- عاملة الله بما يستحق - بأنهم شيوخ الحشوية! لأنهم يتسارعون إلى نقل هذه اللفظة "بذاته" عن ابن أبي زيد هذا، ويقول عنها إنها إما مدسوسة، أو من قبيل الاحتراس بالرفع أي: المجيد بذاته! وهكذا فليكن التشكيك في أقوال أهل العلم بالإنكار أصلاً أو بتأويله تأويلاً باطلاً!
[وقال معلقًا على قول الذهبي:"فليته تركها"]:
يعني لكي لا ينقم الناس عليه، لا لأنه خطأ في نفسه، كيف وقد قاله من سبق ذكرهم من العلماء عند المؤلف، مع ملاحظة أنه لا فرق في الحقيقة بينه وبين قول المؤلف المتقدم آنفاً: "والله تعالى خالق كل شي بذاته"! وراجع لهذا الكلام ابن تيمية في " حديث النزول " (ص ٥٦).
"مختصر العلو" (ص٢٥٦).
[٨٤٠] باب معنى قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ والرد على من استدل به على تأويل الصفات
[عَلَّق الإمام على قول صاحب الطحاوية: «ولا شيء مثله» بقوله]:
هذا أصل من أصول التوحيد وهو أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله, ولكن المبتدعة والمتأولة قد اتخذوه أصلاً لإنكار كثير من صفات الله ﵎ فكلما ضاقت قلوبهم عن الإيمان بصفة من صفاته سَلَّطوا عليها معاول التأويل والهدم فأنكروها, واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ متجاهلين تمام الآية: ﴿وهو السميع البصير﴾ (الشورى: ١١) فهي قد جمعت بين التنزيه والإثبات فمن أراد السلامة في عقيدته فعليه أن ينزه الله تعالى عن مشابهته للحوادث دون تأويل أو تعطيل وأن
стр. 2627
يثبت له من الصفات كل ما أثبته لنفسه في كتابه أو حديث نبيه دون تمثيل وهذا هو مذهب السلف وعليه المصنف ﵀ تبعا لأبي حنيفة وسائر الأئمة كما تراه مفصلا في الشرح ﴿فبهداهم اقتده﴾ (الأنعام: ٩٠).
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠ - ١١).
[٨٤١] باب هل هناك جهمية في العصر الحديث؟
والكلام على ضلال الجهمية، والرد على شبه المعطلة، والكلام على حديث الجارية
الشيخ: (هناك طوائف) في الحديث (١) قطعاً تتبنى بعض أفكار الجهمية القديمة لكنها لا تنتمي إليها اسماً ولا مذهباً، وإنما تلتقي في بعض ما كانت الجهمية تذهب إليه فكراً وعقيدةً، غلاة الجهمية الحقيقة يلتقون مع القائلين بوحدة الوجود؛ لأنهم لا يصفون الله بالصفات التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، ينفون عنه الصفات، وإذا نفوا عنه الصفات عَطَّلُوه، يعني حكموا عليه بعدم الوجود، كما يقول الدهريون تماماً، هؤلاء غلاة الجهمية.
دونهم طبقة من الجهمية ينكرون ما سبق ذكره آنفاً من أن الله فوق مخلوقاته كلها، ويُصرِّحون بما يصرح به عامة المسلمين مع أنهم لا يقصدون ذلك المعنى الذي يقصده أولئك الجهمية، يصرحون بأن الله في كل مكان، فكثير من الناس اليوم حتى الكُتَّاب ونحو ذلك ممن لم يدرسوا العقيدة الإسلامية الصحيحة، يقولون بهذه الكلمة، وينفون أيضاً عن الله صفاتاً أخرى
стр. 2628
كثيرة، منها مثلاً يقولون على الرغم من تصريح القرآن بقوله : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء:١٦٤)، يقولون بأن الله لا يتكلم، هذا من عقيدة الجهمية، ووافقهم على ذلك المعتزلة كلهم، فالمعتزلة يُصرِّحون بأنه ليس من صفات الله الكلام، وهذا سبب هذا الإنكار حديثاً وقديماً، وهو تسليط العقول كما أشرت آنفاً على أمورٍ غيبيةٍ وعالِمُ الغيوب هو الله ﵎، فلا يجوز نحن أن نكيف صفات الله بالكيفية التي يعرفها بعضنا من بعض، مثلاً: الكلام، نحن الكلام نعرفه، لا بد من جهاز معروف هو الفم، هو اللسان، هو الحلق، هو الأسنان، أضراس، إذا نقص شيء من هذه الآلات التي خلقها الله في الإنسان صار الكلام غير طبيعي، فلما هم بيتصوروا أن الله كلم موسى تكليماً، ينتقل تصورهم من المخلوق إلى الخالق، ويستنتجوا من ذلك أن الله يتكلم بلهاة .. بلسان .. بأضراس .. وهذا طبعاً تشبيه، والتشبيه باطل، فما لزم منه الباطل فهو باطل، مقدمات يقيمونها هي في الأصل على شرف جرف هار: خيال، ثم يبنون
عليها علالي وقصوراً، وهذا الذي يبنون عليه تعطيل النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية.
ربنا بحكمته البالغة خلق لهذا البشر في هذا العصر آلة صماء بكماء، وهو المسجلة، من قبل صندوق السمع بتعرفونه يتكلم بكلام عربي مبين، وليس هناك شيء من هذه الآلات التي يتكلم بها الإنسان، فالله الذي خلق هذا الجهاز جامد، ليس بإنسان، والإنسان كما نعلم جميعاً مفضل على المخلوقات كلها، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:٧٠)، هذا الجهاز الأصم الأبكم يتكلم بدون ما يكون له تلك الآلات، تُرَى! ربنا القادر على كل شيء لا
стр. 2629
يستطيع أن يتكلم مع أنبيائه ورسله بدون أن نتصور نحن تصور المعتزلة، أن الإنسان يتكلم بوسائل، فإذاً ربنا لا بد أن يكون له كذا وكذا .. حاشاه؛ ولذلك يقول في القرآن الكريم جمعاً بين -كما يقول العلماء -الإثبات لصفات الله، وتنزيها لهذه الصفات أن تُشابه صفات المخلوقات، فيقول : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١).
من العجيب أنك ترى هؤلاء المعتزلة وبعض المتشبهين بهم قديماً وحديثاً، يقولون: الله سميع وبصير.
طيب، كما أثبتم صفة السمع والبصر وما قلتم: لازم يكون له حدقة، ولازم يكون له أجفان، ولازم يكون له عين الإنسان، ما قلتم شيء من ذلك أطلقتم، قال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، كذلك قولوا عن كلام الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) وتنتهي القضية، مع ذلك بعض من طَرَّدَ الفرار من التشبيه بالتعطيل، جاء إلى هذه الآية نفسها: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، فنفى أن يكون له سمع، ونفى أن يكون له بصر، بحجة أن الإنسان له بصر، والإنسان له سمع، وهذا تشبيه. سبحان الله!
أجابهم أهل الإثبات من أهل السنة والجماعة، إذا أنتم طَرَّدْتُم أن تنفوا عن الله كلَّ الصفات التي أثبتها لنفسه، لمجرد الاشتراك في الاسم، وليس في الحقيقة، إذاً: قولوا كما قال غلاة الصوفية: لا وجودان، إنما هو وجود واحد؛ لأن الآن يسأل بعضنا البعض: نحن موجودين وِلاَّ معدومين؟ طبعاً موجودين.
الله موجود أو معدوم؟ الله موجود هو موجود ووجوده الحق كما قلنا من قبل.
стр. 2630
فإذاً: صار هنا اشتراك بوجود الله ووجود الإنسان، تنكروا إذاً ووجود الله، وتخرجوا من المشاكل كلها، لا وجود غير وجودنا، كلمة حق اثبتوا عليها، وجوده غير وجودنا، صفاته غير صفاتنا، وانتهت المشكلة.
فنقول: كلامه ليس ككلامنا، بصره ليسه كبصرنا، سمعه، كل ما أثبت الله له من صفات هي لا تشبه صفات المخلوقات، كما في الآية السابقة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١).
إذاً: جهمية العصر الحاضر هم الذين يلتقون مع الجهمية الأولين في إنكار بعض صفات الله، أولئك نفوا صفات الله كلها، هؤلاء يشتركون مع الجهمية القديمة، في إنكار بعض الصفات باسم التنزيه، لكن حقيقة التنزيه أن نثبت لله ما أثبته لنفسه دون تكييف ودون تشبيه، وبهذه المناسبة يقول ابن القيم الجوزية ﵀ كلمة حق وهي:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحاب ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه
فنفي الصفات خوفاً من التشبيه والتعطيل، هذا مذهب المعتزلة الذين هم فرع من الجهمية، ومذهب بعض المعاصرين اليوم ممن يلتقون مع أولئك في بعض ما أنكروا من الصفات.
ويحضرني أيضاً في هذه المناسبة قصة وقعت لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في زمانه، والحقيقة أنه كان عالماً فذاًّ في إحاطتة بعلم الكتاب والسنة، زائد معرفته بعقائد الفرق المخالفة بما فيهم الفلاسفة الذين ينكرون الشرائع، فكان من مزاياه الشجاعة التي قلما توجد مع الأسف في أهل العلم، فشكوه إلى الوالي في
стр. 2631
دمشق يومئذ؛ بأن هذه يعتقد كذا .. وكذا، يرمونه بالتشبيه، فعقد له مع الشيوخ مجلس مناظرة، فسمع الأمير من كلٍّ من الشيخ والجماعة، الجماعة ينكرون بعض الصفات منها: أن يكون الله فوق مخلوقاته. وسمع من الشيخ آيات كثيرة ذكرنا نحن آنفاً بعضها، ومما ذَكَرَ حديث يعرف عند علماء الحديث بحديث الجارية، وهذا الحديث رواه الإمام مالك من الأئمة الأربعة كما تعلمون في "موطئه"، والإمام أحمد في «مسنده»، والإمام مسلم في «صحيحه» بالسند الصحيح عن رجل ... [حصل هنا انقطاع صوتي] فيقول معاوية هذا يُحَدِّثُ عما وقع له في أول إسلامه، قال: «صلَّيت وراء النبي ﵌ يوماً، فعطس رجل بجانبي، فقلت له: يرحمك الله وهو يصلي، قال: فنظروا إلي هكذا .. فقلت: وا ثكل أمياه! والرجال يصلون، وا ثكل أمياه مالكم تنظرون إلي»؟،هو حديث عهد بالإسلام، ليس متعلم أحكام الصلاة كما ينبغي، (فلا يدري) هو أن الكلام في الصلاة يفسدها ويبطلها، ولذلك صاح بعادة الأعراب، ورفع عقيرته «وا ثكل أمياه، مالكم تنظرون إليَّ»:ماذا عملت أنا معكم، الجماعة يضربون على أفخاذهم تسكيتاً له، بلا شك الرجل صلى وما درى كيف صلى، يريد أن يعرف ما هو ذنبه، لكن بلا شك بصفةٍ عامة أنه فهم أن الجماعة ما عاملوه هذه المعاملة إلا أنه مخطئ، ولذلك هو يتصور الآن أن هذا النبي الذي يصلى خلفه، تُرَى ماذا سيفعل به، وإذا به يفاجئ كما هو الأمر الطبيعي من الرسول ﵇، «فلما قضى رسول الله ﵌ الصلاة أقبل إليّ، فو الله ما قهرني، ولا كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، وإنما قال لي: إنما هذه صلاة لا يصلح فيها من كلام الناس، إنما هي تسبيح وتكبير وذكر وتلاوة للقرآن» هذا كل شيء فعله معه، ولا شك أن الواحد منا عندما يبدو أنه
стр. 2632
أخطأ خطأً مع رجل كبير، يتصور أن هذا الكبير سينهره وسيقهره، وإذا به يُفاجأ بما هو المفروض واللائق بالرسول، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران:١٥٩)، وإذا به لم ير منه إلا التعليم، وكأنه لم يصنع شيئاً: «لا يصلح فيها شيء من كلام الناس .. » إلى آخره.
فلما رأى هذا اللطف، وهو يشعر الآن بأنه بحاجة إلى أن يتعلم، فأخذ يلقي السؤال على الرسول ﵇، بعد السؤال، والرسول يجيبه، فقال: «يا رسول الله! إن منا أقواماً يأتون الكهان» المنجمين العرافين المسمون البصارة، قال: «فلا تأتوهم». الكلام موجز شَرْحُهُ معروفٌ عند العلماء.
قال: «يا رسول الله! إن منا أقواماً يخطون» الخط يعني: ضرب الرمل.
فقال ﵇: «قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطهم فذاكا» هذا يسميه العلماء بالتعليق بالمحال.
مداخلة: المقصود بالخط مش مفهوم؟ .. كلمة خط.
الشيخ: الرمل يا أستاذي، يكتبوا على الرمل، بعض المنجمين يستعملون الرمل كوسيلة بزعمهم لاكتشاف المغيبات، ألا يوجد عندكم هذا الشيء؟
مداخلة: معروف .. البصارة ...
مداخلة: كان أحد الأنبياء يستعمل هذه الطريقة؟
الشيخ: سآتيك بالكلام.
يقول الرسول ﵇ لهذا السائل: «قد كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه خطه فذاك» قلت آخر ما قلت: إن هذا يسميه العلماء بالتعليق بالمحال،
стр. 2633
أي: إن الله كان قد جعل لنبي من الأنبياء السابقين الضرب على الرمل وسيلة من الوسائل الخاصة به لاكتشاف بعض المغيبات؛ لذلك قال ﵇ لهذا السائل، لما قال له إن فينا أقواماً يخطون، كان جوابه: «قد كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطُّه منكم خطَّ ذاك فذاك» أي: مصيب، لكن هذا تعليق بالمحال، هذا مستحيل؛ لأن تلك كانت معجزة لذلك النبي.
قال: «يا رسول الله! إن منا أقواماً يتطيرون، قال: فلا يصدنكم» التطير: التشاؤم، معروف هذا، والتشاؤم اليوم بالرغم من أن الإسلام أبطله وقال: «لا طيرة» فتجد كثير من المسلمين بسبب إغراقهم في جهلهم يتطيروا، خاصة النساء منهن، يعني إنه الغسيل يوم كذا ما بيجوز، إدخال الصابون ما بيجوز يوم كذا، هذه خرافات كثيرة وكثيرة جداً، هذا كله تطير لا يجوز في الإسلام، لا طيرة في الإسلام.
قال: إن منا أقواماً يتطيروى قال:
«فلا يصدنكم» جواب في منتهى الحكمة واللطف وعدم التحذير والتضييق على الناس؛ لأنه لا يقول: لا تتطيروا، في فرق كبير جداً بين ما قاله ﵇: «لا يصدنكم» وبين ما لو كان القول: لا تتطيروا، لو قال لا تتطيروا تكليف بما لا يطاق، والله يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة:٢٨٦)، لكن كَلَّفهم
بما يطيقون.
أصل كلمة التطير مشتقة من الطير، وكانوا في الجاهلية من خرافاتهم وسخافاتهم، كان أحدهم إذا عزم على سفر، وخرج من داره لا بد ما يصادفه طير، هذا الطير الحيوان إذا طار يميناً، فالسفر ميمون في زعم هذا الإنسان ...
стр. 2634
إذا طار هذا الطير وهو الطير نفسه لو سُئل: «لماذا طرت يميناً» ما يدري، إذا طار يميناً فسفره ميمون، وإذا طار شمالاً فسفره مشؤوم، هذه عادة الجاهلية.
طار شمالاً يعود إلى بيته كل التخطيط الذي وضعه في هذا السفر يبطل بمجرد طيران الطير شمالاً ويساراً، فالرسول ﵇ أبطل هذه الطِّيَرة، لكن ما أبطلها كشيء يصدر من الإنسان فجأة دون تفكير، دون تخطيط، لكن أبطل التجاوب مع الطيرة، فقال: لا يصدنكم.
مثلاً إنسان أيضاً عزم على سفر، خرج من بيته آخذ الشنطة معه .. إلى آخره، وإذا بواحد يتشاجر مع شخص آخر، فيقول له: الله لا يوفقك. تجي طق في أذنه، يتشاءم منها، ويرجع، لكن لو كان مسلم متأدب بآداب الرسول لا يرجع، كلمة جاءت على الطاير مثل ذاك الطير، ما هو تأثيرها؟ ليس لها تأثير، لذلك قال ﵇: «لا يصدنكم»، فأنت سمعت كلمة فيها تشاؤم، لا تتجاوب معها، كونك تشاءمت لأول وهلة ما عليك مؤاخذة، لكن إذا تجاوبت معها فهنا تأتي المؤاخذة.
والآن يأتي الشاهد: قال: «يا رسول الله! عندي جارية ترعى غنماً لي في أحد، فسطا الذئب يوماً على غنمي» افترس الذئب ما شاء الله من غنم هذا الرجل.
قال: «وأنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فصككتها صكةً» أين كنتي؟! غافلة .. نائمة .. إلى آخره، حتى سطا الذئب على غنمي، طبعاً هو صكها هذه الصكة ثم ندم، لذلك يقول في تمام سؤاله: «وعليّ عتق رقبة» كأنه يقول: أَعِتْقُهَا يجوز لي كفارة؟ قال: «ائت بها» فلما جاءت قال لها ﵊: «أين الله؟ قالت: في السماء، قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال لسيدها: اعتقها فإنها مؤمنة».
стр. 2635
يقول أهل العلم: عرفت ربها في السماء كما قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦) إلى آخر الآية التي ذكرناها آنفاً، وعرفت أن محمداً عبده ورسوله في الأرض، فشهد لها بالإيمان، وقال لسيدها: «اعتقها» فعتقك إياها وفاء لنذرك أن تعتق رقبة.
الشاهد: أن في قصة ابن تيمية مع مجلس الاختبار والمناقشة والمناظرة، فذكر ابن تيمية من هذه الأحاديث ما شاء الله، منها الحديث الذي هو والحمد الله لا يزال شائعاً على ألسنة الناس: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
سمع كلام ابن تيمية قال الله، قال رسوله، مثلما قال ابن القيم في
الشعر السابق:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحاب ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذراً من التعطيل والتشبيه
سمع ابن تيميه يثبت وجود الله، وأنه فوق المخلوقات كلها، أما المشائخ، فإذا قيل لهم: أين الله؟! قالوا: لا ندري. فماذا كان جواب الأمير العاقل، قال: هؤلاء قوم أضاعوا ربهم.
فعلاً: ربنا الذي خلق الكون وكان الله - كما جاء في حديث عمران بن حصين في "صحيح البخاري"-: «كان الله ولا شيء معه، ثم خلق هذا الكون» بما فيه من سماوات من أرضين من جبال من وديان، من ملائكة، من جن، من إنس، من دواب، كيف لا يدرون أين الله، والآيات والأحاديث متواترة، كلها على أن الله
стр. 2636
عز وجل فوق المخلوقات كلها، ولذلك كان من أوراد المسلم إذا وضع جبهته ساجداً لربه أن يعظمه ويقول: سبحان ربي الأعلى.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (الأعلى:١)، من السنة إذا الإنسان سمع هذه الآية تتلى أن يقول: سبحان ربي الأعلى؛ لأن الله أمر في الآية أن يقول أحدنا: سبحان ربي الأعلى، فلما سمع المناظرة ذلك الأميرُ العاقل، الذي قاس بين الشيخ من جهة والمشايخ من جهة أخرى، قال: هؤلاء قوم أضاعوا ربهم.
فعلاً، هذه حقيقة نسمعها اليوم، ونلمسها لمس اليد، إما أن يقول: لا ندري، ويتبع هذا النفي إنكار السؤال الصادر من الرسول، الرسول قال للجارية: «أين الله» فالآن نسمع إنكار السؤال الصادر من الرسول، فضلاً أن يُقرِّوا الجواب الصادر من الجارية، والذي عليه شهد الرسول ﵇ لها بالإيمان، وبناء على ذلك أمر سيدها بأن يعتقها.
الناس اليوم إما أن يقولوا حقيقةً: إن الله في كل مكان، وهؤلاء هم الجهمية وبعض المعتزلة، وإما أن يقولوا جواباًَ عن سؤال الرسول للجارية: أين الله؟:لا ندري، وأنا سمعت أحد الخطباء ممن درست عليه الفقه وعلم النحو على المنبر، وفي مسجد إذا كان فيكم أحد يعرف دمشق جيداً، اسمه جامع التربة في العقيبة، سمعته يقول: الله لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه.
وأنا أقول يا جماعة وأظن ستؤيدونني جميعاً: لو قيل لأفصح العرب لساناً صف لنا المعدوم الذي لا وجود له، لما وسعته اللغة العربية الفصيحة كلها أن يصف المعدوم بمثل ما وصف هذا الشيخ -وهذا ... متلقيه من كتب-، بمثل ما وصف هذا الشيخ ربه، حيث قال: لا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا يسار، لا
стр. 2637
أمام، ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، هذا هو العدم يا جماعة.
بعض الفلاسفة ضغثاً على إبَّاله كما يقال، يقولون: لا متصل به ولا
منفصلاً عنه.
إذاً: هذا هو المعدوم، هذه وحدة الوجود فعلاً، لكن غلاة الصوفية يعلنوها صريحةً، لا هُوْ إلا هُوْ.
كل ما تراه بعينك فهو الله، لكن ناس آخرون على طريقة اللف والدوران، ويُصَلُّون ويصومون، لكن هذا مما تأثر به من منطق الفلاسفة، وما استطاعوا بسبب جهلهم بكتاب الله، وبحديث رسول الله، أن يردوا ذلك لمثل ما سمعتم من كلام عبد الله بن المبارك: «الله ﵎ فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه».
فهذه قصة وقعت لابن تيمية ﵀ مع المشايخ، والحاكم كما تعلمون أغلب الحكام ليس عندهم علم، لكن المفروض فيهم أن يكون عندهم عقل بالمعنى القياسي، يميزوا الصواب من الخطأ، فهو بعقله وفطرته السليمة قال عن المشايخ أهل العلم: هؤلاء قوم أضاعوا ربهم. فعلاً كلام صحيح.
"الهدى والنور" (٦٩/ ١٣: ٣٦: ٠٠)
[٨٤٢] باب الرد على المجسمة والمشبهة والمعطلة
[قال الإمام معلقاً على قول صاحب الطحاوية: "وتعالى [أي ربنا] عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات"].
قلت: مراد المؤلف ﵀ بهذه الفقرة الرد على طائفتين:
стр. 2638
الأولى: المجسمة والمشبهة الذين يصفون الله بأن له جسماً وجثة وأعضاء وغير ذلك تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
والأخرى: المعطلة الذين ينفون علوه تعالى على خلقه وأنه بائن من خلقه. بل يصرح بعضهم بأنه موجود بذاته في كل الوجود وهذا معناه حلول الله في مخلوقاته. وأنه محاط بالجهات الست المخلوقة وليس فوقها فنفى المؤلف ذلك بهذا الكلام. ولكن قد يَستغِلُّ ذلك بعض المبتدعة ويتأولونه بما قد يؤدي إلى التعطيل كما بينه الشارح رحمه الله تعالى وقد لخص كلامه الشيخ محمد بن مانع عليه الرحمة فقال (ص ١٠):
ومراده بذلك الرد على المشبهة, ولكن هذه الكلمات مجملة مبهمة وليست من الألفاظ المتعارفة عند أهل السنة والجماعة, والرد عليهم بنصوص الكتاب والسنة أحق أولى من ذكر ألفاظ توهم خلاف الصواب. ففي قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ رد على المشبهة والمعطلة, فلا ينبغي لطالب الحق الالتفات إلى مثل هذه الألفاظ ولا التعويل عليها, فإن الله سبحانه موصوف بصفات الكمال منعوت بنعوت العظمة والجلال, فهو سبحانه فوق مخلوقاته مستو على عرشه المجيد بذاته, بائن من خلقه, ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا, ويأتي يوم القيامة وكل ذلك على حقيقته, ولا نؤوله, كما لا نؤول اليد بالقدرة, والنزول بنزول أمره, وغير ذلك من الصفات, بل نثبت ذلك إثبات وجود لا إثبات تكييف. وما كان أغنى الإمام المصنف عن مثل هذه الكلمات المجملة الموهمة المخترعة, ولو قيل إنها مدسوسة عليه وليست من كلامه لم يكن ذلك عندي ببعيد إحساناً للظن بهذا الإمام, وعلى كل حال فالباطل مردود على قائله كائناً من كان, ومن قرأ ترجمة المصنف الطحاوي لا سيما في لسان الميزان عرف أنه من أكابر
стр. 2639
العلماء وأعاظم الرجال وهذا هو الذي حملنا على إحسان الظن فيه في كثير من المواضع التي فيها مجال لناقد. انتهى كلام ابن مانع ﵀.
التعليق على متن الطحاوية" (ص٣٣ - ٣٦).
[٨٤٣] باب الرد على المشبهة
[قال الإمام معلقاً عبى قول صاحب الطحاوية:"ولا يشبه الأنام"]:
فيه رد لقول المشبهة الذين يشبهون الخالق بالمخلوق قال : ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى: ١١).
وليس المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع فمن كلام أبي حنيفة ﵀ في " الفقه الأكبر ": لا يُشبه شيئاً من خلقه ولا يُشبِههُ شيءٌ من خلقه. ثم قال بعد ذلك: وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين: يعلم لا كعلمنا, ويقدر لا كقدرتنا, ويرى لا كرؤيتنا. انتهى.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٣)
[٨٤٤] باب رد تهمة التجسيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية
[قال الإمام في مقدمة "مختصر العلو" بعد أن ساق نصوصًا كثيرة عن السلف تثبت أن التفويض لم يكن مذهبهم كما يدَّعي أهلُ الأهواء]:
قلت: فهذا قُلٌّ من جُلٍّ النصوص التي سنراها في الكتاب وهي كلها متفقة على أن السلف كانوا يفهمون آيات الصفات ويفسرونها ويعينون المعنى المراد منها على ما يليق به ﵎.
стр. 2640
فلماذا لا يرفع الكوثري وأمثاله من الخلف رؤوسهم إلى هذه النصوص، ويظلون يصرون على أن السلف كانوا لا يفهمونها وإنما كانوا يُجرونها على ألسنتهم فقط دون تدبر لها وبيان لمعناها؟
والجواب: أحسن أحواله أن يكون حاله كحال الجويني الذي كان متأثراً بشيوخه من علماء الكلام، ولكنه لما كان مخلصا في علمه لله تعالى هداه الله ﵎ إلى عقيدة السلف في الاستواء وغيره مصداقاً لقوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ فهل كان الكوثري وأمثالُه من الطاعنين في أئمة الحديث والسلف مخلصين أيضا؟
من الصعب جدا أن نجيب عن هذا بالإيجاب؛ لكثرة ما نرى من عدائه الشديد - في كل تعليقاته - لأئمة السلف والتوحيد واستمراره على اتهامهم بالتجسيم والتشبيه وبصورة خاصة لابن تيمية منهم، مع رد هذا على المجسمة ومبالغته في ذلك في سائر كتبه، فلا نكاد نراه في صدد الرد على المعطلة إلا ويشرك معهم في الرد المجسمة كما يعرف ذلك كل من له دراسة لكتبه رحمه الله تعالى، ومن كلامه في هذا الصدد قوله في " الحموية " (ص ١٦٠):
"فمن قال: لا أعقل علماً ويداً إلا من جنس العلم واليد المعهودين، قيل له: فكيف تعقل ذاتاً من غير جنس ذوات المخلوقين؟ ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته فمن لم يفهم من صفات الرب الذي ليس كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه ".
قلت: وهذا قليل من كثير من كلامه الذي يدل دلالة قاطعة على أن شيخ الإسلام ابن تيمية هو منزه وليس بمشبه أو مجسم كما يفتري الكوثري، وقد نقل
стр. 2641
صديقه (١) العلامة أبو زهرة في كتابه " ابن تيمية " نصوصاً كثيرة من كلام ابن تيمية في موضع الصفات الإلهية ولخص عقيدته فيها تلخيصا جيداً لا تحامل فيه بل إنه قد برأه مما اتهمه الكوثري فقال (ص ٢٦٤):
"وليس في ذلك ما يتنافى مع التنزيه أو يخالف التوحيد أو يثبت مشابهة بينه سبحانه وبين الحوادث ".ثم قال (ص ٢٦٦ "):
"وينتهي بلا ريب إلى أن يثبت لله الاستواء واليد وغير
ذلك ولكن يقول: إن هذا كله بما يليق بذاته تعالى، لا نعرف حقيقته وعلينا
الإيمان به".
ولكنه عاد فنقل عن كتاب " رد شبه التشبيه " لابن الجوزي كلاما له ينتصر فيه للتأويل ويرد به على من يرميهم بالتشبيه فقال أبو زهرة (ص ٢٧٢) عقبه: " وهو مؤدى كلامهم، ومهما حاولوا نفي التشبيه فإنه لاصق بهم، وإذا جاء ابن تيمية من بعده بأكثر من قرن وقال: إنه اشتراك في الاسم لا في الحقيقة فإنهم إن فسروا الاستواء بظاهر اللفظ فإنه الاقتعاد والجلوس، والجسمية لازمة لا محالة، وإن فسروه بغير المحسوس فهو تأويل وقد وقعوا فيما نهوا عنه "
فأقول: " رويدك يا فضيلة الشيخ فأنت تعلم أن ابن تيمية لا يفسر الاستواء بشيء مما ذكرت وإنما بالعلو، وكتبه طافحة بذلك فلماذا أوهمت القراء خلاف الواقع، فهلا جريت على سننك في نقل أقوال ابن تيمية وأنت تشرح عقيدته ورأيه، أم ضقت ذرعاً بالتزام النقل الصحيح فأخذت تنسب إليه ما ليس بصحيح تارةً بالتلويح كما فعلت هنا وتارة بالتصريح كما فعلت في كتابك الآخر " المذاهب
стр. 2642
الإسلامية " إذ قلت في بحث " السلفية " والإمام ابن تيمية (ص ٣٢٠):
" وهكذا يثبتون كل ما جاء في القرآن والسنة عن أوصافه سبحانه ... ويثبتون الاستقرار على العرش "
فأين رأيت ابن تيمية يقول بالاستقرار على العرش علماً بأنه أمر زائد على العلو وهو مما لم يرد به الشرع، ولذلك رأينا مؤلفنا الحافظ الذهبي قد أنكر على بعض القائلين بصفة العلو التعبير عنها بالاستقرار كما نراه في الترجمة (١٥٨، الفقرة ٣٢٢)، ويقول أبو زهرة أيضاً (ص ٣٢٢) من كتابه المذكور:
" يقرر ابن تيمية أن مذهب السلف: هو إثبات كل ما جاء في القرآن من فوقية وتحتية واستواء على العرش " وقال في الصحف التي قبلها: " فيكرر هذا المعنى فيقول مؤكداً أن الله ينزل ويكون في فوق وتحت من غير كيف ".
فأين قرر ابن تيمية وأثبت لله تعالى صفة التحتية؟ غالب الظن أن الشيخ أبا زهرة فهم من أحاديث النزول التحتية المزعومة، ثم عزا ذلك لابن تيمية، كما فهم من آيات الاستواء: الاستقرار ثم عزاه إليه، وكل ذلك خطأ عليه كما يعلم ذلك من درس كتبه دراسة تفُّهم ووعي لا دراسة سريعة من أجل النقل عنه في ترجمته وتسويد صفحاتها.
ومثل هذا العزو منه لابن تيمية دلني على أنه لم يفهم ابن تيمية وعقيدته وأفكاره فهماً جيداً بل لعله لم يقرأ كل ما لابن تيمية من البحث والتحقيق في المسائل التي أثارها الشيخ أبو زهرة في ما طبع من كتب ابن تيمية فضلاً عن المخطوطة منها ككتابه المطبوع في المكتب الإسلامي: " شرح حديث النزول " فإن ابن تيمية ﵀ قد قرر فيه أنه لا يلزم من نزوله تعالى أن يصير العرش فوقه
стр. 2643
تعالى وهو تحت العرش؛ فإن هذا من طبيعة المخلوق والله ليس كمثله شيء كما سيأتي الإشارة إلى ذلك في ترجمة الإمام إسحاق بن راهويه من الكتاب تعليقاً على الفقرة (٢١١)(١) بل قد قال ابن تيمية في " منهاج السنة " (٢/ ٢٤٨):
(ومن ظن من الجهال أنه إذا نزل إلى سماء الدنيا كما جاء الحديث سيكون العرش فوقه ويكون محصوراً بين طبقتين من العالم؛ فقوله مخالف لإجماع السلف مخالف للكتاب والسنة كما قد بسط في موضعه "
وإن مما يؤكد ما ذكرته من عدم فهمه لابن تيمية أنه لم يقتنع لما لخصه هو نفسه عن ابن تيمية (ص ٢٧٦) من كتابه " ابن تيمية " فقال:
" إن ابن تيمية يرى أن الألفاظ في اليد والنزول والقدم والوجه والاستواء على ظاهرها ولكن بمعان تليق بذاته الكريمة كما نقلنا من قبل ".
لم يقتنع بصواب رأي ابن تيمية هذا مع أنه الحق الصراح بل أخذ يرد عليه بكلام هزيل مضطرب لا طائل تحته وهذا أحسن ما يقال فيه فقال عقبه:
" ومن هنا نقف وقفة: إن هذه الألفاظ وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسية ولا تطلق على وجه الحقيقة على سواها، وإذا أطلقت على غيرها سواء أكان معلوماً أم مجهولاً فإنها قد استعملت في غير معناها، ولا تكون بحال
من الأحوال مستعملة في ظواهرها بل تكون مؤولة، وعلى ذلك يكون ابن تيمية قد فر من التأويل ليقع في تأويل آخر، وفر من التفسير المجازي ليقع في تفسير مجازي آخر ".
стр. 2644
فقل لي بربك - أيها القارئ اللبيب - هل يقول هذا في ابن تيمية عالم كأبي زهرة فهم كلام ابن تيمية الذي نقله هو نفسه أكثر من مرة كقوله أنه لا يلزم من الاشتراك في الاسم الاشتراك في الحقيقة. ويبين ذلك ما نقله (ص ٢٦٥) عن " التدمرية " لابن تيمية (ص ١٢) أنه قال:
" إذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم؛ فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصص والتقيد، فلا يقول عاقل إذا قيل له: إن العرش شيء موجود، وإن البعوض شيء موجود: " إن هذا مثل هذا؛ لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود [وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود فوجود كل منهما يخصه لا يشركه غيره مع أن الاسم حقيقة في كل منهما] (١).
ثم علق أبو زهرة على هذا الكلام بما يوضحه قال:
" ولذا يقول ابن تيمية في هذا المقام:
" قد سمى الله نفسه حياًّ فقال سبحانه: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ وسمى بعض خلقه حياًّ فقال: ﴿يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي﴾ وليس هذا الحي مثل هذا الحي؛ لأن قوله " الحي " اسم لله مختص به وقوله ﴿يخرج الحي من الميت﴾ اسم للحي المخلوق مختص به وإنما يتفقان إذا أطلقا وجُرِّدا عن التخصيص ... "
стр. 2645
فهل تجد أيها القارئ أثرا للتأويل الذي زعمه أبو زهرة في تفسيره لهذه الأسماء والآيات، أم هو يصرح بأنها كلها حقائق تتناسب مع ذواتها وتختلف حقائقها باختلاف ذواتها، غير أن ما في الأمر أن ما كان منها محسوساً فمن الممكن أن نعرف حقيقته بخلاف ما كان غائباً عنا كصفات الله تعالى بل والجنة والنار فلا نعرف حقيقته، فقد ضرب لك أمثلة توضح للناس هذا الموضوع الخطير الذي كان الجهل به سبباً كبيراً لانحراف الناس في الصفات عن طريق السلف. فنحن جميعاً نقول: " الله موجود " كما نقول: " الخلق موجود "، ووجود كل منهما حقيقة تتناسب مع ذواتهما وتقول: " الله حي " و" وأنا حي " حياة كل منهما حقيقة تتناسب مع ذواتهما، وهكذا طرد ذلك في جميع الأسماء والصفات تجد كلام شيخ الإسلام واضحاً بيناً مقنعاً لكل ذي لب، وإذا كان الشيخ أبو زهرة لم يفهم كلام ابن تيمية وبناءً عليه نسب إليه التأويل خطأً، فهذا الخطب فيه سهل جداً بالنسبة لخطأ آخر في كلامه السابق فإنه إذا كان يعتقد " أن هذه الألفاظ وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسية، ولا تطلق على وجه الحقيقة على سواها، وإذا أطلق على غيرها سواء أكان معلوماً أم مجهولاً فإنها قد استعملت في غير معناها ... " إلخ كلامه السابق.
أقول: إذا كان الشيخ يعتقد هذا فإن معنى كلامه - لو كان يدري ما يقول - وهو يجادل شيخ الإسلام متأثراً بعلم الكلام: أن وجود المخلوق وحياته وعلمه واستواؤه وغير ذلك كله حقيقة، وأما وجود الخالق سبحانه وحياته وعلمه واستواءه وغير ذلك من صفاته فهي مجاز وليست بحقيقة، ولازمه أن الله غير موجود، وليس بحي، ولا هو يعلم، ولا هو مستو على العرش، ولا ولا ... إلخ ما هنالك من أساليب معروفة يقول بها الفلاسفة وبعض من تأثر بهم من المعتزلة
стр. 2646
وعلماء الكلام، نقول هذا لأن الشيخ - هدانا الله وإياه قال: " إن هذه الألفاظ وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسيةً " ووجوده الله وعلمه وحياته وسائر صفاته ليست حسية، وعليه فلا تطلق عليها كما قال إلا مجازاً فهل أحس الشيخ أين طَوَّحت به كلمته هذه؟ فإن كنت لا تدري ... فأقول: قد عرفنا معنى الوجود المحسوس والحياة المحسوسة والعلم المحسوس والاستواء المحسوس، فما هو معنى هذه الأسماء إذا أضيفت إلى الله تعالى وهو غير محسوس؟ فالجواب: إنه لا معاني لها وإنما هي أسماء له فقط كما تقوله المعتزلة تماماً كما حكاه الشيخ نفسه عنهم فإنه قال في " المذاهب " (ص ٣٠٣):
" نفى المعتزلة الصفات كما قررنا وأثبتها الأشعري، وقالوا إنها شيء غير الذات فقد أثبتوا القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، وقالوا: إنها غير الذات، وقال المعتزلة لا شيء غير الذات وإن المذكور في القرآن من مثل قوله تعالى: " عليم، وخبير، وحكيم، وسميع، وبصير، هو أسماء له تعالى ".
أي لا معاني لها وإنما هي كالأعلام المحضة المترادفة، ولذلك نعى ذلك عليهم العلماء ونسبوهم إلى التعطيل كما هو مبين في كتب شيخ الإسلام وغيره.
فهل يلتزم فضيلة الشيخ أبو زهرة ما لزمه من كلامه السابق من التعطيل الذي حكى مثله عن المعتزلة فيكون على ذلك مثلهم منكراً لصفات الله تعالى الثابتة بالقرآن والسنة، أم يتراجع عن تلك الكلمة لأنها زلة لسان ويلتزم المذهب الذي شرحه ابن تيمية شرحاً ليس من السهل الاستدراك عليه فيه، ومنه الاستواء؛ فيؤمن به على أنه صفة حقيقية لله تعالى تليق به، كما ينبغي أن يؤمن كذلك بجميع صفاته كالعلم والكلام ولا يصرفها إلى المجاز فيقع في التعطيل؟ كنت أرجو أن أعتبر تلك الكلمة منه زلة لسان صدرت منه، ولكن صدني عن ذلك هو نفسه
стр. 2647
حيث رأيته قد مال كما سيأتي إلى تفسير " الاستواء " بالمعنى المجازي وهو السلطان الكامل، وتفسير "النزول " بفيوض النعم الإلهية دون أن يتنبه الشيخ المسكين أن مثل هذا التفسير لازمه الكفر لأن تمام حديث النزول - كما يعلم - فيقول: ألا هل من داع فاستجيب له ألا ... ألا ... فهل الفيوض هي التي تستجيب وتغفر وتعطي أم الله لا شريك له.
وجملة القول فيما نقله الكوثري عن ابن تيمية أنه أراد أن يكون معه نزيهاً أديباً غير متأثر بموقف صاحبه الكوثري منه، ولكنه - مع الأسف - تغلب عليه أثر الصحبة فأخذ يطعن في عقيدة ابن تيمية ولكن تلويحاً لا تصريحاً كما يفعل صاحبه، وينسب إليه صراحةً ما لم يقله كما تقدم بيانه، ولا أقول إنه فعل ذلك عمداً كصاحبه لا؛ وإنما أُتي من سوء فهمه لكلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ومما يؤكد ذلك قوله عقب ما سبق نقله من كلامه الذي فيه " وعلى ذلك يكون ابن تيمية قد فر من التأويل ليقع في تأويل آخر ... ".فقال (ص ٢٧٧):
" ثم ما المآل وما الغاية من التفسير الظاهري أيؤدي إلى معرفة حقيقة أم لا يؤدي إلا إلى متاهات أخرى إنه يقول " يعني ابن تيمية ": إن الحقيقة غير معروفة فيقول: إن الله له وجه غير معروف الماهية ... وله استواء غير معروف الماهية ويد ... و ...
إننا بلا شك إذا فسرنا تلك المعاني (كذا قال ولعله سبق قلم وإنما أراد الألفاظ) بتفسيرات لا تجعلنا نحمله على مجهولات يكون ذلك التفسير أحرى بالقبول ما دامت اللغة تتسع له، وما دام المجاز بينا فيها؛ كتفسير اليد بمعنى: القوة أو النقمة، والاستواء: بمعنى السلطان الكامل، وتفسير النزول: بفيوض النعم
стр. 2648
الإلهية إلخ، ولا يعترض بأن (١) ذلك ليس فيه أخذ بالظاهر؛ لأن الذي اختاره ليس فيه أخذ بالظاهر ".
كذا قال ولو أردنا أن نبين ما تحته من الخطأ والبعد عن جادة الصواب الذي لا يجوز أن يقع فيه عالم مثله لطال بنا المقام أكثر مما تتحمله هذه المقدمة، ولكني أقول للشيخ كلمة موجزة:
ألا يكفيك يا فضيلة الشيخ مآلا وغاية أن تفهم أن الاستواء هو صفة لله غير صفة النزول، وأن هذه الصفة غير صفة السيطرة والإنعام وهكذا، كما يكفيك - فيما أرجو - أن تعتقد أن صفة السمع غير صفة البصر وأنهما غير صفة العلم، وأن لا تعطلهما وتنكر وجودهما بتأويلك إياهما بما يعود إلى أن المراد بهما صفة العلم كما يقوله بعض المعتزلة، وإن كان كثيرون منهم ينكرون جميع صفات الذات لله ﵎ كما نقلناه عنهم فيما سبق؟
بلى إنه يكفيك هذا، وإلا فما الفرق بين تفسيرنا تبعا للسلف لهذه الصفات على ظاهرها مع اعتقاد أن حقيقتها لا يعلمها إلا المتصف بها ؛ وبين إنكارك الاستواء مثلاً وإيمانك - فيما أظن- بتفسيرنا لسائر الصفات ككونه حياًّ قديراً مريداً حكيماً ... إلخ صفاته تعالى تفسيراً لها على ظاهرها دون تأويل أيضاً مع اعتقاد أن حقيقتها لا يعلمها إلا الله؟
الذي أعتقده وأقطع به: أن كل عاقل من أهل العلم لا بد من أن يسلم بأنه لا فرق بين هذا وهذا أبداً؛ إذ الكل يعود إلى صفات ذات الله تعالى، فكما أننا نؤمن
стр. 2649
بذاته تعالى دون أن نعلم كنهها وحقيقتها، فكذلك القول في صفاته سبحانه ولا فرق، وإذا كان الأمر كذلك فإما أن يؤمن الشيخ معنا بحقائق الصفات ومنها الاستواء على ما شرحنا، وإما أن يتأولها كلها وبذلك يُلْزَم بإنكار وجود الله تعالى؛ لأنه لا يعرف حقيقته، وكل ما لا يعرف حقيقته كالاستواء فهو يتأوله، وهذا ما وقع فيه الباطنية وكثير من الفلاسفة وقارب ذلك المعتزلة ومن تأثر بهم من علماء الكلام كما فصل ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتبه الكثيرة جزاه الله عن الإسلام خيراً.
"مختصر العلو" (ص٣٨ - ٦٤).
стр. 2650
جماع أبواب ذكر بعض من رجع
إلى عقيدة السلف في الأسماء والصفات
стр. 2651
[٨٤٥] باب ذكر ما آلت إليه عقيدة الجويني إمام الحرمين وأبيه
[قال الذهبي في "العلو"]:
قال أبو منصور بن الوليد الحافظ في رسالة له إلى الزنجاني: أنبأنا عبد القادر الحافظ بِحرَّان, أنبأنا الحافظ أبو العلاء, أنبأنا أبو جعفر بن أبي علي الحافظ, قال: سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ فقال كان الله ولا عرش, وجعل يتخبط في الكلام, فقلت: قد علمنا ما أشرت إليه فهل عندك للضرورات من حيله .. ؟ فقال: ما تريد بهذا القول, وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلت: ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق, فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة؟ فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت, وبكيت وبكى الخلق, فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح ياللحيرة, وخرق ما كان عليه وانخلع وصارت قيامة في المسجد, ونزل ولم يجبني إلا: يا حبيبي الحيرة الحيرة, والدهشة الدهشة. فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون سمعناه يقول حيرني الهمداني, توفي إمام الحرمين في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة, وله ستون سنة, وكان من بحور العلم في الأصول والفروع يتوقد ذكاء.
[قال الإمام في "مختصر العلو"]:
قلت: وإسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالحُفَّاظ، وأبو جعفر اسمه محمد بن أبي علي الحسن بن محمد الهمداني مات سنة (٥٣١)، وقد وصفه ابن تيمية في " مجموعة الفتاوى" (٤/ ٤٤) بـ" الشيخ العارف ".
ويبدو لي أن هذه الحيرة كانت قبل استقرار عقيدة أبي المعالي الجويني على
стр. 2652
المذهب السلفي، بل لعلها كانت المنطلق إلى هذا الاستقرار الذي أبان عنه فيما سبق من كلامه في " الرسالة النظامية " (١) , وما أشبه حاله بحال أبيه العلامة أبي عبد الله بن يوسف الجويني، فقد كان برهة من الدهر متحيراً في هذه المسألة " الاستواء " وسواها من مسائل الصفات، بسبب تأثره بعلم الكلام الذي تلقاه عن شيوخه، ثم استقر أمره - والحمد لله - على العقيدة السلفية فيها، كما شرح ذلك هو نفسه أحسن الشرح في رسالته القيمة في " إثبات الاستواء والفوقية " وهي مطبوعة في المجلد الأول من " مجموعة الرسائل المنيرية " (ص ١٧٠ - ١٨٧) وإني لأستغرب كيف فات ذكر هذا الإمام على الحافظ الذهبي في جملة
هؤلاء الأئمة الإعلام الذين قالوا بقول السلف في هذه المسألة الهامة، ولكن جَلَّ من لا ينسى.
" مختصر العلو" (ص٢٧٧).
[٨٤٦] باب هل تصح نسبة كتاب «دفع شبة التشبية» لابن الجوزي؟ وبيان رجوع ابن الجوزي لمذهب السلف
سؤال: فضيلة الشيخ، هناك استفسار لأني قرأت أنا في كتاب المدعو السقاف، قرأت في المقدمة أنه يقول: أن الإمام الذهبي ﵀ قد ألف كتابه العلو وهو في العشرينات من عمره، فهل صحيح ...
الشيخ: يا أخي! بارك الله فيك، أنا قلت لك في السيارة لا تُقِم وزناً لهذا
стр. 2653
الرجل .. هذا رجل دجال، إذا كان ألف هذا الكتاب في أول أمره وهل مات عنه وهو راض عنه أم منكر له؟ هذا كله تركيب كلام من أجل توهيم على العوام، لا تُقِم لهذا وزناً يا أخي! هذا رجل كذاب ..
مداخلة: هناك كتاب طبع حديثاً: «دفع شبه التشبيه»، هل يصح نسبته إلى
ابن الجوزي؟
الشيخ: مع الأسف النسبة إلى ابن الجوزي صحيحة، وابن الجوزي من بين الحنابلة .. جماهير الحنابلة في الصفات أشعري، ثم جاء هذا السخاف هذا فطبع هذا الكتاب على كيفه! كما يقولون عندنا في الشام، وعلق عليه تعليقات زاد في الطين بلة وفي الطنبور نغمة، وكلما جاء ابن الجوزي بنقل عن بعض الحنابلة المتأخرين وضع هو السخاف في طبعته الجديدة بين هلالين: فلان مثلاً ابن أبي يعلى المجسم .. المجسم، فالذي لا يعرف الحقيقة يتوهم أن هذه الصفة من المؤلف، وهو ابن الجوزي بينما هو الذي طبع هذا الكتاب، وهو السقاف هذا .. هو حشر عديداً من هذه الكلمات في ترجمة كثير من الحنابلة تضليلاً أيضاً للعوام.
الكتاب صحيح النسبة إلى ابن الجوزي، لكن ابن الجوزي له كلمات في تفسيره المسمى بـ" زاد المسير" يخالف كثيراً مما ذكره في هذا الكتاب.
علي حسن: فضيلة الشيخ حول هذا، الله يبارك فيكم أستاذي، شيخ الإسلام ابن تيمية ينقل «في درء التعارض» عن ابن الجوزي أنه رجع إلى عقيدة السلف في آخر عمره وذلك في كتاب له سماه «الانتصار لأصحاب الحديث»، وهناك كتاب شيخنا طبع قريباً منذ نحو عشر سنوات في مصر، عندي منه نسخة اسمه: مجالس في الآيات المتشابهة ..
الشيخ: له؟
стр. 2654
مداخلة: لابن الجوزي، يسرد فيه عقيدة السلف تماماً، ولعل هذا شيخنا بعد ما كتب له أبو إسحاق العلفي وهو أحد معاصريه كما ينقل ابن رجب في ذيل الطبقات كتب له رسالة يعاتبه فيها، وهي رسالة قوية جداً في الحقيقة ويشتد عليه، فيقول: كيف تخالف إمامك .. كيف تخالف المنهج الحق .. كيف كذا .. فلعل هذا، يعني: فلعل رجوعه أثر عن ذلك الإنكار الذي حصل في عصره.
الشيخ: هذا الكتاب أولى أن يقال بأنه ألفه ابن الجوزي في حداثة علمه ثم رجع عنه، وهذه فائدة سجلت والحمد لله، لكن أنا رأيت له بعض الكلمات في تفسيره يخالف فيها ما ذكره ..
مداخلة: مسألة الاستواء ﴿الرحمن على العرض استوى﴾ يَردُّ فيها على من أوَّل الاستواء بالاستيلاء، بينما هناك يفسر الاستواء بالاستيلاء.
الشيخ: هو هذا! وهذا أنا ذكرته في بعض تعليقاتي التي ستخرج ... إن
شاء الله.
مداخلة: فضيلة الشيخ ما قرره السقاف في مقدمة هذا الكتاب من رد خبر الآحاد في مجال العقيدة، ما تعليقكم على هذا الأمر؟
الشيخ: أيضاً هذا ..
علي حسن: أخونا مشهور شيخنا الآن يتعقب هذا الكلام كله.
الشيخ: نحن لنا رسالتان مطبوعتان من قديم في أن حديث الآحاد تثبت به العقيدة، والرد على المنكرين لذلك، فإذا تيسر لكم الاطلاع عليه فيكون القضاء المبرم على هذه الدعوى الباطلة، نعم.
"الهدى والنور" (٧٩٥/ ١٤: ٥٣: ٠٠)
стр. 2655
أسماء الله تعالى
(جماع أبواب قواعد في أسماء الله تعالى)
стр. 2656
[٨٤٧] باب تقسيم أسماء الله الحسنى من حيث معرفة الناس بها من عدمها
السائل: حديث الرسول ﵌: «اللهم أسألك بكل اسم هو لك» (١) إلى نهاية الحديث، إلى أن قال فيه: «أو علمته أحد من خلقك» فهل هذا يعني نريد توضيح لهذه الكلمة، وهل هذا يعني أن هناك من الخلق من يعلم بأسماء يختص الله بها أحد من الناس؟
الشيخ: لا ليس هذا معنى الحديث؛ لأنه جاء في فيما بعد: «أو استأثرت به بعلمك» فليس معنى: ما استأثر به يعلمه أحد، لكن هناك الحديث الذي جاء في الصحيحين مختصرًا، ثم جاء مفصلًا في سنن الترمذي وغيره، التفصيل لا يصح، أما المختصر فهو الصحيح، وهو قوله ﵊: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» فأسماء الله التي يترتب على إحصاءها هذا الوعد الصادق، وهو أن يدخل الجنة من أحصاها فهي
تسعة وتسعون، لكن هذا لا يعني أن أسماء الله محصورة في تسعة وتسعين اسمًا.
نستطيع أن نقول: بأن أسماء الله تنقسم إلى قسمين:
قسم استأثر به بعلمه الخاص الذي لا يشاركه فيه أحد، وقسم مما علمه للناس: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة:٢٥٥) فالله هذا القسم الذي يتعلق بالعباد وبعلم العباد ينقسم إلى قسمين:
стр. 2657
قسم يشترك فيه عامة المسلمين من خواصهم من علمائهم، فهي الظاهرة في بعض نصوص الأحاديث الصحيحة فضلًا عن القرآن الكريم، لكن هناك أسماء أخرى لا يشترك كل الناس في معرفتها إلا من كان على سعة وبسطة من العلم، فهذا هو المقصود: "أو علَّمته أحدًا من خلقك" وليس مما استأثر به هو ﵎، وضح أظن الآن المراد تمامًا؟
يعني مثلًا: هناك حديث يقول: «يا حنان يا منَّان» (١) فهذا الاسم لإثباته ينبغي أن نعرف الحديث الذي جاء فيه هذا الاسم أولًا، ثم ينبغي أن نعرف: هل هذا الحديث ثابت وصحيح ثانيًا أم لا؟ هل كل الناس يشتركون في معرفة هذا؟ الجواب: لا، فإذًا: من وقف على هذا الحديث ثم تبين صحة هذا الحديث عرف أن من أسمائه ﵎، الحنان المنان، أما الذين لا علم عندهم فيقولون: إنه سميع وبصير؛ لأن هذه الأسماء مبثوثة في آيات كثيرة فيشترك في معرفتها كل الناس، أما بعض الأسماء التي وردت في بعض النصوص من السنة وقد يكون شيء من ذلك أيضًا في القرآن فيختص بمعرفة ذلك بعض الخاصة من أهل العلم.
هذا الذي يعني به الحديث الذي ذكرته آنفًا.
مداخلة: هناك نقطة .. بالنسبة لأسماء الله وقفت على أربع مؤلفات صغيرة لبعض العلماء المعاصرين من جهة، فحصرت الأسماء الموجودة وجدتهم مختلفين يعني: من هذا من هذا كل واحد عنده زيادة أسماء، وهذا لا يأتي ببعض الأسماء، فلما جمعت الأسماء وجدت مائة وسبعة عشر، كلهم وقفوا على صحتها ... هذا أيضًا دليل على أن بعضهم علم وبعضهم ..
стр. 2658
الشيخ: هذا صحيح، لكن على كل حال: هذا ينبغي أن نلاحظ أن الذين ذكروا بعض الأسماء هل ذكروا أدلتها؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: ومن السنة الصحيحة، فحينئٍذ يكون الملاحظة في محلها، لكنهم قد يذكرون بعض الأحاديث، وقد لا تصح هذه الأحاديث.
"فتاوى جدة - الأثر -" (٣٠/ ٠١:٠٨:٠٤)
[٨٤٨] باب وهل تشتق الأسماء من الصفات ؟
سؤال: كلام السائل، قال: روى الإمام مسلم ﵀ عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﵌: «أن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» قال السؤال: هل يجوز تسمية الله تعالى بالطيب واعتباره من أسمائه تعالى؟
الشيخ: نعم، يقال: الطيب، كما جاء في هذا الحديث في صحيح مسلم،
«إن الله طيب ولا يقبل إلا طيبًا» يظهر أن هذه صفة وليست اسمًا علمًا يوصف
ربنا بهذه الصفة ولا يطلق عليه اسمًا، هذا هو الجواب عن السؤال،
أنت السائل؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: تريد شيئًا آخر؟
مداخلة: أريد يا شيخ أيضًا: هل يشتق من الصفات أسماء لله ؟
الشيخ: لا.
стр. 2659
مداخلة: طيب! هذه صفة مشتق منها اسم.
الشيخ: وما هي؟
مداخلة: إن الله طيب، صفة لله .
الشيخ: ... نصفه لكن لا نسميه.
مداخلة: لا نسميه، أي: لا نقول: إن من أسماء؛ لأني حضرت مجلسًا لأحد المشايخ فكان يطلب فوائد من هذا الحديث، فذكر أحد الجالسين من الطلبة بهذا اللفظ قال: نستفيد من هذا الحديث أن الله يسمى بالطيب، فسألت هذا الشيخ قلت له: يا شيخ، هل هذا صحيح، يشتق من الصفة اسم؟ قال: نعم، يسمى الله بالطيب، ....
الشيخ: ... لو قال: الطيب، كما جاء في بعض الأسماء كنا نسميه، لكن هو جاء هناك صفة لله ، فهو صفة.
مداخلة: من الخطأ أن يطلق اسمًا.
الشيخ: نعم، اسمًا هكذا مفردًا لا.
"رحلة النور" (٤١أ/٠٠:٠٤:٢٨)
[٨٤٩] باب إذا جاءت صفة لله على وزن اسم الفاعل فهل نعدها اسمًا لله تعالى، وهل "الدليل" من أسماء الله ؟
مداخلة: هنا يقول السائل: في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف:١٨٠) ومعلوم أن أسماء الله توقيفية لكن نجد بعض السلف كابن منده في كتابه التوحيد يجعل من أسماء الله صفات لله جاءت على وزن ... قال تعالى:
стр. 2660
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ (الفرقان:٣١) و"الدليل" كما جاء عن الإمام أحمد يا دليلَ الحائرين، وذكره شيخ الإسلام، فما الضابط في ذلك لديكم؟
الشيخ: هو ما جاء في السؤال أسماء الله توقيفية، فلا يشتق لله اسم من صفة تكون ثابتة له ﵎، فالتوقف في هذا الموقف أهم شيء فيما أنه يتعلق في ذات الله ﵎، فلا يجوز مناداته ولا تسميته إلا بما ثبت ذلك في السنة، اللهم إلا إذا جرى على لسان أحد لفظ ولم يلتزمه فلا بأس من وراء ذلك؛ لأن المعنى من حيث دلالة العمومات من الأدلة فهو صحيح، فالله ﵎ دليل الحائرين، ولكن لم يأت هذا في أسمائه ﵎ لا في الكتاب ولا في السنة فالأولى عدم قيامه، نحن نقول مثلًا: الله موجود، وهذا تعبير عن حقيقة قائمة ووجوده ليس كوجود المخلوقات لكن ليس من أسمائه تعالى أنه موجود، كما أننا قد نقول بالنسبة لرب العالمين أنه سخي لكن لا نسميه؛ لأنه ليس من أسمائه السخي وإنما هو الكريم وعلى هذا نلتزم الوقف في أسمائه ﵎، نعم.
مداخلة: السؤال ما الضابط من ناحية ما ورد في السؤال على وجه اسم الفاعل مثل هادي هل نجعلها أسم من أسماء الله تعالى هادي الهادي؟
الشيخ: إذا لم يأت ما ينفي ذلك فلا أرى مانعًا في ذلك ...
"رحلة النور" (٣١ب/٠٠:٠٤:٢٦)
[٨٥٠] باب ما قد يستدل به على أن الاسم والمسمى واحد
[قال رسول الله ﵌]:
" إن هذا الحي من مضر، لا تدع لله في الأرض عبداً صالحاً إلا فتنته وأهلكته حتى يدركها الله بجنود من عباده، فيذلها حتى لا تمنع ذنب تلعة ".
стр. 2661
[قال الإمام]:
وللحديث شاهد بنحوه، ولفظه: " لتضربن مضر عباد الله حتى لا يعبد لله اسم، وليضربنهم المؤمنون حتى لا يمنعوا ذنب تلعة ".أخرجه أحمد (٣/ ٨٦ - ٨٧): حدثنا خلف بن الوليد حدثنا عباد بن عباد عن مجالد ابن سعيد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري مرفوعا. قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات غير مجالد بن سعيد، وليس بالقوي كما في " التقريب ".وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٧/ ٣١٣): " رواه أحمد، وفيه مجالد بن سعيد، وثقه النسائي، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات ".قلت: إنما وثقه النسائي مرة، وقال مرة أخرى: ليس بالقوي، كما في " التهذيب "، وقد أورده في كتابه " الضعفاء والمتروكون"، وقال (رقم ٥٥٢): " كوفي ضعيف ".
وخلف بن الوليد ثقة من رجال " التعجيل "، وقد تابعه إبراهيم بن زياد، سبلان قال: حدثنا عباد بن عباد به دون قوله: " وليضربنهم المؤمنون .. ".أخرجه اللالكائي في " أصول السنة " (١/ ٢١٠/٣٤٢).وعزاه السيوطي في " الجامع الكبير " لأحمد وحده، ووقع فيه: " .. حتى لا يُعبَد اللهُ "، فكأنه تحرفَّ على الناسخ قوله: " حتى لا يعبد لله اسم ".واستدل به اللالكائي على أن الاسم والمسمى واحد، ونِعْمَ الدليل لو صح بهذا اللفظ. والله أعلم.
" الصحيحة" (٦/ ١/٥٧٦، ٥٧٩ - ٥٨٠).
стр. 2662
جماع أبواب الكلام على عدد الأسماء الحسنى، وهل ذُكرت في حديث، ومعنى حديث من أحصاها دخل الجنة
стр. 2663
[٨٥١] باب هل وردت الأسماء الحسنى في حديث ؟
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة غير واحد، ما من عبد يدعو بهذه الأسماء إلا وجب له الجنة، إنه وتر يحب الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السلام ... إلى قوله: الرشيد الصبور».
(ضعيف).
[قال الإمام]:
أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (١٠/ ٣٨٠) من طريق أبي العباس القاسم بن القاسم السياري: حدثنا أحمد بن عباد بن سلم - وكان من الزهاد -: حدثنا
محمد بن عبيدة النافقاني: حدثنا عبد الله بن عبيدة العامري: حدثنا سورة بن شداد الزاهد عن سفيان الثوري عن إبراهيم بن أدهم عن موسى بن يزيد عن أويس القرني عن علي بن أبي طالب مرفوعا، وقال في آخره: " مثل حديث الأعرج عن أبي هريرة.
حديث الأعرج عن أبي هريرة صحيح متفق عليه. وحديث الثوري عن إبراهيم فيه نظر، لا صحة له ".قلت: وحديث الأعرج الذي أشار إليه أبو نعيم والمتفق عليه؛ ليس فيه " ما من عبد ... " إلخ، ولا فيه سرد الأسماء، وإنما جاءت الأسماء في بعض الطرق الواهية كما بينته في " تخريج المشكاة " (٢٢٨٨).
"الضعيفة" (٦/ ٧٦ - ٧٧).
стр. 2664
[٨٥٢] باب هل صح حديثٌ في تحديد أسماء الله الحسنى؟
وما معنى قوله ﵌: «من أحصاها دخل الجنة ؟»
سؤال: فضيلة الشيخ! ما مدى صحة حديث تحديد أسماء الله؟
الشيخ: تحديد! المقصود حصر أسماء الله، هناك روايتان:
إحداهما: رواية صحيحة، والأخرى: ضعيفة، أما الرواية الصحيحة: فما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة» هذا هو الصحيح .. [أما الحديث] المذكور في سنن الترمذي وغيره من كتب السنة له علتان:
العلة الأولى: أن السند في هذه الزيادة التي فيها عدد الأسماء لا يصح، ومع عدم الصحة فهو مخالف للحديث الصحيح حيث اقتصر على قوله: «مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة» ثم لم يذكر تلك الزيادة، فيمكن اعتبار هذه الزيادة زيادة شاذة.
وشيء آخر: أن هذه الأسماء تختلف الروايات في عَدِّها فمنهم من يذكر اسمًا بدل اسم آخر، ولذلك هذا الفضل المذكور في هذا الحديث وهو: «من أحصاها دخل الجنة» في الحقيقة ليس المقصود به أن يحفظ الإنسان هذه الأسماء المسرودة في بعض المصنفات كالترمذي، وإلا لكان دخول الجنة ميسراً بينما ذلك على خلاف الحديث الصحيح، ألا وهو قوله ﵊: «حفت الجنة بالمكارة وحفت النار بالشهوات» (١) فأي مكروه في أن يحفظ الإنسان تسعة
стр. 2665
وتسعين اسماً في كتاب ما؟!
نحن ليس عندنا دليل من السنة على أن المسلم إذا قرأ القرآن من أوله إلى آخره دخل الجنة، فكيف يعقل أن يكون في السنة مثل هذا التكليف اليسير ويكون له ذلك الأجر العظيم، من أحصى تسعة وتسعين اسماً مسطورة في كتاب دخل الجنة، ليس هذا هو المقصود، أنا أعتقد أن كبار أهل العلم بالحديث وبتتبع طرق الحديث نادر جداً من وفق لهذا الإحصاء الذي ربط به دخول الجنة؛ لأن المقصود بهذا الإحصاء هو تتبع أسماء الله ﵎ في كتاب الله وفي أحاديث رسول الله ﵌ أولاً، ثم الوقوف عند هذا العدد، وهنا الدقة في الموضوع والصعوبة التي إذا قام بتحقيق هذا الأمر مسلم ما كان أن جوزي بدخول الجنة.
إن هذا الحديث لا يعني أنه ليس لله من الأسماء إلا تسعة وتسعين اسماً ليس هو المقصود لأنه قد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك» فهناك استئثار من الله لبعض الأسماء لا يعرفها الناس، فأسماء الله أكثر من تسعة وتسعين اسماً لكن الأسماء التي لها هذه الفضيلة: «من أحصاها دخل الجنة» هي تسعة وتسعون اسماً وأكد ذلك بقوله: «مائة إلا واحداً» فالمقصود أن من استخرج هذه الأسماء من كتاب الله ومن حديث رسول الله بطلب وصبر وثبات ثم وُفِّق إلى ذلك فقد دخل الجنة يقيناً، ومن أين لنا أن نعرف ذلك؟ لا سبيل إلى ذلك وإنما فيه الحض على هذا العمل العظيم.
وأنا فيما علمتم لم أجد أحداً من علماء المسلمين قد قام بتتبع وإحصاء الأحاديث .. بتتبع الأحاديث وإحصاء الأسماء الحسنى كما فعل الحافظ ابن حجر