← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

فالإيمان يزيد بنص القرآن في أكثر من آية في القرآن الكريم, ما نقلوا ولا رواية عن أبي حنيفة ولو ضعيفة أن الإيمان يزيد وينقص وانه زيادته الطاعة ونقصانه المعصية مداخلة: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (محمد:١٧). الشيخ: فيه آيات كثيرة, فيه آيات كثيرة مداخلة: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (الأنفال:٢). الشيخ: الشاهد: في الفقه الأكبر ناقلين عبارة تلتقي .. مع عقيدة أهل السنة فيما يتعلق بالعلو لله فقالوا بأن أبا حنيفة قال: من اعتقد بأن الله ليس في السماء فقد كفر, هذه العقيدة موجودة عند بعض الماتريدية مش كلهم، وإلا الماتريدية مثل الأشاعرة في موضوع صفة العلو للعلي الأعلى فهم يعتقدون أن الله في كل مكان مع الأسف الشديد، لكن أبا حنيفة في هذه الكلمة التي رووها عنه فهو مع الكتاب والسنة ومع أهل السنة والحديث، وأَكَّد ذلك بعض أتباعه في القرن السادس, فيه رجل منهم له قصيدة تسمى بقصيدة «بدء الأمالي»: يقول العبد في بدء الأمالي ... بتوحيد - مادري إيه - بذي الجلال قديما كنت حفظتها وبعدين ذهبت مع الإهمال والنسيان, بالجملة بيقول بيت الشاعر: ورب العرش فوق العرش لكن ... بلا وصف التمكن واتصال هاي عقيدة أهل السنة وهي معنى كلام أبو حنيفة " من اعتقد بأن الله ليس في السماء فقد كفر " لأنه خالف الكتاب والسنة في الجملة أبو حنيفة والأئمة

стр. 2907

الأربعة هم على الخط السلفي, إلا لابد يعني كل واحد له زلة, لكن الأتباع هم في واد والأئمة أنفسهم في واد. "الهدى والنور" (٥٢/ ٣٤: ٠٧: ٠٠) [١٠١٠] باب الحنفية المتقدمون كانوا على طريقة السلف في إثبات العلو [قال الإمام]: أصحاب أبي حنيفة الأُوَل كانوا مع السلف في الإيمان بعلوه تعالى على خلقه. "مختصر العلو" (ص١٣٧).

стр. 2908

جماع أبواب الكلام على حديث الجارية والرد على من طعن فيه

стр. 2909

[١٠١١] باب تفصيل القول في حديث الجارية والرد على المخالفين [قال رسول الله ﵌]: - «أعْتِقْها؟ فإنَّها مؤْمِنَةٌ. يعني: الجاريةَ التي شَهِدَتْ بأنَّ اللهَ في السماء». [قال الإمام]: ١ - أخرجه أبو داود (٣/ ٥٨٨/٣٢٨٣)، والنسائي (٢/ ١٢٩)، والد ارمي (٢/ ١٨٧)، وابن حبان في "صحيحه " (٦/ ٢٥٦/٤٢٩٦)، والبيهقي في "السنن " (٧/ ٣٨٨)، وأحمد (٤/ ٢٢٢ و٣٨٨ و٣٨٩)، والبزار في " مسنده" (١/ ٢٩/٣٨/- الكشف)، والطبراني (٧/ ٣٨٣/٧٢٥٧) من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشَّرِيدِ بن سُوَيْدٍ الثقفي قال: قلت: يا رسول الله! إن أمي أوصت إليّ أن أعتق عنها رقبة، وإن عندي جارية سوداء نُوبية؟ فقال رسول الله ﵌: "ادع بها"، فقال: "مَن ربُّكِ؟ "، قالت: الله، قال: "فمن أنا؟ "، قالت: رسول الله، قال: ... فذكره. قلت: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال مسلم؛ إلا أنه أخرج لمحمد بن عمرو متابعة، وحماد بن سلمة في روايته عن غير ثابت البناني شيء من الضعف، وليس له رواية عن محمد بن عمرو- وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي- عند مسلم. وقد خولف حماد في إسناده ومتنه، فقال ابن خزيمة في "التوحيد" (ص٨١): حدثنا محمد بن يحيى القُطَعِي قال: حدثنا زياد بن الربيع قال: ثنا

стр. 2910

محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة- ﵁: أن محمد بن الشريد جاء بخادم سوداء عتماء إلى رسول الله ﵌ فقال: يا رسول الله! إن أمي جعلت عليها عتق رقبة مؤمنة، فهل تجزي أن أعتق هذه؟ فقال رسول الله ﵌ للخادم: «مَنْ رَبُّكِ؟». فرفعت برأسها فقالت: في السماء ... ثم ذكر باقي الحديث مثله. وهذا السند أصح؛ لأن زياد بن الربيع ثقة من رجال البخاري، لكن يبدو أن قوله: "محمد بن الشريد" وَهْم من بعض الرواة؛ فإنه ليس له ذكر في "الصحابة"، وقد أورده الحافظ في القسم الرابع من "الإصابة" من رواية ابن منده وابن السكن والباوردي وابن شاهين؛ لكنه قال في روايته: " (جاء محمد بن الشريد أو الشريد بجارية) كذا عنده على الشك، وأخرجه أبو نعيم من رواية إبراهيم بن حرب العسكري عن القطعي (الأصل: القطيعي) مثله؛ إلا أنه قال: (إن عمرو بن الشريد جاء إلى النبي ﵌ ... )، وصوّب هذا الطريق، وكل ذلك غير محفوظ! والمحفوظ: ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو ... (فذكر الرواية الأولى)، ثم قال: "قال ابن السكن: محمد بن الشريد ليس بمعروف في الصحابة، ولم أر له ذكراً إلا في هذه الرواية". وقد جاء الحديث من طريق أخرى عن أبي هريرة، ليس فيها تسمية الرجل، وهو من رواية المسعودي عن عون بن عبد الله عن أخيه عُبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة:

стр. 2911

أن رجلاً أتى النبي ﵌ بجارية سوداء أعجمية، فقال: يا رسول الله! إن عليَّ عتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله ﵌: "أين الله؟ "، فأشارت إلى السماء بإصبعها السبابة، فقال لها: "من أنا؟ "، فأشارت بإصبعها إلى رسول الله ﵌ وإلى السماء؛ أي: أنت رسول الله، فقال: "أعتقها " فإنها مؤمنة ". أخرجه أبو داود (٣/ ٥٨٨/ ٣٢٨٤)، وابن خزيمة أيضاً، والبيهقي في "السنن " (٧/ ٣٨٨)، وأحمد (٢/ ٢٩١)؛ كلهم من طريق يزيد بن هارون عنه. قلت: ويزيد سمع من المسعودي- وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة- بعد اختلاطه؛ كما قال ابن نمير، فيما نقله الذهبي في "الكاشف " وغيره، فقوله في "العلو": "إسناده حسن "، غير حسن كما كنت ذكرت في كتابي "مختصر العلو" (٨١ - ٨٢)، لكن بدا لي الآن أنه أحسن من الحسن، وذلك لأمرين: الأول: أنني وجدت عند ابن خزيمة متابعين اثنين ليزيد، وهما أسد بن موسى (أسد السنة)، وأبو داود- وهو الطيالسي؛ صاحب "المسند" المعروف به، وليس الحديث فيه-، وهو بصري، وقد ذكر عبد الله بن أحمد في "العلل " عن أبيه أنه قال: "سماع وكيع من المسعودي بالكوفة قديماً، وأبو نعيم أيضاً، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة؛ فسماعه جيد". وذكر نحوه في مكان آخر (٢/ ١٣٠ - ١٣١)؛ وزاد: "وأما يزيد بن هارون، وحجاج، ومن سمع منه ببغداد؛ فهو في الاختلاط".

стр. 2912

وعلى هذا فالسند جيد؛ لأن الطيالسي بصري كما تقدم. هذا هو الأمر الأول. والأمر الآخر: أن ابن معين صحح أحاديث المسعودي عن القاسم وعن عون؛ كما في "التهذيب "، وهذا من روايته عن عون كما ترى، فصح الحديث والحمد لله. وفي حديث أسد السنة: "بجارية سوداء لا تُفْصِحُ ". وفي حديث الطيالسي: "بجارية عجماء لا تفصح "؛ وعندهما: "مَنْ رَبُّكِ؟ ". لكن قد خولف عون في إسناد الحديث من قِبَلِ الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن رجل من الأنصار: أنه جاء بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله! إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة؛ أعتقها؟! فقال: "تشهدين أن لا إله إلا الله؟ ". قالت: نعم، قال: "تشهدين أني رسول الله؟ ". قالت: نعم، قال: "أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ ".قالت: نعم، قال: "أعتقها".

стр. 2913

أخرجه ابن خزيمة من طريق عبد الرزاق، وهذا في "المصنف " (٩/ ١٧٥/ ١٦٨١٤) قال: أخبرنا معمر عن الزهري به. ومن طريق عبد الرزاق: أخرجه أحمد (٣/ ٤٥١)، وابن الجارود في "المنتقى" ٣١/ ٩٣١).وقال ابن كثير في "التفسير" بعد أن عزاه لأحمد: "وإسناده صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره ". قلت: وهو كما قال؛ لولا أن معمراً خالفه جماعة من الثقات فأرسلوه: فرواه مالك (٢/ ٦)، ويونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عبيد الله: أن رجلاً من الأنصار أتى النبي ﵌ ... الحديث مثله. أخرجه البيهقي (٧/ ٣٨٨ و١٠/ ٥٧)، وقال: "هذا مرسل، وقد قيل: عن عون بن عبيد الله بن عتبة عن عبيد الله بن عتبة أبي هريرة- ﵁. وقد قيل: عن عون عن أبيه عن جده ". قلت: وصله الحاكم (٣/ ٢٥٨) وعنه البيهقي في الموضع الأول، وكذا الطبراني (١٧/ ١٣٦) من طريق أبي عاصم: نا أبو مَعْدان المِنْقَري- يعني: عامر بن مسعود-: نا عون بن عبيد الله بن عتبة: حدثني أبي عن جدي. وعامر هذا لم أعرفه، ولا وجدت له ترجمة فيما لدي من المراجع، لا فيمن يسمى بـ "عامر" ولا فيمن يكنى بأبي معدان، ولا فيمن نسبته "المنقري ". ٢ - وروي عنه بإسناد آخر، فقال الجراح بن مَخلَد: ثنا محمد بن عثمان الجزري: ثنا سعيد بن عَنْبسة القطان: ثنا أبو معدان قال: سمعت عون بن أبي

стр. 2914

جحيفة يحدث عن أبيه قال: أتت رسولَ الله ﵌ امرأةٌ ومعها جارية سوداء، فقالت المرأة: يا رسول الله! إن علي رقبة مؤمنة، أفتجزي عني هذه؟ فقال لها رسول الله ﵌: "أين الله؟ ".قالت: في السماء. قال: "فمن أنا؟ ".قالت: أنت رسول الله. قال: "أتشهدين أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ ".قالت: نعم. قال: "أتؤمنين بما جاء من عند الله؟ ".قالت: نعم، قال: "أعتقيها؛ فإنها مؤمنة". أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ١١٦ - ١١٧). قلت: وهذا إسناد ضعيف جدّاً مسلسل بالعلل: الأولى: أبو معدان هذا؛ فإنه غير معروف كما تقدم، وقد سماه الطبراني في باب "أبو معدان: عامر بن مرة عن عون "، ثم ساق هذا الحديث، ولم أجده أيضاً. الثانية: سعيد بن عنبسة القطان، والظاهر أنه أبو عثمان الخزاز الرازي الذي ذكره ابن أبي حاتم (٢/ ١/٥٢) وقال عن أبيه: "فيه نظر". ثم روى عن علي بن الحسين بن الجنيد قال: "سعيد بن عنبسة كذاب، سمعت أبي يقول: كان لا يصدق ". وبه أعله الهيثمي؛ فقال (٤/ ٢٤٤):

стр. 2915

"رواه الطبراني، وفيه سعيد بن عنبسة، وهو ضعيف ". الثالثة: محمد بن عثمان الجزري، لم أجد له ترجمة أيضاً. ثم وجدت لسعيد بن عنبسة متابعاً لا بأس به، وعرفنا بسببه اسم أبي معدان: رواه صُرَدُ بن حماد أبو سهل قال: حدثنا الحسن بن الحكم بن طَهْمان: حدثنا أبو معدان به. أخرجه الخطيب في "التاريخ " (٩/ ٣٤٣)، وقال: "تفرد به أبو معدان، وهو غريب من حديث أبي معدان عبد الله بن معدان، تفرد به الحسن بن الحكم عنه، ولا أعلم حدث به غير صرد، وما علمت من حاله إلا خيراً". قلت: وابءن طهمان هذا؛ قال ابن أبي حاتم عن أبيه: "حديثه صالح ليس بذلك، يضطرب". وعبد الله بن معدان روى عنه أيضاً وكيع وأبو نعيم كما في "الجرح "، وذكر الذهبي في "المقتنى في الكنى": (البُرْساني) مكان: (أبي نعيم). ثم رأيت في "الجرح " (٩/ ٤٤٦): "أبو معدان ...... عن يحيى بن معين قال: أبو معدان صالح "، وعلَّق المعلمي عليه بما يشعر أنهما واحد. ٣ - حديث ابن عباس، وله عنه طريقان: الأول: يرويه ابن أبي ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعن الحكم يرفعه:

стр. 2916

أن رجلاً أتى النبي ﵌ فقال: إن على أمي رقبةً مؤمنةً، وعندي رقبة سوداء أعجمية؟ قال: "ائتِ بها"، قال: "أتشهدين أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ "، قالت: نعم، قال: "فأعتقها". أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (١١/ ٢٠/١٠٣٩٢)، وفي "كتاب الإيمان " (٢٨/ ٨٥ - بتحقيقي): حدثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى ... هكذا وقع في إسناده: " .. عن ابن عباس، وعن الحكم "! وهو معطوف على المنهال- وهو ابن عمرو- على خلاف المتبادر، ولكن مثله يقع كثيراً في الأسانيد، كما يعرفه من مارس هذا العلم. وقد رواه الطبراني (١٢/ ٢٦ - ٢٧) و"الأوسط " (٢/ ٣٦/٢/ ٥٦٥٣) من طريق الحسن بن فرات القزاز: ثنا علي بن هاشم به؛ إلا أنه قال: "عن المنهال بن عمرو، والحكم عن سعيد بن جبير ... "، فهذا على الجادة، وقال: "لم يروه عن المنهال والحكم إلا ابن أبي ليلى". قلت: وهو ضعيف لسوء حفظه، وبه أعله الهيثمي فقال (٤/ ٢٤٤): "وفيه محمد بن أبي ليلى، وهوسيىء الحفظ، وقد وُثِّق". قلت: ومن طريقه: أخرجه البزار (١/ ١٤/١٣ - الكشف)، ولم يذكر في إسناده الحكم، وقال: "وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة"!

стр. 2917

قلت: هو بهذا اللفظ المرفوع له طريق أخرى، يرويه يزيد بن حكيم: ثنا يحيى ابن السكن عن قيس بن الربيع: ثنا حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي عن حنين عن ابن عباس به إلا أنه قال: "إن عليّ رقبة مؤمنة .. "؛ لم يذكر أمَّه. أخرجه الطبراني في "الأوسط " (٢/ ١٤٣/١/ ٧٢١٢): حدثنا محمد بن يحيى: ثنا يزيد به، وقال: "لم يروه عن حبيب إلا قيس ". قلت: وهو ضعيف من قِبل حفظه، ويحيى بن السَّكَن- وهو الرقي ثم البصري- ضعيف، وإن وثقه ابن حبان. ويزيد بن حكيم مجهول الحال، لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحاً ولا تعديلاً. وأما اللفظ الآخر؛ فيرويه سعيد بن المَرْزُبَان عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﵌؛ ومعه جارية له سوداء، فقال: إن علي رقبة- أحسبه قال: مؤمنة-، فهل يجزئ عني هذه؟ فقال لها: "أين الله؟ ". قالت بيدها إلى السماء، قال: "من أنا؟ ". قالت: أنت رسول الله، قال رسول الله ﵌: "أعتقها؛ فإنها مؤمنة ". أخرجه البزار (١/ ٢٨/٣٧) بسند صحيح عن ابن المرزبان، لكن هذا- مع ضعفه- مدلس، وهو وإن كان ذكروا له رواية عن عكرمة؛ فإنه لم يصرح بسماعه منه كما ترى، وبه وبابن أبي ليلى أعله الهيثمي (٤/ ٤٢٤). ٤ - ومما يشهد لهذا اللفظ: "السماء" حديث كعب بن مالك قال: جاءت جارية ترعى غنماً لي، فأكل الذئب شاة، فضربتُ وجهَ الجارية، فندمت، فأتيت رسول الله ﵌، فقلت: يا رسول الله! لو أعلم أنها مؤمنة؛ لأعتقتها، فقال رسول الله ﵌ للجارية: "من أنا؟ ".قالت: رسول الله. قال: "فمن الله؟ ".قالت: الذي في السماء، فقال رسول الله ﵌: "أعتقها، فإنها مؤمنة ".

стр. 2918

أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٩/ ٩٨/١٩٣) و"الأوسط " (٢/ ١٧١/١/ ٧٧١٢) من طريق عبد الله بن شبيب: ثنا داود بن عبد الله الجعفري: ثنا حاتم بن إسماعيل عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن ابن كعب بن مالك عن أبيه به، وقال: "لم يروه عن ابن عجلان إلا حاتم، ولا عن حاتم إلا داود الجعفري، ولا يروى عن كعب إلا بهذا الإسناد". قلت: ورجاله ثقات؛ غير عبد الله بن شبيب؛ فإنه ضعيف، وبه أعله الهيثمي. وبالجملة؛ فهذه الطرق التي وقفت عليها عن هؤلاء الصحابة الأربعة، وهم: الشريد بن سويد- وإسناده حسن على الخلاف في صحابيِّه ومسنِدِه، فمنهم من

стр. 2919

جعله من رواية أبي سلمة عنه، ومنهم من جعله من مسند أبي هريرة من رواية أبي سلمة نفسه، على اختلاف في ضبط بعض ألفاظه كما يأتي بيانه ملخصاً-، وأبو هريرة- وإسناده صحيح-، وأبو جحيفة- بإسناد ضعيف-، وابن عباس- بإسنادين عنه؛ واختلاف أيضاً في بعض ألفاظه-. ولعله من الضروري أن أقدم إلى القراء الكرام خلاصة نيِّرة عن تلك الروايات والاختلافات في بعض ألفاظها، وبيان الراجح من المرجوح منها؛ ليكون القراء على معرفة بصحيحها من ضعيفها، والنظر في إمكانية الجمع بينها؛ ليكون القراء على حذر من بعض المضللين: أولاً: لقد اتفقت الروايات كلها على شهادته ﵌ للجارية بأنها مؤمنة. ثانياً: واختلفت في نص سؤاله ﵌ إياها وجوابها على وجوه ثمانية: الأول: "من ربك؟ قالت: الله ". (الحديث الأول عن شريد، وهو حسن). الثاني: "من ربك؟ فقالت: في السماء". (الحديث الأول عن أبي هريرة؛ وهو حسن). الثالث: "أين الله؟ فأشارت إلى السماء". (الحديث الأول أيضاً من الطريق الآخر عنه، وهو صحيح). الرابع: "تشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم ". (الحديث الأول أيضاً عن الرجل الأنصاري. وهو معلول بالإرسال). الخامس: "أين الله؟ قالت: في السماء". (الحديث الثاني، وهو ضعيف؛ لكنه بمعنى الوجه الثالث).

стр. 2920

السادس: "أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم ". (الحديث الثالث من الطريق الأول، وهو ضعيف). السابع: "أين الله؟ قالت بيدها إلى السماء" (الحديث نفسه من الطريق الآخر، وهو ضعيف أيضاً). الثامن: "فمن الله؟ قالت: الذي في السماء". (الحديث الرابع، وسنده ضعيف). قلت: وبهذا التلخيص الدقيق يتبين للقراء الحقيقة التالية وهي: أن الأرجح أن سؤاله ﵌ كان: "أين الله؟ ". وأن جواب الجارية كان: "في السماء". وذلك؛ لأن ثلاث روايات اتفقت على السؤال المذكور، والأولى منها هي الرواية الصحيحة عن أبي هريرة، والثانية إن لم تنفع فلا تضر، والثالثة تصلح للاستشهاد بها؛ لأنها ليست شديدة الضعف. كما اتفقت خمس روايات على الجواب المذكور، وهو في الطريق الأصح في الحديث الأول عن أبي هريرة، وفي الطريق الأخرى الصحيحة عنه، والروايات الباقية منها شاهدة لها. وإذا كان هذا هو الراجح من مجموع تلك الوجوه الثمانية لاتفاق أكثر الروايات وأصحها عليه؛ فإن ما خالفها؛ إما أن تؤول، وإما أن ترد بالمخالفة؛ فيقال مثلاً: إن رواية: "من ربك؟ " مختصرة من رواية: "أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ "، وأن هذه لا تنافي سؤالها بـ "أين الله؟ "، فإننا نعلم اليوم كثيراً ممن ينطقون بهذه الشهادة إذا سئلوا بهذا السؤال بادروك بقولهم: (الله في كل مكان)! وهم يعلمون

стр. 2921

أن الله كان ولا مكان! وقد تنبه بعض المجادلين بالباطل لضلال هذا القول فلجأ إلى المراوغة، فقال: لا يقال: إنه في كل مكان، ولا: إنه ليس في مكان (١)، وهذا احتيال منهم في التعبير، يتظاهرون بذلك بالتنزيه، وهو يشبه قول أسلافهم من الجهمية والمعتزلة وأذنابهم من المعطلة: "ليس هو داخل العالم ولا خارجه"؛ ورحم الله من قال في أمثالهم: "هؤلاء قوم أضاعوا ربهم "! فلا يبعد أن يكون السؤال وقع باللفظين: "أين " و: "أتشهدين "، ويؤيده الحديث الثاني. وإن مما يقطع ويؤكد ترجيحنا المذكور: حديث معاوية بن الحكم الذي وعدتُ بذكره، فإنه قد ساق قصة الجارية سياقاً تامَّاً رائعاً، لم يسقه غيره كسياقه، ولا غرابة في ذلك؛ فإنه سيدها، فقال- ﵁ في حادثة وقعت له وهو يصلي خلف النبي ﵌، فسأله بعض الأسئلة، فأجابه عليها: ٥ - فقال ﵁: "وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبَلَ أُحُدٍ والجَوَّانِيَّة، فاطّلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيتُ رسول الله ﵌، فعظَّم ذلك عليّ، قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟! قال: "ائتني بها"، فأتيته بها، فقال لها: "أين الله؟ ". قالت: "في السماء"، قال: "من أنا"، قالت: أنت رسول الله، قال: "أعتقها؛ فإنها مؤمنة ".

стр. 2922

أخرجه مسلم، وأبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود في "صحاحهم" وغيرهم، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٨٦٢)، و"الإرواء" (٣٩٠). هذا؛ ويشهد لسؤال: "أين الله " حديث مرفوع، وأثر موقوف. أما الحديث؛ فيرويه وكيع بن حُدُسٍ عن عمه أبي رَزِين قال: قلت: يا رسول الله! أين كان ربُّنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، وما ثَمَّ خلق، عرشه على الماء". أخرجه الترمذي (٢١٠٨)، وابن ماجه (١٨٢)، وابن حبان (٣٩ - الموارد)، وابن أبي عاصم (١/ ٢٧١/٦١٢)، وأحمد (٤/ ١١ و١٢)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٣٧)، وقال الترمذي: "حديث حسن ".وقال الذهبي في "مختصر العلو" (١٨٦/ ١٩٣): "رواه الترمذي وابن ماجه، وإسناده حسن " وفيه نظر؛ لأن وكيعاً هذا مجهول، كما بينته هناك. وأما الأثر؛ فهو ما رواه زيد بن أسلم قال: مرَّ ابن عمر براعي غنم فقال: يا راعي الغنم! هل من جَزَرة (١)؟ قال الراعي: ليس ههنا ربُّها، فقال ابن عمر: تقول: أكلها الذئب! فرفع الراعي رأسه إلى السماء ثم قال: فأين الله؟!

стр. 2923

فاشترى ابن عمر الراعي واشترى الغنم فأعتقه، وأعطاه الغنم. أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/ ٢٦٣/١٣٠٥٤): حدثنا محمد ابن نصر الصائغ: ثنا أبو مصعب: ثنا عبد الله بن الحارث الجُمَحِي: ثنا زيد بن أسلم به. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات مترجمون في "التهذيب "، غير شيخ الطبراني محمد بن نصر الصائغ، وهو ثقة مترجم في "تاريخ بغداد" (٣/ ٣١٨ - ٣١٩)، مات سنة (٢٩٧). وهذا الأثر احتج به الحافظ الذهبي في "العلو"، ذكره معلقاً على أبي مصعب الزهري، وكنت جوّدت إسناده في "مختصره " (١٢٧) ولم أكن قد وقفت يومئذ على وصله، فها قد وقفت عليه الآن، والحمد لله. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٣٤٧): "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن الحارث الحاطبي، وهو ثقة". وجملة القول: إن أصح الأحاديث المتقدمة إنما هو حديث معاوية، فلا جرم أن يتفق العلماء- من محدثين وفقهاء- على تصحيحه على مرِّ العصور دون أي خلاف بينهم؛ فقد صححه الخمسة الذين أخرجوه في "صحاحهم " كما تقدم، وكذا البيهقي في "الأسماء" (٤٢٢)، والبغوي في "شرح السنة" (٣/ ٢٣٩)، والذهبي كما يأتي، والحافظ في "الفتح " (١٣/ ٣٥٩)، كل هؤلاء صرحوا بصحة الحديث وإسناده، ويُلحق بهم كل من احتج بالحديث من أئمة الحديث والفقه والتفسير على اختلاف مذاهبهم، ممن احتج به في باب من أبواب الشريعة،

стр. 2924

ضرورة أنه لا يحتج إلا بما صح عنده، كالإمام مالك في "الموطأ" (٣/ ٥ - ٦)، والشافعي في "الأم " (٥/ ٢٦٦)، وأحمد في "مسائل عبد الله " (١٠١/ ٣٦٣)، و"مسائل صالح " (٣/ ٧٤/١٣٧٤)، والطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٢٥٨)، وابن عبد البر في "الاستيعاب "، وابن الجوزي في "دفع شبه التشبيه"، والنووي في "المجموع "، وابن الوزير في " العواصم والقواصم " (١/ ٣٧٩ - ٣٨٠)، وغيرهم كثير وكثير ممن لا يمكن حصرهم، وفيهم بعض المبتدعة المعروفين بمعاداتهم لأهل السنة، وسُوِّد في الرد عليهم رسائل عدة، كالشيخ الصابوني؛ فإنه تابع الحافظ ابن كثير في الاحتجاج بهذا الحديث، فأورده في موضعين (١/ ٤٢١ و٥٢٣) من "مختصره " الذي التزم أن لا يورد فيه إلا ما صح من الحديث! أما الغلاة من المبتدعة والمتجهمة في هذا العصر؛ فقد أعلن بعضهم عن تضعيفه لهذا الحديث، وإنكاره لصحة قوله ﵌: "أين الله؟ "، وجواب الجارية: "في السماء"! وعلى رأس هؤلاء الشيخ الكوثري ومقلِّدوه، وقد كنت رددت عليه في كتابي "مختصر العلو" (ص ٨٢) بما يغني عن إعادته هنا، وكان الرد حول حديث معاوية هذا فقط، قبل أن يتيسر لي جمع شواهده المتقدمة عن أبي هريرة، وأبي جُحَيفة، وابن عباس، ثم أوقفني بعض الإخوان على حديث خامس من رواية ابن شاهين بسنده عن عُكَّاشة الغَنَوِي في "أسد الغابة"، و"الإصابة"، وإسناده حسن. ثم رأيت في "تلخيص ابن حجر" (٣/ ٢٢٣) حديثاً سادساً عن يحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب- الثقة- مرسلاً، رواه أبو أحمد العسَّال في "السنة " من طريق أسامة بن زيد، وفي الحديثين: "أين الله؟ "، قالت: "في السماء". فماذا عسى أن يقول القائل في مثل هذا المكابر الجاحد للحقائق العلمية

стр. 2925

المعترف بها عند العلماء الفطاحل كما تقدم؟! إلا أن يقرأ: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾! وأن يذكر قوله ﵌ في حديث معاوية- ﵁ في حديث تفرّق الأمة: «وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله»: "صحيح الترغيب " (١/ ٩٧/٤٨)؛ نسأل الله السلامة والعافية! وقد جرى على سَنَنِ هذا الجاحد: الشيخُ المغربي عبد الله الغماري المعروف بعدائه الشديد- كالكوثري- للسنة وأتباعها، ويزيد عليه أنه شيخ الطريقة الدرقاوية، ويزعم أنه مجدد العصر الحاضر! فقد رَدَّ في تعليقه على "التمهيد" (٧/ ١٣٥) حديث مسلم، فزعم أن قوله ﵌ فيه: "أين الله؟ " وجواب الجارية عليه بقولها: "في السماء" أنه من تصرف الرواة! ضارباً صفحاً عن تصحيح أولئك الحفاظ إياه، وعن الشواهد المؤكدة لصحته، وعن إمكانية الجمع بينه وبين بعض الألفاظ التي تخالفه بزعمه، مع كونه أصح منها كما تقدم، فما أحراه هو وسلفه الكوثري وأمثالهما ممن يرد الأحاديث الصحيحة المتلقاة من الأمة بالقبول- كالغزالي المعاصر- بوعيد قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾ (النساء:١٥). ثم زاد الجاحد إغراقاً في الضلال بعد أن اتهم رواة اللفظ الأصح بالخطأ والرواية بالمعنى؛ فقال: "ويؤيد ذلك أن المعهود من حال النبي ﵌ الثابت عنه بالتواتر أنه كان يختبر إسلام الشخص بسؤاله عن الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام ودليله ".

стр. 2926

فأقول: هذا باطل من وجوه: الأول: ما زعمه من التواتر مجرد دعوى لا دليل عليه، وما كان كذلك؛ وجب طرحه وعدم الاشتغال به. الثاني: أنه يبطل زعمَه بعضُ الألفاظ التي اعتمد عليها في تخطئة اللفظ الأصح، وهو لفظ: "من ربكِ؟ " " فهذا ليس فيه الاختبار بالشهادتين كما زعم. فإن قيل: هذا لا ينافي اللفظ المذكور! قلنا: وكذلك لا ينافي اللفظ الأصح: "أين الله؟ "؟ كما تقدم بيانه في الخلاصة النيرة، فتذكر! الثالث: أنه قال أخيراً: "أما كون الله في السماء؛ فكانت عقيدة العرب في الجاهلية، وكانوا مشركين، فكيف تكون دليلاً على الإسلام؟! ". كذا قال فُضَّ فوه! فإنه يعلم أن الجاهليين كانوا يؤمنون- مع شركهم- بتوحيد الربوبية بدليل قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ ونحوه من الآيات، وكانوا يُلبُّون به وهم يطوفون حول البيت، فيقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك! رواه مسلم (٤/ ٨). فإذا كان توحيدهم هذا حقاً، وإذا كان اعتقادهم أن الله في السماء حقاً كذلك، لمطابقته لنص القرآن، وبه أجابت الجارية التي شهد لها النبي ﵌ بالإيمان، أفيُعقل أن يقول مؤمن بالله ورسوله حقاً: لا نؤمن بأن الله في السماء لأن المشركين كانوا يعتقدون ذلك؟! إذن؛ يلزمه أن لا يؤمن بتوحيد الربوبية؛ لأن المشركين يؤمنون به!! ذلك هو الضلال البعيد.

стр. 2927

وأصل ضلال هؤلاء المتجهمة أنهم تأثروا بالمعتزلة والجهمية الذين ضلُّوا ضلالاً مبيناً؛ بإنكارهم كثيراً من الغيبيات المتعلقة بالله تعالى وصفاته، وذلك يعود إلى أمرين: أحدهما: ضعف إيمانهم بالله ورسوله وما جاء عنهما. والآخر: ضعف عقولهم وقلة فهمهم للنصوص، وهذا هو المثال بين يديك: لم يؤمنوا بأن الله في السماء مع صراحة الآيات في ذلك، والتي منها قوله تعالى: ﴿أأمِنْتُم مَنْ في السماء أنْ يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور﴾ (الملك: ٦ ١)، وصحة حديث الجارية، الذي شهد لها بالإيمان لأنها عرفت ربها في السماء، ولذلك بادروا إلى إنكار صحته، وأما الآية فعطَّلوا دلالتها بعقولهم المريضة، ذلك أنهم تبادر إلى أذهانهم الكليلة أن (في) هنا ظرفية، وهذا خطأ ظاهر، ففروا منه، فتأولوا (مَنْ) بالملائكة، فوقعوا في خطأ آخر، فوقف في طريقهم قوله ﵌: «ارحموا من في الأرض؛ يرحمكم من في السماء، فهذا صريح في أن (في) في شَطْرَيِ الحديث بمعنى (على)، ولما رأى ذلك بعض جهلة الغماريين وأنه يبطل تأويله المذكور؛ بادر بكل صفاقة وجهل إلى القول بأنه "حديث باطل»! (١) خلافاً لكل العلماء حتى شيوخه الغماريين، كما بينته في الاستدراك المطبوع في آخر المجلد الثاني من "الصحيحة"، طبع عمّان رقم (١٢). والمقصود أن معنى الآية المذكورة ﴿أأمنتم من في السماء﴾؛ أي: من على

стр. 2928

السماء. يعني: على العرش؛ كما قال ابن عبد البر (٧/ ١٢٩و١٣٠و١٣٤) وغيره؛ كالبيهقي في "الأسماء" (٣٧٧)؛ حيثما قال: "يعني: من فوق السماء". وهذا التفسير هو الذي لا يمكن القول إلا به؛ لمن سلّم بمعاني النصوص الكثيرة من القرآن والسنة المُجْمِعة على إثبات العلو والفوقية لله تعالى علوّاً يليق بعظمته؛ كقوله تعالى في الملائكة: ﴿يخافون رَبَّهُم مِنْ فوقهم﴾ وغيرها من الآيات المعروفة، وعلى هذا أهل السنة والجماعة؛ خلافاً للمعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله في كل مكان، وليس على العرش! كما في "التمهيد" (٧/ ١٢٩). والعجيب من أمر هؤلاء النفاة أنهم أرادوا بنفيهم تنزيه ربهم أن يكون فوق المخلوقات؛ فحصروه في داخلها، كما روي عن بشر المريسي أنه لما قال: هو في كل شيء! قيل له: وفي قَلَنْسُوتك هذه؟ قال: نعم، قيل: وفي جوف حمار؟! قال: نعم! وهذا القول يلزم كل من يقول بأنه تعالى في كل مكان، وهو من أبطل ما قيل في رب العالمين الحكيم الحليم، ولذلك قال بعض السلف: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية! ولوضوح بطلان هذا القول لبعض علماء الكلام؛ فرُّوا إلى القول بما هو أبطل منه، وسمعته بأذني من بعض الخطباء يوم الجمعة على المنبر: الله ليس فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، وزاد بعض الفلاسفة: لا متصلاً به، ولا منفصلاً عنه!! وهذا هو التعطيل المطلق الذي لا يمكن لأفصح الناس أن يصف العدم بأكثر

стр. 2929

مما وصف هؤلاء ربهم، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً! ورحم الله ذلك الأمير العاقل الذي قال لما سمع هذا من بعض علماء الكلام:"هؤلاء قوم أضاعوا ربّهم"! ولهذا؛ قال بعض العلماء: "المجسِّم يعبد صنماً، والمعطّل يعبد عدماً، المجسم أعشى، والمعطل أعمى"! ومن المؤسف أن العلامة ابن الجوزي- في رده على المشبهة- قد وقع منه من ذاك الكلام؛ فقال في كتابه المتقدم بعد أن تأول (الاستواء) بالاستيلاء واستشهد على ذلك ببيت الأخطل النصراني المعروف: قد استوى بِشْرٌ على العراقِ من غير سيف ولا دمٍ مُهْراقِ وتفلسف في رد المعنى الصحيح وهو الاستعلاء، قال: "ولذا؛ ينبغي أن يقال: ليس بداخل في العالم، وليس بخارج منه "! ولم يعلق المسمى بـ "حسن السقاف" على هذا النفي الباطل؛ الذي لم يقل به إمام معروف من قبل، والذي ليس فيه ذَرَّةٌ من علم كما هو شأن النفاة، ومن عجائبه وجهالاته أنه يقلد ابن الجوزي في إنكاره على من يقول من المثبتة: "استوى على العرش بذاته "؛ فيقول ابن الجوزي (ص ١٢٧) منكراً لهذه اللفظة " بذاته": "وهي زيادة لم تنقل ". فيا سبحان الله! زيادة كهذه يُراد بها دفع التعطيل تُنكر لأنها لم تنقل، وقوله

стр. 2930

المتقدم: "ليس بداخل ... "لا ينكر! اللهم إن هذه لإحدى الكُبَرِ!! وكذلك لم يعلِّق على تأويل ابن الجوزي لآية (الاستواء) بل أقرَّه، لأنه صرح (ص ١٢٣) - بعد كلام طويل له فيه كثير من التحريف والكذب لا مجال الآن لبيانه- قال: "الاستواء عندنا هو الاستيلاء والقهر، أو تفويض معناه إلى الله ". كذا قال! وهذا يدل على أنه لم يعرف الحق بعدُ، لتردده بين التأويل والتفويض! ولكنني أعتقد أن ذكره التفويض هنا؛ إنما هو سياسة منه، ومراوغة وتضليل للقراء الذين قد ينكرون عليه التأويل، فإنه قال بعدُ (ص ١٢٧): "وأما رد الإمام أبي الحسن الأشعري تفسير الاستواء بالاستعلاء؛ فنحن لا نوافقه في ذلك أبداً، ونقول: إنه قال ذلك بسبب رَدّة فعل حصلت عنده من المعتزلة، وهم وإن لم نوافقهم في كثير من مسائلهم؛ إلا أننا هنا نوافقهم ونعتقد أنهم مصيبون في هذه المسألة"! أي: في إنكارهم علوَّ الله على خلقه، لكن المعتزلة وأمثالهم كالإباضية يقولون بأن الله في كل مكان، وهذا مما ينكره أشدَّ الإنكار ذلك الجاهل المتعالم، ويصرِّح بتكفير من يقول به، ويعتقد أن الله موجود بلا مكان! ويعني: أنه ليس فوق العرش كما أخبر تعالى في كثير من آياته، وأخبر نبيُّه ﵌ في أحاديثه، فراجع كلامه في ذلك في "الأحاديث الضعيفة" تحت الحديث (٦٣٣٢). وإن من ضلال ذاك السقاف أنه يصرح بنفي ثبوت قوله ﵌: "أين الله؟ "؟

стр. 2931

مع قوله بأنه في " صحيح الإمام مسلم "! ثم يؤكد ذلك فيقول - فُضَّ فوه- (ص١٠٨): "ونحن نقطع بأن النبي ﵌ لم يقل: "أين الله؟ "، وإنما قال: "أتشهدين أن لا إله إلا الله " الذي رواه أحمد .. و .. و ... بأسانيد صحيحة". ثم أعاد نحو هذا الكلام في مكان آخر (ص ١٨٦ - ١٨٧). وفيه أكاذيب عجيبة عديدة- تؤكد أن الرجل لا يخشى الله، ولا يستحي من عباد الله- يطول الكلام عليها جدّاً، فأوجزُ في العبارة ما استطعت: فمن ذلك أن اللفظ الذي عزاه لأحمد- وغيره ممن أشرت إليهم بالنقط وهم ثمانية-، يوهم القراء أنهم جميعاً رووه باللفظ المذكور، وعن صحابي واحد، وهو كذب وزور، فإنما رووه بأكثر من لفظ وعن أكثر من صحابي، فبعضهم رواه: عن أنصاري- وهو الذي أعله البيهقي بالإرسال كما تقدم-، وبعضهم: عن الشريد- وسنده حَسن على الخلاف في إسناده كما تقدم، ثم هو بلفظ: "من ربك؟ "، خلافاً للفظ المذكور! -، وبعضهم عن ابن عباس- وفيه ابن أبي ليلى-. فأين الأسانيد الصحيحة التي ادعاها كذباً ومَيْناً؟! على أنه سرعان ما كذَّب نفسه بنفسه في المكان الآخر المشار إليه؛ فإنه قال- عقب بعض المصادر المشار إليها بالنقط-: " .. والطبراني (١٢/ ٢٧) بسند صحيح .. "، ثم ذكر مصدرين آخرين تمام الثمانية. قلت: وهذا كذب أيضاً لما عرفت، وبخاصة إذا أرجعنا الضمير إلى أقرب

стр. 2932

مذكور- وهو الطبراني- فإن فيه ابن أبي ليلى كما عرفت! ومن تدجيله- زيادة على ما تقدم- أنه تعمد أن لا يضيف إلى تلك المصادر أبا داود، وابن خزيمة مطلقاً، ولا إلى المجلد السابع من "سنن البيهقي "؛ لأن الحديث عندهم باللفظ الذي قطع بتكذيبه، عامله الله بما يستحق!! ولو أن طالب علم عكس عليه قطعه المأفون، فجزم ببطلان اللفظ الذي زعم صحته؛ لكان قاهراً عليه؛ لأن معه بعض الروايات التي فيها."أين الله " من طرق أكثر وأصح من لفظه، فكيف ومعه حديث معاوية بن الحكم- ﵁ وقد صححه جمع غفير من المحدثين قديماً وحديثاً كما تقدم؟! ولكننا لا نرى تعارضاً حتى نلجأ إلى الترجيح كما سبق، وإلى هذا جنح العلامة ابن قيّم الجوزية- ﵀ في "إعلام الموقعين " (٣/ ٥٢١ - كردي)؛ فقد ذكر روايتين مما تقدم: "من ربك؟ "، و"أين الله "، ثم قال: "وسأل ﵌: "أين الله؟ "، فأجاب من سأله بأن الله في السماء، فرضي جوابه وعلم به أنه حقيقة الإيمان بربه، ولم ينكر هذا السؤال عليه، وعند الجهمي أن السؤال بـ "أين الله؟ " كالسؤال بـ: ما لونه، وما طعمه، وما جنسه، وما أصله؟ ونحو ذلك من الأسئلة المحالة الباطلة! ". ولقد صدق- ﵀ وأصاب كبد الحقيقة، فأنت ترى هذا (السخاف) كيف يصر على التكذيب بهذا الحديث الصحيح الذي صححه أئمة المسلمين كما تقدم بيانه، ثم لا يكتفي بذلك، فيتهمهم بالتجسيم! فيقول- فُضَّ فوه- (ص١٨٧): "ومن الغريب العجيب: أننا نرى المجسمة يرددون هذا اللفظ: "أين الله؟ " على ألسنتهم دائماً، ولا يدركون (!) أن هذا تصرف رواة، وحكاية لكلام النبي ﵌ بالمعنى المخطئ، وخصوصاً بعد ثبوت هذا الحديث عند غير مسلم بلفظ:

стр. 2933

"أتشهدين أن لا إله إلا الله .. " مخالفة تامة، أو على الأقل مخالفة لا تفيد معنى: أين الله؟ ". ثم أكد جَزْمَهُ بأن النبي ﵌ لم يقل هذه الكلمة التي صحت عند الأئمة، وما ذاك إلا لأنها قاصمة ظهر المبتدعة الجهمية، ولست أدري- والله- ماذا أقول في هذا الرجل المكابر الجاحد؟! إلا أن أنذره بقوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾. "الصحيحة" (٧/ ١/٤٥٦ - ٤٨٠). [١٠١٢] باب حديث الجارية قاصمة ظهر المعطلين للصفات [قال الإمام عن حديث الجارية الذي فيه: أين الله]: (إن) هذا النص قاصمة ظهر المعطلين للصفات فإنك ما تكاد تسأل أحدهم بسؤاله ﵌ أين الله؟ حتى يبادر إلى الإنكار عليك! ولا يدري المسكين أنه ينكر على رسول الله ﵌ أعاذنا الله من ذلك ومن علم الكلام، ولذلك رأينا الهالك في الذب عن هذا العلم على حساب الطعن في الأحاديث الصحيحة الشيخ زاهد الكوثري يطعن في صحة هذا الحديث بالذات لا بحجة علمية بل بوساوس شيطانية مثل قوله: أن البخاري لم يخرجه في صحيحه! وتارة يشكك في صحة هذه الجملة بالذات " أين الله " لا لشيء إلا لأنها لم ترد خارج الصحيح، وكل هذا ظاهر البطلان لا حاجة بنا إلى تسويد الورق لبيانه، نسأل الله العصمة من الحمية الجاهلية والمذهبية! "إرواء الغليل" (٢/ ١١٣).

стр. 2934

[١٠١٣] باب الرد على من ضعَّف حديث الجارية [قال الإمام معلقًا على حديث الجارية:] وهذا الحديث صحيح بلا ريب، لا يشك في ذلك إلا جاهل أو مغرض من ذوي الأهواء الذين كلما جاءهم نص عن رسول الله ﵌ يخالف ما هم عليه من الضلال، حاولوا الخلاص منه بتأويله بل تعطيله، فإن لم يمكنهم ذلك؛ حاولوا الطعن في ثبوته، كهذا الحديث، فإنه مع صحة إسناده وتصحيح أئمة الحديث إياه دون خلاف بينهم أعلمه، منهم الإمام مسلم حيث أخرجه في " صحيحه " وكذا أبو عوانة في "مستخرجه عليه "، والبيهقي في " الأسماء " حيث قال عقبة (ص٤٢٢): " وهذا صحيح،، قد أخرجه مسلم". ومع ذلك نرى الكوثري الهالك في تعصبه يحاول التشكيك في صحته بادعاء الاضطراب فيه، فقد علق على هذا الحديث فيما سوده على كتاب " الأسماء " بقوله (ص ٤٤١ - ٤٤٢): " انفرد عطاء بن يسار برواية حديث القوم (كذا قال عليه ما يستحق) عن معاوية بن الحكم، وقد وقع في لفظ له كما في " كتاب العلو" للذهبي (!) ما يدل على أن حديث الرسول ﵌ مع الجارية لم يكن إلا بالإشارة، وسبك الراوي ما فهم من الإشارة في لفظ اختاره (!) فلفظ عطاء الذي يدل على ما قلنا هو: (حدثني صاحب الجارية نفسه, الحديث) وفيه: فمد النبي ﵌ يده إليها مستفهماً: من في السماء؟ قالت: الله، قال: فمن أنا، فقالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مسلمة. وهذا من الدليل على أن "أين الله" لم يكن لفظ الرسول ﵌ (!) وقد فعلت الرواية بالمعنى في الحديث ما تراه من الاضطراب".

стр. 2935

كذا قال، عامله الله بعدله، وأنت إذا تذكرت ما بيَّناه لك من صحة الحديث، وإذا علمت أن حديث عطاء عن صاحب الجارية نفسه لا يصح من قِبل إسناده لأنه من رواية سعيد ابن زيد، فهو وإن كان في نفسه صدوقاً، فليس قوي الحفظ، ولذلك ضعَّفه جمع، بل كان يحيى ابن سعيد يضعفه جداً، وقد أشار الحافظ في " التقريب " إلى هذا فقال: " صدوق له أوهام ". زد على هذا أن ما جاء في روايته من ذكر اليد والاستفهام، هو مما تفرد به دون كل من روى هذا الحديث من الرواة الحفاظ ومن دونهم, فتفرده بذلك يعدُّه أهل العلم بالحديث منكراً بلا ريب. فتأمل عصمني الله وإياك من الهوى، كيف اعتمد هذا الرجل " الكوثري" على هذه الرواية المنكرة، وليس هذا فقط، بل ضرب بها الرواية الثابتة المتفق على صحتها بين المحدثين، واعتبر الرواية المنكرة دليلاً على ضعف واضطراب الرواية الصحيحة، فماذا يقول المؤمن عن هذا الرجل الذي يستغل علمه واطلاعه - عامله الله بما يستحق - لتشكيك المسلمين في أحاديث نبيهم ﵌. ثم إنه لم يكتف بهذا التضليل بل أخذ ينسب إلى الراوي (وهو ثقة أياً كان هذا الراوي؛ لأن كل رواة هذا الحديث ثقات) أخذ ينسب إليه الكذب على رسول الله ﵌ وهو يعلم؛ لأن معنى كلامه السابق أن الراوي اختار أن ينسب إلى النبي ﵌ أنه قال للجارية: ﴿أين الله﴾ والواقع عند الكوثري أنه لم يقل ذلك، وإنما الراوي وضعه من عنده مكان رواية سعيد بن زيد «فمد النبي ﵌ يده إليها مستفهماً: من في السماء؟». فأنا من واجبي أن أحذر المسلمين من هذا الكوثري وأمثاله الذين يتهمون

стр. 2936

الأبرياء بما ليس فيهم مُذكِّراً لهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات:٦). "مختصر العلو" (ص٨٢ - ٨٣) [١٠١٤] باب منه [قال الإمام]: من الأحاديث التي يُضعِّفها هذا الرجل "أي: حسن السقاف" ويضعِّفها بعض أذنابه في العصر الحاضر وبعضهم له بعض الرسائل والكتابات حديث الجارية، حديث الجارية حديث صرح بصحته نحو عشرة من أئمة الحديث، وتداولته كتب السنة كموطأ الإمام مالك وهو أقدم الأئمة المعروفين اليوم في رواية الحديث، رواه الإمام مالك في الموطأ، رواه الإمام أحمد في المسند، رواه الإمام مسلم وأبو عوانة وابن حبان وابن خزيمة، كلهم في صحاحهم مع ذلك الشيخ زاهد الكوثري يضعفه؛ لأنه يحمل العقيدة الصحيحة حيث في هذا الحديث والحديث طويل وأيضاً لا أريد أن آخذ من وقتكم الشيء الكثير، في آخره: أن راوي الحديث وهو معاوية بن الحكم السلمي قال: يا رسول الله! إني لي جارية ترعى غنماً لي في أحد، فسطا الذئب يوماً على غنمي، وأنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فصككتها صكة، أي: سيد ضرب الجارية بكف على خدها، وندم. قال: يا رسول الله! وعلي عتق رقبة كأنه يستشير الرسول ﵇، هل يصح له أن يفي بنذره حيث عليه عتق رقبة مؤمنة، قال: ائت بها، فسألها ﵇، قال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. فالتفت إلى سيدها وقال: اعتقها؛ فإنها مؤمنة.

стр. 2937

شهد الرسول ﵌ لهذه الجارية على إيمانها حينما أحسنت الجواب على سؤالَي رسولها، السؤال الأول: أين الله؟ قالت: في السماء. السؤال الثاني: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: اعتقها؛ فإنها مؤمنة. الآن الذي لم يجرب يجرب، اعملوها تجربة، شوفوا شيخ كبير صغير دكتور من الدكاترة الشريعة وغير الشريعة، اسألوهم سؤال رسول الله للجارية: أين الله؟ حينئذ تعلمون أنكم تعيشون في مجتمع جاهلي، مجتمع إسلامي لكن جاهلي عقيدة وفكراً، إلى اليوم تسمعون الله موجود في كل الوجود، الله موجود في كل مكان، أما الجارية، جارية وحينما يقال جارية وراعية غنم لا يعني أنها مثقفة، لكنها مثقفة من مدرسة غير مدارسنا اليوم، هي فتاة عاشت في مدرسة شملت المجتمع الإسلامي كله حتى شملت الراعي مع الغنم، فهي تعلم العقيدة الصحيحة التي لا يعلمها اليوم كبار شيوخ الأزهر فضلاً عن جامعات أخرى، إذا سُئلت أين الله، أجابت في السماء؛ لأنها أولاً تقرأ كل ليلة، لا تنام إلا بعد أن تقرأ سورة تبارك وفيها: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (الملك:١٦، ١٧). هي تقرأ ولكنها تفهم، ثم هي تفهم لكن تفهم الفهم السلفي؛ لأنها تعيش في الجيل الأول: «خير الناس قرني» قبل أن يدخل علم الكلام في عقيدة المسلمين، فتؤل لهم النصوص على طريقة القاديانية الذين أولوا: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)، أي: زينة النبيين. كذلك: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ تأول المتأولة من الماتريدية والأشاعرة، ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ أي: الملائكة، أي: عذابه.

стр. 2938

لماذا هذا التأويل؛ لأنهم لا يؤمنون بعلو الله على عرشه، ولم لا تكون هذه الجارية على هذه العقيدة الصحيحة وهي تسمع مثل قول النبي ﵌: «الراحمون يرحمهم الرحمان» .. «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». قولوا الآن: هنا الملائكة، هو الله أرحم الراحمين، هذه الجارية أجابت بهذا الجواب الصحيح؛ لأنها تخرَّجت من مدرسة رسول الله ﵌ وهي جارية وراعية غنم، فبعد أن أقول عن الصحابة وعن كبارهم هذا الحديث الصحيح أنكره زاهد الكوثري، فقلنا لأبو غدة تلميذه: لماذا تنكر علي هذا الأسلوب (١)، صحيح رواه البخاري ومسلم، ولا تنكر على شيخك إنكاره للأحاديث الصحيحة وبخاصة هذا الحديث الذي يتبنى عقيدة السلف قاطبة، لا فرق بين مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل، كلهم على هذه العقيدة الصحيحة أن الله على العرش استوى، لكن هذا الحديث لأنه صريح سين وجيم، الرسول يسأل أين الله؟ هي تجيب: في السماء، هم يقولون: لا يجوز أن تسأل أين الله؛ لأنهم يفهمون من السؤال أن لله مكاناً، وأرجو من إخواننا الحاضرين أن يتنبهوا أننا حينما نعتقد نحن معشر السلف وأتباع السلف، وتبعاً للسلف الذين كانوا يعتقدون بأن الله على العرش استوى استواء يليق بجلاله وعظمته، كما جاء عن الإمام مالك أنه سأله سائل: يا مالك! الرحمن على العرش استوى؟ كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة أخرجوا الرجل فإنه مبتدع.

стр. 2939

فهذا السلف كانوا يُؤمِنون بأن الله على العرش استوى، لكن في الوقت نفسه لا يؤمنون بأن لله مكاناً، هذا الجمع بين الإيجاب والسلب هي العقيدة الصحيحة، أي: الإيمان بأن الله فوق العرش عقيدة إيجابية لا بد منها، وتنزيه الرب من المكان هذه عقيدة سلبية يجب تنزيه الله من كل مكان، ذلك لأن المكان خلق من خلق الله؛ لأن في الحديث الصحيح: «كان الله ولا شيء معه» فالله كان وليس في مكان، فهو الغني عن المكان وعن الزمان، ولكنه لما خلق الخلق فهو خلق الخلق فوقه، خلق الخلق واندس جوفه، حاش لله فهو العلي الأعلى، هذه هي العقيدة الصحيحة التي عليها علماء السنة وعلماء السلف الصالح؛ لأن حديث الجارية فيها تصريح بأين الله؟ والجواب: بأنه في السماء، ذلك أنكروه مع أنه حديث صحيح باتفاق علماء المسلمين قاطبة، سواء كانوا من علماء الحديث وهذا اختصاصهم أو من علماء التفسير أو الفقه، كلهم مجمعون على صحة هذا الحديث مع ذلك فبعضهم حتى اليوم ينكره، ونسأل الله السلامة. "الهدى والنور" (٦٣٣/ ١٢: ٣٨: ٠٠) [١٠١٥] باب منه الملقي: شيخنا في أحد الأخوة جاء من إربد قبل قليل يبلغك السلام، ويسأل بالنسبة لحديث الجارية اللي سألها الرسول ﵌: «أين الله؟»، فيقول: هذا الحديث هل ذكر أحد من أهل العلم ضعف هذا الحديث أو شيء؟ مع أنه موجود طبعاً في صحيح مسلم. الشيخ: إي نعم. الملقي: هل في أحد من أهل العلم ضعَّف هذا الحديث على مر العصور؟

стр. 2940

الشيخ: لا يوجد مطلقاً من طعن في هذا الحديث إلا بعض جهمية العصر الحاضر بس، وعلى رأسهم الشيخ زاهد الكوثري، والحقيقة أقول: هذا الإنسان لولا أنه ابتلي بالعصبية المذهبية الحنفية في الفروع، والماتريدية في العقيدة لكان علامة زمانه في علم الحديث وفي معرفته بتراجم الرجال، ومعرفته بالكتب المخطوطة بحكم كونه كان في اسطنبول، واسطنبول فيها آثار علماء المسلمين على مر الدهور والعصور مجموعة هناك فكان متفرغاً، ولذلك فهو يتحدث عن كتب وعن روايات موجودة في بطون هذه الكتب، أستطيع أن أقول: لا يعرفها أحد في زمانه إلا هو، لكن مع الأسف لم ينفعه علمه هذا لغلبة العصبية المذهبية والفكرية عليه، هو الذي حاول غمط حق هذا الحديث الصحيح، بطريقة اللف والدوران ومحاولة إيجاد علل أو علة على الأقل في هذا الحديث، ولكنه لم يستطع أن يفعل ذلك علمياً، إلا أنه أوهم طبعاً من يلوذ به ومن يدور في فلكه أنه هذا الحديث فيه طعن ولو رواه الإمام مسلم في صحيحه، والحقيقة أنه لا مطعن فيه، ولعلكم تعلمون أننا بفضل الله عليه ورحمته، مع أنني أرجو أن يحشرني ربي في زمرة أهل الحديث، فأنا لا أتعصب لا للبخاري ولا لمسلم، ولي بعض كتابات أرد بعض الأحاديث الموجودة فيهما، فلو وجدت في هذا الحديث ما ادعاه الرجل لكنت أول من أشاع بهذا الضعف؛ لأنه لا يجوز التقول على رسول الله ﵌، خاصة في مسألة تتعلق بالعقيدة، ولكن مع ذلك هذا الطاعن في هذا الحديث يوهمه شيطانه أنه لو استطاع أن يثبت ضعفه يوهمه شيطانه أنه هدم العقيدة السلفية التي تقول بأن الله من صفاته العلو على جميع خلقه، لا يستفيد شيئاً، نحن حينما نتكلم عن هذا السؤال النبوي الكريم، وإجابة الجارية عليه بالجواب السليم، نحن نقول: انظروا جواب الجارية هذه راعية الغنم، أصح

стр. 2941

من جواب شيخ الأزهر الشريف، لماذا؟ لأن شيخ الأزهر هاللي قضى عمره في دراسة العقيدة -زعم- تخرج من غير مدرسة محمد ﵇، وإنما تخرج من مدرسة علم الكلام، أما تلك الجارية وهي راعية غنم، فهي تخرجت من مدرسة الرسول ﵇، والآن تَفَكَّروا معي: كيف عَرَفتْ هذه الجارية وهي راعية غنم هي امرأة أولاً، وراعية غنم ثانياً، وهي لا يمكنها أن تحضر دروس بين يدي الرسول ﵇ كما يفعل الرجال، وهل تتصورون أن أكثر أصحاب الرسول كانوا يحضرون دروسه أم أقلهم. مداخلة: أقلهم ... الشيخ: أنا أقول: أقلهم، ولذلك فالإمام ابن القيم ﵀ يقول: لا يوجد في الألوف المؤلفة من الصحابة من كان يفتي إلا نحو مائتين، مائتين من الصحابة علماء والبقية بقى داخلون في قول الذي يروى عن معاذ: كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً، فهم واحد من التلاتة لكن ما كانوا الرابعة، ولا تكن الرابعة فتهلك؛ إذا كان الرجال هكذا فماذا نقول عن النساء، أقل وأقل بكثير، هنا يأتي السؤال: كيف عرفت هذه الجارية هذا الراعية للغنم كيف عرفت الجواب الصحيح لهذا السؤال النبوي: «أين الله؟»، قالت: في السماء، وتسأل اليوم العلماء والدكاترة بيقولوا لك: الله موجود في كل وجود. مداخلة: ينكرون أصل السؤال. الشيخ: نعم. مداخلة: يُنكروا أصل السؤال. الشيخ: ينكروا أصل السؤال أحسنت، بيحملقوا بأعينهم: أأأ ... شو هذا

стр. 2942

السؤال، هذا السؤال ما بيجوز، أعوذ بالله، يا رجل أنت ما تدري تنكر على الرسول ﵇ هو الذي سن لنا هذا السؤال، ما يدرون؛ لأنهم لا يتفقهون في الدين، الشاهد، كيف عرفت هذه الجارية الجواب الصحيح، لأنها تخرجت من مدرسة الرسول، هل كانت مدرسة الرسول -هنا النكتة-، مدرسة الرسول كانت محصورة في مسجده، حيث لا يحضره إلا أقل الرجال، لا، كانت منتشرة؛ كيف ذلك؟ الذين يحضرون يُبلِّغون من وراءهم، يبلغون نساءهم بناتهم وو إلى آخره، فينتشر الفقه المحمدي في المجتمع المحمدي ويصل هذا الفقه إلى من؟ إلى هذه الراعية، من علَّمها سيدها؛ لأنه مسؤول عنها: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته» (١)، فإذاً يجب علينا نحن أن نهتم بتبليغ العلم كما جاء في الأحاديث الصحيحة «فليبلغ الشاهد الغائب» (٢). "الهدى والنور" (٥٣٣/ ٢٧: ٥٢: ٠٠) [١٠١٦] باب منه [سُئل الشيخ في أثناء كلامٍ لبعض تلامذته حول إنكار عبد الله الهرري لحديث الجارية]: سؤال: حديث الجارية إيش هو؟ الشيخ: أين الله؟ قال: في السماء، هذا حديث رواه الإمام مسلم في كتاب الصلاة؛ لأنه الرجل كما يحدث هو عن نفسه أحد الصحابة معاوية بن الحكم السلمي قال: صليت يوماً وراء النبي ﵌ فعطس رجل بجانبي فقلت له: يرحمك

стр. 2943

الله، فنظروا إلي هكذا يعني: [انقطاع]. أنا حديث عهد بالإسلام فما تلقى بعد الأحكام اللائقة بالصلاة، هم لما رموا بأبصارهم إليه تسكيتاً هو ضاق بهم ذرعاً، فما كان منه إلا أن رفع عقيرته صائحاً، واثكل أمياه مالكم تنظرون إليّ ... قال: فأخذوا ضرباً بأيديهم على أفخاذهم يعني: اسكت ما هو محل هلا، بيقول: فلما قضى رسول الله ﵌ الصلاة أقبل إلي، هون بقي بيصور أدب الرسول ولطفه وتواضعه وكيف كان هو بعد ما انتبه لهذا الخطأ الكبير كيف الرسول يعاقبه ويعامله، وإذا فيه وجد العكس تماماً، فيعبر عن هذه الحالة النفسية فيقول: فلما قضى رسول الله ﵌ الصلاة أقبل إلي فوالله ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال لي: إن هذه الصلاة هنا الشاهد ليش جاب الإمام مسلم هذا الحديث في كتاب الصلاة لقوله ﵇: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي تسبيح وتكبير وتحميد وذكر الله» وانتهت القصة إلى هذا فقط، يعني: علمه أحسن تعليم. يبدو أن الرجل لما آنس هذا اللطف في التعليم (أراد) أن يزداد علماً، وقد عرف أنه جاهل، فأخذ يسأل الرسول السؤال بعد السؤال، فقال: «يا رسول الله! إن منا أقواماً يتطيرون قال: فلا يصدنكم قال: إن منا يأتون الكهان. قال: فلا تأتوهم. قال: إن منا أقواماً يخطون على الرمل قال ﵇: قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطه فذاك». هذا بيقولوا العلماء والشراح التعليق بالمحال، «قد كان نبي من الأنبياء يخط» معجزة «فمن وافق خطه خطه فذاك» وهيهات «قال: يا رسول الله! عندي جارية ترعى غنماً لي في أُحُد فسطا الذئب على غنمي وأنا بشر أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكة وعليَّ عتق رقبة»

стр. 2944

كأنه يقول: فهل يجزيني أن أعتقها، كفارة لهذا الضرب، قال: هاتها. راح وجابها. رأساً الرسول ﵇ بادرها بقوله: أين الله؟ قالت: في السماء. قال ﵇: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. فالتفت إلى سيدها وقال له: «فاعتقها فإنها مؤمنة»، فهذا الحديث يعني: قاصمة الظهر المؤولة، اللي بيقولوا ضلالاً منهم وانحرافاً عن الكتاب والسنة، الله موجود في كل مكان، الله موجود في كل الوجود. هذا بيقول: الله في السماء. فيقول الأخ علي ونحن نعرف هذا الشيخ عبد الله (١) أشعري هو، وله كتاب سماه على قاعدة يسمونها بغير اسمها شو سمى الكتاب هو «الصراط المستقيم» وفيه انحراف كبير جداً عن الكتاب والسنة خاصة فيما يتعلق بالعقيدة بصورة عامة، وبصورة أخص ما يتعلق بصفة الله وأنه العلي الأعلى، فحذفوا هذا الحديث كما يقول (لكي) تسقط الحجة، لكن هذه حماقة متناهية، ما هو السبب؟ السبب أنه كأنهم لا يعلمون إنه هذا الحديث موجود في عشرات الكتب، فلو فرضنا راح مسلم من الدنيا كلها، هذا الحديث موجود في موطأ الإمام مالك اللي هو أرقى من مسلم بدرجتين، يعني: مسلم يروي عن الإمام أحمد، والإمام أحمد بيروي عن الشافعي، والشافعي عن مالك، فمالك من جملة من رووا هذا الحديث في كتاب الموطأ، ونفس أحمد موجود في كتاب المسند، ماذا نستفيد من الحذف هذا سوى إثبات ضلالهم وحماقتهم. مداخلة: شيخنا حتى إن حذفوا الحديث ماذا يفعلوا بالآيات اللي موجودة في كتاب الله.

стр. 2945

الشيخ: هو هذا من جهلهم وحماقتهم أنا ... بقول بهذه المناسبة: الشيء اللي بيلفت النظر كيف عرفت هذه الجارية ربها وأنه تعالى في السماء، واليوم تسأل مشائخ الدنيا إلا من شاء الله وهم قلة السؤال الذي وجهه الرسول ﵇ إلى الجارية فما تسمع الجواب، إلا الجواب المنحرف عن الكتاب والسنة، الله موجود في كل مكان، كيف أصابت الجارية وأخطأ هؤلاء المشائخ؟ الجارية- هون بقي ييجي الموضوع - عاشت في مجتمع إسلامي صافي مجتمع محمد ﵇ وما أصفى منه، فهي مع كونها أمية والله أعلم تعرف من سيدها من ولاة سيدها من جيرانها اللي أغنياء بالعقيدة، فلما سُئلت أجابت على الصواب، وما ضروري تكون عندها شهادة دكتوراه، لكن اليوم إسأل دكاترة آخر الزمان ما تسمع الجواب اللي تسمعه من الجارية هذه، السبب أن الدراسة اليوم ليست دراسة إسلامية مائة في المائة فضلاً عن المجتمع. "الهدى والنور" (١٣٨/ ٥٩: ١٦: ٠٠) [١٠١٧] باب نصيحة الشيخ لامرأة من أتباع الحبشي تنكر حديث الجارية الشيخ: يجب أن تعلمي أننا بزمان ... هو آخر الزمان، ويجب أن تعلمي مع هذه الحقيقية الواقعية التي لا يشك فيها إنسان، يجب أن تعلمي معها حقيقة أخرى، وهي: أننا في زمان تفرَّقَ المسلمون فيه تفرقاً شيئاً منه ورثوه عن التفرق السابق، وشيء منه تفرقوا فيه في هذا الزمن اللاحق مصداقاً لقوله ﵊ في حديث صحيح معروف أوله: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين
следующие страницы →