← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

تتأول هذه، يمكن أن تؤول في بعض الأمكنة، لكن التأويل هناك لا يعطل الصفة، ولذلك أنا أذكر أني سألتك: هل تعتقد أن لله يدين؟ ما سمعت منك جواباً، مع أن هذه الآية لا تتأول ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ومن عجائب أحاديث الرسول ﵇ حينما قال وكثيرا ًما سُئلت عن هذا القول: «كلتا يدي ربي يمين» كيف؟ كان الجواب: هذا السؤال هو الذي أنكره الإمام مالك، كيف؟ أنت بتسأل عن الكيف هذا أولاً، وثانياً هذا الحديث يؤكد عموم النص القرآني: (ليس كمثله شيء) البشر لهم يمين ولهم شمال، لكن الله ليس كمثله شيء فكلتا يدي ربي يمين، هذا تأكيد للتنزيه، فإذاً: لله يدان لا تشبهان أيدي المخلوقات. مداخلة: نصيغ السؤال بصيغة أخرى: هل هذا التفسير معروف قبل ابن تيمية؟ الشيخ: كيف لا يا أخي الله يهديك. مداخلة: الأئمة الأربعة ماذا يقولون في الأسماء والصفات؟ الشيخ: هكذا يقولون كما يقول السلف: الإيمان بالصفات بمعانيها الحقيقية بدون تكييف. مداخلة: والله الشافعي سئل عن هذا فيما أعلم بصريح لفظه قال: أمروها كما جاءت، فهمنا من هذه العبارة أنه يفوض. الشيخ: أنا أفهم من هذه العبارة أنه ما يؤول، فيه معنيين هنا: أمروها كما جاءت بدون فهم، هذا الذي تقوله أنت، أنا أقول: أمروها كما جاءت بدون تأويل، يعني: مشوها على ظاهرها، ماذا تفهموا منها؟ هذا هو المعنى العربي، وهذا يلتقي مع قول مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول.

стр. 2557

مداخلة: وما قول السلف. الشيخ: هو سلف، لأنه من أئمة السلف. مداخلة: أنا ... حقيقة ... الذي ارتاح قلبي هو القول الثاني، الذي هو الإمرار بلا تعطيل أو تأويل. الشيخ: التأويل أخو التعطيل. مداخلة: الإمرار بلا تعطيل، عطل، أنا لما واحد يسألني ما أقول أبداً أن لله يد، ما أقول. الشيخ: هذا الكلام يسجل عليك ... يا أخي هؤلاء الخلف مثل ما قلت لك تعرف أن السلفيين لا يؤولون، (الذين) يؤولون (هم) خلفيون، فالرضى والغضب والعجب والنزول والاستواء كل هذه يؤولونها، نحن حجتنا عليهم، لماذا تؤولون هذه الأشياء؟ لا، ... الغضب عندنا هو ثوران الدم وانتفاخ الأوداج، يا جماعة اتقوا الله، هذا غضب المخلوق، لكن ما دام الغضب نسب إلى الله فليس كمثله شيء. مداخلة: بدون إشكال ... [مداخلات وكلام غير واضح]. مداخلة: ... تجد كلاماً بعضه قد يكون منهم وبعضه قد يكون منسوباً لهم بدون صحة يعني مثلا من الأشياء أن ابن تيمية أو واحد من تلامذته أنه وقف على المنبر ... الشيخ: سامحك الله سامحك الله، أنت تأخذ كلام أعدائهم ... لا، أنت جيب لي من كلامهم، وما لقيت إلا أن تأتي بكلام من أعدائهم أول مثال تأتي به.

стр. 2558

مداخلة: أنا تحاورت على كل حال، قلت لك: قد يكون من كلامهم وقد يكون ... الشيخ: أنا أكاد أموت من القدقدة هذه، هذه لن تأتي لنا بشيء هذه، أنت الآن بارك الله فيك متخذ موقفاً تريد أن تثبت أن هؤلاء الذين تبنوا مذهب السلف في عندهم التشدد، وجئت بمثال: أول مثال هو باطل بالنسبة لابن تيمية، فهلا أتيت بمثال آخر يكون ثابتاً. [مداخلة غير واضحة يبدو أن المحاور نسب كلاماً للشيخ الألباني]. الشيخ: أنا أريد أن أنبهك أنك غيَّرت الخِطة ... أنت تتكلم عن فكر السابقين ليس فكر واحد ... الآن، الله يهديك، أنت تحكي عن فكر السابقين، ولذلك بدأت بمثال نسبته إلى ابن تيمية، قلنا لك: هذا يذكره أعداؤه، ائت لنا بمثال عنه أو عن غيره، ليس عني أنا، ... أنا ألفت نظرك خليك ماشي على خطك الأول، لأني أنا لو كنت متشدداً هل معنى ذلك أن السلف متشدد؟ [مداخلة غير واضحة خلاصتها أن المحاور يرى أن من تشدُّد السلفيين أنهم يثبتون لله فوقية كفوقية شيء على شيء مع أنه لا يلزم ذلك من الوصف بالفوقية]. الشيخ: سامحك الله سامحك الله، الله يهديك الله يهديك، أولاً: ما فيه أحد يقول بهذا، مش لازم كذا، مش لازم كذا، لا أحد يقول هذا، لكن أنت غيَّرت خطك، قلت: فيه هناك تشدد لاحظته مما قرأته، فما هو هذا التشدد، أنت تقول: مش لازم يكون فوقية كفوقية هذا على هذا، من يقول بهذا، غيرت الخط تماماً إن كنت غيرت بمعنى تبين لك أن كلامك كان خطأ اعترف يا أخي، والاعتراف بالخطأ هو عين الصواب، وإن كنت لست مخطئاً تابع الخطأ وجيب لنا الأمثلة،

стр. 2559

يهمنا نشوف التشدد الذي أنت نسبته لهؤلاء الذين تبنوا خط السلف. فأولاً: أتيت المثال بيّنا لك هذا المثال ما هو صحيح، أتيت بمثال ثاني من واقعنا الآن قلنا لك أنت تحكي عن الماضين ليس عن الحاضرين، ورجعت أخيراً تقول: إن الفوقية مو معناها هكذا، من قال معناها هكذا، ما دام سنكرر مراراً وتكراراً ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، استواؤنا ليس كاستوائه، ... وهذا كل السلفيين يعتقدون هذه العقيدة، فأنت حول ماذا تدندن. [مداخلة غير واضحة يظهر أن المحاور ذكر فيها أن الفهم الذي فهمه هو لازم سؤال السلفيين عن الله بـ «أين»؟] الشيخ: الله يهديك الله يهديك يا أستاذ عدنان، لما نسأل نحن أين الله؟ لا، أنت غلطان تماماً، ... لأنه يأتينا رجل من حزب من الأحزاب يقول: أنتم كذا وكذا وكذا ... إلخ، أقول له: يا أخي نحن ليس دعوتنا القائمة فقط على ما أنت تتكلم عنه، تحريك الإصبع في الصلاة، تعليق الصورة ما يجوز، تعليق الساعة الدقاقة في المسجد ... إلخ، نحن نبحث في العقيدة، يقول لك: العقيدة فيها خلاف، فيها خلاف كبير، ويتسلسل الموضوع، [أقول:] خلينا ندخل في تجربة: تفضل .. أين الله؟ بيبحلق في ويقول: ما هذا السؤال، وناس أشكال وألوان في بيقولك السؤال ما يجوز، وهو آتي بالحديث (١) كما تعلم إلى آخره ... طول بالك، أنا سأحكي لك قصة تشوف أنه أنت المعاني التي تنفيها الآن عن كلمة الأينية هذه هي نحن دائماً نكررها، لكن لا مؤاخذة قلة الصلة والتجالس والاجتماع بينسي الحقائق التي

стр. 2560

استقرت في النفوس، الآن سأحكي؛ جرت بيني وبين أحد المشايخ أظن أنت من الذين سمعوها مني مرة أو أكثر من مرة، وإن كنت ما سمعت بها سَمِعَهَا غيرك بطبيعة الحال، وهات ما رأيك في هذا الإنسان الذي يقرر ويسأل أين الله هل هو يفهم هذه الصفة الإلهية بالمعنى المحدود البشري؟ سنة من سنين الحج ونحن في منى وأنا أجلس مع بعض الحجاج في مصري في شامي ونتحدث، دخل علينا شيخ أزهري: السلام عليكم، وعليكم السلام، جلس، أصغى لحديثي شم من الحديث رائحة السلفية، قال لي: أنتم جماعة الوهابية تشبهون رب العالمين بالمخلوقات. قلنا: كيف؟ قال: أنتم بتقولوا أن الله فوق السماوات. قلت له: نحن نقول أم هذا كلام رب العالمين؟ وذكرنا آية ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦)، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (المعارج:٤) ... إلخ، فهذا ليس كلامنا كلام رب العالمين، ويجب الإيمان به. ثم تابعت معه الموضوع موضوع منطقي عقلي أظن أنا بيعجبك طريقته هذا المنطق، لأنك أنت بيترشح منك من الكلام السابق، قلت له: تعال نرى أن هؤلاء الذين يؤمنون بأن الله على العرش استوى هؤلاء مجسمة، هؤلاء جعلوه في مكان حصروهم في مكان أم هذا افتراء عليهم؟ قلت له: قبل كل شيء أسألك سؤال: الكون المخلوق محدود أم غير محدود؟ قال: محدود، قلنا له: الله ﵎ محدود؟ قال: لا، هذا نحن متفقين عليه. سؤال ثاني: فوقنا الآن السماء الدنيا.

стр. 2561

مداخلة: الدلالة على أن الكون المخلوق محدود دلالة شرعية أو فكرية؟ الشيخ: لا، فكرية وشرعية، وهذا السؤال إذا كان لا يكفيك الجواب الآن بإيجاز فأجِّله إلى ما بعد. قلت له: هذه السماء الدنيا ماذا فوقها؟ قال: السماء الثانية والثالثة .. إلخ باختصار السماء السابعة، وفوق السماء السابعة ماذا فيه؟ قال: العرش، قلنا: والعرش ماذا فوقه؟ قال: الملائكة الكروبيون، قلت له: ما الملائكة الكروبيون؟ قال: ملائكة على العرش، قلت له: عندك آية فيها هذا؟ قال: لا، فيه عندك حديث عليها؟ قال: لا، قلت له: من أين أتيت بالملائكة هؤلاء ووضعتهم على العرش هناك؟ قال: والله هكذا لقنونا المشايخ في الأزهر الشريف. قلت له: عجباً من مشايخ الأزهر؛ يقررون على الطلبة أن العقائد لا تثبت بالأحاديث الصحيحة إذا كانت آحاد غير متواترة، وأنت الآن تثبت عقيدة بلا حديث إطلاقاً، لكن ليس هذا هدفنا، نمشي معك الآن، الملائكة الكروبيون فوق العرش، وما فوق الملائكة الكروبيون، فيه شيء أم انتهى؟ قال: انتهى، هكذا الخلق محدود يعني، قلنا له: الكون مشتق من كان يكون، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس:٨٢) فهذا الكون الآن على اعتقادنا نحن أعلى المخلوقات عرش الرحمن، على اعتقادك أنت الملائكة الكروبيون، وبعد ذلك ماذا فيه، هل هناك شيء، هل هناك مخلوق، هل هناك مكان؟ قال: لا، إذاً: لماذا أنتم تتهمونا أننا جعلنا ربنا في مكان وأنت الآن بالمنطق العلمي السليم قلت أن بعد العرش ما فيه مكان، الله حينما يقول المسلم السلفي فوق العرش استوى لا يعني أنه في مكان مثل إنسان في مكان، ولا يعني أن فوقيته

стр. 2562

على العرش كفوقية الملك على الكرسي أو العرش تبعه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١). فإذاً: التعبير إذا صح المنفيات -جمع نفي-، الذي عم تنفيه أنت هذا من لوازم الدعوة السلفية، لأنه مرات نكرر مع أخينا علي هنا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فكل صفاته تتناسب مع جلالته وعظمته، فهي لا تشبه شيء من صفات مخلوقاته. وصفاته عند العلماء تنقسم إلى قسمين: صفة فعل وصفة ذات، فـ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) صفة فعل، نزوله ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا صفة فعل أيضاً، لكن نزوله ليس كنزول الناس، واستواؤه ليس كاستوائنا، وإلى آخر ما هنالك، فأنت الذي تدندن حوله أنت كأنك لأول مرة تتصل بهذه الدعوة، فتحاول تقول: أن هذا ليس هكذا وليس هكذا، وهذا كما يقولون من منفياتنا، التنزيه هذا من لوازم الإثبات وإلا كان مشبهاً، ورحم الله ابن القيم حينما قال: المجسم يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً. فالسلفي إذا كان يريد بسبب إثباته للصفات يريد يجسم معناها عبد صنماً لا سمح الله، فالتنزيه مع الإثبات هما مذهب السلف الصالح في كل الصفات، فلا يخطر في بالك أنه إذا قلنا: استوى أو أين الله أن هناك تشبيه الخالق بالمخلوق، ... ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١). [ثم رجع المحاور لعرض لوازم إثبات السلفيين للصفات -في نظره- من التشبيه والتجسيم في مداخلات غير واضحة، فقال الشيخ]:

стр. 2563

الشيخ: أنا أرى أن ما فيه التقاء في التفاهم في هذه النقطة بالذات، وأنا مضطر أن أختم، بصراحة أنا ما سمعت منه شبهة حتى ينال الجواب، ولا أنا مستعد أن أؤلف في هذا الموضوع كتاباً. "الهدى والنور" (١٤٧/ ٥٩: ٥٩: ٠٠) وتتمته (١٤٨/ ٠١: ٠٠: ٠٠) [٨٠٧] باب الرد على من نسب التفويض للسلف [قال الذهبي في العلو]: قال البخاري في أواخر صحيحه باب قوله : ﴿وكان عرشه على الماء﴾ ﴿وهو رب العرش العظيم﴾، ثم قال: وقال مجاهد: استوى [علا] على العرش. [فعلق الألباني قائلاً] وصله الفريابي بسند صحيح عن مجاهد. قلت: وفيه رد على بعض الكتاب المعاصرين الذين يوهمون الناس أن السلف لم يتكلموا في آيات الصفات ولم يُفسِّروها إطلاقاً، وأنهم اكتفوا بقراءتها دون تدبرها وتفهمها، وهذا مما أبطله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتبه، نعم لم يفسروها تفسيراً مقروناً بالتشبيه والتكييف، بل نهوا عن ذلك أشد النهي، كما ستراه في الكتاب عن مالك وغيره، وقد روى اللالكائي في " السنة" (١/ ٩١/ ٢) عن بشر بن عمر الثقة المتوفي (٢٠٧) قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ قال: على العرش ارتفع. "مختصر العلو" (ص ١٠١ - ١٠٢).

стр. 2564

[٨٠٨] باب الرد على المفوضة والمعطلة السائل: بعض العلماء يقول أن مذهب السلف في الصفات أن تقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، ولا تقل: استوى بذاته. الشيخ: أيوة. مداخلة: نعم. مداخلة: [كذلك] ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، لا تقل بذاته، فقط استوى فقط، بدون تفسير بالمرة، فما جوابكم؟ الشيخ: جوابي كما قال إمام دار الهجرة الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهولة، والسؤال عنه بدعة، أخرجوا الرجل. نحن نقول الذين حكيت عنهم ما ذكرت، وهم يسمون بجماعة التفويض، فهؤلاء ليسوا من السلف من قريب أو بعيد. نقول لهؤلاء: حين تقولون: لا تقل: الرحمن على العرش استوى بذاته، وإنما نقول: الرحمن على العرش استوى. هكذا يقولون. نسألهم بفهم أم بغير فهم؟ نقول لهم: نوافق معكم مبدئياً، نقول: الرحمن على العرش استوى بدون قيد بذاته، لكن حين نقول نحن وأنتم: الرحمن على العرش استوى. بفهم أم بغير فهم؛ فإن قال: بغير فهم سقط، وانكشف وعرفنا منه أنه معطل يتستر وراء ما كان يدعيه كثيرون من قبل ومن بعد، أنهم يقصدون التنزيه. نحن أيضاً نقصد التنزيه، ولكن مع الفهم، فما معنى: الرحمن على العرش استوى؟

стр. 2565

لعلك فهمت إلى هنا؟ مداخلة: نعم. الشيخ: طيب. ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ كما تقول: سبحان ربي الأعلى. وكما تقول: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦) .. إلى آخر الآية، فالله فوق عرشه كما قال الإمام عبد الله بن المبارك: الله ﵎ فوق عرشه بذاته، [بائن من خلقه] وهو معكم بعلمه، ثلاثة أشياء: الله ﵎ فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه. فحينما يقول الإمام عبد الله بن المبارك، إنما يقولها تفقهاً منه؛ لأن الرحمن من الأسماء التي يسمى بها ربنا كاسم الإله، فهو من أسماء الذات، فلو قال: عليم .. بصير، فهذا اسم صفة، لكن الله والرحمن اسم الذات، فكلمة: بذاته، ليست إضافة من عندنا، وإنما هو ما يفهمه كل إنسان. يعني مثلاً: الله خلق السموات والأرض. إذا قلنا: الله بذاته خلق السموات والأرض، هذا ليس معنى ذلك أننا أضفنا معناً لا يؤخذ من كلمة الله، خلق الله السموات والأرض، أي: خلق الله بذاته، لم يشاركه في ذلك أحد سواه. هذا التأويل، أي: التفسير لا يعني أننا نحن أوَّلنا كما يريد أن يقول ذلك الناصح خطأً، قولوا: الرحمن على العرش استوى، ولا تقولوا: بذاته. نحن إذا قلنا: الرحمن على العرش استوى. بفهم، فمعناه: بذاته، وإذا قلنا

стр. 2566

الرحمن على العرش استوى. كلام لا ندري ما معناه، فقد خالفنا السلف الصالح، كما هو الشأن في كل الصفات التي نؤمن بها معهم دون تشبيه ودون تعطيل. دون تشبيه لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، دون تعطيل لقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، فبعض الفِرق القديمة من المعتزلة كانوا يُعطِّلون الله عن هاتين الصفتين: صفة السمع والبصر، فيقولون: يعني هو عليم. الله عليم ثابت؛ ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:٢٩)، لكن هنا يقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، وأنكروهما؛ لأنهم يتوهمون أننا إذا آمنا بما جاء في كتاب ربنا بدون تشبيه، مع ذلك بظنهم أننا نشبهه. فهذا بحث يطول ونهايته أن يؤدي بهؤلاء المعطلة إلى إنكار وجود الله ﵎ من الأصل، وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن القيم الجوزية ﵀، حين قال: المجسِّم إنما يعبد صنماً، والمعطل إنما يعبد عدماً. كلاهما ضال، لكن أيهما أشد ضلالاً؟ الذي نفى نفياً مطلقاً؛ لأنهم يقولون ... - وهذا ذكرناه في بعض مجالسنا القديمة -، حينما يتحدثون عن الله وأنه على العرش استوى، يقولون: لا، لا يوصف ربنا، لا يقال فيه -عندهم-: الله فوق، لا يقال: فوق. لا هو فوق، لا هو تحت، لا هو يمين، لا هو يسار، لا هو داخل العالم، ولا خارجه. إذاً: رجعوا إلى العدم؛ لذلك قال ابن القيم بحق: المعطل يعبد عدماً محضاً. فإذا لم يكن لا داخل العالم ولا خارجه، لو قيل لأفصح الناس بياناً: صف لنا المعدوم ما هو؟ فقال لك: لا هو فوق ولا هو تحت، لا يمين لا يسار، لا أمام لا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه.

стр. 2567

نقول له: صدقت هذا هو المعدوم، فقد وصفوا ربهم بأنه معدوم لما عطلوه من الصفات، فالمعطل إذاً: يعبد عدماً، نحن يجب أن نقف عند حدود الشرع ولا نستعمل الأقيسة؛ لأن الله إذا كان سميعاً بصيراً، فسمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، كما أن وجوده ليس كوجودنا، فنحن الآن نقول: الله موجود، وأنا موجود، فهل معنى ذلك أن نقول -حتى لا نقع فيما يزعمون فيه من التشبيه- أحد شيئين .. ننكر حقيقة من حقيقتين: الله موجود، وأنا وأنت وهذه المخلوقات موجودة، فلا بد من إنكار حقيقة من الحقيقتين وأيهما أنكرت، فقد قرمطت. إذا قلت: أنا موجود، الله موجود. صار هنا اشتراك، صار هنا تشبيه؟ إذاً: الله ليس موجوداً؛ لأنه فيه تشبيه الخالق بالمخلوق، كيف غير موجود؟ موجود. إذاً: أنا الذي لست موجوداً. وأحلاهما مر. إذاً: الله موجود، وأنا موجود، لكن وجوده كما يقولون: وجود بدون موجد، واجب الوجود، أما أنا ممكن الوجود؛ لأن الله هو الذي أوجدني، وإن شاء أعدمني؛ ولذلك قال تحقيقاً لهذه الفارقة العظيمة: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (الرحمن:٢٦ - ٢٧). فإذاً: نحن نثبت ما أثبت، وننفي ما نفى، نفى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، وهو السميع البصير، أثبت.

стр. 2568

فسمعه وبصره حقيقتان صفتان ثابتتان، ولكن: ليس كمثله شيء، وعلى ذلك طَرِّد كل الصفات، فتستريح ولا تقع في التشبيه ولا في التعطيل. هذا جواب ما سألت من السؤال. مداخلة: قال لي هذا القائل: الرحمن على العرش استوى، استوى على، هذا فهمك لاستوى، فما تقول لفهمك ليد الله، ماذا تقول معناها، فماذا أقول له؟ الشيخ: اليد التي يعطي بها، أقول وهي ليست خيالية، ما هذه المشكلة الكبيرة، وماذا يقول هو؟ مداخلة: هو يقول: ما دام أن اليد لا تستطيع أن تفسرها، .. الشيخ: لا، هو ماذا يقول؟ ما المقصود باليد عنده؟ مداخلة: هو مفوض. الشيخ: هذا هو، معطل إذاً. إذاً: نرجع لنفس الموضوع: ما هو الله؟ موجود أو مفقود؟ مداخلة: موجود. الشيخ: موجود، وأنا موجود، إذاً: أنكر إحدى الحقيقتين وحينئذ نحكم عليك بأنه سقط التكليف عنك. مداخلة: شيخنا في نفس المسألة، أستاذي هم في الحقيقة متأخرو الأشاعرة نفوا لفظ: موجود، كما أشرت في آخر كلامك أستاذنا، فقالوا: لأن لفظ موجود يقتضي موجداً، فهو واجب الوجود، فهربوا في شرح البيجوري وكذا، هربوا من لفظ موجود، قالوا: لا نقول: موجود؛ لأن الموجود يثبت موجداً، والله واجب الوجود.

стр. 2569

الشيخ: هذه مناقشة لفظية. مداخلة: أي نعم. الشيخ: لكن هذا لا يرد في الأخذ والرد. مداخلة: لكن أنا أحب أن توضح لنا يا شيخنا هذه الجزئية، لفظ موجود هل هو في الحقيقة كما يزعمون يقتضي موجداً؟ الشيخ: لا، لكن هذه مناقشة بيزنطية كما يقولون فعلاً؛ لأنهم هم يناقشون الآن مناقشة لفظية. فعلاً: اسم موجود، اسم مفعول، يستلزم عادة بالنسبة للعرف البشري أن يكون له موجداً، فهذا الكأس وهذا الإبريق .. إلى آخره، موجود، أوجده الذي صنعه .. إلى آخره، لكن الله كما قلنا في أثناء الكلام: هو واجب الوجود، لكن كونه واجب الوجود ما ينفي أن يكون قائماً وجوده، فنترك كلمة موجود، قائماً وجوده متحققاً وجوده، فحينئذ هم يفرون من المناقشة تمسكاً بلفظ لا يقدم ولا يؤخر. مداخلة: حقيقة البحث. الشيخ: محينا هذا الاسم، اسم موجود ألغيناه من قاموس اللغة في هذا البحث، لكن متحقق وجوده، لا يستطيعون أن يقولوا: لا، مفقود. مداخلة: صحيح. الشيخ: فإذاً: التمسك بهذا اللفظ لا يفيدهم شيئاً. وأرجو إخواننا أن يحفظوا كلمة كنت قرأتها في رسالة لا تزال مخطوطة من

стр. 2570

كلام الخطيب البغدادي، وربما نقلت في بعض الكتب: ما يقال في الصفات يقال في الذات سلباً وإثباتاً. هل تقول في الله موجود ولاّ؟ موجود. إذا قلت إنه موجود، وقد أوضحنا المقصود من لفظة الموجود، هل يلزم من ذلك مشابهة الخالق بالمخلوق؟ الجواب: لا. كذلك قل في الصفات ما تقول في الذات، تستريح من كل هذه المناقشات؛ لأنه الحقيقة الدخول في تفاصيل هذه المسائل والتناقش فيها مضلة؛ لأن كثير من الناس قد أوتوا منطقاً وأوتوا جدلاً، وناس آخرون لم يُعطوا علماً ولم يُعطوا جدلاً، وعندهم سلامة وعقيدة صحيحة، لكن ذلك المجادل قد يتغلب عليه بجدله؛ بسبب سلامة علم هذا الإنسان وقلبه. ولذلك فعلى كل مسلم أن يحفظ هذه القاعدة وهي قائمة على الآية السابقة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١). يقال في الصفات ما يقال في الذات سلباً وإثباتاً، حينذاك تستريح من أي مناقشة قد تضطر للدخول فيها وأنت غير مستعد لها. " الهدى والنور" (٢٨١/ ٣٣: ٠٠: ٠٠) [٨٠٩] باب بيان خطر التفويض والتأويل [قال ابن أبي عاصم في "السنة":] ثنا محمد بن عبد الأعلى ثنا ابن ثور عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن

стр. 2571

ابن عباس قال: حدث رجل بحديث أبي هريرة (١) , فانتفض قال ابن عباس ما بال هؤلاء يجدّون عند محكمه ويهلكون عند متشابهه. [قال الإمام]: (إسناده صحيح). [وعلق على كلمة "يجدّون" بقوله:] كذا في المخطوطة ولعله: يحيدون, أي يجتهدون ويهتمون لفهم المعنى المراد من القرآن عند محكمة, (ويهلكون عند متشابهه) لأنهم لا يهتمون لفهم معناه الحقيقي مع التنزيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يصرفهم عن ذلك التأويل أو التفويض. "ظلال الجنة في تخريج السنة" (ص ١٩٧). [٨١٠] باب مذهب السلف في الصفات وموقف الدعاة اليوم فيه، وبيان ضلال المفوضة والمعطلة [قال الإمام]: مذهب السلف في الصفات وموقف الدعاة اليوم فيه: السلف يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه أو أخبر به نبيه ﵌ ويؤمنون بذلك أنه كما وصف به نفسَه حقيقةً من غير تأويل .... الخ، في

стр. 2572

هذه (١) الصفة المميزة للسلفي على غيره من الخلفيين؛ فان هؤلاء على قسمين: قسم مفوضة يؤمنون بألفاظ الآيات وأحاديث الصفات دون الإيمان بحقائق معانيها اللائقة بالله تعالى. وهذا هو الذي عليه الآن كثير من الخلفيين الذين لم يدرسوا عقيدة السلف أو درسوها ولم يفهموها أو فهموها ولم يهضموها ولم يؤمنواً بها. ويغلب هذا على الذين يتظاهرون بأنهم من الدعاة إلى الإسلام (وفاقد الشيء لا يعطيه) وبعضهم يزعم أن هذا هو مذهب السلف جهلا أو تجاهلا ومنهم الكوثري شيخ أبو غدة كما صرح بذلك في تعليقه على «الاختلاف في اللفظ» لابن قتيبة (ص٣٠). وقسم مؤولة معطلة ينكرون حتمًا بعض صفات الله تعالى باسم التأويل وتحريف الكلم عن مواضعه، ومنهم الكوثري، بل هو حامل راية هذا الانحراف في العصر الحاضر. "كشف النقاب عما في كلمات أبي غدة من الأباطيل والافتراءات" (ص٨٠ - ٨١) [٨١١] باب الرد على من ادعى أن كتاب "الإبانة" للأشعري هو على طريقة التفويض [قال الذهبي في "العلو"]: قال الأشعري في كتاب "الإبانة في أصول الديانة" له، في باب الاستواء:

стр. 2573

فإن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل (له) (١) نقول: إن الله مستو على عرشه كما قال: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ وقال حكاية عن فرعون: ﴿وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأضنه كاذباً﴾ فكذب موسى في قوله: إن الله فوق السموات وقال : ﴿أأمنتم من في السماء﴾ يعني جميع السموات فقال: ﴿وجعل القمر فيهن نوراً﴾ ولم يرد أن يملؤهن جميعاً، "وأنه فيهن جميعاً" قال: ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم - إذا دعوا - نحو السماء لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش. وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى استوى: استولى وملك وقهر، وأنه تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما قالوا كان لا فرق بين العرش وبين الأرض السابعة لأنه قادر على كل شيء، والأرض شيء، فالله قادر عليها وعلى الحشوش، وكذا لو كان مستوياً على العرش بمعنى الاستيلاء، لجاز أن يقال: هو مستو على الأخلية والحشوش، فبطل أن يكون الاستواء ﴿على العرش﴾: الاستيلاء. وذكر أدلة من الكتاب والسنة والعقل سوى ذلك (٢). وكتاب "الإبانة" من أشهر تصانيف أبي الحسن، شهره الحافظ ابن عساكر واعتمد عليه، ونسخه بخطه الإمام محيي الدين النووي.

стр. 2574

[قال الإمام]: قلت: وفي قول الأشعري دليل واضح على بطلان قول الكوثري في تعليقه على "تبيين كذب المفتري" (ص ٢٨) أن كتاب "الإبانة" هذا هو على طريقة المفوضة في الإمساك عن تعيين المراد، وهو مذهب السلف! فإن كلام الأشعري الذي نقله المصنف ﵀ عن "الإبانة" وأشرنا إلى محله منه صريح في تعيين المراد، وهو أن الاستواء بمعنى العلو، فأين التفويض والإمساك عن تعيين المراد الذي زعمه الكوثري، ولا شك أن قوله " وهو مذهب السلف "، كذب أيضاً كما يعلمه من درس أقوالهم في كتب أصول السنة التي جمعها المصنف رحمه الله تعالى في كتاب " العلو" فأوعى، ثم قَرَّبتها إليك في "مختصره" هذا، منبهاً على ما صح إسناده منها كما ترى. "مختصر العلو" (ص٢٣٨ - ٢٣٩)

стр. 2575

جماع أبواب الكلام على ضلال المؤولة والمعطلة، وجناية أصولهم على الدين

стр. 2576

[٨١٢] باب بيان خطر التأويل ونقد مقولة:"مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم " [قال الإمام]: وبعد فإن ضرر التأويل على أهله وحمله إياهم على الانحراف عن الشرع مما لا حدود له في نظري, فلولاه لم يكن للقائلين بوحدة الوجود اليوم وجود, ولا لإخوانهم القرامطة الباطنية من قبل الذين أنكروا الشريعة وكل ما فيها من حقائق كالجنة والنار والصلاة والزكاة والصيام والحج ويتأولونها بتآويل معروفة, قال العلامة المرتضى اليماني في " إيثار الحق على الخلق" في صدد بيان قبح التأويل (ص ١٣٥): " فإن المعتزلة والأشعرية إذا كَفَّروا الباطني بإنكار الأسماء الحسنى والجنة والنار يقول لهم الباطني: لم أجحدها إنما قلت: هي مجاز مثلما أنكم لم تجحدوا الرحمن الرحيم الحكيم وإنما قلتم: إنها مجاز, وكيف كفاكم المجاز في الإيمان بالرحمن الرحيم وهما أشهر الأسماء أو من أشهرها ولم يكفني في سائرها وفي الجنة والنار مع أنهما دون أسماء الله بكثير؟ وكم بين الإيمان بالله وبأسمائه والإيمان بمخلوقاته؟ فإذا كفاكم الإيمان المجازي بأشهر الأسماء الحسنى فكيف لم يكفني مثله في الإيمان بالجنة والنار والمعاد؟ ". قلت: ونحوهم طائفة القاديانية اليوم الذين أنكروا بطريق التأويل كثيراً من الحقائق الشرعية المجمع عليها بين الأمة كقولهم ببقاء النبوة بعد النبي ﵌ متأسين في ذلك بنبيهم ميرزا غلام أحمد ومن قبله ابن عربي في " الفتوحات المكية " وتأولوا قوله تعالى: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ بأن المعنى زينة

стр. 2577

النبيين وليس آخرهم وقوله ﵌: «لا نبي بعدي» بقولهم: أي معي, وأنكروا وجود الجن مع تردد ذكرهم في القرآن الكريم فضلاً عن السنة وتنوع صفاتهم فيهما, وزعموا أنهم طائفة من البشر إلى غير ذلك من ضلالاتهم، وكلها من بركات التأويل الذي أخذ به الخلف في آية الاستواء وغيرها من آيات الصفات. وليس أدل على ضرر التأويل على أصحابه المغرمين به من القول الذي شاع بينهم ولهجت به ألسنتهم كلما أثير بحث الصفات والإيمان بها على حقائقها أو على تأويلها ألا وهو قولهم: «مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم». والشاب المثقف اليوم الذي لم تتلوث ثقافته الشرعية بشيء من علم الكلام ربما لا يصدق أن أحداً من الخلف يقول مثل هذا القول وحق له ذلك لخطورته وفظاعته ولكنه - مع الأسف - هو الواقع المعروف لدى طلبة الشريعة، وإليك مثالا واحداً على ذلك مما يقرؤونه على مشايخهم قال الباجوري في حاشيته (ص٥٥) تحت قول صاحب " الجوهرة ": وكل نص أوهم التشبيها ... أوِّله أو فوِّض ورم تنزيها "وطريقة الخلف أعلم وأحكم لما فيه من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم وهي الأرجح، ولذلك قدمها المصنف، وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد له تعالى". وكلام الكوثري المشهور بعدائه الشديد لأهل السنة والحديث في تعليقاته كلها يدور على هذا المعنى من التفصيل المزعوم وفي تعليقه على " السيف الصقيل " التصريح بذلك (ص ١٣٢)

стр. 2578

وهذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة بل في غاية الضلالة قال ابن تيمية في " العقيدة الحموية ": " كيف يكون هؤلاء المتأخرون لا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كَثُر في باب الدين اضطرابهم وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم حيث يقول: لعمري قد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذقن أو قارعاً سن نادم وأقروا على أنفسهم بما قالوا متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم مثل قول بعض رؤسائهم: نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا ويقول الآخر منهم: " أكثر الناس شَكَّا عند الموت أصحاب الكلام " ثم إذا حُقَّ عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر، ولا وقعوا من ذلك على عين وعلى أثر. كيف يكون هؤلاء المنقصون المحجوبون الحيارى المتهوكون أعلم بالله وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى ومصابيح الدجى، الذي بهم قام الكتاب وبه قاموا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع

стр. 2579

الأنبياء، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة. ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة لا سيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟ أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟ وقال العلامة السفاريني في " شرح العقيدة " (١/ ٢١ - مختصره): "فمن المحال أن يكون المخالفون أعلم من السالفين كما يقوله بعض من لا تحقيق له به ممن لا يقدر قدر السلف ولا عرف الله تعالى ولا رسوله ولا المؤمنين به حق المعرفة المأمور بها: أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف (١) أعلم وأحكم. وهؤلاء إنما أُتوا من حيث ظنوا أن طريق السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ذلك بمنزلة الأميين، أو أن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات، فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر. وقد كذبوا وأفكوا على طريقة السلف وضلوا في تصويب طريقة الخلف فجمعوا بين باطلين: الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، والجهل والضلال بتصويب طريقة غيرهم". ثم استشهد على ذلك بكلام للحافظ ابن رجب في كتابه " فضل علم السلف على علم الخلف " فليراجعه من شاء. "مختصر العلو" (ص٣٢ - ٣٥).

стр. 2580

[٨١٣] باب بيان خطر التأويل والتفويض [قال ابن أبي عاصم في "السنة"]: ثنا محمد بن عبد الأعلى ثنا ابن ثور عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: حدث رجل بحديث أبي هريرة (١) , فانتفض قال ابن عباس ما بال هؤلاء يجدّون عند محكمه ويهلكون عند متشابهه. [قال الإمام]: (إسناده صحيح). [وعلَّق على كلمة يجدّون بقوله]: كذا في المخطوطة ولعله: يحيدون, أي يجتهدون ويهتمون لفهم المعنى المراد من القرآن عند محكمة, (ويهلكون عند متشابهه) لأنهم لا يهتمون لفهم معناه الحقيقي مع التنزيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يصرفهم عن ذلك التأويل أو التفويض. "ظِلال الجنة في تخريج السنة" (ص ١٩٧). [٨١٤] باب بيان خطر التأويل وجنايته على العقيدة [قال الإمام]: و (بالتأويل) أنكر الفلاسفة وكثير من علماء الكلام كالمعتزلة وغيرهم رؤية

стр. 2581

المؤمنين لربهم يوم القيامة، وعُلِوُّه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا كل ليلة ومجيئه تعالى يوم القيامة. وغير ذلك من آيات الصفات وأحاديثها. "الصحيحة" (٤/ ٦١٣). [٨١٥] باب لا يجوز العدول عن ظاهر النصوص إلا لقرينة [قال الإمام]: أُذكِّر .. بقاعدة لغوية مهمة جدًا: إذا دار الأمر بين التقدير وعدمه فالأصل عدم التقدير، بعبارة أخرى: إذا أمكننا أن نفسر العبارة أو الجملة العربية من كلام الله أو من حديث رسول الله ﵌ أو أي جملة عربية إذا أمكننا أن نفسرها على الحقيقة، فلا يجوز تفسيرها على المجاز إلا إذا قامت القرينة الشرعية أو العقلية فحينذاك يقال: وجدت القرينة التي تضطرنا إلى تفسير الآية أو الحديث أو الجملة العربية على المجاز وليس على الحقيقة لكن إذا دار الأمر بدون وجود قرينة بين تفسير الجملة على الحقيقة أو على المجاز فالأصل الحقيقة وليس المجاز، وإلا فسدت اللغة وفسدت استعمالها بين الناس، إذا قال قائل: جاء الأمير، فهل يجوز للسامع أن يفهم جاء خادم الأمير؟ وهذا تعبير عربي معروف بتقدير مضاف محذوف، لا يجوز؛ لأنه ليس هناك ما يضطر السامع أن يتأول قول القائل: جاء الأمير يعني: لا ليس الأمير وإنما جاء خادمه، أو جاء نائبه أو أو إلى آخره، لو فتح هذا الباب لفسد التفاهم بين الناس باللغة العربية. ومن هنا كان من رد العلماء والفقهاء على غلاة الصوفية الذين يقولون من جهة بما يعرف عند العلماء بوحدة الوجود، والذين يتكلمون بعبارات صريحة في الكفر وفي وحدة الوجود فيأتي المدافعون عن أولئك الصوفية بالباطل فيتأولون كلامهم تأويلًا يتفق في نهاية المطاف مع الشريعة، فنحن نقول لهؤلاء بهذه

стр. 2582

الطريقة: لا يمكن أن نقول أن هذا الكلام كفر، حتى قلت مرة لبعضهم: ائتني بأي جملة هي كفر في ظاهر العبارة وأنا على طريقتك أجعلها توحيدًا خالصًا؟ طريقته ما هي؟ تأويل النصوص، مثلًا مما قال قائلهم المغرق في الضلال: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة يتكلفون في تأويل: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا، أي: إلا إلى هنا .. إلى هنا .. إلى: حرف جر، ما هذا التأويل؟! ولذلك مثل هذا التأويل يمكن إجراؤه على أي عبارة، مثلًا أنا أقول: لو قال قائل: [فرعون] خلق السموات والأرض، ما رأيكم في هذا الكلام يجوز أو لا يجوز؟ طبعًا بالإجماع لا يجوز، لكن أنا أجعله توحيدًا بطريقة الصوفية، وهو رب [فرعون]، هذا معروف في اللغة تقدير مضاف محذوف، على حد قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (يوسف:٨٢) اسأل القرية ماذا؟ حيطانها .. شجرها؟ لا، إنما أهلها، كذلك العير، لكن هذا المضاف المحذوف، الأسلوب العربي نفسه يوحي به إلى السامع فإن أحدًا لا يتساءل يا ترى! المقصود هنا ... القرية؟ لا، ولذلك تسمية هذا التعبير في اللغة العربية أن هذا مجاز مما يدفعه ابن تيمية ﵀ في رسالته الخاصة بالحقيقة والمجاز، يقول: تسمية هذه العبارة خاصة بأنها مجاز من باب حذف المضاف هذا اصطلاح طارئ، وإلا فالعرب ما كانوا يفهمون من هذه العبارة إلا معنًى واحدًا هو الذي يسمونه بالمجاز بحذف المضاف. كذلك مثلًا في الأسلوب العربي: سال الميزاب، على طريقة المتأخرين في تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، حقيقة هذه العبارة: سال الميزاب، يعني: الميزاب من شدة الحرارة ذاب وصار سائلًا سال الميزاب، لكن مَن مِن العرب إذا سمع هذه العبارة يتبادر إلى ذهنه المعنى الذي يسمونه حقيقة، فيقولون: لا، هنا

стр. 2583

المقصود المجاز، هذا المعنى الذي يسمونه مجازًا في هذا المثال هو المعنى الحقيقة المراد منه، سال الميزاب، يعني: سال ماء الميزاب، مثل ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (يوسف:٨٢) تمامًا، وهكذا أمثلة كثيرة يذكرها ابن تيمية. منها مثلًا: جرى النهر، النهر هو الأخدود الذي يجري فيه الماء فحينما يقول العربي: جرى النهر، لا هو يعني جرى الأخدود نفسه بدون ماء ولا السامع منهم من العرب يفهم إلا الذي أراده، أي: جرى ماء النهر، إذًا: تسمية هذه التعابير بأنها مجاز يقول ابن تيمية: هذا خطأ، المجاز هو الذي يخرج المعنى الظاهر من العبارة إلى معنى آخر لوجود قرينة، لكن هنا لا معنى آخر إلا معنى واحد محدد هو اسأل القرية، يعني: أهلها .. سال الميزاب، أي: ماؤه .. جرى النهر، أي: ماؤه، من هنا يصل ابن تيمية إلى الرد على المتأخرين الذين يتأولون آيات الصفات وأحاديث الصفات باللجوء إلى ارتكاب طريق التأويل وهو سلوك طريق المجاز، لكن ما الذي يضطرهم إلى ترك فهم المعاني من هذه الآيات وتلك الأحاديث المتعلقة كلها بالصفات أن تفسر على حقائقها؟ لا سيما وهم يقولون جميعًا المتقدمون منهم والمتأخرون: الأصل في كل عبارة أن تفسر على حقيقتها. فمثلًا قوله ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢) لا، جاء ربك لا يجوز هذا الفهم، إذًا: جاءت رحمة ربك، جاء أي مضاف محذوف يقدمونه، وعلى ذلك فقس، نحن نقول: الحق كما نطق الحق في كتابه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (الفجر:٢٢) لكن كيف يجيء؟ ما ندري. وهذا البحث طرقه العلماء قديمًا وحديثًا، فنحن في مناسبة قريبة تعرضنا لمثله أيضًا، الخلاصة: أن الكلام العربي أول ما ينبغي أن يفسر به هو على الحقيقة. "أسئلة وفتاوى الإمارات" (٢/ ٤٧: ٠٥: ٠٠).

стр. 2584

[٨١٦] باب هل التأويل من مذهب السلف ؟ سؤال: هناك من يزعم أن التأويل أو التفويض كان من منهج السلف الصالح في العقيدة، هل هذا الأمر صحيح وهل ثبت عن أحد من السلف التأويل أو التفويض، وما حكم من يؤول أو يفوض؟ الشيخ: أولاً: يبدو لي أن هنا كثيراً من الشباب فعلاً متأثر بكتب هذا السقاف الذي سماه بعضهم بحق بالسخاف؛ لأن هذه الشبهات التي تثار في هذا الزمان هو أصلها هذا السقاف الذي يعيش في هذا البلد. أولاً: علماء السلف القاعدة عندهم هو عدم التأويل وعدم التفويض وإنما تفسير الآيات والأحاديث تفسيراً يدل عليه علمهم باللغة العربية وآدابها، فهم يُفسِّرون مثلاً النزول بالنزول ولا يؤولونه، ويفسرون الاستواء بالاستواء والاستعلاء ولا يؤولونه وإنما يؤول الخلف الذين خالفوا السلف، وهذا طبعاً يحتاج إلى بيان وتفصيل ولي أشرطة كثيرة في هذا المجال خضنا فيها إلى حد كبير في ضرب الأمثلة. لكني أقول الآن: قد يوجد لبعض السلف تفسير لبعض النصوص من القرآن أو السنة يتوهم هؤلاء المؤولة الذين خالفوا السلف بأنه تأويل، وهو ليس من التأويل بسبيل، فأريد أن أذكر شيئاً هنا حول كلمة التأويل: التأويل له معنيان: أحدهما لغوي، والآخر: عرفي. أما التأويل بالمعنى اللغوي فهو بمعنى التفسير تماماً والبيان، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (آل عمران:٧) أي: ما يعلم ما يؤَوُل إليه وما يعود إليه، هذا معنى لغوي.

стр. 2585

أما التأويل الآخر الذي هو عرفي: أي: اصطلاحي فهو بمعنى إخراج دلالة النص عن الظاهر إلى معنى غير متبادر، هذا التأويل هو يقصد في كلام العلماء الكلام. على هذا نقول: إذا فسر بعض السلف آية في القرآن الكريم بخلاف ما يفهمه بعض المتأولة، يقولون: هه! أَوَّل، والحقيقة: أن هذا الذي يسمونه تأويلاً أي: إخراج للنص عن معناه الظاهر هو ليس تأويلاً إنما هو تفسير، يعني: مثلاً ما ذُكر في تفسير ابن كثير وغيره عن ابن عباس في تأويل آية: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) قال ابن عباس: وهو معكم بعلمه، هذا ليس تأويلاً! هذا تفسير لأنه نظر إلى سياق الآية من أولها إلى آخرها فانتبه إلى أن الله يتحدث عن المعية العلمية وليس عن المعية الذاتية التي يظهر من هذه الجملة أن المقصود وهو، أي: بذاته، ليس هذا الذي يتبادر من دراسة الآية من أولها إلى آخرها وإنما المتبادر أنه ربنا عني المعية العلمية، فهذا ورد عن ابن عباس، فهم يتشبثون بهذا ويسمونه تأويلاً وهو ليس من التأويل في شيء. ومثله نصوص كثيرة وكثيرة جداً، مثلاً: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦) أيضاً: هذه ليست معية ذاتية وإنما هي معية صفتية .. ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦) معكما فسرت بما بعدها: أسمع وأرى! هذا ليس تأويلاً بمعنى إخراج اللفظ عن ظاهره، وهكذا الأمثلة كثيرة وكثيرة جداً. الخلاصة: هؤلاء الذي يزعمون بأن السلف أوَّلُوا: إن كانوا يعنون أنهم جعلوا مذهبهم التأويل كما هو مذهب الخلف فهم يُكَذِّبون أنفسَهم بأنفسِهم؛ لأن الخلف يقولون: مذهب السلف أسلم، ما هو مذهب السلف؟ هو أنهم لا يؤولون، ومذهب الخلف زعموا أنه أعلم وأحكم، لماذا؟ لأنهم يؤولون، فنفس علماء

стр. 2586

الخلف يعترفون بأن السلف ما كانوا يؤولون، لكن هؤلاء لتضليل الناس اليوم وإخراجهم عن سبيل المؤمنين الأولين يزعمون بأن السلف أولوا، الحقيقة: أنهم ما أولوا، والنصوص الكثيرة والكثيرة جداً يجدها المسلم مجموعة في كتاب الحافظ الذهبي المعروف بالعلو للعلي الغفار. وكنت أنا اختصرته وحذفت منه بعض الروايات والآثار الواهية الضعيفة، فتجد هناك عشرات الصحابة والتابعين وأتباعهم والحفاظ من الأئمة كلهم لا يؤولون ويردون على المؤولة؛ لذلك فهذا تضليل من هذا السخاف لسبيل المؤمنين، من أجل أن يضلوا هؤلاء الناس الذين لا علم لهم بما يدجل به هذا الإنسان الذي ابتلي من حوله اليوم ومن وصلت رسائله إليهم بأضاليله الكثيرة المبثوثة في رسائله. "الهدى والنور" (٧٩٥/ ١٧: ٤٤: ٠٠) [٨١٧] باب أثر القول بالمجاز في أبواب الصفات مداخلة: هل [تعتقد] بالمجاز؟ الشيخ: ما نعتقد في مجاز إلا المعنى الضيق: المحدَّد، ونستطيع أن نأتي بجانب منه: هنا تعابير في القرآن يسميها بعض المتأخرين بأنها مجاز، لكن تسمية هذا النوع من المجاز يتنافى مع قولهم: الأصل في كل عبارة الحقيقة أن تُفَسَّر على ظاهرها وعلى حقيقتها، وأنه لا يجوز الخروج عنها بتأويلها إلا لقرينة، هذا تعريفهم للحقيقة والمجاز، لكن مع ذلك نجدهم يأتون إلى بعض عبارات فيقولون عنها بأنها مجاز، فتسميتهم مجاز هذا محض اصطلاح مثلًا: قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ (يوسف:٨٢) يقولون: هذا مجاز

стр. 2587

لعلهم يسمونه مجاز الحذف، طيب! هذا الكلام من حيث الأسلوب العربي لا أحد يفهم منه ظاهر العبارة وهي اسأل القرية، يعني: شجرها وحيطانها ونحو ذلك، هذا المعنى لا يتبادر إلى ذهن عربي إطلاقًا وإنما المتبادر هو سكانها .. أهلها، ولأن هذا المعنى هو المتبادر لا يسمى هذا الكلام مجاز؛ لأنه المتبادر، مع ذلك هم يحشرونه في اسم المجاز. مثلًا يقول العربي: سال الميزاب، لو أردنا أن نأخذ هذه العبارة العربية القديمة على طريقة الحقيقة والمجاز، حقيقة هذه العبارة أن الميزاب من شدة الحرارة ذاب حتى سال، لكن هذا المعنى لا أحد يفهمه إطلاقًا، ما هو المفهوم؟ سال الميزاب، أي: ماء الميزاب، هذه الحقيقة وليست مجازًا، لكن هم يسمونها مجاز، حينما ينتقل البحث في هذه المسألة إلى ما يتعلق بأحاديث الصفات وآيات الصفات نجد بأنهم حادوا عن القاعدة التي أشاروا إليها: أن الأصل بكل جملة عربية الحقيقة، ولا يصار عنها إلى المجاز إلا للضرورة، فمثلًا الآية المعروفة: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢) جاء ربك: يفسرونها بمعنى: ما جاء ربك، ولذلك يسمي علماء السلف هؤلاء المؤولة بالمعطلة، فربنا يقول: جاء ربك، ثم يقولون: لا، ربنا ما يأتي ولا يجئ ولا ولا إلى آخره، «ينزل ربنا في كل ليلة .. » لا ما ينزل، لماذا؟ قال: هذا مجاز، ما الذي اضطرهم إلى القول بالمجاز؟ ليس هناك شيء إلا انحرافهم عن فهم الكتاب والسنة على الأسلوب العربي الذي فهمه الصحابة مباشرًة من نبيهم ﵊؛ ولذلك لم يتكلفوا التأويل. فإذًا: ليس هناك مجاز إلا للضرورة، وأين الضرورة في تأويل آيات الصفات وأحاديث الصفات؟ وهذا بحث وَفَّاه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث لا أحد يستطيع أن يأتي بمثل ما أتى هو به ... "لقاءات المدينة" (١/ ٠٠:٤٢:٠٩)

стр. 2588

[٨١٨] باب ذكر بعض أهل الضلال من المعطلة في الصفات والرد عليهم [قال الإمام]: وهو (أي حسن السقاف) إلى ذلك خلفي العقيدة، معتزلي النزعة، ينكر الصفات الإلهية، ويرمي المؤمنين بها من الأئمة وأتباعهم - وأنا منهم والحمد لله - في تعليقاته التي سوَّدها على كتاب ابن الجوزي "دفع شبه التشبيه"، ويكذب عليهم أنواعاً من الأكاذيب لو استقصيت لكان من ذلك كتاب في مجلد؛ فهو يقول - على سبيل المثال - (ص١١٤) من تعليقاته: "ندم الحافظ ابن خزيمة على تأليفه كتابه "التوحيد" أخيراً؛ كما روى ذلك الحافظ البيهقي في "الأسماء والصفات " (ص٢٦٧) ". وهذا كذب مزدوج؛ لأن ابن خزيمة لم يندم البتة، ولأن البيهقي لم ينسب ذلك إليه، وكيف يُعقل أن يندم الحافظ ابن خزيمة على "توحيده" وهو الإيمان المحض؟! بل كيف يعقل أن ينقل ذلك الحافظ البيقهي؟! سبحانك هذا بهتان عظيم من أفاك أثيم. وأنت أيها القارئ الكريم! إن رجعت إلى الصفحة المذكورة من"الأسماء والصفات"؛ لم تجد فيها الندم المُفترى، وإنما فيها اعتراف ابن خزيمة بأنه لا يحسن علم الكلام، في قصة رواها البيقهي إن صحت؛ فإن أبا الفضل البطاييني لم أعرفه، ولا ذكره السمعاني في هذه النسبة؛ فالله أعلم به، ومع ذلك فإني أقول: إن الاعتراف المذكور من ابن خزيمة - إن صح عنه - لا يعيبه كما يظن ذلك الجاهل المغرض، بل هو مما يرفع شأنه، ويزيد من فضله؛ فإن له في ذلك الأسوة

стр. 2589

الحسنة بالسلف الصالح والأئمة الأربعة ومن تبعهم بإحسان، وليس منهم يقيناً (علماء الكلام)، كيف وهم القائلون: "علم السلف أسلم، وعلم الخلف أعلم وأحكم (١) "؟! وهذا هو الكفر بعينه لو كانوا يعلمون، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (٢) كيف لا ورسول الله ﵌ على رأس السلف الذين غمزوا من علمهم! وليس الآن مجال ضرب الأمثلة التي خالفوا فيها سلف الأمة، ولكن يكفي المسلم الموفق أن يعلم أنهم وافقوا المعتزلة والخوارج في كثير من ضلالاتهم، من ذلك قولهم بأن القرآن كلام الله مخلوق، ولكنهم لا يصرحون تصريح المعتزلة، بل يقولون - تقية-: كلام الله، غير مخلوق "! ثم يتأولونه بالكلام النفسي الذي لا يسمع! ولكنه يفهم! فعطلوا بذلك صريح قوله تعالى لكليمه موسى ﵇: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (٣).، فجعلوا الكلام الإِلهي هو العلم الإِلهي (٤)، فعطلوا صفة الكلام، ولكن باللف والدوران! تماماً كما فعل المعتزلة - أو بعضهم - بصفة السمع والبصر، فقالوا: إن المراد: العلم (٥)! فعطلوا بذلك صفتي السمع والبصر كما عطلوا صفة الكلام، فإن لم يكن هذا هو التعطيل؛ فليس في الدنيا تعطيل.

стр. 2590

ولوضوح بطلان علم الكلام تاب منه جمع من أفاضل علمائهم (١)؛ مثل الشيخ (العلامة أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني) والد إمام الحرمين ﵏، (ورسالته في اثبات الاستواء والفوقية والحرف والصوت في القرآن المجيد)، من أقوى الأدلة على ذلك؛ فقد كتبها نصيحة لإخوانه في الله، بيَّن لهم فيها سبب تراجعه عن الأشعرية إلى السلفية، وهي مفيدة جدّاً لمن كان يرجو الله واليوم الآخر؛ فلتُراجع في " مجموعة الرسائل المنيرية" (١/ ٥٧٠/٥٨٧). ولقد جرى على سننه (ابنه إمام الحرمين)؛ في التوبة والرجوع إلى مذهب السلف؛ كما حكى ذلك عنه غير واحد من العلماء، منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني؛ فقد نقل في "الفتح" (١٣/ ٣٥٠) عنه أنه لم يستفد من علم الكلام إلا الحيرة، ولذلك قال: "والآن؛ فقد رجعت واعتقدت مذهب السلف". وقال عند موته ناصحاً لأصحابه كما فعل أبوه من قبل: "يا أصحابنا! لا تشتغلوا بالكلام؛ فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغت؛ ما تشاغلت به ".وإذا أردت أيها القارئ الكريم أن ترى أثراً من آثار علم الكلام الخطيرة، والمنافية للنقل الصحيح والعقل الصريح؛ فاقرأ كتب الكوثري ومن جرى مجراه، كذاك التلميذ السقاف، فسوف ترى ما يزيدك بصيرة وقناعة بأن الذي يتعلمونه منهم إنما ﴿يَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ (٢)، بل هو الكفر بعينه إذا التزموه، ولا أدل على ذلك من اتفاقهم على إنكار صفة العلو لله العلي القطعية الثبوت القطيعة الدلالة؛ لتواترها في الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة، محكمين فيها عقولهم العفنة، ومن ثم

стр. 2591

فقد اختلفوا: فمنهم - كالإباضية والمعتزلة (١) - من قال: إنه في كل مكان! ولازمه القول بالحلول أو وحدة الوجود كما هو عقيدة غلاة الصوفية! ومنهم من يقول: إنه لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أما م ولا خلف، ولا داخل العالم ولا خارجه! ولقد سمعت هذا من بعض المشايخ في دمشق في خطبة الجمعة!! وأعرق بعضهم في التعطيل، فقال لا متصلاً به، ولا منفصلاً عنه!! وهذا لعمر الله هو الكفر والجحد للوجود الإلهي؛ فإنه لو قيل لأفصح العرب بياناً: صف لنا المعدوم الذي لا وجود له؛ لما استطاع أن يصفه بأكثر من هذا الذي وصف هؤلاء به ربهم!! وهذا الجحد هو الذي وقع فيه هذا الجاهل المتعالم الطاعن في أئمة السلف، والمفتري على أهل السنة شتى الافتراءات، فقال في رسالته المزعومة "التنديد لمن عدد التوحيد" (ص٥٠): "صرح أهل السنة والجماعة بأن الله سبحانه لا يوصف بأنه خارج العالم ولا داخله". وكرر هذا في رسالة أخرى لما أسماها كذباً وزوراً: "عقيدة أهل السنة" (ص٢٦). قلت: فلينظر المسلم في هذا الوصف: هل هو وصف لموجود أم لمعدوم؟ َ! ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (٢).

стр. 2592

ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنه أصاب كبد الحقيقة حين وصف هؤلاء النفاة المعطلة ومعارضيهم من المشبهة بقوله: "المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والمشبه أعشى، والمعطل أعمى"َ! والحق الذي عليه السلف والأئمة: إثبات الصفات بدون تشبيه، وتنزيه بدون تعطيل. ومن اللطائف التي وقعت لبعض الأمراء العقلاء أنه لما سمع ذلك الوصف المُعطِّل من بعض المشايخ المجادلين بالباطل؛ قال: "هؤلاء قومٌ أضاعوا ربَّهم"! ويبدو لي أن ذلك الجاهل الطاعن في السلف شعر بخطورة الوصف المذكور، وأنه مرفوض نقلاً وعقلاً؛ لذا لجأ إلى التدليس على القراء بعبارة أخرى تؤدي الغرض الكمين في نفسه دون أن ينتبه له عامة قرائه، فقال في تعليقه له على كتاب ابن الجوزي المتقدم (ص١٢٧): "وهنا أمر مهم جدّاً، وهو أننا لا نقول بأن الله موجود في كل مكان ألبتة، بل نُكَفِّر من يقول ذلك، ونعتقد أن الله سبحانه موجود بلا مكان؛ لأنه خالق المكان"! فأقول: هذا تصريح منك يناقض تصريحك السابق: أن الله تعالى ليس بخارج العالم، وذلك أنه لا مكان خارج العالم، فإن كنت صادقاً في قولك هذا؛ فقد اهتديت ورجعت إلى عقيدة السلف التي كنت ولا تزال - فيما نعلم- تتهم من دان بها بالكفر والتجسيم؛ مثل ابن تيمية وغيره كمثلي، وإلا قرأنا عليك قول الحق ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (١)؛ مذكِّرين بالمثل العامي: (من كان بيته من زجاج؛ فلا يرم الناس بالحجارة!) وإن من تلك الآثار السيئة لعلماء الكلام

стр. 2593

والمتأثرين بفلسفتهم كذاك السقاف المغرور بهم: أنهم لا يقيمون وزناً لجهود أئمة الحديث وعلمائهم ونقادهم؛ فإنهم يسلطون أهواءهم على ما صححوا من الأحاديث أو ضعفوا، فما راق لهم منها قبلوه واحتجوا به، ولو كان ضعيفاً، وإلا رفضوه ولو كان صحيحاً!! وهذا ظاهر جدّاً في المتقدمين منهم والمتأخرين، وأوضح مثال على ذلك الشيخ الكوثري، وعبد الله الغماري؛ فقد ضعفوا حديث الجارية الذي فيه سؤاله ﵌ "أين الله؟ ".قالت: في السماء: قال ﵌: "أعتقها فإنها مؤمنة"، وتبعهم على ذلك ذاك الهالك في تقليدهم؛ السقاف! بل إنه زاد عليهم طغياناً وغروراً، فقال في "تعليقه على دفع شبه التشبيه" (ص١٠٨): "ونحن نقطع بأن النبي ﵌ لم يقل: أين الله "! وقال (ص١٨٨): "ذاك اللفظ المستشنع"! يقول المستهتر هذا وهو يعلم أن الحديث متَّفق على صحته عند علماء المسلمين، متلقي بالقبول خلفاً عن سلف، واحتج به كبار الأئمة؛ كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وصححه مسلم وأبو عوانة وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان، ثم تبعهم على ذلك جماعة من الحفاظ - وبعضهم من المتأولة - كالبيهقي والبغوي وابن الجوزي والذهبي والعسقلاني وغيرهم. فماذا يقول المسلم العاقل في جاهل جاحد مكابر يخالف هؤلاء الأئمة والحفاظ؟! ويستشنع لفظ النبي ﵌ الذي صححوه!! بل ويصف الذين يردِّدون هذا اللفظ النبوي (ص١٨٧) بـ (المجسمة)، بل ويصف فضيلة الشيخ ابن باز لأنه انتصر في تعليقه على "الفتح" (١/ ١٨٨) لعقيدة استواء الله على عرشه، وأنه

стр. 2594

يجوز السؤال بـ (أين الله؟)، فيقول مشيراً للشيخ حفظه الله: "ولا عبره بكلام المعلق عليه - "الفتح" - البتة؛ لأنه لا يعرف التوحيد فليخجل بعد هذا من يدعو الناس إلى عقيدة "الله في السماء" وليتب"!! وبالجملة؛ فهو جهمي جلد، وينكر معاني آيات الصفات بطريق التأويل والتعطيل، كما فعل بآيات الاستواء، وينكر أحاديث الصفات الصحيحة بادعاء ضعفهم ومخالفة علماء الحديث والجرح والتعديل، كهذا الحديث ونحوه كثير؛ فهو يضعف قوله ﵌: "رأيت ربي في أحسن صورة "، ويفتري في تخريجه على بعض الأئمة، كما يضعف أحاديث اليدين, والقبضة, والأصابع, والضحك وغيرها، فلعل بعض إخواننا يتفرغون له، ويكشفون للناس جهله وضلاله وعواره، كفى الله المؤمنين شروره. إذا عرفت أيها القارئ الكريم ما سبق من البيان لحال هذا الإنسان - وهو قُلُّ من جُلٍّ - ينكشف لك سبب حمله وطعنه على أتباع السنة وأئمتها والداعين إليها والذابين عنها، فلا يكاد يخلو صفحة من صحائف ما سودَّه من غمزه ولمزه، وقد خصَّني بقسط وافر منه، فلا يكاد يذكرني إلا وهو يصفني بـ (المجسم) و (المتناقض)!! مقروناً بالزور والكذب، والأمر الذي يدل دلالة قاطعة أنه يحمل في قلبه ﴿غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾! وأنه دبَّ إليه داء الأمم من قبلنا: البغضاء والحسد، وهي الحالقة: حالقة الدين والعياذ بالله، إلى جهل بالغ بطرق نقد الأحاديث وتصحيحها. "السلسلة الصحيحة" (١/ ١/ص٥ - ١٢).

стр. 2595

[٨١٩] باب مذهب السلف في الصفات وموقف الدعاة اليوم فيه، وبيان ضلال المعطلة [قال الإمام]: مذهب السلف في الصفات وموقف الدعاة اليوم فيه: السلف يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه أو أخبر به نبيه ﵌ ويؤمنون بذلك أنه كما وصف به نفسه حقيقةً من غير تأويل .... الخ، في هذه (١) الصفة المميزة للسلفي على غيره من الخلفيين؛ فان هؤلاء على قسمين: قسم مُفَوِّضة يؤمنون بألفاظ الآيات وأحاديث الصفات دون الإيمان بحقائق معانيها اللائقة بالله تعالى. وهذا هو الذي عليه الآن كثير من الخلفيين الذين لم يدرسوا عقيدة السلف أو درسوها ولم يفهموها أو فهموها ولم يهضموها ولم يؤمنواً بها. ويغلب هذا على الذين يتظاهرون بأنهم من الدعاة إلى الإسلام (وفاقد الشيء لا يعطيه) وبعضهم يزعم أن هذا هو مذهب السلف جهلا أو تجاهلا ومنهم الكوثري شيخ أبو غدة كما صرح بذلك في تعليقه على «الاختلاف في اللفظ» لابن قتيبة (ص٣٠). وقسم مؤولة معطلة ينكرون حتمًا بعض صفات الله تعالى باسم التأويل وتحريف الكلم عن مواضعه، ومنهم الكوثري، بل هو حامل راية هذا الانحراف في العصر الحاضر. كشف النقاب عما في كلمات أبي غدة من الأباطيل والافتراءات" (ص٨٠ - ٨١)
следующие страницы →