← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٣) أكيد نحن إذا قلنا: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٣) معناه: حصرناه في جهة وضعناه فوق، وضعناه قدام إلى آخره، من هذه الشبهات التي استقوها مما يشاهدونه حولهم كمخلوقين، لكن الخالق نسوا أنه وصف نفسه بصفتين اثنتين إحداهما: إيجابية، والأخرى: سلبية. الإيجابية: صفة قائمة فيه، السلبية تنزيه له ﵎، فقال وهو السميع البصير. مداخلة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١). الشيخ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١). ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) تنزيه أنه أي شيء يخطر في بالك من صفات الله يختلط عليك الأمر لو يكون مثل صفاتنا، بتقول رأساً ليس كمثله شيء، لكن هل هو عبارة عن معنى قائم في الذهن لا حقيقة له ولا وجود له؟! حاشاه، يعني: نحن الآن نستطيع أن نتصور العنقاء، العنقاء اسم عربي قديم خيالي، طير كبير يتحدث عنه السندباد البحري، في قصة ألف وليلة وأمثالها، إنه عبارة عن طير كبير يعني: البيض اللي بيطلعله مثل القبة، وبيحكي القصة فيها يعني: فيها طرافة وكلها خيال في خيال. العنقاء: اسم بدون جسم، اسم في الذهن معنى قائم في الذهن، لكن في خارج الذهن يعني: في الواقع لا حقيقة له. فربنا الذي له كل صفات

стр. 3152

الكمال، ومنزه عن كل صفات النقصان، هل هو هكذا معنى قائم في نفوسنا وليس له حقيقة قائمة خارج هذا الكون، خارج هذا العقل؟! الله أكبر مِنْ ذلك، بل هو خلق السموات والأرض، فهو له كل صفات الكمال، فهو ذات موجودة حقيقةً، ولها كل صفات الكمال، إذ الأمر كذلك، فما هي صفاته ؟ ليس لنا مجال في العقل أن نصفه من عندنا، بل قد كفانا مؤنة تجريد عقولنا بأن وصف نفسه لنا في الكتاب وفي السنة. من جملة هذه الصفات: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٣) أن المؤمنين كما قال أحد فقهاء الشعراء نستطيع أن نقول: يراه المؤمنون بغير كيف وتشبيه وضربٍ من مثال نعم، فرؤية الله ثابتة في الآخرة أنكرها المعتزلة، أنكرها الخوارج لعدم وجود نصوص الكتاب والسنة، لا النصوص موجودة، ولكنهم حرَّفوها وعطَّلوا معانيها، فإذاً: ما استفادوا شيئاً من إيمانهم بهذه النصوص مع إنكارهم حقائق دلائلها، فإذاً: يجب أن نؤمن بالنص لفظاً ومعنىً، النص محفوظ كيف نعرف المعنى؟ هنا بيت القصيد كما يقال: بالرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح. القرآن يفسر أول شيء بالقرآن، ثم بالسنة الصحيحة ثم بالآثار السلفية، فهل نجد عند السلف الصالح تفسير هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٣) أي: إلى نعيم ربها؟! أبداً، كل أثر يأتي عن السلف يتفق مع ظاهر الآية أولاً، ثم مع الأحاديث الصحيحة الصريحة في الدلالة على أن الآية على ظاهرها التي يفهمها كل عربي إذا كان لم يصبِ بهَوَن، لم يصب بمذهبية، أو حزبية مقيتة، هناك آية أخرى قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس:٢٦) جاء تفسير هذه الآية في الحديث الصحيح في مسلم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ (يونس:٢٦) أي: الجنة. ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس:٢٦) أي: رؤية الله في الآخرة .. ".

стр. 3153

باختصار ولعلي أطلت أكثر مما أراد السائل بالسؤال باختصار أقول: رحم الله ابن القيم الذي قال: العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتَّمْويه ما العلم نَصْبَكَ للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه كلاّ ولا جَحْد الصفات ونفيها ... حذراً من التمثيل والتشبيه هذا هو العلم قال الله قال رسول الله قال الصحابة. اليوم الفِرق الإسلامية كلها يأخذون من هذا الكلام اثنين: قال الله وقال رسول الله، لكن بيلفوا ويدوروا على ما قال الله قال رسول الله، ويأتونك بمذهب ما أنزل الله به من سلطان، وحسبكم مثالاً على ذلك: الفرقة الجديدة وهي فرقة القاديانية الذين يُسمَّون بالأحمدية، فهؤلاء آخر الفرق الإسلامية التي لها كيان ولها شخوص، ولها بروز ولها دعوة شائعة في الأوربية والأمريكية باسم الإسلام. هؤلاء مسلمون يصلون صلوات خمس، ويحجون إلى بيت الله الحرام، ولكنهم ينكرون حقائق شرعية منصوصة في الكتاب والسنة لم يسبقوا إلى القول بها، مش مثل المعتزلة والماتريدية الأشاعرة، فهم مثلاً: ينكرون أن يكون هناك خَلْقٌ هم الجن مع أنه هناك سورة في القرآن اسم سورة الجن، طيب. هل ينكرون القرآن ينكرون السورة؟ لا. لكن يقولون لنا: أنتم ما فهمتم معنى الجن كمثل الإنس والبشر اللفظين هذين يدلان على مسمى واحد وإلا على مسميين؟ لا مسمى واحد، هم بقي جابوا مسمى ثالث الإنس والبشر والجن أسماء ثلاثة تطلق على مسمى واحد وهم: البشر. لما تأتي لهم بآية في القرآن: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف:١٢) يقول لك: هذه ما هي نار حقيقة، ولا طين حقيقي

стр. 3154

إنما هذا مجاز، مجاز ولما بتجيب له بالحديث الصحيح في مسلم: «خلق الله الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (١) يقول لك: هذا حديث آحاد، حديث آحاد آحاد، حديث ما هو متواتر يعني، حديث آحاد لا تثبت فيه عقيدة، وهذه ضلالة وهي: أن حديث الأحاديث لا تثبت به عقيدة مع الأسف الشديد ما هو مذهب قادياني، القاديانية سبقوا إلى هذه الضلالة بقرون، لكن لم يسبقوا إلى تفسير الجن بأنهم الأنس أو البشر. الأزهر الشريف الآن، الأزهر الذي يسموه شريف يقرر على الطلاب الذي يوزعوهم في العالم الإسلامية للدعوة للإسلام أن الحديث الصحيح لا يحتج به في العقيدة إلا إذا كان متواتراً، ما معنى متواتر؟ يعني: يكون جاء من طرق عديدة، يعني: يكون رواه في عشرة من الصحابة، وعشرة من التابعين عن عشرة من الصحابة ... وهكذا. وعلى كل حال: أردت أن أختصر، لكن كما يقال: الحديث ذو شجون .. مداخلة: ماذا يستفيدون من التعطيل. الشيخ: اتباع الأهواء عقل بيحكموا عقولهم ما بيحكموا الشرع. مداخلة: هذا هو الأمر، ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الفرقان:٤٣). الشيخ: هواه أي نعم. الشاهد: أذكر جيداً بمناسبة الأزهر الشريف وأنه يقرر هذه العقيدة. "الهدى والنور""الهدى والنور" (١٦١/ ٠١: ٣٣: ٠٠) و (١٦١/ ٢٧: ٤٥: ٠٠)

стр. 3155

[١٠٨٦] باب تواتر نصوص الرؤية [قال الإمام بعد أن ذكر صورًا من تأويل بعض المنتسبين للسنة لعقيدة خروج الدجال ونزول عيسى ﵇]: وليت شعري! ما الفرق بين هؤلاء العلماء المنتمين إلى السُّنّة، والمعطِّلين لهذه النصوص بخروج الدجال، ونزول عيسى ﵇، وقتله إياه؛ وبين إيمان الباطنية، والفِرق الضالة التي تُؤمن بنصوص الكتاب والسنة؛ مع تأويلهم إياها تأويلاً يؤدي في النهاية إلى الكفر بحقائقها؛ كالذين ينكرون النصوص المتواترة في الكتاب والسنة برؤية المؤمنين لربهم في الآخرة؛ بتأويل أن المقصود منها رؤية نعيم ربهم! وكالقاديانية الذين يؤمنون - زعموا- بقوله تعالى: ﴿ولكنْ رسولَ اللهِ وخاتَمَ النبيين﴾ (الأحزاب: ٤٠)، ثم يقولون ببقاء النبوة ومجيء أنبياء كثيرين بعده ﵌؛ منهم «ميرزا غلام أحمد القادياني»! وإذا سألتهم عن هذه الآية؛ أجابوك بأنهم يؤمنون بها - طبعاً! - ولكن معناها ليس كما فهمها المسلمون من قبل! بل المعنى: ولكن خاتم النبيين؛ أي: زينتهم؛ كالخاتم زينة الأصبع! فهل يجدي إيمانهم بها عند الله شيئاً بعد أن فسَّروها بغير تفسيرها الحق؟! كذلك أقول: إن إيمان هؤلاء العلماء بالأحاديث المتواترة بنزول عيسى ﵇ وقتله للدجال؛ لا يجديهم شيئاً مع تفسيرهم إياها بذلك التفسير الرمزي؛ لأنه خلاف ما يقطع به كل عالم متجرد عن الهوى إذا ما اطلع على النصوص الواردة فيهما. "قصة المسيح الدجال " (ص٢٢ - ٢٣).

стр. 3156

[١٠٨٧] باب تفسير قوله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ وهل المقصود بذلك رؤية المؤمنين لربهم دائمًا؟ وبيان أن إثبات الرؤية يستلزم إثبات العلو سؤال: شيخنا بالنسبة لقوله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ (المطففين:٢٣). النظر الذي قال الأئمة يعني بعض الأئمة فسَّر هذا النظر بأنه النظر إلى الله تعالى, ثم هناك حديث إن «أعلى أهل الجنة منزلة هو من ينظر إلى الله كل يوم مرتين» مع أن هذا الحديث قد أوردتموه في «ضعيف الجامع» , فهل هناك وصف لرؤية المؤمنين لربهم في الجنة وقد جاء حديث أن في الجنة في يوم الجمعة ينظر فيه المؤمنون لربهم يعني كيف يكون يعني التفسير هنا بالنسبة للآية ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ (المطففين:٢٣). فهم ينظرون على الأرائك متكئون على الأرائك ينظرون, ومع ذلك هناك يوم يخصص للنظر والحديث الذي ورد في هذا أيضاً ضعيف فكيف يوجه هذا؟ الشيخ: سامحك الله، هل تسأل عن أصل رؤية المؤمنين لربهم أم تسأل عن المرات التي ينظرون فيها إلى ربهم؟ أم تسأل عن عدد المرات التي ينظرون فيها إلى ربهم؟ سؤالك ذو شعب كثيرة فلو أنك تحدد سؤالاً أولاً وثانياً وثالثاً إن كان الأمر كما نتصور يكون هذا أوضح للحاضرين سؤالاً وجواباً, فإن كان في سؤالك ثلاثة أسئلة فأبدأ إذاً بالأهم فالأهم. السؤال: طيب بالنسبة لقول الله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ (المطففين:٢٣). هل هذا دائم في الجنة؟ يعني يعتبر هذا الأول.

стр. 3157

الشيخ: طبعاً. السؤال: أقصد دائم من حيث الوقت؟ الشيخ: رجعت حليمة لعادتها القديمة، يا أخي حدد سؤال بارك الله فيك. السؤال: يعني هم ... الشيخ: هل أنت مؤمن بأصل الرؤية؟ السؤال: نعم طبعاً. الشيخ: طيب إذاً ما هو سؤالك؟ السؤال: أن هذا النظر دائم في كل وقت في الجنة؟ الشيخ: ما ندري دائم كل وقت. السؤال: إذاً يعني الأمر ... الشيخ: لماذا مثل هذا السؤال؟ هلا سألت مثلاً عن حديث الجمعة المُسمَّى بالحديث بيوم المزيد هل صحيح أم لا؟ نقول نعم والحمد لله هو صحيح, إذاً المؤمنون يرون ربهم كل يوم جمعة، أما كل ساعة وكل لحظة ما عندنا علم, ولماذا السؤال في الأمور الغيبية وأنت بلا شك تعلم في حدود ما علمت أنك لم تقف على أن المؤمنين يرون ربهم في كل لحظة وفي كل ساعة، لا ما علمت هذا ولا غيرك يعلم ذلك إطلاقاً, إذاً الذي يجب على كل مؤمن. مداخلة: السلام عليكم وعليكم السلام. هو أن يؤمن بأصل الرؤية التي ثبتت في الكتاب والسنة, ولذلك أنا استغربت

стр. 3158

أول الأمر في حينما سألت عن قوله تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ (المطففين:٢٣). هل هذا معنى ينظرون إلى ربهم؟ الجواب نعم, لكن هناك نصوص أوضح في إثبات أصل الرؤية من هذه الآية وهذا ليس بحاجة الآن لسنا بحاجة لأن نذكر شيئاً منها لأني لا أعتقد أحداً من الحاضرين على الأقل عنده شك في أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة, حتى الذين ينكرون الصفات بطريق تأويلها كالأشاعرة والماتريدية مثلاً مما يحتجون به وتقام الحجة عليهم أنهم يؤمنون برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة خلافاً للمعتزلة وخلافاً للخوارج هؤلاء المعتزلة والخوارج ينكرون أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة, أما الماتريدية والأشعرية فهم يشاركون أهل السنة أهل الحديث في إيمانهم في أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة. هنا تأتي حجة هي قاصمة ظهر المنكرين لاستواء الله على عرشه واستعلائه على مخلوقاته، ذلك لأن هذه الرؤية التي اشترك الماتريدية والأشاعرة مع أهل الحديث في الإيمان بها تستلزم إثبات علو الله . وهم ينكرون العلو، يقال لهم: كيف تنكرون علو الله على خلقه ومع ذلك تثبتون رؤية المؤمنين لربهم، فكيف تعقلون رؤية المؤمنين لربهم وأنتم تنكرون علو الله على خلقه؟ هذا تنافر وتضاد ولذلك الآن تجد ذاك الرجل الذي يعني ملأت رائحته الكريهة أنوف المؤمنين جميعاً لا يتعرض إطلاقاً لإثبات هذه العقيدة وهي عقيدة رؤية المؤمنين رؤية المؤمنين لرب العالمين مع أن عقيدة الأشاعرة وعقيدة الماتريدية لماذا؟ لأن هذه العقيدة وحدها تكفي لإبطال قولهم: الله ليس فوق العرش وليس فوق المخلوقات كلها.

стр. 3159

إذاً يجب أن نُؤمِن بأصل الرؤية هذه لثبوتها في الكتاب والسنة وإجماع السلف والخلف من الماتريدية والأشاعرة، أما الدخول في التفاصيل فيقف المؤمن عند ما علم منها, علمنا حديث المزيد حديث يوم الجمعة وأن المؤمنين يرون ربهم في كل جمعة فآمنا بذلك، ولسنا مكلفين بل لا يجوز لنا أن نتعمق أكثر من ذلك. ويعجبني بهذه المناسبة قولة أحد علماء الحنفية الماتريدية الذين كما ذكرت آنفاً يشتركون مع أهل الحديث بالإيمان بهذه النعمة العظمى وهي رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة قال هذا الرجل العالم الفاضل الحنفي الماتريدي: يراه المؤمنون بغير كيف وتشبيه وضرب من مثال، يراه المؤمنين بغير كيف وتشبيه وضرب من مثال. "الهدى والنور" (٧٣٨/ ٣٦: ١١: ٠٠) و (٧٣٨/ ٠٦: ١٤: ٠٠) (٧٣٨/ ٠٠: ١٥: ٠٠) [١٠٨٨] باب كيف يأتي الله تعالى على غير صورته يوم القيامة ؟ سؤال: بالنسبة لكتاب مختصر العلو للعلي الغفار، ورد فيه أثر عن ابن الماجشون مصحح في هذا الكتاب، وقد ذكر له حديث الصورة، أقصد بحديث الصورة: عندما يأتي الله بصورة على غير صورته يوم القيامة كما يأتيهم على صورته، فكأنه استشكل على أحد الحاضرين ... هذا الحديث، وكأنه سأله: كيف يتغير؟ فقال: يا أحمق! إنه يغير عينيك فتراه على غير صورته، ولم يكن هناك تعليق في الحاشية على هذا، فكيف يكون الفهم الصحيح في هذه المسألة؟ الشيخ: الفهم الصحيح ... ليس كما قيل، وإنما إن الله ... ويَتَبَدَّى .. للامتحان لهم بغير صورته التي يعرفها المسلمون وليس إلا. "رحلة النور" (٢٥ب/٠٠:٣٨:٢٦)

стр. 3160

[١٠٨٩] باب في كشف ربنا تعالى للحجاب لرؤيته عن صُهيب ﵁: أنَّ رسول الله ﵌ قال: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يَقُولُ اللهُ ﵎: تُريدُونَ شَيئاً أَزيدُكُمْ؟ فَيقُولُونَ: ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ ألَمْ تُدْخِلْنَا الجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئاً أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَى رَبِّهِمْ».رواه مسلم. [قال الإمام معلقًا على قوله ﵌ فيكشف الحجاب]: أي يكشف الله ﵎ الحجاب، وهو حجاب منه للعباد أن يروه، فيرفعه عنهم فيروه ﷻ ، نسأله تعالى أن يتفضل علينا بالنظر إلى وجهه الكريم. "تحقيق رياض الصالحين" (ص٦٤٦). [١٠٩٠] باب حجاب الله تعالى النور [قال رسول الله ﵌]: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه ... حجابه النور، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره» (أخرجه الشيخان). [قال الإمام]: هذا الحجاب هو الذي يحجب الأبصار كلها أن تراه في الدنيا، وهو الذي أشار إليه النبي ﵌ بقوله حين سئل: هل رأيت ربك؟: نور، أني أراه. كما سيأتي. "مختصر العلو" (ص٨٦)

стр. 3161

[١٠٩١] باب هل يحتجب الله تعالى عن الكفار يوم القيامة أم هم الذين يُحجبون عنه ؟ سؤال: في مسألة رؤية الله يعني سمعنا كثيراً من الخطباء يقولون أن الله ينحجب عن الكفار يوم القيامة مع أن الآية في سورة المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (المطففين:١٥) يعني: يكونون هم المحجوبون وليس الله هو المحجوب. الشيخ: نعم. مداخلة: ما رأيكم شيخنا في من يقول أن الله ينحجب عن الكفار ومن باب إكرامه للمؤمنين يظهر عليهم، هذه العبارة تكون صحيحة شيخنا؟ الشيخ: لا ليست صحيحة، هو التعبير المناسب للقرآن موافق له التعبير الصحيح، المحجوب هو العبد وليس الله هو الذي ينحجب، هذا سوء أدب في التعبير عن الذات الإلهية. "الهدى والنور" (٧٩٨/ ٢٠: ٠٤: ٠١) [١٠٩٢] باب ذكر بعض مسالك أهل الضلال في إنكار صفة الرؤية [تكلم الشيخ عن خطورة التنكب عن فهم السلف، ثم ضرب مثلين واقعيين على نتيجة ذلك فقال]: فاضرب بهذه المناسبة مثلين لمذهبين، أحدهما: قديم عريق ... هم المعتزلة وأمثالهم، والآخر: جديد حديث وهم القاديانية؛ المعتزلة مثلاً ومعهم اليوم الشيعة

стр. 3162

والإباضية ينكرون القدر: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (الأنعام:٩٦) ينكرون رؤية الله في الآخرة، لكن لا ينكرون الآيات سواء ما كان منها في القدر أو ما كان منها في رؤية الله لكنهم يتأولونها يلفون يدورون عليها حتى تُطابِق أهواءهم. فإذاً: هم يقولون بالكتاب والسنة لكن يخالفون ما كان عليه السلف الصالح، هذا السلف هم المعنِيُّون بقوله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَا لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥) فسبيل المؤمنين: هم السلف الصالح، ولذلك فلا يكفي أولئك القدامى والمُحدثين أن يقولوا: على الكتاب والسنة ثم هم يتلاعبون بمعاني هذه الآيات ويأتون بمعاني جديدة لتتفق مع أهوائهم، مثال بسيط جداً ولا نطيل الحديث حوله، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٢ - ٢٣) المعتزلة ينكرون هذه المِنَّة .. هذه الفضيلة الإلهية التي يمتن بها الله على عباده في جنة النعيم، حيث يرونه كما قال أحد العلماء الأفاضل: يراه المؤمنون بغير كيف وتشبيه وضرب من مثال فهل أنكروا الآية؟ لا لم ينكروا الآية لكن قالوا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٢ - ٢٣) أي: إلى نعيم ربها ناظرة، لفوا على الآية وأنكروا حقيقتها، إذا ما جوبهوا بالأحاديث الصحيحة، كمثل قوله ﵇ في تفسير الآية الكريمة: ﴿الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس:٢٦) قال ﵇ والحديث في صحيح مسلم من رواية سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «لهم الحسنى: الجنة، وزيادة: رؤية الله في الآخرة» هذه الزيادة، والحديث الآخر وهو أشهر من الأول: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون» وفي رواية: «لا تضارُّون في رؤيته» إذا جوبهوا بهذا الحديث

стр. 3163

وذاك، قالوا لك: هذه أحاديث وإن كانت صحيحة فهي أحاديث آحاد لا يؤخذ بها في العقيدة. إذاً: آمنوا بالآية لكنهم كفروا بمعناها، ما فائدة هذا الإيمان إذا كُفِرَ بالمعنى؟! هذا مثال من الفِرق القديمة، والمعتزلة اليوم والشيعة والإباضية على هذا المذهب، وبهذه المناسبة الإباضية الآن لهم نشاط ما كان يعرف من قبل، ساعدهم على ذلك: يسر الطباعة ويسر النشر وإلى آخره، فهم يُؤلِّفون الآن كتباً ورسائل كثيرة في سبيل ماذا؟ نشر مذهبهم وضلالهم. المثال الثاني الجديد المتعلق: بالقاديانية، القاديانية لا شك أنهم يَدَّعون الإسلام ولكن الإسلام منهم بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب كما يقال في المثل العربي القديم؛ ذلك لأنهم خالفوا سبيل المسلمين في كثير من عقائدهم، فهم مثلاً يعتقدون بأن باب النبوة لم يختم .. لم يغلق .. باب النبوة لا يزال مفتوحاً، وأكَّدوا ذلك بادعاء نبيهم الذي كان يسمى: بميرزا غلام أحمد القادياني ادعى النبوة، ولذلك فهم يؤمنون بنبوة: ميرزا غلام أحمد القادياني ويكفِّروننا نحن معشر المسلمين؛ لأننا لا نؤمن بنبيهم هذا الدجال، طيب! ألا يؤمنون بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)؟ يؤمنون طبعاً؛ لأنهم لو أنكروا كفروا وارتدوا عن دينهم، كيف إذاً يؤمنون بهذا النص القرآني ويعتقدون بمجيء نبي ويصرحون بأنه بعد سيأتي أنبياء كثر من أمثال هذا النبي خاصتهم. اسمعوا الآن ماذا يفعلون بالآية هذه ويخالفون سبيل المؤمنين كما قال رب العالمين، قال: أنتم أسأتم فهم هذه الآية فوقعتم في الخطأ وفي الضلال؛ لأنكم فهمتم من قوله: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) أي: آخرهم هذا خطأ، والصواب في فهم الآية: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) أي: زينة النبيين كالخاتم في الإصبع، إذاً:

стр. 3164

هم آمنوا بالآية لكن كفروا بالمعنى لم يفدهم شيء؛ لهذا نحن ندندن والبحث في هذا طويل جداً جداً .. ندندن أنه في العصر الحاضر لا يكفي أن نقول: أنا مسلم، بل لا يكفي أن نقول: أنا مسلم على الكتاب والسنة، لا بد من الأداة المميزة بين طائفة الحق التي أشار إليها الرسول في الحديث المعروف: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» إلى آخر الحديث، وبين الطوائف الأخرى التي تدعي أنها على الإسلام وهي بعيدة عن الإسلام كلاً أو جزءً، فلا بد من ضميمة: أنا مسلم على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، وهذا من معاني قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥). نعم. "الهدى والنور" (٥٤٤/ ٤١: ٠٠: ٠٠) [١٠٩٣] باب ذكر بعض أهل الضلال ممن أنكر رؤية الله تعالى ومسلكهم في ذلك والكلام على حديث الجارية [تكلم الإمام على خطورة التنكب عن السلف ثم قال]: وأنا بمثل هذه المناسبة أضرب مَثَلَين اثنين؛ مثلاً قديماً جداً، ومثلا حديثاً جداً: المثل القديم: الخوارج، الإباضيون منهم الذين يلتقون مع المعتزلة قديماً وحديثاً في إنكار كثير من العقائد الإسلامية الصحيحة الثابتة في الكتاب والسنة، ومع ذلك هم يقولون نحن على الكتاب والسنة. قلت أضرب لكم مثلاً قديماً، ألا وهو النعمة الكبرى التي أخبر الله عز وجل

стр. 3165

بها عباده المؤمنين في أنه وعدهم بأنهم يرون ربهم يوم القيامة كما قال ﵊ في ليلة قمراء والقمر بدر، فقال لهم عليه الصلاة السلام: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تُضامُّون -أو لا تضارون- في رؤيته» أي: لا تشقون في رؤيته. فهل آمن أولئك المعتزلة ومن دان دينهم ورأى رأيهم في هذه المسألة، هل آمنوا بأن المؤمنين سيرون ربهم يوم القيامة كما قال رسول الله ﵌ في هذا الحديث الصحيح وفي غيره؟ الجواب: لا. إنهم ينكرون هذه النعمة، بل ويضللون من يؤمن بها، بل وينسبونهم إلى التشبيه وإلى التجسيم، فنحن أهل السنة الذين نؤمن بأن من نعم الله على عباده، بل من أكبر نعمه أنه يتجلى لهم يوم القيامة ويرونهم كما نرى القمر ليلة البدر، هم ينكرونها، كيف ينكرونها والحديث هذا الصحيح، وهناك أحاديث أخرى. عندهم فلسفة لا بد أنكم سمعتم هذه الفلسفة من بعض الدعاة والكُتَّاب المعاصرين، ولذلك فأنا أتعرض لذكر بعض الجزئيات المتعلقة بالعقيدة والمتعقلة سلباً أو إيجاباً حسب ما سأفصل بهذه العقيدة التي ندعو إليها، الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، تلك الفلسفة تقول إن العقيدة لا تؤخذ من حديث الآحاد، ولو كان الحديث حديثاً صحيحاً، بل ولو كان مستفيضاً أو مشهوراً، وإنما يشترط عندهم أن يكون متواتراً، ثم من الغرابة بمكان أن هؤلاء الذين يشترطون هذا الشرط الحديثي الذي أوضحه علماء الحديث هم أبعد الناس عن العلم بالحديث رواية ودراية، فهم أهل أهواء يتبعون أهواءهم ويشترطون

стр. 3166

شروط هم لا يمكنهم أن يحققوها بينما غيرهم بإمكانهم أن يحققوها؛ لأنهم أولاً أهل رواية وهم أهل الحديث وهم أهل السنة، ثم هم أهل دراية، فإذا قيل لهم: لم ترد رؤية المؤمنين لربهم في السنة فقط حتى تشككوا فيها بفلسفة حديث الآحاد لا يؤخذ منها عقيدة، إن هذه العقيدة قد جاءت أيضاً في القرآن الكريم المتواتر روايته عن رسول الله ﵌ يقيناً. لجأوا إلى فلسفة أخرى قولهم: لا تثبت العقيدة إلا بدليل قطعي الثبوت أي رواية، قطعي الدلالة أي دراية، فإذا كان هناك آية في القرآن الكريم وهي ثابتة باليقين كما قلنا آنفاً، لعبوا بها وصرفوا دلالتها الصريحة وقالوا: هذه ثابت بالقطع لكن دلالتها ظنية، فلا تثبت بها عقيدة. هكذا فعلوا في آيتين اثنتين وردتا في القرآن الكريم متعلقتين بهذه العقيدة الطيبة، الآية الأولى قوله ﵎: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٢ - ٢٣). هذه آية صريحة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ وهي وجوه المؤمنين قطعاً. ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قالوا: هذه ليست قطعية الدلالة؛ لأنه يمكن تأويلها، وتأويلها عندهم، اسمعوا الآن كيف يكون اللعب بالنصوص القطعية الدلالة بفلسفة ظنية الدلالة. قالوا: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي: إلى نعيم ربها ناظرة، عطلوا دلالة الآية. ربنا يقول: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فزادوا من عندهم كلمة مضاف ومضاف إليه، فقالوا: إلى نعيم ربها ناظرة.

стр. 3167

عطَّلوا دلالة الآية، وبالأَوْلى والأَوْلى أن يُعطِّلوا دلالة الآية الأخرى وهي قوله ﵎: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس:٢٦). ﴿الْحُسْنَى﴾ الجنة. ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ رؤية المؤمنين في الجنة. جاء في هذا حديث صحيح في صحيح مسلم بسنده الصحيح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الل هـ ﵌: «﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ قال: الجنة، ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: رؤية الله»، رفضوا هذا التفسير، قالوا: هذا حديث آحاد. هذه الفلسفة مِعْوَل هدام للسنة الصحيحة التي تلقتها الأمة بالقبول بهذه الفلسفة التي أصَّلها من المعتزلة، والشيعة أيضاً على هذا الاعتزال في هذه العقيدة، أي: عقيدة أن العقيدة لا تؤخذ من حديث الآحاد، فردوا لا أقول عشرات الأحاديث بل مئات الأحاديث الصحيحة، هدموها ورموها أرضاً بهذه الفلسفة الدخيلة في الإسلام، وهي: العقيدة لا تثبت إلا بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة. هل كانت هذه العقيدة عليها سلفنا الصالح؟ وهنا الشاهد. سلفنا الصالح من المقطوع لدى كل عالم درس سيرة النبي ﵌ وما تعلق بها من تاريخ سلفنا الصالح ﵃، من منكم لا يعلم أن النبي ﵌ أرسل أفراداً من أصحابه يدعون إلى الله والمدعوون هم المشركون الذين عاشوا في الجاهلية كفاراً يعبدون الأصنام، كانوا بعيدين عن دعوة الرسول ﵇ أولاً في مكة، وآخراً وأخيراً في المدينة، فلكي تنتشر الدعوة بوعد الله في القرآن الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة:٣٣).

стр. 3168

تطبيقاً في حدود ما يمكنه ﵊ يومئذ من الوسائل كان يرسل أفراداً من أصحابه ﵇ دعاة، من منكم لا يذكر أنه أرسل علياً إلى اليمن، أرسل أبا موسى الأشعري إلى اليمن، أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن، هؤلاء أفراد، فماذا كانوا يدعون المشركين إلى ماذا؟ هل كانوا يدعونهم ابتداءً إلى بعض السنن وبعض الأمور المستحبة أم كانوا يدعونهم إلى أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت، أُسُّ الإسلام هو لا إله إلا الله والكفر بما سواه. إذاً: هذه رأس العقائد كلها، فكان يدعو إليها أفراد من الصحابة، فمن أين جاءت هذه الفلسفة؟ العقيدة لا تثبت إلا برواية التواتر. هذا أمر يخالف سيرة السلف الصالح في عهد الرسول ﵌، ثم فيما بعده ﵌ من القرون المشهود لها بالخيرية. لذلك فالذين تفرَّقوا شيعاً وكانوا أحزاباً قديماً وحديثاً هم يلتقون معنا في أن الإسلام كتاب وسنة، لكنهم يفترقون عنا ونفترق عنهم في أننا ندعو إلى اتباع السلف الصالح، في فهمهم لهذين المرجعين: الكتاب والسنة. إذا قلت لأحد هؤلاء المخالفين للكتاب والسنة والمثال الأول قد أوردته عليكم آنفاً، وهو المثال القديم، وسأورد لكم المثال الجديد. إذا قيل لهم: ألا تتبعون الكتاب والسنة؟ فماذا تظنهم قائلون؟ هل ينكرون أم يقرون؟ يقرون. لو قلتم لهم: هل تتبعون السلف الصالح الصحابة والتابعين؟ قالوا لكم: لا،

стр. 3169

هم رجال ونحن رجال. فهذا هو الفاصل بيننا وبينهم، هذا فراق بيني وبينك. أما المثال الجديد الذي لم يمض عليه إلا أقل من قرن من الزمان، لا بد أن الكثير من الحاضرين سمعوا ممن يعرفون بالقاديانيين وهم يأبون هذه النسبة تضليلاً للناس ويسمون أنفسهم بالأحمديين، وهذا له بحث طويل لبيان هذا التدليس منهم. المهم هؤلاء القاديانيون يشهدون معنا بكل ما نشهد من الإيمان بالملائكة وما بعده، وبالإسلام الأركان الخمسة، فهم يصلون ويحجون ويزكون ويصومون .. إلى آخره، لكنهم يقولون بأن هناك أنبياء بعد محمد ﵌ وليس كما نعتقد نحن كما قال الله في القرآن الكريم: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠). وكما قال ﵊ في أحاديث كثيرة ومن أصحها وأشهرها قوله لعلي ﵁ لما خَلَفه خليفةً من بعده في المدينة ويمَّم شطر تبوك، قال: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» (١). كيف هؤلاء يشاركوننا في كل شروط الإيمان والإسلام ومع ذلك فهم يعتقدون بمجيء أنبياء بعد رسول الله ﵌، هذا كقاعدة. ثم يعتقدون بأن أحدهم جاء فعلاً من الهند ومن قرية اسمها قاديان وإليها ننسبهم نحن، فنقول عنهم قاديانيون، هؤلاء يشاركوننا في كل هذه العقائدة،

стр. 3170

يفارقوننا باعتقادهم بمجيء أنبياء في المستقبل وأن أحدهم جاء منذ نحو ستين سنة تقريباً، وكان يسمى بميرزا غلام أحمد القادياني، وهذا ترجمته إلى اللغة العربية خادم أحمد، أي نبينا محمد ﵇، فمن مكرهم ودسائسهم سحبوا هذه الإضافة خادم أحمد، فقالوا اسمه أحمد، وهذا كما أشرت آنفاً له بحث طويل. الشاهد: كيف هؤلاء يعتقدون بمجيء أنبياء وأن أحدهم جاء وهم يؤمنون بالآية السابقة: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)، ولا ينكرون حديث علي. يقولون: أنتم لا تفهمون القرآن، أنتم معشر العرب الذين توارثتم تفسير الآية السابقة سلفاً عن خلف ما تفهمون الآية، الذي فهمها هو الذي أوحي إليه مجدداً وهو ميرزا غلام أحمد القادياني. فما معنى الآية إذاً: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)؟ أي: ولكن رسول الله وزينة النبيين. قالوا: كما أن الخاتم زينة الإصبع، فرسول الله زينة الأنبياء، فليس معنى الآية كما تظنون أنتم أنه آخر الأنبياء. فإذا قُدِّم إليهم الحديث السابق ومثله كثير وكثير جداً، أيضاً حرَّفوا الحديث كما حرَّفوا الآية، وقالوا: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» أي: معي، أما أنا بعدما أرتفع إلى الرفيق الأعلى فيأتي نبي بعدي. فمعنى الحديث: «لا نبي بعدي» أي: معي.

стр. 3171

وهكذا يتأولون النصوص على طريقة سلفهم من المعتزلة والخوارج ونحوهم. إذاً: بارك الله فيكم، هنا بيت القصيد لا يكفي أن نقول الأصلان القرآن والسنة هم مرجعنا فقط؛ لأن كل الفرق الضالة يقولون هذه القولة، ويدينون بهذين الأصلين، ولكنهم إذا قيل لهم كما قلت لكم آنفاً، هل أنتم تتبعون السلف بدءًا من الصحابة إلى القرن الثاني إلى الثالث، قالوا: لا، نحن رجال وهم رجال. فدعوتنا يجب أن تفهموا جيداً وهذا بيت القصيد من هذه الكلمة التي سنحت في خاطرتي حينما سمعت ضجتكم بآمين قبل تأميني أنا، وأنا إمامكم، وإذا بكم قلبتم صرت أنا مقتدياً بكم وأنتم إمامي، هذا خلف وهذا مخالفة للسنة، سببها الغفلة عن الحديث، لكن السبب الأكبر عدم وجود من يبلغ السنة إلى عامة المسلمين حتى تشيع بينهم السنة وتصبح كالأمر المعتاد بين المسلمين. كدت أن أنهي سانحتي أو ملاحظتي هذه، ثم سنح في بالي أيضاً مثال كيف كانت السنة تمشي بين عامة المسلمين يعرفونها كما يعرفون الصلاة ونحو ذلك من الأحكام، لا يختلف الأمي من القارئ، لا يختلف في ذلك المرأة عن الرجل، كُلُّهم في فهمهم للإسلام سواء، لماذا؟ لأن العلم كان ينتشر على حد قوله ﵇: «فليبلغ الشاهد الغائب» كان الرسول ﵌ ما يحضر مجلسه عامة أصحابه، كيف وهناك في بعض الأحاديث الصحيحة أن رجلاً من الصحابة كأبي هريرة يقول لرجل من كبار الصحابة كعمر، أنت شغلك الصفق في الأسواق عن أن تسمع حديث رسول الله، فما بالنا نقول عن عامة الصحابة ما كانوا يحضرون مجلس الرسول عليه الصلاة السلام، هذا في الرجال فضلاً عن النساء، فضلاً عن

стр. 3172

الإماء الجواري الذين كن يقمن بوظيفة خدمة أسيادهن وسيداتهن، مع ذلك كان العلم في العقيدة منتشراً في عامة الصحابة نساء ورجالاً، ما عدا الاختلاف في حضور العلم والذكر بين يدي رسول الله ﵌، كانوا في العقيدة سواء فضلاً عما دون ذلك. كنت أردت آنفاً أن أنهي الكلمة السابقة، ثم خطر في بالي حديث الجارية، فتحَّمست لرواية هذا الحديث لسببين اثنين، أولاً: أن له علاقة بما كنت أنا في صدده، أنتم الآن سمعتم الحديث السابق، فعليكم أولاً أن تطبقوه، وأن لا تصلوا في مسجد تسمعون الإمام يؤمن فتسبقونه، لا، وإنما تنتظرون حينما يبدأ هو بالتأمين تبدءون أنتم بالتأمين. لا أريد منكم هذا فقط، بل وأن تُبلِّغوا ذلك، ليبلغ الشاهد الغائب كما قال ﵇: «بلغوا عني ولو آية» (١) والشيء بالشيء يذكر، «بلغوا عني ولو آية» لا يعني آية من القرآن؛ لأن معنى الآية في اللغة العربية هي الجملة الكاملة، ولما كانت الآيات الكريمة هي جمل كاملة اصطلح على هذا الإطلاق الآية، الآية حينما تطلق إنما يراد بها الآية الكريمة، أما هنا في الحديث: «بلغوا عني ولو آية» أي: ولو جملة كاملة من حديث رسول الله ﵌. وقد سمعتم آنفاً ومهما كان أحدكم ضعيف الحفظ نسيًّا مثلي، فسوف يحفظ إن شاء الله هذا الحديث الذي تلوته على مسامعكم أكثر من مرة: «إذا أمن الإمام فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (٢).

стр. 3173

إذاً: بلغوا الناس هذا الحديث حتى يصبح الناس كما أصبحت تلك الجارية، جارية ترعى الغنم، كيف عرفت العقيدة الصحيحة المتعلقة بذات الله ﵎، والتي يجهلها حتى اليوم كبار المشائخ والدكاترة، أما الجارية راعية الغنم فقد عرفت العقيدة الصحيحة، ما هو السبب؟ السبب أن هؤلاء الأصحاب الكرام الذين كانوا يحضرون حلقات الذكر بين يدي النبي ﵊، كانوا إذا انصرفوا إلى بيوتهم، إلى أهاليهم، إلى ذراريهم، إلى خَدَمِهم، نقلوا الذكر الذي سمعوه من رسول الله ﵌، هكذا هذه الجارية تلقت العقيدة الصحيحة ليس مباشرة من رسول الله؛ لأنها خادمة ترعى الغنم، وإنما سيّدُها يلقِّنُها وقد يكون سيدها أيضاً لم يحضر مباشرة في مجلس الرسول ﵇، لكن نقل إليه من جاره من صحابه .. إلى آخره. ما هو حديث الجارية؟ وما موقف كثير من المشائخ المسلمين اليوم من هذه العقيدة؟ اسمعوا الحديث وطبقوه على واقعكم اليوم، فستجدون هذا الواقع مخالفاً لعقيدة الجارية، هذه العقيدة المطابقة للكتاب والسنة. أرجو أن أنهي هذا الكلام بهذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث سيد الجارية واسمه معاوية بن الحكم السلمي، قال: صليت خلف النبي ﵌ يوماً، فعطس رجل بجانبي فقلت له: يرحمك الله، فنظروا إلي هكذا يسكتونه، لكني قال ما سكت، وإنما قلت، وهو يصلي ويقول لمن عطس: يرحمك الله، هذا يدل أنه كان حديث عهد بالإسلام، فلما قال لمن عطس بجانبه يرحمك الله، نظروا إليه هكذا بأطراف أعينهم مسكتين له، لكنه ما سكت بل ازداد

стр. 3174

تضجراً وصاح بأعلى صوته وهو يصلي: قال واثكل أمياه! مالكم تنظرون إلي؟ هو ما يظن أنه أساء عملاً في الصلاة. مالكم تنظرون إلي؟ فأخذوا ضرباً على أفخاذهم يسكتونه، قال: فلما قضى رسول الله ﵌ الصلاة أقبل إلي .. تصوروا الآن مثل هذه القصة تقع من بعض المصلين ثم يقبل الإمام إليه، ماذا يتصور أنه سيفعل به، لا بد أن ينهره على الأقل إن لم يبادره بالضرب، هكذا تصور معاوية بن الحكم السلمي، لكن والحمد لله خاب تصوره؛ لأنه عبر عن ذلك بقوله بلسان عربي مبين: فوالله! ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني. كأن يقول له مثلاً: حيوان، ما تفهم .. جاهل من هذه الكلمات التي نسمعها من بعض المشائخ أو أئمة المساجد فيما إذا أخطأ معهم أحد المصلين. وإنما قال لي ﵊: «إن هذه الصلاة لا يُصلح فيها شيء من كلام الناس». مخاطبة في الصلاة. «إنما هي تسبيح وتحميد وتكبير وقراءة قرآن». لما وجد معاوية بن الحكم السلمي وأُذكِّركم هذا غير معاوية بن أبي سفيان الأموي، لما وجد هذا اللطف وكل شيء من معدنه الطبيعي من رسول الله ﵌ تَفَتَّح قلبُه ليسأل نبيه ﵌ عما يشعر أنه بحاجة ليسأله، فقال: يا رسول الله! إن منا أقواماً يتطيرون -أي: يتشاءمون ببعض الأشياء- وهذا من جاهلية القرن العشرين، ليس في الكفار والمشركين وإنما في المسلمين أيضاً، يتطيرون من أشياء كثيرة وكثيرة جداً، وأظن أنكم تعلمون بعض الأمثلة.

стр. 3175

إن منا أقوام يتطيرون، قال: «فلا يصدنكم». انظروا لم يقل لهم: لا تتطيروا، وإنما قال لهم: «لا يصدنكم» أي: إذا تطيرتم فامضوا فيما كنتم أنتم ماضون فيه ولا ترتدوا على أعقابكم لسبب طيرة عرضت عليكم. كلمة التطير اشتقت من الطير، كان الجاهلي إذا عزم على السفر وخرج فأول طير يراه يطير، طير حيوان يخاف من الإنسان، فإما أن يطير يميناً أو يساراً، فإن طار هذا الحيوان يميناً هذا الإنسان .. يتفائل، فإن طائر يساراً يتشاءم، ويرتد إلى داره ولا يسافر. قال إن منا أقواماً يتطيرون، «قال فلا يصدنكم» حيوان هذا كيف يعرف الخير في المستقبل أم شر، امض فيما خرجت إليه. قال إن منا أقواماً يأتون الكهان، قال: «فلا تأتوهم». قال: إن منا أقواماً يخطون، أي: الضرب بالرمل، قال: «قد كان نبي من الأنبياء، فمن وافق خطُّه خطَّه فذاك». هذا كما يقول العلماء تعليق بالمحال، يقول ﵊ جواباً عن ذاك السؤال: قد كان نبي من الأنبياء قبلي معجزة له يخط بالرمل، فيطلع على بعض المغيبات بواسطة الرمل، فمن وافقه خطه من هؤلاء الكهان والمنجمين خط ذلك النبي الكريم فذاك أي المصيب، وهيهات أن يوافق خط الدجال خط النبي الصادق الأمين. الآن يأتي الشاهد، قال: يا رسول الله! عندي جارية ترعى غنماً لي في أحد، عند جبل أحد في المدينة، فسطا الذئب يوماً على غنمي، وأنا بشر أغضب كما

стр. 3176

يغضب البشر فصككتها صكة، وعلي عتق رقبة، فقال ﵇ له: ائت بها، فلما جاءت إليه قال لها رسول الله ﵌ وهنا الشاهد: «أين الله؟ قالت: في السماء. قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فالتفت إلى سيدها وقال له: اعتقها فإنها مؤمنة». شهد النبي ﵌ لهذه الجارية التي كانت ترعى الغنم لسيدها ومن غفلتها وضعفها سطا الذئب على غنمها الأمر الذي أغضب سيدها فصكها، وصفعها تلك الصفعة على خدها، فامتحنها الرسول ﵇ بهذين السؤالين: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال لسيدها: «اعتقها». أي: إذاً أعتقها فقد وفيت بنذرك؛ «فإنها مؤمنة». الآن اسألوا الناس ليس عامة الناس، فإنكم تسمعون عامة الناس في مجالسهم يقولون: الله موجود في كل الموجود، الله موجود في كل مكان. إذاً: الجارية التي كانت ترعى الغنم هي أفقه منهم. ليت الأمر وقف أفقه من هؤلاء العامة الذين يتكلمون بهذه الجاهلية في مجالسهم، لو أنت سألت الدكاترة إلا من شاء الله وقليل ما هم، أين الله؟ قال لك: لا يجوز يا أخي هذا السؤال. الله في كل مكان. أو يقول لك: الله موجود في كل الوجود، أو يقول: ليس لله مكان. هذا كله خلاف القرآن والسنة، والجارية التي نطقت حقاً إنما نطقت بآية من آيات الله الكثيرة بمعناها: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ في السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (الملك:١٦، ١٧).

стр. 3177

إذاً: الجارية عرفت العقيدة الصحيحة فما بالنا نحن اليوم ما نعرف هذه العقيدة الصحيحة، الأمر يعود إلى شيئين اثنين، الشيء الأول الجهل بالسنة الصحيحة، والشيء الثاني أن الجماهير غفلت عن الأصل الثالث وهو على ما كان عليه السلف الصالح، وعلى ما كان السلف الصالح في الجواب عن سؤال أين الله، الجارية أجابت وأقرها الرسول ﵇ وعلى هذا كان سلفنا الصالح كما قال الإمام عبد الله بن المبارك من كبار شيوخ إمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه ومن جاهد في سبيل الله عن العقيدة والسنة، قال عبد الله بن المبارك ﵀: الله ﵎ فوق عرشه بذاته .. ليس في كل مكان كما يقول الجهلة. الله ﵎ فوق عرشه بذاته، بائن من خلقه .. ليس كما يقول الصوفية: الله مخالط للكون، وما الله في التمثال إلا كثلجة بها الماء، هذه عقيدة الصوفية القائلون بوحدة الوجود. الله ﵎ فوق عرشه بذاته بائن من خلفه وهو معهم بعلمه. فعلمه في كل مكان، أما الله فكما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه:٥)، والآيات كثيرة، وبهذا القدر كفاية، فقد استطردت كثيراً لكن أرجو أن أكون قد أوضحت عن دعوتنا وعن الفرق بين دعوتنا ودعوة الآخرين الذين يشاركوننا، أما الذين لا يشاركوننا فلا نتحدث عنهم، الذين يشاركوننا في الدعوة إلى الكتاب والسنة، فنحن نختلف عنهم وهم يختلفون عنا أننا لا نرضى أن نفهم الكتاب والسنة إلا على ما كان عليه السلف الصالح وبذلك ننجو من أن ننحرف يميناً ويساراً كما ينحرف كثير ممن أيضاً ينتمون إلى الكتاب والسنة .. " الهدى والنور" (٦٤٥/ ٢٣: ١٨: ٠٠)

стр. 3178

[١٠٩٤] باب ضلال منكري الرؤية [قال الإمام]: (ما) أبعد ضلال من ينكر الرؤية من بعض المقلدة الذين يزعمون تقليد الأئمة ثم هم يخالفونهم في عقيدتهم في رؤية الرب يوم القيامة ومعهم الكتاب والسنة!! أما القرآن فهم يتأولونه بل يُعطِّلونه باسم المجاز، وأما السنة فيشكِّكون فيها بقولهم: حديث آحاد، مع أنه حديث متواتر عند العارفين بهذا الشأن!! "تحقيق مشكاة المصابيح" (٣/ ١٥٧٧). [١٠٩٥] باب هل يُكفر من ينفي رؤية الله تعالى يوم القيامة ؟ [قال الإمام]: لا شك أن الإباضية وكل من دان برأيهم وبعقيدتهم في أن كلام الله مخلوق، ومن ذلك هذا القرآن المعجز مخلوق، وكذلك من نفى إنكار رؤية المؤمنين لرب العالمين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، لا شك أن هؤلاء المنكرين لكون القرآن كلام الله حقيقة وليس مخلوقاً، وأن الله يمتن على عباده المؤمنين فيتجلى لهم يوم القيامة، ويوم يدخل المسلمون الجنة، هذا الإنكار فيه ضلال واضح جداً، وأما أن هذا الضلال كفر ردة عن الدين أو لا، نقول: من تبينت له الحجة ثم أنكرها فهو كافر مرتد عن دينه، لكن من أنكر ذلك فهو في ضلال، ونحن لا يهمنا أن نقول فلان من الناس أو الطائفة الفلانية من الناس هم كفار، حسبنا أن نقول هم ضلّال؛ لأن المقصود هدايتهم وأن يعرفوا أنهم على خطأ وعلى ضلال حتى يعودوا إلى الصواب .. "الهدى والنور" (٣١٠/ ٠٠:٤٩:٣٣)

стр. 3179

[١٠٩٦] باب التحذير من كتاب لبعض أهل البدع انتصر فيه للقول بنفي الرؤية [قال الإمام]: من غرائب هذا الزمان وعجائبه أن يتجرأ أحد الإباضيين وهو الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ويؤلف كِتَاباً سماه بغير اسمه: " الحق الدامغ "! انتصر فيه لمذهبه في إنكارهم رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، وقولهم بخلق القرآن، وبخلود أهل الكبائر في النار. وقد سلك فيه طريقة أسلافه من المعتزلة وغيرهم من أهل الأهواء في تأويل أدلة أهل السنة، وجعلها ظنية الدلالة أو الثبوت، فيقول مَثَلاً فيما كان من القرآن وأخرجه عن دَلَالَته الظاهرة على الأقل: " والدليل إذا اعتراه الاحتمال سقط به الاستدلال "! (ص ٥٠) وغيرها. وأما ما استدل به هو من الآيات فتأولها؛ لتوافق مذهبه؛ كمثل تأويله لقوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة﴾؛ فإنه تأول قوله: ﴿ناظرة﴾ أي: منتظرة! ومع ذلك فهي عندهم قطعية! وفيما كان من السنة والحديث وتبين له أن التأويل غير ناجح فيه استعمل فيها معول الهدم، وهو قوله (ص ٦٢): " ومهما يكن فإن هذه الأحاديث آحادية، والآحادي لا تنهض به حجة في الأمور الاعتقادية ... "! شنشنة نعرفها من أخزم، يلهج بذلك أهل الأهواء والبدع في كل زمان، وبخاصة زماننا هذا الذي كثرت فيها الفرق والطوائف! (وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا)! وإن عجبي من هؤلاء لا يكاد ينتهي، يردون الاستدلال بالأحاديث الصحيحة بتلك الحجة الواهية، ومن جهة أخرى هم يستدِلّون بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وما لا أصل له في السنة الصحيحة؛ بل وبالآثار الموقوفة الواهية، وكتاب الخليلي المذكور آنِفًا مشحون بما لا يصح من المرفوع والموقوف. "الضعيفة" (١٢/ ٢/٩٢٥).

стр. 3180

جماع أبواب الكلام على رؤية النبي ﵌ لربه في الدنيا من عدمها وهل يمكن رؤية الإنسان لربه سبحانه في الدنيا؟ وغير ذلك

стр. 3181

[١٠٩٧] باب هل رأى الرسول ﵌ ربه ؟ سؤال: ما هو الثابت والراجح في الأمر المختلف فيه المتعلق برؤية الرسول لذات الله ؟ الشيخ: نعم، لم يأت هناك حديث صحيح ومرفوع إلى النبي ﵌ أنه قال: رأيت ربي ليلة أسري بي، لا يوجد مثل هذا الحديث، صح عن النبي ﵌ أنه قال: «رأيت ربي في المنام» (١)، وهذا خارج عن موضوع الكلام، بل يوجد هناك حديث في صحيح مسلم، وأثر صحيح عن السيدة عائشة ينفي ذلك، روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- أن رجلاً قال: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه»، وفي حديث أبي موسى، وقد سرده مسلم عقب ذاك الحديث، قال: «حجابه النور»، فإذا ضممت هذا إلى هذا أخذت النتيجة أنه لم يره. هذا الحديث المرفوع، أما الحديث الموقوف وفيه جزم من أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- الصِّدِّيقة بنت الصِّديق، وهي من أعرف الناس بشخصية الرسول وما يتعلق بإسرائه ومعراجه حيث جاء في الصحيحين في البخاري ومسلم من طريق التابعي الجليل المسمى بـ" مسروق"، أنه جاء إلى عائشة فقال: يا أم المؤمنين هل رأى محمدٌ ربه؟ هذا سؤالك، واسمع الجواب ليس مني، إنما أنا ناقل: هل رأى محمدٌ ربه؟ قالت: لقد قَفَّ شعري مما قلت. قال: يا أم المؤمنين ارحميني ولا تعجلي عليّ، أليس قال الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (النجم:١٣)؟ قالت: أنا أعلم الناس بذلك، رأيت رسول الله .. أنا أعلم الناس بذلك، سألت رسول

стр. 3182

الله ﵌ فقال: «رأيت جبريل في صورته التي خلق فيها مرتين، وله ستمائة جناح، وقد سد الأفق»، إذاً هذا تفسير الآية، ثم قالت متابعة تعليم الأمة، جزاها الله عن الأمة خيراً: ثلاث من حدثكموهن فقد أعظم على الله الفرية: من حدثكم أن محمداً ﵌ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (الشورى:٥١)، إذاً لا يمكن المكالمة مع الله إلا من وراء حجاب في هذه الحياة الدنيا، ولذلك كانت رؤية الله في الآخرة تباين الرؤية هنا في الدنيا. هذه المسألة الأولى، قالت: ومن حدثكم بأن محمداً ﵌ كان يعلم ما في غدٍ فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله ﵎: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل:٦٥). الثالثة والأخيرة: ومن حدثكم بأن محمداً ﵌ كتم شيئاً أمر بتبليغه فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة:٦٧). في رواية تفرد بها مسلم دون صاحبه البخاري قال: قالت: لو أن محمداً ﵌ كان كتم شيئاً أمر بتبليغه لكان كتم قول ربه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي في نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (الأحزاب:٣٧)، لكنه ما كتم؛ لأن هذا واجبه رسالةً: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ إلى آخر الآية، غيره. الملقي: بالنسبة للرؤية الرؤية في الدنيا، فمن ادَّعى رؤية الدنيا فقد أعظم على الله الفرية. ومن يؤول حديث النبي ﵌: «نور أَنَّى أراه» ويقول: «نور إِنَّي أراه».

стр. 3183

الشيخ: لا، هذا أولاً خلاف الرواية الصحيحة، وخلاف رواية أبي موسى التي دعم بها مسلم الرواية الصحيحة. نعم. "الهدى والنور" (٦٤١/ ٠٣: ٤٢: ٠٠) [١٠٩٨] باب هل رأى الرسول ربه؟ وهل الإسراء والمعراج كان في المنام أم في اليقظة ؟ سؤال: يسأل السائل فيقول: وهل الرسول ﵌ رأى ربه ، وهل الإسراء والمعراج كان في المنام أم في اليقظة؟ الشيخ: أما الإسراء المعراج فقد كان يقظة به ﵊، هذا لا شك ولا إشكال فيه، وإن كان هناك بعض الأقوال المرجوحة تقول: إنه كان في منام أو كان بين النوم واليقظة، ولكن الصحيح الذي لا نشك فيه أبدًا أن ذلك كان يقظةً. وهناك أشياء كثيرة وكثيرة جدًا تدل على هذا الذي نجزم به، من ذلك أن القصة هذه العجيبة الغريبة لو كانت منامًا ولم تكن يقظة لم تكن فيها معجزة حملت بعض ضعفاء الإيمان أن يرتابوا في دينهم، وحملت المشركين على الاستهزاء بالنبي ﵌، فكل هذا وهذا يؤكد أن النبي ﵌ لما أصبح وأخبر الناس بما رأى من آيات ربه الكبرى، إنما كان قد حدثهم بأنه كان ذلك يقظة، ومن هنا كان الأعجاز وكانت كرامة من جهة، وكانت الفتنة لضعفاء الإيمان والمشركين في آن واحد من جهة أخرى. أما الشق الثاني من السؤال وهو هل رأى رسول الله ﵌ ربه فالمسالة خلافية منذ السلف الأول، والراجح أن النبي ﵌ لم ير ربه بعينه، وإنما رآه ببصيرته

стр. 3184

وقلبه، ومما يؤكد هذا أن النبي ﵌ قد سُئل صراحًة: هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه؟!» فهذا نفي لأن يكون رسول الله ﵌ قد رأى ربه وأكد نفيه لذلك بقوله: أن هناك نورًا يمنع الإنسان من أن يرى ربه، وهذا أيضًا جاء في حديث آخر أن حجابه النور ولولا هذا الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ﵎ كل شيء مر به أو كما قال ﵇، وكل من الحديث الأول وهذا الآخر مخرج في صحيح الإمام مسلم. فالراجح أن النبي ﵌ لم ير ربه، وهو ظاهر قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (الشورى:٥١) وبهذه الآية استدلت السيدة عائشة على رد من يقول بأن الرسول ﵊ رأى ربه بعينيه، فقد جاء في الصحيحين من رواية مسروق ﵀ أنه جاء إلى السيدة عائشة ﵂ فقال لها: يا أم المؤمنين! هل رأى محمد ربه؟ قالت: لقد قَفَّ شعري مما قلت، قال: يا أم المؤمنين! ارحميني ولا تعجلي عليّ، أليس يقول الله ﵎ في كتابه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (النجم: ١٣ - ١٤) قالت ﵂: أنا أعلم الناس بذلك، لقد سألت رسول الله ﵌ فقال: «رأيت جبريل في صورته التي خُلِقَ فيها مرتين وله ستمائة جناح .. » رأيت إذًا ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (النجم:١٣) قال: رأيت جبريل في صورته التي خلق فيها مرتين وله ستمائة جناح وقد سد الأفق - بعظمته -» فإذًا: الضمير في الآية التي سأل مسروق عائشة عنها إنما يعود إلى جبريل وليس إلى الله ﵎. ولذلك فقد تابعت السيدة عائشة ﵂ كلامها تأكيدًا لجوابها وإفادة للسائل وغيره ببعض ما في جعبتها من علم تلقته من زوجها ونبيها محمد ﵌ -

стр. 3185

فقالت: ثلاث من حدثكموهن فقد أعظم على الله الفرية .. من حدثكم أن محمدًا ﵌ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ثم قالت محتجة على ما قالت: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (الشورى:٥١) وقالت: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ (الأنعام:١٠٣). ثم قالت: ومن حدثكم أن محمدًا ﵌ كان يعلم الغيب فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل:٦٥)، ثم قالت: ومن حدثكم بأن محمدًا ﵌ كتم شيئًا أمر بتبليغه فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة:٦٧). مداخلة: ما هي الفرية؟ الشيخ: الكذب. مداخلة: شيخنا بالنسبة لحديث الإسراء والمعراج! تفضلتم وقلتم أنه رأى ربه بقلبه، ما معنى رأى ربه بقلبه؟ الشيخ: ببصيرته يعني: وليس بعينه بالجارحة هذه، رؤية قلبية، يعني: ممكن تقول علمي لا يمكن تمثيله. مداخلة: في نفس حديث عائشة: ومن زعم أن محمدًا كتم شيئًا أمر بتبليغه، فبمفهوم المخالفة: إذا لم يؤمر بتبليغه يجوز للرسول أن يكتم؟ الشيخ: أولًا مفهوم المخالفة لا يحتج به دائمًا وأبدًا، وثانيًا: ممكن أن يقال ما ليس له علاقة بالشريعة أنه ما حدث به ممكن أن يقال هذا؛ لأنه في الآية السابقة:

стр. 3186

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة:٦٧) نعم. "فتاوى الإمارات" (٤/ ٠٠:٠٥:٥٢) [١٠٩٩] باب منه [قال الإمام]: وأما رؤيته تعالى في الدنيا فقد أخبر رسول الله ﵌ في الحديث الصحيح: «أن أحداً منا لا يراه حتى يموت».رواه مسلم. وأما هو نفسه ﵊ فلم يرد في إثباتها له ما تقوم به الحجة, بل قد صح عنه الإشارة إلى نفيها حين سئل عنها بقوله: «نور أنى أراه» ومع ذلك جزمت السيدة عائشة بنفيها كما في "الصحيحين" وهذا هو الأصل فينبغي التمسك به. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٣٠). [١١٠٠] باب منه [قال صاحب الطحاوية: "والمعراج حق, وقد أسري بالنبي ﵌ وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء, ثم إلى حيث شاء الله من العلا, وأكرمه الله بما شاء, وأوحى إليه ما أوحى ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ (النجم: ١١) فصلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة والأولى" فقال الإمام معلقاً على قوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد وما رأى﴾]: يعني من آيات ربه الكبرى، وأما القول بأنه ﵊ رأى ربه

стр. 3187

ليلتئذ بعينه فلم يثبت؛ ولذلك قال الشارح وغيره: " والصحيح أنه رآه بقلبه ولم يره بعين رأسه ". "التعليق على متن الطحاوية" (ص٣٦). [١١٠١] باب منه [عن ابن عباس] قال: رأى محمد ربه مرتين. قلت: هذا صحيح ثابت عن ابن عباس لكن موقوفاً عليه. وقد أخرجه ابن خزيمة في " التوحيد" (ص ١٣١) بسند صحيح عنه، ورواه مسلم أيضاً من هذا الوجه لكنه بلفظ: " رآه بقلبه" وهو رواية لابن خزيمة من طريق أخرى عن ابن عباس. ثم أخرجه مسلم من طريق ثالث عنه بلفظ: قال: " ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى ولقد رآه نزلة أخرى﴾، قال: رآه بفؤاده مرتين".ورواه ابن خزيمة أيضاً مختصراً. قلت: ولا يقال: حديث ابن عباس هذا وإن كان وموقوفاً، فهو في حكم المرفوع، لأنه لا يقال اجتهاداً، فإني أقول: إن قوله إياه مفسراً به الآية المذكورة، لأكبر دليل على أنه باجتهاد من عنده وليس له حكم المرفوع، لأنه قد صح خلافه في تفسيرها، فقد قالت السيدة عائشة ﵂: "أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﵌؟ فقال: «إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خُلِقَ عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء, سادّاً عِظَم خلقه ما بين السماء إلى ألأرض» أخرجه مسلم (١/ ١١٠) وروى نحوه عن

стр. 3188

أبي هريرة مختصراً بلفظ: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ قال: "رأى جبريل". وهذا موقوف أولى من موقوف ابن عباس لموافقته لحديث عائشة المرفوع. روى له ابن خزيمة (ص١٣٣،١٣٤) شاهداً من حديث ابن مسعود مرفوعاً، وسنده حسن. "مختصر العلو" (ص ١١٩ - ١٢٠). [١١٠٢] باب منه [قال الإمام]: من الثابت أن الله تعالى لا يُرى في الدنيا حتى ولا من نبينا محمد ﵌ على الراجح من قولي العلماء. "الضعيفة" (٩/ ٥٩). [١١٠٣] باب منه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ. [قال الإمام]: هذا مع كونه موقوفاً, فإن مفهومه أنه لم يره بعينه. فلا يخالف حديث عائشة في الباب الآتي الذي صرحت فيه بنفيها للرؤية؛ لأنها تعني رؤية العين, ومثله حديث أبي ذر قال: سألت رسول الله ﵌: هل رأيت ربك؟ قال: نور, أني أراه.

стр. 3189

رواه مسلم ولم يذكره المصنف! نعم هذا الحديث يخالف حديث عائشة من جهة أخرى, فان فيها أنها سألت النبي ﵌ عن قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾؟ فقال: «إنما هو جبريل ﵇» ... ومما لا شك فيه أن المرفوع مُقدَّم على الموقوف. "مختصر صحيح مسلم" (ص ٢٩). [١١٠٤] باب منه [تكلم الإمام حول كتاب "الخصائص الكبرى" للسيوطي في مقدمة تحقيقه على "بداية السول" مبينًا أن السيوطي حشاه بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وضرب على ذلك أمثلة منها أن السيوطي قد] ذكر تحت الفصل (١٦) رواية ابن عساكر عن ابن مسعود مرفوعاً: «قال لي ربي : نَحلتُ إبراهيم خلتي، وكلّمتُ موسى تكليماً، وأعطيتُك يا محمد خُلتي ومحبتي، وكلمتك كفاحا» (٣/ص١٥١). [قال الإمام]: وهو موضوع. قال الدكتور الشيخ خليل الهراس في تعليقه عليه: قال في "اللآلئ": «لا يصح، تفرد به مسلم وهو متروك». قلت: لو صح فكان نصاً على أن النبي ﵌ قد رأى ربه ليلة الإسراء على الأقل، ولم يبق ثمة مجال لاختلاف؛ لأن معنى "كفاحاً" أي: مواجهة ليس بينه وبين الله حجاب كما في "النهاية " مادة (كفح).وكأن الدكتور ﵀ لم ينتبه لهذا المعنى، فعلق على كلمة (الإسراء) بقوله (٣/ ١١١): " ففي هذه الليلة كلم

стр. 3190

الله نبينا ﵌ كفاحاً من غير واسطة ملك". فخفي عليه ما ذكرناه عن ابن الأثير. وحينئذ فالحديث مخالف لقوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمَه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب ... ﴾ وبه احتجت عائشة ﵂ على نفي الرؤية، وهو الحق. "تحقيق بداية السول" (ص ١٧). [١١٠٥] باب تحرير قول ابن عباس قي رؤية النبي ﵌ لربه تعالى [قال ابن أبي عاصم في "السنة"]: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس: ﴿ولقد رآه نزله أخرى﴾ قال: رأى ربه ﵎. [فعلق الإمام قائلاً]: إسناده حسن موقوف رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أنهما لم يحتجا بمحمد بن عمرو وإنما أخرجا له متابعة. والحديث أخرجه الآجري (ص ٤٩١) من طريق آخر عن عبدة بن سلمان وابن خزيمة في التوحيد, وابن حبان من طريق أخرى عن محمد بن عمرو به إلا أنه لم يذكر الآية وهذا أقرب إلى الصواب؛ فقد ثبت تفسيرها مرفوعاً عن النبي ﵌ بخلاف تفسير ابن عباس ﵁ من حديث السيدة عائشة ﵂ قالت: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﵌ فقال: «إنما هو جبريل, لم أره على صورته التي خُلِقَ عليها غير هاتين المرتين
следующие страницы →