← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

فقد اختلفوا: فمنهم - كالإباضية والمعتزلة (١) - من قال: إنه في كل مكان! ولازمه القول بالحلول أو وحدة الوجود كما هو عقيدة غلاة الصوفية! ومنهم من يقول: إنه لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أما م ولا خلف، ولا داخل العالم ولا خارجه! ولقد سمعت هذا من بعض المشايخ في دمشق في خطبة الجمعة!! وأعرق بعضهم في التعطيل، فقال لا متصلاً به، ولا منفصلاً عنه!! وهذا لعمر الله هو الكفر والجحد للوجود الإلهي؛ فإنه لو قيل لأفصح العرب بياناً: صف لنا المعدوم الذي لا وجود له؛ لما استطاع أن يصفه بأكثر من هذا الذي وصف هؤلاء به ربهم!! وهذا الجحد هو الذي وقع فيه هذا الجاهل المتعالم الطاعن في أئمة السلف، والمفتري على أهل السنة شتى الافتراءات، فقال في رسالته المزعومة "التنديد لمن عدد التوحيد" (ص٥٠): "صرح أهل السنة والجماعة بأن الله سبحانه لا يوصف بأنه خارج العالم ولا داخله". وكرر هذا في رسالة أخرى لما أسماها كذباً وزوراً: "عقيدة أهل السنة" (ص٢٦). قلت: فلينظر المسلم في هذا الوصف: هل هو وصف لموجود أم لمعدوم؟ َ! ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (٢).

стр. 2592

ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنه أصاب كبد الحقيقة حين وصف هؤلاء النفاة المعطلة ومعارضيهم من المشبهة بقوله: "المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والمشبه أعشى، والمعطل أعمى"َ! والحق الذي عليه السلف والأئمة: إثبات الصفات بدون تشبيه، وتنزيه بدون تعطيل. ومن اللطائف التي وقعت لبعض الأمراء العقلاء أنه لما سمع ذلك الوصف المُعطِّل من بعض المشايخ المجادلين بالباطل؛ قال: "هؤلاء قومٌ أضاعوا ربَّهم"! ويبدو لي أن ذلك الجاهل الطاعن في السلف شعر بخطورة الوصف المذكور، وأنه مرفوض نقلاً وعقلاً؛ لذا لجأ إلى التدليس على القراء بعبارة أخرى تؤدي الغرض الكمين في نفسه دون أن ينتبه له عامة قرائه، فقال في تعليقه له على كتاب ابن الجوزي المتقدم (ص١٢٧): "وهنا أمر مهم جدّاً، وهو أننا لا نقول بأن الله موجود في كل مكان ألبتة، بل نُكَفِّر من يقول ذلك، ونعتقد أن الله سبحانه موجود بلا مكان؛ لأنه خالق المكان"! فأقول: هذا تصريح منك يناقض تصريحك السابق: أن الله تعالى ليس بخارج العالم، وذلك أنه لا مكان خارج العالم، فإن كنت صادقاً في قولك هذا؛ فقد اهتديت ورجعت إلى عقيدة السلف التي كنت ولا تزال - فيما نعلم- تتهم من دان بها بالكفر والتجسيم؛ مثل ابن تيمية وغيره كمثلي، وإلا قرأنا عليك قول الحق ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (١)؛ مذكِّرين بالمثل العامي: (من كان بيته من زجاج؛ فلا يرم الناس بالحجارة!) وإن من تلك الآثار السيئة لعلماء الكلام

стр. 2593

والمتأثرين بفلسفتهم كذاك السقاف المغرور بهم: أنهم لا يقيمون وزناً لجهود أئمة الحديث وعلمائهم ونقادهم؛ فإنهم يسلطون أهواءهم على ما صححوا من الأحاديث أو ضعفوا، فما راق لهم منها قبلوه واحتجوا به، ولو كان ضعيفاً، وإلا رفضوه ولو كان صحيحاً!! وهذا ظاهر جدّاً في المتقدمين منهم والمتأخرين، وأوضح مثال على ذلك الشيخ الكوثري، وعبد الله الغماري؛ فقد ضعفوا حديث الجارية الذي فيه سؤاله ﵌ "أين الله؟ ".قالت: في السماء: قال ﵌: "أعتقها فإنها مؤمنة"، وتبعهم على ذلك ذاك الهالك في تقليدهم؛ السقاف! بل إنه زاد عليهم طغياناً وغروراً، فقال في "تعليقه على دفع شبه التشبيه" (ص١٠٨): "ونحن نقطع بأن النبي ﵌ لم يقل: أين الله "! وقال (ص١٨٨): "ذاك اللفظ المستشنع"! يقول المستهتر هذا وهو يعلم أن الحديث متَّفق على صحته عند علماء المسلمين، متلقي بالقبول خلفاً عن سلف، واحتج به كبار الأئمة؛ كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وصححه مسلم وأبو عوانة وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان، ثم تبعهم على ذلك جماعة من الحفاظ - وبعضهم من المتأولة - كالبيهقي والبغوي وابن الجوزي والذهبي والعسقلاني وغيرهم. فماذا يقول المسلم العاقل في جاهل جاحد مكابر يخالف هؤلاء الأئمة والحفاظ؟! ويستشنع لفظ النبي ﵌ الذي صححوه!! بل ويصف الذين يردِّدون هذا اللفظ النبوي (ص١٨٧) بـ (المجسمة)، بل ويصف فضيلة الشيخ ابن باز لأنه انتصر في تعليقه على "الفتح" (١/ ١٨٨) لعقيدة استواء الله على عرشه، وأنه

стр. 2594

يجوز السؤال بـ (أين الله؟)، فيقول مشيراً للشيخ حفظه الله: "ولا عبره بكلام المعلق عليه - "الفتح" - البتة؛ لأنه لا يعرف التوحيد فليخجل بعد هذا من يدعو الناس إلى عقيدة "الله في السماء" وليتب"!! وبالجملة؛ فهو جهمي جلد، وينكر معاني آيات الصفات بطريق التأويل والتعطيل، كما فعل بآيات الاستواء، وينكر أحاديث الصفات الصحيحة بادعاء ضعفهم ومخالفة علماء الحديث والجرح والتعديل، كهذا الحديث ونحوه كثير؛ فهو يضعف قوله ﵌: "رأيت ربي في أحسن صورة "، ويفتري في تخريجه على بعض الأئمة، كما يضعف أحاديث اليدين, والقبضة, والأصابع, والضحك وغيرها، فلعل بعض إخواننا يتفرغون له، ويكشفون للناس جهله وضلاله وعواره، كفى الله المؤمنين شروره. إذا عرفت أيها القارئ الكريم ما سبق من البيان لحال هذا الإنسان - وهو قُلُّ من جُلٍّ - ينكشف لك سبب حمله وطعنه على أتباع السنة وأئمتها والداعين إليها والذابين عنها، فلا يكاد يخلو صفحة من صحائف ما سودَّه من غمزه ولمزه، وقد خصَّني بقسط وافر منه، فلا يكاد يذكرني إلا وهو يصفني بـ (المجسم) و (المتناقض)!! مقروناً بالزور والكذب، والأمر الذي يدل دلالة قاطعة أنه يحمل في قلبه ﴿غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾! وأنه دبَّ إليه داء الأمم من قبلنا: البغضاء والحسد، وهي الحالقة: حالقة الدين والعياذ بالله، إلى جهل بالغ بطرق نقد الأحاديث وتصحيحها. "السلسلة الصحيحة" (١/ ١/ص٥ - ١٢).

стр. 2595

[٨١٩] باب مذهب السلف في الصفات وموقف الدعاة اليوم فيه، وبيان ضلال المعطلة [قال الإمام]: مذهب السلف في الصفات وموقف الدعاة اليوم فيه: السلف يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه أو أخبر به نبيه ﵌ ويؤمنون بذلك أنه كما وصف به نفسه حقيقةً من غير تأويل .... الخ، في هذه (١) الصفة المميزة للسلفي على غيره من الخلفيين؛ فان هؤلاء على قسمين: قسم مُفَوِّضة يؤمنون بألفاظ الآيات وأحاديث الصفات دون الإيمان بحقائق معانيها اللائقة بالله تعالى. وهذا هو الذي عليه الآن كثير من الخلفيين الذين لم يدرسوا عقيدة السلف أو درسوها ولم يفهموها أو فهموها ولم يهضموها ولم يؤمنواً بها. ويغلب هذا على الذين يتظاهرون بأنهم من الدعاة إلى الإسلام (وفاقد الشيء لا يعطيه) وبعضهم يزعم أن هذا هو مذهب السلف جهلا أو تجاهلا ومنهم الكوثري شيخ أبو غدة كما صرح بذلك في تعليقه على «الاختلاف في اللفظ» لابن قتيبة (ص٣٠). وقسم مؤولة معطلة ينكرون حتمًا بعض صفات الله تعالى باسم التأويل وتحريف الكلم عن مواضعه، ومنهم الكوثري، بل هو حامل راية هذا الانحراف في العصر الحاضر. كشف النقاب عما في كلمات أبي غدة من الأباطيل والافتراءات" (ص٨٠ - ٨١)

стр. 2596

[٨٢٠] باب الرد على المعطلة والمفوضة السائل: بعض العلماء يقول أن مذهب السلف في الصفات أن تقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، ولا تقل: استوى بذاته. الشيخ: أيوة. مداخلة: نعم. مداخلة: [كذلك] ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، لا تقل بذاته، فقط استوى فقط، بدون تفسير بالمرة، فما جوابكم؟ الشيخ: جوابي كما قال إمام دار الهجرة الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهولة، والسؤال عنه بدعة، أخرجوا الرجل. نحن نقول الذين حكيت عنهم ما ذكرتَ، وهم يُسمَّون بجماعة التفويض، فهؤلاء ليسوا من السلف من قريب أو بعيد. نقول لهؤلاء: حين تقولون: لا تقل: الرحمن على العرش استوى بذاته، وإنما نقول: الرحمن على العرش استوى. هكذا يقولون. نسألهم بفهم أم بغير فهم؟ نقول لهم: نوافق معكم مبدئياً، نقول: الرحمن على العرش استوى بدون قيد بذاته، لكن حين نقول نحن وأنتم: الرحمن على العرش استوى. بفهم أم بغير فهم؛ فإن قال: بغير فهم سقط، وانكشف وعرفنا منه أنه معطل يتستر وراء ما كان يَدِّعِيه كثيرون من قبل ومن بعد، أنهم يقصدون التنزيه. نحن أيضاً نقصد التنزيه، ولكن مع الفهم، فما معنى: الرحمن على العرش استوى؟

стр. 2597

لعلك فهمت إلى هنا؟ مداخلة: نعم. الشيخ: طيب. ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ كما تقول: سبحان ربي الأعلى. وكما تقول: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦) .. إلى آخر الآية، فالله فوق عرشه كما قال الإمام عبد الله بن المبارك: الله ﵎ فوق عرشه بذاته، [بائن من خلقه] وهو معكم بعلمه، ثلاثة أشياء: الله ﵎ فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه. فحينما يقول الإمام عبد الله بن المبارك، إنما يقولها تفقهاً منه؛ لأن الرحمن من الأسماء التي يسمى بها ربنا كاسم الإله، فهو من أسماء الذات، فلو قال: عليم .. بصير، فهذا اسم صفة، لكن الله والرحمن اسم الذات، فكلمة: بذاته، ليست إضافة من عندنا، وإنما هو ما يفهمه كل إنسان. يعني مثلاً: الله خلق السموات والأرض. إذا قلنا: الله بذاته خلق السموات والأرض، هذا ليس معنى ذلك أننا أضفنا معناً لا يؤخذ من كلمة الله، خلق الله السموات والأرض، أي: خلق الله بذاته، لم يشاركه في ذلك أحد سواه. هذا التأويل، أي: التفسير لا يعني أننا نحن أولنا كما يريد أن يقول ذلك الناصح خطأً، قولوا: الرحمن على العرش استوى، ولا تقولوا: بذاته. نحن إذا قلنا: الرحمن على العرش استوى. بفهم، فمعناه: بذاته، وإذا قلنا

стр. 2598

الرحمن على العرش استوى. كلام لا ندري ما معناه، فقد خالفنا السلف الصالح، كما هو الشأن في كل الصفات التي نؤمن بها معهم دون تشبيه ودون تعطيل. دون تشبيه لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، دون تعطيل لقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، فبعض الفرق القديمة من المعتزلة كانوا يعطلون الله عن هاتين الصفتين: صفة السمع والبصر، فيقولون: يعني هو عليم. الله عليم ثابت؛ ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:٢٩)، لكن هنا يقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، وأنكروهما؛ لأنهم يتوهمون أننا إذا آمنا بما جاء في كتاب ربنا بدون تشبيه، مع ذلك بظنهم أننا نشبهه. فهذا بحث يطول ونهايته أن يؤدي بهؤلاء المعطلة إلى إنكار وجود الله ﵎ من الأصل، وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن القيم الجوزية ﵀، حين قال: المجسم إنما يعبد صنماً، والمعطل إنما يعبد عدماً. كلاهما ضال، لكن أيهما أشد ضلالاً؟ الذي نفى نفياً مطلقاً؛ لأنهم يقولون ... - وهذا ذكرناه في بعض مجالسنا القديمة -، حينما يتحدثون عن الله وأنه على العرش استوى، يقولون: لا، لا يوصف ربنا، لا يقال فيه -عندهم-: الله فوق، لا يقال: فوق. لا هو فوق، لا هو تحت، لا هو يمين، لا هو يسار، لا هو داخل العالم، ولا خارجه. إذاً: رجعوا إلى العدم؛ لذلك قال ابن القيم بحق: المعطل يعبد عدماً محضاً. فإذا لم يكن لا داخل العالم ولا خارجه، لو قيل لأفصح الناس بياناً: صف لنا

стр. 2599

المعدوم ما هو؟ فقال لك: لا هو فوق ولا هو تحت، لا يمين لا يسار، لا أمام لا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه. نقول له: صدقت هذا هو المعدوم، فقد وصفوا ربَّهم بأنه معدوم لما عطلوه من الصفات، فالمعطل إذاً: يعبد عدماً، نحن يجب أن نقف عند حدود الشرع ولا نستعمل الأقيسة؛ لأن الله إذا كان سميعاً بصيراً، فسمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، كما أن وجوده ليس كوجودنا، فنحن الآن نقول: الله موجود، وأنا موجود، فهل معنى ذلك أن نقول -حتى لا نقع فيما يزعمون فيه من التشبيه- أحد شيئين .. ننكر حقيقة من حقيقتين: الله موجود، وأنا وأنت وهذه المخلوقات موجودة، فلا بد من إنكار حقيقة من الحقيقتين وأيهما أنكرت، فقد قرمطت. إذا قلت: أنا موجود، الله موجود. صار هنا اشتراك، صار هنا تشبيه؟ إذاً: الله ليس موجوداً؛ لأنه فيه تشبيه الخالق بالمخلوق، كيف غير موجود؟ موجود. إذاً: أنا الذي لست موجوداً. وأحلاهما مر. إذاً: الله موجود، وأنا موجود، لكن وجوده كما يقولون: وجود بدون موجد، واجب الوجود، أما أنا ممكن الوجود؛ لأن الله هو الذي أوجدني، وإن شاء أعدمني؛ ولذلك قال تحقيقاً لهذه الفارقة العظيمة: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (الرحمن:٢٦ - ٢٧).

стр. 2600

فإذاً: نحن نثبت ما أثبت، وننفي ما نفى، نفى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، وهو السميع البصير، أثبت. فسمعه وبصره حقيقتان صفتان ثابتتان، ولكن: ليس كمثله شيء، وعلى ذلك طَرِّد كل الصفات، فتستريح ولا تقع في التشبيه ولا في التعطيل. هذا جواب ما سألت من السؤال. مداخلة: قال لي هذا القائل: الرحمن على العرش استوى، استوى على، هذا فهمك لاستوى، فما تقول لفهمك ليد الله، ماذا تقول معناها، فماذا أقول له؟ الشيخ: اليد التي يعطي بها، أقول وهي ليست خيالية، ما هذه المشكلة الكبيرة، وماذا يقول هو؟ مداخلة: هو يقول: ما دام أن اليد لا تستطيع أن تفسرها، .. الشيخ: لا، هو ماذا يقول؟ ما المقصود باليد عنده؟ مداخلة: هو مفوض. الشيخ: هذا هو، معطل إذاً. إذاً: نرجع لنفس الموضوع: ما هو الله؟ موجود أو مفقود؟ مداخلة: موجود. الشيخ: موجود، وأنا موجود، إذاً: أنكر إحدى الحقيقتين وحينئذ نحكم عليك بأنه سقط التكليف عنك. مداخلة: شيخنا في نفس المسألة، أستاذي هم في الحقيقة متأخرو الأشاعرة

стр. 2601

نفوا لفظ: موجود، كما أشرت في آخر كلامك أستاذنا، فقالوا: لأن لفظ موجود يقتضي موجداً، فهو واجب الوجود، فهربوا في شرح البيجوري وكذا، هربوا من لفظ موجود، قالوا: لا نقول: موجود؛ لأن الموجود يثبت موجداً، والله واجب الوجود. الشيخ: هذه مناقشة لفظية. مداخلة: أي نعم. الشيخ: لكن هذا لا يرد في الأخذ والرد. مداخلة: لكن أنا أحب أن توضح لنا يا شيخنا هذه الجزئية، لفظ موجود هل هو في الحقيقة كما يزعمون يقتضي موجداً؟ الشيخ: لا، لكن هذه مناقشة بيزنطية كما يقولون فعلاً؛ لأنهم هم يناقشون الآن مناقشة لفظية. فعلاً: اسم موجود، اسم مفعول، يستلزم عادة بالنسبة للعرف البشري أن يكون له موجداً، فهذا الكأس وهذا الإبريق .. إلى آخره، موجود، أوجده الذي صنعه .. إلى آخره، لكن الله كما قلنا في أثناء الكلام: هو واجب الوجود، لكن كونه واجب الوجود ما ينفي أن يكون قائماً وجوده، فنترك كلمة موجود، قائماً وجوده متحققاً وجوده، فحينئذ هم يفرون من المناقشة تمسكاً بلفظ لا يقدم ولا يؤخر. مداخلة: حقيقة البحث. الشيخ: محينا هذا الاسم، اسم موجود ألغيناه من قاموس اللغة في هذا البحث، لكن متحقق وجوده، لا يستطيعون أن يقولوا: لا، مفقود.

стр. 2602

مداخلة: صحيح. الشيخ: فإذاً: التمسك بهذا اللفظ لا يفيدهم شيئاً. وأرجو إخواننا أن يحفظوا كلمة كنت قرأتها في رسالة لا تزال مخطوطة من كلام الخطيب البغدادي، وربما نقلت في بعض الكتب: ما يقال في الصفات يقال في الذات سلباً وإثباتاً. هل تقول في الله موجود ولاّ؟ موجود. إذا قلت إنه موجود، وقد أوضحنا المقصود من لفظة الموجود، هل يلزم من ذلك مشابهة الخالق بالمخلوق؟ الجواب: لا. كذلك قل في الصفات ما تقول في الذات، تستريح من كل هذه المناقشات؛ لأنه الحقيقة الدخول في تفاصيل هذه المسائل والتناقش فيها مضلة؛ لأن كثير من الناس قد أوتوا منطقاً وأُوتوا جدلاً، وناس آخرون لم يعطوا علماً ولم يُعطوا جدلاً، وعندهم سلامة وعقيدة صحيحة، لكن ذلك المجادل قد يتغلب عليه بجدله؛ بسبب سلامة علم هذا الإنسان وقلبه. ولذلك فعلى كل مسلم أن يحفظ هذه القاعدة وهي قائمة على الآية السابقة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١). يقال في الصفات ما يقال في الذات سلباً وإثباتاً، حينذاك تستريح من أي مناقشة قد تضطر للدخول فيها وأنت غير مستعد لها. " الهدى والنور" (٢٨١/ ٣٣: ٠٠: ٠٠)

стр. 2603

[٨٢١] باب بيان انحراف المعتزلة في الأسماء والصفات واتِّباع الأشاعرة والماتريدية لهم [تكلم الشيخ على الفرق الإسلامية إلى أن قال]: إذا استثنينا ... الفرق المعروفة بالانحراف عن الشريعة كالشيعة مثلاً والزيدية والخوارج، وحصرنا كلامنا على من يُسمَّون أو يتسمون بأهل السنة والجماعة اليوم هم ثلاثة مذاهب فيما يتعلق بالعقائد وأربعة مذاهب فيما يتعلق بالفقه. أما المذاهب الثلاثة الأولى: فهي الماتريدية، والأشاعرة وأهل الحديث، فهذه فرق ثلاث تتعلق في العقيدة فقط في أهل السنة والجماعة. أما المذاهب الأربعة فمعروفة لدى الجميع في الفقهيات الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، إذا رجعنا إلى المذاهب الثلاثة الأولى الماتريدية والأشاعرة نجد في هذين المذهبين الشيء الكثير مما هو من مذاهب وآراء وأفكار المعتزلة، ومع ذلك فهي موجودة ومبثوثة في المذهب الأشعري، والمذهب الماتريدي، أهم ما يتعلق بهذا الذي أقوله أنه موجود من الاعتزال شيء في المذهبين المذكورين: الماتريدي والأشعري أهم ما يمكن ذكره الآن أصل من الأصول وقاعدة من القواعد هي: أن الحديث الصحيح لا تثبت به عقيدة، هذا رأي المعتزلة، لكن الأشاعرة والماتريدية يتبنون هذا الرأي، هذا كقاعدة وأصل. والشيء الثاني: أن المعتزلة عُرِفُوا عند أهل السنة حقاً بأنهم يتأولون آيات الصفات، وأحاديث الصفات، والتأويل أخو التعطيل، والمقصود بالتعطيل: إنكار الشيء إنكار الحقيقة، فحينما تكون هناك آية، أو يكون هناك حديث نبوي

стр. 2604

صحيح، وله دلالة واضحة صريحة، فيُعطلِّون هذه الدلالة ويأتون بمعنى غير متبادر للذهن لذاك النص القرآني أو الحديث النبوي، فهذا معناه: أنه ما اتبعوا الكتاب ولا السنة، لكنهم لا نستطيع أن نقول: ما اتبعوا الكتاب والسنة إنكاراً لهما، وإنما دوراناً عليهما، وخروجاً عن دلالتهما الصريحة باسم التأويل ولذلك قلت التأويل أخو التعطيل. نحن نضرب مثلاً عادياً: إذا قال الرجل العربي: جاء الملك فما يتبادر إلى ذهنه إلى ذهن المخاطبين بكلامه أنه يعني جاء خادم الملك هو قال جاء الملك، فالسامعون لا يفهمون من كلامه أنه يعني: جاء خادم الملك، بل ولا يفهمون منه أنه جاء وزير الملك، فلو أن رجلاً عربياً تكلم بهذه اللفظة العربية، بهذه الجملة العربية جاء الملك فأحد السامعين قال: يعني: خادم الملك، هذا عطل كلام هذا المتكلم ... فما بالكم إذا كان الكلام المُعطَّل هو كلام الرب ﵎؟! فيأتي المعتزلة ويتبعهم في ذلك الماتريدية والأشاعرة، فيتأولون بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بمثل هذا التأويل الذي قلنا عنه بحق: إنه أخو التعطيل. في الآية الكريمة: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢) جاء ربك، ولا تشبيه مثلما قلنا آنفاً جاء الملك، لا، ما جاء الملك، من أتى؟ خادم الملك، وزير الملك، في فرق بين خادم الملك ووزيره طبعاً، مع ذلك فإذا فُسِّر بوزير الملك يكون عاطل باطل، وإذا فُسِّر بخادم الملك فهو أعطل، نعم. فقولهم في تفسير قول ربنا : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢).

стр. 2605

جاء ربك أي: أمْر ربك، أو خلق من خلق ربك، أو كذا يمكن، أما لا به، ولا بروحه، ومن أين جاءتهم هذه المشكلة؟ أو من أين جاء هذا التعطيل؟! من قياس الخالق على المخلوق، من قياس الغائب على الشاهد. يقولون: لا يجوز وصف الله بالحركة، نحن ما نصف الله بالحركة؛ لأنه ما وصف بذلك لا هو وصف بذلك نفسه، ولا وصفه بذلك نبيه؛ لكن وصف نفسه بأنه جاء أي: يوم القيامة، فنحن نقول جاء، وما نقول إنه جاء يعني: تحرك هم يأبون أن يؤمنوا بصريح القرآن، كذلك مثلاً فيما يتعلق بهذا المعنى: الحديث المعروف والمشهور بل هو عندنا حديث متواتر؛ لكثرة طرقه الصحيحة: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا» أهل السنة حقاً وهم أهل الحديث: يؤمنون بالآية السابقة الذكر على ظاهرها، جاء ربك: ربك جاء، وينزل ربنا: ينزل ربنا، أما المعتزلة وتبعهم الأشاعرة في جملة ما تابعوهم عليه: لا، ربنا لا ينزل كما قالوا: لا يجيء، قالوا أيضاً لا ينزل، إذاً: ما معنى ينزل ربنا أي: رحمته هذا تأويل، هذا التأويل هو تعطيل، يلزم من هذا التعطيل إنكار حقائق شرعية متعلقة بالصفات الإلهية، ربنا حينما يصف نفسه في كتابه، أو على لسان نبيه ﵌، فإنما ذلك ليُعَرِّف عباده به ﵎؛ لأنه غائب عنا، ولا يمكننا أن نراه إلا يوم القيامة إن شاء الله، فحينما نأتي إلى آيات الصفات وأحاديث الصفات، فنأتي لها بمعاني غير المعاني الظاهرة الجلية من النصوص القرآنية أو الحديثية، فمعنى ذلك أننا أنكرنا هذه الصفات الإلهية، جاء ربك ما جاء ربك، ينزل ربنا لا ينزل ربنا سبحان الله، لو كان هناك نص أنه لا يجيء ولا ينزل، كنا (سنؤمن)، لكن النصوص على خلاف ذلك، فكيف نصف ربنا بما لم يصف نفسه به، وننزهه عما وصف نفسه به، هذا هو التعطيل، وهذا مما وقعت فيه كما قلنا بعض المذاهب الإسلامية

стр. 2606

السنية، كالماتريدية، والأشعرية لهذا قلنا: إننا ندعو إلى اتباع الكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح حتى ما نقع في مثل هذه الانحرافات التي ابتدأها المعتزلة، ثم تبعهم عليها كثير ممن ينتمون إلى أهل السنة والجماعة، أهل السنة والجماعة اليوم في عُرف العصر الحاضر، وفي الأزهر الشريف، والجامعات الإسلامية وإلى آخره هي أهل الحديث، والماتريدية والأشعرية. "الهدى والنور" (١٦١/ ١٣: ٠٨: ٠٠) [٨٢٢] باب الفرق بين النفي والتعطيل سؤال: [نرجو] التعليق على كلمة التعطيل والنفي، شو الفرق ... بين التعطيل والنفي؟ الشيخ: النفي قد يقترن مع التعطيل بمعنى واحد يعني، نفي الصفة، لكن النفي بيكون صريح، التعطيل يلعب حول الآية ويتأولها، فيعطل الله عن هذا الصفة، لكن بطريقة التأويل ينكرها. النفي أن ينكر رأساً، مثلاً: هناك حديث في الصحيحين وغيرهما بيدخل في هذا الموضوع الذي يجب الإيمان به كما جاء دون تكييف بعقولنا الصغيرة الضيقة هذه، وبدون تعطيل، إنكار يعني، الحديث لا بد كلكم سمعه: «ينزل الله في كل ليلة في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا، فيقول: ألا هل من سائل فأعطيه؟! ألا هل من داع فاستجيب له؟! ألا هل من مستغفر فأغفر له؟! ألا كذا .. ألا كذا .. حتى يطلع الفجر». الذين يعطلون الصفات الإلهية المنصوص عليها في الكتاب، والكتاب لا يمكن إنكاره، من أشد الفرق ضلالاً، لا يقدرون أن ينكروا، وحينئذ ينكشف

стр. 2607

أمرهم، ويخرجون عن الملة، أما الأحاديث فيتجرؤون أحياناً على إنكارها، فينفونها، فهم يقولون: «ربنا لا ينزل». إذا: ً نفوا الحديث. فخلاصة الجواب كما قلت في أوله: أن النفي يلتقي مع التعطيل، بس أحياناً يلزم مع التعطيل إنكار النص من أصله، لا يثبتون صحته عن الرسول ﵇؛ لأنهم لو أثبتوه أثبتوا لله تصرفاً هو في عقولهم الضيقة يشبه نزول الملك من عرشه، مشكلتهم دائماً قياس الخالق على المخلوق، وهذا بلا شك أبطل قياس على وجه الأرض، لا سيما وقد قال تعالى في الآية السابقة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، ومن بلاغة القرآن أنه ما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فقط، فنزه ثم أثبت، قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فهو سميع لكن ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، كل الصفات: منها النزول الإلهي، نزوله ليس كنزولنا، هكذا الجواب إن شاء الله. "الهدى والنور" (٦٩/ ٢٠: ١٠/ ٠١) [٨٢٣] باب ذكر بعض رؤوس البدع من الجهمية [قال الإمام]: وبشر المرِّيسي: هو المبتدع الجهمي الضال، قال الذهبي وغيره: "لا ينبغي أن يروى عنه، ولا كرامة ". وهو القائل بخلق القرآن، والإباضية معه في هذه الضلالة! "الضعيفة" (١٣/ ١/١١١).

стр. 2608

[٨٢٤] باب هل ثبت قتل خالد القسري للجعد بن درهم ؟ مداخلة: يقول السائل: ما مدى ثبوت قصة قتل خالد بن عبد الله القسري للجعد بن درهم؟ الشيخ: هذا كما قلت لما ذكر آنفًا عن الإمام أحمد: يروى دون إسناد ويذكره أهل السنة كقضية مُسًلَّمة، فأنا شخصيًا أقول: الله أعلم إن صح أو لم يصح، ولا يترتب من وراء تصرف ذلك الأمير لقتل الجعد حكم شرعي مطلقًا، فقد يصح وقد لا يصح. "رحلة النور" (ب٣١/ ٠٠:١٠:٠٠) [٨٢٥] باب جمهور الحنفية مؤولة في العقيدة [قال الإمام]: أبو منصور الماتريدي الذي ينتمي إليه أكثر الحنفية في العقيدة، وجمهورهم فيها من المؤولة. "مختصر العلو" (ص١٣٦) [٨٢٦] باب مذهب ابن حزم في الصفات [قال الإمام]: "ابن حزم" في الصفات جهمي جلد. "تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٩١).

стр. 2609

[٨٢٧] باب تنبيه حول عقيدة الشيخ الشعراوي ﵀ في الأسماء والصفات السؤال: بالنسبة للشيخ متولي الشعراوي، الكثير معجب بكلامه وبأسلوبه وأستطيع أن أقول أنا أيضاً أستمتع بالسماع إليه ... فبعض العلماء أو بعض شباب العلم يقولون: له أخطاء فادحة في أمور العقيدة أو في أمور شرح المعاني والخواطر التي تخطر بباله، فأنا طبعاً لا أشعر أنه يخطئ أو أنه يتكلم بكلام والعياذ بالله خطير أو يؤثر في عقيدة، فلو كنت تعلم [في] بعض خطبه أو دروسه وتعطينا مثلاً ... حتى في المستقبل نقيس عليه أو ننتبه أكثر إن كان لديك بعض ما تعرفه من خطبه ودروسه. الشيخ: أنت ... لست عالماً فلن تستطيع أن تميز أخطاء من يقال إنه من العلماء؛ لذلك الصواب أنك تجمع بين شعورك الذي ابتدأت كلامك به وبين ما نقلته عن بعض العلماء أو طلاب العلم، شعورك أن أسلوبه جذاب، وهو كذلك، ويمكن تشاركني أيضاً فيما إذا قلت لك أن أسلوب الشيخ كشك أيضاً أسلوب جذاب، ولاَّ لست معي في هذا؟ مداخلة: نعم للعامة، نعم. الشيخ: لكن هذا وذاك علمهما خلفي، وإن كان هذا الذي سألت عنه الشعراوي أعلم من ذاك، ولذلك ذاك أنا أسميه قصاصاً، لكن أصبح قدوة لخطباء لكثير من البلاد الإسلامية يحاولون يقلدونه في أسلوب خطابه، فالشعراوي هذا هو من علماء الأزهر وعلماء الأزهر علماء يعني: يتقنون اللغة العربية ويتقنون التفسير والفقه التقليدي إلى آخره لكنهم بعيدين عن السنة كل البعد.

стр. 2610

إلا أن فيهم ناساً مخلصين إذا أتيح لهم من ينبههم ينتبهوا، الشعراوي يبدو ليس من هؤلاء، ومنذ سنين صدروه للكلام في الإذاعة وأخذ بألباب كثير من المستمعين إليه، وكان من هؤلاء أحد إخواننا السلفيين، وهو يحكي من شدة إعجابه به له صاحب له سيارة، أركب الشيخ الشعراوي يوصله إلى مكان وكان صاحبنا معه، خطر في باله خاطرة جيدة أن هذا الشيخ الذي نحن نسر بإلقائه وكلامه على الآيات وإعجاز القرآن بالنسبة لعلم الحديث .. خطر بباله أن يسأله يراه سلفي العقيدة أم لا؟ قال له: ما رأي فضيلة الشيخ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) هل يوصف ربنا بأن له صفة علو، فثار عليه ثورة أن الله ليس له مكان وليس له زمان والله في كل مكان، الضلالة التي تعرفها ليست في عامة المسلمين فقط بل وفي كثير من خاصتهم، فهو منحرف عن العقيدة، وكثيراً [ما] يتأول فعلاً الآيات بتآويل من أجل تناسب مفاهيم العصر الحاضر، أما أسلوبه فالمصريين يمتازون فيما ظهر لي على الشعوب الإسلامية بطلاقة اللسان وبحسن أسلوب الكلام، عندهم الاستطاعة أن يسيطروا على الناس، والشعراوي من هذا القبيل لكن لا يؤخذ منه العلم؛ لأن العلم شيء والأسلوب شيء ... فأناس عندهم العلم صحيح وما عندهم الأسلوب الصحيح، وهذا بالعكس عنده أسلوب جيد جذاب لكن ليس عنده علم صحيح، ولذلك فالذي يريد أن يستمع إليه مأخوذ بروعة أسلوبه يجب أن يأخذ حذره من أن يتلقن منه ما ليس بصحيح. "الهدى والنور" (٢٠٦/ ٤٨: ٢٦: ٠٠).

стр. 2611

[٨٢٨] باب هل يُكَفَّر من أَوَّل الصفات ؟ السائل: من أوَّل الصفات هل نقول بضلاله أم بكفره؟ الشيخ: نقول بضلاله، إلا أن يظهر أنه كان متعنتاً وقاصداً الضلال فحينئذ يُكَفَّر. (الهدى والنور/٣١٧/ ٥٢: ٣٦: ٠٠)

стр. 2612

جماع أبواب ذكر المجسمة والمشبهة وبيان ضلالهم في أبواب الأسماء والصفات

стр. 2613

[٨٢٩] باب التعريف بالكرَّامية ومذهبهم في الصفات [قال الإمام]: الكرامية: .. طائفة من المبتدعة تقول بالتجسيم وغيره, ينتسبون إلى محمد بن كرام السجستاني العابد المتكلم قال الذهبي: " شيخ الكرامية ساقط الحديث على بدعته مات سنة (٢٥٥ "). "تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٠١). [٨٣٠] باب بدعة الغلو في إثبات الصفات (التشبيه والتجسيم) [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «إذا كان عشية عرفة هبط الله إلى السماء الدنيا فيطلع إلى أهل الموقف: مرحباً بزواري والوافدين إلى بيتي، وعزتي لأنزلن إليكم ولأساوي مجلسكم بنفسي، فينزل إلى عرفة فيعمهم بمغفرته ويعطيهم ما يسألون إلا المظالم، ويقول: يا ملائكتي أُشهدكم أني قد غفرت لهم، ولا يزال كذلك إلى أن تغيب الشمس، ويكون إمامهم إلى المزدلفة، ولا يعرج إلى السماء تلك الليلة، فإذا أشعر الصبح وقفوا عند المشعر الحرام غفر لهم حتى المظالم، ثم يرجع إلى السماء وينصرف الناس إلى منى». (موضوع). [قال الإمام]: رواه ابن عساكر (٤/ ٢٤٠/١) عن أبي علي الأهوازي بسنده عن الحسن بن سعيد: أخبرنا أبو علي الحسين بن إسحاق الدقيقي: أخبرنا أبو زيد حماد بن دليل،

стр. 2614

عن سفيان الثوري عن قيس بن مسلم عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة الباهلي مرفوعا. وقال: " هذا حديث منكر، وفي إسناده غير واحد من المجهولين". قلت: بل هو حديث موضوع، ولوائح الوضع عليه لائحة، ولعل آفته أبو علي الأهوازي، واسمه الحسن بن علي، وهو إن وثقه بعضهم، فقد قال الخطيب." كذاب في الحديث وفي القراآت جميعاً ". وقال ابن عساكر عقب كلامه السابق: " وللأهوازي أمثاله في كتاب جمعه في " الصفات " سماه " كتاب البيان في شرح عقود أهل الإيمان "، أودعه أحاديث منكرة كحديث " إن الله تعالى لما أراد أن يخلق نفسه خلق الخيل، فأجراها حتى عرقت، ثم خلق نفسه من ذلك العرق "! مما لا يجوز أن يروى ولا يحل أن يعتقد، وكان مذهبه مذهب السالمية يقول بالظاهر، ويتمسك بالأحاديث الضعيفة التي تقوي له رأيه (١). "الضعيفة" (٢/ ١٨٩).

стр. 2615

[٨٣١] باب ضلال المجسمة [قال الإمام في ترجمة] القاسم بن إبراهيم الملطي .. :مجسم ضال. "الضعيفة" (١/ ٦٨٤). [٨٣٢] باب من مفاسد الغلو في الإثبات [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «يجلسني على العرش». (باطل). [قال الإمام]: ذكره الذهبي في " العلو" (٥٥ طبع الأنصار) من طريقين عن أحمد بن يونس عن سلمة الأحمر عن أشعث بن طليق عن عبد الله بن مسعود قال: بينا أنا عند رسول الله ﵌ أقرأ عليه حتى بلغت عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا قال: فذكره ومما يدل على [بطلانه .. ] أنه ثبت في " الصحاح " أن المقام المحمود هو الشفاعة العامة الخاصة بنبينا ﵌. ومن العجائب التي يقف العقل تجاهها حائرا أن يفتي بعض العلماء من المتقدمين بأثر مجاهد هذا كما ذكره الذهبي (ص ١٠٠ - ١٠١ و١١٧ - ١١٨) عن غير واحد منهم، بل غلا بعض المحدثين فقال: لو أن حالفاً حلف بالطلاق ثلاثا أن الله يُقْعِدُ محمدا ﵌ على العرش واستفتاني، لقلت له: صدقت وبررت! قال الذهبي ﵀: " فأبصر - حفظك الله من الهوى - كيف آل الغلو

стр. 2616

بهذا المحدث إلى وجوب الأخذ بأثر منكر، واليوم فيردن الأحاديث الصريحة في العلو، بل يحاول بعض الطغام أن يرد قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. قلت: وإن مثل هذا الغلو لمما يحمل نفاة الصفات على التشبث بالاستمرار في نفيها، والطعن بأهل السنة المثبتين لها، ورميهم بالتشبيه والتجسيم، ودين الله الحق بين الغالي فيه والجافي عنه، فرحم الله امرءًا آمن بما صح عن رسول الله ﵌ في الصفات وغيرها, على الحقيقة اللائقة بالله تعالى, ولم يقبل في ذلك ما لم يصح عنه ﵌ كهذا الحديث، فضلاً عن مثل هذا الأثر! "الضعيفة" (٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦). [٨٣٣] باب أهمية تصفية صحيح أحاديث الصفات من ضعيفها وبيان خطورة الإخلال بذلك حيث يؤدي إلى الغلو في باب الإثبات، وضرب أمثلة على ذلك سؤال: ذَكَرَ في كتاب "السنة" للبربهاري ... الشيخ: كتاب السنة لمن؟ مداخلة: البربهاري، هذا مخطوط هو الكتاب. الشيخ: لذلك أُعجم علي! ما عرفت هذا الكتاب، طيب! مداخلة: كان يتحدث عن حوض النبي ﵌، قال بأن لكل نبي حوض إلا صالح فإن حوضه هو بضع ناقته. الشيخ: هذا شيء غريب! نسبه بدون سند؟

стр. 2617

مداخلة: كتابه سوف يطبع. الشيخ: سوف يطبع؟ مداخلة: سوف يطبع نعم. الشيخ: طيب! هذا مخطوط؟ مداخلة: حُقق الآن هذا هو الكتاب. الشيخ: طيب! ذاكره بالسند؟ مداخلة: نقرؤه؟ الشيخ: البربهاري هذا ... هذا متكلم فيه من حيث الصفات حنبلي هو .. مداخلة: أبي محمد الحسن. الشيخ: حنبلي هو. مداخلة: في القرن الرابع هو؟ مداخلة: الرابع يمكن .. الشيخ: أنا في ذهني أن هذا متكلم فيه من حيث غلوه في الصفات، هل هو كذلك؟ البربهاري هذا. مداخلة: عندما تحدث عنه المحقق أتى بأقوال الأئمة ... وكان يعتبر هو إمام أهل السنة في عصره. الشيخ: هو يثني عليه من حيث أنه كان يحارب المبتدعة، وكان يتمسك بالسنة وبالعقيدة السلفية صحيح، لكن في كثير من أمثال هؤلاء غلو وتطرف،

стр. 2618

مثلاًكابن بطة الحنبلي صاحب "الإبانة" فهو على هذا النمط، لكن هو يروي في إبانته نفسه ما هب ودب من أحاديث حتى ما كان منها متعلقاً بالصفات، فهذه نقطة مهمة جداً ليس كل من يكتب في الصفات يكون متحققاً فيما يذكر من الروايات. وعلى كل حال! هذا الاستثناء المذكور في هذه الفقرة فلأول مرة سمعت به، وما أظنه يصح في أحاديث الحوض المتواترة، وفي كتاب "السنة" لابن أبي عاصم طائفة كبيرة من الأحاديث الواردة في الحوض، وليس فيها مثل هذا الاستثناء، فهو أقل ما يقال فيه: أنه غريب، وينبغي التوقف عن البت أو الجزم به حتى يأتي من طريق تقوم الحجة به. مداخلة: طيب! .. ابن بطة كتابه "الإبانة الصغرى" هل يؤخذ عنه في الأسماء والصفات مثلا، أنت قلت "الإبانة" لكن هل هي الصغرى أم الكبرى؟ الشيخ: ما أستحضر الجواب الآن، عندنا في المكتبة الظاهرية نسخة خطية من الإبانة مشوشة الترتيب، وكانت النسخة قد أصابها الماء فمحا كثيراً من كتابتها، وكنت استفدت منها أشياء كثيرة فتجلى لي أن ابن بطة من الحنابلة الذين عندهم شيء من الغلو في إثبات الصفات، وقد يثبتون صفةً بروايات لا تصح أسانيدها، وإن صحت فلا تصح نسبتها إلى الرسول ﵇؛ لأنها تكون إما موقوفة وإما مقطوعة، نعم. وعلى نحو هذا الدارمي في رده على المرِّيسي .. فيه أيضاً مثل هذا. والحقيقة أن هذا الموضوع هام جداً وينبغي تصفية الروايات الضعيفة وإبعادها عن العقيدة الصحيحة، وهذا ما حاولت القيام به حينما اختصرت "العلو للعلي الغفار" أو للعلي العظيم للإمام الذهبي، فمع كون الإمام الذهبي كما

стр. 2619

تعلمون إماماً في هذا الصدد ومع ذلك تساهل في ذكر بعض الروايات، ومنها مثلاً رواية مجاهد أن الله يُقْعِدُ معه النبي ﵌ على عرشه، وهذه الرواية تلقاها كثير من العلماء ممن نثق بعقيدتهم كأنه حديث مرفوع إلى الرسول ﵇، مع أنه لو قال مجاهد: قال رسول الله ﵌ في حديث فقهي لكان هذا الحديث مرسلاً، ولا يثبت حكم فقهي، فكيف وهو أولاً لم يرفعه إلى الرسول ﵇؟! وثانياً: هو في العقيدة وليس في الفقه ومع ذلك تلقوه على طريقة المُسَلَّمات. فالحقيقة ينبغي الاحتياط في مثل هذه القضايا. "الهدى والنور" (٨٧/:٠٠:١٤:٣٦) [٨٣٤] باب الدارمي مغال في الإثبات مع إمامته في السنة [قال الإمام]: لا شك في حفظ الدارمي وإمامته في السنة، ولكن يبدو من كتابه "الرد على المريسي" أنه مغال في الإثبات فقد ذكر فيه ما عزاه الكوثري إليه [أي: إلى الدارامي] من القعود والحركة والثقل ونحوه، وذلك مما لم يرد به حديث صحيح، وصفاته تعالى توقيفية فلا تثبت له صفة بطريق اللزوم مثلاً، كأن يقال: يلزم من ثبوت مجيئه تعالى ونزوله ثبوت الحركة، فإن هذا إن صح بالنسبة للمخلوق، فالله ليس كمثله شىء فتأمل. "التعليق على التنكيل" (١/ ٣٤٩).

стр. 2620

جماع أبواب الرد على شبه أهل الضلال من مخالفي أهل السنة في الأسماء والصفات من المفوضة والمعطلة والمؤولة والمجسمة والمشبهة وغيرهم (وقد تقدم بعضه)

стр. 2621

[٨٣٥] باب رد بعض شبهات المفوضة السائل: نحن نعلم أن عقيدة أهل السنة في الصفات هي يعني تحديد المعنى ورفض الكيف، ففي القرآن جاءت الحروف المقطعة لا نفهم معناها، ويقول البعض: أنتم ... لا تفوضون المعنى وفي هذه تفوضون في الصفات وتفوضون في هذه الحروف، نقول: نفوض المعنى إلى الله في بقية الصفات، فنريد ... توضيحاً؟ الشيخ: نحن نقول كما قلت ولا نزال ونرجو أن نحيا على ذلك وأن نموت، وهو أن الله أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وأنه تَعرَّف لعباده بأن يصف نفسه ليعرفوه بلسان عربي مبين، فكل عبارة وكل جملة في القرآن والسنة لا شك إن لها معنى عربي على أساس أن القرآن عربي، ولهذه الجملة معنى مقصود من رب العالمين يستحيل أن يكون غير مقصود كما يفعل المفوضة وأمثالهم في كل عصر. لكن لا يرد على هذا الإشكال الذي طرحته آنفاً، لأن هذه الحروف التي افتتحت بها بعض السور القرآنية ليست أولاً جملاً عربية، وليست ألفاظاً معروفة في لغة العرب حتى يُكلف أن يفهموها، فهذه الأحرف تخرج عن أصل الموضوع بالكلية. شيء آخر: فربنا حينما يقول: ﴿الم﴾ ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ كل عربي يفهم أن هذه ليست لفظة عربية لها دلالة لها معنى معروف عندهم، فإذا قال: أنا لا أفهم لهذا معناها، لهذه اللفظة معناها يكون هذا هو الموقف الصحيح، عكس إذا ادّعى أنه يفهم كما يدعي بعض الناس اليوم ... والعكس بالعكس حينما يقول رب العالمين: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا

стр. 2622

صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢) يقول: أنا لا أفهم هذه الجملة، أفوض أمرها إلى الله كما أفوض فهمي لألف لام ميم ووأمثالها هذا يكون جاهلاً يقيس المعلوم على المجهول لغة، على أن الحكمة غير يعني خفية من هذا الاستعمال القرآني في افتتاح بعض السور بمثل ما سمعتم وبمثل: ﴿كهيعص﴾ (مريم:١). فيها لفت أنظار العرب الذين لا شك يقطعون بأن هذا القرآن بلسانهم، وفي الوقت نفسه يقطعون بأنه جاءهم ببعض الاستعمالات التي ما سبق لهم أن عرفوها في لغتهم، منها هذه الحروف المقطعة: ﴿الم﴾ (آل عمران:١). فالحكمة منها أن العربي هذا الصميم حينما يسمع هذا التركيب الجديد يعطي أذناً صاغية، ما وراء هذا الكلام؟ ولذلك بعض المتأخرين يقولون في مثل هذه الحروف: إنها كأداة الاستفتاح في اللغة العربية. ألا أيها الرجل المعلِّم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم ألا ما فيها؟ يعني انتبه. ﴿الم﴾ مثلها. ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ وأبلغ منها: ﴿كهيعص﴾ هذا بلا شك يستدعي الانتباه تمام الانتباه، ... آه، ولذلك فالشبهة يعني لا تستحق حكايتها، واضح؟ "الهدى والنور" (٣٠٨/ ٥٦: ٣١: ٠٠) [٨٣٦] باب الرد على شبهات المعطلة والمؤولة الصفات شبهة: التنزيه عن التشبيه [قال الإمام]: نفاة الصفات والرؤية من المعتزلة وغيرهم إنما ينفونها تنزيها لله تعالى

стр. 2623

بزعمهم عن التشبيه وهذا زلل وزيغ وضلال إذ كيف يكون ذلك تنزيهاً وهو ينفي عن الله صفات الكمال ومنها الرؤية؛ إذ المعدوم هو الذي لا يُرى, فالكمال في إثبات الرؤية الثابتة في الكتاب والسنة. والمشبهة إنما زلُّوا لغلوهم في إثبات الصفات وتشبيه الخالق بالمخلوق . والحق بين هؤلاء وهؤلاء: إثبات بدون تشبيه وتنزيه بدون تعطيل. وما أحسن ما قيل: "المعطل يعبد عدما والمجسم يعبد صنماً". "التعليق على متن الطحاوية" (ص٣٢ - ٣٣). [٨٣٧] باب منه [قال الإمام]: لا يلزم من إثبات ما أثبته الله لنفسه من الصفات شيء من التشبيه أصلاً, كما لا يلزم من إثبات ذاته تعالى التشبيه، فكما أن ذاته تعالى لا تشبه الذوات وهي حق ثابت، فكذلك صفاته تعالى لا تشبه الصفات وهي أيضا حقائق ثابتة, تتناسب مع جلال الله وعظمته وتنزيهه. "الصحيحة" (٢/ ١٢٨). [٨٣٨] شبهة نفي حلول الحوادث [وصف أبوغدة شارحَ الطحاوية ابنَ أبي العز بالإمامة، فأراد الإمام الألباني إلزامه ببعض أهم المسائل العقدية التي قرَّرها الشارح في عقيدته والتي يعلم الشيخ الألباني إنكار أبي غدة أو شيخه الكوثري لها فقال الإمام]: قلت: فإذا كان أبو غدة مؤمناً حقاً بهذه الإمامة الملموسة المشهورة فأنا

стр. 2624

أختار له من كلام هذا الإمام سبع مسائل, فإن أجاب عنها بما يوافق ما ذهب إليه هذا الإمام المشهور من قلبٍ مخلصٍ فذلك ما نرجوه, وأعتذر إليه من إساءة الظن به, وإن كانت الأخرى فذلك مما يؤيد - مع الأسف- ما رميته به من المداراة. المسائلة الأولى: قال الإمام [أي ابن أبي العز] (ص ١٢٥): "وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حدوث الحوادث ". قلت: وهذا الإطلاق وهو مما يدندن به شيخه الكوثري في تعليقاته, ليتوصل, إلى نفي حقيقة الكلام الإلهي المسموع. وراجع له "شرح الطحاوية" (ص ١٦٨ - ١٨٨) و"التنكيل" (٢/ ٣٦٠ - ٣٦٢). "تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٥٦). [٨٣٩] باب الرد على من اتهم أهل السنة بأنهم حشوية لأنهم يقولون: الله فوق عرشه بذاته [قال الذهبي في "العلو"]: قال الإمام أبو محمد بن أبي زيد المغربي شيخ المالكية في أول رسالته المشهورة في مذهب مالك الإمام: "وأنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته, وأنه في كل مكان بعلمه, وقد تقدم مثل هذه العبارة عن أبي جعفر بن أبي شيبة, وعثمان بن سعيد الدارمي, وكذلك أطلقها يحيى بن عمار واعظ سجستان في رسالته, والحافظ أبو نصر الوائلي السجزي في كتاب الإبانة له؛ فإنه قال وأئمتنا كالثوري, ومالك, والحمادين وابن عيينة, وابن المبارك, والفضيل, وأحمد, وإسحاق, متفقون على أن الله فوق العرش بذاته, وأن علمه بكل مكان

стр. 2625

وكذلك أطلقها ابن عبد البر كما سياتي. وكذا عبارة شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري فإنه قال: وفي أخبار شتى أن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه, وكذا قال أبو الحسن الكرجي الشافعي في تلك القصيدة عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب وعلى هذه القصيدة مكتوب بخط العلامة تقي الدين بن الصلاح هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث. وكذا أطلق هذه اللفظة أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ, والشيخ عبد القادر الجيلي, والمفتي عبد العزيز القحيطي, وطائفة. والله تعالى خالق كل شيء بذاته, ومدبر الخلائق بذاته, بلا معين ولا مؤازر وإنما أراد ابن أبي زيد وغيره التفرقة بين كونه تعالى معنا وبين كونه تعالى فوق العرش, فهو كما قال: ومعنا بالعلم, وأنه على العرش كما أعلمنا حيث يقول ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من العلماء كما قدمناه, وبلا ريب أن فضول الكلام تركه من حسن الإسلام, وكان ابن أبي زيد من العلماء العاملين بالمغرب, وكان يلقب بمالك الصغير, وكان غاية في علم الأصول, وقد ذكره الحافظ ابن عساكر في كتاب "تبيين كذب المفتري" فيما نُسِب إلى الأشعري ولم يذكر له وفاة. توفي سنة ست وثمانين وثلاثمائة, وقيل سنة تسع وثمانين وثلاثمائة, وقد نقموا عليه في قوله "بذاته" فليته تركها. [قال الإمام]: قلت: وهؤلاء وأمثالهم من أهل السنة وفيهم المؤلف يقول عنهم الكوثري

стр. 2626

- عاملة الله بما يستحق - بأنهم شيوخ الحشوية! لأنهم يتسارعون إلى نقل هذه اللفظة "بذاته" عن ابن أبي زيد هذا، ويقول عنها إنها إما مدسوسة، أو من قبيل الاحتراس بالرفع أي: المجيد بذاته! وهكذا فليكن التشكيك في أقوال أهل العلم بالإنكار أصلاً أو بتأويله تأويلاً باطلاً! [وقال معلقًا على قول الذهبي:"فليته تركها"]: يعني لكي لا ينقم الناس عليه، لا لأنه خطأ في نفسه، كيف وقد قاله من سبق ذكرهم من العلماء عند المؤلف، مع ملاحظة أنه لا فرق في الحقيقة بينه وبين قول المؤلف المتقدم آنفاً: "والله تعالى خالق كل شي بذاته"! وراجع لهذا الكلام ابن تيمية في " حديث النزول " (ص ٥٦). "مختصر العلو" (ص٢٥٦). [٨٤٠] باب معنى قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ والرد على من استدل به على تأويل الصفات [عَلَّق الإمام على قول صاحب الطحاوية: «ولا شيء مثله» بقوله]: هذا أصل من أصول التوحيد وهو أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله, ولكن المبتدعة والمتأولة قد اتخذوه أصلاً لإنكار كثير من صفات الله ﵎ فكلما ضاقت قلوبهم عن الإيمان بصفة من صفاته سَلَّطوا عليها معاول التأويل والهدم فأنكروها, واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ متجاهلين تمام الآية: ﴿وهو السميع البصير﴾ (الشورى: ١١) فهي قد جمعت بين التنزيه والإثبات فمن أراد السلامة في عقيدته فعليه أن ينزه الله تعالى عن مشابهته للحوادث دون تأويل أو تعطيل وأن

стр. 2627

يثبت له من الصفات كل ما أثبته لنفسه في كتابه أو حديث نبيه دون تمثيل وهذا هو مذهب السلف وعليه المصنف ﵀ تبعا لأبي حنيفة وسائر الأئمة كما تراه مفصلا في الشرح ﴿فبهداهم اقتده﴾ (الأنعام: ٩٠). "التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠ - ١١). [٨٤١] باب هل هناك جهمية في العصر الحديث؟ والكلام على ضلال الجهمية، والرد على شبه المعطلة، والكلام على حديث الجارية الشيخ: (هناك طوائف) في الحديث (١) قطعاً تتبنى بعض أفكار الجهمية القديمة لكنها لا تنتمي إليها اسماً ولا مذهباً، وإنما تلتقي في بعض ما كانت الجهمية تذهب إليه فكراً وعقيدةً، غلاة الجهمية الحقيقة يلتقون مع القائلين بوحدة الوجود؛ لأنهم لا يصفون الله بالصفات التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، ينفون عنه الصفات، وإذا نفوا عنه الصفات عَطَّلُوه، يعني حكموا عليه بعدم الوجود، كما يقول الدهريون تماماً، هؤلاء غلاة الجهمية. دونهم طبقة من الجهمية ينكرون ما سبق ذكره آنفاً من أن الله فوق مخلوقاته كلها، ويُصرِّحون بما يصرح به عامة المسلمين مع أنهم لا يقصدون ذلك المعنى الذي يقصده أولئك الجهمية، يصرحون بأن الله في كل مكان، فكثير من الناس اليوم حتى الكُتَّاب ونحو ذلك ممن لم يدرسوا العقيدة الإسلامية الصحيحة، يقولون بهذه الكلمة، وينفون أيضاً عن الله صفاتاً أخرى

стр. 2628

كثيرة، منها مثلاً يقولون على الرغم من تصريح القرآن بقوله : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء:١٦٤)، يقولون بأن الله لا يتكلم، هذا من عقيدة الجهمية، ووافقهم على ذلك المعتزلة كلهم، فالمعتزلة يُصرِّحون بأنه ليس من صفات الله الكلام، وهذا سبب هذا الإنكار حديثاً وقديماً، وهو تسليط العقول كما أشرت آنفاً على أمورٍ غيبيةٍ وعالِمُ الغيوب هو الله ﵎، فلا يجوز نحن أن نكيف صفات الله بالكيفية التي يعرفها بعضنا من بعض، مثلاً: الكلام، نحن الكلام نعرفه، لا بد من جهاز معروف هو الفم، هو اللسان، هو الحلق، هو الأسنان، أضراس، إذا نقص شيء من هذه الآلات التي خلقها الله في الإنسان صار الكلام غير طبيعي، فلما هم بيتصوروا أن الله كلم موسى تكليماً، ينتقل تصورهم من المخلوق إلى الخالق، ويستنتجوا من ذلك أن الله يتكلم بلهاة .. بلسان .. بأضراس .. وهذا طبعاً تشبيه، والتشبيه باطل، فما لزم منه الباطل فهو باطل، مقدمات يقيمونها هي في الأصل على شرف جرف هار: خيال، ثم يبنون عليها علالي وقصوراً، وهذا الذي يبنون عليه تعطيل النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية. ربنا بحكمته البالغة خلق لهذا البشر في هذا العصر آلة صماء بكماء، وهو المسجلة، من قبل صندوق السمع بتعرفونه يتكلم بكلام عربي مبين، وليس هناك شيء من هذه الآلات التي يتكلم بها الإنسان، فالله الذي خلق هذا الجهاز جامد، ليس بإنسان، والإنسان كما نعلم جميعاً مفضل على المخلوقات كلها، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:٧٠)، هذا الجهاز الأصم الأبكم يتكلم بدون ما يكون له تلك الآلات، تُرَى! ربنا القادر على كل شيء لا

стр. 2629

يستطيع أن يتكلم مع أنبيائه ورسله بدون أن نتصور نحن تصور المعتزلة، أن الإنسان يتكلم بوسائل، فإذاً ربنا لا بد أن يكون له كذا وكذا .. حاشاه؛ ولذلك يقول في القرآن الكريم جمعاً بين -كما يقول العلماء -الإثبات لصفات الله، وتنزيها لهذه الصفات أن تُشابه صفات المخلوقات، فيقول : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١). من العجيب أنك ترى هؤلاء المعتزلة وبعض المتشبهين بهم قديماً وحديثاً، يقولون: الله سميع وبصير. طيب، كما أثبتم صفة السمع والبصر وما قلتم: لازم يكون له حدقة، ولازم يكون له أجفان، ولازم يكون له عين الإنسان، ما قلتم شيء من ذلك أطلقتم، قال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، كذلك قولوا عن كلام الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) وتنتهي القضية، مع ذلك بعض من طَرَّدَ الفرار من التشبيه بالتعطيل، جاء إلى هذه الآية نفسها: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، فنفى أن يكون له سمع، ونفى أن يكون له بصر، بحجة أن الإنسان له بصر، والإنسان له سمع، وهذا تشبيه. سبحان الله! أجابهم أهل الإثبات من أهل السنة والجماعة، إذا أنتم طَرَّدْتُم أن تنفوا عن الله كلَّ الصفات التي أثبتها لنفسه، لمجرد الاشتراك في الاسم، وليس في الحقيقة، إذاً: قولوا كما قال غلاة الصوفية: لا وجودان، إنما هو وجود واحد؛ لأن الآن يسأل بعضنا البعض: نحن موجودين وِلاَّ معدومين؟ طبعاً موجودين. الله موجود أو معدوم؟ الله موجود هو موجود ووجوده الحق كما قلنا من قبل.

стр. 2630

فإذاً: صار هنا اشتراك بوجود الله ووجود الإنسان، تنكروا إذاً ووجود الله، وتخرجوا من المشاكل كلها، لا وجود غير وجودنا، كلمة حق اثبتوا عليها، وجوده غير وجودنا، صفاته غير صفاتنا، وانتهت المشكلة. فنقول: كلامه ليس ككلامنا، بصره ليسه كبصرنا، سمعه، كل ما أثبت الله له من صفات هي لا تشبه صفات المخلوقات، كما في الآية السابقة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١). إذاً: جهمية العصر الحاضر هم الذين يلتقون مع الجهمية الأولين في إنكار بعض صفات الله، أولئك نفوا صفات الله كلها، هؤلاء يشتركون مع الجهمية القديمة، في إنكار بعض الصفات باسم التنزيه، لكن حقيقة التنزيه أن نثبت لله ما أثبته لنفسه دون تكييف ودون تشبيه، وبهذه المناسبة يقول ابن القيم الجوزية ﵀ كلمة حق وهي: العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحاب ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه فنفي الصفات خوفاً من التشبيه والتعطيل، هذا مذهب المعتزلة الذين هم فرع من الجهمية، ومذهب بعض المعاصرين اليوم ممن يلتقون مع أولئك في بعض ما أنكروا من الصفات. ويحضرني أيضاً في هذه المناسبة قصة وقعت لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في زمانه، والحقيقة أنه كان عالماً فذاًّ في إحاطتة بعلم الكتاب والسنة، زائد معرفته بعقائد الفرق المخالفة بما فيهم الفلاسفة الذين ينكرون الشرائع، فكان من مزاياه الشجاعة التي قلما توجد مع الأسف في أهل العلم، فشكوه إلى الوالي في
следующие страницы →