
ثم يقول أن الله ليس في مكان وليس خارج المكان, الله لا داخل العالم ولا خارجه، وذلك هو شنشنة المعطلة، ومن عجائب أقوالهم أنهم يُكَفِّرون من يقول بقول الله ورسوله ويؤمنون بمن يقول بِقَوْلة ما قالها لا رسول الله ولا صحابي ولا تابعي ولا إمام من أئمة المسلمين.
نقول لذلك السائل من قال من العلماء الذين هم يؤمنون بعلمهم وصلاحهم:
стр. 2543
الله ليس داخل العالم ولا خارجه هذه عقيدتهم من أين جاؤوا بهذه العقيدة؟ الله لا داخل العالم ولا خارجه مهما حاولوا أن يتأولوا مثل هذا الكلام فإنه لا يقبل التأويل في شطره الثاني أبداً إلا إنكار وجود الله ﵎, ونحن نعتقد أن كثيراً من المؤولة ليسوا زنادقة لكن في الحقيقة أنهم يقولون قَوْلَة الزنادقة, فالزنديق المنكر لوجود الله هو الذي سيقول لا شيء مما تزعمون لا داخل العالم ولا خارجه لكن هم بسبب تأثرهم بعلم الكلام وصلوا إلى أن يقولوا كلمة هي زندقة بعينها لكن مع ذلك فهم لا يعلمون ويصدق فيهم قول رب العالمين: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: ١٠٤، ١٠٥).
"الهدى والنور" (٧٣٨/ ٤٥: ١٩: ٠٠)
[٨٠٤] باب هل التفويض
مذهب السلف لقولهم: «نُمِرُّها كما جاءت» ؟
السائل: يأتي (عن) السلف في الصفات؛ في آيات الصفات وأحاديثها يقولون: نمرها كما جاءت أو يعني: قد يأتي أنها لا تفسر، لا نفسر شيئاً منها ونفسر شيئاً منها ... ، فنريد يعني: توضيح هل آيات الصفات أحاديثها يعني يفهم معناها أو يفوض معناها؟
الشيخ: الذي نفهمه من هذه الكلمة وهي قولهم نمرها كما جاءت، أي نفهمها على ظاهر دلالتها بالأسلوب العربي دون أن نُسَلِّط عليها معول التأويل والذي هو أشبه ما يكون بالتحريف والتعطيل، وليس المقصود بداهة من
هذه الكلمة أن نقرأها وألا نفهم معناها، وقد جاءت هذه الصفات بلسان عربي مبين في الكتاب والسنة فلا بد من فهمها، ثم المرور على ظاهرها دون تأويل لها
стр. 2544
أو تعطيل بمعناها، وعلى هذا جرى علماء السلف في تفسير كل آيات الصفات ولم نجد عن أحد منهم أن آيات الصفات وأحاديث الصفات لا تفهم، وأن هذا هو المعنى من قول بعض السلف أمرها كما جاءت، ليس هذا هو المراد وإنما المراد إمرارها بفهم ..
ففي ذلك إثبات الصفات بالمعنى العربي المتبادر إلى الأذهان وليس عدم فهمها؛ لأن مُؤَدَّى ذلك ألا نَصِف الله ﵎ بشيء مما وصف به نفسه وهذا هو عين التعطيل ولَنِعْم ما جاء من بعض أئمتنا ابن القيم ﵀ ﵎ أو شيخه ابن تيمية حينما قال: المجسم يعبد صنماً والمعطل يعبد عدماً.
فتعطيل الصفات وعدم فهمها هو يؤدي إلى إنكار وجود الله تبارك
وتعالى، وإلى هذا أشار ابن القيم ﵀ في كلمته الأخيرة المجسم يعبد صنماً والمعطل يعبد عدماً، هذا الذي يفهمه من هذه الكلمة وهو الصواب الذي
لا ريب فيه.
"الهدى والنور" (٣٦٣/ ٣٨: ٢٥: ٠٠)
[٨٠٥] باب لازم القول بالتفويض
[قال الإمام]:
ولازم ذلك "أي القول بالتفويض".
نسبة الجهل إلى السلف بأعز شيء لديهم وأقدسه عندهم وهو أسماء
الله وصفاته.
ومن عرف هذا علم خطورة ما ينسبونه إليهم. والله المستعان. وراجع لهذا
стр. 2545
مقدمتي لكتابي " مختصر العلو للذهبي " ...
"الصحيحة" (٢/ ٣٨٥).
[٨٠٦] باب مناقشة الشيخ لمن يدعي
أن مذهب الصحابة في الصفات هو التفويض
سؤال: بالنسبة لفهم آيات الصفات.
الشيخ: ما شاء الله.
مداخلة: الذي يقرأ ويطلع على مذهب أصحاب الرسول يجد أنه يفوضون في فهم صفات الله .
الشيخ: ما شاء الله، زادك الله فتوحاً.
مداخلة: معظمهم لما كان يسأل عن هذا يقول: تفسيرها تلاوتها، يعني هذا ثابت عن ابن عيينة وغيره وغيره.
الشيخ: لكن أنت كنت تحكي عن الصحابة سهيت أم نسيت؟
مداخلة: عن الصحابة، مِثل التابعين ...
الشيخ: يعني أفهم منك أن ابن عيينة صحابي؟
مداخلة: لا.
الشيخ: فإذاً؟!
مداخلة: الصحابة مش معروف أيش مذهبهم إلا التفويض بدون بيان بدون سؤال.
стр. 2546
الشيخ: هذا فهمناه منك، لكن قفزت قفزة غزلان ذهبت إلى ابن عيينة.
مداخلة: يعني السلف.
الشيخ: إذاً: لا تخصص الصحابة، السلف (مفوضون)، هكذا؟
مداخلة: (مفوضون) ...
الشيخ: بس أنا لك ناصح أمين لا تسجل على السلف أنهم مفوضون، لأنك بعدين ستندم، ولات حين مندم، تريد تسجل تفضل سجل.
مداخلة: نعم أسجل لأن هذا الذي فهمناه إلى الآن.
الشيخ: خير، الله يرضى عنكم.
مداخلة: يعني: وارد مجموعة من العبارات عنهم مثلاً الإمام مالك قال: (السؤال عنه بدعة) أنه ما كان الصحابة يسألون عن هذه الأمور، كانوا يمُرُّونها على ظاهرها.
الشيخ: بس شايف أخذت الأثر المالكي من ذنبه، ما أتيت رأسه.
مداخلة: معروف الأول.
الشيخ: لكن يجوز أنت تأخذ من ذنبه وما تأتي برأسه؟
مداخلة: يعني هو لما قال: الاستواء معلوم لم يقل له- يعني حسب فهمنا نحن على الأقل- أن الاستواء يعني الاستعلاء.
الشيخ: ما شاء الله صار نحن، الآن نحن.
مداخلة: ما فيه فرق، قال له: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة.
стр. 2547
الشيخ: سؤال قوله: الاستواء معلوم تفويض؟
مداخلة: لا، معلوم يعني بالكتاب والسنة تفويض طبعاً، ما قال له أن الاستواء يعني الاستعلاء مثلما نحن نفهمها.
الشيخ: ماذا يُقصد بمعلوم مجهول؟
مداخلة: معلوم ليس مجهول، معلوم لفظاً بالقرآن والسنة كما جاءت الأسماء والصفات في الكتاب والسنة على لفظها.
الشيخ: معلوم معناه مجهول؟
مداخلة: لا، كيف معلوم يساوي مجهول.
الشيخ: هذا الذي أريده، التفويض معناه العلم؟
مداخلة: نعم.
مداخل آخر: لا، التفويض معناه عدم العلم.
الشيخ: من هنا يبين المكتوب من عنوانه، التفويض معناه فهم وعلم، أم
عدم علم؟
مداخلة: أنا مقدرش أقول عنه جهل، ما أقدر أنسب هذا المذهب الجهل للصحابة.
الشيخ: أنا ما قلت جهل.
مداخلة: طبعاً لأنه عدم علم يساوي جهل.
الشيخ: إذاً يساوي علم؟
стр. 2548
مداخلة: لا ميساويش علم.
الشيخ: إذاً لا علم ولا جهل.
مداخلة: لا، تفصيل.
الشيخ: إذاً لا علم ولا جهل.
مداخلة: آه لا علم ولا جهل.
الشيخ: ما شاء الله ... التفويض معناه قراءة النصوص المتعلقة بالصفات الإلهية بدون فهم لها إطلاقاً كما لو أن الأعجمي قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص:١ - ٤) لا يفهم شيئاً من معنى هذه الآية، ويَكِلُ أمر معناها إلى الله ﵎، هذا معنى التفويض، فهو يسلم بأن هذه آية أو سورة من القرآن، لكن ما معناها لا أدري، أمرها إلى الله ﵎، هذا التفويض.
فالمذاهب ثلاثة:
مذهب السلف، وهو: فهم الآيات آيات الصفات وأحاديث الصفات بالأسلوب العربي، مع تنزيه الله عن مشابهته للمخلوقات كما هو معلوم من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) تنزيه، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) إثبات، إثبات بمعنى أن السميع هو غير البصير، والبصير غير السميع، هذا مذهب السلف، -وفي هذا المثال- والخلف أيضاً، لأنهم يفسرون السميع البصير على تفسير السلف ولا يفوضون، هذا المذهب الأول وهو الإيمان [بالمعاني] المعروفة لغة مع تنزيه الله فيها عن مشابهته للمخلوقات، الفهم اللغوي مع التنزيه.
стр. 2549
- مذهب الخلف تارةً مع السلف يفهمون وينزهون، تارةً يؤولون، بل يعطلون، فهما مذهبان مذهب الفهم لآيات الصفات وأحاديث الصفات مع التنزيه، الفهم الثاني تأويلها وعدم التسليم بمعانيها الظاهرة، ولو كانت مقرونة بالتنزيه، مذهب لا من هؤلاء ولا من هؤلاء مذهب المفوضة.
المفوضة لا يفهمون من آيات الصفات شيئاً، ويقولون: الله أعلم بمراده، فهم خالفوا السلف وخالفوا الخلف، خالفوا السلف لأنهم يقولون ربنا علمنا بلسان عربي مبين، فنحن نفهم ﴿وهو السميع البصير﴾ أن السميع هو غير البصير، وأن السمع له علاقة بسمع الأصوات، والبصر له علاقة برؤية الموجودات، هذا هو المعنى العربي، لكن سمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا.
قلنا: الخلف التقوا مع السلف في بعض هذه الآيات كالآية المذكورة آنفاً، لكن اختلفوا معهم في آيات أخرى، كإثبات اليدين لله ، وإثبات العين أو العينين وإثبات العلو والاستواء على العرش، فالسلف أثبتوا هذه المعاني على ضوء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) أما الخلف فأولوها، فقالوا الاستواء معناه الاستيلاء، قالوا في إثبات اليد ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (المائدة:٦٤) فأولوها ما أثبتوا لله اليدين اللتين تتناسبان مع عظمته وجلاله، ولا تشبهان أيدي البشر، الخلف هنا خالفوا السلف في إيمانهم بصفة السمع والبصر بالمعنى العربي مع التنزيه، هنا أولوا، أما المفوضة فهم الذين يقولون: لا ندري لا ندري لا ندري.
ولذلك هؤلاء إذا قالوا: وهذا يوجد اليوم ناس من الكُتَّاب المعاصرين خاصة من بعض الأحزاب الإسلامية يدعون أن التفويض هو مذهب السلف، وهذا كذب عليهم، السلف يعرفون ما معنى السميع البصير، يعرفون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
стр. 2550
اسْتَوَى﴾ (طه:٥) لكنهم ينزهون، لأنهم يأخذون القرآن جملة وتفصيلاً، لا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فالتفويض إذاً لا يجوز نسبته إلى السلف، هذا كذب وافتراء عليهم، ولذلك قلت لك: كيف تستدل بالأثر المذكور عن مالك: الاستواء معلوم .. هذا دليل على أنهم كانوا لا يفوضون، كانوا يفسرون القرآن باللغة العربية، بل لا يفسرون لأن النظر واضح، ولذلك قال له: ما قال له الاستواء هو الاستعلاء كما قلت أنت، لكنه قال: الاستواء معلوم، أنت تسأل عن الاستواء ما هو؟ الاستواء معلوم، وهو العلو، وهذا ما صرح به الإمام البخاري عن بعض السلف أن ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف:٥٤) أي: استعلى، لكن مذهب مالك يتابع كلامه فيقول: والكيف مجهول، إذا كان هناك تفويض فهنا التفويض، أي: تفويض في الكيفية لا في الحقيقة، فكيفية الاستواء مجهول، أما الاستواء نفسه فهو معلوم، فالاستواء مثلاً ليس هو النزول، هذا عربيةً، الاستواء ليس هو النزول، بل هو ضد النزول، لأنه يأتي بمعنى الصعود، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (البقرة:٢٩) أي: صعد إليها، الاستواء هنا في آية: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف:٥٤) معناه معروف لغة، لكن كيف استوى؟ قال: الكيف مجهول.
فإذا أُريد بالتفويض تفويض حقائق الصفات الإلهية هذا صحيح ومسلم
فيه تماماً.
مداخلة: الواقع أن السؤال عن كيف؟
الشيخ: كيف ما أحد يتكلم من السلف عن الكيف أبداً، والسؤال هنا عن الكيف، ولذلك أجاب: أن الاستواء معلوم والكيف مجهول، إذاً السلف يثبتون معاني آيات الصفات وأحاديث الصفات، لكن يفوضون كيفية هذه الصفات، وهذا هو المذهب الحق، وإلا لزم منه أمور لا يتحملها إنسان مسلم أبداً من الضلال.
стр. 2551
السؤال: هل وارد أخبار أو آثار عن الصحابة أنهم كانوا يفهمون هذه الآيات: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (الملك:١) يد يعني لله يد ولكنها ليست كيد المخلوقات، يعني: اللغة العربية تحتمل، كلمة اليد ... يعني القدرة، وتحتمل اليد يعني الجارحة بالنسبة لنا كبشر، لله يد نحن نقول: لله يد لكنها ليست كيد المخلوقات، يد يعني يد حقيقة، ولكنها ليست كيد المخلوقات، من معاني اللغة العربية أيضاً كما ذكرنا في اللغة العربية أن كلمة يد تؤخذ بمعنى القدرة والغلبة. فلماذا نحن لا نقول أن هذا القول الثاني أيضاً هو قول يؤخذ به في موضوع الأسماء والصفات، وإن كان هو يلزم منه التعطيل، أنه ليس لله يد ولكن المقصود هنا الغلبة والقهر؟
الشيخ:، مُسَلَّمٌ لله الغلبة، لله القدرة، هذا مُسَلَّمٌ به لدى الجميع، تركناها جانباً هل لله يد؟
مداخلة: هم يقولون لا ليس له يد.
الشيخ: وقف حمار الشيخ عند العقبة.
مداخلة: أنا المفهوم، المنهج الذي أخذنا عليه أنه ما تقول: لله يد، الله أعلم بمراده، هذا هو مذهب الخلف الذين نحن قلنا عنهم قبل قليل أنهم المفوضون الذين هم الخلف، أما إذا قلنا .. موضوع اليد هذه مَن من الصحابة فهم هذه الآية على أن اليد بمعنى: .. كان لله يد.
الشيخ: الموضوع ليس موضوع اليد، اليد مثال، الموضوع موضوع صفات.
مداخلة: عام، نريد من صفات الله وارد عن الصحابة [أنهم] يفهمونها بهذا التفصيل؟
الشيخ: سامحك الله.
стр. 2552
مداخلة: وإياك، ابن القيم تلميذه الذي فهمه في آيات الصفات بهذا التفصيل.
الشيخ: اسمح لي أن ألفت نظرك إلى شيء أن هذا القول ما هو بقولك هذا، هذا قول إمامك هذا.
مداخلة: هو فعلاً هكذا يقول.
الشيخ: انظر يا شيخ علي الله يهدينا وإياكم جميعاً، العلم يريد طاقات معينة وقدرات، فإذا إنسان يقرأ اليوم بحث وينساه غداً هذا عبث يعتمد عليه، هذه شبهات وهذه الأسئلة لا تتناهى، ومن الأساليب العلمية التي تقرب وجهتي نظر مختلفتين أن نأخذ نقاط نحن متفقين عليها، أنا أتيت آنفاً لآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) ... ، نحن لا بد نأخذ نقطة التقاء، قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) السميع البصير صفتان لله ، ماذا يقول الذين يؤولون اليد والاستواء ... إلخ، ماذا يقولون في هاتين الصفتين؟ أو غير العبارة هذه: نعيد عليكم سؤالكم: في آثار عن الصحابة أنهم فسروا السمع والبصر بما السلف والخلف متفقون على تفسيرهما به؟
الجواب: ما في آثار.
مداخلة: أنا أعتقد أنه ما في بيان عن الصحابة والتابعين في تفسير هذه الآية.
الشيخ: جميل جداً، فكيف اتفق السلف والخلف على عدم التأويل؟
مداخلة: اتفقوا هكذا.
الشيخ: صدفة، يعني: بدون علم؟
стр. 2553
مداخلة: سبحان الله تجتمع القلوب.
الشيخ: بدون علم؟ المسألة الحقيقة أوضح مما تتصور، الله
له وجود.
مداخلة: بدهي.
الشيخ: فيه نص عن السلف.
مداخلة: القرآن المنزل من رب السماوات والأرض.
الشيخ: خالفت طريقتك، وفي القرآن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) سميع بصير مفهوم معناهما؟
مداخلة: يسمع سمعاً يليق به لا ندري كيف يسمع.
الشيخ: الصحابة قالوا هكذا؟
مداخلة: لا ما قالوا هكذا، لكن نقدر نقول لك: السميع البصير.
الشيخ: لا تطول الشغلة نحن نقول: السلف والخلف يعني: كل المسلمين متفقون على تفسير الآية على ظاهرها، لماذا ما سألتم الآن عن السلف أين آثارهم؟ ولماذا أنا سألتك: الله موجود؟ لكن رجعت إلى القرآن وإلى الأدلة القاطعة في الموضوع، لكن هذه الأدلة القاطعة عند ناس أدلة قاطعة وعند ناس أدلة ما هي قاطعة، لأنه يسلط عليها معول التأويل، فهذه الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) قلنا: ما فيه خلاف بين المسلمين السلف أو الخلف، كلهم مؤمنون بأن الله سميع بصير، هنا لماذا لم يؤول؟ ولماذا لم يفوض؟ لماذا هنا لا نسلط معول الهدم باسم التأويل أو باسم التفويض؟
стр. 2554
مداخلة: .. الآية واضحة وضوح الشمس ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) ...
الشيخ: لم تجبني الله يهديك، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) أنا أدندن على تمام الآية أنت تدندن على أولها، فيه صفتان هنا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) ليس هناك نزاع بين سلف الأمة وخلفها، كلهم ينزهون، لكن النزاع في الإثبات، هل ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) بمعنى استولى أم بمعنى أعلى، هذا نزاع، أما أنه آية في القرآن ... في القرآن ما فيه خلاف، كذلك لا خلاف في التنزيه، لكن هل هناك خلاف في تمام الآية ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)؟
الجواب: لا، لا خلاف، لماذا ترجع إلى هذه القضية، الآن ماذا تقولون عن هذه الآية حينما آمنتم بها ما عطلتموها بالتأويل، ولا أنكرتم معناها بالتفويض؟
مداخلة: هذا رد على المعطلة، كيف فهموا هذه الآية واتفق فهمهم مع فهم السلف وهم معطلون.
الشيخ: تريد تدافع عن التفويض، أنت تتبنى مذهب الدفاع، مش أنا بدي أدافع أنا بدي أن أهدمه، لأنه ضد الكتاب وضد السنة، أنا لما سألتك آنفاً: الله موجود؟ قلت: نعم موجود، أنت موجود أم مفقود؟
مداخلة: ولو موجود ...
الشيخ: ... موجود، كيف جعلت نفسك شريك مع الله في الوجود؟
مداخلة: له وجود ولي وجود.
الشيخ: سَلِّكْها واستريح، كل الآيات هكذا، ما المشكلة إذا قلت في قوله
стр. 2555
تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (المائدة:٦٤) يداه ليست كأيدينا وانتهى الموضوع، شو الواقف في الطريق؟
مداخلة: السلف لم يفهموا هذا الفهم.
الشيخ: والسلف لم يفهموا هذا الفهم السميع البصير.
مداخلة: وأنا أقصد بالسلف يعني فعل السلف اللي هم الصحابة.
الشيخ: وأنا أقصد الذي تقصد أنت، ما الفرق.
مداخلة: يعني التفويض هذا من العصور المتأخرة
الشيخ: ... على شفا جرف هار، الصحابة ما تكلموا في السميع البصير، لماذا أنت تتكلم وتقول: نبين المعنى؟
مداخلة: ...
الشيخ: هذا نريده في كل الصفات، لكن أنا أسألكم لماذا تقول هنا مبينة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) وهناك تقول: لماذا لا نؤول؟
مداخلة: ... من قولك نفهم هذه الأسماء والصفات بناء على مفاهيم اللغة العربية، اللغة العربية تحتمل المعنيين يد بمعنى القدرة، ويد بمعنى يد ..
الشيخ: هذا ما هو دائماً الله يهدينا وإياك، لأنه لما نفسر يداه ما تستطيع تقول: قدرتاه، إذاً: ما معنى يداه، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وحديث: «كلتا يدي ربي يمين» (١) أحاديث صحيحة وصريحة، هذا لا تتأول هنا لا تتأول بقدرة ولا بنعمة، من أي تأويل من التآويل التي رجع إليها المتأخرون أو المؤولة أو المعطلة، لا
стр. 2556
تتأول هذه، يمكن أن تؤول في بعض الأمكنة، لكن التأويل هناك لا يعطل الصفة، ولذلك أنا أذكر أني سألتك: هل تعتقد أن لله يدين؟ ما سمعت منك جواباً، مع أن هذه الآية لا تتأول ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ومن عجائب أحاديث الرسول ﵇ حينما قال وكثيرا ًما سُئلت عن هذا القول: «كلتا يدي ربي يمين» كيف؟
كان الجواب: هذا السؤال هو الذي أنكره الإمام مالك، كيف؟ أنت بتسأل عن الكيف هذا أولاً، وثانياً هذا الحديث يؤكد عموم النص القرآني: (ليس كمثله شيء) البشر لهم يمين ولهم شمال، لكن الله ليس كمثله شيء فكلتا يدي ربي يمين، هذا تأكيد للتنزيه، فإذاً: لله يدان لا تشبهان أيدي المخلوقات.
مداخلة: نصيغ السؤال بصيغة أخرى: هل هذا التفسير معروف قبل ابن
تيمية؟
الشيخ: كيف لا يا أخي الله يهديك.
مداخلة: الأئمة الأربعة ماذا يقولون في الأسماء والصفات؟
الشيخ: هكذا يقولون كما يقول السلف: الإيمان بالصفات بمعانيها الحقيقية بدون تكييف.
مداخلة: والله الشافعي سئل عن هذا فيما أعلم بصريح لفظه قال: أمروها كما جاءت، فهمنا من هذه العبارة أنه يفوض.
الشيخ: أنا أفهم من هذه العبارة أنه ما يؤول، فيه معنيين هنا: أمروها كما جاءت بدون فهم، هذا الذي تقوله أنت، أنا أقول: أمروها كما جاءت بدون تأويل، يعني: مشوها على ظاهرها، ماذا تفهموا منها؟ هذا هو المعنى العربي، وهذا يلتقي مع قول مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول.
стр. 2557
مداخلة: وما قول السلف.
الشيخ: هو سلف، لأنه من أئمة السلف.
مداخلة: أنا ... حقيقة ... الذي ارتاح قلبي هو القول الثاني، الذي هو الإمرار بلا تعطيل أو تأويل.
الشيخ: التأويل أخو التعطيل.
مداخلة: الإمرار بلا تعطيل، عطل، أنا لما واحد يسألني ما أقول أبداً أن لله يد، ما أقول.
الشيخ: هذا الكلام يسجل عليك ... يا أخي هؤلاء الخلف مثل ما قلت لك تعرف أن السلفيين لا يؤولون، (الذين) يؤولون (هم) خلفيون، فالرضى والغضب والعجب والنزول والاستواء كل هذه يؤولونها، نحن حجتنا عليهم، لماذا تؤولون هذه الأشياء؟ لا، ... الغضب عندنا هو ثوران الدم وانتفاخ الأوداج، يا جماعة اتقوا الله، هذا غضب المخلوق، لكن ما دام الغضب نسب إلى الله فليس كمثله شيء.
مداخلة: بدون إشكال ...
[مداخلات وكلام غير واضح].
مداخلة: ... تجد كلاماً بعضه قد يكون منهم وبعضه قد يكون منسوباً لهم بدون صحة يعني مثلا من الأشياء أن ابن تيمية أو واحد من تلامذته أنه وقف على المنبر ...
الشيخ: سامحك الله سامحك الله، أنت تأخذ كلام أعدائهم ... لا، أنت جيب لي من كلامهم، وما لقيت إلا أن تأتي بكلام من أعدائهم أول مثال تأتي به.
стр. 2558
مداخلة: أنا تحاورت على كل حال، قلت لك: قد يكون من كلامهم وقد يكون ...
الشيخ: أنا أكاد أموت من القدقدة هذه، هذه لن تأتي لنا بشيء هذه، أنت الآن بارك الله فيك متخذ موقفاً تريد أن تثبت أن هؤلاء الذين تبنوا مذهب السلف في عندهم التشدد، وجئت بمثال: أول مثال هو باطل بالنسبة لابن تيمية، فهلا أتيت بمثال آخر يكون ثابتاً.
[مداخلة غير واضحة يبدو أن المحاور نسب كلاماً للشيخ الألباني].
الشيخ: أنا أريد أن أنبهك أنك غيَّرت الخِطة ... أنت تتكلم عن فكر السابقين ليس فكر واحد ... الآن، الله يهديك، أنت تحكي عن فكر السابقين، ولذلك بدأت بمثال نسبته إلى ابن تيمية، قلنا لك: هذا يذكره أعداؤه، ائت لنا بمثال عنه أو عن غيره، ليس عني أنا، ... أنا ألفت نظرك خليك ماشي على خطك الأول، لأني أنا لو كنت متشدداً هل معنى ذلك أن السلف متشدد؟
[مداخلة غير واضحة خلاصتها أن المحاور يرى أن من تشدُّد السلفيين أنهم يثبتون لله فوقية كفوقية شيء على شيء مع أنه لا يلزم ذلك من الوصف بالفوقية].
الشيخ: سامحك الله سامحك الله، الله يهديك الله يهديك، أولاً: ما فيه أحد يقول بهذا، مش لازم كذا، مش لازم كذا، لا أحد يقول هذا، لكن أنت غيَّرت خطك، قلت: فيه هناك تشدد لاحظته مما قرأته، فما هو هذا التشدد، أنت تقول: مش لازم يكون فوقية كفوقية هذا على هذا، من يقول بهذا، غيرت الخط تماماً إن كنت غيرت بمعنى تبين لك أن كلامك كان خطأ اعترف يا أخي، والاعتراف بالخطأ هو عين الصواب، وإن كنت لست مخطئاً تابع الخطأ وجيب لنا الأمثلة،
стр. 2559
يهمنا نشوف التشدد الذي أنت نسبته لهؤلاء الذين تبنوا خط السلف.
فأولاً: أتيت المثال بيّنا لك هذا المثال ما هو صحيح، أتيت بمثال ثاني من واقعنا الآن قلنا لك أنت تحكي عن الماضين ليس عن الحاضرين، ورجعت أخيراً تقول: إن الفوقية مو معناها هكذا، من قال معناها هكذا، ما دام سنكرر مراراً وتكراراً ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، استواؤنا ليس كاستوائه، ... وهذا كل السلفيين يعتقدون هذه العقيدة، فأنت حول ماذا تدندن.
[مداخلة غير واضحة يظهر أن المحاور ذكر فيها أن الفهم الذي فهمه هو لازم سؤال السلفيين عن الله بـ «أين»؟]
الشيخ: الله يهديك الله يهديك يا أستاذ عدنان، لما نسأل نحن أين الله؟ لا، أنت غلطان تماماً، ... لأنه يأتينا رجل من حزب من الأحزاب يقول: أنتم كذا وكذا وكذا ... إلخ، أقول له: يا أخي نحن ليس دعوتنا القائمة فقط على ما أنت تتكلم عنه، تحريك الإصبع في الصلاة، تعليق الصورة ما يجوز، تعليق الساعة الدقاقة في المسجد ... إلخ، نحن نبحث في العقيدة، يقول لك: العقيدة فيها خلاف،
فيها خلاف كبير، ويتسلسل الموضوع، [أقول:] خلينا ندخل في تجربة: تفضل .. أين الله؟
بيبحلق في ويقول: ما هذا السؤال، وناس أشكال وألوان في بيقولك السؤال ما يجوز، وهو آتي بالحديث (١) كما تعلم إلى آخره ... طول بالك، أنا سأحكي لك قصة تشوف أنه أنت المعاني التي تنفيها الآن عن كلمة الأينية هذه هي نحن دائماً نكررها، لكن لا مؤاخذة قلة الصلة والتجالس والاجتماع بينسي الحقائق التي
стр. 2560
استقرت في النفوس، الآن سأحكي؛ جرت بيني وبين أحد المشايخ أظن أنت من الذين سمعوها مني مرة أو أكثر من مرة، وإن كنت ما سمعت بها سَمِعَهَا غيرك بطبيعة الحال، وهات ما رأيك في هذا الإنسان الذي يقرر ويسأل أين الله هل هو يفهم هذه الصفة الإلهية بالمعنى المحدود البشري؟
سنة من سنين الحج ونحن في منى وأنا أجلس مع بعض الحجاج في مصري في شامي ونتحدث، دخل علينا شيخ أزهري: السلام عليكم، وعليكم السلام، جلس، أصغى لحديثي شم من الحديث رائحة السلفية، قال لي: أنتم جماعة الوهابية تشبهون رب العالمين بالمخلوقات. قلنا: كيف؟ قال: أنتم بتقولوا أن الله فوق السماوات. قلت له: نحن نقول أم هذا كلام رب العالمين؟
وذكرنا آية ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦)، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (المعارج:٤) ... إلخ، فهذا ليس كلامنا كلام رب العالمين، ويجب الإيمان به.
ثم تابعت معه الموضوع موضوع منطقي عقلي أظن أنا بيعجبك طريقته هذا المنطق، لأنك أنت بيترشح منك من الكلام السابق، قلت له: تعال نرى أن هؤلاء الذين يؤمنون بأن الله على العرش استوى هؤلاء مجسمة، هؤلاء جعلوه في مكان حصروهم في مكان أم هذا افتراء عليهم؟
قلت له: قبل كل شيء أسألك سؤال: الكون المخلوق محدود أم غير محدود؟ قال: محدود، قلنا له: الله ﵎ محدود؟ قال: لا، هذا نحن متفقين عليه.
سؤال ثاني: فوقنا الآن السماء الدنيا.