← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

[قال الإمام]: قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: إنما أضاف المرض إليه والمراد العبد - تشريفاً للعبد وتقريباً له، قالوا: ومعنى «وجدتني عنده» أي: وجد ثوابي وكرامتي، ويدل عليه قوله تعالى في تمام الحديث: «لو أطعمته لوجدت ذلك عندي»، «لو سقيته لوجدت ذلك عندي»؛ أي: ثوابه، والله أعلم. "التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٤٠٧). (الدار) [٩٧٧] باب هل ثبتت إضافة الدار لله تعالى ؟ [جاء في رواية البخاري لحديث الشفاعة الطويل عن النبي ﵌ قال]: فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول ارفع محمد، وقل يُسمع، واشفع تُشَفَّع، وسل تعط ... الحديث. [قال الإمام]: أنا في شك كبير في ثبوت ذكر "الدار" في هذا الحديث؛ لأنه قد رواه جمع من الثقات عن قتادة به، بدون هذه الزيادة "ثم دلل على عدم ثبوتها". "مختصر صحيح البخاري" (٤/ ٣٥٤).

стр. 2837

(الشرف) [٩٧٨] باب حكم قول بعضهم: بشرف الله سؤال: بعض الناس عندما يستغرب من شيء يقول بشرف الله هل هذا الشيء يجوز، وهل يعتبر هذا من باب التجسيد وصف الله بما لا يليق به سبحانه؟ الشيخ: ... لا يجوز أن يوصف ربنا إلا بما وصف به نفسه ولو كانت هذه الصفة في عرف الناس صفة تشريف وتبجيل وتقديس، فما دام أن هذه الصفة لم ترد في الكتاب ولا في السنة فلا يجوز أن يُوصًف الله بذلك، لقد ذكر العلماء أن الله يُوصف بأنه كريم لكنه لا يوصف بأنه سخي والسخاء في اللغة العربية ربما -وأعني ما أقول- وربما يكون بمعنى الكرم وأقول بذلك متحفظاً؛ لأن بعض الفقهاء في اللغة قد يُفرِّقون بين لفظين مترادفين عند عامة الناس كأمثالنا في اللغة ولكن قد يكون الأمر في كثير من الأحيان لا فرق في اللغة بين لفظين مترادفين، فقد يقول: الإنسان الشمس طلعت، وقد يقول: ظهرت، وقد يقول أشرقت، وقد يقول: بانت، وكل هذه الألفاظ ألفاظ مترادفة لكن بانت تتميز عن الألفاظ الأخرى لأنها من ألفاظ التضاد فيقال في اللغة إذا أشرقت الشمس بانت الشمس، وإذا غربت الشمس أيضاً يقال بانت الشمس، لفظان مترادفان، ولهذا أمثلة كثيرة في اللغة يقال رجل جليل أي عظيم، ويقال: رجل جليل أي حقير، السياق والسباق هو الذي يُخصِّص المراد من اللفظ الذي له معنيان

стр. 2838

متقابلان. الخلاصة: ربنا لا يُوصف بأنه شريف أو بأنه له شرف لأن هذه الصفة لم ترد كما قلنا في التضاد. -من يقول هذا، أقول له: هذا لا يجوز؟ -طبعاً، لكن هل نقول له لا يجوز؛ وهو ينكر لا يُؤمن بالله من أصله، المسألة هنا قضية أخرى يعنى تدخل في سياسة الدعوة، أما إنه هذا لا يجوز؟ لا يجوز. "الهدى والنور" (٥٤٢/ ١٤: ١٦: ٠٠)

стр. 2839

(أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض) [٩٧٩] باب ما روي عن النبي ﵌ أنه قال: «الحجر يمين الله ... » [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح بها عباده». (منكر). [قال الإمام]: وإذا عرفت ذلك "أي: كون الحديث منكراً"، فمن العجائب أن يسكت عن الحديث الحافظ ابن رجب في " ذيل الطبقات " (٧/ ١٧٤ - ١٧٥) ويتأول ما روي عن ابن الفاعوس الحنبلي أنه كان يقول: " الحجر الأسود يمين الله حقيقة "، بأن المراد بيمينه أنه محل الاستلام والتقبيل، وأن هذا المعنى هو حقيقة في هذه الصورة وليس مجازاً، وليس فيه ما يوهم الصفة الذاتية أصلا، وكان يغنيه عن ذلك كله التنبيه على ضعف الحديث، وأنه لا داعي لتفسيره أو تأويله لأن التفسير فرع التصحيح كما لا يخفى. "الضعيفة" (١/ ٣٩٠، ٣٩٢).

стр. 2840

(النَفَس) [٩٨٠] باب معنى قوله ﵌: «إني أجد نَفَسَ الرحمن من هنا» يشير إلى اليمن [قال رسول الله ﵌]: «إني أجد نفس الرحمن من هنا- يشير إلى اليمن». [قال الإمام]: يبدو أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يذهب إلى ثبوت الحديث، فقد رأيتهُ سُئل عن حديث: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، وعن هذا الحديث في "مجموع الفتاوى" (٦/ ٣٩٧ ـ ٣٩٨)؟ فضعف الأول، دون هذا، وقال مبيناً معناه، وأنه ظاهر فيه؛ فقال: "فقوله في: "اليمن " يبين مقصود الحديث؛ فإنه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظن ذلك، ولكن منها جاء الذين يحبهم ويحبونه، الذين قال فيهم: ﴿من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾؛ وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية؛ سئل عن هؤلاء؛ فذكر أنهم قوم أبي موسى الأشعري (١). وجاءت الأحاديث الصحيحة، مثل قوله: "أتاكم أهل اليمن، أرق

стр. 2841

قلوباً، وألين أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية " (١).وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة، وفتحوا الأمصار، فبهم نَفَّس الرحمن عن المؤمنين الكربات، ومن خصص ذلك بأويس؛ فقد أبعد". قلت: وعلى هذا المعنى فليس الحديث من أحاديث الصفات، ولذلك لم يورده الحافظ الذهبي في جملة أحاديثها في كتابه "العلو" الذي كنت اختصرته، وهو مطبوع، خلافاً للشيخ زاهد الكوثري الذي غمز من صحته كما تقدم مع الرد عليه، ولذلك كذَّب ابن تيمية ﵀ ما حكاه الغزالي عن بعض الحنابلة أن الإمام أحمد لم يتأول إلا ثلاثة أشياء؛ منها هذا الحديث، فقال (٥/ ٣٩٨): "فهذه الحكاية كذب على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد، ولا يُعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه، وهذا الحنبلي مجهول لا يعرف ". ثم رأيت ابن الأثير قد أورد الحديث في مادة (نفس) من "النهاية "، وقال: "قيل: عنى به الأنصار؛ لأن الله نفَّس بهم الكُرَب عن المؤمنين، وهم يمانون؛ لأنهم من الأزد، قال الأزهري: (النفس) في الحديث اسم وضع موضع المصدر الحقيقي من: نَفَّس يُنَفسِّ تنفيساً ونفساً)، كما يقال: (فرج يفرج تفريجاً وفرجاً)؛ كأنه قال: أجد تنفيس ربكم من قِبَل اليمن ". "الصحيحة" (٧/ ٢/١٠٩٩، ١١٠١ - ١١٠٢).

стр. 2842

[٩٨١] باب هل يصح حديث فيه أن روح الرحمن من جهة اليمن ؟ سؤال: هل يصح حديث في أن ريح الرحمن من جهة اليمن، أو روح الرحمن؟ الشيخ: يوجد حديث في المسند بهذا لكن ما أستحضر الآن حاله. "فتاوى رابغ" (٤/ ٠٠:٥٤:١٦)

стр. 2843

جماع أبواب مسائل لفظية لها تعلق بالأسماء والصفات

стр. 2844

[٩٨٢] باب جواز الحلف بصفات الله تعالى [قال رسول الله ﵌]: - «يؤتى بأشد الناس كان بلاء في الدنيا من أهل الجنة، فيقول أصبغوه صبغة الجنة، فيصبغونه فيها صبغة، فيقول الله : يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط أو شيئا تكرهه؟ فيقول: لا وعزتك ما رأيت شيئاً أكرهه قط، ثم يؤتى بأنعم الناس كان في الدنيا من أهل النار فيقول: أصبغوه فيها صبغة، فيقول: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط قرة عين قط؟ فيقول: لا وعزتك ما رأيت خيرا قط ولا قرة عين قط». [قال الإمام]: (فائدة): في الحديث جواز الحلف بصفة من صفات الله تعالى ومن أبواب البيهقي في " السنن الكبرى " (١٠/ ٤١) " باب ما جاء في الحلف بصفات الله تعالى كالعزة والقدرة والجلال والكبرياء والعظمة والكلام والسمع ونحو ذلك". ثم ساق تحته أحاديث وأشار إلى هذا الحديث واستشهد ببعض الآثار عن ابن مسعود وغيره وقال: " فيه دليل على أن الحلف بالقرآن كان يميناً ... ".ثم روي بإسناده الصحيح عن التابعي الثقة عمرو بن دينار قال: " أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق والقرآن كلام الله ". "الصحيحة" (٣/ ١٥٥ - ١٥٦). [٩٨٣] باب حكم قول بعضهم: بشرف الله سؤال: بعض الناس عندما يستغرب من شيء يقول بشرف الله هل هذا الشيء يجوز، وهل يعتبر هذا من باب التجسيد وصف الله بما لا يليق به سبحانه؟ الشيخ: ... لا يجوز أن يوصف ربُّنا إلا بما وصف به نفسه ولو كانت هذه الصفة

стр. 2845

في عرف الناس صفة تشريف وتبجيل وتقديس، فما دام أن هذه الصفة لم ترِد في الكتاب ولا في السنة فلا يجوز أن يوصف الله بذلك، لقد ذكر العلماء أن الله يوصف بأنه كريم لكنه لا يوصف بأنه سخي والسخاء في اللغة العربية ربما -وأعني ما أقول- وربما يكون بمعنى الكرم وأقول بذلك متحفظاً؛ لأن بعض الفقهاء في اللغة قد يفرقون بين لفظين مترادفين عند عامة الناس كأمثالنا في اللغة ولكن قد يكون الأمر في كثير من الأحيان لا فرق في اللغة بين لفظين مترادفين، فقد يقول: الإنسان الشمس طلعت، وقد يقول: ظهرت، وقد يقول أشرقت، وقد يقول: بانت، وكل هذه الألفاظ ألفاظ مترادفة لكن بانت تتميز عن الألفاظ الأخرى لأنها من ألفاظ التضاد فيقال في اللغة إذا أشرقت الشمس بانت الشمس، وإذا غربت الشمس أيضاً يقال بانت الشمس، لفظان مترادفان، ولهذا أمثلة كثيرة في اللغة يقال رجل جليل أي عظيم، ويقال: رجل جليل أي حقير، السياق والسباق هو الذي يخصص المراد من اللفظ الذي له معنيان متقابلان. الخلاصة: ربنا لا يوصف بأنه شريف أو بأنه له شرف لأن هذه الصفة لم ترد كما قلنا في التضاد. -من يقول هذا، أقول له: هذا لا يجوز؟ -طبعاً، لكن هل نقول له لا يجوز؛ وهو ينكر لا يؤمن بالله من أصله، المسألة هنا قضية أخرى يعنى تدخل في سياسة الدعوة، أما إنه هذا لا يجوز؟ لا يجوز. السائل: -شيخنا لو إنسان قاصد هذا اللفظ [بشرف الله] لكن قصد اليمين، فهل نرتب عليه حكم اليمين أم لأنه حلف حلفاً غير شرعي، لا نرتب عليه حكم اليمين؟

стр. 2846

-قال مثلاً. -بشرف الله. -أي نعم، فيما يبدوا لي -والله أعلم- نرتب عليه لأن الأعمال بالنيات لكن نحن نصحح له لفظه. "الهدى والنور" (٥٤٢/ ١٤: ١٦: ٠٠) [٩٨٤] باب هل يصح قول القائل: الله على ما يشاء قدير [قال رسول الله ﵌]: - "آخرُ مَن يدخلُ الجنةَ رجلٌ؛ فهو يمشي مرة، ويكبو مرةً، وتسفعُهُ النارُ مرةً، فإذا ما جاوزَها التفتَ إليها فقال: تباركَ الذي نجاني منكِ، لقدْ أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأولين والآخرين، فتُرفعُ لهُ شجرةٌ، فيقولُ: أيْ ربِّ! أدنني من هذه الشجرة، فلأستظلَّ بظلِّها، وأشربَ من مائها، فيقولُ الله : يا ابن أدم! لعلِّي إن أعطيتُكَها سألتني غيرها؟ فيقولُ: لا يا ربِّ! ويعاهدُه أن لا يسألَه غيرها، وربُّه يعذِرُه؛ لأنَّه يرى ما لا صبْرَ لَهُ عليه، فيدنيهِ منها، فيستَظلُّ بظلِّها، ويشربُ من مائها. ثم ترفعُ له شجرةً هي أحسن من الأولى، فيقولُ: أيْ ربِّ! أدنني من هذه لأشربَ من مائها، وأستظلَّ بظلِّها، لا أسأَلُكَ غيرها، فيقولُ: يا ابن آدم! ألم تعاهدْني أن لا تسألنِي غيرها؟ فيقول: لعلِّي إن أدنيتُك منها تسألُني غيرها؟ فيعاهدهُ أن لا يسألَه غيرَها، وربُّه يعذرُه؛ لأنَّه يرى ما لا صَبْرَ له عليه، فيدنيهِ منها، فيستظلُّ بظلِّها، ويشربُ من مائها.

стр. 2847

ثم ترفعُ له شجرةٌ عند باب الجنة هي أحسن من الأولَيَيْنِ، فيقولُ: أيْ ربِّ! أدنني من هذه لأستظلَّ بظلِّها، وأشربَ من مائها، لا أسألُكَ غيرها! فيقولُ: يا ابن آدمَ! ألمْ تعاهدني أن لا تسألَني غيرها؟ قال: بلى يا ربِّ! هذه لا أسألُك غيرها، وربُّه يعذرُه؛ لأنه يرى ما لا صَبْرَ له عليها، فيدنيه منها. فيسمعُ أصوات أهل الجنة فيقولُ: أيْ ربِّ! أدخِلنِيها، فيقول: أيِ ابنَ أدمَ! ما يَصْرِيني منكَ؟ أيرضيك أن أعطيكَ الدنيا ومثلَها معَها؟ قال: يا ربِّ! أتستهزئ مني وأنت ربُّ العالمين؟ فضحكَ ابنُ مسعودٍ، فقالَ: ألا تسألوني ممَ أضحكُ؟ فقالوا: ممَ تضحكُ؟ قال: من ضَحِكِ ربِّ العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنتَ ربُّ العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئُ منكَ، ولكنِّي على ما أشاء قادر.- وفي رواية: قدير" [قال الإمام]: (فائدة): قوله: "ولكني على ما أشاء قادر- أو قدير- ": فيه دليل على جواز استعمال هذه الكلمة: "إن الله تعالى على ما يشاء قدير"، وقد كنت توقفت عنها حين علقت على قول الطحاوي في "العقيدة" (ص ٢٠): "ذلك بأنه على كل شيء قدير" كلمة للشيخ ابن مانع- ﵀ أن ذلك ليس بصواب (١)، وأن الصواب ما في الكتاب والسنة (وهو على كل شيء قدير) لعموم مشيئة الله وقدرته .. إلخ كلامه. ثم وقفت بعد ذلك على هذه الكلمة في هذا الحديث في "صحيح مسلم "، فخشيت- متأثراً بكلام الشيخ- أن تكون شاذة في الحديث؛ أو خطأ من بعض الرواة، فتريَّثت حتى يتسنى لي تخريجه والنظر في إسناده ورواته.

стр. 2848

ثم كنت في ليلة من ليالي غرة شهر ذي الحجة في بعض مخيمات عَمّان ألقي كلمة حول وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح؛ ووجوب قرن ذلك بالعمل، وبعد الفراغ منها فتحنا باب الأسئلة، فسأل أحد إخواننا الحاضرين- ويبدو أنه على شيء من العلم والثقافة- عن هذه الكلمة، مشيراً إلى تعليقي المذكور على "العقيدة الطحاوية "، وذكر- جزاه الله خيراً- بقوله تعالى: [وهو على جمعهم إذا يشاء قدير] (الشورى/٢٩)، فأجبته بأن الحديث بحاجة إلى تخريج وتحقيق، مشيراً إلى أنه من الممكن أن يكون أصل الكلمة: "وأنا على كل شيء قدير" أو نحوها، فبادرت إلى تخريج الحديث، فوجدت أن الرواة عن حماد بن سلمة اتفقوا على اللفظ المتقدم. ثم تابعت البحث والتحقيق فوجدت للحديث طريقاً أخرى عن ابن مسعود، يرويه يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني: ثنا المنهال بن عمرو عن أبي عُبيدة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً مطولاً جداً؛ لكن بلفظ: "ولكني على ذلك قادر". أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٩/ ٤١٦ - ٤٢١)، والحاكم (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧ و٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢) وقال في الموضع الأول: "صحيح على شرط الشيخين "! ووافقه الذهبي! وقال في الموضع الآخر: "رواة هذا الحديث- عن آخرهم- ثقات؛ غير أنهما لم يخرجا أبا خالد الدالاني في "الصحيحين "؛ لما ذكر من انحرافه عن السنة في ذكر الصحابة، فأمّا الأئمة المستقدمون؛ فكلهم شهدوا لأبي خالد بالصدق والإتقان، والحديث

стр. 2849

صحيح ولم يخرجاه، وأبو خالد الدالاني ممن يجمع حديثه في أئمة أهل الكوفة". كذا قال! وما عرفت من شهد له بالإتقان، أما الصدق؛ فنعم، وفي حفظه ضعف كما يأتي، وأما الذهبي؛ فتعقبه هنا بقوله: "ما أنكره حديثاً على جودة إسناده، وأبو خالد شيعي منحرف "! وأقول: لم أر من رماه بالتشيع، فلعله التبس عليه بغيره، ثم هو مختلف فيه، فقال الذهبي نفسه في "الكاشف ": "وثقة أبو حاتم، وقال ابن عدي: في حديثه لين ". وقال في " المغني ": "مشهور، حسن الحديث، قال أحمد: لا بأس به، وقال ابن حبان: فاحِشُ الوهم، لا يجوز الاحتجاج به ". ولذلك قال الحافظ في "التقريب ": "صدوق يخطئ كثيراً، وكان يدلس ". قلت: وجزم الهيثمي بتوثيقه؛ كما يأتي، وهو من تساهله، وإن كان مسبوقاً إليه، ولكن لا ينبغي غض النظر عن الجرح المفسر، الذي تضمنه كلام ابن حبان وغيره، فيتقى من حديثه ما يخشى أن يكون وهم فيه، أو ينتقى من حديثه ما سلم من خطئه، كما هو الواقع هنا؛ فقد توبع عليه، فقال زيد بن أبي أنيسة: عن المنهال بن عمرو به مطولاً أيضاً، وباللفظ المذكور في رواية الدالاني. أخرجه عبد الله بن أحمد في "السنة" (٢/ ٥٢٠ - ٥٢٤ - دار ابن القيم)، والطبراني أيضاً عنه وعن حافظين آخرين ثلاثتهم، والبيهقي في "البعث "

стр. 2850

(٢٣٩/ ٤٧٩)، كلهم عن إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحرَّاني: ثنا محمد بن سلمة الحراني عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة به. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير إسماعيل ابن عُبَيد الحراني، وهو ثقة كما قال الذهبي في "الكاشف "، والحافظ في "التقريب"؛ وزاد: " يغرب". وقال المنذري في "الترغيب " (٤/ ١٩٨ و٢٤٨): "رواه ابن أبي الدنيا والطبراني من طرق أحدها صحيح، والحاكم وقال: صحيح الإسناد". وقال ابن القيم في "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح " (٢/ ٩٤ - طبعة الكردي): "هذا حديث كبير حسن .. ". وأما الهيثمي فقال (١٠/ ٣٤٣): "رواه كله الطبرانى من طرق رجال أحدها رجال الصحيح؛ غير أبي خالد الدالاني؛ وهو ثقة "! كذا قال: وفيه شيئان: أحدهما: جزمه بتوثيق الدالاني، وقد عرفت ما فيه. والآخر: أنه فاته أن الطريق الأخرى من رواية الحرانيين أصح من طريق الدالاني كما تبين لك مما ذكرنا، وهي التي جزم بصحتها المنذري، وحسنها ابن

стр. 2851

القيم، ولا أدري لِمَ لَمْ يصححها؟ على أنه أخرجها الطبراني أيضاً عقب روايته عن الدالاني. وقد خالفهم في إسناد الطريقين: أبو طيبة فقال: عن كُرْز بن وبرة عن نُعَيْمٍ ابن أبي هند عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود به مطولاً بلفظ: " يقوم الناس لرب العالمين أربعين سنة، شاخصة أبصارهم ".الحديث، وفيه اللفظ الثاني الذي في طريق الدالاني والحراني. أخرجه السهمي في "تاريخ جرجان " (٣٥٠ - ٣٥٤) بطوله، والطبراني (٩٧٦٤) عقب حديث ابن أبي أنيسة، ولم يسق منه إلا طرفاً من أوله، وكذا ابن عدي في "الكامل " (٥/ ٢٥٨) في ترجمة أبي طيبة- واسمه عيسى بن سليمان الجرجاني- وقال الطبراني عقبه: "ثم ذكر نحو حديث زيد بن أبي أنيسة". قلت: وأبو طيبة هذا قال ابن عدي- وقد ساق له هذا الحديث مع أحاديث أخرى-: "وهذه الأحاديث كلها غير محفوظة، وأبو طيبة رجل صالح، ولا أظن أنه كان يتعمد الكذب، ولكن لعله كان يُشَبْهُ عليه فيغلط ". قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات " (٧/ ٢٣٤) وقال: "يخطئ ". ومن الظاهر أنه هو الذي خالف في هذا الإسناد، فأسقط- من بين ابن مسعود وأبي عبيدة- مسروقاً؛ فإن رجاله ثقات غير كرز بن وبرة، وقد روى عنه جمع من الثقات، وقد ذكره ابن حبان فيهم، وقد تناقض فيه تناقضاً عجيباً، فأورده في

стр. 2852

"التابعين " (٥/ ٣٣٨) بروايته عن أنس! وما إخاله يصح، ثم ذكره (٩/ ٢٧) فيمن روى عن "أتباع التابعين "؛ بروايته عن الثوري (١)! ولعل الصواب أن يذكر في "أتباع التابعين "؛ لأنه روى عن نعيم بن أبي هند كما في هذه الرواية، وكما في "الجرح"، وقال (٣/ ٢/١٧٠): "روى عنه الثوري وابن شبرمة وعبيد الله الوَصَّافي وفُضَيل بن غزوان وورقاء ابن عمر". فإن هؤلاء أكثرهم من أتباع التابعين، غير ابن شبرمة- واسمه- عبد الله؛ فإنه تابعي كنعيم بن أبي هند، وعبيد الله الوصافي- وهو ابن الوليد-؛ فإنه من الرواة عن التابعين، فمن المحتمل أن يكون كُرْز هذا من صغار التابعين، وكان مشهوراً بالعبادة، بل وبالمبالغة فيها، وحكوا عنه في ذلك عجائب، له ترجمة واسعة في "تاريخ جرجان " (ص ٣٣٦ - ٣٤٤)، و"الحلية " (٥/ ٧٩ - ٨٣)، و"سير أعلام النبلاء" (٦/ ٨٤ - ٨٦)، ولقد عجبت منه- والله! وهو المحدث السلفي- كيف سكت عن بعض تلك المبالغات؟! مثل ختمه للقرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات، وهو يعلم أنه خلاف السنة، لقوله ﵌: "لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث ". بل إنه سكت عما هو أدهى وأمرُّ، وهو أنه سأل ربَّه أن يعطيه الاسم الأعظم، فسأل أن يقوى على الختم المذكور! وهذا من الاعتداء في الدعاء المنهي عنه أيضاً في قوله ﵌:

стр. 2853

"سيكون قوم يعتدون في الدعاء". وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (١٣٣٠). وجملة القول؛ أن هذه الجملة قد اختلف في ضبطها عن ابن مسعود ﵁ على اللفظين السابقين: الأول: "ولكني على ما أشاء قادر". والآخر: "ولكني على ذلك قادر". واللفظ الأول أصح إسناداً كما هو ظاهر. لكن الآخر- مع صحة إسناده- مطابق لنص الآية تمام المطابقة: (وهو على جمعهم إذا يشاء قدير).لأن المعنى: إذا يشاء ذلك الجمع، قال العلامة الآلوسي في "روح المعا ني ": "و (إذا) متعلقة بما قبلها لا بـ (قدير)؛ لأن المقيّد بالمشيئة جمعُه تعالى، لا قدرته سبحانه ". قلت: وعلى ضوء تفسيره للآية، نقول: إن اسم الإشارة في الحديث: "ذلك " يعود إلى ما أعطى الله عبده من النعم الكثيرة التي لا يستحقها؛ فضلاً منه تعالى عليه، فلما قال ما قال مستكثراً ذلك عليه؛ قال تعالى: "ولكني على ذلك قادر"، فإذا فُسِّرَ بهذا اللفظ الأول أيضاً ولم يوقف عند ما فيه من مفهوم المخالفة، المشعر بأنه تعالى غير قادر على ما لا يشاء؛ على حد قوله تعالى: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة﴾ ونحوه من المفاهيم التي قامت الأدلة القاطعة على أنها غير مرادة، إذا فسر هذا اللفظ الأول بهذا الذي دل عليه اللفظ الثاني؛ استقام المعنى،

стр. 2854

ولم يبق أي إشكال إن شاء الله تعالى. هذا ما عندي من علم، فإن أصبت؛ فمن الله، وإن أخطأت، فمني، وأستغفره تعالى من كل ذنب لي، ومن كان عنده فضل علم؛ فليتفضل به شاكرين له. "الصحيحة" (٧/ ١/٣٤٥ - ٣٥٣). [٩٨٥] باب منه [قال رسول الله ﵌]: «آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين. فترفع له شجرة، فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول الله : يا ابن آدم! لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها؟ فيقول: لا يا رب، ويعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأشرب من مائها، وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ - فيقول -: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب، هذه لا أسألك غيرها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها

стр. 2855

فيسمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب أدخلنيها! فيقول: يا ابن آدم! ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب! أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ - فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله ﵌، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ - فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر. (وفي رواية: قدير) ". [قال الإمام]: (تنبيه): دل قوله تعالى في آخر الحديث: " ولكني على ما أشاء قادر أو قدير " على خطأ ما جاء في التعليق على " العقيدة الطحاوية " (ص ٢٠) نقلا عن بعض الأفاضل: " يجيء في كلام بعض الناس: وهو على ما يشاء قدير، وليس بصواب .. ".فأقول: بل هو عين الصواب بعد ثبوت ذلك في هذا الحديث، لاسيما ويشهد له قوله تعالى: ﴿وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ (الشورى: ٢٩) وذلك لا ينافي عموم مشيئته وقدرته تعالى كما تُوهم المشار إليه، والله أعلم. "الصحيحة" (٦/ ١/١٩٣ - ١٩٥). [٩٨٦] باب حكم قول القائل: جرت عادة الله على كذا السائل: ما حكم أهل العلم من قول القائل: جرت عادة الله على كذا وكذا، وهو الشيخ المقبلي في "العَلَمُ الشامخ" قال هذا لفظ ممنوع أو كذا, لا أدري يعني هل له وجه في المنع أم لا؟

стр. 2856

الشيخ: يبدو أن وجه المنع هو إطلاق ما هو من طبيعة البشر, ولعله يحسن أن نذكر هنا ما كنا رأيناه في بعض الكتب قديماً وهو قول الإمام الشافعي: العادة طبيعة ثانية, فالعادة تأتي من ممارسة الشيء والاعتياد عليه؛ لأن هذا لا يليق بالله ﵎, فهذا يدل على فضل الرجل حينما يأتي إلى الناس بشيء لم يُسبق إليه غيره يدل على فقهه وعلمه، أما تكرار الشيء الذي يشترك في معرفته الكبير والصغير والعالم وطالب العلم فليس في ذلك كبير الفائدة. (فتاوى جدة -الأثر-" (٤/ ٠٠:٣٦:٠٩) [٩٨٧] باب هل يجوز الدعاء لأحد بقولنا: أطال الله بقاءك ؟ سؤال: يكرهون الدعاء بأطال الله بقاءك، هل اطلعتم على شيء من هذا؟ كان إذا دعي لهم بهذا الدعاء يقولون: هذا شيء مقدر ويكرهون ذلك. الشيخ: أنا ما اطلعت على هذا، ولو اطلعت لما تبنيته؛ لأنه خلاف ما صح، من قوله ﵇: «من أحب أن يُنسأ له في أجله ويوسع له في رزقه فليصل رحمه» (١) وقد دعا رسول الله ﵌ لأنس بن مالك بكثرة الرزق وطول العمر في بعض الروايات الصحيحة، ولذلك فلا أرى أنا في الدعاء بطول العمر، وإن كان هذا غير مستعمل في أكثر البلاد العربية إلا في هذه البلاد لكن الحقيقة السنة معه، وأنا حينما أسمع الدعاء من رسول الله ﵌ بطول العمر لخادمه أنس فلا شك أنه يعني بذلك طول العمر للعمل الصالح .. مقرونًا بالعمل الصالح، وقد قال عليه

стр. 2857

الصلاة والسلام: «خيركم من طال عمره وحسن عمله، وشركم من طال عمره وساء عمله» (١) والحديث الأول الذي ذكرناه: «من أحب أن ينسأ له في أجله ويُوسّع له في رزقه فليصل رحمه» فيه حض على تعاطي الأسباب الشرعية التي تكون سببًا لأمرين اثنين: الأول: طول العمر، والآخر: سعة الرزق، فتأويل بعض العلماء لهذا الحديث بأنه ليس المقصود ظاهره، فهذا أشبه بالتعطيل لبعض آيات الصفات وأحاديث الصفات؛ لأن الحامل لهم ظَنَّهم أن ظاهر الحديث هذا لو أخذنا به فنخالف ما هو مقطوع عند المسلمين بأن كلًا من الرزق وطول العمر محدود في اللوح المحفوظ مؤكد حينما ينفخ الروح في الجنين وهو في بطن أمه ولكن ذلك لا يعني أن لكل من هذه الخواتيم من طول العمر وسعة الرزق أسباب كالسعادة وكالشقاوة تمامًا، فكما أن الله جعل لكل من السعادة والشقاوة سببًا فسبب السعادة: الإيمان بالله، وسبب الشقاوة الكفر به ﵎، كذلك جعل أسبابًا لطول العمر وسعة الرزق، لكن هذا لا يعني أن ذلك غير مُقدَّر، كل شيء بقدر كما قال ﵊: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» (٢) ... "رحلة النور" (٤٤ب/٠٠:٤١:٣١) [٩٨٨] باب حكم قول القائل أدامك الله [قال الإمام]:

стр. 2858

قول القائل: أدامك الله هذا كلام ظاهر؛ لأنه لا يدوم إلا الله ، هذه عقيدة يعرفها المسلمون جميعاً، لكن ممكن تأويلها أدامك الله يعني حياةً قررَّها ربنا لهؤلاء البشر مثلما قال الرسول ﵇: «أعمار أُمتي ما بين ستين وسبعين وقل من يجوز ذلك» أدامك الله يعني هذه المدة، ليس معنى أدامك الله يعني أبقاك الله إلى الأبد؛ لأن هذه خصلة مزية تفرد بها ربنا دون خلقه فهو الأول والظاهر والباطن هذا الذي أردنا بيانه حول هذه الكلمة. "الهدى والنور" (٥٣٤/ ٥٢: ٠٠: ٠٠)

стр. 2859

جماع أبواب الكلام على علو الله تعالى وفوقيته واستوائه على العرش

стр. 2860

[٩٨٩] باب إثبات صفة العلو لله تعالى والرد على من أنكرها [قال الذهبي في العلو:] و [مما] يدل على أن الباري ﵎ عال على الأشياء فوق عرشه المجيد، غير حالّ في الأمكنة؛ قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ ... [قال الإمام معلقًا]: تأمل هذه الكلمة، فإنها من الحق الذي حمل الجهلُ به الجماهير على جحد ما دلت عليه هذه الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة من علوة تعالى على عرشه، وعلى الطعن بالسلفيين المؤمنين به، زاعمين أن السلفيين بإيمانهم هذا جعلوا لله مكاناً فوق العرش، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، فهذا هو المؤلف، وهو من كبار أئمتهم يصرح بتنزيهه تعالى عن الحلول في الأمكنة كلها. وما يحمل أولئك الجماهير على ذلك إلا توهمهم، أن الإيمان بعلوه على خلقه؛ يستلزم أن يكون حالّاً في مكان، قالوا: وهذا باطل، وما لزم منه باطل فهو باطل، وجهلوا أو تجاهلوا أن المكان أمر وجودي، وأنه ليس فو ق العرش وجود حادث، وبالتالي فليس ثمة مكان إطلاقاً، فالله ﵎ فوق عرشه، وليس في مكان أصلاً. ومن العجيب أن هؤلاء الذي لم يؤمنوا بعد بعلوه على عرشه فراراً من الإيمان بالمكان المزعوم، قد وقعوا على أم رأسهم في الإيمان بأن الله في الأمكنة حقيقةً، وذلك بقولهم: الله موجود في كل مكان. أو الله موجود في كل

стр. 2861

الوجود! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وأعجب من ذلك أن بعضهم تنبه لما في هذا القول من تشبيه الله بمخلوقاته الحالة في الأمكنة، فأرادوا تنزيهه عن ذلك فوقعوا فيما هو شرمنه ألا وهو التعطيل المطلق المستلزم نفي وجوده تعالى أصلاً! فقالوا: (الله ليس فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا يسار، ولا أمام، ولا خلف، لا دخل العالم، ولا خارجه، لا متصلاً به، ولا منفصلاً عنه)! ولقد سمعت هذا أكثر من مرة، على المنبر يوم الجمعة من بعض الخطباء الذين يظن بهم الناس العلم والصلاح! فإنا لله وإنا إليه راجعون على غربة الدين وجهل الخاصة بهم فضلاً عن العامة، وإني لأحلف بالله تعالى لو قيل لأبلغ الناس وأفصحهم:: صف لنا العدم، لما استطاع أن يصفه بأكثر من هذا الذي يصفون به معبودهم، ولقد أجاد من قال من أئمة السلف - ولعله الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى-: المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً". وهذا كله من شؤم الانحراف عن السنة، والإعراض عن أتباع السلف وأئمة الحديث حشرنا الله تعالى في زمرتهم تحت لواء محمد ﵌ "مختصر العلو" (ص١٢٢ - ١٢٣). [٩٩٠] باب منه [قال رسول الله ﵌]: «الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء (والرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله».

стр. 2862

[قال الإمام]: (تنبيه) قوله في هذا الحديث " في " هو بمعنى " على " كما في قوله تعالى: ﴿قل سيروا في الأرض﴾ فالحديث من الأدلة الكثيرة على أن الله تعالى فوق المخلوقات كلها، وفي ذلك ألَّف الحافظ الذهبي كتابه " العلو للعلي العظيم " وقد انتهيت من اختصاره قريباً، ووضعت له مقدمة ضافية وخرَّجت أحاديثه وآثاره ونزهته من الأخبار الواهية. "الصحيحة" (٢/ ٥٩٤، ٥٩٦). [٩٩١] باب علو الله تعالى ثابت بالنقل الصحيح والعقل الفطري [قال الإمام في مقدمة "مختصر العلو" معلقًا على قول شيخ الإسلام]: "واعلم أنه ليس في العقل الصريح ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريقة السلفية أصلا". [قال الإمام]: وأقول: أما النقل الصحيح فهو موضوع مختصر كتاب الحافظ الذهبي الذي بين يديك فستجد فيه ما يجعلك على مثل اليقين مؤمناً بأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية متفقة كلها على أن الله تعالى فوق عرشه بذاته، بائناً من خلقه، وهو معهم بعلمه، وسترى إنشاء الله تعالى أن أئمة المذاهب المتبعة وأتباعهم الأولين ومن سار على نهجهم من التابعين لهم حتى أواخر القرن السادس من الهجرة؛ قد اتفقت فتاواهم وكلماتهم على إثبات الفوقية لله تعالى على عرشه وخلقه وعلى كل مكان، وأن ذلك كما أنه متواتر عن

стр. 2863

رسول الله ﵌ (١) فهو مجمع عليه من السالفين والأئمة الماضين من المحدثين والفقهاء والمفسرين واللغوين وغيرهم وستراهم بأسمائهم وأقوالهم الثابتة عنهم في ذلك حتى قاربوا في عددهم المائتين وهم في الواقع يبلغون المئات ولكن ذلك ما تيسر جمعه للمؤلف رحمه الله تعالى (٢)، فإذا وقف الطالب المخلص للحق على كلماتهم تيقن أنه يستحيل أن يكونوا قد أجمعوا على الضلال، ولعلم أن مخالفهم هو في الضلال، وما أحسن ما قاله المصنف رحمه الله تعالى في " صفات رب العالمين " بعد أن ذكر قليلا مما أشرنا إليه من النقول (١٨٧/ ١ - ٢): "ولو ذكرنا قول كل من له كلام في إثبات الصفات من الأئمة لا تسع الخرق، وإذا كان المخالف لا يهتدي بمن ذكرنا أنه يقول: الإجماع على إثباتها من غير تأويلها أو لا يصدقه في نقله؛ فلا هداه الله، ولا خير والله فيمن رد على مثل الزهري، ومكحول، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، ومالك وابن عيينة، وابن المبارك، ومحمد بن الحسن، والشافعي، والحميدي، وأبي عبيد، وأحمد بن حنبل، وأبي عيسى الترمذي، وابن سريج، وابن جريج الطبري، وابن خزيمة، وزكريا الساجي، وأبي الحسن الأشعري، أو يقول مثل قولهم من الإجماع مثل الخطابي، وأبي بكر الإسماعيلي، وأبي القاسم الطبراني، وأبي أحمد العسال ... (فذكر غيرهم مما سيأتي) والشيخ عبد القادر الجيلي (الإمام في كل عصر) - الذين هم قلب اللب ونقاؤه". قلت: والعقل الفطري السليم يشهد لهؤلاء الأئمة وما معهم من نصوص

стр. 2864

الكتاب والسنة وبيان ذلك: لا خلاف بين المسلمين جميعا أن الله تعالى كان ولا شيء معه؛ لا عرش، ولا كرسي، ولا سماء، ولا أرض، ثم خلق الله تعالى الخلق، كما سيأتي في حديث عمران بن حصين. فإذا كان كذلك فمما لا شك فيه أن مخلوقاته تعالى إما أن يكون خلقها في ذاته تعالى فهي حالة فيه وهو حال فيها، وهذا كفر لا يقول به مسلم، وإن كان هو لازم مذهب الجهمية وغلاة الصوفية الذين يقول قائلهم: " كل ما تراه بعينك فهو الله " تعالى عمَّا يقول الظالمون علواًّ كبيراً. وإذا كان الأمر كذلك فمخلوقاته تعالى بائنة عنه غير مختلطة به، وحينئذٍ فإما أن يكون الله تعالى فوق مخلوقاته، وإما أن تكون مخلوقاته فوقه تعالى، وهذا باطل بداهةً، فلم يبق إلا أن الله ﵎ فوقها، وهو المطلوب المقطوع ثبوته في الكتاب والسنة وأقوال السلف، ومن جاء بعدهم من الأئمة على اختلاف اختصاصاتهم ومذاهبهم كما ستراه مفصلا في الكتاب إن شاء الله تعالى. "مختصر العلو" (ص٥٠ - ٥٢). [٩٩٢] باب إثبات علو الله تعالى مع بيان ضعف حديث الأوعال [قال الإمام تحت عنوان]: حول حديث «العَنَان» (١). ورد إلى المجلة [أي مجلة "المسلمون"] سؤال من بعض القراء الأفاضل

стр. 2865

عن صحة الحديث الذي أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره ولفظُه: «عن العباس بن عبد المطلب قال: كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﵌ فمرت بهم سحابة فنظر إليها، فقال: "ما تسمون هذا؟ " قالوا: السحاب، قال: "والمزن؟ " قالوا: والمزن، قال: "والعَنان؟ " قالوا: والعنان - قال أبو داود: ولم أتقن العنان جيداً - قال: "هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟ " قالوا: لا ندري. قال: "بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك، حتى عد سبع سماوات، ثم فوق السماء السابعة بحر ما بين أسفله وأعلاه مثل مابين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن ورُكَبِهن مثل مابين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهن العرش، بين أسفله وأعلاه مثل مابين سماء إلى سماء، ثم الله ﵎ فوق ذلك». [الجواب]: إن الحديث ضعيف الإسناد لا تقوم به حجة، وإليك البيان: تخريجه: أخرج الحديث الإمام أحمد في "مسنده" (رقم١٧٧٠ و١٧٧١) وأبو داود (٢/ ٢٧٤) وعنه البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص٣٩٩) والترمذي (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦) وابن ماجة (١/ ٨٣) وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٦٨ - ٦٩) والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٣٧٨) والحافظ عثمان الدارمي في "النقض على بشر المريسي" (ص ٩٠ - ٩١) والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٤٦٥ - ٤٦٦) من طرق عن سماك بن حرب عن عبد الله بن عَمِيرة عن العباس به.

стр. 2866

وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب" وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي! وليس كما قالوا، وقد تناقض الذهبي - كما يأتي بيانه -؛ علة الحديث: وللحديث علتان: الاضطراب في إسناده، وجهالة أحد رواته وهو ابن عميرة، فقال الحافظ ابن حجر في ترجمته من "تهذيب التهذيب": "وعنه سماك بن حرب، وفيه عن سماك اختلاف، قال البخاري لا يعلم له سماع من الأحنف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحسن الترمذي حديثه (يعني هذا)، وقال أبو نعيم في "معرفة الصحابة": أدرك الجاهلية، وكان قائد الأعشى لا تصح له صحبة ولا رؤية، وقال مسلم في "الوحدان": تفرد سماك بالرواية عنه، وقال إبراهيم الحربي: لا أعرفه". أما العلة الأولى فقد بينها بعض العلماء تعليقاً على التهذيب، فقال: " قال شريك مرة: عن سماك عن عبد الله بن عمارة، وهو وَهْم، وقال أبو نعيم: عن إسرائيل عن سماك عن عبد الله بن عميرة أو عمير, والأول أصح, وقال أبو أحمد الزبيري: عن إسرائيل عن سماك عن عبد الله بن عميرة عن زوج درة بنت أبي لهب". وأما العلة الثانية فتتلخص بأن عبد الله بن عميرة مجهول لا يعرف، وقد صرح بهذا الحافظ الذهبي فقال في "كتاب العلو" (ص١٠٩ الطبعة الهندية):

стр. 2867

"تفرد به سماك بن حرب عن عبد الله، وعبد الله فيه جهالة".وكذا قال في "ميزان الاعتدال في نقد الرجال". ثم نسي الذهبي هذا كله فوافق الحاكم على تصحيحه كما سبق، فسبحان من لا ينسى. وأما تحسين الترمذي للحديث فمما لا يعتمد عليه لا سيما بعد ظهور علة الحديث، ذلك لأن الترمذي معدود في جملة المتساهلين في تصحيح الأحاديث كالحاكم وابن خزيمة وابن حبان ونحوهم، ولهذا قال الذهبي في "الميزان" (ص٣٣): "لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي". قلت: وكذلك لا يعتمد المحققون من العلماء على توثيق ابن حبان لتساهله في ذلك كما بينه الحافظ ابن حجر في مقدمة "لسان الميزان" وزدته بياناً في ردي على الشيخ عبد الله الحبشي (ص١٨ - ٢١) وخلاصة ذلك أنه يوثق المجهولين حتى الذين يعترف هو بأنه لا يعرفهم فيقول مثلاً في ترجمة سهل: "يروي عن شداد بن الهاد، روى عنه أبو يعقوب، ولست أعرفه، ولا أدري من أبوه"!! وهذا موضوع هام يجب على كل مشتغل بعلم السنة وتراجم الرواة أن يكون على بينة منه، كي لا يخطيء بتصحيح الأحاديث الضعيفة اغتراراً بتوثيق ابن حبان، كما فعل أحد أفاضل العلماء في تعليقه على المسند، والشيخ الحبشي في "التعقب الحثيث" وغيرهما.

стр. 2868

وأما طلب السائل شرح هذا الحديث، فلا داعي عندي للإجابة عنه بعد أن بينا ضعفه، بل أعتبر الاشتغال بشرحه مضيعة للوقت، إذ كل ما فيه من بيان المسافة بين كل سماء والتي فوقها، وكذا البحر فوقها والثمانية أو عال كل ذلك لم يرد فيه شيء صالح للاحتجاج به؛ نعم هناك أحاديث أخرى في تحديد المسافة المذكورة، وهي مع ضعف أسانيدها مختلفة متناقضة، ولا داعي للتوفيق بينها كما فعل ابن خزيمة في "التوحيد" والبيهقي في "الأسماء" إذ التوفيق فرع التصحيح، وهو مفقود. وأما قوله في آخر الحديث: "ثم الله ﵎ فوق ذلك" فحق يجب الإيمان به لثبوته في آيات كثيرة وأحاديث متواترة شهيرة، وقد ساقها وتكلم على أسانيدها الحافظ الذهبي في "كتاب العلو" فليراجعها من شاء الوقوف عليها. وبهذه المناسبة أرى لزاماً علي أن أقول: إن الإيمان بعلو الله ﵎ على خلقه متفق عليه بين أئمة المسلمين قاطبة وفيهم الأئمة الأربعة، ومن ينكر ذلك من المتأخرين بحجة أن في ذلك تشبيهاً لله تعالى أو إثبات مكان له غفلة منه عن الحقيقة المتفق عليها، وهي أن صفات الله تبارك كذاته من حيث جَهْلِنَا بحقيقة ذلك كلها (١)، فإذا كان لا يلزم من إثبات الذات تشبيه، فكذلك لا يلزم من إثبات الصفات تشبيه ومن غاير بين الأمرين فقد كابر أو تناقض، وللحافظ الخطيب كلمة نافعة جداً في هذا الصدد أرى من الضروري نشرها، ولو طال بها الكلام إذا اتسع لذلك صدر المجلة الزاهرة.

стр. 2869

قال الخطيب - رحمه الله تعالى -: " أما الكلام في الصفات، فإن ما وري منها في السنن الصحاح مذهب السلف رضوان الله عليهم إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله سبحانه، وحققها من المثبتين قوم فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله بين الغالي فيه والمقصر عنه. والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلوماً أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو لبيان إثبات وجود، لا إثبات تحديد وتكييف. فإذا قلنا: لله تعالى يد وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها الله تعالى لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات الفعل، ونقول إنما وجب إثباتها، لأن التوقيف ورد بها, ووجب نفي التشبيه عنها لقوله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وقوله ﵎: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. ولما تعلق أهل البدع على عيب أهل النقل برواياتهم هذه الأحاديث، ولبَّسوا على من ضعُف علمه بأنهم يروون ما لا يليق بالتوحيد ولا يصح في الدين، ورموهم بكفر أهل التشبيه وغفلة أهل التعطيل، أجيبوا بأن في كتاب الله تعالى

стр. 2870

آيات محكمات يفهم منها المراد بظاهرها، وآيات متشابهات لا يوقف على معناها إلا بردها إلى المحكم، ويجب تصديق الكل والإيمان بالجميع، فكذلك أخبار الرسول ﵌ جارية هذا المجرى ومنزّلة على هذا التنزيل برد المتشابه منها إلى المحكم ويقبل الجميع. فتنقسم الأحاديث المروية في الصفات ثلاثة أقسام: القسم الأول: أخبار ثابتة أجمع أئمة النقل على صحتها لاستفاضة نقلها فيجب قبولها، والإيمان بها، مع حفظ القلب أن يسبق إليه ما يقتضي تشبيه الله بخلقه، ووصفه بما لا يليق من الجوارح والتغير والحركات. والقسم الثاني: أخبار ساقطة بأسانيد واهية، وألفاظ شهد أهل العلم بالنقل على بطلانها، فهذه لا يجوز الاشتغال بها والاعتماد عليها. والقسم الثالث: أخبار اختلف أهل العلم في أحوال نقلتها البعض دون الكل، فهذه يجب الاجتهاد والنظر فيها ليلحق بأصحها أو يجعل في حيز الفساد والبطول". قلت: وهذا الحديث الذي نحن في صدد الكلام عليه من هذا القسم، وقد نظرنا فيه على ضوء قواعد الحديث فتبين أنه من الفساد والبطول. محمد ناصر الدين أبو عبد الرحمن "مقالات الألباني" (ص ١٦٧ - ١٧٢)

стр. 2871

[٩٩٣] باب من أدلة علو الله عن أنس قال: أصابنا مع النبي ﵌ مطر، فحسر النبي ﵌ ثوبه عنه حتى أصابه المطر. قلنا: لم فعلت؟ قال: «لأنه حديث عهد بربه». (صحيح). [قال الإمام]: قلت: وفي الحديث إشارة صريحة إلى علو الله ﵎ على خلقه، ولذلك أورده الحافظ الذهبي في جملة الأحاديث الدالة على العلو في كتابة القيم "العلو للعلي الغفار". "صحيح"الأدب المفرد" (ص١٥٦). [٩٩٤] باب منه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵌ قال: «يَنزلُ ربنا ﵎ في كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟». (صحيح). [قال الإمام]: هذا الحديث بهذا اللفظ صحيح متواتر، كما شهد بذلك حفاظ الحديث، منهم ابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٢٨)، وقال: " وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله في كل مكان".

стр. 2872

قلت: ومن أذنابهم من يتظاهر بتكفيرهم لقولهم هذا، ثم يصرح بما هو شر منه، وهو جحد وجوده تعالى، فيصفه بما يصف به المعدوم، فيقول: " ليس داخل العالم ولا خارجه"!! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. "صحيح الأدب المفرد" (ص٢٠٥). [٩٩٥] باب إثبات صفة العلو للواحد القهار وبيان سبب خطأ المؤولة في أبواب الصفات الشيخ: كان وُجِّهَ سؤال فيما سبق من الجلسات حول صفة العلو لله والآية التي يتوهم الكثيرون منها أنها تنافي صفة العلو لله ﵎، ألا وهي قوله : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤)، فيجب أن نعلم في هذا الصدد أن الله ﵎ له كل صفات الكمال، وهو منزه عن جميع صفات النقصان، وأن صفات الكمال منها ما هو معلوم بمجرد العقل والفطرة السليمة، وهذا قليل، مثل كون الله فوق المخلوقات أو كلها، فهذا يعرف بمجرد العلم بأن الله يليق به كل صفات الكمال، كأن يكون الله فوق المخلوقات ولا عكس فهو مما يُعْرَفُ ببديهة العقل، ومع ذلك فقد جاءت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة تصرح تصريحاً ليس بعده تصريح بأن الله فوق المخلوقات كلها، وبعض هذه النصوص تبين بأنه فوق العرش بصورة خاصة، كآية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) التي تكررت في عديد من الآيات الكريمة أشهر من أن تذكر، فالعرش خلق من خلق الله ، بل هو أعظم مخلوقات الله ﵎، فتنصيص رب العالمين على أنه فوق العرش العظيم هو من العقائد التي يجب على المسلم أن يتبناها ولا يجوز له أن ينحرف

стр. 2873

عن دلالتها الظاهرة إلى المعاني المخترعة المبتدعة والتي يذهب إليها كثير من علماء الكلام المعروفين بانحرافهم عما كان عليه السلف الصالح من الإيمان بآيات الصفات كلها وأحاديث الصفات كلها، دون أي تحريف أو تأويل. وقد تواتر أو على الأقل اشتهر عن الإمام مالك ﵀ أنه جاءه رجل فقال: يا مالك! الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟، فكان جوابه ﵀ أن قال: الاستواء معلوم، يعني: لغةً، وهو العلو، الاستواء لغة معناه العلو، هكذا يعني الإمام مالك بقوله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والسؤال عنه أي: عن الكيف بدعة، فالإمام مالك ﵀ يقرر في جوابه هذا للسائل العقيدة السلفية الجامعة لكل صفات الله ، فهي تثبت كما جاءت وبالمعنى الثابت لغة ولكن لا [يجوز] تمثيلها وتشبيهها؛ لأن الله يقول في القرآن الكريم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) ففي الآية نفي وهو تنزيه (ليس كمثله شيء) وفي الآية إثبات لصفتين من صفات الله وهو أنه سميع بصير، فسمعه لا يشبه الأسماع، وبصره لا يشبه الأبصار، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾. كذلك بهذه الآية حين قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) ننفي عنه مشابهته للحوادث، ومشابهة الحوادث له، ولكن ذلك لا يعني أن ننفي عنه الصفات التي أثبتها ﵎ لنفسه. ومن هنا جاء انحراف الذين انحرفوا عن طريق السلف الصالح وهو من عدم جمعهم بين التنزيه والتثبيت للصفات، لأن الآية نفت وأثبتت، نفت شيئاً وأثبتت شيئاً، فلا يكون الإيمان بالله إلا بالإيمان بهذين الأمرين اللذين ذكرهما

стр. 2874

الله في هذه الآية، تنزيه وإثبات، تنزيه الله عن مشابهته للحوادث، وإثبات الصفات لله التي أثبتها الله لنفسه، فصفات الله كثيرة، وهي مبثوثة في نصوص الكتاب والسنة، وفي بعضها اتفاق وفي كثير منها اختلاف، ويهمنا الآن البحث بصورة خاصة في صفة من هذه الصفات التي اختلف فيها المسلمون منذ أن وجدت المعتزلة وتأثر من تأثر بهم ممن ينتمي إلى مذهب أهل السنة كالأشاعرة بصورة خاصة، فالمعتزلة أنكروا كثيراً من الصفات الثابتة في الكتاب والسنة؛ يهمنا البحث الآن في صفة العلو لله العلي الغفار: فقد ذهبت المعتزلة وتبعتهم الأشاعرة ثم لحقهم في ذلك جميع المسلمين الذين هم اليوم على وجه الأرض إلا قليلاً منهم وهم أهل الحديث، المعتزلة والأشاعرة وأكثر المسلمين اليوم ينكرون أن يكون الله ﵎ فوق مخلوقاته كلها، بل يُصرِّحون بأن الله في كل مكان، وأن الله ﵎ موجود في كل الوجود، أما الآيات الكثيرة والأحاديث الأكثر التي تثبت لله صفة علوه على خلقه فهم يتأولونها بتأويل يعطلون معانيها، أي: هذه التآويل تؤدي بهم إلى إنكار حقائق هذه المعاني التي تضمنتها النصوص المشار إليها من الكتاب والسنة، فمثلاً: من هذه النصوص الصريحة في إثبات العلو لله الآية السابقة: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) فهم يؤولون هذه الآية فيعطلون معنى العلو فيها بقولهم: الرحمن على العرش استوى أي: استولى، هكذا يفسرون الآية، الرحمن على العرش استوى يعني: استولى من الاستيلاء، ويحتجون على ما ذهبوا إليه من التأويل المذكور بشعر معروف وهو: استوى بشر على العراق بغير سيف ودم مهراق

стр. 2875

استوى بشر على العراق بمعنى استولى، هكذا يفسرون الآية الكريمة: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) معناه عندهم استولى، وهم حينما يفسرون هذا التفسير لا يتنبهون مع الأسف الشديد إلى أنهم صح فيهم المثل العامي: كان تحت المطر صار تحت المزراب؛ لأنهم بزعمهم نزهوا الله من أن يكون فوق المخلوقات بزعمهم أن هذا لا يليق بالله ، لأننا إذا قلنا: إنه فوق المخلوقات حصرناه بمكان، هذه شبهتهم وسنأتي على إبطالها قريباً إن شاء الله، ففراراً من هذا الزعم الذي زعموه أنه يلزم من وصف الله بأنه فوق المخلوقات تحييزه بمكان فروا بزعمهم من هذا فوقعوا فيما هو شر منه، وذلك حينما فسروا استوى بمعنى استولى، فإن معناه أن الله قبل ذلك لم يكن مستولياً، لأنه في بعض الآيات المتعلقة باستواء الرب على عرشه قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف:٥٤) وكلنا يعلم أن «ثم» تفيد التراخي، فبعد أن خلق السماوات والأرض استولى على العرش، ومعناه أنه قبل ذلك لم يكن مستولياً، ولازم هذا أنه كان عاجزاً عن الاستيلاء شأن الخالق الأكبر كشأن بشر الذي ضربوا به المثل، فقالوا في الشعر: استوى بشر على العراق هذا بلا شك معناه لم يكن قبل ذلك مستوياً، ولماذا؟ لأنه لم يكن قادراً على الاستيلاء، فلذلك قال: استوى بشر على العراق بغير سيف ودم مهراق فكلمة استوى بمعنى استولى فيه تعجيز لرب العالمين لم يتنبهوا له، لأنه «ثم استوى» أي: ثم استولى، وقبل ذلك ماذا كان؟ كان غير مستولٍ مع أن المسلم
следующие страницы →