← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

ثانياً: خلينا ندرس الموضوع بعقلي وعقلك، لنرى أي القولين أصح، فسألته ما يلي، أسئلة متتالية، قلت له: الآن فوقنا ماذا؟ قال: السماء الدنيا. قلت: حسناً، وفوق السماء الدنيا؟ قال: الثانية .. الثالثة .. الرابعة ... السابعة. لعلي فاتني شيء [يستدرك الشيخ على نفسه] سألته قبلُ، قلت له: الكون المخلوق محصور أو لا نهاية له؟ قال: لا، محصور؛ لأنه مخلوق. قلت له: حسناً ضع هذا في بالك، ثم سألته: ماذا فوق السماء السابعة؟ قال: العرش. قلت له: حسناً، فوق العرش ماذا يوجد؟ قال -وأول مره أسمع هذا الجواب الغريب-: الملائكة الكروبيون، قلت له: من هؤلاء الملائكة الكروبيون؟ أنا أعرف في بعض أحاديث مما لا سنام لها ولا خطام، لكن شيخ يقول فوق العرش ملائكة كربيون، قلت له: من أين هذا، هل عندك آية؟ قال: لا. قلت له: عندك حديث؟ قال: لا، قلت له: من أين أتيت بأن الملائكة الكروبيون فوق العرش؟ قال: والله! هكذا مشايخنا في الأزهر درسونا، وأنا الحقيقة اعتبرتها فرصة، وأقولها الآن من أجل التذكير والتنبيه، مشايخ الأزهر مع الأسف كمنهج دراسي يدرسون طلبة العلم أن العقيدة لا تثبت بالحديث الصحيح، لازم يكون الحديث صحيح متواتر، فإذا كان دون المتواتر قوةً وصحةً لا تثبت به عقيدة، وهذا خطأ بلا شك، ولي رسالتان مطبوعتان حول إبطال هذا القول، وأن الحديث الصحيح من حيث وجوب العمل به عقيدة وحكماً عملاً، فقلت له: يا شيخ! عجيب والله، نحن نعرف أن علماء الأزهر يدرسون أن الحديث الصحيح لا يتخذون منه عقيدة، كيف أخذتم عقيدة كروبيون فوق العرش، وما في لا أحاديث ولا آية، مع ذلك قلنا له: نحن الآن لا نقف هنا، هب أن فوق العرش يوجد ملائكة كروبيون، فوق ذلك ماذا يوجد؟ قال: لا شيء. هنا الشاهد.

стр. 3082

هذا الجواب علماء السنة يقولون هذا هو التعطيل، هذا هو النفي، نفي وجود الله. قلت له: أنت تقول لا شيء، معنى ذلك أنه بالكروبيين انتهى الخلق، فالخلق المحدود انتهى، خارج هذا الخلق الآن ما في شيء؟ نحن نعتقد أن الله هو خالق الأشياء هذه كلها، وهو فوقها مستعل عليها، إلى آخره ... لعل هذا الجواب يقرب الموضوع بالنسبة لسؤالك السابق؟ مداخلة: نعم. الشيخ: إن شاء الله. نحن نريد بهذه المقدمات إبطال تعطيل هؤلاء، لأنه بيقول لك: إذا قلت: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، حددته، جسمته، جعلته في مكان، يا جماعة اتقوا الله، المكان- الآن تذكرت الاستدراك الذي استدركته-، أن المكان مشتق من الكون، فالمكان مخلوق، هذا الكون هو مكان، فلما انتهى هذا الخلق، ما وراءه؟ نفس الأزهري قال: لا شيء، قال: لا، لأن المكان من الكون، فما بقى هناك في مكان، فخلصنا من المحسوسات والمعدومات الآن، نحن نتكلم كلنا في حدود ما نعلم من الماديات، فبعد ذلك ارجع معنا أنت وغيرك حتى تتضح لكم القضية، ذكرنا حديث عمران بن حصين آنفاً: «كان الله ولا شيء معه» هذه عقيدة يؤمن بها كل مسلم، معنى: «لا شيء معه» يعني: لا خلق، ثم خلق الله الخلق، خلق العرش، خلق ... إلى آخره. «كان الله ولا شيء معه» هل كان في كون؟

стр. 3083

مداخلة: لا. الشيخ: طيب، هذا قولنا. فهو الآن كما يقول بعض الصوفية، لكن يعنون معنى آخر غير صحيح، فهو الآن من حيث هذه الحيثية التي نتكلم فيها كمكان، فهو لم يكن في مكان، فهو ليس بمكان، لماذا إذاً أنتم ... تتهموا السلف الصالح الذين يثبتون لله كل صفات الكمال، ومنها صفة العلو المطلق، ليس العلو المادي، صفة العلو المطلق، لماذا تقولون عنهم إنهم مجسمة .. إنهم جعلوا الله في مكان، وأنت عندما تبحث بحث هادئ تفهم معنى أنه ليس هناك مكان، إذاً: «كان الله ولا شيء معه»، فهو الآن كما عليه كان، لكن هو فعال لما يريد، فعال لما يشاء، يخلق يحيي ويميت، بيده ميزان القسط، إلى آخره. فإذاً: استشكالك أنت كان في هذا الكون المحسوس، لكن لما تصورت إن الكون انتهى رجعنا إلى ما كان رب العالمين على ما هو عليه كان، قبل أن خلق الزمان والمكان. مداخلة: ... سؤالك: ماذا وراءه؟ الشيخ: وراء ماذا؟ مداخلة: أنت عندما تسأل شيخ الأزهر .... الشيخ: ... وراء العرش ... أنا أخاف يقول لي: بدل مكروبيين فيه مكاريب مثلاً، فما دام انتهى الخلق، خلاص انتهينا مع بعض، هذا أخي من باب إقناع المناظر لك من نفس كلامه، إنه أنت تقول: إن الذين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، جعلوه في مكان، طيب دعونا ننظر، المكان من الكون؟ أي نعم، وكان مسبوق بالعدم؟ أي نعم، فإذاً: ما هو، سماء أولى ثانية، وصلنا لعرش،

стр. 3084

وصلنا للملائكة تبعه الكروبيين، طيب وبعد ذلك ماذا يوجد؟ لا شيء. مداخلة: لا مكان .. الشيخ: إذاً: لا مكان، فكان الله ولا شيء معه، أي: لم يكن (هناك) شيء مخلوق؛ لأنه غني عن العالمين، الله هو الآن كما عليه كان قبل أن خلق المكان والزمان، هذه العقيدة الذي نسميها نحن العقيدة السلفية، هي العقيدة الفطرية التي لا يقبل العقل سواها إطلاقاً حينما توضح له على طريقة القرآن الكريم والسنة. وفي الحقيقة أذكر قصة: كنت مسافر من إدلب إلى اللاذقية، كان عندي سيارة صغيرة، فلما خرجنا من إدلب وإذا بشخص مبين عليه أجنبي، بيعطي إشارة. مداخلة: .. ستوب. الشيخ: هذول الشحاذين على الأصول، شحاذي الركوب، وأنا ماشي بالسيارة كان معي بجانبي شخص، فلفت نظري كنت قطعته، قلت لصحابي: ما رأيك نرجع نأخذه مبين عليه أجنبي، ونتسلى معه في الطريق؟ قال: ما في مانع، رجعنا القهقرى، وإذا هو الخبيث مخبئ امرأتين معه الظاهر زوجته وبنته، صاروا ثلاثة، على كل حال المكان فاضي، ركبناهم، نريد أن نبحث معهم نقطع الطريق يعني ... كما يُقال ... يا تقطعني يا أقطعك، كيف: يا أقطعك؟ يعني بالحديث. وصلنا معه إلى هذا الموضوع بالذات، عندما شرحنا له هذه العقيدة، قال: هذا هو المعقول، أن الله فوق المخلوقات وليس داخل المخلوقات، هم طبعاً كنصارى ليس عندهم هذه العقائد الموجودة عندنا بصريح القرآن والسنة،

стр. 3085

لكن قصدي الفطرة تتقبل هذه العقيدة السليمة، لكن عندما تأتيهم الإشكالات والشبهات من أكثر الناس، يحاروا أمامها ولا يستطيعون لها جواباً، لكن المتمكن في كتاب الله وفي حديث رسول الله ﵌، [يعرف]: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١)، انتهت المشكلة. مداخلة: هل يُفهم من كلامك هل يجوز مناظرة الملاحدة مثلاً والفلاسفة؟ الشيخ: طبعاً، الله سن هذه السنة، قال لهم مثلاً: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (الطور:٣٥)، لكن بطبيعة الحال الذي يريد أن يناظرهم لا بد أن يكون كما يقال عندنا في الشام (قد حاله) أولاً: لازم يكون عارفاً بكتاب الله، عالماً بكتاب الله، وبحديث رسول الله ﵌، والذي يعلم كيف تؤكل الكتف، يعني يعرف يصول ويجول مع المبطلين، حتى يظهر حقه على باطلهم، وإلا إنسان ممكن ما يعرف من دينه إلا ما وجد عليه آباءه وأجداده، ... يناقشهم ويريد يناقشهم بالعقل المجرد، وبعقل دون عقل، يتغلب العقل الأقوى على العقل الأضعف، بينما العقول كلها لو اجتمعت لا تستطيع أن تعلو على نص من كتاب الله، أو من حديث رسول الله ﵌، فيجوز ذلك لكن بهذا الشرط. مداخلة: يعني مثلاً: ليس عن طريق العلم يعني؟ الشيخ: ... [هنا الصوت غير مسموع] الشيخ: أنت احفظ الآية التي ذكرتها لك، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (الطور:٣٥)، هذا جواب للشيوعيين والماديين والدهريين جميعاً، لا بد ما يثبت المادة، هذه المادة ما قوتها، ما صفاتها، ... [يقولون] المادة عملت كذا،

стр. 3086

سبحان الله، نحن نسايرهم بالتعبير، نحن وإياكم نلتقي على كلمة سواء، أن هناك شيء لا أول له، صحيح أو لا؟ هناك شيء لا أول له عندنا وعندهم، لكن نحن نترجح عليهم بالعقل أيضاً فضلاً على النص، نحن نقول: هذا الشيء قادر وليس عاجز، ونقول: هذا عليم لا نقول جاهل. ونقول: حكيم لا نقول أحمق .. إلى آخره، ولا شك أن العقل يقبل هذه الصفة أن توصف هذه المادة التي تفجر منها هذه المخلوقات التي إلى اليوم يزدادون حيرة في دقة تركيبها وصنعها .. إلى آخره، كيف يقال هذا من مادة عمياء صماء بكماء .. إلى آخره. لذلك الآن الدهريين غُلبوا على أمرهم؛ لأن العقل تحرر، هم يقولون بالمادة الأزلية، لماذا تنكروا علينا أن نقول: الله أزلي، فأنتم ملتقون معنا في هذا، لكن نحن نتميز عليكم أن الله له كل صفات الكمال، ومنزه عن كل صفات النقص، أنتم تقولون المادة عملت كذا .. وكذا، فأحياناً تصفوها بصفةٍ جيدة، القدرة مثلاً، لكن مع ذلك، إذا قلنا لكم: صفوا لنا هذه المادة، هل ترى تنبض تسمع؟ كل هذه الصفات لا يصفونها، فمن الممكن مجادلة هؤلاء، لكن إذا أراد الإنسان أن يتعمق معهم، فيجب أن يحتاج إلى أن يعرف نصوص الكتاب والسنة. "الهدى والنور" (٦٩/ ٢٠: ١٠: ٠١) [١٠٤٨] باب حكم القول بأن الله ليس في مكان [قال الإمام]: أكثر من واحدة سألوني عن موضوع أن الله على العرش استوى، وآية: ﴿أأمنتم من في السماء)، فهذه أيضاً أكيد سقافية قد تكون زوجته أخته لا أدري، المهم تقول لي: هل صحيح أن امرأة سألتك عن قوله تعالى: ﴿أأمنتم من

стр. 3087

في السماء﴾ فأجبتَ بأن الله على العرش؟ قلت: نعم هو كذلك، فبدأت تجادل كما تعلمون من جدل المبتدعة هؤلاء، فقلت لها: لو أنك سألك سائل أين الله؟ ما جوابك؟ رأساً تقول أجرأ من رجل، هذا من عجائب الأمور، تقول: لا يجوز سؤال أين الله؟! قلت لها: كيف لا يجوز والرسول هو الذي سنَ سُنة السؤال أين الله؟ ماذا قالت الخبيثة؟ ملقنة تلقين وحافظة درسها مع الأسف، لكن لا تنجح بهذا ... قالت الرسول سأل الجارية لأنها تعلم اللغة العربية، فهي تعرف ماذا يعني الرسول بالسؤال، أنا طبعاً لا أريد أسألها ماذا يعني الرسول، لأنه رأساً بدا لي أن أمسكها من .. فقت لها: حسناً هي كانت تعرف بمقصد الرسول وأجابت بالآية، قالت: الله في السماء، فأنت تشهدي أنها هي عالمة، ولذلك جاز لها أن تجيب بقولها في السماء، فأنتي عالمة أو جاهلة؟ قالت: عالمة؟ قلت لها: طيب لم لا تجيبين كما أجابت الجارية العالمة؟ لماذا لا تجيبين، وتلف وتدور، فقلت لها أنا أسألك لماذا لا تجيبين بجواب الجارية المنصوص عليه في القرآن الكريم، راساً تقول أريد أن أسألك، قلت لها: لا يجوز لك أن تسألي وأنا سائلك، لماذا أنت الآن تخالفين شهادتك بهذه الجارية أنها حينما قالت الله في السماء إنما كانت عالمة، فأنت أيضاً إما أنك جاهلة ولذلك لا تجيبين بجواب العالمة أو أنك عالمة ولكنك تجادلين بالباطل، والخبيثة من جرأتها لما فتحت التلفون قالت: السلام عليكم وعليكم السلام، قالت: لا تُسَكِّر الهاتف في وجهي، تذكرني بالحادثة هناك، قلت لها أنا لا أُسَكِّر الهاتف في وجه الإنسان يبحث ببحث علمي وبهدوء، فإذا أنتي هكذا فأنا لا أغلق الهاتف أمامك، وبدأنا حتى وصلنا إلى هذه النقطة، وأنا كررت على مسامعها، لماذا لا تجيبين عن السؤال، وتريدين أنتي أن توجهي سؤالاً وتجادلي حوله، ثلاث مرات على الأقل، حينئذ أغلقت التلفون، فسبحان

стр. 3088

الله كلهم على وتيرة واحدة، فلو أن الإنسان يريد البحث للبحث، وللوصول إلى الحقيقة، ما دام أنك تشهدي بأن الجارية أجابت بهذا الجواب لأنها تعرف هذا المعنى الصحيح من الآية، أنت عالمة فأجيبي نفس الجواب، لماذا تخالفين الجواب وتقولي: لا يجوز أن نقول أن الله في كل مكان، ولا يجوز أن نقول الله ليس في مكان. مداخلة: هي تقول لا يجوز أن نقول أن الله ليس في مكان. الشيخ: هذا رأي الخبيث هذا، هذه بدعة لفظية جديدة، هذه تساوي -والشيء بالشيء يذكر، لعل في ذلك فائدة إن شاء الله-، لعلكم تذكرون بأن ابن تيمية الله يجزيه عن الإسلام خيراً يقول: لا يجوز أن نقول إن الله في جهة وإن الله ليس في جهة، لا نقول الله في جهة ولا نقول الله ليس في جهة، إلا بعد أن نفهم ماذا يقصد الذي ينفي وماذا يقصد الذي يثبت؛ لأن الذي يقول الله في جهة قد يقصد جهة من الجهات المعروفة عندنا أي أنه في مكان مخلوق، وهذا لا يجوز ولا يليق بالله ، والذي يقول إن الله ليس في جهة يمكن يعني نفى صفة العلو للعلي الأعلى، فحينئذ يكون مخطئاً، أما الذي يقول إن الله ليس في جهة، أي له صفة العلو على خلقه جميعاً، فنحن نقبل منه هذا المعنى، ولكن نرفض اللفظ؛ لأنه مشكوك بالقصد، كذلك العكس بالعكس، هذا الخبيث جاء بفن جديد الآن، هو لا يقول الله في كل مكان لأنه لا يستطيع أن يجادل السلفيين حينما يقولون الله في كل مكان، أي عقل يرضى بربه أن يحشره في الكهاريج والمراحيض تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. إذاً: نحن ندوبل على السلفيين ونقول لا يجوز أن نقول إن الله في مكان، فإذاَ

стр. 3089

ليس الله في مكان، أيضاً لا نقول هو في مكان وليس في مكان؛ لأننا إذا قلنا بزعمهم الله على العرش استوى، جعلناه في مكان، وترجع القضية إلى ذلك الأمير أمير دمشق في زمانه الذي تناقش ابن تيمية مع مشايخ مخالفين له أمامه، فلما سمع قول المشايخ وردَّ ابن تيمية عليهم، قال بكل صراحة: إن هؤلاء قوماً أضاعوا ربهم. والحقيقة أنا سمعت هذه العبارة على المنبر من أحد مشايخي سعيد البرهاني الذي تلقيت على يديه مبادئ الفقه الحنفي، على المنبر كان يقول: لا يجوز أن نقول إن الله فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار لا أمام ولا خلف لا داخل العالم ولا خارجه، هذا معنى كلام ذاك الأمير: إن هؤلاء قوم أضاعوا ربهم، لا داخل العالم ولا خارجه، هذا صفة العدم، أما لما يقول المسلم كما قال الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، فإذاً: استوى استواءً كما يليق بجلاله وعظمته. قلنا له: نعم، هذا كلام أئمة السلف، فماذا في ذلك؟ قال: معنى ذلك أنكم جعلتموه في مكان، حصرتموه في مكان، جسمتموه، جسَّدتموه، قلت له: حاشا لله، والآن اسمع مني: المكان هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ قال: مخلوق. قلت: أليس مشتقاً من الكون؟ قال: بلى. قلت: الكون محصور أم غير محصور؟ قال: محصور. قلت له: حسناً الآن ماذا فوقنا؟ قال: السماء الدنيا. قلنا: حسناً وفوقها الثانية السابعة. وفوق السماء السابعة ماذا يوجد؟ قال: العرش. الشيخ: نعم.

стр. 3090

مداخلة: السلام عليكم. الشيخ: وعليكم السلام. مداخلة: كيف حال شيخنا؟ الشيخ: الحمد لله بخير، كيف أنت. مداخلة: والله بخير ولله الحمد. الشيخ: الحمد لله. مداخلة: كيف حالكم طيبين إن شاء الله؟ الشيخ: طيبك الله. مداخلة: في سؤال يا شيخ .. "الهدى والنور" (٦٦٥/ ١٧: ٠٣: ٠٠) [١٠٤٩] باب حكم قول القائل: الله كان ولا مكان، وهل ينسب لله لفظ المكان والجهة والحد ؟ السائل: ما الحكم الشرعي بمن يقول: الله كان ولا مكان؟ الشيخ: الجواب: مثل هذا النفي يرد كثيراً على ألسنة المتكلمين من علماء الكلام نفياً أو إثباتاً فنفي المكان كإثباته، كذلك نفي الجهة بالنسبة لله كإثباتها، والأمثلة في مثلها كثيرة، والجواب الصحيح: أنه لا يجوز إنكار شيء من هذه الألفاظ أو إثباتها إلا بعد أن نتبين المعنى الذي يقصده المُثبِت لهذه الألفاظ أو نافيها.

стр. 3091

فنعود بعد هذه التوطئة وبعد هذه المقدمة الوجيزة إلى الإجابة عن السؤال مباشرة فنقول، بناءً على هذه المقدمة نقول: إن كان الذي يقول: كان الله ولا مكان، إنما يعني تحقيق أن الله هو الأول وهو أزلي أبدي لا أول له، وأنه كما جاء في الحديث الصحيح: «كان ولا شيء معه، ثم خلق الله العرش» فقوله ﵇ في هذا الحديث: كان الله ولا شيء معه، أي: من المخلوقات، ومما لا شك فيه أن المكان إنما وجد بالكون أي: لقوله ﵎: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (البقرة:١١٧) كما قال في القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس:٨٢). فإذا كان الله ولا شيء معه ثم قال للعرش: كن فكان، فإذاً: كان الله ولا مكان؛ لأن المكان مشتق من الكون، أما إن كان الذي ينفي هذا المعنى للمكان يعني به: ما يعارض الشرع في توهمه من بعض النصوص الشرعية المقطوع ثبوتها ودلالتها أنه تعني: إثبات المكان لله وقد عرفنا أن المكان كان بعد أن لم يكن وأن الله غني عن العالمين لكن عندما جاءت بعض النصوص المقطوع ثبوتها والمقطوع دلالتها وكل هذه الأدلة تدور حول إثبات العلو للعلي الغفار، فحينئذ قد يتوهم بعض الناس أننا إذا قلنا: بما دلت عليه هذه النصوص القاطعة ثبوتاً ودلالة أننا أثبتنا لله المكان، وبناءً على هذا التوهم، أي: بعض الناس يتوهمون من إثبات صفة العلو لله على المخلوقات كلها يتوهمون من هذا الإثبات: أن ذلك يستلزم جعل الله في مكان. إذاً: هم يقولون: كان ولا مكان، هنا نقول: النفي باطل، إما بالإثبات السابق صحيح، وشتان بين المعنى الأول: معنى الإثبات ومعنى النفي؛ لأن معنى النفي ينفي دلالات قاطعة، ومعنى الإثبات للمكان يثبت دلالات قاطعة هي: أن الله عز

стр. 3092

وجل كان ولا شيء معه، فلما خلق الخلق وُجد المكان، ولكن الله غني عن المكان، وغني عن الزمان، ولا يلزم مطلقاً أن يكون الله في مكان حينما يثبت أهل السنة جميعهم لله صفة العلو التي نشهد بها في كل سجود نسجده فنقول فيه: سبحان ربي الأعلى. إذاً: ثبت بهذا البيان وبهذا الجواب عن ذاك السؤال، أنه لا يجوز نفي أو إثبات معنىً للفظ لم يرد عن الله ورسوله وإنما هو اصطلاح بين الناس، ففي هذه الحالة ننظر إلى مقصد المتكلم فإن كان مقصده يوافق الشريعة، قلنا: لله مكان بهذا المعنى، وإن كان يعني ما يخالف الشريعة قلنا: لا، ليس لله مكان بهذا المعنى. كذلك يقال: بالنسبة للجهة التي قد تنسب أو قد تنفى، تنسب لله أو قد تنفى عنه، كذلك نقول نفس الكلام، نقول للذي يقول: إن الله ليس في جهة: ماذا تعني بهذا النفي؟ أتعني معارضة قول الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥) .. ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ (المعارج:٤) .. ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ﴾ (الملك:١٦) .. «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» والنصوص قاطعة في هذا أيضاً. إن كان الجواب: نعم، أنا أعني نفي هذه الدلالات التي دلت عليها هذه النصوص، نقول له: أنت مبطل حينما تنفي الجهة بالمعنى الذي أثبته الشرع في الآيات أو في الأحاديث، وإن كان يعني بذلك حينما يقول قائل ما: إن لله جهة أنه يعني: أن الله ليس في كل مكان مخلوق كما يقول القائلون بوحدة الوجود من غلاة الصوفية والمعتزلة وأمثالهم يقولون: الله موجود في كل مكان، هذا كلام حينئذ باطل؛ لأن الله أفهمنا بنصوص قاطعة من أدلة الكتاب والسنة أن له صفة

стр. 3093

العلو، فإذا أثبتنا صفة العلو وسمو هذه الصفة بأنها جهة لله قلنا: لا بأس، لكن من نفى أن لله هذه الصفة ففيه كل البأس. ولكننا مع ذلك سواء فيما يتعلق بالمكان إثباتاً ونفياً، أو ما يتعلق بالجهة إثباتاً ونفياً، أو ما يتعلق - وهذا ترونه في كتب علم الكلام - إثباتاً ونفياً أيضاً وهي: إثبات الحد لله تعالى أو نفيه كل هذه الألفاظ الثلاثة من المكان والجهة والحد لا نستعمله إطلاقاً لا بمعنى الإثبات ولا بمعنى النفي، نحن لا نستعمله؛ لأن ذلك لم يرد في الكتاب ولا في السنة إلا أننا نتحفظ مع الناس الذين قد يستعملون لفظاً من هذه الألفاظ الثلاثة لا نسارع في الإنكار عليهم ابتداءً وإنما نسأله ماذا تعني؟ فإن أعنى معنىً أثبتته الشريعة قلنا: أصبت في المعنى وأخطأت في اللفظ، وإن قصد بمعنى ذلك اللفظ معنىً يخالف الشرع نقول له: أخطأت مرتين، المرة الأولى وهي الأخطر: أنك عنيت بهذا اللفظ معنىً أثبته الشرع فنفيته، والشيء الثاني: أنك ابتدعت لفظاً استعملته في نفيه عن الله وذلك يستلزم نفي ما أثبته في الكتاب وفي السنة. هذا جواب ذاك السؤال ولعله واضح إن شاء الله. مداخلة: هناك شيء في صلب الموضوع يعني. الشيخ: تفضل. مداخلة: يقولون: إن الله كان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان، ويوردون كلمة في معنى ذلك ينسبونها إلى أبي بكر الصديق ﵁. الشيخ: جواب هذا السؤال تماماً كما سبق: إذا قالوا - وهذا كلام صوفي نعرفه قديماً -: كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان، إن كانوا يُعْنُون

стр. 3094

أنه الآن على ما عليه كان؛ غني عن المكان الكوني المخلوق نقول لهم: أصبتم، أما إن كانوا يعنون بهذه العبارة وهو الذي يقصده هؤلاء: أن الله ليس له صفة العلو على العرش حيث جاءت في القرآن الكريم بلفظ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف:٥٤) فإذا أرادوا نفي هذا الاستواء الذي جاء التصريح به في القرآن، نقول: أبطلتم مرتين، المرة الأولى: أنكم قصدتم معنىً يخالف الشريعة، والمعنى الثاني: أنكم ألحقتم بالحديث جملة لا أصل لها؛ لأن الحديث الذي ذكرناه آنفاً في صحيح البخاري: «كان الله ولا شيء معه» انتهى، نقطة فاصلة قوية جداً الحديث إلى هنا، ثم هم زادوا عليه زيادة باطلة سنداً ومعنىً، أما سنداً فلأنها لا وجود لها في شيء من كتب الحديث إطلاقاً، «وهو الآن على ما عليه كان» زيادة باطلة سنداً وباطلة أيضاً معنىً بالمعنى السلبي. "الهدى والنور" (٣٣٣/ ٠٠: ٠٣: ٠٠)

стр. 3095

جماع أبواب صفة النزول الإلهي والرد على من أنكرها

стр. 3096

[١٠٥٠] باب إثبات صفة النزول [قال رسول الله ﵌]: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟». وقع (الحديث) في " الترغيب " ... بلفظ: " ليدنو يتجلى " بهذه الزيادة: " يتجلى " ... وهي زيادة منكرة لا أصل لها أيضا في شيء من طرق الحديث ورواياته ... وهذا الخطأ عندي أسوأ من الذي قبله لأنه مُغَيَّر لمعنى الحديث، لأنه تفسير للدنو بالتجلي، وهذا إنما يجري على قاعدة الخلف وعلماء الكلام في تأويل أحاديث الصفات، خلافا لطريقة السلف ﵃، كما خالفوهم في تأويل أحاديث نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا (١) بأن المعنى نزول رحمته. وهذا كله مخالف لما كان عليه السلف من تفسير النصوص على ظاهرها دون تأويل أو تشبيه كما قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى: ١١)، فنزوله نزول حقيقي يليق بجلاله لا يشبه نزول المخلوقين، وكذلك دنوه دنو حقيقي يليق بعظمته، وخاص بعباده المتقربين إليه بطاعته، ووقوفهم بعرفة تلبية لدعوته ، فهذا هو مذهب السلف في النزول والدنو، فكن على علم بذلك حتى لا تنحرف مع المنحرفين عن مذهبهم، وتجد تفصيل هذا الإجمال وتحقيق القول فيه في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وبخاصة منها " مجموعة الفتاوى "، فراجع مثلاً (ج ٥/ ٤٦٤ - ٤٧٨).وقد أورد الحديث على الصواب

стр. 3097

فيها (ص ٣٧٣) واستدل به على نزوله تعالى بذاته عشية عرفة، وبحديث جابر المشار إليه آنفاً. "الصحيحة" (٦/ ١/١٠٦، ١٠٨ - ١٠٩). [١٠٥١] باب أحاديث النزول متواترة [قال الإمام]: أحاديث النزول ... كثيرة جدًّا، بل وهي متواترة, كما قطع بذلك الحافظ الذهبي في " العلو" (ص ٥٣، ٥٩)، وذكر أنه ألَّف في ذلك جزءًا. "الضعيفة" (٢/ ٢٥٨). [١٠٥٢] باب حديث النزول متواتر [قال الإمام عن حديث النزول المشهور:" ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر"]: هو حديث صحيح متواتر جاء عن جمع من الصحابة خرَّجت قسمًا طيبًا منها في " الإرواء " (٤٥٠) و" صحيح أبي داود " (١١١٨) .. "تمام المنة" (ص١٨٢ - ١٨٣). [١٠٥٣] باب إثبات النزول الإلهي والرد على شبهات حول حديث النزول [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «إن لله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر منادياً ينادي

стр. 3098

يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له، هل من سائل يعطى». (منكر بهذا السياق). [قال الإمام]: أخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (رقم٤٨٢) من طريق عمر بن حفص بن غياث: أخبرنا أبي: أخبرنا الأعمش: أخبرنا أبو إسحاق: أخبرنا أبو مسلم الأغر قال: سمعت أبا هريرة وأبا سعيد يقولان: قال: ... فذكره مرفوعاً. قلت: وهذا إسناد ظاهرة الصحة؛ فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، لكن في عمر بن حفص بن غياث شيء من الضعف؛ كما ينبئك به الحافظ ابن حجر في "التقريب"؛ فقال في عمر: "ثقة؛ ربما وهم".وقال في حفص: "ثقة فقيه؛ تغير حفظه قليلاً في الآخر". وساق له في "التهذيب" عدة أحاديث خطأه فيها، أحدها من روايته عن الأعمش. وأنا أقطع بأن هذا الحديث مما أخطأ في لفظه؛ لمخالفة الثقات إياه فيه؛ فقد رواه جماعة، عن أبي مسلم الأغر بإسناده بلفظ: "إن الله يمهل، حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول؛ نزل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى ينفجر الفجر". فليس فيه: "أن الله يأمر منادياً ينادي يقول"، بل فيه أن الله هو القائل: "هل من .. "، وفيه نزول الرب إلى السماء الدنيا، وهذا ما لم يذكره

стр. 3099

حفص بن غياث، فدل على أنه لم يحفظه، فالظاهر أنه لم يحدث به من كتابه، وإنما من حفظه فوهم. وها أنا أذكر من وقفت عليه من الثقات الذين خالفوه؛ فرووه بذكر نزول الرب إلى السماء، وأنه هو سبحانه القائل، كما ذكرنا: ١ - شعبة بن الحجاج. فقال الطيالسي في "مسنده" (٢٢٣٢ و٢٣٨٥): حدثنا شعبة قال: أخبرنا أبو إسحاق قال: سمعت الأغر به. ومن طريق الطيالسي: أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (٢/ ٢٨٨)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٤٥٠).وأخرجه مسلم (٢/ ١٧٦)، وابن خزيمة في "التوحيد" (٨٣)، وأحمد (٣/ ٣٤) من طريق أخرى، عن شعبة به. ٢ - منصور - وهو ابن المعتمر الكوفي -، عن أبي إسحاق به. أخرجه مسلم، وأبو عوانة، وابن خزيمة (٨٤). ٣ - فضيل - وهو ابن غزوان الكوفي -، عنه. أخرجه أبو عوانة. ٤ - أبو عوانة - وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري -، عنه به. أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٣ و٣/ ٤٣). ٥ - معمر - وهو ابن راشد البصري -، عنه. أخرجه أحمد أيضاً (٣/ ٩٤) من طريق عبد الرزاق - وهو في "مصنفه" (١١/ ٢٩٣ - ٢٩٤) -.

стр. 3100

٦ - إسرائيل، وهو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. أخرجه ابن خزيمة. قلت: فهذه ستة طرق، وكلهم ثقات أثبات رووه باللفظ المخالف للفظ حفص ابن غياث، فثبت وهمه فيه. وكان يمكن أن يقال: لعل الوهم من أبي إسحاق -وهو السبيعي-؛ فإنه كان اختلط، على تدليس فيه، لولا أنه قد صرح بالتحديث في رواية شعبة الأولى عنه، ثم هو روى عنه قبل الاختلاط، فانتفى الاحتمال المذكور، ولزم الخطأ حفص بن غياث. وإن مما يؤكد وهمه؛ أنه قد تابعه محاضر - وهو ابن المورع -، وهو ثقة من رجال مسلم قال: حدثنا الأعمش به نحوه؛ إلا أنه لم يذكر في إسناده أبا سعيد الخدري. أخرجه أبو عوانة عقب سوقه حديث شعبة، ولم يسق لفظه، وإنما قال: "بنحوه"، وأخرجه ابن خزيمة، فساق لفظه. ومما يؤكد خطأ اللفظ المذكور ونكارته؛ أن الحديث قد جاء من طرق أخرى كثيرة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً باللفظ المحفوظ نحوه. وقد خرجت سبعة منها في "إرواء الغليل" (٤٥٠)، اثنتان منها "الصحيحين"، وأخريان في "صحيح مسلم"، وسائرها في "مسند أحمد" وغيره. وللحديث باللفظ الصحيح شواهد كثيرة خرجت بعضها هناك؛ من حديث جبير بن مطعم، ورفاعة بن عرابة الجهني، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن

стр. 3101

مسعود، ولذلك جزم ابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٢٩) بتواتره. ونحو هذا الحديث في النكارة؛ ما أخرجه أحمد (٤/ ٢٢) من طريق علي بن زيد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص مرفوعاً بلفظ: "ينادي مناد كل ليلة: هل من داع فيستجاب له، هل من سائل فيعطى، هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الفجر". قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ الحسن هو البصري، وهو مدلس وقد عنعنه. وعلي بن زيد - وهو ابن جدعان -؛ ضعيف. ولفظه هذا أقل نكارة من الأول؛ لأنه ليس فيه ذكر آمر ومأمور، بل قوله: "ينادي ... "؛ لا ينافي أن يكون هو الله ﵎ كما في الروايات الصحيحة، بل هذا هو الذي ثبت عن ابن جدعان نفسه في رواية عنه، أخرجها ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٨٩) من طريق حماد بن سلمة عنه. ومن هذا الوجه أخرجه أحمد، فالظاهر أن ابن جدعان - لسوء حفظه - كان الحديث عنده غير مضبوط لفظه، فكان يرويه تارة باللفظ المحفوظ، وتارة باللفظ المنكر. ثم رأيت للحديث طريقاً آخر، خرجته في "الصحيحة" (١٠٧٣). واعلم أن الذي حملني على تخريج هذا الحديث في هذا الكتاب أمران اثنان: الأول: أني رأيت الحافظ ابن حجر - عفا الله عنا وعنه - قد ساقه من الطريقين: طريق النسائي عن الأغر ... ، وطريق أحمد عن عثمان بن أبي العاص؛ مُقوِّياً به تأويل بعض النفاة لنزول الرب تأويلاً منكراً، ينافي سياق كل الطرق الثابتة عن النبي ﵌، فقال في "الفتح" (٣/ ٢٥): "وقد حكى أبو بكر

стр. 3102

بن فورك: أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول، أي ينزل ملكاً، ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر ... وفي حديث عثمان بن أبي العاص: "ينادي مناد: هل ... " الحديث. قال القرطبي: وبهذا يرتفع الإشكال, ولا يعكر عليه ما في رواية رفاعة الجهني: ينزل الله إلى السماء الدنيا: فيقول: "لا يسأل عن عبادي غيري"؛ لأنه ليس في ذلك ما يدفع التأويل المذكور"! كذا قال الحافظ عفا الله عنه! فلقد سلك في كلامه هذا على الحديث مسلك أهل الأهواء والبدع من حيث الرواية والدراية. أما الرواية؛ فإنه سكت عن إسناد الحديثين؛ مع أنه يعلم مخالفتهما للروايات الثابتة عن النبي ﵌ في نزول الرب تعالى إلى السماء الدنيا، وقوله هو نفسه: "هل من ... "، لما رأى أن فيهما تقوية لتأويل المبتدعة للحديث. وأما الدراية؛ فلا يخفى ضعف بل بطلان التأويل المذكور إذا ما قورن بالروايات الصحيحة للحديث، التي منها رواية رفاعة التي أشار إليها ابن حجر، ولفظها: «إذا مضى شطر الليل - أو قال: ثلثاه -؛ ينزل الله إلى سماء الدنيا، ثم يقول: لا أسال عن عبادي غيري: من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يدعوني فأجيبه، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، حتى ينفجر الفجر». فكيف لا يعكر على ذلك التأويل الذي ذكره قوله في هذا الحديث: "ثم يقول: لا أسأل عن عبادي غيري"! لأن ضمير قوله: "ثم يقول" يعود على تأويلهم، إلى الملك الذي زعموا أنه المفعول المحذوف؛ لضبطهم لفظ "ينزل" على البناء للمجهول؟! بل كيف لا ينافي هذا التأويل تمام الحديث في جميع طرقه

стр. 3103

وألفاظه التي ذكرت أن الله سبحانه هو الذي يقول: "من ذا الذي يسألني فأعطيه ... إلخ", فهل الملك هو الذي يعطي ويستجيب الدعاء ويغفر الذنوب؟! سبحانك هذا بهتان عظيم! ولقد أبطل التأويل المذكور شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى من وجوه في كتابه "حديث النزول" (ص ٣٧ - ٤٢طبع المكتب الإسلامي)، منها ما أشرت إليه من أن الملك ليس له أن يقول ما ذكرناه من الحديث, وقال شيخ الإسلام عقبه: "وهذا أيضاً مما يبطل حجة بعض الناس (كأنه يشير إلى ابن فورك)؛ فإنه احتج بما رواه النسائي في بعض طرق الحديث: «أنه يأمر منادياً فينادي»؛ فإن هذا إن كان ثابتاً عن النبي ﵌؛ فإن الرب يقول ذلك، ويأمر منادياً بذلك، لا أن المنادي يقول: «من يدعوني فأستجيب له؟»، ومن روى عن النبي ﵌ أن المنادي يقول ذلك؛ فقد علمنا أنه يكذب على رسول الله ﵌؛ فإنه - مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر الذي نقلته الأمة خلفاً عن سلف - فاسد في المعقول، يعلم أنه من كذب بعض المبتدعين، كما روى بعضهم: "ينزل" بالضم، وكما قرأ بعضهم: ﴿وكلم اللهَ موسى تكليماً﴾ (١)، ونحو ذلك من تحريفهم اللفظ والمعنى". قلت: فقد أشار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى شكه في ثبوت رواية النسائي هذه، فهذا الشك من الشيخ، وسكوت الحافظ عليها، مما حملني على تحقيق القول فيها؛ لأن السكوت لا يجوز، والشك يشعر بأن الشيخ لم يكن على بينة من حالها، وإلا؛ لبادر إلى إنكارها. ولم يكن به من حاجة إلى الجمع بينها وبين اللفظ المحفوظ المستفيض.

стр. 3104

والأمر الآخر: أن الكوثري المشهور بعدائه الشديد للسنة وأهلها؛ قد ذكر في تعليقه على "الأسماء والصفات" (ص ٤٥٠) أن الحافظ عبد الحق قد صحح الحديث بهذا اللفظ. فأحببت أن أتثبت من أمرين: أولهما: هل هذا العزو لعبد الحق صحيح؟ فإن الكوثري لا يوثق بكثير مما ينقله؛ لأنه يدلس. وثانيهما: إذا كان العزو صحيحاً، فهل هو مصيب فيه أم لا؟ فأقول: أما الأمر الثاني؛ فقد سبق بيانه بما لا تراه في غير هذا الموضع، وعرفت أن الحديث بهذا اللفظ منكر لا يصح. وأما الأمر الأول؛ فقد تبين لي أن العزو لا يصح أيضاً، إلا بشيء من الغفلة أو التدليس، وإليك البيان: اعلم أن الحديث أورده الحافظ عبد الحق في "أحكامه" (١)، ومنه عرفت إسناده كما سبق، فتمكنت بذلك من دراسته والكشف عن علته، ومن المعروف عند المشتغلين بالحديث - ومنهم الكوثري - أن الحديث الذي يورده عبد الحق في كتابه المذكور ساكتاً عليه فهو صحيح عنده؛ كما نص عليه، استجاز الكوثري أن يعزو إليه تصحيحه إياه، فغفل - وهذا ليس بعيداً عنه -، أو دلس - وهذا ما عهدناه منه غير مرة -، وسواء كان هذا أو ذاك؛ فإن القاعدة المذكورة ليست على

стр. 3105

إطلاقها عند الحافظ الإشبيلي؛ فقد قال بعد ما نقلته عنه: "والحديث السقيم أكثر من أن أتعرض له، أو أشتغل به، وبعض هذه الأحاديث المعتلة ورد من طريق واحدة، فذكرته منها، وربما بينته". قلت: فأفاد بهذا النص، أنه قد يذكر الحديث المعلول؛ ولا يبين علته إلا نادراً وفي حالة واحدة، وهي حين يكون من طريق واحدة وإسناد واحد فيذكره، ولا يبين علته، وقد يبين. فإذن؛ سوقه الحديث بإسناده عند مخرجه إشارة منه إلى أنه معلول، وهذا هو بعينه ما صنعه الحافظ الإشبيلي ﵀؛ فإنه ساق الحديث بإسناده عند النسائي كما تقدم، فكان ذلك دليلاً واضحاً عند العارفين باصطلاحه أنه معلول عنده، وذلك ينافي الصحة، لا سيما وقد أتبعه بسوقه لرواية مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً باللفظ المحفوظ. فلو لم يذكر الحافظ هذا الاصطلاح في المقدمة؛ لكان سوقه حديث النسائي بإسناده وحديث مسلم بدون إسناده؛ أوضح إشارة للعاقل اللبيب أن الإسناد علة، فتنبه لها (١).فكيف وهو قد لفت النظر إلى هذا تصريحاً في المقدمة؟!! فتجاهل هذا كله الكوثري، وعزا إلى الحافظ تصحيحه للحديث، وليس كذلك، بل هو عنده معلول، كما بينت، وكشفنا لك عن العلة فيما سبق من هذا التخريج. والله تعالى هو الموفق لا رب سواه. ثم اعلم أن نزول الرب إلى السماء الدنيا كل ليلة، هو صفة من صفات أفعاله ؛ كاستوائه على عرشه، ومجيئه يوم القيامة، الثابتين في

стр. 3106

نصوص القرآن الكريم، يجب الإيمان والإذعان له على ما يليق بذاته تعالى؛ دون تعطيل أو تشبيه؛ إذ الصفة يقال فيها ما يقال في ذاته تعالى؛ فكما أننا نؤمن بذاته دون أن نكيفها، فكذلك نؤمن بصفاته كلها - ومنها النزول وغيره - دون أن نكفيها، فمن نفى نزوله تعالى حقيقة على ما يليق به بطريق التأويل؛ لزمه أن ينفي وجود ذات الله تعالى بنفس الطريق، وإلا؛ فهو متناقض؛ كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية في عديد من كتبه مثل "شرح حديث النزول"، و"التدمرية"، و"الحموية" ونحوها. ويعجبني بهذه المناسبة ما ذكره البيهقي في "الأسماء" (ص ٤٥٣) بعد أن روى عن عبد الله بن المبارك أنه سئل: كيف ينزل؟ قال: ينزل كما يشاء. قال: قال أبو سليمان ﵀ (يعني الخطابي): "وإنما ينكر هذا وما أشبهه من الحديث من يقيس الأمور في ذلك بما شاهده من النزول؛ الذي هو نزلة من أعلى إلى أسفل، وانتقال من فوق إلى تحت، وهذا صفة الأجسام والأشباح، فأما نزول من لا يستولي عليه صفات الأجسام؛ فإن هذه المعاني غير متوهمة فيه، وإنما هو خبر عن قدرته ورأفته بعباده، وعطفه عليهم، واستجابته دعاءهم، ومغفرته لهم، يفعل ما يشاء، لا يتوجه على صفاته كيفية؛ ولا على أفعاله كمية. سبحانه ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ قال: وهذا من العلم الذي أُمرنا أن نؤمن بظاهره، وأن لا نكشف عن باطنه، وهو من جملة المتشابه. ذكره الله في كتابه فقال: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ... ﴾ الآية؛ فالمحكم منه يقع به العلم الحقيقي والعمل، والمتشابه يقع به الإيمان والعلم الظاهر، ويوكل باطنه إلى الله ، وهو معنى قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، وإنما حظ الراسخين أن يقولوا: ﴿آمنا

стр. 3107

به كل من عند ربنا﴾. وكذلك ما جاء من هذا الباب في القرآن؛ كقوله : ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر﴾، وقوله: ﴿وجاء ربك والملك صفاً صفاً﴾، والقول في جميع ذلك عند علماء السلف هو ما قلناه". إذا عرفت هذا؛ فعليك بطريقة السلف؛ فإنها أعلم وأحكم وأسلم، ودع طريقة التأويل التي عليها الخلف الذين زعموا: "أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم"؛ فإنه باطل من القول، وفيه ما لا يخفى من نسبة الجهل إلى السلف، والعلم إلى الخلف!! وسبحان الله كيف يصدر مثل هذا القول ممن يؤمن بفضائل السلف التي لا تخفى على أحد، وراجع بيان بطلان هذا القول في كتب ابن تيمية، أو في مقدمتي لـ "مختصر العلو للعلي العظيم" للحافظ الذهبي؛ باختصاري وتقدمتي التي أنا على وشك الانتهاء منها بفضله تعالى وكرمه. ثم طبع والحمد لله سنة (١٤٠١) في المكتب الإسلامي ببيروت. (تنبيه): علق الدكتور فاروق حمادة على الحديث في "عمل اليوم والليلة" (ص ٣٤٠)، فقال: "وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" ١١/ ٤٤٤". وهذا التخريج؛ تعليقه على هذا الحديث المنكر، وهو خطأ محض - وأرجو أن لا يكون مقصوداً وتدليساً من هذا الدكتور - وذلك؛ لأن الحديث المشار إليه في "المصنف" من طريق ابن شهاب الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن والأغر أبو عبد الله صاحبا أبي هريرة: أن أبا هريرة أخبرهما، عن رسول الله ﵌ قال: ... فذكر الحديث باللفظ المحفوظ في "الصحيحين" وغيرهما، كما سبقت الإشارة إليه، وهو المخرج في "الإرواء" بالرقم المذكور آنفاً من الطريق الأولى عن أبي هريرة عن ابن شهاب به؛ إلا أنه لم يذكر في سنده أبا

стр. 3108

سعيد الخدري (ج ٢/ ١٩٥ - ١٩٦).فهذا لفظ وطريق غير لفظ وطريق حديث الترجمة، فهل خفي ذلك على الدكتور، أم تجاهله لغاية في نفسه! أرجو أن يكون الأمر الأول، ولكن كيف يمكن هذا وهو قد علق أيضاً على اللفظ المحفوظ عن الزهري وقد أخرجه النسائي أيضاً برقم (٤٨٠)؛ فقال الدكتور: "هذه الرواية موافقة لمسلم والبخاري وعبد الرزاق في "المصنف" ١٠/ ٤٤٤". فكيف يصح عزو اللفظ المنكر واللفظ المحفوظ مع اختلاف إسناديهما إلى "مُصنف عبد الرزاق"؛ وهو إنما رواه بالسند الصحيح باللفظ المحفوظ، وهل يمكن أن يخفى هذا على الدكتور؟!. وأريد هنا - أيضاً - أن أكشف عن تدجيل أحد المعلقين على كتاب ابن الجوزي "دفع شبه التشبيه"؛ وهو الذي لقبه أحدهم بحق بـ "السخاف"؛ فإنه تجاهل الطرق المتواترة في "الصحيحين" وغيرهما؛ المتفقة على أن الله هو الذي ينزل، وهو الذي يقول: "من يدعوني .. من يستغفرني .. من يسألني"؛ فعطل هذه الدلالة القاطعة الصريحة بقوله (ص ١٩٢): "إن المراد بالحديث أن الله ينزل ملكاً! " تقليداً منه لابن حجر في "الفتح" (٣/ ٣٠)، وقوى ذلك برواية النسائي المنكرة هذه، ولو أن هذا المتجاهل اكتفى في التقليد على ما في "الفتح"؛ لهان الأمر بعض الشيء، ولكنه أخذ يرد علي بالباطل تضعيفي لرواية النسائي هذه؛ بتحريفه لكلامي أولاً، وبالافتراء علي ثانياً؛ فاسمع إليه كيف يقول: "وقد زعم أن حفص بن غياث تغير حفظه قليلاً".فأقول غاضاً النظر عن مناقشته في قوله: "زعم"!

стр. 3109

أولاً: قوله: "رواية حفص عن الأعمش كانت في كتاب .. " إلخ. تدليس خبيث على القراء، وكذب على الحافظ المزي والحافظ العسقلاني؛ فإن الذي في "تهذيبيهما": "أنه كان عند عمر بن حفص كتاب أبيه عن الأعمش"! فهذا شيء، وكون حديثه هذا المنكر كان في كتابه شيء آخر، كما لا يخفى على القراء. ثانياً: قوله: "فلا يضرها اختلاط حفص بأخرة على تسليم وقوعه"! فأقول: يلاحظ أنه بتغيير لفظة "الاختلاط" مكان قولي: "تغير"، يدل على شيئين أحلاهما مر: الأول: أنه لا يفرق بين اللفظين، وأن حكم من تغير من الثقات حكم من اختلط منهم عنده، وهذا هو اللائق بجهله وتعلقه بهذا العلم!! والواقع أن التغير ليس جرحاً مسقطاً لحديث من وصف به، بخلاف من وصف بالاختلاط، والأول يقبل حديث من وصف به؛ إلا عند الترجيح كما هنا، وأما من وصف بالاختلاط؛ فحديثه ضعيف؛ إلا إذا عرف أنه حدث به قبل الاختلاط. والآخر: أنه تعمد التغيير المذكور تضليلاً وتمهيداً للاعتذار عن قوله: "على تسليم وقوعه"! فإذا تنبه لتلاعبه بالألفاظ وقيل له: كيف تنكر تغيره وفي "التهذيبين" نقول صريحة عن الأئمة بوصفه بذلك؟ أجاب: بأنني عنيت الاختلاط وهذا غير مسلم به! وإذا قيل له: البحث في التغير - وهذا مما يمكن إنكاره -؛ قال: قد أجبت عنه بأن الحديث في كتاب حفص!! وقد يبدو أن هذا الكلام فيه تكلف ظاهر في تأويل تغييره المذكور، فأقول: هو كذلك، ولكنه لا بد من هذا عند افتراض أنه تعمد التغيير، وإلا؛ فالاحتمال أنه أتي من قبل جهله هو الوجه.

стр. 3110

رابعاً: لو فرض أن حفص بن غياث لم يُرْمَ بالتغير وكان كسائر الثقات الذين لم يرموا بجرح مطلقاً؛ فحينئذ يرد حديثه هذا بالشذوذ؛ لمخالفته لأولئك الثقات الستة الذين رووه بنسبة النزول إلى الله صراحة، وقوله : "من يدعوني .. من يستغفرني .. " إلخ. راجع: "تفسير القرطبي" (٤/ ٣٩)، و"أقاويل الثقات" (ص ٢٠٥). "الضعيفة" (٨/ ٣٥٥ - ٣٦٧). [١٠٥٤] باب منه عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: «ينزل ربنا كل ليلة إذا مضى ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك». (أخرجه مسلم). [قال الإمام]: قلت: اشتهر تأويل هذا الحديث عند نفاة الصفات، بأن المراد بالنزول نزول أمر الله تعالى ورحمته، ومع أن هذا التأويل باطل من وجوه كما بيَّنه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: " شرح حديث النزول" من ذلك سياق الحديث، فإن قوله: أنا الملك ... الخ .. صريح في أن الله تعالى هو الذي ينزل. قال شيخ الإسلام (ص ٣٦): " وقد سُئِلَ بعض أئمة نفاة العلو عن النزول فقال: ينزل أمره، فقال له السائل: فممن ينزل؟ إن عندك فوق العالم شيء فممن ينزل الأمر؟ من العدم الحض؟ فبهت ".

стр. 3111

ومن أغرب التأويلات التي رأيتها لبعض النفاة قول الشيخ" أبو زهرة " في " المذاهب الإسلامية" (ص ٣٢٥): " ويصح أن يفسر النزول إلى السماء الدنيا بمعنى قرب حسابه تعالى"!!! فعلى هذا التأويل فحساب الله يقرب كل ليلة، ثم لا حساب! فلا نزول حتى على هذا التأويل. وهكذا يكون التعطيل للنصوص وإنكار معانيها الحقيقية اللائقة به تعالى ... "مختصر العلو" (ص ١١٥ - ١١٦). [١٠٥٥] باب إثبات صفة النزول والرد على من تأولها بالزوال أو الانتقال [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «لا تَتَفَكَّروا في الله، فإنه لا مِثْلَ له، ولا شَبِيْهَ ولا نظيرَ، ولا تَضْربوا لله الأمثالَ، ولا تَصِفوه بالزَّوالِ، فإنه بكل مكانٍ». (موضوع). [قال الإمام]: قال الربيع في مسنده (٣/ ٢١٧): وبلغنا عن أبان بن [أبي] عياش عن أنس بن مالك قال: خرج النبي ﵌ على قوم جلوس، فقال ما أجلسكم؟ فقالوا: نتفكر في الله، فقال ﵌: ... فذكره. قلت وهذا موضوع، آفته أبان بن [أبي] عياش، وهو متروك - كما قال الذهبي والعسقلاني -.وجملة التفكر قد رويت من طرق أخرى، بدا لي من مجموعها أنها ترتقي إلى مرتبة الحسن، ولذلك خرجته في "الصحيحة" (١٧٨٨).

стр. 3112

وأما سائر هذا الحديث وبخاصة الجملة الأخيرة منه فإنها باطلة، وهي من وضع الجهمية والمعطلة لصفات الله ، الذين يتأولونها غير تأويلها المعروف عند السلف، ويعبرون عن المجيء المصرح به في القرآن والنزول المتواتر عن النبي ﵌ بالزوال- كما في هذا الحديث-، أو الانتقال- كما يفعل ابن الجوزي وغيره -، ثم يقولون: هذا من صفات المخلوقات، فلا يجوز وصف الله بذلك! والحقيقة أن المجيء والنزول لا يجوز تأويله بما ذكروا، وهو صفة لله، وصف بها نفسه، نصفه بها دون تشبيه ولا تعطيل، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، فهم وقعوا حين عبَّروا بما تقدم في التشبيه، ففرُّوا منه إلى التعطيل. "الضعيفة" (١٣/ ٢/٧٣٤ - ٧٣٥). [١٠٥٦] باب بيان ضعف رواية لحديث النزول يُسْتَدَلُّ بها على تأويل صفة النزول عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «(ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له». رواه البخاري [قال الإمام]: تأوله الحافظ تبعا للجمهور بنزول أمره أو مَلَك ينادي بذلك، وقواه برواية النسائي للحديث بلفظ:"إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل، ثم يأمر مناديًا يقول: هل من داع فيستجاب له" الحديث.

стр. 3113

وسكت الحافظ عنه فأوهم ثبوته، وليس كذلك، بل هو شاذ منكر، تفرد بهذا اللفظ حفص بن غياث دون سائر الرواة الذين رووه عن أبي هريرة من نحو سبع طرق بأسانيد صحيحة عنه، بلفظ الكتاب ونحوه، المصرح بأن الله هو الذي يقول:"هل من داع .. "إلخ، وليس الملَك، وفيه من جميع الطرق التصريح بنزول الله تعالى، وهذا ما لم يتعرض له حفص، وكذلك ثبوت النزول وقول الرب ما ذكرنا في كل طرق الحديث عن غير أبي هريرة من الصحابة، حتى بلغ ذلك مبلغ التواتر. وقد حققت الكلام على هذه الخلاصة في "الأحاديث الضعيفة" (٣٨٩٨). "مختصر صحيح البخاري" (١/ ٣٣٩). [١٠٥٧] باب هل يلزم من نزوله تعالى خلو العرش منه ؟ [عن] علي بن خشرم حدثنا إسحاق قال: دخلت على ابن طاهر, فقال: ما هذه الأحاديث يروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا؟ قلت نعم, رواها الثقات الذين يروون الأحكام. فقال: ينزل ويدع عرشه؟ فقلت يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش؟ قال: نعم. قلت: فَلِمَ تتكلم في هذا؟ (إسناده صحيح) [قال الإمام]: (فائدة): في قول إسحاق رحمه الله تعالى: "يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش" إشارة منه إلى تحقيق أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوق، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا دون أن يخلو منه العرش ويصير العرش فوقه، وهذا مستحيل

стр. 3114

بالنسبة لنزول المخلوق الذي يستلزم تفريغ مكان وشغل آخر، وهذا الذي أشار إليه إسحاق هو المأثور عن سلف الأمة وأ ئمتها أنه تعالى لا يزال فوق العرش, ولا يخلو العرش منه, مع دنوه ونزوله إلى السماء, قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو الصواب, فراجع بسط ذلك في كتابه "شرح حديث النزول" (ص٤٢ - ٥٩). " مختصر العلو" (ص١٩٢ - ١٩٣). [١٠٥٨] باب كيف ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل مع أن الثلث الأخير يتغير من مكان إلى مكان ؟ سؤال: شيخ، لو سمحت شرح حديث النزول مع الإشارة إلى أن ثلث الليل ااا الأخير يتغير من منطقة إلى منطقة. الشيخ: هذا سؤال أخي قائم على المادة وما يشكل على المادة لا يشكل على خالق المادة، والآن هذا السؤال أنا أقول دائماً أبداً: هل يمكن لعالم مهما أوتي علماً وفطنة إنه يكون أربعة خمسة الآن بيتكلموا معي أو مع ذاك العالم الذي أنا خيلت لكم إياه آنفاً، بيفهم من هون، وبيفهم من هون، وبيعطي جواب لهذا وبيعطي جواب، ممكن هذا؟ سؤالك يشبه هذا؛ لأنه سؤالك عن الخالق، خالق المادة فلا يقاس الخالق على المخلوق، ولا تجري على الخالق أحكام المخلوق حتى أنت تقول: هذا إشكال، صحيح أنه ثلث الليل كل لحظة في ثلث ليل، مو بس يعني نستطيع أن نقسم الكرة الأرضية أربعة أقسام مثلاً، مثل ما بيقولوا بالنسبة لطلوع الشمس وغروبها: كل لحظة في طلوع، كل لحظة في غروب صح؟ الملقي: نعم.

стр. 3115

الشيخ: طيب، لكن علام الغيوب، هاللي هو نظم هذا الكون، وأخبرنا أنه ينزل في كل ليلة هو بيعرف يُدِّبر حاله يا جماعة هه. مداخلة: ههه. الشيخ: فليش شايلين هم انتو، سبحان الله. "الهدى والنور" (٥١٨/ ٥٣: ٥٦: ٠٠) [١٠٥٩] باب هل يدوم النزول الإلهي إلى صلاة الصبح أم إلى طلوع الفجر ؟ [قال سيد سابق في فقه السنة]: " .. النزول الإلهي هل يدوم إلى انقضاء صلاة الصبح أو إلى طلوع الفجر؟ وقد ورد فيه هذا وهذا " [قال الإمام معلقًا]: يعني بـ " النزول الإلهي " قوله ﵌: «ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له؟». وهو حديث صحيح متواتر جاء عن جمع من الصحابة خرَّجت قسمًا طيبًا منها في " الإرواء " (٤٥٠) و" صحيح أبي داود " (١١١٨) زاد بعضهم: "حتى ينفجر (وفي رواية: يطلع) الفجر " وقد كنت قلت في " التعليقات الجياد على زاد المعاد ": " لكن معظم الرواة اتفقوا على أنه يدوم إلى طلوع الفجر كما قال الحافظ في " الفتح " (٣/ ٢٤) وأما دوامه إلى صلاة الفجر فلم أجد رواية صريحة تؤيد ذلك نعم في رواية للنسائي من

стр. 3116

حديث أبي هريرة بلفظ: " حتى ترجل الشمس " فهي تتضمن ما ذكره المصنف (أي ابن القيم) لكنها رواية شاذة كما قال الحافظ ". وأقول الآن: لعل الخطأ فيها من محمد بن إسماعيل بن أبي فديك فإنه عند النسائي في " عمل اليوم والليلة " (رقم ٤٨٦) وابن خزيمة في " التوحيد " (ص٨٦ - ٨٧) من طريقه: حدثني ابن أبي ذئب عن القاسم بن عباس عن نافع ابن جبير عن أبي هريرة فإن ابن أبي فديك وإن كان ثقة محتجا به في " الصحيحين " فقد قال فيه ابن سعد: " كان كثير الحديث وليس بحجة " ومن المحتمل أن يكون الخطأ من شيخه القاسم بن عباس فإنه مع كونه ثقة من رجال مسلم أيضًا فقد لينه محمد ابن البرقي الحافظ وقال ابن المديني: " مجهول " كما في " الميزان". ولعل هذا هو الأقرب فقد خالفه عمرو بن دينار - وهو الثقة الثبت - إسنادًا ومتنًا فقال عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه مرفوعا بلفظ: "حتى يطلع الفجر". أخرجه ابن خزيمة في " التوحيد " (ص ٨٨) وأحمد (٤/ ٨١) وغيرهما وهو مخرج في كتابي " ظلال الجنة في تخريج السنة " (٥٠٧) ثم وجدت روايتين أخريين: الأولى: بلفظ: " حتى تطلع الشمس ". أخرجه ابن خزيمة أيضا من طريق إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص رفعه. قلت: وهذا مع كونه مرسلاً فهو ضعيف من أجل إبراهيم هذا وهو ابن مسلم. قال الحافظ في " التقريب ": "لين الحديث رفع موقوفات". والأخرى بلفظ: "حتى يطلع الفجر أو ينصرف القارئ من صلاة الفجر". أخرجه الدارمي (٣٤٦ - ٣٤٧) وابن خزيمة وأحمد (٢/ ٥٠٤) من طريق

стр. 3117

محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا به. قلت: وهذا مع كونه قد شك فيه الراوي فهو مما لا قيمة له فكيف ومحمد ابن عمرو فيه كلام من قبل حفظه فكيف وقد خالفه الزهري ويحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بلفظ: " حتى الفجر " بغير شك. رواه مسلم وغيره. وبالجملة فلا يصح في الحديث إلا هذا اللفظ الأخير وعليه كل الروايات الصحيحة فيه، والله أعلم. "تمام المنة" (ص١٨٢ - ١٨٤). [١٠٦٠] باب ذكر مرجع مهم حول صفة النزول [قال الإمام]: كتاب «شرح حديث النزول» لشيخ الإسلام ابن تيمية، .. أفاض [فيه] في بيان ما يجب على المسلم اعتقاده في صفة النزول الإلهي. "صحيح الكلم الطيب (ص ٤٣).

стр. 3118

(جماع أبواب الكلام على عرش الرحمن وكرسيه)

стр. 3119

[١٠٦١] باب وجوب التوقف في وصف العرش على ما جاءت به النصوص [قال الذهبي ﵀ في "العلو"]: فما الظن بالعرش العظيم الذي اتخذه العلي العظيم لنفسه في ارتفاعه وسعته، وقوائمه وماهيته وحمَلتِه، والكروبيين الحافِّين من حوله، وحسنه ورونقه وقيمته. فقد ورد أنه من ياقوتة حمراء، ولعل مساحته مسيرة خمسمائة ألف عام. [فعلق الإمام على ذلك في " مختصر العلو" قائلاً]: عرش الرحمن ﵎، نؤمن به، ونصفه بما ثبت في الكتاب والسنة فقط، فليت المؤلف رحمه الله تعالى وقف عندهما، ولم يزد عليهما وصفاً تظنناً ورجماً بالغيب، لا سيما وهو قد ذكر فيما يأتي من الأصل عن وهب بن منبه أنه قال: " العرش مسيرة خمسين ألف سنة" فقال خمسين، ولم يقل خمسمائة! وهو على كل حال من الإسرائيليات التي لا فائدة من ذكرها إلا للتنبيه، ولذلك حذفته من هذا المختصر. "مختصر العلو" (ص٩٩ - ١٠٠) [١٠٦٢] باب ذكر بعض أوصاف العرش والكرسي والردعلى من تأولهما [قال الإمام]: اعلم أن العرش خلق عظيم جداً كما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ولذلك أضافه تعالى إلى نفسه في قوله: [ذو العرش] وفيه آيات أخر تجدها

стр. 3120

في " الشرح " [أي: شرح الطحاوية].وهو لغةً سرير الملك, ومن أوصافه في القرآن: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ (الحاقة: ١٧) وأنه على الماء, وفي السنة أن أحد حملة العرش ما بين شحمة إذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام, وأن له قوائم وأنه سقف جنة الفردوس. جاء ذلك في أحاديث صحيحة مذكورة في "الشرح". وذلك كله مما يبطل تأويل العرش بأنه عبارة عن الملك وسعة السلطان. وأما الكرسي ففيه قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ (البقرة:٢٥٥) والكرسي هو الذي بين يدي العرش وقد صح عن ابن عباس موقوفاً عليه من قوله: " الكرسي موضع القدمين, والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى".وهو مخرج في كتابي " مختصر العلو للذهبي " ... ولم يصح فيه مرفوعاً سوى قوله ﵊: «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة».وذلك مما يبطل أيضا تأويل الكرسي بالعلم. ولم يصح هذا التأويل عن ابن عباس كما بينته في " الصحيحة " (١٠٩). التعليق على متن الطحاوية" (ص٥٠ - ٥١). [١٠٦٣] باب العرش فوق المخلوقات جميعها [قال الإمام]: قام الدليل على أن العرش فوق المخلوقات وليس فوقه شيء من المخلوقات. التعليق على متن الطحاوية" (ص٥٤).
следующие страницы →