الشبهة الثالثة: المكان
وإذا عرفت الجواب عن الشبهة السابقة " الجهة " يسهل عليك فهم الجواب عن هذه الشبهة وهو أن يقال:
إما أن يراد بالمكان أمر وجودي وهو الذي يتبادر لأذهان جماهير الناس اليوم، ويتوهمون أنه المراد بإثباتنا لله تعالى صفة العلو. فالجواب: أن الله تعالى منزه عن أن يكون في مكان بهذا الاعتبار فهو تعالى لا تحوزه المخلوقات؛ إذ هو أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض وقد قال تعالى: [وما قدر الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه] وثبت في " الصحيحين " وغيرهما عن النبي ﵌ أنه قال: «يقبض الله بالأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟».
وأما أن يراد بالمكان أمر عدمي وهو ما وراء العالم من العلو فالله تعالى فوق العالم، وليس في مكان بالمعنى الوجودي كما كان قبل أن يخلق المخلوقات.
فإذا سمعت أوقرأت عن أحد الأئمة والعلماء نسبة المكان إليه تعالى. فاعلم أن المراد به معناه العدمي، يريدون به إثبات صفة العلو له تعالى، والرد على الجهمية والمعطلة الذين نفوا عنه سبحانه هذه الصفة ثم زعموا أنه في كل مكان بمعناه الوجودي، قال العلامة ابن القيم في قصيدته " النونية " (٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧ - المطبوعة مع شرحها " توضيح المقاصد ":
والله أكبر ظاهر ما فوقه شيء ... وشأن الله أعظم شان
والله أكبر عرشه وسع السما ... والأرض والكرسي ذا الأركان
وكذلك الكرسي قد وسع الطبا ... ق السبع والأرضين بالبرهان
стр. 2977
والله فوق العرش والكرسي ... لا تخفى عليه خواطر الإنسان
لا تحصروه في مكان إذ تقو ... لوا: ربنا حقا بكل مكان
نزهمتوه بجهلكم عن عرشه ... وحصرتموه في مكان ثان
لا تعدموه بقولكم: لا داخل ... فينا ولا هو خارج الأكوان
الله أكبر هتكت أستاركم ... وبدت لمن كانت له عينان
والله أكبر جل عن شَبَهٍ وعن ... مِثل وعن تعطيل ذي كفران
إذا أحطت علماً بكل ما سبق استطعت بإذن الله تعالى أن تفهم بيسر من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية التي ساقها المؤلف ﵀ في هذا الكتاب الذي بين يديك " مختصره " أن المراد منها إنما هو معنى معروف ثابت لائق به تعالى، ألا وهو علوه سبحانه على خلقه، واستواؤه على عرشه، على ما يليق بعظمته، وأنه مع ذلك ليس في جهة ولا مكان؛ إذ هو خالق كل شيء، ومنه الجهة والمكان، وهو الغني عن العالمين، وأن من فسرها بالمعنى السلبي فلا محذور منه، إلا أنه مع ذلك لا ينبغي إطلاق لفظ الجهة والمكان ولا إثباتهما لعدم ورودهما في الكتاب والسنة، فمن نسبهما إلى الله فهو مخطئ لفظأً إن أراد بهما الإشارة إلى إثبات صفة العلو له تعالى، وإلا فهو مخطئ معنى أيضاً إن أراد به حصره تعالى في مكان وجودي أو تشبيهه تعالى بخلقه.
وكذلك لا يجوز نفي معناهما إطلاقاً إلا مع بيان المراد منهما؛ لأنه قد يكون الموافق للكتاب والسنة؛ لأننا نعلم بالمشاهدة أن النفاة لهما إنما يعنون بهما نفي صفة العلو لله تعالى من جهة ونسبة التجسيم والتشبيه للمؤمنين بها، ولذلك ترى الكوثري في تعليقاته يدندن دائما حول ذلك بل يلهج بنسبة التجسيم إلى شيخ
стр. 2978
الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في كل مناسبة ثم تابعه على ذلك مؤلف " فرقان القرآن " في مواطن منه قال في أحدها (ص ٦١) أن ابن تيمية شيخ إسلام أهل التجسيم ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد﴾.
واتهام أهل البدع وأعداء السنن أهلَ الحديث بمثل هذه التهم قديم منذ أن نشب الخلاف بينهم في بعض مسائل التوحيد والصفات الإلهية، وسترى في ترجمة الإمام أبي حاتم الرازي رحمه الله تعالى قوله:
" وعلامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر وعلامة الجهمية أن يُسَمُّوا أهل السنة مشبهة وعلامة القدرية (المعتزلة) أن يسموا أهل السنة مجبرة، وعلامة الزنادقة أن يسموا أهل الأثر حشوية ".
وإن افتراءهم على شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال بعد أن روى قوله ﵌: «ينزل الله إلى السماء الدنيا ... » كنزولي هذا، معروف وقد بين بطلان هذه الفرية شيخي في الإجازة الشيخ راغب الطباخ في بعض أعداد مجلة المجمع العلمي بدمشق ثم صديقنا العلامة الأستاذ الشيخ محمد بهجة البيطار في كتابه " ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية ".
ومن أسوأ ما افتراه بعضهم على الإمام شيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي الأنصاري ما ذكره الحافظ المؤلف في ترجمته من " تذكرة الحفاظ " (٣/ ٣٥٨):
" لما قدم السلطان ألب أرسلان (هراة) في بعض قدماته اجتمع مشايخ البلد ورؤساؤه، ودخلوا على أبي إسماعيل وسلموا عليه وقالوا: ورد السلطان ونحن على عزم أن نخرج ونسلم عليه، فأحببنا أن نبدأ بالسلام عليك، وكانوا قد تواطؤوا على أن حملوا معهم صنماً من نحاس صغيراً وجعلوه في المحراب تحت سجادة
стр. 2979
الشيخ، وخرجوا وقام إلى خلوته ودخلوا إلى السلطان واستغاثوا من الأنصاري؛ لأنه مجسم وأنه يترك في محرابه صنماً يزعم أن الله على صورته (!) وإن بعث السلطان يجده، فعظم ذلك على السلطان وبعث غلاماً ومعه جماعة فدخلوا الدار وقصدوا المحراب فأخذوا الصنم، ورجع الغلام بالصنم، فبعث السلطان من أحضر الأنصاري فأتى فرأى الصنم والعلماء والسلطان قد اشتد غضبه. فقال السلطان له: ما هذا؟ قال: هذا صنم يعمل من الصفر شبهة اللعبة. قال: لست عن هذا أسألك. قال: فعم تسألني؟ قال: إن هؤلاء يزعمون أنك تعبد هذا، وأنك تقول إن الله على صورته، فقال الأنصاري بصولة وصوت جهوري: " سبحانك هذا بهتان عظيم ".فوقع في قلب السلطان أنهم كذبوا عليه، فأمر به فأخرج إلى داره مكرماً، وقال لهم اصدقوني - وهددهم - فقالوا: نحن في يد هذا الرجل في بلية من استيلائه علينا بالعامة فأردنا أن نقطع شره عنا، فأمر بهم ووكل (لعله: فكل) (١) بكل واحد منهم وصادرهم ".
وختاما أنقل إلى القراء الكرام فصلاً نافعاً من كلام الإمام أبي محمد الجويني في آخر رسالة " الإستواء والفوقية " في تقريب هذه المسألة إلى الأفهام بمعنى من علم الهيئة والفلك لمن عرفه قال:
" لا ريب أن أهل العلم حكموا بما اقتضته الهندسة، وحكمها صحيح لأنه ببرهان لا يكابر الحسن (٢) فيه بأن الأرض في جوف العالم العلوي، وأن كرة الأرض في وسط السماء كبطيخة، في جوف بطيخة والسماء محيطة بها من جميع جوانبها، وأن سفل العالم هو جوف كرة الأرض وهو المركز وهو منتهى السفل
стр. 2980
والتحت وما دونه لا يسمى تحتاً، بل لا يكون تحتاً ويكون فوقاً بحيث لو فرضنا خرق المركز وهو سفل العالم إلى تلك الجهة؛ لكان الخرق إلى جهة فوق، ولو نفذ الخرق جهة السماء من تلك الجهة الأخرى لصعد إلى جهة فوق (١).
وبرهان ذلك أنا لو فرضا مسافراً سافر على كرة الأرض من جهة المشرق إلى جهة المغرب وامتد مسافراً، لمشى مسافراً على الكرة إلى حيث ابتدأ بالسير وقطع الكرة مما يراه الناظر أسفل منه، وهو في سفره هذا لم يبرح الأرض تحته والسماء فوقه، فالسماء التي يشهدها الحس تحت الأرض هي فوق الأرض لا تحتها؛ لأن السماء فوق الأرض بالذات فكيف كانت السماء كانت فوق الأرض من أي جهة فرضتها. قال:
" وإذا كان هذا جسم وهو السماء علوها على الأرض بالذات، فكيف من ليس كمثله شيء وعلوه على كل شيء بالذات كما قال تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ وقد تكرر في القرآن المجيد ذكر الفوقية ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ ... لأن فوقيته سبحانه وعلوه على كل شيء ذاتي له، فهو العلي بالذات، والعلو صفته اللائقة به، كما أن السفول والرسوب والانحطاط ذاتي للأكوان عن رتبة ربوبيته وعظمته وعلوه، والعلو والسفول حد بين الخالق والمخلوق يتميز به عنه هو سبحانه عليٌّ بالذات، وهو كما كان قبل خلق الأكوان وما سواه مستقل عنه بالذات، وهو سبحانه العلي على عرشه، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج الأمر إليه، فيحيي هذا، ويميت هذا، ويمرض هذا، ويشفي هذا، ويعز هذا، ويذل هذا، وهو الحي القيوم القائم بنفسه، وكل شيء قائم به، فرحم الله عبداً
стр. 2981
وصلت إليه هذه الرسالة ولم يعالجها بالإنكار، وافتقر إلى ربه في كشف الحق آناء الليل [وأطراف] النهار، وتأمل النصوص في الصفات، وفَكَّرَ بعقله في نزولها، وفي المعنى الذي نزلت له، وما الذي أريد بعلمها من المخلوقات؟ ومن فتح الله قلبه عرف أنه ليس المراد إلا معرفة الرب تعالى بها، والتوجه إليه منها، وإثباتها له بحقائقها وأعيانها، كما يليق بجلاله وعظمته، بلا تأويل، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا جمود، ولا وقوف، وفي ذلك بلاغ لمن تدبر، وكفاية لمن استبصر إن شاء الله تعالى ".
وقال رحمه الله تعالى وأثابه خيراً مبيناً أثر هذه العقيدة في قلب المؤمن بها:
" العبد إذا أيقن أن الله فوق السماء، عالٍ على عرشه بلا حصر ولا كيفية، وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه؛ صار لقلبه قبلة في صلاته وتوجهه ودعائه، ومن لا يعرف ربه بأنه فوق سماواته على عرشه، فإنه يبقى ضائعاً لا يعرف وجهة معبوده، لكن لو عرف بسمعه وبصره وقدمه وتلك بلا هذا [الإيقان] معرفة ناقصة بخلاف من عرف أن إلهه الذي يعبده فوق الأشياء، فإذا دخل في الصلاة وكبر توجه قلبه إلى جهة العرش، منزها ربه تعالى عن الحصر، مفرداً له كما أفرده في قدمه وأزليته، عالماً أن هذه الجهات من حدودنا ولوازمنا ولا يمكننا الإشارة إلى ربنا في قدمه وأزليته إلا بها؛ لأنا محدثون، والمحدث لا بد له في إشارته إلى جهة، فتقع تلك الإشارة إلى ربه كما يليق بعظمته، لا كما يتوهم هو من نفسه، ويعتقد أنه في علوه قريب من خلقه، هو معهم بعلمه وسمعه وبصره، وإحاطته وقدرته ومشيئته، وذاته فوق الأشياء فوق العرش، ومتى شعر قلبه بذلك في الصلاة أو التوجه أشرق قلبه واستنار، وأضاء بأنوار المعرفة والإيمان، وعكسته أشعة العظمة على عقله وروحه ونفسه، فانشرح لذلك صدره، وقوي إيمانه، ونزه ربه عن
стр. 2982
صفات خلقه من الحصر والحلول، وذاق حينذاك شيئاً من أذواق السابقين المقربين، بخلاف من لا يعرف وجهة معبوده، وتكون الجارية (١) راعية الغنم أعلم بالله منه فإنها قالت: "في السماء " عرفته بأنه على السماء فإن " في " تأتي بمعنى " على " فمن تكون الراعية أعلم بالله منه لكونه لا يعرف وجهة معبوده؛ فإنه لا يزال مظلم القلب، لا يستنير بأنوار المعرفة والإيمان.
ومن أنكر هذا القول فليؤمن به، وليجرب، ولينظر إلى مولاه من فوق عرشه بقلبه مبصراً من وجه، أعمى من وجه، مبصراً من جهة الإثبات والوجود والتحقيق، أعمى من جهة التحديد والحصر والتكييف، فإنه إذا عَلِمَ ذلك وجد ثمرته إن شاء الله تعالى، ووجد نوره وبركته عاجلاً وآجلاً ﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾، والله سبحانه الموفق والمعين ".
"مختصر العلو" (ص٦٧ - ٧٦).
[١٠٣٢] باب إثبات صفة الاستواء لله تعالى والرد على من أنكر ذلك والرد على شبهة المعطلة: أن إثبات الصفات لله يستلزم التشبيه، مع نَقْلٍ مُهم عن الإمام الجويني حول ذلك كله
[قال الإمام في مقدمة "مختصر العلو"]:
موضوع الكتاب وخطورته
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا الكتاب قد عالج مسألة هي من أخطر المسائل الاعتقادية التي تفرق المسلمون حولها منذ أن وُجِدَت المعتزلة حتى
стр. 2983
يومنا هذا ألا وهي مسألة علو الله على خلقه الثابتة بالكتاب والسنة المتواترة المدعم بشاهد الفطرة السليمة, وما كان لمسلم أن ينكر مثلها في الثبوت لولا أن بعض الفرق المنحرفة عن السنة فتحوا على أنفسهم وعلى الناس من بعدهم باب التأويل فلقد كاد الشيطان به لعدوه الإنسان كيداً عظيماً ومنعهم به أن يسلكوا صراطاً مستقيماً كيف لا؟! وهم قد اتفقوا على أن الأصل في الكلام أن يحمل على الحقيقة وأنه لا يجوز الخروج عنها إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة, أو لقرينة عقلية, أو عرفية, أو لفظية, كما هو مفصل في محله, ومع ذلك فإنك تراهم يخالفون هذا الأصل الذي أصلوه لأتفه الأسباب وأبعد الأمور عن منطق الإنسان المؤمن بكلام الله وحديث نبيه حقّاً, فهل يستقيم في الدنيا فهم أو تفاهم إذا قال قائل مثلاً: "جاء الأمير" فيأتي متأول من أمثال أولئك المتأولين فيقول في تفسير هذه الجملة القصيرة: يعني جاء عبد الأمير أو نحو ذلك من التقدير.
فإذا أنكرت عليه ذلك أجابك بأن هذا مجاز فإذا قيل له: المجاز لا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة وهي ممكنة هنا أو لقرينة ولا قرينة هنا (١) سكت أو جادلك بالباطل.
وقد يقول قائل: وهل يفعل ذلك عاقل؟ قلت: ذلك ما صنعه كل الفرق
стр. 2984
المتأولة الذين ينكرون حقائق الأسماء والصفات الإلهية من المعتزلة وغيرهم ممن تأثر بهم من الخلف, ولا نبعد بك كثيراً بضرب الأمثال وإنما نقتصد مثلين
من القرآن الكريم أحدهما يشبه المثال السابق تماماً, والآخر له صلة بصلب موضوع الكتاب.
[فذكر الإمام المثال الأول ثم قال]:
وأما المثال الآخر فقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف:٥٤) وقوله فتأولوه ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الرعد:٢). فقد تأول الخلف الاستواء المذكور في هاتين الآيتين ونحوهما بالاستيلاء, وشاع عندهم في تبرير ذلك إيرادهم قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... بغير سيف ودم مهراق
متجاهلين اتفاق كلمات أئمة التفسير والحديث واللغة على إبطاله وعلى أن المراد بالاستواء على العرش إنما هو الاستعلاء والارتفاع عليه كما سترى أقوالهم مروية في الكتاب "أي: مختصر العلو" عنهم بالأسانيد الثابتة قرناً بعد قرن, وفيهم من نقل اتفاق العلماء عليه. مثل الإمام إسحاق بن راهويه (الترجمة ٦٧) والحافظ ابن عبد البر (الترجمة ١٥١) وكفى بهما حجة في هذا الباب.
ومع ذلك فإننا لا نزال نرى علماء الخلف - إلا قليلا منهم - سادرين (١)
في مخالفتهم للسلف في تفسيرهم لآية الاستواء وغيرها من آيات الصفات وأحاديثها.
стр. 2985
وقد يتساءل بعض القراء عن سبب ذلك فأقول:
ليس هو إلا إعراضهم عن اتباع السلف ثم فهمهم - خطأ - الاستعلاء المذكور في الآيات الكريمة أنه الاستعلاء اللائق بالمخلوق, ولما كان هذا منافياً للتنزيه الواجب لله اتفاقاً فروا من هذا الفهم إلى تأويلهم السابق ظنّاً منهم أنهم بذلك نجوا من القول على الله تعالى بما لا يليق به سبحانه.
ولقد كان من كبار هؤلاء العلماء القائلين بالتأويل المذكور برهة من الزمن جماعة من أهل العلم منهم الإمام أبو الحسن الأشعري كما سيأتي بيانه في ترجمته من الكتاب (١٢٠) , ومنهم العلامة الجليل أبو محمد الجويني الشافعي والد إمام الحرمين المتوفى سنة (٤٣٨) ثم هداه الله تعالى إلى اتباع السلف في فهم الاستواء وسائر الصفات, ثم ألف في ذلك رسالة نافعة قدمها نصيحة لإخوانه في الله كما صرح بذلك في مقدمتها وقد وصف فيها وصفاً دقيقاً تحيرَه وترددَه في مرحلة من مراحل حياته العلمية بين أتباع السلف وبين أتباع علماء الكلام في عصره الذين يؤولون الاستواء بالاستيلاء فقال رحمه الله تعالى (ص ١٧٦ - ١٧٧):
" اعلم أنني كنت برهة من الدهر متحيراً في ثلاث مسائل:
١ - مسألة الصفات.
٢ - مسألة الفوقية.
٣ - ومسالة الحرف والصوت في القرآن المجيد.
وكنت متحيراً في الأقوال المختلفة الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك من تأويل الصفات وتحريفها, أو إمرارها والوقوف فيها, أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل. فأجد النصوص في كتاب الله تعالى وسنة رسوله
стр. 2986
- ﵌ ناطقة منبثة بحقائق هذه الصفات وكذلك في إثبات العلو والفوقية وكذلك في الحرف والصوت.
ثم أجد المتأخرين من المتكلمين في كتبهم منهم من يؤول الاستواء بالقهر والاستيلاء, ويؤول النزول بنزول الأمر. ويؤول اليدين بالقدرتين أو النعمتين, ويؤول القدم بقدم صدق عند ربهم, وأمثال ذلك ثم أجدهم مع ذلك يجعلون كلام الله تعالى معنى قائماً بالذات بالأحرف بلا صوت, ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم.
وممن ذهب إلى هذه الأقوال أو بعضها قوم لهم في صدري منزلة مثل طائفة من فقهاء الأشعرية الشافعيين لأني على مذهب الشافعي ﵁ عرفت فرائض ديني وأحكامه, فأجد مثل هؤلاء الشيوخ الأجلة يذهبون إلى مثل هذه الأقوال وهم شيوخي ولي فيهم الاعتقاد التام لفضلهم وعلمهم, ثم إني مع ذلك أجد في قلبي من هذه التأويلات حزازات لا يطمئن قلبي إليها وأجد الكدر والظلمة منها وأجد ضيق الصدر وعدم انشراحه مقروناً بها فكنت كالمتحير المضطرب في تحيره. المتململ من قلبه في تقلبه وتغيره.
وكنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو والاستواء والنزول مخافة الحصر والتشبيه, ومع ذلك فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﵌ أجدها نصوصا تشير إلى حقائق هذه المعاني وأجد الرسول الله ﵌ قد صرح بها مخبراً عن ربه واصفاً له بها, وأعلم بالاضطرار أنه ﵌ كان يحضر مجلسه الشريف العالم, والجاهل, والذكي, والبليد, والأعرابي, والجافي, ثم لا أجد شيئاً يعقب تلك النصوص التي كان يصف ربه بها لا نصّاً ولا ظاهراً مما
стр. 2987
يصرفها عن حقائقها ويؤولها كما تأولها هؤلاء مشايخي الفقهاء المتكلمين, مثل تأويلهم الاستيلاء للاستواء, ونزول الأمر للنزول وغير ذلك. ولم أجد عنه ﵌ أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين وغيرها, ولم ينقل عنه مقالة تدل على أن لهذه الصفات معاني أُخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها وأجد الله يقول ... "
ثم ذكر بعض الآيات في الاستواء والفوقية والأحاديث في ذلك مما هو جزء يسير مما سيأتي في الكتاب ثم قال (ص ١٨١) (١):
" إذا علمنا ذلك واعتقدناه تخلَّصنا من شبهة التأويل, وعماوة التعطيل, وحماقة التشبيه والتمثيل, وأثبتنا علوَّ ربنا سبحانه وفوقيته واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته, والحق واضح في ذلك, والصدور تنشرح له فإن التحريف تأباه العقول الصحيحة مثل تحريف الاستواء بالاستيلاء وغيره, والوقوف في ذلك جهل وعي مع كون أن الرب تعالى وصف لنا نفسه بهذه الصفات لنعرفه بها, فوقوفنا عن إثباتها ونفيها عدول عن المقصود منه في تعريفنا إياها؛ فما وصف لنا نفسه بها إلا لنثبت ما وصف به نفسه لنا ولا نقف في ذلك.
وكذلك التشبيه والتمثيل حماقة وجهالة. فمن وفقه الله تعالى للإثبات بلا تحريف ولا تكييف ولا وقوف فقد وقف على الأمر المطلوب منه إن شاء
الله تعالى".
ثم شرع يبين السبب الذي حمل علماء الكلام على تأويل " الاستواء " بالاستيلاء فقال (ص ١٨١ - ١٨٣):
стр. 2988
"والذي شرح الله صدري في حال هؤلاء الشيوخ الذين أوَّلوا الاستواء بالاستيلاء ... هو علمي بأنهم ما فهموا في صفات الرب تعالى إلا ما يليق بالمخلوقين, فما فهموا عن الله استواء يليق به ولا ... فلذلك حرفوا الكلام عن مواضعه وعطلوا ما وصف الله تعالى نفسه به. ونذكر بيان ذلك إن شاء الله تعالى: لا ريب أنا نحن وإياهم متفقون على إثبات صفات الحياة والسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام لله, ونحن قطعا لا نعقل من الحياة إلا هذا العرض الذي يقوم بأجسامنا, وكذلك لا نعقل من السمع والبصر إلا أعراضاً تقوم بجوارحنا فكما أنهم يقولون: حياته ليست بعرض, وعلمه كذلك, وبصره كذلك هي صفات كما تليق به لا كما تليق بنا, فكذلك نقول نحن: حياته معلومة وليست مكيفة, وعلمه معلوم وليس مكيفاً, وكذلك سمعه وبصره معلومان ليس جميع ذلك أعراضاً بل هو كما يليق به.
ومثل ذلك بعينه فوقيته واستواؤه ونزوله, ففوقيته معلومة أعني ثابتة كثبوت حقيقة السمع وحقيقة البصر فإنهما معلومان ولا يكيفان, كذلك فوقيته معلومة ثابتة غير مكيفة كما يليق به واستواؤه على عرشه معلوم غير مكيف بحركة أو انتقال يليق بالمخلوق بل كما يليق بعظمته, وجلال صفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت غير معلومة من حيث التكييف والتحديد فيكون المؤمن بها مبصراً بها من وجه, أعمى من وجه؛ مبصراً من حيث الإثبات والوجود, أعمى من حيث التكيف والتحديد, وبهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله تعالى نفسه به وبين نفي التحريف والتشبيه والوقوف وذلك هو مراد الرب تعالى منا في إبراز صفاته لنا لنعرفه به ونؤمن بحقائقها وننفي عنها التشبيه ولا نعطلها بالتحريف والتأويل, ولا فرق بين الاستواء والسمع ولا بين النزول والبصر, الكل ورد به النص.
стр. 2989
فإن قالوا لنا في الاستواء: شبهتم, نقول لهم في السمع: شبهتم ووصفتم ربكم بالعرض, فإن قالوا: لا عرض بل كما يليق به, قلنا في الاستواء والفوقية: لا حصر بل كما يليق به, فجميع ما يلزمونا به في الاستواء والنزول واليد والوجه والقدم والضحك والتعجب من التشبيه نلزمهم به في الحياة والسمع والبصر والعلم, فكما لا يجعلونها هم أعراضاً. كذلك نحن لا نجعلها جوارح ولا ما يوصف به المخلوق وليس من الإنصاف أن يفهموا في الاستواء والنزول والوجه واليد صفات المخلوقين فيحتاجوا إلى التأويل والتحريف.
ومن أنصف عرف ما قلنا واعتقده وقَبِلَ نصيحتنا, ودان لله بإثبات جميع صفاته هذه وتلك, ونفى عن جميعها التشبيه والتعطيل والتأويل والوقوف. وهذا مراد الله منا في ذلك؛ لأن هذه الصفات وتلك جاءت في موضع واحد وهو الكتاب والسنة, فإذا أثبتنا تلك بلا تأويل وحرفنا هذه وأولناها كنا كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض وفي هذا بلاغ وكفاية إن شاء الله تعالى "
قلت: لقد وضح من كلام الإمام كالجويني رحمه الله تعالى السبب الذي حمل الخلف - إلا من شاء الله - على مخالفة السلف في تفسير آية (الاستواء) وهو أنهم فهموا منه - خطأً كما قلنا - استواء لا يليق إلا بالمخلوق وهذا تشبيه فنفوه بتأويلهم إياه بالاستيلاء ومن الغريب حقًّا أن الذي فروا منه بالتأويل قد وقعوا به فيما هو أشر منه بكثير ويمكن حصر ذلك بالأمور الآتية:
الأول: التعطيل وهو إنكار صفة علو الله على خلقه علوا حقيقيا يليق به تعالى. وهو بين في كلام الإمام الجويني
الثاني: نسبة الشريك لله في خلقه يضاده في أمره؛ فإن الاستيلاء لغة لا يكون
стр. 2990
إلا بعد المغالبة كما ستراه في ترجمة الإمام اللغوي ابن الأعرابي فقد جاء فيها:
أن رجلا قال أمامه مفسراً الاستواء معناه: استولى. فقال لهم الإمام: اسكت؛ العرب لا تقول للرجل: " استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد فأيهما غلب قيل: استولى. والله تعالى لا مضاد له ".وسنده عنه صحيح كما بينته هناك في التعليق (٢١٠) واحتج به العلامة نفطويه النحوي في " الرد على الجهمية " كما ستراه في ترجمته (١١٩):
فنسأل المتأولة: من هو المضاد لله تعالى حتى تمكن (؟!) الله تعالى من التغلب عليه والاستيلاء على ملكه عنه؟
وهذا إلزام لا مخلص لهم منه إلا برفضهم لتأويلهم ورجوعهم إلى تفسير السلف ولما تنبه لهذا بعض متكلميهم جاء بباقعة أخرى وذلك أنه تأول " الاستيلاء " الذي هو عندهم المراد من " الاستواء " بأنه استيلاء مجرد عن معنى المغالبة (١).
قلت: وهذا مع كونه مخالفا لغة كما سبق عن ابن الأعرابي فإن أحسن ما يمكن أن يقال فيه: إنه تأويلٌ للتأويل, وليت شعري ما الذي دخل بهم إلى هذه المآزق أليس كان الأولى بهم أن يقولوا: استعلى استعلاء مجرداً عن المشابهة. هذا لو كان الاستعلاء لغةً يستلزم المشابهة فكيف وهي غير لازمة؟ لأن الاستواء في القرآن فضلاً عن اللغة قد جاء منسوباً إلى الله تعالى كما في آيات الاستواء على العرش وقد مضى بعضها كما جاء منسوباً إلى غيره سبحانه كما قال في سفينة نوح ﴿استوت على الجودي﴾ وفي النبات ﴿استوى على سوقه﴾ فاستواء السفينة غير
стр. 2991
استواء النبات, وكذلك استواء الإنسان على ظهر الدابة, واستواء الطير على رأس الإنسان, واستواؤه؛ على السطح فكل هذا استواء, ولكن استواء كل شيء بحسبه, تشترك في اللفظ, وتختلف في الحقيقة, فاستواء الله تعالى هو استواء واستعلاء يليق به تعالى ليس كمثله شيء.
وأما الاستيلاء فلم يأت إطلاقه على الله تعالى مطلقاً إلا على ألسنة المتكلمين فتأمل ما صنع الكلام بأهله لقد زين لهم أن يصفوا الله بشيء هو من طبيعة المخلوق واختصاصه ولم يرضوا أن يصفوه بالاستعلاء الذي لا يماثله شيء وقد قال به السلف, فلا عجب بعد ذلك أن اجتمعوا على ذم الكلام وأهله وتأتيك بعض النقول عنهم في الكتاب ووافقهم على ذلك بعض الخلف فقال السبكي في مقدمة رسالة " السيف الصقيل" (ص ١٢):
" وليس على العقائد أضر من شيئين: علم الكلام والحكمة اليونانية ... وجميع الفرق الثلاث في كلامها مخاطرة إما خطأ في بعضه, وإما سقوط هيبته, والسالم من ذلك كله ما كان عليه الصحابة والتابعون وعموم الناس الباقون على الفطرة السليمة ".
" مختصر العلو" (ص٢٥ - ٣٢).
[١٠٣٣] باب الرد على بعض أهل البدع ممن عطَّل صفة الاستواء وغيرها مع الكلام على مسند الربيع بن حبيب
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«يُوشِكُ الشِّركُ أن يَنْتَقِلَ من رَبع إلى رَبع، ومن قبيلةٍ إلى قبيلةٍ. قيل: وما ذلك الشركُ؟ قال: قوم يأتون بعدكم يَحُدُّون اللهَ حَدَّاً بالصِّفَةِ».
стр. 2992
(موضوع).
[قال الإمام]:
وآثار الوضع والركة وعلم الكلام عليه ظاهرة، ولا غرابة في ذلك، فإنه لم يروه أحد من أهل السنة، وإنما تفرد به "مسند الربيع بن حبيب" الذي لا يُعرف مؤلفه بالثقة والضبط حتى عند أتباعه الإباضية! فقال فيه (٣/ ٢١٦ - مطبعة الإستقامة): قال جابر بن زيد: حدثنا أنس بن مالك: أن رسول الله ﵌ قال: ... فذكره.
قلت: وهذا إسناد معلَّق - فإنه رغم جهالة الربيع، - لم يصرح بسماعه من جابر بن زيد، فإنه مجهول العدالة مجهول الوفاة، وليس عند أتباعه علم به إلا الظن، فالذين طبعوا "مسنده" في دار (الفتح - بيروت)، طبعوا تحته ما نصه: "أحد أفراد النبغاء من آخر قرن البعثة"! والذين طبعوا شرحه للشيخ عبد الله بن حميد السالمي في سلطنة عُمان طبعوا مكان ذلك: "من أئمة المائة الثانية للهجرة"! ﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِين﴾! ومما يدل على ذلك أن الأستاذ التنوخي - عفا الله عنه، وقد حاباهم ما شاءت له المحاباة - قال في تقديمه للشرح المذكور (ص د):
"ومع أننا لم نعثر على تاريخ حياته، فإننا نقدر أنه بدأ بجمع "مسنده" في صدر المائة الثانية ... ".ومن قرأ مقدمة الشارح السالمي للمسند المزعوم يتبين له: "أنه كان مشوشاً، وأنه رتبه الشيخ يوسف بن إبراهيم السدراني، وأنه يحوي روايات الربيع عن أبي عبيدة عن جابر، وأن الشيخ المذكور ضم إليه روايات الربيع عن ضمام عن جابر، وروايات أبي سفيان عن الربيع، وروايات الإمام أفلح
стр. 2993
عن أبي غانم وغيره، ومراسيل جابر بن زيد".قلت: فمن نكد الدنيا أن يسمى هذا (الكشكول): "مسند الربيع"! وأنكد منه أن يسميه الإباضية "الجامع الصحيح"! والواقع أن أحداً من العلماء بالحديث الشريف ورجاله لا يستطيع أن يثبت بطريق علمي صحة حديث واحد منه، فضلاً عن أن يثبت صحة نسبة الكتاب إلى الربيع أولاً! وكون الربيع نفسه من الثقات الحفاظ ثانياً! ومع هذه الطوام نجد ذاك الجاهل المتعالم الذي لا يعرف من العلم إلا الجعجعة، وتسويد الصفحات بالطعن على كبار المحدثين والعلماء، لا لشيء إلا لتمسكهم بعقيدة السلف، والاستعلاء على علماء عصره ونصبه نفسه عليهم معلماً، يوضح لهم ما كان خافياً، ويفرِّج عنهم كربة الحيرة والضلال في فهم أحاديث الصفات! فاسمع إليه كيف يقول في مقدمته لكتاب ابن الجوزي: "دفع شبه التشبيه" (ص ٤):"وإنما نريد الإيضاح وخدمة أهل العلم والطلاب ".
وقال في آخرته (ص ٢٧٤):"نسأل الله تعالى أن نكون بهذا التعليق قد فرجنا عن أهل العلم وطلابه كربة الحيرة في هذه الأحاديث المتعلقة بالصفات".
هذا الجاهل المتعالم يصف الربيع بن حبيب الإباضي في تعليقه (ص ١٢٤) بـ "الإمام"، ويصف "مسنده" بـ"الجامع الصحيح"،وقال فض فوه: "وهو كتاب محفوظ منقول بالاعتناء عند أهل مذهبه، ككتب الفقه المنقولة عن الأئمة المقتدى بهم، ففيه ... ".
ثم ساق له حديثين، لأنهما يشهدان لتعطيله وتجهمه، وإنكاره للصفات
- كالإباضية القائلين بأن القرآن مخلوق، وأن الله تعالى لا يراه المؤمنون يوم القيامة، وغيرها من عقائدهم الباطلة -، فترى هذا الجاهل الأفين يستشهد بهذا
стр. 2994
"المسند" ويُشَبِّهه بكتب الأئمة - وهو كاذب في ذلك يقيناً -.هذا الحديث أحدهما، والآخر فيه زيادة باطلة على حديث "الصحيحين" عن أبي موسى الذي فيه: «إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً ... » ولا مجال الآن لبيان ذلك، ولكني أريد أن أبيِّن لهذا الجاهل الذي عزا الحديثين لإمامه (!) الربيع، وساق إسناد الربيع فيه: أخبرنا أبو ربيعة زيد بن عوف العامري البصري قال: أخبرنا حماد بن سلمة ... إلخ، فأقول: إن هذا الإسناد مما يدل على بطلان إدعاء الإباضية المتقدم أن الربيع "من آخر قرن البعثة"! بل وادعاء من قال: إنه من أئمة المائة الثانية "! وذلك لأن حماد بن سلمة الذي هو شيخ زيد بن عوف في هذا الإسناد هونفسه من أئمة المائة الثانية، بل من أواخرها، فإنه مات سنة (١٦٧)، وزيد بن عوف شيخ الربيع في هذا الإسناد هو من شيوخ أبي حاتم كتابة عنه، وقد توفي سنة (٢٧٧).
وعلى هذا فالربيع إن كان هو الراوي عن زيد بن عوف، يكون من رجال القرن الثالث، وإلا، فالراوي عنه ليس هو الربيع، فيكون عزو الحديث إليه كذباً من جهل هذا المتعالم اغتراراً منه بدعاوى الإباضية.
وهذا هو الذي يترجح عندي: أن الراوي للحديث الثاني هو غير الربيع، لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن، لكن يكفي الإباضية ومن على شاكلتهم ما ذكره الشيخ السالمي الإباضي في (مقدمته) أن من شيوخ الربيع حماد بن سلمة، وهذا في إسناد الحديث شيخ شيخ الربيع: زيد بن عوف - كما تقدم -.
ومن الغرائب التي تدل على جهل علماء الإباضية - أو على الأقل عدم اعتمادهم على كتب علماء الحديث في تراجم الحديث -: أن الشيخ السالمي أورد حماد بن سلمة وغيره من شيوخ الربيع - كما زعم - في جملة شيوخ الربيع
стр. 2995
المجاهيل!! مع أن حماد بن سلمة من أشهر علماء الحديث والذابين عن السنة - كما يعرف ذلك صغار الطلبة -، ولعله لهذا السبب تجاهله الإباضية.
وكان شراً منهم ذلك الجاهل الذي يطعن في أحاديثه، ويعتبر وجوده في
إسناد حديث ما مسقطاً لصحة الحديث إلا إذا وافق هواه، فانظر حديث قوله ﵌ للجارية: "من ربك؟ "، فإنه صححه في غير مكان من تعليقه على " دفع شبه التشبيه"، مع أنه أساء القول فيه جداً مقلداً للشيخ الكوثري، فراجع هذا الحديث في "الصحيحة" (٣١٦١)، فقد جمعت فيه طرقه وألفاظه التي منها قوله ﵌ للجارية: "أين الله؟ ".
أخرجه مسلم وغيره من أهل الصحاح، كأبي عوانة وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود، وصححه أيضاً البيهقي والبغوي والذهبي والعسقلاني وغيرهم. ومع ذلك فإن هذا الجاهل الأفين يستعلي على هؤلاء الأئمة الفحول، ويخطئهم في تصحيحهم لهذا الحديث ويقول (ص ١٠٨): "ونحن نقطع بأن النبي ﵌ لم يقل لفظ: (أين الله؟) ".
ويصف هذا اللفظ النبوي في مكان آخر (ص ١٨٨) فيقول - فض فوه-: "اللفظ المستشنع الشاذ"!
ويبني على ذلك إنكار ما في جواب الجارية: "في السماء" ... المطابق لقوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾، فيقول في نفس الصفحة دون أدنى تردد أو حياء: "ولا عبرة بكلام المعلق على "الفتح" البتة، لأنه لا يعرف التوحيد! فليخجل بعد هذا من يدعو الناس إلى عقيدة (الله في السماء) وليتب"!! ويشير بقوله: "المعلق على (الفتح) " إلى فضيلة الشيخ ابن باز حفظه الله من كل مكروه ونفع به
стр. 2996
المسلمين، وذلك لأنه قال في تعليقه:
"الصواب عند أهل السنة وصف الله سبحانه بأنه فوق العرش - كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة -، ويجوز عند أهل السنة السؤال عنه بـ: (أين)، كما في "صحيح مسلم" ... ".
وهذا حق لا يخفى إلا على أعمى البصر والبصيرة عياذاً بالله تعالى.
وإن مما يؤكد ضلال هذا الجاهل وزيغه ومحاربته لعلماء الحديث والسنة: أنه يستعين على ترويج ضلاله وتجهمه احتجاجه بهذا الحديث على تعطيل علوه تعالى على خلقه، واستوائه على عرشه استواءً يليق بجلاله وعظمته، ويتأول الاستواء بتأويل المعطلة، فيقول (ص ١٢٤): "معناه قهر واستولى"! ثم يؤيد ذلك بهذا الحديث الباطل، الذي يرمي المؤمنين بصفاته تعالى بالشرك، وأنهم يحدون الله حداً بالصفة! فالإيمان باستعلائه تعالى واستوائه على عرشه تحديد له، لزعمهم أن ذلك يستلزم القول بالتشبيه والتجسيم، ولذلك يرميني هذا الجاهل الضال ويصفني كلما ذكرني بـ "المجسم"! ولا غرابة في ذلك فإنه يرمي بذلك كبار العلماء الأئمة كابن خزيمة وابن تيمية وابن القيم وغيرهم ممن هم على نهج السلف الصالح ﵃ أجمعين (١).
وإن من عجيب أمر هؤلاء المعطلة النفاة لعلو الله على عرشه أنهم يتوهمون من إثبات العلو إثبات المكان لله ، وهذا مما يدل على بالغ جهلهم! لأن الله تعالى كان قبل كل شيء ثم خلق الأمكنة والسماوات والأرض وما بينهما، وقد
стр. 2997
صح في المعقول وثبت بالواضح من الدليل أنه كان في الأزل لا في مكان - كما قال حافظ الأندلس ابن عبد البر ﵀ في "التمهيد" (٧/ ١٣٥ - ١٣٦) -، فهو تعالى ليس في مكان أزلاً وأبداً.
ومع هذا الجهل البالغ فقد وقعوا فيما منه فروا، لقد فروا مما توهموه ضلالاً - وهو الحق يقيناً، أن الله فوق المخلوقات كلها ومنها الأمكنة -، فوقعوا في الضلال الأكبر حين قالوا: إنه في كل مكان، وافترى بعض الإباضية في ذلك حديثاً نسبوه إلى النبي ﵌ كما سترى في الحديث الذي بعده -. والله المستعان.
"الضعيفة" (١٣/ ٢/٧٢٨ - ٧٣٤).
[١٠٣٤] باب رد شبهة حول علوِّ الله تعالى
سؤال: شيخنا بعض الأحباش تلاميذ عبد الله الحبشي قاموا بمخاطبة بعض نساء هذا البلد عن طريق الفطرة يخاطبهم كمثال يقول لهم: من خلق المكان فيجيب النساء: الله، فيقول هذا الحبشي: وهل يجوز أن الله هو خالق المكان أن يكون داخل هذا المكان؟ فتجيب المرأة: طبعاً لا، فيقول لها: إذاً الله يعني لا يحده شيء لا هو في الأعلى ولا في الأسفل ولا للأمام ولا للخلف ولا عن اليمين وعن اليسار، وكذلك سائر الصفات يقول بأن اليد المتعارف عليها هي الجارحة التي بين البشر، وهذا محال أن يكون لخالق البشر وهو رب العباد؟ أفيدونا جزاكم الله خير.
الشيخ: ليتها كانت طريقة فطرية.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 2998
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:١٠٢) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:٧٠، ٧١] أما بعد .. فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قبل أن أشرع في الإجابة عن هذا السؤال إني أُطَمئن المسلمين جميعاً الحاضرين منهم والغائبين، الرجال منهم والنساء بأن الله ﵎ منزه عن كل مكان؛ ذلك لأن المكان حينما يُطلق فإنما يقصد به ما كان عدماً ثم خلقه الله فجعله مكاناً لمثل هذه المخلوقات الشتى من إنس وجن وملائكة، ولكن هذه الكلمة التي تُلقى من أولئك الناس وهم معلومون عند أهل العلم بأنهم يحييون سنة سيئة من علم الكلام القائم على العقل وليت هذا العقل كان عقلاً موحداً بين جميع الناس، بين المسلمين منهم والكافرين، بين الصالحين من المسلمين والطالحين، ليت هذا العقل كان عقلاً موحداً حتى يصح لكل عاقل أن يرجع في الحكم إليه، أما والعقول مختلفة أشد الاختلاف، ولذلك كان من الحماقة بمكان عظيم أن يحكم هؤلاء المنتمون إلى الإسلام بإخلاص أو بغير إخلاص فحسابهم على الله, لو كان العقل موحداً كان لهم نوع من العذر أن يُحَكِّموا عقولهم، أما والعقول أولاً مختلفة -كما قلنا ولا أعيد التفصيل- بين صالح وطالح، والآن أقول فرقاً آخر: عقل العالم يختلف كل الاختلاف عن عقل الجاهل، ولا أقول عقل عالم بالشرع وإنما أقول
стр. 2999
عقل عالم بأي علم يختلف كل الاختلاف عن عقل آخر ليس بعالم بذاك العلم الذي عقله الرجل الأول، فمثلاً العاقل الطبيب لا يمكن أن يشاركه في عقله وفي علمه من لم يكن مشاركاً له في طبه والعكس بالعكس تماماً من كان عالماً مثلاً بالفيزياء أو الكيمياء لا يمكن أن يشاركه من كان عالماً بالطب، وهكذا نقول في النهاية .. في نهاية المطاف لا يمكن أن يكون العاقل العالم بالكتاب والسنة كذاك العاقل الجاهل بالكتاب والسنة، والأمر أهم من هذا التقسيم وهذا التفصيل العاقل العالم بالكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح لا يمكن أن يكون عقله كعقل ذاك الرجل
الذي يتكئ على عقله في فهم الكتاب والسنة ولا يرجع في فهمه إلى ما كان عليه السلف الصالح.
فهنا إذاً في نهاية هذا التقسيم عالمان بالكتاب والسنة، لكن أحدهما يعتمد في فهمه للكتاب والسنة على الآثار السلفية التي تعود أولاً إلى أصحاب الرسول ﵌ الأولين، ثم من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هذا الذي يعتمد على الكتاب والسنة وعلى هذا المنهج السلفي يختلف عقله كل الاختلاف عن ذاك الرجل الآخر الذي يعتمد على الكتاب والسنة، ولكن يعتمد على فهمه إياهما وليس على فهم السلف لهما، هؤلاء الناس من علماء الكلام المحدثين أو أولئك العلماء علماء الكلام القدامى كلهم يحكمون عقولهم، ليت عقلهم كان معتمداً فقط على الكتاب والسنة، وليس كالفريق الأول الذي يعتمد على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، لا أدري هذا المكان يتطلب مني وقفة أرجو أن تكون قصيرة للتفريق بين الرجلين الأول الذي يعتمد على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح والآخر الذي يعتمد على الكتاب والسنة دون أن يلوي رأسه وعقله وفهمه إلى ما كان عليه سلفنا الصالح،
стр. 3000
لعل هذا لا يحتاج إلى توضيح، أم أن الأمر بحاجة إلى شيء من التوضيح؟
الشيخ: إذا كان هذا التفريق واضحاً في آذان إخواننا الحاضرين وإخواننا الحاضرين الغائبين .. إذا كان هذا واضحاً فأقول: هذه فلسفة نعرفها من أقدم حينما يعتمدون على الكلام ولا أقول على العقل بعد ذاك التفصيل، وإنما على عقلهم فقط، يريدون أن ينزهوا الله عن المكان وهو منزه عن المكان بحكم قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة:٢٥٥) فالله كما نعلم جميعاً على اختلاف الفرق الإسلامية كان الله ولا شيء معه، لم يكن ثمة زمان ولا مكان، ثم خلق الله المكان والزمان، فلذلك فلا شك ولا ريب أن الله ليس في مكان، ولكن الذي يجب الانتباه له أن تلك الكلمة الحبشية إذا صحت هذه النسبة يتبين لنا بهذه الكلمة الموجزة أنها كلمة حق أريد بها باطل، أي قولهم: إن المكان مخلوق ولا يُعقل أن يكون الله حالاً في مخلوق .. هذا كلام صحيح، لكن هي كلمة حق أريد بها باطل، ما هو الباطل الذي يُراد بهذه الكلمة؟ يريدون أن يعطلوا الله عن صفاته وعن أسماءه ﵎ المصرح بها في القرآن وفي السنة الصحيحة، فنحن نقول معهم بأن الله ليس في مكان، ولكن هل يقولون معنا كما قال الله في القرآن ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥]؟ هل يقولون معنا الآية الكريمة ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر:١٠)؟ هل يقولون معنا كما قال ربنا: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (المعارج:٤)؟ هل يقولون .. هل يقولون؟ الجواب مع الأسف لا، إذاً تلك كلمة حق أريد بها باطل، والآن سيتضح لكم ولكل من قد يكون تسربت إليهم أو إليهن شيء من شبه أولئك الأحباش، سنقول: إن الله عز
стр. 3001
وجل قد وصف في هذه الآيات وفي غيرها، وفي أحاديث كثيرة وكثيرة جداً أن له صفة العلو .. أن له ﵎ صفة العلو، فلا جرم أن المصلي حينما يسجد يقول: سبحان ربي الأعلى، وأن من أدب التلاوة في قيام الليل في صلاة الليل، إذا قرأ الإمام سبح اسم ربك الأعلى أن يقول المقتدون من وراءه: سبحان ربي الأعلى، ونحو ذلك من نصوص كثيرة في الكتاب والسنة قاطعة الدلالة على أن لله صفة العلو على المخلوقات كلها، هل هم يقولون مع قولهم إن الله ليس في مكان أن الله على العرش استوى؟ لا يقولون بذلك، والسبب يعود إلى أمرين اثنين والأمر كما يقال أحلاهما مر: إما أن يكون الأمر هذا يعود إلى انحراف في الفكر والعقل بل وإلى نقص في العقل والفهم، وإما أن يكون القصد الهدم للإسلام من أقوى جوانبه ألا وهو العقيدة المتعلقة بالله ﵎، وكما علمتم أحلاهما مر .. سواء كان قولهم هذا بأن ينكروا ما صرح الله في تلك الآيات والنصوص ما ذكرنا منها وما لم نذكر بأن لله صفة العلو، إنكارهم لهذه الصفة إما أن يكون نقصاً في العقل والفهم والعلم، وإما أن يكون كيداً للإسلام والمسلمين فأحلاهما مر.
نحن سنقول الآن: الله ليس في مكان خلقه بعد أن كان عدماً، هذه حقيقة لا شك ولا ريب فيها، لكن هل الله فوق المخلوقات كلها وهو ليس في مكان لا تلازم؟ وهنا يظهر جهل هؤلاء أو كيدهم، لا تلازم إطلاقاً بين إثبات صفات العلو لله على المخلوقات كلها، وبين أن يكون هو في مكان؛ لأن المكان حينما يُطلق إنما يراد به شيئاً كان مسبوقاً بالعدم ثم خلقه الله .
إذاً هؤلاء الذين يبدؤون الكلام بالفلسفة الكلامية المكان مخلوق أم ليس
стр. 3002
بمخلوق؟
نعم هو مخلوق.
هل يليق بالله أن يكون في مكان خلقه؟
الجواب: لا يليق.
إذاً كيف يقال: إن الله في مكان؟
نقول: لا أحد من المسلمين يقول إن الله في مكان إلا المنحرفين عن الكتاب والسنة، هناك طائفتان اثنتان: طائفة تثبت المكان لله ولعلكم تسمعون هذا الإثبات من ألسنة من ينتمون إلى أهل السنة والجماعة من بين أظهرنا، لا نذهب بكم بعيداً عنا فأحدنا في بعض المجالس طالما سمع بأذنيه قائلاً من المسلمين وليسوا من الأحباشيين، طالما سمعناهم يقولون: الله في كل مكان، الله موجود في كل الوجود .. ! هذه عقيدة ليست من عقائد المسلمين إطلاقاً، وهذا إنما هو عقيدة طائفة من طائفتين انحرفتا عن العقيدة الصحيحة التي ذكرناها آنفاً من المقطوع بها في القرآن وفي السنة وهي أن الله على العرش استوى، هم المعتزلة قديماً وحديثاً، المعتزلة القدامى يصرحون بأن الله في كل مكان، ومن هؤلاء الطوائف التي لا تُعرف اليوم باسم المعتزلة لكنهم يُعرفون باسم آخر وهم طائفة من الخوارج الذين نعرف جميعاً شيئاً من تاريخهم ومن انحرافهم في كثير من العقائد الصحيحة تلك الطائفة الموجودة اليوم هم المعروفون بالإباضية .. الإباضية الآن يتبنون عقيدة المعتزلة أن الله في كل مكان، لا كلام لنا الآن مع هؤلاء؛ لأنهم قد عرفتم بأنهم مبطلون حينما يحشرون الله في كل مكان، لكن مع الأسف يجب أن تتنبهوا وأن تتذكروا أن هؤلاء الأحباش وأمثالهم حينما يلتقون
стр. 3003
مع بعض المسلمين أو المسلمات ويشككونهم في عقيدتهم الصحيحة وهي أن الله على العرش استوى، كيف لا كيف كما تعلمون، وهذا له بحث آخر .. فبدل أن يعالجوا ما نسمعه في مجالس أهل السنة والجماعة كما يقولون اليوم إن الله موجود في كل مكان، بدل أن يعالجوا هذا الخطأ يعالجون عقيدة صحيحة باسم إنكار هذا الخطأ، فالمعتزلة قديماً ومن على شاكلتهم من الإباضية حديثاً يصرحون بأن الله في كل مكان، وهذا ضلال ما بعده ضلال، ولعلنا نعرج لتفصيل شيء من هذا الضلال ..
أما الطائفة الأخرى فهم الذين يقولون إن الله ليس في مكان مطلقاً سواء كان المكان مكاناً وجودياً أي الذي كان عدماً ثم خلقه الله، أو كان مكاناً ذهنياً، كلنا يعلم كما ذكرت لكم آنفاً بأن الله كان ولا زمان ولا مكان، فهل كان في مكان؟ إن كان المقصود بالمكان مكان المخلوق فحاشاه، كان ولا شيء معه مطلقاً، أما إن كان في هذا العدم الذي كونه فيما بعد فجعل قسماً منه خلقاً بقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (البقرة:١١٧) فالله كان وهو من هذه الحيثية لا يزال كما كان، أي ليس في مكان مخلوق، هذا واضح جداً .. فالطائفة الأخرى ينكرون أن يكون الله كما كان في الأزل ليس في مكان، ولذلك فهم لا يثبتون له صفة العلو على المخلوقات كلها، هؤلاء لهم قولة من أبطل ما يقوله كافر لا أقول مسلم، هؤلاء الفريق الثاني الذين يخالفون المعتزلة في ضلالهم عرفتم المعتزلة يقولون: إن الله في كل مكان .. ! هذا ضلال واضح ولا يحتاج إلى بيان إن شاء الله على الأقل الآن، أولئك الذين يقولون الله ليس في مكان كما تقول المعتزلة وكما تقول الأحباش، هؤلاء لا يقولون إن الله له صفة العلو على المخلوقات كلها، لا يعلم كيفية ذلك إلا الله ماذا يقولون؟ يقولون اسمعوا الآن وانتبهوا،
стр. 3004
وهذه عقيدة الأحباش فأرجو مَنْ تمكنوا مِنْ الوسوسة إليهم أن يعرفوا حصيلة وسوستهم ألا وهي جحد الخالق والمصير إلى الإلحاد المطلق كما هو مذهب الشيوعيين والدهريين والزنادقة والملاحدة الذين يقولون: لا شيء إلا المادة، اسمعوا الآن بماذا يصفون ربهم؟ يقولون: الله ﵎ لا فوق ولا تحت
ولا يمين ولا يسار ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، ها نحن
اتفقنا معهم المكان مخلوق وهو العالم، فالله ليس داخل العالم، ولكن ما بالهم يقولون: أيضاً ليس خارج العالم؟ هذا هو الإلحاد وهذا هو الجحد المطلق، زاد بعضهم إغراقاً في التعطيل وفي النفي فقالوا بعد أن قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، قالوا: لا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، هذا هو الجحد، هذا الذي يقوله الدهريون جميعاً.
ويعجبني بهذه المناسبة مناظرة وقعت بين شيخ الإسلام وبين بعض علماء الكلام من أمثال الأحباش هؤلاء كانوا قد شكُوا شيخ الإسلام ابن تيمية إلى حاكم البلد يومئذ في دمشق، بأنه يقول كذا وكذا وكذا .. ويجسم ويتهمونه بما ليس فيه، وطلبوا عقد مجلس مناظرة معه، فاستجاب الأمير لذلك ودعا شيخ الإسلام ابن تيمية والمخالفين له، فجلسوا أمام الأمير فسمع الأمير دعوى هؤلاء المشائخ، وسمع من شيخ الإسلام الآيات والأحاديث التي تُثبت لله صفة العلو على خلقه مع التنزيه التام كما هو مصرح به في القرآن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فلما سمع كلام الشيخ من جهة وكلام أولئك العلماء من جهة أخرى قال وهذا يدل على عقل وذكاء ممتاز قال: هؤلاء قوم أضاعوا ربهم، هذه كلمة حق .. أناس يقولون عن ربهم باختصار، ما في داعي نعيد عليكم .. حسبكم أن تتذكروا الحصيلة لا داخل العالم ولا خارجه، لا متصلاً به ولا
стр. 3005
منفصلاً عنه، صدق ذلك الأمير حينما قال عن هؤلاء الأقوام: هؤلاء قوم أضاعوا ربهم؛ لأننا إذا قلنا لأفصح رجل في اللغة العربية صف لنا المعدوم الذي لا وجود له؟ لما استطاع أن يصفه بأكثر مما يصف هؤلاء معبودهم وربهم، المعدوم: الذي ليس داخل العالم ولا خارجه، فهل الله كذلك؟ حاشا لله، كان الله ولا شيء معه، لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الحقيقة يصف الطريقين المجسمة الذين يشبهون الله ببعض مخلوقاته، هؤلاء الذين يتستر من ورائهم الأحباش هؤلاء فينكرون أن يكون لله مثلاً صفة اليد التي ذكرها في القرآن والصفات الأخرى التي قد نتعرض لذكر شيء منها قريباً إن شاء الله .. وصف هؤلاء ابن تيمية المجسمة بوصف دقيق جداً كما أنه وصف المعطّلة وقرن الطائفتين وجمعهم في وصف يجمعهم الضلال قال: المُجسِّم يعبد صنماً والمعطّل يعبد عدماً، الله ليس جسماً .. ! حاشا لله، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) أما المعطل فيعبد عدماً، كيف؟ لا داخل العالم ولا خارج العالم، لا متصلاً به ولا منفصلاً عنه هذه هي عقيدة المعتزلة وعلماء الكلام ومنهم الأشاعرة اليوم، ومنهم بعض الماتريدية قديماً وقد يكونون اليوم عامة الماتريدية حيث لا يقولون بقولة الحق التي قالها بعض الماتريدية القدامى الذين تمسكوا بهدي السلف الصالح فقال قائلهم بحق:
ورب العرش فوق العرش لكن ... بلا وصف التمكن واتصال
أي أن الله كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (العنكبوت:٦) فالله استوى على العرش أي استوى على المخلوقات كلها ليس لأنه بحاجة إليها وإنما ليكون مهيمناً وقاهراً لكل مخلوقاته.
يأتي هنا أن نقول لهؤلاء الأحباش وأمثالهم من المنحرفين عن عقيدة السلف
стр. 3006
الصالح أن الله فوق العرش استعلى بنص القرآن الكريم وتفسير السلف الصالح ها أنتم تقولون إن الله ليس في مكان، هل يجوز للمسلم أن يقول أين الله؟ هنا سينكشف البرقع عن هؤلاء المتسترين بتنزيه الله عن المكان المخلوق، لكننا نسألهم هل يجوز للمسلم أن يقول أين الله؟ إعتقادي وتجربتي في أكثر من نصف قرن من الزمان أنهم يأبون أن يُسأل المسلم مثل هذا السؤال أين الله؟ بالتالي من باب أولى أنهم يأبون أن يكون جواب هذا السؤال:
الله في السماء، علماً بأن النبي ﵌ هو الذي سن لنا نحن معشر المسلمين المتبعين للكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح هو الذي سن لنا أن نسأل من نشك في إيمانه بالله : أين الله؟ وبالتالي سن لنا الجواب أن يكون هو: الله في السماء، لكن هذا لا بد أنه بحاجة إلى شيء من البيان، أي حينما نقول الله في السماء، وهذا سأقوم به إن شاء الله بعد أن أذكر إخواننا وأخواتنا السامعات بحديث أخرجه الأئمة في كتبهم واتفق علماء الحديث وعلماء التفسير وفقهاء الأئمة الأربعة وغيرهم على صحة الحديث التالي، وقد أخرجه من أهل الحديث الإمام مسلم في صحيحه ومن قبله الإمام مالك في موطئه ومن بعده الإمام أحمد في مسنده، وغيرهم كثير وكثير جداً ممن تبعوهم بإحسان، ذلك الحديث هو ما جاء بالسند الصحيح عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه أنه صلى يوماً وراء النبي ﵌ فعطس رجل بجانبه فقال له وهو يصلي: يرحمك الله، فنظروا إليه بأطراف أعينهم مسكتين له، لكنه يبدو أنه كان حديث عهد بالإسلام حديث عهد بمعرفة الأحكام المتعلقة بالصلاة، ولذلك فقد ضاق بهم ذرعاً حينما رآهم ينظرون إليه نظرة تسكيت له، فقال رافعاً صوته: واثكل أمياه، ما بالكم تنظرون إلي؟ فأخذوا ضرباً على أفخاذهم، أيضاً يتابعونه
стр. 3007
بالإسكات، فحينئذ كأنه تبين أنه على خطأ، فذكر من هديه ﵇ ولطفه معه قال: فلما قضى رسول الله ﵌ الصلاة أقبل إليّ فوالله ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال لي: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي تسبيح وتكبير وتحميد»، لما وجد هذا الرجل هذا اللطف وكل شيء من معدنه جميل فهو الذي وصفه رب العالمين في القرآن الكريم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:٤) حينما وجد منه هذا اللطف في التعليم طمع أن يزداد علماً بعد أن عرف أنه أخطأ في الصلاة وتكلم ولا يجوز له الكلام، فقال: يا رسول الله إن منا أقواماً يتطيرون قال: فلا يصدنكم، قال: إن منا أقواماً يأتون الكهان، قال: فلا تأتوهم، قال: إن منا أقواماً يخطون بالرمل، ضرب الرمل معروف إلى اليوم مع الأسف، قال ﵊: «قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطه فذاك»، قال: يا رسول الله .. والشاهد الآن يأتي، وما مضى يحتاج إلى محاضرة بل وأكثر من محاضرة، ولكن الشاهد الآن هو ما يأتي .. قال: يا رسول الله لي جارية ترعى غنماً لي في أُحُد فسطا الذئب يوماً على غنمي وأنا رجل أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكة وعليّ عتق رقبة، فقال ﵊: «هاتها»، فلما جاء قال لها ﵊: «أين الله؟ قالت: في السماء قال لها: من أنا قالت: أنت رسول الله قال لسيدها: اعتقها فإنها مؤمنة».
هذا الحديث اتفق علماء المسلمين على اختلاف تخصصاتهم من علماء الحديث وهذا تخصصهم، وعلماء التفسير وعلماء الفقه وعلماء التوحيد .. كلهم اتفقوا على تصحيح هذا الحديث إلا علماء الكلام الذين يركبون رؤوسهم ويتبعون أهواءهم فهم الذين يردُّون هذا الحديث بعقولهم العقول التي عرفتم أنها لا قيمة لها، هذا الحديث سن لنا أنه يجوز لنا أن نسأل الأحباشيين وأمثالهم من
стр. 3008
أذناب المعتزلة أو الإباضية: أين الله؟ فتراهم حيارى، والجريء منهم يقول: هذا السؤال لا يجوز، وهم يجهلون أن النبي ﵌ هو الذي سَنَّ هذا السؤال لأمته، فهم إذاً يردون على نبيهم الذي يزعمون أنهم يؤمنون به، ثم كان الجواب من الجارية الله في السماء، قد لا تصدقون ولكن الكتاب موجود، إن بعض العلماء في العصر الحاضر يقولون إن القول بأن الله في السماء هي عقيدة الجاهلية وليست عقيدة المسلمين، وأن هذه الكلمة أن الله في السماء هي حكاها عنهم رب العالمين في القرآن الكريم، والله كما تعلمون من سورة تبارك ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (الملك:١٦، ١٧) هناك قسم آخر أقرب إلى الهدى وأبعد عن ضلال القسم الأول الذين قالوا إن القول بأن الله في السماء هو قول الجاهلية يتأولون هذه الآية بتأويل: يقولون من في السماء، يعني الملائكة، وهذا من شؤم ما يسمونه بالمجاز إنهم يسلكون طرق المجاز لتعطيل الصفات الإلهية.
يأتي هنا أحاديث كثيرة لإبطال مثل هذا التأويل من ذلك الحديث المتداول بين الناس اليوم ولكن أكثر الناس لا يعلمون بل لا يفقهون ما به يتكلمون، ذلك الحديث هو: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء .. » من في السماء: هو الله، من في الأرض: خلق الله من إنسان ومن حيوان ومن دواب إلى آخره .. هذا الحديث لأنه يوضح المعنى المقصود من قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ وهذا الذي قلت آنفاً ربما نعرج لبيان معنى في السماء؛ لأن في من حيث الاستعمال العربي تأتي في بعض الأحيان بمعنى الظرفية، وأحياناً تأتي بمعنى آخر من حروف الجر فتأتي بمعنى على، فيا تُرى «في» هنا في هذه الآية هل هي بالمعنى المعهود، أي إنها ظرف؟ الجواب لا، ومن
стр. 3009
هنا يظن علماء الكلام أنهم إذا نفوا أن يكون الله في السماء أنهم نزهوه، هم في الحقيقة نزهوه عن فهمهم الخطأ للآية، لكن قد أنكروا أن يقولوا كما قال الله: الله في السماء، فجهلوا معنى أن الله في السماء أنه على السماء، وفي ذلك أو في هذه الحالة يلتقي معنى هذه الآية مفسراً بالحديث السابق: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، من في الأرض ليس المقصود من كان في جوف الأرض من ديدان وحشرات وو إلى آخره، وإنما المعنى واضح جداً من على الأرض، من تتعاملون معهم من بني جنسكم من الإنس أو مما ذلل الله لكم من الحيوانات .. ارحموا من على الأرض يرحمكم من في السماء، أي من على السماء حينئذ هذا التفسير الذي يُوضِّحه هذا الحديث يلتقي تماماً مع كل الآيات التي ذكرنا بعضها وأحاديث أخرى أن الله له صفة العلو، فحينما نوجه السؤال إلى هؤلاء الأحباش أو غيرهم ممن هم على شاكلتهم في ضلالهم أين الله؟ يجب أن يكون جوابهم كما قالت الجارية: الله في السماء، لكن ليس بمفهومهم "في" ظرفية؟ لا، وإنما بالمفهوم الذي وضحه الحديث أولاً وكان عليه سلفنا الصالح ثانياً؛ أي: أن الله في السماء أي على السماء، أي على العرش؛ لأن كل ما علاك فهو سماء، فحينئذ تسد الطرق كلها أمام هؤلاء الأحباش الذين يظنون أولاً أنه لا يجوز أن يسأل المسلم أين الله، وثانياً يظنون أنه لا يجوز أن يقول أن الله في السماء بعد أن تبين لهم أن النبي ﵌ هو الذي سَنَّ هذا السؤال: أين الله؟ وهو الذي شهد لتلك الجارية بالإيمان حينما نطقت بلفظ القرآن: الله في السماء.
وهنا عبرة لا بد من أن أذكرها وهي .. يتبين لنا الفرق بين الحياة التي كان يعيشها عامة المسلمين في عهد النبي ﵌ حتى الجارية راعية الغنم، وبين ما يعيشه اليوم عامة المسلمين وكثير من خاصتهم؛ لأن هذا السؤال لو وُجِّه إلى كثير
стр. 3010
من الخاصة وفيهم بعض كبار علماء الأزهر الذي يوصف فيقال: الأزهر الشريف، إذا وجِّه إليهم هذا السؤال: أين الله؟ لم يجيبوا بجواب الجارية، ما هذه الفارقة بين كبار العلماء في العصر الحاضر لا يجيبون عن سؤال الرسول ﵇ بينما راعية الغنم تعرف الجواب الصحيح لهذا السؤال الوجيه، أقول: هذا دليل أن المسلمين في العهد الأول كانوا ربوا جميعاً لا فرق بين خاصتهم وعامتهم، كانوا ربوا جميعاً بتربية النبي ﵌ فيما يتعلق على الأقل بالعقيدة التي لا بد لكل مسلم أن يكون فاهماً لها أولاً، ثم مؤمناً بها، هذه جارية كيف عرفت العقيدة الصحيحة؟ الجواب: الجارية لا نتصور أنها كانت تتمكن أن تحضر حلقات العلم التي كان يحضرها كبار أصحاب النبي ﵌ وخاصتهم، بينما الآخرون ما كانوا يحضرون جلسات الرسول ﵇، إذا كان عمر بن الخطاب ﵁ حينما بُلّغ حديثاً من أبي هريرة ﵁ ندم فقال: شغلنا الصفق في الأسواق، إذا كان هذا عمر فماذا نقول عن الصحابة الآخرين، وماذا نقول عن النساء، بل ماذا نقول أخيراً عن الجواري وعن راعية الغنم.
أريد من هذه التوطئة كيف فهمت هذه الجارية هذه العقيدة الصحيحة التي إلى الآن لم يفهمها بعض الخاصة من أهل العلم؟ إنها كانت تعيش في جو مُوحِّد في التوحيد الصحيح، لا مثيل له في الدنيا إطلاقاً بسبب وجود الرسول ﵇، بسبب وجود النور بين ظهراني أولئك الصحابة من الرجال والنساء من الخاصة والعامة، هذه الجارية تلقت هذه العقيدة من سيدها، فسيدها يسمع العقيدة الصحيحة بل والأحكام الشرعية من النبي ﵌ ثم لا يقتصر على الاحتفاظ بها بل ينقلها إلى من هو يعوله من ينفق عليه مادةً، وينفق عليه أيضاً علماً ومعنى، من هنا نعرف لماذا عرفت الجارية هذه العقيدة الصحيحة؛ لأنها عاشت في ذلك الجو
стр. 3011
الوحيد في فهمهم للتوحيد الصحيح، أما اليوم فالمسلمون يعيشون في أجواء متباينة، في عقائد متفرقة متضاربة أشد التضارب ولذلك فلا نجاة للمسلمين في هذا الزمان إلا أن يعودوا إلى ما كان عليه السلف الصالح، وأن يحققوا في أنفسهم خبر نبيهم ﵌ حينما قال واصفاً للفرقة الناجية قال: هي التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي.
أردت أن أختم الكلمة بهذا الحديث، لكني تذكرت أنه كان في جملة السؤال المطروح آنفاً أن هؤلاء الأحباش ينكرون في جملة ما ينكرون اليد التي وصف الله نفسه بها، يقولون: اليد جارحة .. ! سبحان الله، وهم يتكلمون عن أنفسهم، فكيف يقولون في اليد التي ذكرها الله إنها جارحة؟ هؤلاء من أجهل الناس إن لم يكونوا من أضل الناس؛ ذلك لأنهم يقيسون الغائب على الشاهد، بل يقيسون غيب الغيوب وهو الله ﵎ على أنفسهم، هذا في منتهى الحماقة إن لم يكن في منتهى الضلال، نحن نجاريهم جدلاً لا عقيدةً وحاشى أن نشاركهم في عقيدتهم، نقول لهم: الله ذات متصف بصفات الكمال، هل تقولون معنا؟ لا بد أن يقولوا معنا: نعم أو يقولوا: لا، فإن قالوا: لا فذاك هو الذي يدل على ضلالهم ويؤكد ما هم فيه فلا كلام لنا معهم؛ لأن الكلام حينئذ يكون مع الزنادقة، والمفروض الآن أننا نتكلم مع مسلمين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلون وو إلى آخره .. فإذا قالوا نحن معكم بأن الله له كل صفات الكمال، فإذا قالوا هذه الكلمة فقد تناقضوا حينما قالوا الله ذات وله صفات، وأنت أيها المتكلم بكلام علماء الكلام حينما تقول اليد جارحة هذه جارحة بالنسبة لذاتك، فهل ذاتك كذات الله أو ذات الله كذاتك؟ ستقول حاشى لله، ذاته ليست كالذوات، وبالتالي صفاته ليست كسائر صفات المخلوقات، إذاً انتهت المشكلة يا جماعة .. يقال في الذات ما يقال في الصفات، يقال في الصفات
стр. 3012
ما يقال في الذات إيجاباً وسلباً الله ذات له كل صفات الكمال ومنزه عن كل صفات النقص، ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فهو سميع وبصير صدق الله، لكن سمعه ليس كسمعنا، بصره ليس كبصرنا، لا بد لهؤلاء المجادلين بالباطل والمتسترين بكلام ظاهره حق وباطنه باطل، لا بد لهؤلاء أن ينكروا كل صفات الله ، لماذا؟ لأن وصف الله بهذه الصفات في الغالب فيها اشتراك لفظي ليس حقيقي معنوي، الله قال عن آدم ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان:٢) ووصف نفسه بأنه سميع بصير، إذاً انتهى الوقت؟
إذاً ننهي هذا الكلام فنقول: إذا كان الله قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) ووصف آدم ﵇ بأنه جعله سميعاً بصيراً، فعلى طريقة هؤلاء الأحباش وأمثالهم من المعطلة لا بد من أحد شيئين: إما أن نقول إن الله ليس كما قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١]) لأنه قال في آدم: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان:٢) أو أن نقول لا هو كما وصف به نفسه لكن قوله في آدم ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان:٢) ليس كذلك فلا بد من تعطيل أحد الوصفين إما ما كان منهما متعلقاً بالله وهذا كفر، وإما ما كان متعلقاً بوصف الله لآدم ﵇ بأنه جعله سميعاً بصيراً إنكار أيضاً هذا فهو كفر فهم دائرون ما بين كفر وكفر وذلك عاقبة من لا يتبع السلف الصالح، ولذلك قيل:
وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف
فنوصي الحاضرين جميعاً ألا يصغوا لعلماء الكلام ولا لأذنابهم، وعليهم أن يعرفوا عقيدة السلف ليكونوا إن شاء الله مهتدين، والحمد لله رب العالمين.
"الهدى والنور" (٦٩٥/ ٥٤: ٠٠: ٠٠) و (٦٩٥/ ٤٣: ٢٧: ٠٠)
стр. 3013
[١٠٣٥] باب رد شبهة حول علوِّ الله تعالى والكلام على كتاب «دفع شبه التشبيه» ومحققه
سؤال: ما أدري يا شيخ لعلك اطلعت على كتاب دفع شبه التشبيه
بأكف التنزيه.
الشيخ: نعم اطلعت.
الملقي: طيب لديَّ استفسار عن الكتاب الحقيقة يعني المادة العلمية بخلاف الاستفسار عن المحقق يعني هذا ما يهمني لأني أعرف عن رأيك فيه.
الشيخ: طيب استفسارك عن ماذا إذن؟
الملقي: سؤالي عن المادة العلمية في الكتاب، يعني ما ذكره ابن الجوزي، ميزانه أو قيمته العلمية؟
الشيخ: قيمته العلمية كقيمة السقاف هذا.
الملقي: أي نعم. يعني الحقيقة الرجل ذكر يعني أشياء فيها من السذاجة ما فيها، لكن بعضها مثلاً.
الشيخ: ليتها اقتصرت على السذاجة، ليتها اقتصرت على السذاجة.
الملقي: أي نعم.
الشيخ: بل هي ملؤها الضلال، وملؤها الزور والبهت والافتراء على الأئمة فيكفيك من المكتوب عنوانه.
الملقي: يعني مثلاً مسألة العلو هو ذكر أنه بتلاقي الأدلة أنه «لا يبصق أحدكم تجاه القبلة فإن الله يعني ثم أوفى وجه القبلة أو شيئاً من ذلك» فكيف يجمع بين الله
стр. 3014
-﵎ على عرشه فوق السماء ويجمع بين الأحاديث هذه؟
الشيخ: إذاً أنت عندك شبهة.
الملقي: أعوذ بالله.
الشيخ: وإلا هذا السؤال نابع عن شبهة.
الملقي: يا شيخ والإنسان دائماً ينبغي له أن يتحرز حتى لو سُئل أو عرضت عليه هذه الشبهة يعرف كيف يرد عليها.
الشيخ: معليش، لكن أنت عند شبهة؛ بدليل قول: كيف يُجمع؟
الملقي: أنا أصارحك أن الرجل هو ...
الشيخ: دعك والرجل، هذا الرجل كذاب خلفي أشعري صوفي، وكل بلاء فيه، مالك وله، أنت الآن تقول: كيف يجمع، هذا سؤالك. طيب فإذن أنت عندك في إشكال في علو الله على عرشه.
الملقي: نعم يا شيخ.
الشيخ: وأنا أجيبك.
الملقي: نعم.
الشيخ: الأرض كلها محاطة بالسماء هل تعتقد هذه الحقيقة؟
الملقي: بالضبط.
الشيخ: طيب، فإذن الله فوق المخلوقات كلها.
стр. 3015
الملقي: بالضبط.
الشيخ: فإذن لا يجوز البصق تجاه القبلة؛ لأن الله تجاهك في أي من نقطة من الأرض كنت.
الملقي: نعم.
الشيخ: وانتهى الأمر هذه من جهة، من جهة أخرى لا يجوز مناقشة الأخبار الغيبية، وبخاصة ما كان منها متعلقاً بالذات الإلهية بالأفكار العقلية التي لا يمكن أن يقال فيها إلا بأقل مما قال الله : وما أيش التي في آية الكرسي: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة:٢٥٥)، ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء:٨٥)، فمن الضلال كل الضلال محاولة تقريب الأمور الغيبية خاصة ما كان منها متعلقاً بالصفات الإلهية بحيث أننا نعقلها كما يعقل أحدنا الآخر، هذا أمر مستحيل، إن مثل هذا السؤال وغيره يشبه قول من قد يقول: كيف الله في لحظة واحدة يخلق ويرزق ويُحيي ويميت ويسمع الأصوات المختلفة من الملايين البلايين من البشر والإنس والجن والمخلوقات، يقال: هذا الكلام؟
الملقي: نعم.
الشيخ: أسألك: يقال هذا الكلام؟
الملقي: طبعاً لا يقال في حق الله، وهو حاصل من الله .
الشيخ: فإذن بارك الله فيك، ..
اذكر معنى قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:١، ٢] من؟ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ([البقرة:٣).