عنه مجهول، والسؤال عنه بدعة، أخرجوا الرجل؛ فإنه مبتدع.
خلاصة الكلام في إبطال هذه الضلالة وهي قولهم: إن الله في كل مكان، البحث فيها طويل وننصح في هذه المناسبة قراءة كتاب "العلو للعلي الغفار أو للعلي العظيم"، للحافظ الذهبي، والأولى مختصر العلو؛ لأنه أقرب تناولا بعد تهذيب الأصل، وهو بقلمي وبتأليفي.
مختصر العلو للعلي الغفار، فقد ذكر فيه الآيات التي تثبت لله صفة أنه على المخلوقات كلها، وأنه ليس في مكان، والأحاديث الكثيرة، والكثيرة الطيبة التي جاءت تتجاوب مع النصوص القرآنية بأن الله فوق المخلوقات كلها، ثم الآثار السلفية عن الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى زمن الإمام الذهبي، إلى ما بعد القرن السابع من الهجرة.
عشرات إن لم نقل مئات العلماء الذين يبطلون هذه الضلالة وهي قولهم: إن الله في كل مكان، ويثبتون أن الله فوق المخلوقات كلها.
ومن أوضح الأدلة على ذلك، حديث الجارية الذي اتفق علماء الحديث على تصحيحه، وخلاصة هذا الحديث أن رجلا من أصحاب النبي ﵌ اسمه: معاوية بن الحكم السلمي، كان له جارية ترعى غنما له في أُحُدٍ، فسطا الذئب يوماً على الغنم، فغضب السيد سيد الجارية فصفعها صفعة في خدها، وندم على ما فعل، فجاء إلى النبي ﵌، وقال: يا رسول الله إن عليَّ عتقُ رقبة، وعندي جارية، يسأله: هل يجزى عنه أن يعتقها ويكون كفارة ما عليه من عتق؟
قال: «ها تها». فلما جاء بها قال لها رسول الله ﵌: «أين الله؟.قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال لسيدها: أعتقها؛ فإنها مؤمنة».
стр. 3047
اعتبر رسول الله ﵌ شهادة الجارية بأن الله في السماء: أنها ليست تشهد فقط بلسانها: أن لا إله إلا الله، بل هي تؤمن بأنه واحد في ذاته، واحد في عبادته، واحد في صفاته؛ فإياكم أن تقعوا في هذه الضلالة؛ لأننا نسمعها، نكون في مجلس فكأنه يذكر الله فيقول: الله موجود في كل الوجود، ألا تسمعوه هذه الكلمة؟ هذه هو معناه: الله موجود في كل الوجود.
هناك وجودان أحدهما: واجب الوجود وهو الله، كان ولا شيء معه كما سمعتم.
الوجود الثاني: هو الوجود الممكن وهو المخلوق.
فنحن لنا وجود ولله وجوده الأزلي: لا أول له ولا آخر فإذن الله موجود في كل الوجود يعني ومنها الوجود هذا الذي نحن فيه الآن هنا معنى تلك الضلالة: الله موجود في كل مكان، فإياكم أن تقولوها صريحة، الله موجود في كل مكان، أو الله موجود في كل الوجود، لا.
هذا ضلال ما بعده ضلال؛ لأنه ينافي ما ذكرناه مما جاء في القرآن والسنة والآثار السلفية: أن الله فوق المخلوقات كلها.
يقابل هذه الضلالة ضلالة أخرى هي أضل من الأولى، الضلالة الأخرى هي أن الله ليس داخل العالم ولا خارجه.
الذي يقول: أن الله داخل العالم، أي يقول: الله موجود في كل مكان، أو الله موجود في كل الوجود، هنا يثبت لله وجود مع التشبيه، والتشبيه باطل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) ولذلك فهذا ضلال، ولكن أضل أن يقال: إن الله ليس داخل العالم ولا خارجة، فهذا نصف الكلام صح: الله ليس داخل
стр. 3048
العالم، هذا هو كلام صحيح، وإنما هو فوق المخلوقات كلها.
أما أن نتبع هذه الكلمة بقولهم: ولا خارج العالم، فهذا اسمه في لغة العلماء: تعطيل وجود الحق: أي إنكار وجود الحق، لأن الله كما ذكرناكم آنفا في حديث عمران بن حصين: «كان الله ولا شيء معه».
إذن كان الله ولا مخلوق معه، لكن فيما بعد خلق المخلوقات كما هو مشاهد ويجب الإيمان بذلك أن هناك وجودان كما ذكرنا.
فالله إذا لم يكن داخل العالم وهو الحق: أنه ليس داخل العالم، فإذا قال قائل بالإضافة إلى ذلك: ليس خارج العالم معناها: لا إله، معناها: الإلحاد والجحد المطلق، معناه الرجوع إلى عقيدة غلاة الصوفية، ولا أقول الرجوع إلى عقيدة الصوفية؛ لأن الصوفية قسمان:
منهم غلاة ومنهم دون ذلك.
الغلاة: هم الذين يقولون: بأن الوجود واحد، غلاة الصوفية وعلى رأسهم: ابن عربي، هو الذي يقول: إن الوجود واحد، أما المسلمون فهم يقولون: لا
إله إلا الله.
فهذه الآية: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد:١٩) نثبت وجودين، الوجود الواحد المعبود الحق، والوجود الآخر: المعبودات بالباطل.
أما ابن عربي ومن ضل به فهم يقولون: الوجود واحد، وهم لهم عبارات يفصحون فيها عن شركهم وعن ضلالهم.
فهم يقولون مثلا: كل ما تراه بعينك فهو الله، كل ما تراه بعينك، فهو الله.
стр. 3049
الوجود واحد، شو بتشوف بتشوف بشر، بتشوف حجر، بتشوف شجر، بتشوف سماء، بتشوف أرض، هذا الكون هو الله، هو عقيدة الدهريين، هو عقيدة الشيوعيين، لا إله، هذه تعود إلى الإنكار المطلق لوجود الله .
فإذا قيل: إن الله ليس داخل العالم، ولا خارجه، فمعنى ذلك أن الوجود هو واحد، وهي عقيدة غلاة الصوفية: كل ما تراه بعينك فهو الله، لما عبد قوم نوح الآلهة كما قال في القرآن: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (نوح:٢٣) هل عبدوا غير الله؟ الجواب عند غلاة الصوفية لما عبدوا المجوس النار، ما عبدوا إلا الواحد القهار.
هذا هو الجحد المطلق فإذا قيل: إن الله لا داخل العالم ولا خارج العالم، رجعت هذه العقيدة التي تقال إنها عقيدة أهل السنة والجماعة اليوم هناك أفراد من الناس ينشرون بعض الرسائل، ويعلقون بعض التعليقات إن لم نقل التعليكات، يكتبون هذه العقيدة إنه عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الله لا داخل العالم
ولا خارجه.
الله كان ولا شيء معه، فهو الآن كما من قبل كان، هو الآن مستغنى كما كان من قبل مستغن عن المخلوقات كلها، فلما خلق المخلوقات قال: استوى عليها: استعلى، استعلى، أي ارتفع، ولا بد هنا لتوضح هذه العقيدة بشيء من العقل السليم: إن الله بعد أن ثبتنا بنصوص الكتاب والسنة: أن الله فوق المخلوقات وليس داخل المخلوقات،
لا بد لنا بعد ذلك أن نناقش أولئك المنكرين لوجود الله مطلقا، وإن كانوا يقولون: اله موجود، ولا إله إلا الله، ولكن حينما يقولون: هو لا داخل العالم ولا
стр. 3050
خارجه، معنى ذلك: أنهم أنكروا وجود الله، نحن نقول لهؤلاء: أنتم معنا: أن الله كان ولا شيء معه، فلما خلق الخلق لا بد من شيء من ثلاثة أشياء، لا بد أن الله حين خلق الخلق دخل في خلقه، وهذه هم متفقون معنا: أن الله ليس في كل مكان حينئذ ٍتبقى الثانية: لا بد أن الله لما خلق الخلق جعلها فوق، وهذا باطل؛ لأن الله فوق كل شيء، إذن لم يبق إلا الثالثة: أن الله لما خلق خلقه واستعلى عليها وارتفع، وهذا هو اللائق بالله .
فلذلك القول: بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه هو كما قال ابن تيمية ﵀ يصف طائفتين كلتا هما في ضلال، لكن إحداهما أضل من الأخرى، قال: المشبه الذي يشبه الله ببعض مخلوقاته يعبد صنماً، يعبد شيئا موجوداً، ولكنه يشبه بالأصنام التي كان المشركون يعبدونها من دون الله.
المشبه يعبد صنما، والمُعطِّل يعبد عدماً.
من هو المعطل؟
هو الذي يقول: لا داخل العالم ولا خارجه.
الذي يقول: هو داخل العالم مشبه، وهو في ضلال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١).
والذي يقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فقد أنكر وجود الله ﵎ فهذا أضل من الأول.
هذا الكلمة: لا داخل العالم ولا خارجه، اسمعوا الآن تفصيلها على ألسنة بعضهم، أريد أن أنهى الكلمة بهذه الكلمة؛ لتكونوا على بينة في أن كل من
стр. 3051
يخالف عقيدة الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح يكون في ضلال مبين.
يقول قائلهم من هؤلاء علماء الكلام: إن الله لا يوصف: بأنه فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار ولا أمام لا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، لا متصلا به ولا منفصلا به. قولوا لي بربكم: أليس هذا وصف للمعدوم؟
مدخلة: أي نعم.
الشيخ: إذا قيل لأي عاقل أوتي شيئاً من الفهم والعقل والبيان: صف لنا المعدوم، الذي لا وجود له، لا حقيقة له، لم يمكنه أن يصف هذا المعدوم بأكثر مما وصف هؤلاء معبودهم حينما قال قائلهم: لا فوق لا تحت، لا يمين لا يسار، لا أمام لا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، لا متصلاَّ به ولا منفصلاً عنه.
أما نحن فنقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥).
مداخلة: قوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) تبعا للسؤال الأول ما هو تفسيرها؟ وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦)؟
الشيخ: قبل الإجابة عن هذا السؤال والجواب عليه مختصر إن شاء الله، أريد أذكر بالأصل الذي ذكرتكم به في الكلمة السابقة، يجب تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال السلف. فمن أردا أن يعرف معنى هذه الآية: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) عليه أن يدرس التفاسير السلفية التي ضربت لكم مثلا ببعضها: تفسير ابن جرير الطبري، تفسير ابن كثير الدمشقي ومن نحا نحوهما.
مداخلة: القرطبي يا شيخ يسأل عن القرطبي.
стр. 3052
الشيخ: أحفظ سؤالك، حسبي أن أقول ومن نحا نحوهما.
طبعا ليس كل مسلم يجب عليه أن يكون عالما، لكن إن لم يكن عالما، فلا بد من أن تكون سائلا كما هو الواقع الآن في الأسئلة السابقة واللاحقة والحاضر الآن من السؤال، أريد أن أذكر أن جوابي الآن سيأتي قائما على هذا الأصل من تفسير القرآن، فعلماء التفسيري قاطبة قالوا: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) أي بعلمه ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) بعلمه، أي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء لذلك قال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀ هذا من نوادر أئمة السلف المحدثين الفقهاء الذين جمعوا بين العلم والزهد والجهاد، لا أعني جهاد النفس فقط بل جهاد الكفار، أي حمل السلاح، فهذا الرجل كان مجاهدا في سبيل الله مع علمه وزهده وتقواه، وهو من كبار شيوخ الإمام أحمد إمام السنة ﵀.
قال: الله ﵎ فوق عرشه بذاته، الله ﵎ فوق عرشه بذاته هذا بحث سبق بيانه بشيء من التفصيل ثم قال هذه ثلاثة أمور يجب على الأقل على كل مسلم أن ترسخ معانيها له في عقله، ثم في قلبه الذي يؤمن به: الله ﵎ فوق عرشه بذاته، أولا ثانيا: بائن من خلقه، بائن من خلقه؛ ضربٌ للخرافة السابقة: الله موجود في كل الوجود، لا: بائن من خلقه أي: هو الغنى عن العالمين بنص القرآن الكريم، هذه الخصلة الثانية.
أعيد فأقول: الله ﵎ مش أنا أقول: أحكى عن عبد الله بن المبارك ما قال فأقول: قال: الله ﵎ فوق عرشه بذاته، هذه الأولى، بائن من خلقه: أي ليس داخل العالم وإنما هو مستغنٍ عن العالم، خارج العالم.
стр. 3053
الثالثة وهي موضع الشاهد: وهو معهم بعلمه: أي: السؤال السابق: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) بعلمه، ليس بذاته، وأنا أستغرب مثل هذا السؤال وبعد ذاك البيان: بأن القول بأن الله بذاته في كل مكان، هذا باطل شرعا وعقلا.
إذن لا ينبغي أن يسبق إلى ذهن السائل أنه ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) يعني بذاته، هذا معنى يترفع عن أن يراه المسلم في منامه، وليس في يقظته، لماذا؟
نحن الآن في بيت، في مكان هو من خير البقاع كما جاء في الصحيح عن رسول الله: أنه سئل عن خبر البقاع وشر البقاع، قال: «خير البقاع المساجد، وشر البقاع، الأسواق».
كبقعة كبيرة، لكن في السوق، في السوق في أماكن هي شر من السوق، هي المراحيض مثلا، فالسوق مكان من شر البقاع كما سمعتم وأشر من هذا الشر هي المراحيض، قد يكون في بعض الأسواق بارات، خمارات، بيوت الزنا والعهرو ... و .. الخ.
هل الله بذاته في هذا الأماكن: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) حاشا، لكن هو فوق عرشه كما قال عبد الله بن المبارك، لكن هو معكم بعلمه؛ فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
إذن لا تُشْكِلن هذه الآية على أحد أن المقصود بها: ذات الله، ذات الله مستغن عن مخلوقات الله كلها، «كان الله ولا شيء معه».
إذن: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤)، هو معكم بعلمه أينما كنتم، لا يقول الإنسان: والله أنا بين جدران أربعة في حجب بيني وبين ربى فلا يراني، لا،
стр. 3054
هذا لا يقوله إلا ملحد منكر لوجود الله .
كذلك يقال عن مثل الآية: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦) هذه الآية آخرها يُفَسِّرُ أوَّلها، وأولها يفسر آخرها: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦). هذه الجملة تفسير لقوله تعالى: إنني معكما بماذا؟ أسمع وأرى.
إذن هو معهم لما بعثهم إلى فرعون، وأمرهم بأن يذكِّراه وأن يخوفاه، قال لهما: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦).
فهذه الجملة: أسمع وأرى تفسير لقوله تعالى: إنني معكما ليس معك كقائد الجيش، أو رئيس الجيش مع وجوده، لا ليس كذلك، الله عز جل غني عن العالم، وهو يدبر الكون من السماء إلى الأرض وهو على العرش استوى كما قال تعالى.
"الهدى والنور" (٧٤١/ ٢٤: ٤٥: ٠٠) و (٧٤٢/ ٥٢: ٠٠: ٠٠) و (٧٤٢/ ٣٧: ١٥: ٠٠)
[١٠٤١] باب بطلان عقيدة: الله موجود في كل الوجود
[قال الإمام]:
يقول [بعضهم] وهو يذكر الله فيقول: لا إله إلا الله، الله موجود في كل مكان، الله موجود في كل الوجود، هذه كلمة تقال في كل المجالس فيها فقهاء، فيها علماء، فيها دكاترة، ولا تسمع لأحد منهم حساً في إنكار هذه العبارة، وهي خلاف العقيدة الإسلامية التي قال فيها قائلهم:
ورب العرش فوق العرش لكن بلا وصف التمكن واتصال
وقال الإمام عبد الله بن المبارك الذي يضرب به المثل في جهاده في سبيل الله في زمانه، وهو من كبار شيوخ الإمام أحمد إمام السنة: الله ﵎ .. احفظوا
стр. 3055
هذه الكلمة لأنها جمعت العقيدة الصحيحة في عبارة قصيرة جداً هي خلاصة الآيات الواردة فيما يتعلق بعلو الله على عرشه من جهة، وإحاطة علمه بعباده من جهة أخرى.
قال عبد الله بن المبارك: الله ﵎ فوق عرشه بذاته، هذه أول عبارة منه. الله ﵎ فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه.
والشاهد من كلمة عبد الله بن المبارك هذه قوله: بائن من خلقه، ومعنى بائن أي: مستغن، وهو الغني عن العالمين، كان الله ﵎ ولا شيء معه، ثم خلق العرش وخلق السموات والأرض كما هو معروف في الكتاب والسنة، فهو بائن من خلقه، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة حقاً، فما هي عقيدة المسلمين اليوم؟ تلخص بكلمة سابقة: الله موجود في كل مكان، الله موجود في كل الوجود.
"الهدى والنور" (٤٨٦/ ٠١:٠٧:٤٨)
[١٠٤٢] باب الرد على من اتهم أهل السنة بأنهم يحدون الله بمكان
السائل: من هم الملائكة الكروبيون؟
الشيخ: من هم الملائكة الكروبيون؟ لم يثبت فيما علمتُ حديث فيه ذكر هذا الاسم للملائكة, الملائكة الكروبيون والحقيقة أن هذا الاسم منذ نحو ثلاثين سنة لم يكن مر بي في الأحاديث التي كنت قرأتها في مئات إن لم أقل ألوف الكتب أكثرها مخطوطة حتى سمعت هذا الاسم في منى في موسم من مواسم الحج، كنت جالسا في ليلةٍ هادئةٍ وجميلةٍ من أيام منى أتحدث مع بعض إخواننا من أنصار السنة المصريين والسوريين وغيرهم، لما دخل علينا شيخ
стр. 3056
سمته لا بأس به سلم وجلس واستمع وبعد أن توقفت قليلاً عن الكلام دخل هو في الموضوع يتكلم، تبين من كلامه أنه من الذين درسوا في الأزهر ويحملون في طوايا نفوسهم بغضًا للدعوة السلفية أو دعوة التوحيد وأنه متأثر ببعض الدعاوى الكاذبة التي تنسب إلى جماعة التوحيد في كل بلاد الإسلام سواء كان هنا أو في مصر أو في سوريا أو في غير مكان، وإذا به يتهجم ويقول أن دعوة الوهابيين بهذا الاسم دعوة جيدة، ولكنهم يشبهون الله بالمخلوقات.
فسألته: كيف ذلك؟
قال: إنهم يقولون بأن الله سبحان الله يخطِّئ القرآن وهو لا يشعر - قال: يقولون بأن الله على العرش استوى, فقلت له: هل هذا قولهم؟ أم قول رب العالمين؟ استدرك فقال يعني هو بأنهم يفسرون هذه الآية بمعنى, يفسرون الآية بمعنى أن الله قاعد على عرشه, قلت له: يا أخي ... الخلاف بينهم وبين مخالفيهم ليس في تشبيه رب العالمين بالمخلوقين فهذا باطل بالاتفاق, وإنما الخلاف هل يصح تأويل الاستواء بمعنى الاستيلاء أم الصحيح أن الاستواء هو الاستعلاء ودخلت في هذا الموضوع طويلاً, وأمر طبيعي جدًّا أن خلاصة العقيدة السلفية في هذه الجزئية أن لله صفة الفوقية, فهو تمسك بهذه وقال: هل من المعقول أن الله يكون فوق العرش, معنى ذلك أننا وضعناه في مكان, قلت له: لا, هذا وهم منكم ونحن نتبرأ من عقيدة تجعل الله محصور في مكان وهو العلي الكبير، ثم بدأت المناقشة معه بطريقة خاصة قلت له: هل أنت معي في أن الله كان ولا شيء معه؟
قال: طبعًا
стр. 3057
قلتُ: حين كان الله فهل كان هناك عرش؟
قال: لا
إذن كان الله ولا شيء معه ثم خلق العرش
قال: نعم
تسلسلت معه فقلت له: نحن الآن في الأرض فما الذي فوقنا؟
قال: السماء الدنيا
ثم؟
الثانية, إلى أن وصلنا إلى السابعة, قلت: ماذا فوق السابعة؟
قال: العرش
قلتُ - وهنا الشاهد - وماذا فوق العرش؟
قال: الملائكة الكروبيون
لأول مرة أسمع هذا الاسم منذ نحو ثلاثين سنة, قلت: ما هذا؟ الملائكة الكروبيون فوق العرش؟ نحن نعرف أن الذي فوق العرش هو خالق العرش بدليل الآية السابقة وتأويل السلف لها بأنه على العرش استوى أي استعلى, وكما قال المعتبرين في هذه المسألة:
ورب العرش فوق العرش لكن ... بلا وصف التمكن واتصال
فالله غني عن العالمين, لكن أنا أسمع لأول مرة أن الذي فوق العرش هم الملائكة الكروبيون, هل عندك آية في إثبات أولا: أن هناك ملائكة يسمون
стр. 3058
بالملائكة الكروبيون؟
قال: لا
قلت: طيب, هل عندك حديث في أنه جاء ذكرهم فيه بهذه التسمية؟
قال: لا
قلت: فإذن من أين جئت بهذه العقيدة أن فوق العرش ملائكة كروبيون
قال: هكذا درسونا مشايخنا في الأزهر الشريف
قلت: يا عجبا، أنا أعلم أن علماء الأزهر يقررون على الطلبة في دروسهم ما يتعلق بأصول العقائد وأصول الفقه يقولون لهم: أحاديث الآحاد الصحيحة لا تثبت بها عقيدة, فكيف لقنوكم عقيدة ليست مذكورة لا في القرآن ولا في السنة؟ كيف اعتقدتم؟
فبهت الرجل, ثم تابعتُ الكلام, قلت له: هب أن فوق العرش أولئك الملائكة المسمون عندكم بالكروبيون, فماذا فوقهم, وقف الرجل, وقف حيران, وقد كنت قدمت معه كان الله ولا شيء معه، وكان مشتق من كن فيكون فلم يكن شيء هناك فقال الله لخلقه كن فكان، فإذا انتهى أن ما وصلنا إلى العرش وبزعمك أن فوق العرش أولئك الملائكة؛ فماذا فوق هؤلاء الملائكة, أعدم أم وجود؟
قال: لا, عدم, لأنا كنا اتفقنا أن لا شيء قبل أن يخلق الله ﵎ السماوات والأرض, كان الله ولا شيء معه, إذن فقبل أن يخلق الله شيئا لم يكن هناك شيء, فإذا انتهى بك العلم إلى أن فوق العرش الملائكة الكروبيون ولا
стр. 3059
شيء وراء ذلك من كون لأنه انتهى الخلق فإذا قال السلفيون بأن الله ﵎ على العرش استوى أي استعلى, فلماذا تنسبونهم إلى أنهم حصروا الله في كونه ولا كون هناك لأن الكون محصور ومحدود وفي رأينا آخر الكون وأعلاه العرش, في رأيك أنت العرش وعليه الكروبيون ولا شيء بعد ذلك, فإذن العقيدة الصحيحة عقلاً ونقلاً إنما هي عقيدة السلف الصالح؛ لأنهم لم يجعلوا الله في مكان كما تزعمون؛ لأنه لا مكان هناك وراء العرش إنما هو العدم المحض إلا الله ﵎, ولكن ما بالكم أنتم أنكم حينما فررتم مما نسبتم السلفيين إليه وهم براء منه فإن الله ليس في مكان لأن ما بعد العرش ليس كونًا وليس مكانًا فهو على العرش استوى, لكن ما بالكم أنتم تفرون من إثبات هذه الصفة لله ﵎ وهي صفة التنزيه تمامًا؛ لأنه ليس في الكون، فكيف وأنتم تقولون إن الله في كل مكان تحصرونه في كونه الذي خلقه بعد أن لم يكن له وجود, فأنتم المشبهة وأنتم المجسمة، ولسنا نحن معشر السلفيين إلا القائلون بما قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وعلى أساس من هذه الآية بطرفيها ننزهه تعالى تنزيهًا كاملاً ونثبت له الصفات كما يليق بعظمته وجلاله
"فتاوى جدة -الأثر-" (١٧/ ٠١:١٥:١٥)
[١٠٤٣] باب الرد على مقولة: الله موجود في كل الوجود، وبيان بطلان مذهب الاتحادية والحلولية
قال الشيخ: لا بد أنكم جميعاً تسمعون عن طائفة تعرف بالصوفية، وعن علمٍ .. أو سلوكٍ، يُعْرَفُ بالتصوف، وهذا التصوف طبعاً أهله المنتمون إليه أيضاً هم درجات، فمنهم من اشتطَّ وخرج عن الإسلام باسم التصوف الإسلامي، خرج عن
стр. 3060
الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين؛ لماذا؟! لأنهم تأولوا وفسروا آيات من القرآن الكريم بتفاسير هي والفلسفة الإلحادية شيء واحد، أولئك الذين يُعرفون عند علماء المسلمين بأهل وحدة الوجود، هم الذين يقولون كما يقول الدهريون، -ولكن بألفاظ غير ألفاظ الدهريين-، يقولون: إنه ليس هناك إلا واحد، فالكون الذي نراه هو الله ... لذلك يسمون أهل الوحدة.
المسلمون يقولوا: لا إله إلا الله، ففي نفي وفي إثبات، فيه نفي لكل مُؤَوِّل بغير حق، ثم الإثبات لله الحق .
أما أولئك الصوفيين فيقولون: لا هو إلا هو، ثم يختصرونها وجعلونها ورداً لهم: «هُوْ هُوْ» فهذا انحرافٌ خطيرٌ كما ترون، يعني: إنكار لوجود الله الحق، وبالتالي إنكار الشرائع، لا إسلام .. لا يهودية .. ولا نصرانية، لأنه ما في عبد ورب، رب يكلِّف وعبد يكلَّف، لذلك قال قائلهم:
الرب عبد والعبد ربٌ ... فليت شعري من المكلَّف؟
إن قلت عبدٌ فذاك نفي ... أو قلت رب أنى يكلَّف؟
فلا هُوْ إلا هُوْ وبالأخير: هُوْ هُوْ
هناك كلمات تخرج من المسلمين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وليسوا من أولئك الدهريين، لكن يتلفظون أحياناً بكلمات تؤدي بهم إلى تلك العقيدة الباطلة، وهذا أمر خطير جداً، لا يكاد ينجو منه إلا الأقلون.
الآن نحن في مجالسنا المعتادة، يقول قائلهم بمناسبة وبغير مناسبة: الله في
стр. 3061
كل الوجود، (الله في كل الوجود) تساوي (لا هُوْ إلا هُوْ).
الشيخ: هذا تسمعونه كثير "الله موجود في كل الوجود"، تساوي عند إمعان النظر في دلالتها ومضمونها قول الصوفية الصريحين .. غلاتهم طبعاً: لا هُوْ إلا هُوْ.
لأننا إن تأملنا في شهادة الحق التي هي حينما يقول المؤمن حقاً: لا إله إلا الله، فهو يثبت وجودين: لا إله إلا الله، ينفي الآلهة الباطلة التي عبدت من دون الله، وهي موجودة، في القرآن في قول قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (نوح:٢٣)، هؤلاء آلهة عبدت من دون الله، ولذلك لما بعث الله نوحاً ﵇ إلى قومه كان أن أمرهم بأن يعبدوا الله وحده، فإذاً: (لا إله) نفي للآلهة الباطلة وهي موجودة.
(إلا الله) إثبات للوجود الحق وهو الله ﵎.
إذاً: هناك وجودان لا يمكن للمسلم الفاهم بإسلامه أولاً، ثم المؤمن بأنه مخلوق لله ثانياً، لا يمكن إلا أن يثبت وجودين، يعبر علماء التوحيد بالوجود الأول، وهو وجود الخالق ، فهو موجود بذاته، أي: أزلي لا أول له، فوجوده واجب الوجود كما يعبرون عنه، أما الوجود الآخر فهو ممكن الوجود وهو الإنسان والمخلوقات كلها، حيث كانت ثم قال الله لها كوني فكانت، فهي سُبِقَت بالعدم بخلاف وجود الله ، فهو الأول لا بداية له، كما هو معلوم لديكم جميعاً.
حينئذ، حينما يقول المسلم الغافل: الله موجود في كل الوجود، فإما أن يعني
стр. 3062
هاتين الحقيقتين، وهما متنافيتان تماماً، الوجود الحق وهو الله، والوجود الممكن وهو الخلق، إما أن يعني هذا المعنى، حينئذ يقع في عقيدة أخرى غير وحدة الوجود وهي الحلول، تعرفون مثلاً بعض الطوائف الإسلامية يعتقدون بأن الله يَحِلُّ في بعض الأشخاص المعظَّمين بزعمهم، مثلاًَ بتشاهدوا هؤلاء العلويين والإسماعيليين، الإسماعيليين يمكن تقرأوا عنهم الشيء الكثير الذي كان الآغا تبعهم، كان كل سنة يوزن بوزن ذهب في أمريكا، فيعتقدوا أن هذا الإله يتقمصه، يحل فيه، هذا اسمه الحلول، هذا أخف من وحدة الوجود التي تكلمنا عليها آنفاً، وحدة الوجود شيء لا انفصال بعضه عن بعض، أما الحلول فالله منفصل وبائن عن خلقه كما يقول العلماء، لكن يحل ويتقمص بعض البشر -بزعمهم طبعاً- فإذا كان هذا الذي يقول: الله موجود في كل الوجود، يعني وجودين، فمعنى ذلك أن أحدهما حَلَّ في الآخر، فبدل ما يحل في شخص، حَلَّ في الكون كله، وهذا طبعاً كفر لا يشك في ذلك مسلم إطلاقاً، وإن كان يعني المعنى الأول (الله موجود
في كل الوجود) أي: لا خالق ولا مخلوق هناك، إنما هو شيء واحد، فهذا
أكفر وأكفر.
ترى هؤلاء المسلمين الذين يصومون معنا، ويصلون معنا، ونقتدي وراءهم .. الخ، لما يقول قائلهم: الله موجود في كل الوجود، ترى يعني أحد المعنيين؟! هل يعني الوحدة المطلقة عند الصوفية، أي: لا خالق ولا مخلوق، أو يعني الحلول، أن الله خلق الكون ثم حَلَّ فيه، ما أعتقد أن مسلماً يعتقد هذه العقيدة أو تلك.
إذاً: لماذا يقولون هذه الكلمة، لماذا لا يتأدبون بأدب الرسول عليه السلام
стр. 3063
الذي يقول: «لا يقولنَّ أحدُكُم: خَبُثَت نفسي، ولكن: لَقِسَت» (١). معنى خبثت هي: لَقِسَت، ولَقِسَت هي خَبُثَت، لكن الرسول أراد منا أن نتحدث عن أنفسنا بألفاظٍ لطيفةٍ، وإن كان المعنى هو نفسه، فما بالنا نحن حينما نتحدث عن
ربنا ﵎، في هذه الحالة لا يجوز أن نتكلم بكلمة توهم الكفر وتوهم الضلال.
حينما يُطْرَحُ مثل هذا البحث، كثيراً ما يقول أكثر الجالسين في الواقع ينتبهوا وكأنهم كانوا في غفلة، لكن بعضهم بيقولك نحن لا نقصد أن الله ﵎ بذاته حالل في مخلوقاته كلها، ونحن ما قلنا إنهم يقصدون هذا؛ لأنهم إن قصدوا هذا، هذا بحث ثاني، يكون كفر، لكن نحن بحثنا في تهذيب الألفاظ.
إذاً: ماذا تقصدون الله موجود في كل الوجود؟ يعني علمه.
جميل جداً، الله بعلمه بلا شك محيطٌ وهو بكل شيء محيطٌ ﵎، لكن التعبير إذاً: خطأ، تريد أن تقول تتحدث عن علم الله، فتقول: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق:١٢)، نص في القرآن الكريم ﴿أحاط بكل شيء علماً﴾، ﴿لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء﴾ لا تقول: (الله) الذي هو عبارة عن الذات الإلهية المتصفة بكل صفات الكمال، والمنزهة عن كل صفات النقصان، لا تقل: الله موجود في كل مكان، الله موجود في كل الوجود، لكن تقول: أحاط بكل شيء علماً.
فهذا البحث إذاً كان في سبيل إصلاح الألفاظ. فإذاً وضح ما قصدت إليه، مِنْ
стр. 3064
أن من مقاصد الشارع تهذيب الألفاظ أيضاً، فبدل من أن نقول: الله موجود في كل الوجود، الله موجود في كل مكان، ونحن نقصد علمه، نقول: أحاط بكل شيء علماً؛ لأن العبارة الأولى: (الله موجود في كل الوجود) تتصل بعقيدة غلاة الصوفية الذين يقولون: لا هو إلا هو، فليس هناك خالق ومخلوق، وكما قال قائلهم:
لما عبد المجوس النار ما عبدوا إلا الواحد القهار
لأن النار والجنة، خالق، ومخلوق، كل هذه أشياء لا حقيقة لها، وباختصار قولهم: لا هو إلا هو، يقولون: كل ما تراه بعينك فهو الله!
فإذاً: لا ينبغي للمسلم أن يتكلم بالكلمة يضطر بعدها إلى أن يتأولها، قلها صريحة وليس بعد القرآن أفصح منه: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق:١٢)، أما تتكلم الكلمة وتقول بعد ذلك: والله أنا أقصد كذا وكذا، قال ﵊ وهذا من تأديبه إيانا، لو أطعناه لنجحنا: «لا تَكَلَّمَنَّ بكلام تعتذر به عند الناس» (١).
(لا تكلمن) أي لا تتكلمن. (بكلام تعتذر به عند الناس).
والرواية الأخرى أقصر من هذا: «إياك وما يعتذر منه».
فلا تقل: الله موجود في كل مكان، والله موجود في كل الوجود، ستأتيك اعتراضات وانتقادات لا قِبَل لك بردِّها، سيقال لك: المكان الذي يضطر المسلم أن يدخله مرتين أو ثلاثة، ويتمنى أن لا يدخل ذلك المكان، هل ربك هناك أيضاً؟! وقس على ذلك الكهاريج والمجاري و .. إلى آخره، ما يقول المسلم بهذا.
إذاً: اسحب كلامك هذا، لا تقله.
стр. 3065
هنا والكلام ذو شجون كما يقال، فماذا نعتقد وماذا نقول، بدل قولنا: الله في كل مكان، أي: حينما نتحدث عن الذات الإلهية التي يعبر عنها بلفظة الجلالة: الله، اسم الذات، هذا معروف لدى المسلمين جميعاً.
قول بعضهم: الله في كل مكان، عرفنا أن هذا خطأ، وأن المقصود به العِلْم، فنقول: ليكن تعبيرك صحيحاً إذا كنت تقصد العلم الإلهي فتقول: أحاط بكل شيء علماً.
لكن إذا أردنا أن نتحدث عن الله ، عن الذات الإلهية، فماذا نقول؟
لقد جاء عن أحد السلف الأئمة وهو بالذات عبد الله بن المبارك من كبار شيوخ إمام السنة الإمام أحمد ﵀، جاء بعبارة جمعت فأوعت، قال: «الله ﵎ فوق عرشه بذاته، وهو بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه».
جاء في الجملة الأخيرة: «وهو معهم بعلمه» البحث السابق: «أحاط بكل شيء علمًا» لكن الآن في مبتدأ الكلام يتحدث عن الذات الإلهية، فيقول: الله ﵎ فوق عرشه بذاته. أخذ هذا من آيات كثيرة وكثيرة جداً في القرآن الكريم .. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) .. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر:١٠).
وفي الحديث المشهور: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». وهذا الحديث كأنه اقتباس من قوله ﵎: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (الملك:١٦ - ١٧).
الإمام عبد الله بن المبارك شيخ الإمام أحمد يعبر عن هذه الآيات وغيرها مما
стр. 3066
جمعه حافظ دمشق الحافظ الذهبي في رسالةٍ خاصةٍ وهي مطبوعة سماها: «العلو للعلي الغفار» جمع في هذه الرسالة الآيات التي تدندن حول هذه الصفة للذات الإلهية، وهي صفة العلو المطلق، الآيات والأحاديث وأقوال الصحابة وآثار السلف، ومنهم أقوال الأئمة الأربعة، كلهم يدندنون حول ما جمعه عبد الله بن المبارك في هذه الكلمة: «الله ﵎ فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه»
أبطل الحلول وهو مستغنٍ .. وهو الغني عن العالمين، لكن ذلك العلو الذي لا يمكن لعقلٍ بشريٍّ أن يدركه أو يتصوره؛ لا يعني أنه تخفى عليه خافية، قال: «وهو معهم بعلمه».
فهذه الجملة الموجزة جَمَعَ فيها عشرات الآيات والأحاديث وأقوال السلف، حتى تكون عقيدة المسلم عقيدة صحيحة بعيدة عن القول بوحدة الوجود، وبعيدة عن القول بالحلول الذي يقول به بعض الفرق الضالة، الله ﵎ فوق عرشه بذاته بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه.
" الهدى والنور" (٦٩/ ٤٤: ٠٨: ٠٠)
[١٠٤٤] باب تفسير قوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾
والرد على من يقول الله في كل مكان
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«لا تَتَفَكَّروا في الله، فإنه لا مِثْلَ له، ولا شَبِيْهَ ولا نظيرَ، ولا تَضْربوا لله الأمثالَ، ولا تَصِفوه بالزَّوالِ، فإنه بكل مكانٍ». (موضوع).
[قال الإمام]:
قال الربيع في مسنده (٣/ ٢١٧): وبلغنا عن أبان بن [أبي] عياش عن أنس بن
стр. 3067
مالك قال: خرج النبي ﵌ على قوم جلوس، فقال ما أجلسكم؟ فقالوا: نتفكر في الله، فقال ﵌: ... فذكره. قلت وهذا موضوع، آفته أبان بن [أبي] عياش، وهو متروك - كما قال الذهبي والعسقلاني -.وجملة التفكر قد رويت من طرق أخرى، بدا لي من مجموعها أنها ترتقي إلى مرتبة الحسن، ولذلك خرجته في "الصحيحة" (١٧٨٨).
وأما سائر هذا الحديث وبخاصة الجملة الأخيرة منه فإنها باطلة، وهي من وضع الجهمية والمعطلة لصفات الله ، الذين يتأولونها غير تأويلها المعروف عند السلف، ويعبرون عن المجيء المصرح به في القرآن والنزول المتواتر عن النبي ﵌ بالزوال- كما في هذا الحديث-، أو الانتقال- كما يفعل ابن الجوزي وغيره -، ثم يقولون: هذا من صفات المخلوقات، فلا يجوز وصف الله بذلك! والحقيقة أن المجيء والنزول لا يجوز تأويله بما ذكروا، وهو صفة لله، وصف بها نفسه، نصفه بها دون تشبيه ولا تعطيل، «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»، فهم وقعوا حين عبَّروا بما تقدم في التشبيه، ففروا منه إلى التعطيل.
فما أحسن ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الجزء الأول من كتابه العظيم "منهاج السنة": "المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، المشبه أعشى، والمعطل أعمى".
ومما يبطل هذاالحديث قوله: "فإنه في كل مكان"، فإن الله كان ولا مكان، وهو الغني عن العالمين - كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله - فتنبه! ولما رأى بعض المعطلة المعاصرين أن وصف الله بأنه في كل مكان لا يقف أمام أدلة الشرع والعقل - كما سبق هناك -، لجأ إلى التستر والمراوغة
стр. 3068
والتدليس، فقال ذلك الجاهل الغماري في تعليقه (ص ١٢٧):
"وهنا أمر مهم جداً وهو: أننا لا نقول بأن الله موجود في كل مكان البتة، بل نكفر من يقول ذلك، ونعتقد أن الله موجود بلا مكان، لأنه خالق المكان"! وفي هذا الكلام من هذا الجاهل المدلس أمور مهمة، يجب التنبيه عليها أو على بعضها على الأقل، مبتدئاً منها بالأهم:
أولاً: اعتقاده بأن الله موجود بلا مكان: تدليس خبيث، لأنها كلمة حق أريد بها باطل، لأن ظاهرها تنزيه الخالق عن الحلول في المكان المخلوق الذي يقول به المعتزلة والإباضية - كما في حَدِيثِهم هذا -، وهذا التنزيه حق واجب - كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله -، ولكن الذي يرمي إليه هذا المدلس ويقصده هو تعطيل صفة علو الله ﵎ على عرشه والمخلوقات كلها، وكونه تعالى فوقها، فإنه من ضلاله البالغ أنه يسمي هذه الفوقية مكاناً تمهيداً لنفيها! وتعليقاته كلها تدور حول هذا النفي، ويعطل كل دلالات الآيات والأحاديث بتأويلها! وتعطيل معانيها! ولنقدم على ذلك مثالاً واحداً، ألا وهو قوله تعالى:
﴿أأمنتم من في السماء﴾، فإنه يعطله بمثل قوله: "إما أن يقال ... ، وإما أن يقال: ... "!! ثم قال (ص ١٣٩): وقوله تعالى: [أأمنتم من في السماء] مؤول عند المجسمة بـ (من على السماء) ... " إلخ.
ونقول هذا ليس تأويلاً - أيها الجاهل المتعالم! - كما بينه العلماء، حتى بعض المؤولة لبعض النصوص، كالحافظ البيهقي الذي قال في أكثر من موضع من كتابه "الأسماء والصفات" (٣٧٧ و٤١١ و٤٢١)، وكذلك في كتابه الآخر
стр. 3069
"الاعتقاد" (ص ١١٣): "فمعنى الآية: من على العرش، كما صرح به في سائر الآيات". وذكر في الباب الآيات التي أشار إليها، فهل الإمام البيهقي - أيها الضال المضل! المكفر لأئمة المسلمين! - هو أيضاً مجسم عندك، لأن القائلين بعلو الله على خلقه هم مجسمة عندك، والمجسمة كفار لديك؟!
ثم أيَّد ضلاله بكلام نقله من "تفسير البحر المحيط" لأبي حيان (٨/ ٣٠٢)، لم ينقله بتمامه، فإنه يعلم أنه لو فعل، لافتضح وانكشف زيغه، فقد قال أبو حيان في الآية المتقدمة ما نصه:
"المعنى: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو المتعالي عن المكان".تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
هذا التفسير من هذا المعطل هو الذي ضل به هذا الجاهل، ومن قبله شيخه الغماري المسمى بعبد الله، الذي أنكر حديث الجارية وشهادة النبي ﵌ لها بالإيمان لشهادتها أن الله في السماء، مقلداً في ذلك تأويل أبي حيان للآية بالتأويل المتقدم، فقال - هداه الله -: "أماكون الله (في السماء) فكانت عقيدة العرب في الجاهلية، وكانوا مشركين، فكيف تكون دليلاً على الإسلام"!! انظر تمام كلامه، بل ضلاله في "الصحيحة" تحت الحديث (٣١٦١).
وليس البيهقي وحده - ممن يظهر ذاك الضال تبجيله - فسر الآية بأنه تعالى على السماء، بل إنه قد تبعه على ذلك جمع من العلماء الفضلاء - الذين نظن أنه لا يستطيع الضال أن يرميهم بالتجسيم -، مثل حافظ الأندلس ابن عبد البر فإنه صرح في "التمهيد" (٧/ ١٣٠) أن معنى الآية - كما تقدم عن البيهقي، فقال -:
"فمعناه من على السماء، يعني على العرش ... ".وقال (٧/ ١٢٩) تعليقاً على حديث النزول الإلهي:
стр. 3070
"وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سماوات - كما قالت الجماعة -، وهو من حجتهم على المعتزلة والجمهية في قولهم: إن الله في كل مكان، وليس على العرش، والدليل على صحة ما قاله أهل الحق في ذلك ... ".ثم ذكر الآيات الدالة على ذلك، ورد على المعتزلة الذين ادعوا المجاز في آية الاستواء وغيرها في بحث واسع مفيد جداً، فليراجع.
بل إن ابن الجوزي نفسه قد سلك سبيل الجماعة في تفسير الآية خلافاً لحيده عنهم في "دفعه"! فقال في تفسيره "زاد المسير" (٤/ ٣٢٢): "قال ابن عباس: أأمنتم عذاب من في السماء وهو الله ".فلم يقل - كما قال مقلِّد ذاك الضال -: "أأمنتم من تزعمون أنه في السماء"! وفي الواقع إني لأشفق على هذا الرجل، لعرامته في ضلاله، وغلوه وجرأته في مخالفة أئمة المسلمين، بل وتكفيرهم! وأخذه بأقوال المعتزلة وأشباههم من الضالين قديماً وحديثاً، فهو لا يحسن أن يأخذ من الأقوال المختلفة إلا أضلها، ويعرض عما كان منها صواباً محضاً، الأمر الذي يذكرني بذاك الرجل الذي أتى راعياً فقال: أعطني شاة من غنمك؟ فقال له: اذهب فخذ بأذُن خيرها. فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم! وإني لأظنه أنه لم يقل يوماً ما داعياً ربه اقتداءً بنبيه ﵌: "اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ! فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ! عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ! أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (١).
"الضعيفة" (١٣/ ٢/٧٣٤ - ٧٣٨).
стр. 3071
[١٠٤٥] باب كفر القائلين بوحدة الوجود
السؤال: الصوفية حديثة عهد في بلدنا، بماذا تنصحنا؟
الشيخ: الصوفية فيها خلاف قديم جداً بين المسلمين، المسلمين بالمعنى العام كما شرعناه آنفاً، والحقيقة أن لهذا الاسم التصوف والذين ينتمون إليه الصوفية أو المتصوفة معاني كثيرة ومختلفة، نحن نعلم لمخالطتنا لكثير من هؤلاء، أنهم حينما تقام عليهم الحجة فهم يقولون: التصوف ليس إلا التمسك بالأخلاق التي كان عليها رسول الله ﵌، ومنها مثلاً: الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، هكذا يقولون حينما تقوم عليهم الحجة، وحينئذ نحن نقول إن كان التصوف هو هذا بزعمكم، فيبقى الخلاف بيننا وبينكم لفظياً، ارفعوا كلمة التصوف؛ لأنها أصبحت كلمة لها معاني كثيرة وكثيرة جداً، بعضها ومنها ما ذكرنا عنهم آنفاً التمسك بالأخلاق الكريمة والزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ليس هناك ضرورة أن نطلق هذا الاسم المشكوك في المراد منه على هذا الأمر المتفق عليه من التمسك بأخلاق الرسول ﵇ والزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، لكن الحقيقة أن لمفهوم التصوف معاني أبعد بكثير عن هذا المعنى الصحيح، ثم هذا البعد تارة يخرج صاحبه من دائرة الإسلام، وتارة يلحقه بفرقة من الفرق الضالة، أما الحالة الأولى فأولئك هم الذين يؤمنون بما يعرف عند أهل العلم بعقيدة الوحدة، أو وحدة الوجود بالتعبير الأوضح، وحدة الوجود تعني -هنا إلحاد بعينه- تعني الطبيعة بتعبير علماء الطبيعة، أي: لا شيء إلا المادة، حيث يقول قائلهم: كل ما تراه بعينك فهو الله.
إذاً: فهي المادة، كل ما تراه بعينك فهو الله!
стр. 3072
ويقول آخر:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا ... وما الله إلا راهب في كنيسة
ويقول ثالث:
العبد رب والرب عبد ... فليت شعري من المكلف؟
إن قلت عبد فذاك نفي ... أو قلت رب أنى يكلف؟
والرابع يقول:
لما عبد المجوس النار ما ... عبدوا إلا الواحد القهار
هذه كلها عبارات مسطرة في كتبهم التي يتبركون بها، فمثل هذه العقيدة تخرج صاحبها من دائرة الإسلام؛ لأنها عقيدة أكفر من عقيدة اليهود والنصارى، وهذا يذكرني بقول أحد غلاتهم، حيث قال: إنما كفر اليهود والنصارى؛ لأن اليهود حصروا الله في العزير، أما النصارى فحصروا الله في الأب والابن والروح القدس، أما نحن أي: هم، قال: فقد عممناه في كل شي، ولذلك فمن ذكرهم ليس ذكرهم ذكر المسلمين كما قال ﵇: «أفضل الذكر لا إله إلا الله» (١) ذكرهم: هو هو. ويقولوا في بعض العبارات التي مع الأسف تلقفها بعض العامة عندنا في سوريا، تجد الواحد جالساً يريد أن يذكر الله فيقول: ما في غيره. ماذا يعني بما في غيره؟ في خالق وهناك مخلوق.
فهذه عقيدة وحدة الوجود تلت في ألفاظ بعض الناس، لكنهم لا ينتبهون إلى ضلالها، ومثلها تماماً قول كثير من الخاصة والعامة: الله موجود في كل الوجود،
стр. 3073
الله موجود في كل مكان، .. عقيدة وحدة الوجود، لكنها مع ذلك عقيدة الأشاعرة والماتريدية في آخر الزمان، الله موجود في كل مكان، هذا مكان، الله موجود هنا، ما هو الموجود؟ زيد وبكر وعمرو ومادة وحيطان وهواء .. إلى آخره، الله هنا؟!
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، هذه عقيدة السلف الصالح.
فهذا النوع من التصوف هو أكفر الكفر الذي وجد على وجه الأرض.
هناك نوع دونه وهو الذي انحرف في سلوكه عما كان عليه الرسول ﵌ من تحميل النفس ما لا تطيق، باسم تربيتها، وهنا نحن نقول: لسنا نحن بصفتنا مسلمين، لسنا بحاجة أبداً إلى وسيلة نتلقاها من طريق غير طريق نبينا ﵌، لنربي بها أنفسنا، كيف وفي الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند، وغيره في غيره من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، «أن النبي ﵌ رأى ذات يوم في يد عمر بن الخطاب صحيفة يقرأ فيها، قال: ما هذا يا عمر؟ قال: هذه صحيفة كتبها لي رجل من اليهود، فقال ﵊: يا ابن الخطاب! أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟! والذي نفس محمد بيده! لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي».
إذاً: إذا كان موسى كليم الله والذي أنزل الله عليه التوراة مباشرة لو كان أدرك النبي ﵌ لم يسعه أن يتبع توراته، بل لا يسعه إلا أن يتبع نبينا ﵌.
إذاً: كيف بنا نحن اليوم باسم الإسلام الصوفي نربي أنفسنا على طريقة من الحمل عليها بزعم تهذيب النفس الأمارة بالسوء بالتشديد عليها، لهم قصص عجيبة وغريبة جداً، كان أحدهم، وهذا في بعض القرون الأولى المشهود لها بالخيرية، أما فيما بعد في عهد الشعراني، وما أدراك ما الشعراني فحدث ولا
стр. 3074
حرج، لكن في العهود الأولى حيث بدأ التصوف يذر قرنه، كان فيهم من يلبس أغلظ الثياب، ثم ينغمس في نهر دجلة أو طلاء الفرات في اليوم البارد الشديد البرودة، ثم يصعد فيقف على سطح الدار، تلفحه الرياح الباردة، ما هذا؟ قال: تهذيباً للنفس.
هذا ليس تهذيباً، هذا تعذيب، والنبي ﵌ الذي قال بحق، ونحن بحاجة لنعرف أثر هذه الكلمة في حياتنا العلمية الإسلامية اليوم: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه» ومن ذلك حديثان في صحيحي البخاري ومسلم أحدهما من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: جاء رهط إلى النبي ﵌ فلم يجدوه، وسألوا أهله عن عبادته، عن قيامه في الليل وقيامه في النهار، وقربانه للنساء، فتحدثن بما يعلمن وقلن: إنه ﵇ يصوم ويفطر، ويقوم الليل وينام، ويتزوج النساء. قال أنس: فلما سمعوا ذلك تقالوُّها، أي: وجدوا عبادة الرسول ﵇ قليلة؛ لأنهم كانوا يتصورون رسول الله ﵌ ينام الليل؟! لازم أن يقوم الليل كله. كذلك يفطر؟! لا بد أن يفطر الدهر كله، كذلك يتزوج النساء؟! وبعض الناس يقولون: ضاع العلم بين أفخاذ النساء. كيف الرسول يتزوج أربع، يتزوج تسعة وزيادة، فوجدوا عبادته عن الكلام قليلة، لكن رجعوا إلى أنفسهم قالوا: هذا رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
الحقيقة هذا الكلام يخرج من أناس أفهم من بعيد أنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، لأنه ليس من الممكن من إنسان فَهِمَ نبيه ﵇ في كماله السامي الذي لا مثل له، يقول: لماذا يتزوج الرسول، ولماذا ينام؟ ولماذا يفطر؟ الله غفر له،
стр. 3075
ماذا يريد أكثر من هكذا. لا ينبغي أن يقال هذا الكلام، لكن هكذا وقع.
المهم، فرجعوا إلى أنفسهم، قالوا: هذا رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
إذاً: نحن لا بد أن نكد ونتعب ونتعبد لله حتى يغفر لنا الله.
ما هو السبيل في زعمهم؟
قال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر لا أفطر أبداً.
قال الآخر: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام.
وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء.
وانصرفوا، بعد قليل جاء الرسول ﵇ فأخبر الخبر، خطب النبي ﵌ خطبة وجيزة فقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا، أما إني أتقاكم لله وأخشاكم لله، أما أني أصوم وأفطر، وأقوم الليل وأنام، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني».
هنا الشاهد: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» فهؤلاء الصوفية الصالحين قديماً لا أعني عن جماعة الشعراني وأمثاله ووحدة الوجود، لا، هؤلاء حادوا عن هدي النبي ﵌، فجاءوا بأساليب بوذية هندية قديمة، توارثوها، ولعلهم كانوا من الأعاجم الذين دخلوا في الإسلام ولما يفقهوا الإسلام بعد، فجاءوا بطريقة تعذيب النفس بزعم تصفيتها، وهذا هو نبيكم ﵌ يقول: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».
ثم إنه ﵇ طبق هذا النهج في بعض أصحابه حينما بلغه عن عبد الله
стр. 3076
بن عمرو بن العاص صحابي ابن صحابي ﵄، بلغه أن أباه زوجه بفتاة من قريش، فدخل عليها يوماً فسألها عن زوجها، فقالت له: ما به من بأس إلا أنه لم يطأ لنا بعد فراشاً، إنه قائم الليل صائم النهار، أي: تزوج وما تزوج. فصعب الأمر على عمر وشكا ابنه إلى نبيه ﵌ فقال له ﵊: يا عبد الله! بلغني عنك أنك تقوم الليل وتصوم النهار ولا تقرب النساء، قال: قد كان ذلك يا رسول الله! وهنا الحديث فيه طول وأختصره فأقول: إن النبي ﵌ وضع له منهجاً ليتعبد الله فيه ويجمع كما يقولون اليوم بين حق الجسم وحق النفس من جهة، وحق الروح من جهة أخرى، أي: العبادة، فقال وقد كان يقوم الليل كله يختم القرآن، ويصوم الدهر، قال بالنسبة لقراءة القرآن هذا في نهاية المطاف، والقصة طويلة، قال: اقرأ القرآن في ثلاث ليال، فمن قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه.
وفيما يتعلق بالصيام قال له في أول الأمر: صم من كل شهر ثلاث أيام، والحسنة بعشرة أمثالها، فكأنهما صمت الشهر كله، فكان يقول: يا رسول الله! إني شاب إن بي قوة، إنني أستطيع أكثر من ذلك، وتلاحظون هنا الفرق بين ذاك الجيل وجيلنا اليوم، شاب في مقتبل العمر زوجه أبوه بفتاة من قريش يعرض عنها ويقوم الليل ويصوم النهار و .. إلى آخره، وعندما يقول له الرسول ﵌ هون على نفسك يقول له: يا رسول الله! أنا شاب، أنا قوي، أنا أستطيع أكثر من ذلك، اليوم على العكس من ذلك ينشأ شاب في طاعة الله تجد الصادِّين من حوله القريب والبعيد، أولاً الأب وثانياً الأم يقولون له: ما زلت شاباً تعبد فيما بعد، انظر الفرق بين ذاك الزمان وهذا الزمان.
الشاهد قال له في نهاية المطاف: صم يوماً وأفطر يوماً، فإنه صوم داود عليه
стр. 3077
السلام، وكان لا يفر إذا لاقى، قال: يا رسول الله! إني أريد أفضل من ذلك، قال: لا أفضل من ذلك.
فأين هذه الصوفية الزاهدة الزاعمة، مخالفة للكتاب والسنة.
فإذاً: ما كان من التصوف مفسراً بما يوافق الكتاب والسنة حقيقة فحينئذ ارفعوا هذا الاسم ونبقى على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، وما خالفهما فنحن نضرب بذلك عرض الحائط.
"الهدى والنور" (٦٣٢/ ٠٠:٤٠:٢٩)
[١٠٤٦] باب الرد على القائلين بوحدة الوجود
[قال الذهبي في "العلو"]:
قال القرطبي .. في "الأسنى" الأكثر من المتقدمين والمتأخرين يعني المتكلمين يقولون: إذا وجب تنزيه الباري ﷻ عن الجهة والتحيز, فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم المتأخرين؛ تنزيه الباري عن الجهة فليس لجهة فوق عندهم؛ لأنه يلزم من ذلك عندهم أنه متى اختص بجهة أن يكون في مكان وحيز, ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للتميز والتغير والحدوث, هذا قول المتكلمين".
قلت: نعم هذا ما اعتمده نفاة علو الرب , وأعرضوا عن مقتضى الكتاب والسنة وأقوال السلف وفطر الخلائق.
و [إنما] يلزم ما ذكروه في حق الأجسام, والله تعالى لا مثل له, ولازم صرائح النصوص حق, ولكنا لا نطلق عبارة إلا بأثر, ثم نقول لا نسلم [أن] كون الباري
стр. 3078
على عرشه فوق السموات يلزم منه أنه في حيز وجهة؛ إذ ما دون العرش يقال فيه حيز وجهات, وما فوقه فليس هو كذلك.
والله فوق عرشه كما أجمع عليه الصدر الأول ونقله عنهم الأئمة.
وقالوا ذلك رادِّين على الجهمية القائلين بأنه في كل مكان محتجين بقوله: "وهو معكم" فهذان القولان هما اللذان كانا في زمن التابعين وتابعيهم, وهما قولان معقولان في الجملة؛ فأما القول الثالث المتولد أخيراً من أنه تعالى ليس في الأمكنة, ولا خارجا عنها, ولا فوق عرشه ولا هو متصل بالخلق ولا بمنفصل عنهم, ولا ذاته المقدسة متحيزة ولا بائنة عن مخلوقاته, ولا في الجهات ولا خارجاً عن الجهات, ولا ولا, فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم مع ما فيه من مخالفة الآيات والأخبار.
ففر بدينك وإياك وآراء المتكلمين, وآمن بالله وما جاء عن الله على مراد الله, وفوِّض أمرك إلى الله, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[قال الإمام في "مختصر العلو" معلقًا على قول الذهبي: "فهذا شئ لا يعقل ولا يفهم]:
قلت: نعم، إنما يفهمه القائلون بوحدة الوجود، وأن الخالق والمخلوق شيء واحد، بل لا شيء هناك يسمى خالقاً أو مخلوقاً، فكل ما تراه بعينك فهو الله! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ولعل جهماً وأمثاله من الدعاة الأولين كانوا يرمُون من قولهم بأن الله في كل مكان، وأنه ليس على العرش، غرسَ عقيدة وحدة الوجود المستلزمة لنفي وجود الخالق ﵎, ولكن بطريقة خبيثة خفية، ولذلك اشتد نكير السلف عليه، وعلى أتباعه، وصرح بعضهم - كما تقدم
стр. 3079
في ترجمة الإمام ابن المبارك وغيره - أن الجهمية يزعمون أن الله ليس بشيء! فماذا يقول السلف الصالح لو سمعوا اليوم غلاة الصوفيين وهم يقولون على المنابر:
" الله، لا فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا يسار، ولا أمام، ولا خلف، ولا داخل العالم، ولا خارجه"!.
"مختصر العلو" (ص٢٨٧)
[١٠٤٧] باب ما المانع من أن نقول: الله ليس فوق ولا تحت؟ والكلام على علو الله، ومناظرة الشيخ لبعض الأزهريين حول ذلك
سؤال: .. وجود الله ووجودنا، قبل قليل كنت تقول: بأن وجوده غير وجودنا.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: فإذاً: الأمام والخلف والفوق تحت هذه من صفات وجودنا.
الشيخ: طبعاً.
مداخلة: فلماذا استغربناها عن الله؟ يعني استغربنا ممن يقول ...
الشيخ: الاستغراب ... من جهة وصفهم لله، أنت لو أخذت العبارة كلها من أولها إلى آخرها، أظن أنه ستجد نفسك لست بحاجة للسؤال.
الله ليس فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار .. هذه صفات بالنسبة لنا، جهات بالنسبة لنا، لا يوجد إشكال، لكن انظر إلى النهاية: الله لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ولا أمام ولا خلف ولا داخل العالم ولا خارجه! فماذا بقي إذاً؟
стр. 3080
هل بقي هناك وجود، لا داخل العالم ولا خارج العالم.
مداخلة: بدون استغراب.
الشيخ: نعم.
مداخلة: بيجوز المقايسة نفسها بنفس الألفاظ الموجودة الأولى، ... وجود المخلوقات، يمكن ما تصح عن الله ، لعل هناك مقاسات أخرى، يعني خارج الأبعاد المحسوسة؟
الشيخ: خارج العالم في قياسات؟
مداخلة: خارج العقل البشري.
الشيخ: لا، خارج العالم حسب تعبيرهم هم.
يمكن أحكي لك هذه القصة وقعت معي في منى، منذ عشر سنين في موسم الحج، أنا جالس مع بعض الناس من بعد صلاة المغرب نتحدث في بحوث شرعية طبعاً، لما دخل علينا شيخ أزهري، السلام عليكم، وعليكم السلام.
جلس يسمع، جاءت مناسبة هذا الكلام، طبعاً دراسته في الأزهر كما حدثتكم عن المشايخ مع ابن تيمية تماماً، قال: «قولنا أن الله فوق المخلوقات كلها تشبيهٌ وتجسيمٌ».
هذا كلام أزهري تماماً، وكلام المشايخ من علماء الكلام، فأنا جريت معه في البحث كما يأتي، ولعل هذا إجابة للإشكال، أو جواب عن السؤال.
قلت له: أولاً: الأدلة الشرعية يجب الإيمان بها دون تكييف، أي: تشبيه، ودون تعطيل أي: إنكار لمعانيها.
стр. 3081
ثانياً: خلينا ندرس الموضوع بعقلي وعقلك، لنرى أي القولين أصح، فسألته ما يلي، أسئلة متتالية، قلت له: الآن فوقنا ماذا؟ قال: السماء الدنيا. قلت: حسناً، وفوق السماء الدنيا؟ قال: الثانية .. الثالثة .. الرابعة ... السابعة.
لعلي فاتني شيء [يستدرك الشيخ على نفسه] سألته قبلُ، قلت له: الكون المخلوق محصور أو لا نهاية له؟ قال: لا، محصور؛ لأنه مخلوق. قلت له: حسناً ضع هذا في بالك، ثم سألته: ماذا فوق السماء السابعة؟ قال: العرش. قلت له: حسناً، فوق العرش ماذا يوجد؟ قال -وأول مره أسمع هذا الجواب الغريب-: الملائكة الكروبيون، قلت له: من هؤلاء الملائكة الكروبيون؟ أنا أعرف في بعض أحاديث مما لا سنام لها ولا خطام، لكن شيخ يقول فوق العرش ملائكة كربيون، قلت له: من أين هذا، هل عندك آية؟ قال: لا. قلت له: عندك حديث؟ قال: لا، قلت له: من أين أتيت بأن الملائكة الكروبيون فوق العرش؟ قال: والله! هكذا مشايخنا في الأزهر درسونا، وأنا الحقيقة اعتبرتها فرصة، وأقولها الآن من أجل التذكير والتنبيه، مشايخ الأزهر مع الأسف كمنهج دراسي يدرسون طلبة العلم أن العقيدة لا تثبت بالحديث الصحيح، لازم يكون الحديث صحيح متواتر، فإذا كان دون المتواتر قوةً وصحةً لا تثبت به عقيدة، وهذا خطأ بلا شك، ولي رسالتان مطبوعتان حول إبطال هذا القول، وأن الحديث الصحيح من حيث وجوب العمل به عقيدة وحكماً عملاً، فقلت له: يا شيخ! عجيب والله، نحن نعرف أن علماء الأزهر يدرسون أن الحديث الصحيح لا يتخذون منه عقيدة، كيف أخذتم عقيدة كروبيون فوق العرش، وما في لا أحاديث ولا آية، مع ذلك قلنا له: نحن الآن لا نقف هنا، هب أن فوق العرش يوجد ملائكة كروبيون، فوق ذلك ماذا يوجد؟ قال: لا شيء. هنا الشاهد.
стр. 3082
هذا الجواب علماء السنة يقولون هذا هو التعطيل، هذا هو النفي، نفي وجود الله.
قلت له: أنت تقول لا شيء، معنى ذلك أنه بالكروبيين انتهى الخلق، فالخلق المحدود انتهى، خارج هذا الخلق الآن ما في شيء؟ نحن نعتقد أن الله هو خالق الأشياء هذه كلها، وهو فوقها مستعل عليها، إلى آخره ...
لعل هذا الجواب يقرب الموضوع بالنسبة لسؤالك السابق؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: إن شاء الله.
نحن نريد بهذه المقدمات إبطال تعطيل هؤلاء، لأنه بيقول لك: إذا قلت: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، حددته، جسمته، جعلته في مكان، يا جماعة اتقوا الله، المكان- الآن تذكرت الاستدراك الذي استدركته-، أن المكان مشتق من الكون، فالمكان مخلوق، هذا الكون هو مكان، فلما انتهى هذا الخلق، ما وراءه؟ نفس الأزهري قال: لا شيء، قال: لا، لأن المكان من الكون، فما بقى هناك في مكان، فخلصنا من المحسوسات والمعدومات الآن، نحن نتكلم كلنا في حدود ما نعلم من الماديات، فبعد ذلك ارجع معنا أنت وغيرك حتى تتضح لكم القضية، ذكرنا حديث عمران بن حصين آنفاً: «كان الله ولا شيء معه» هذه عقيدة يؤمن بها كل مسلم، معنى: «لا شيء معه» يعني: لا خلق، ثم خلق الله الخلق، خلق العرش، خلق ... إلى آخره.
«كان الله ولا شيء معه» هل كان في كون؟
стр. 3083
مداخلة: لا.
الشيخ: طيب، هذا قولنا. فهو الآن كما يقول بعض الصوفية، لكن يعنون معنى آخر غير صحيح، فهو الآن من حيث هذه الحيثية التي نتكلم فيها كمكان، فهو لم يكن في مكان، فهو ليس بمكان، لماذا إذاً أنتم ... تتهموا السلف الصالح الذين يثبتون لله كل صفات الكمال، ومنها صفة العلو المطلق، ليس العلو المادي، صفة العلو المطلق، لماذا تقولون عنهم إنهم مجسمة .. إنهم جعلوا الله في مكان، وأنت عندما تبحث بحث هادئ تفهم معنى أنه ليس هناك مكان، إذاً: «كان الله ولا شيء معه»، فهو الآن كما عليه كان، لكن هو فعال لما يريد، فعال لما يشاء، يخلق يحيي ويميت، بيده ميزان القسط، إلى آخره.
فإذاً: استشكالك أنت كان في هذا الكون المحسوس، لكن لما تصورت إن الكون انتهى رجعنا إلى ما كان رب العالمين على ما هو عليه كان، قبل أن خلق الزمان والمكان.
مداخلة: ... سؤالك: ماذا وراءه؟
الشيخ: وراء ماذا؟
مداخلة: أنت عندما تسأل شيخ الأزهر ....
الشيخ: ... وراء العرش ... أنا أخاف يقول لي: بدل مكروبيين فيه مكاريب مثلاً، فما دام انتهى الخلق، خلاص انتهينا مع بعض، هذا أخي من باب إقناع المناظر لك من نفس كلامه، إنه أنت تقول: إن الذين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، جعلوه في مكان، طيب دعونا ننظر، المكان من الكون؟ أي نعم، وكان مسبوق بالعدم؟ أي نعم، فإذاً: ما هو، سماء أولى ثانية، وصلنا لعرش،
стр. 3084
وصلنا للملائكة تبعه الكروبيين، طيب وبعد ذلك ماذا يوجد؟ لا شيء.
مداخلة: لا مكان ..
الشيخ: إذاً: لا مكان، فكان الله ولا شيء معه، أي: لم يكن (هناك) شيء مخلوق؛ لأنه غني عن العالمين، الله هو الآن كما عليه كان قبل أن خلق المكان والزمان، هذه العقيدة الذي نسميها نحن العقيدة السلفية، هي العقيدة الفطرية التي لا يقبل العقل سواها إطلاقاً حينما توضح له على طريقة القرآن الكريم والسنة.
وفي الحقيقة أذكر قصة: كنت مسافر من إدلب إلى اللاذقية، كان عندي سيارة صغيرة، فلما خرجنا من إدلب وإذا بشخص مبين عليه أجنبي، بيعطي إشارة.
مداخلة: .. ستوب.
الشيخ: هذول الشحاذين على الأصول، شحاذي الركوب، وأنا ماشي بالسيارة كان معي بجانبي شخص، فلفت نظري كنت قطعته، قلت لصحابي: ما رأيك نرجع نأخذه مبين عليه أجنبي، ونتسلى معه في الطريق؟ قال: ما في مانع، رجعنا القهقرى، وإذا هو الخبيث مخبئ امرأتين معه الظاهر زوجته وبنته، صاروا ثلاثة، على كل حال المكان فاضي، ركبناهم، نريد أن نبحث معهم نقطع الطريق يعني ... كما يُقال ... يا تقطعني يا أقطعك، كيف: يا أقطعك؟ يعني بالحديث.
وصلنا معه إلى هذا الموضوع بالذات، عندما شرحنا له هذه العقيدة، قال: هذا هو المعقول، أن الله فوق المخلوقات وليس داخل المخلوقات، هم طبعاً كنصارى ليس عندهم هذه العقائد الموجودة عندنا بصريح القرآن والسنة،
стр. 3085
لكن قصدي الفطرة تتقبل هذه العقيدة السليمة، لكن عندما تأتيهم الإشكالات والشبهات من أكثر الناس، يحاروا أمامها ولا يستطيعون لها جواباً، لكن المتمكن في كتاب الله وفي حديث رسول الله ﵌، [يعرف]: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، انتهت المشكلة.
مداخلة: هل يُفهم من كلامك هل يجوز مناظرة الملاحدة مثلاً والفلاسفة؟
الشيخ: طبعاً، الله سن هذه السنة، قال لهم مثلاً: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (الطور:٣٥)، لكن بطبيعة الحال الذي يريد أن يناظرهم لا بد أن يكون كما يقال عندنا في الشام (قد حاله) أولاً: لازم يكون عارفاً بكتاب الله، عالماً بكتاب الله، وبحديث رسول الله ﵌، والذي يعلم كيف تؤكل الكتف، يعني يعرف يصول ويجول مع المبطلين، حتى يظهر حقه على باطلهم، وإلا إنسان ممكن ما يعرف من دينه إلا ما وجد عليه آباءه وأجداده، ... يناقشهم ويريد يناقشهم بالعقل المجرد، وبعقل دون عقل، يتغلب العقل الأقوى على العقل الأضعف، بينما العقول كلها لو اجتمعت لا تستطيع أن تعلو على نص من كتاب الله، أو من حديث رسول الله ﵌، فيجوز ذلك لكن بهذا الشرط.
مداخلة: يعني مثلاً: ليس عن طريق العلم يعني؟
الشيخ: ...
[هنا الصوت غير مسموع]
الشيخ: أنت احفظ الآية التي ذكرتها لك، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (الطور:٣٥)، هذا جواب للشيوعيين والماديين والدهريين جميعاً، لا بد ما يثبت المادة، هذه المادة ما قوتها، ما صفاتها، ... [يقولون] المادة عملت كذا،