﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة:٦٧) نعم.
"فتاوى الإمارات" (٤/ ٠٠:٠٥:٥٢)
[١٠٩٩] باب منه
[قال الإمام]:
وأما رؤيته تعالى في الدنيا فقد أخبر رسول الله ﵌ في الحديث الصحيح: «أن أحداً منا لا يراه حتى يموت».رواه مسلم.
وأما هو نفسه ﵊ فلم يرد في إثباتها له ما تقوم به الحجة, بل قد صح عنه الإشارة إلى نفيها حين سئل عنها بقوله: «نور أنى أراه» ومع ذلك جزمت السيدة عائشة بنفيها كما في "الصحيحين" وهذا هو الأصل فينبغي التمسك به.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٣٠).
[١١٠٠] باب منه
[قال صاحب الطحاوية: "والمعراج حق, وقد أسري بالنبي ﵌ وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء, ثم إلى حيث شاء الله من العلا, وأكرمه الله بما شاء, وأوحى إليه ما أوحى ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ (النجم: ١١) فصلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة والأولى"
فقال الإمام معلقاً على قوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد وما رأى﴾]:
يعني من آيات ربه الكبرى، وأما القول بأنه ﵊ رأى ربه
стр. 3187
ليلتئذ بعينه فلم يثبت؛ ولذلك قال الشارح وغيره: " والصحيح أنه رآه بقلبه ولم يره بعين رأسه ".
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٣٦).
[١١٠١] باب منه
[عن ابن عباس] قال: رأى محمد ربه مرتين.
قلت: هذا صحيح ثابت عن ابن عباس لكن موقوفاً عليه. وقد أخرجه ابن خزيمة في " التوحيد" (ص ١٣١) بسند صحيح عنه، ورواه مسلم أيضاً من هذا الوجه لكنه بلفظ:
" رآه بقلبه" وهو رواية لابن خزيمة من طريق أخرى عن ابن عباس.
ثم أخرجه مسلم من طريق ثالث عنه بلفظ: قال:
" ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى ولقد رآه نزلة أخرى﴾، قال: رآه بفؤاده مرتين".ورواه ابن خزيمة أيضاً مختصراً.
قلت: ولا يقال: حديث ابن عباس هذا وإن كان وموقوفاً، فهو في حكم المرفوع، لأنه لا يقال اجتهاداً، فإني أقول: إن قوله إياه مفسراً به الآية المذكورة، لأكبر دليل على أنه باجتهاد من عنده وليس له حكم المرفوع، لأنه قد صح خلافه في تفسيرها، فقد قالت السيدة عائشة ﵂:
"أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﵌؟ فقال: «إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خُلِقَ عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء, سادّاً عِظَم خلقه ما بين السماء إلى ألأرض» أخرجه مسلم (١/ ١١٠) وروى نحوه عن
стр. 3188
أبي هريرة مختصراً بلفظ:
﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ قال: "رأى جبريل".
وهذا موقوف أولى من موقوف ابن عباس لموافقته لحديث عائشة المرفوع. روى له ابن خزيمة (ص١٣٣،١٣٤) شاهداً من حديث ابن مسعود مرفوعاً، وسنده حسن.
"مختصر العلو" (ص ١١٩ - ١٢٠).
[١١٠٢] باب منه
[قال الإمام]:
من الثابت أن الله تعالى لا يُرى في الدنيا حتى ولا من نبينا محمد ﵌ على الراجح من قولي العلماء.
"الضعيفة" (٩/ ٥٩).
[١١٠٣] باب منه
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ.
[قال الإمام]:
هذا مع كونه موقوفاً, فإن مفهومه أنه لم يره بعينه. فلا يخالف حديث عائشة في الباب الآتي الذي صرحت فيه بنفيها للرؤية؛ لأنها تعني رؤية العين, ومثله حديث أبي ذر قال: سألت رسول الله ﵌: هل رأيت ربك؟ قال: نور, أني أراه.
стр. 3189
رواه مسلم ولم يذكره المصنف! نعم هذا الحديث يخالف حديث عائشة من جهة أخرى, فان فيها أنها سألت النبي ﵌ عن قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾؟ فقال: «إنما هو جبريل ﵇» ... ومما لا شك فيه أن المرفوع مُقدَّم على الموقوف.
"مختصر صحيح مسلم" (ص ٢٩).
[١١٠٤] باب منه
[تكلم الإمام حول كتاب "الخصائص الكبرى" للسيوطي في مقدمة تحقيقه على "بداية السول" مبينًا أن السيوطي حشاه بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وضرب على ذلك أمثلة منها أن السيوطي قد]
ذكر تحت الفصل (١٦) رواية ابن عساكر عن ابن مسعود مرفوعاً:
«قال لي ربي : نَحلتُ إبراهيم خلتي، وكلّمتُ موسى تكليماً، وأعطيتُك يا محمد خُلتي ومحبتي، وكلمتك كفاحا» (٣/ص١٥١).
[قال الإمام]:
وهو موضوع. قال الدكتور الشيخ خليل الهراس في تعليقه عليه:
قال في "اللآلئ": «لا يصح، تفرد به مسلم وهو متروك».
قلت: لو صح فكان نصاً على أن النبي ﵌ قد رأى ربه ليلة الإسراء على الأقل، ولم يبق ثمة مجال لاختلاف؛ لأن معنى "كفاحاً" أي: مواجهة ليس بينه وبين الله حجاب كما في "النهاية " مادة (كفح).وكأن الدكتور ﵀ لم ينتبه لهذا المعنى، فعلق على كلمة (الإسراء) بقوله (٣/ ١١١): " ففي هذه الليلة كلم
стр. 3190
الله نبينا ﵌ كفاحاً من غير واسطة ملك". فخفي عليه ما ذكرناه عن ابن الأثير. وحينئذ فالحديث مخالف لقوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمَه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب ... ﴾ وبه احتجت عائشة ﵂ على نفي الرؤية، وهو الحق.
"تحقيق بداية السول" (ص ١٧).
[١١٠٥] باب تحرير قول ابن عباس قي رؤية النبي ﵌ لربه تعالى
[قال ابن أبي عاصم في "السنة"]:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس: ﴿ولقد رآه نزله أخرى﴾ قال: رأى ربه ﵎.
[فعلق الإمام قائلاً]:
إسناده حسن موقوف رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أنهما لم يحتجا بمحمد بن عمرو وإنما أخرجا له متابعة.
والحديث أخرجه الآجري (ص ٤٩١) من طريق آخر عن عبدة بن سلمان وابن خزيمة في التوحيد, وابن حبان من طريق أخرى عن محمد بن عمرو به إلا أنه لم يذكر الآية وهذا أقرب إلى الصواب؛ فقد ثبت تفسيرها مرفوعاً عن النبي ﵌ بخلاف تفسير ابن عباس ﵁ من حديث السيدة عائشة ﵂ قالت: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﵌ فقال: «إنما هو جبريل, لم أره على صورته التي خُلِقَ عليها غير هاتين المرتين
стр. 3191
رأيته منهبطا من السماء» الحديث أخرجه مسلم وغيره, وروى نحوه عن ابن مسعود وأبي هريرة.
لكنه أخرج أيضاً من طريق أخرى عن ابن عباس قال: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى، ولقد رآه نزلة أخرى﴾ قال: "رآه بفؤاده مرتين".
وبالجملة فتفسير الآية من ابن عباس برؤية الله ﵎ ثابت عنه لكن الأخذ بالتفسير الذي ذكره عنه ﵌ مرفوعاً أولى منه, والأخذ واجب دون الموقوف لا سيما وقد اضطرب الرواة عنه في هذه الرؤية فمنهم من أطلقها كما في حديث الترجمة وغيره ومنهم من قيدها بالفؤاد كما في رواية مسلم المذكورة وهي أصح الروايات عنه, والله أعلم.
"ظلال الجنة في تخريج السنة" (ص١٧٧).
[١١٠٦] باب رؤية النبي ﵌ لربه تعالى إنما كانت في المنام
[قال رسول الله ﵌]:
«رأيت ربي ».
(صحيح).
[قال الإمام]:
يعني في المنام كما تدل عليه الروايات الأخرى.
"صحيح الجامع" (١/ ٦٥٢).
стр. 3192
[١١٠٧] باب ما تفسير حديث:
«أن النبي ﵌ رأى ربه في المنام» ؟
سؤال: بالنسبة (لحديث .. ): «أن النبي ﵌ رأى ربه في المنام» ما تفسيره؟
الجواب: لا يُفَسَّر.
" الهدى والنور " (٢/ ٥٨: ٣٤: ٠٠)
[١١٠٨] باب حديث اختصام الملأ الأعلى
ورؤية النبي ﵌ ربه في المنام
[قال رسول الله ﵌]:
«رأيتُ ربِّي في أحسنِ صورةٍ، فقال: فيمَ يختصمُ الملأُ الأعلى، فقلت: لا أدري، فوضع يده بين كتفيَّ، حتَّى وجدتُ بردَ أنامِله، ثمَّ قالَ: فيم يختصمُ الملأ الأعلى؟ قلتُ: في الكفَّارات والدرجات، قال: وما الكفَّارات؟ قلت: إسباغُ الوضوءِ في السّبَرات، ونقلُ الأقدام إلى الجماعاتِ، وانتظارُ الصلاةِ بعدَ الصلاة، قال: فما الدرجاتُ؟ قلتُ: إطعامُ الطعامِ، وإفشاءُ السلامِ، وصلاةٌ بالليل والناسُ نيام، قال: قل، قال: قلتُ: ما أقولُ؟ قالَ: قلِ: اللهمّ! إنِّي أسألك عَمَلاً بالحسناتِ، وتركاً للمنكراتِ، وإذا أردتَ في قومٍ فتنةً وأنا فيهم؛ فاقبضني إليكَ غيرَ مفتونٍ».
[قال الإمام]:
وقد جاء الحديث من طرق أخرى، صحح بعضها البخاري والترمذي، وفيها أن ذلك كان رؤيا منامية، وذلك مما يؤكد شذوذ تلك الزيادة فتنبه! وراجع بعض تلك الطرق في "ظلال الجنة" ٣٨٨١ و٤٦٥ - ٤٧١).
стр. 3193
وقد خلط ابن الجوزي خلطاً عجيباً بين هذه الأحاديث الصحيحة التي فيها اختصام الملأ الأعلى، وفي بعضها أنها رؤيا منامية- كما عرفت-، وبين بعض الأحاديث الموضوعة التي فيها أنه رأى ربَّه على الأرض بمنى على جمل أورق، ونحوه من الموضوعات، وقد خرَّجت بعضها في "الضعيفة " (٦٣٣٠)، وقلَّده في ذلك الجهمي الجلد المتعنت المسمى (حسن السقاف) في تعليقه على "دفع شبه التشبيه"؛ الذي دفعه الذهبي وأتمنى أنه لم يؤلفه مؤلفه؛ لما فيه من التأويلات المعطلة للصفات الإلهية حتى ذكر أن الله ليس داخل العالم ولا خارجه، تعالى الله الذي على العرش استوى استواءً يليق بجلاله وعظمته.
ثم رأيت الطبراني قد أخرج الحديث مختصراً في "المعجم الكبير" (٨/ ٣٨٦/ ٨٢٠٧) و"الأوسط " (٢/ ٣٦/١/ ٥٦٢٦): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة:
ثنا فَروة بن أبي المغرَاء: ثنا القاسم بن مالك عن سعيد بن المرزبان أبي سعد عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: "سئل رسول الله ﵌: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ ... " الحديث، إلى قوله: "الصلاة بعد الصلاة".
وأعله الهيثمي بقوله (١/ ٢٣٨):
"وفيه أبو سعد البقاَّل، وهو مدلس، وقد وثقه وكيع ".
قلت: وابن أبي شيبة هذا فيه ضعف، فأخشى أن يكون لم يحفظ إسناده، والله أعلم.
وجملة القول؛ أن الحديث صحيح، لا يشك في ذلك أحد بعد أن يقف على هذه الطرق وتصحيح بعض أئمة الحديث لبعضها؛ إلا إن كان ممن طمس الله على
стр. 3194
قلوبهم من ذوي الأهواء كذاك (السخاف) (١) الجاهل الذي يخالف سبيل المؤمنين والعلماء العارفين، فيضعف ما صححوه، كهذا الحديث الذي وضع فيه رسالة سماها- فُضَّ فوه- "أقوال الحفاظ المأثورة لبيان وضع حديث: «رأيت ربي في أحسن صورة» "! وكذب- والله- عليهم، كيف وعلى رأس الحفاظ الإمام البخاري الذي صححه كما تقدم؟! وتبعه تلميذه الإمام الترمذي وغيره؛ فقال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٤/ ٣٢٥): "معناه عند أهل العلم: في منامه، وهو حديث حسن، رواه الثقات ".
فهذا (السخاف) يعلم يقيناً أن الذي قال الحفاظ بوضعه؛ إنما هو الحديث الموضوع حقّاً المشار إليه آنفاً:"أنه رأى ربه على الأرض ... " إلخ، وليس هو حديث الاختصام الذي هو رؤيا منامية كما جاء مُصرَّحاً في بعض الطرق، وقال به العلماء كما تقدم.
ووالله! إني لأخشى أن يكون وراء هذا الرجل جماعة من المفسدين في الأرض، اتخذوه مَطِيَّةً لإفساد الدين، ويسروا له أسباب التأليف والنشر؛ لاستمراره في الطعن في السلف والعلماء وتعمده مخالفتهم، ورميه إياهم بالتجسيم! ومن آخر ما ظهر منه تصريحه بأن الاعتقاد بأن الله في السماء هي عقيدة المشركين والمشبهة. وكذلك جماهير العلماء الذين صححوا حديث الجارية: "أين الله؟ "، فضعفه، بل قطع بأن النبي ﵌ لم يقله، وسبق الرد عليه بحمد الله تحت حديثها برقم (٣١٦٢).
"الصحيحة" (٧/ ١/٥٠٢ - ٥٠٦).
стр. 3195
[١١٠٩] باب هل رؤية النبي ﵌
لربه تعالى في أحسن صورة رؤية يقظة أم منام ؟
سؤال: يقول: في حديث النبي ﵌: «أتاني ربي في أحسن صورة» الحديث؟
الشيخ: هذه رؤية منامية، والحديث صحيح.
"رحلة النور" (٤٠ب/٠٠:٢٥:١٥)
[١١١٠] باب المراد بالرؤية في قوله ﵌: «رأيت ربي في أحس صورة»
قال رسول الله ﵌ «رأيت ربي في أحس صورة ... » ..
(إسناده جيد).
[قال الإمام]:
هذه رؤيا منامية كما في بعض الروايات الأخرى على ما هو مشروح في كتابي " تخريج السنة " لابن أبي عاصم (٣٨٨، ٤٣٣، ٤٦٩) فليراجع.
"مختصر العلو" (ص١١٨ - ١١٩).
[١١١١] باب هل في حديث «رأيت ربي في أحسن صورة»
دليل لمن يقول: إني أرى الله في المنام ؟
سؤال: [حديث]: «رأيت ربي البارحة في أحسن صورة»، الحديث، هل في هذا الحديث دليل لمن يقول: «إني أرى الله في المنام»؟
الشيخ: دليل؟! مفهوم مقصود السائل، لكن خطأ السؤال، مثل الذي يقول:
стр. 3196
قوله ﵇: «من رآني في المنام فقد رآني حقاً»، هل فيه دليل لمن يقول؛ إنه رأى الرسول في المنام؟
هذا السؤال خطأ، واضح وََّلا لا، وََّلا نشرحه؟
السائل: أعد مرةً أخرى؟
الشيخ: أقول هذا سؤال خطأ؛ لأنه يشبه من يقول مثلاً قوله ﵇: «من رآني في المنام فقد رآني حقاً» فيه دليل أنه إذا قال قائلٌ: رأيت الرسول في المنام، فيه دليلٌ لقوله هذا؟ فأقول السؤال خطأ، فيه دليلٌ أنه يمكن للمسلم أن يرى الرسول في المنام، أما فلان رأى الرسول في المنام فيه دليل .. هذا الحديث، أو هذا الحديث يقول القائل: رأى ربه في المنام، فيه دليل على ما يقول؟ ما في دليل لا هذا ولا هذا.
لكن .. أنا أقول الآن المقصود من السؤال غير ظاهر السؤال: المقصود من السؤال يعني هل يدل الحديث على أنه يمكن لأيّ إنسان أن يرى ربه في المنام؟ كما هو توجيه سؤالي الذي طرحته آنفاً، هل في الحديث السابق: «من رآني في المنام فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل بي» أنه يجوز لمسلمٍ أن يرى نبيه في المنام؟ نقول: نعم، .. الحديث الثاني فيه دلالة على الجواز وإمكان رؤية المسلم لنبيه ﵊ في المنام.
أما حديث السائل الأول .. : «رأيت ربي في أحسن صورة» هذا حديث عن شخص الرسول ﵇، وليس فيه مبدأً عاماً، كحديث رؤية الرسول ﵇ في المنام، هذا ليس فيه إلا أن هذه وقعت للرسول ﵇، بالنسبة لغيره ما نُنْكِرُ ولا نُقِرُّ، يُمْكِن، وقد قيل عن الإمام أحمد ﵀ بأنه رأى ربه في
стр. 3197
المنام غير مرَّةٍ، والله أعلم بصحة ذلك عنه، لكن إن ادَّعَى مُدَّعٍ أنه رأى الله، وهذه دعوى عريضة جدًّا، وصعب التصديق بها، لكن ما عندنا حجة قاطعة لتكذيبه، لاسيما إذا كان معروفاً بالصدق والصلاح، هذا جوابي عن هذا السؤال.
السائل: ألاَ يتمثل مثلاً في الرب؟
الشيخ: من باب أولى بارك الله فيك، لكن الرب ليس له صورة معروفة عندنا، بخلاف الرسول ﵇، نعرف صورته من شمائله، ولذلك كان محمد بن سيرين مع أنه ما رأى الرسول، كان إذا جاءه الرجل يقول: رأيت النبي ﵌ يقول: صف هذا الذي رأيته؟ لماذا؟ لأن صورة الرسول في ذهنه هو، أما رب العالمين: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، لذلك لا يمكن أن يُقال في هذا شيء أبداً.
" الهدى والنور" (١٢/ ١٢: ٥.: ٠٠)
[١١١٢] باب بدعية اعتقاد أن الله تعالى ينزل عشية عرفة على جمل أورق ..
[ذكر الإمام من بدع الحج]:
«اعتقاد أن الله تعالى ينزل عشية عرفة على جمل أورق، يصافح الركبان، ويعانق المشاة».
حجة النبي ﵌ " (ص١٢٥).
стр. 3198
[١١١٣] باب بيان وضع حديث الجمل الأورق الذي فيه «رأيت ربي بمنى»
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«رأيتُ رَبِّي بِمِنى عند النَّفرِ على جَمَلٍ أَوْرَقَ عليه جُبَّةَ صوفٍ أمامَ الناسِ». (موضوع).
[قال الإمام]:
أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٩/ ١٣٥) من طريق أبي علي الأهوازي: نا أحمد بن علي بن الحسن بن أبي السنديان بـ (بأطرابلس): نا أبو محمد عبد الله بن الحسن بن غالب بن الهيثم القاضي بـ (عرفة): نا عبد الله بن محمد البغوي: نا هدبة بن خالد: نا حماد بن سلمة عن وكيع عن أبي رزين لقيط بن عامر ... مرفوعاً. وقال: "كتبه أبو بكر الخطيب الحافظ عن الأهوازي متعجباً من نكارته، وهو حديث موضوع لا أصل له، وقد وقعت لنا نسخة البغوي عن هدبة بعلو وليس هذا الحديث فيها. وأبو محمد هذا وابن أبي السنديان غير معروفي العدالة، والأهوازي: متهم ".
قلت لا أدري أين رواه الخطيب، وليس هو في "تاريخ بغداد" وقد قال الذهبي في ترجمة الاهوازي من "الميزان":
"وقد روى أبو بكر الخطيب بقلة ورع عن الأهوازي ... ".
قلت: فساقه بتمامه، وذكر عن ابن عساكر ما تقدم من اتهامه به الأهوازي، وقد رواه الذهبي في ترجمته من "السير" (١٨/ ١٦) بسنده عنه ... به، وقال عقبه:
стр. 3199
"وقال ابن عساكر في " تبيين كذب المفتري ": لا يستبعدن جاهل كذب الأهوازي فيما أورده من تلك لحكايات، فقد كان من أكذب الناس فيما يدعي من الروايات في القراءات".
قلت لكن فوقه وكيع - وهو: ابن عُدس، ويقال: حدس ... وهو الصواب، كما حققته في "الظلال" (١/ ٢٠١)، وهو - مجهول لم يرو عنه غير يعلى بن عطاء، وقد سقط هذا من بين حماد بن سلمة ووكيع من "التاريخ" و"السير" أيضاً، فلعله من قبل الأهوازي. والله أعلم.
وأما حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ مرفوعاً بلفظ: "رأيت ربي جعداً أمرد عليه حلة خضراء".
فهو خبر منكر - كما قال الذهبي في "السير" (١٠/ ١١٣) -، ولعل العلة تكمن في عنعنة قتادة، هذا إن لم يكن الحديث مختصراً من حديث الرؤيا الصحيح،- كما كنت ذهبت إليه في "الظلال" (١/ ١٨٨ - ١٨٩)، وهو مخرج هناك برقم (٣٨٨) -، وقد صححه البخاري والترمذي من حديث معاذ، وقد أخرجه أحمد (١/ ٣٦٨) من طريق أبي قلابة عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ بلفظ: "أتاني ربي الليلة في أحسن صورة - أحسبه يعني: في النوم -، فقال: ... " بذكر الحديث في اختصام الملأ الأعلى. ورجاله ثقات رجال الشيخين، لكن أبو قلابة فيه تدليس، لكن وصله الترمذي (٣٢٣٢) بذكر خالد بن اللجلاج بينه وبين ابن عباس، وحسَّن إسناده الترمذي بقوله: "حسن غريب من هذا الوجه".
وله شواهد كثيرة منها عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله تجلى لي في أحسن صورة، فسألني فيما يختصم الملأ الأعلى ... » الحديث.
стр. 3200
أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٢٠٣/٤٦٥) بسند حسن - كما كنت بينته في "الظلال" -، وقد استوعب الكلام على بقية الشواهد الأخ الفاضل جاسم الفهيد الدوسري في تعليقه على رسالة الحافظ ابن رجب: "اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى" (٣٤ - ٣٦)، فقد جمع فيه طرقه عن اثني عشر صحابياً، مع بيان ما لها وما عليها حسب القواعد العلمية الحديثية، وليس كما فعل ابن الجوزي في "العلل المتناهية"، فإنه ساق فيه (١/ ١٤ - ٢٣) بعض هذه الطرق دون تمييز بين صحيحها وضعيفها، بل أوهم القراء بضعف جميعها بنقلها عن البيهقي أنه قال: "قد روي من أوجه كلها ضعاف "! وتمام كلام البيهقي في "الأسماء" (ص ٣٠٠): "وأحسن طريق فيه رواية جهضم بن عبد الله، ثم رواية موسى بن خلف".قلت: ورواية جهضم هي التي صححها البخاري والترمذي، وسنده صحيح متصل، ومن اضطرب في إسناده، فلا يؤثر في صحته لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وزيادة الثقة مقبولة.
هذا ولأبي علي الأهوازي إسناد آخر من حديث أسماء بلفظ آخر مثل هذا في النكارة أو أشد، أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ١٢٤ - ١٢٥)، وقال فيه: هذا حديث لا يشك أحد في أنه موضوع محال، ولا يُحتاج لاستحالته النظر في رجاله، إذ لو رواه الثقات، كان مردوداً، والرسول منزه أن يحكي عن الله
ما يستحيل عليه، وأكثر رجاله مجاهيل، وفيهم ضعفاء. وقال ابن منده:
حديث الجمل باطل موضوع على رسول الله ﵌ ".
قلت: ولذلك كنت أود لابن الجوزي أن يورد في "موضوعاته" ما يشبه هذا في الوضع، وأن لا يورد في "علله" أحاديث اختصام الملأ الأعلى ويضعِّفها،
стр. 3201
وبعضها صحيح - كما تقدم عن البخاري والترمذي -، وأقره ابن كثير (٤/ ٤٣)، وصححه أبو زرعة أيضاً والضياء المقدسي في "المختارة".
وقد استغل بعض المبتدعة الضالين إيراد ابن الجوزي - عفا الله عنه- أحاديث الاختصام في كتابه "شُبَه التشبيه"، فانصاع المشار إليه لما أوهمه من تضعيفه إياه، فقال بعد [أن] عزاه لجمع من الحفاظ - منهم الترمذي مُصحِّحاً كما تقدم -، فعقب على التخريج بقوله (ص ١٤٨): "وذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١٠/ ١١٣ - ١١٤) وقال: وهو بتمامه في تأليف البيهقي، وهو خبر منكر، نسأل الله السلامة في الدين ... ".
وهذا تضليل عجيب للقراء، وافتراء خطير على الحافظ الذهبي ﵀.
فإنما عنى بقوله: "رأيت ربي جعداً أمرد ... " الحديث، وقد نقلت هناك (ص٧٢٥) استنكاره إياه، ومن خباثة هذا المضلل أنه حذف تمام كلام الذهبي وهو قوله: "فلا هو على شرط البخاري ولا مسلم، ورواته وإن كانوا غير متهمين، فما هم بمعصومين من الخطأ والنسيان".
ويؤيد ما ذكرت أنه ذكر نحو هذا في ترجمة حماد من "الميزان"، فقال عقب حديثه هذا: "فهذا من أنكر ما أتى به حماد بن سلمة، وهذه الرؤية رؤية منام إن صحت".
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية - في رده على الرافضي الذي اتهم أهل السنة بأن الله ينزل كل ليلة جمعة بشكل أمرد راكباً على حمار، قال الشيخ - في منهاج السنة" (١/ ٢٦١):
стр. 3202
"هذا الحديث الذي ذكره لم يروه أحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا يروي أحد من أهل الحديث أن الله تعالى ينزل ليلة الجمعة، ولا أنه ينزل ليلة الجمعة إلى الأرض، ولا أنه ينزل في شكل أمرد، بل لا يوجد في الآثار شيء من هذا الهذيان، بل ولا في شيء من الأحاديث الصحيحة أن النبي ﵌ قال: إن الله ينزل إلى الأرض، وكل حديث رُوي فيه هذا فإنه موضوع كذب مثل حديث الجمل الأورق، وأن الله ينزل عشية عرفة فيعانق الركبان، ويصافح المشاة، وحديث آخر أنه رأى ربه في الطواف، وحديث آخر أنه رأى ربه في بطحاء مكة. وأمثال ذلك، فإن هذه كلها أحاديث مكذوبة باتفاق أهل المعرفة بالحديث".
"الضعيفة" (١٣/ ٢/٧٢٤ - ٧٢٨).
стр. 3203
(جماع أبواب الكلام على إمكانية
رؤية الله تعالى في المنام لغير النبي ﵌ من عدمها)
стр. 3204
[١١١٤] باب هل رؤية الله تعالى في المنام خاصة بالنبي ﵌ -؟
السائل: رؤية الله في المنام، هل هي من خصوصياته ﵌ أم لا، ويذكر في كتب التراجم رأيت ربي ورأى فلان ربه؟
الشيخ: ليس هناك ما يدل على الخصوصية.
السائل: وما معنى قوله ﵌: «رأيت ربي في أحسن صورة»؟ ..
الشيخ: طبعًا في المنام ..
"الهدى والنور" (٤١١/ ٠٠:٣٣:٠٠).
[١١١٥] باب هل ثبتت رؤية الله في المنام ؟
مداخلة: هل ثبت رؤية الله في المنام؟
الشيخ: ثبت أن النبي ﵌ رآه.
مداخلة: ثبت.
الشيخ: نعم.
مداخلة: يعني: لو واحد قال: رأيت الله.
الشيخ: أقول ثبت أن النبي ﵌ رآه.
مداخلة: نعم.
الشيخ: أما بالنسبة لغيره ﵇، فليس عندنا ما يثبت أو ما ينفي، فالله أعلم.
"الهدى والنور" (٣٣٧/ ١٦: ٤٠: ٠٠)
стр. 3205
[١١١٦] باب هل رأى الإمام أحمد ربه ؟
السائل: أذكر قرأت في كتاب مختصر منهاج القاصدين إنه أحمد بن حنبل أنه رأى الله، قال: أنني رأيت الله، فسأله أحمد سأل الله عن أي شيء أحب إليه بأن يتقرب الناس به إليه قال له بكلامه قال: بفهم أم بغير فهم، قال: بفهم أو بغير فهم، ربما مرت عليك هذه الرواية، فالحقيقة ما استطعنا أن نفهم كيف قال أحمد: رأيت الله، يعني: لو تُوضِّح لنا قول أحمد هذا إن صح عن أحمد.
الشيخ: صححت سؤالك أخيراً، أخي أنت تعلم أن الأحاديث التي تُروى عن النبي ﵌ فيها ما صح وما لم يصح، وأن طريقة تمييز الصحيح من الضعيف من هذه الأحاديث مرجعها إلى علم اسمه علم الحديث، أما طريقة معرفة أقوال العلماء سواء كانوا صحابة أو تابعين أو أئمة مجتهدين ليس لها طريق إلا طريق علم الحديث نفسه، لكن هناك فرق كبير، الحديث إذا جاء في كتاب: قال رسول الله لا قيمة له.
(انقطاع رد فيه الشيخ على الهاتف)
الشيخ: فكنت بقول إنه الأحاديث في عندنا شيء أظن سمعت به يسمى السند، فدراسة السند وهو عبارة عن سلسلة رجال بيوصلنا، أو هذه الدراسة بتوصلنا لمعرفة كون هذا الحديث صحيح ولا ما صح، أقوال العلماء ما في لها أسانيد في الغالب، ولذلك أي قول يأتينا من عالم يعرض عن الكتاب والسنة، فما وافقه أُخذ به، وما لم يوافقه ضُرب بعرض الحائط، وما لم يكن لا هكذا ولا هكذا فأنت على الخيار لا تتدين به ولا تتعصب عليه، وهذا القول لعله أقرب إلى الاحتمال الثاني أن يكون مخالفاً للشرع، أنه أن يرى الله؛ لأنه لم ينقل إلا عن الرسول ﵇ بأنه رأى الله في منامه، أما عن غير الرسول عليه
стр. 3206
السلام فلم ينقل ذلك، لنقول: أنه أمر معهود عند بعض الناس الصالحين، فإنه لم ينقل أولاً مثله عن السلف، ثانياً فيها عبارة قد تشجع الناس إلى الإعراض عن مثل قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد:٢٤).
"الهدى والنور" (٣٢٧/ ٠٣: ١٩: ٠٠)
[١١١٧] باب هل تمكن رؤية الله تعالى في المنام ؟
سؤال: هل يمكن لأحد أن يرى ربه في المنام كما حصل ذلك لرسول الله ﵌، وهل يُسْتَأْنَسُ بما أودعه ابن القيم في مدارج السالكين في هذا الباب؟
الشيخ: قضية الإمكان أخي ما دام الرؤيا هي ليست حقيقية إنما هي مثالية، فمن رأى الله في منامه ما رآه كما سيراه المؤمنون يوم القيامة وإن شاء الله نحن منهم، من رآه في المنام فلن يرى ذات الله على حقيقتها، ولذلك فالعقل واسع جداً، ممكن إنسان أن يرى الله لا سيما وقد نُقِلَ هذا عن الإمام أحمد وغيره، لكن هل رآه حقيقةً، نحن نستطيع أن نقول: إن النبي ﵌ حينما رأى ربه في المنام في القصة المعروفة عنه ما رآه على حقيقته، وهو يقول: «إن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت»، ولذلك فالمسألة فيها سعة، ولا يترتب من ورائها شيء.
"الهدى والنور" (٥٦/ ٤٥: ٢٤: ٠٠)
[١١١٨] باب منه
سؤال: [ذُكر في كتابٍ] أن رؤية الله في المنام جائز، هل هذا صحيح أوْ لا؟
الشيخ: الله أعلم، لكن إذا قيل برؤية الله فليس المقصود رؤيته تعالى كما سيراه المؤمنون يوم القيامة وكما قال الفقيه المؤمن:
стр. 3207
يراه المؤمنون بغير كيفٍ وتشبيهٍ وضربٍ بالمثال
رؤيته في الدنيا مناماً عبارة عن رؤيا صورة خيالية لا حقيقية؛ لأن النبي ﵌ قد صحَّ عنه أنه قال في صحيح مسلم، وقد ذكر الدجال الأكبر المعروف لديكم شيء من صفاته، منها قوله ﵇ فيه: «إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، وإن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت». يعني قدم النبي ﵌ للمسلمين المؤمنين حتى لا يغتروا بدعوى هذا الدجال الأكبر، أنه يقول هو الرب، «ربكم ليس بأعور»: هذه أول صفة، تستطيعون أن تقولون هذا هو الدجال الأكبر، ربكم له كل صفات الكمال، وهذا له هذه الصفة الناقصة المتجلية، إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور.
ثم صفة أخرى: «إن أحدكم لن يرى ربه» [حصل هنا انقطاع صوتي] (١) وهذا يدَّعي أنه ربكم.
إذاً: ليس هو بربكم.
إذاً: إذا كان .. قد أخبر الرسول أنه لن يرى أحدنا ربه إلا في يوم القيامة، وسنكون من هؤلاء المؤمنين إن شاء الله، فإذا رآه في المنام، فلا يرى حقيقةَ ربِّ العالمين، وإنما يرى صورةً خياليةً مثاليةً، ليست حقيقة، إن رأى أحدٌ ربه في المنام، وكان مخلصاً صادقاً، كما ينقل عن إمام السنة الإمام أحمد والله أعلم بصحة الرواية عنه.
" الهدى والنور" (٩٣/ ٣٣: ٥٤: ٠٠)
стр. 3208
[١١١٩] باب منه
سؤال: هل يمكن للإنسان أن يرى ربه أو يسمع صوته في المنام؟
الشيخ: أما أن يُرى في المنام فالأمر واسع؛ لأن القضية أشبه ما يكون بالخيال؛ لأن الله كما قال ﵇ في الحديث في رواية من روايات حديث الدجال لما وصفه ﵊ قال: «إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور» قال في رواية في صحيح مسلم: «وإن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت».
أما الرؤية المنامية فهي رؤية خيالية، وتنسب رواية إلى الإمام أحمد بأنه رأى ربه كذا مرة والله أعلم بصحتها، أما أن يسمع الصوت فهذا يستحيل إلا أن يكون رآه في الخيال أيضاً.
مداخلة: حديث: «أتاني ربي بأحسن صورة».
الشيخ: حديث صحيح هذا، لكن هذا في المنام.
مداخلة: نعم، في المنام فهو إذاً يُثْبِتُ الرؤية في المنام.
الشيخ: لكن هو سؤالك كان عامًّا لم يقل بخصوص الرسول ﵇.
مداخلة: يعني هو خاص بالرسول؟
الشيخ: طبعًا.
مداخلة: ابن تيمية يقول بجواز هذا أن يرى الإنسان ربه في المنام، استدل بهذا الحديث وأن الإمام أحمد رأى ربه في المنام.
الشيخ: أنا أجبت نحو هذا، لكن أنا أختلف عما تنقله عن ابن تيمية، نقول:
стр. 3209
الاستدلال بالحديث لا يصح؛ لأن هذا ليس فيه عموم وإنما هو خصوصية للرسول ﵇، لكن من حيث الإمكان الخيالي الذي لا حدود له، هذا أمر ممكن ...
"الهدى والنور" (٨٧/:٠٠:٢٥:٣٩)
[١١٢٠] باب منه
سؤال:
هل يمكن رؤية الله في المنام؟
الجواب:
يُقالُ هذا والله أعلم، قالوا هذا والله أعلم.
"الهدى والنور" (٢/ ٥٣: ٣٣: ٠٠)
стр. 3210
جماع أبواب الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾
وهل المقصود أنه ﵌ دنا من الرب ﵎ ؟
стр. 3211
[١١٢١] باب من الذي دنا وصار بينه وبين نبينا ﵌ قدر قوسين ليلة الإسراء
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«أتاني جِبريلُ، فَحَمَلَنِي على جَنَاحِهِ الأيمنِ، فكنتُ مِنْ ربي كقاب قوسينِ أو أدنى وذكر الحديث»
(باطل).
[قال الإمام]:
[وهو .. ] مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على أن الذي دنا وصار بينه وبين محمد ﵌ قدر قوسين إنما هو جبريل ﵇. انظر تفسير ابن كثير لهذه الآية.
"الضعيفة" (١٢/ ١/٤٢٢ - ٤٢٣).
[١١٢٢] باب منه
[قال الذهبي في "العلو"]:
ومن عقد أئمة السلف أن نبينا ﵌ عرج به إلى السموات العلى عند سدرة المنتهى، فكان منه قاب قوسين أو أدنى.
[قال الإمام]:
قلت: يشير إلى ما رواه سليمان بن بلال عن شريك بن عبد الله ابن أبي نمر قال: سمعت أنس بن ملك يحدث عن ليلة أسري برسول الله ^ .. قلت فذكر
стр. 3212
حديث الإسراء الطويل وفيه:
" ودنا الجبار ﵎ فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه ما شاء .. "
لكن هذه الجملة من جملة ما أُنكر على شريك هذا مما تفرد به عن جماهير الثقات الذين رووا حديث المعراج، ولم ينسبوا الدنو والتدلي لله ﵎، بل روت عائشة وابن مسعود ﵄ ما يدل على أن قوله تعالى ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ إنما المراد به جبريل ﵊، روى مسلم (١/ ١١١) عن مسروق قال: قلت لعائشة: فأين قوله: ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾؟ قالت: إنما ذاك جبريل ﷺ وانظر "الأسماء والصفات" للبيهقي (ص ٤٣٨ - ٤٤١).
وقد كان المصنف رحمه الله تعالى أورد في الأصل (ص ٥٠) الجملة المذكورة من حديث شريك ثم أورده بطوله " ق ٢١/ ١ - ٢ - مخطوطة"، فحذفته لما أشرتَ إليه من النكارة، وقال المصنف في الموضع الثاني: "هذا حديث غريب" استنكره بعض العلماء ولكنه قفز القنطرة وتقرَّر في "الصحيح" قلت: هذا مسلم فيما لم تظهر فيه علة قادحة، وليس كذلك هنا، فتأمل.
"مختصر العلو" (١١٧ - ١١٨)
[١١٢٣] باب منه
[عن ابن عباس] قال: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ قال: دنا [منه] ربه .
[قال الإمام]:
إسناده حسن كما قال [أي الذهبي في "العلو"]، فإنه ساقه في الأصل
стр. 3213
(ص٨٢) عن يحيى بن سعيد الأموي حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس. هكذا وقع في الأصول كلها، وفيها المخطوطة (ق١٩/ ٢)، وقد سقط من الإسناد الواسطة بين يحيى ومحمد بن عمرو، وهو سعيد بن أبان الأموي والد يحيى، فإنه أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٢٧/ ٢٦) حدثنا يحيى ابن سعيد الأموي قال: ثنا أبي قال: ثنا محمد بن عمرو ...
وهذا إسناد رجاله ثقات غير محمد بن عمرو وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي وهو مختلف فيه، والذي استقر عليه الرأي عند أهل العلم أنه حَسَنُ الحديث، وإليه أشار الحافظ بقوله في "التقريب":
"صدوق، له أوهام".
لكن قد اختُلِفَ عليه في إسناده فرواه الأموي عنه هكذا عن ابن عباس موقوفاً. ورواه الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو وقال: ثنا كثير بن جيش عن أنس بن مالك مرفوعاً: " بينما أنا مضطجع في المسجد ... " فذكر حديث الإسراء والمعراج، وفيه:
«فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى» ... » الحديث أخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ١٣٩ـ ١٤٠) باللفظ الأول, وابن جرير (٢٧/ ٢٧، ٢٨) من طريق النصر ابن شميل قال: أخبرنا محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص
الليثي به.
وكثير بن حبيش - وقيل: خنيس - فيه ضعف، فإن كان محمد بن عمرو قد حفظه عنه فهو منكر لمخالفته للثابت عن رسول الله ﵌ أن الذي دنا إنما هو جبريل ﵇ كما روى ابن جرير (٢٧/ ٢٧) عن مسروق قال:
стр. 3214
"قلت لعائشة: ما قوله: ﴿ثم دنا فتدلى ... ﴾ الآية؟ فقالت: "إنما ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجال، وأنه أتاه في هذه المرة في صورته، فسد أفق السماء" وسنده صحيح، وهو عند مسلم بنحوه وقد مضى قريباً. وهو معارِض لحديث ابن عباس هذا الموقوف إن ثبت عنه.
"مختصر العلو" (ص١٢٠ - ١٢١).
[١١٢٤] باب منه
السائل: سائل يقول في الله : ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (النجم:٨، ٩) ماذا تقول في الحديث الذي يقول: ﴿فدنا الجبار ﵎﴾ الذي يعزى للبخاري كما في تفسير ابن كثير؟
الشيخ: أقول ما قال فيه علماء الحديث: هذه الرواية هي من شواذ أحد رواة البخاري والذي هو شريك بن عبد الله وليس هو بالقاضي المعروف، فهذا جاء بهذه الزيادة في قصة الإسراء والمعراج وذكر علماء الحديث بأنه شذ، [المراد من قوله تعالى]: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (النجم:٩) هو جبريل ﵊ وليس هو رب العالمين ﵎.
إذاً: هذه الرواية شاذة مع وجودها في صحيح البخاري. نعم.
"الهدى والنور" (٢٢٨/ ١٩: ٢٩: ٠٠)
стр. 3215
جماع أبواب الكلام على حديث: «خلق الله آدم على صورته» المعروف بحديث الصورة
стр. 3216
[١١٢٥] باب معنى قوله ﵌: «خلق الله آدم على صورته»
عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: «خلق الله آدم ﵌[على صورته]، وطوله ستون ذراعاً، ثم قال: اذهب، فسَلَّم على أولئك- نفرٌ من الملائكة جلوس- فاستمع ما يحيونك به فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: عليك السلام ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورته، فلم يزل ينقص من الخلق حتى الآن».
(صحيح).
[علق الإمام على قوله: "على صورته" قائلاً]:
زيادة من " صحيح المؤلف" [أي: البخاري] (الاستئذان، رقم: ٦٢٢٧)، وهي عند مسلم أيضاً (٨/ ١٤٩)، وكلاهما أخرجه من طريق عبد الرزاق،
وهذا في "المصنف" (١٠/ ٣٨٤) وعنه ابن حبان أيضاً (٦١٢٩)، وكذلك المصنِّف هنا.
وفي هذا الحديث دلالة صريحة على بطلان حديث: «خلق الله آدم على صورة الرحمن» مع أن إسناده معلول بأربع علل كنت ذكرتها مفصلاً في "الضعيفة" (١١٧٥ و١١٧٦)، ونحو ذلك في "تخريج السنة" لابن أبي عاصم (٥١٧ و٥٤١).
وبهذا الحديث الصحيح يُفسَّر حديث أبي هريرة الآخر الذي صح عنه من طرق بلفظ " خلق الله آدم على صورته" وقد مضى برقم (١٢٩/ ١٧٣) مع التعليق عليه بما يناسب هذا الحديث الصحيح.
стр. 3217
وبهذه المناسبة أقول: لقد أساء الشيخ التويجري- رحمه الله تعالى- إلى العقيدة والسنة الصحيحة معاً بتأليفه الذي أسماه: " عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن"، فإن العقيدة لا تثبت إلا بالحديث الصحيح، والحديث الذي أقام عليه كتابه مع أنه لا يصح من حيث إسناده، فهو مخالف لأربعة طرق صحيحة عن أبي هريرة، هذا الحديث المتفق على صحته أحدها، والأخرى مع أن الشيخ خرجها وصححها فهو لم يستفد من ذلك شيئاً؛ لأن هذا العلم ليس من شأنه، وإلا كيف يصح لعالم أن يقبل طريقاً خامساً عن أبي هريرة بلفظ:
" على صورة الرحمن "!
مخالفاً لتلك الطرق الأربعة، والتي ثلاثتها بلفظ: " على صورته"، والأولى منها فيها التصريح بأن مرجع الضمير إلى آدم ﵇ كما ترى، يضاف إلى هذه المخالفة التي تجعل حديثها شاذاً عند من يعرف الحديث الشاذ لو كان إسناده صحيحاً، فكيف وفيها ابن لهيعة، والشيخ يعلم ضعفه ومع ذلك يحاول (ص:٢٧) توثيقه، ولو بتغيير كلام الحفاظ وبتره، فهو يقول " قال الحافظ ابن حجر في "التقريب": صدوق"! وتمام كلام الحافظ يرد عليه؛ فإنه قال فيه:
"خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما"! وهذا الحديث ليس من رواية أحدهما! فماذا يقال فيمن ينقل بعض الكلام، ويكتم بعضه؟! وله مثل هذا كثير، لا يتسع هذا التعليق لبيان ذلك.
وأما حديث ابن عمر باللفظ المنكر، فقد تكلف الشيخ جداً في الإجابة عن العلل الثلاث التي كنت نقلتها عن ابن خزيمة، كما تجاهل رجاحة رواية سفيان المرسلة على رواية جرير المسندة عن ابن عمر! ولربما تجاهل علة رابعة كنت ذكرتها في "الضعيفة" (٣/ ٣١٧) وهي أن جريراً ساء حفظه في آخر عمره، وهذا
стр. 3218
هو سبب اضطرابه في هذا الحديث، فمرة رواه بهذا الفظ المنكر، فتشبث الشيخ به، ومرة رواه باللفظ الصحيح: " على صورته" فتجاهله الشيخ! مع أنه مطلع عليه في "السنة" برقم (٥١٨) ومن تعليقي عليه ينقل ما يحلو له نقله من كلامي ليرد عليه بزعمه، ومنه أنني قلت في حديث أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ: " على صورة وجهه"؛ فإني صححت إسناده تحت رقم (٥١٦) وأتبعته بقولي:
" لكني في شك من ثبوت قوله: " ... وجهه" فإن المحفوظ في الطرق الصحيحة: "على صورته" فألزمني الشيخ - في كلام طويل له ممجوج- بالقول بصحة الحديث، وقال (ص ٢٨):
" وإذا كان الإسناد صحيحاً، فلا وجه للشك في متنه"!
ومن الواضح لكل ذي بصيرة أن هذا الكلام غير وارد علي، لأنني لم أشك في متن الحديث فرددته مع صحة إسناده، حاشا لله فنحن بفضل الله وتوفيقه من أشد الناس معاداة لمن يفعل ذلك، وإنما شككت في هذه الزيادة: "وجهه" للمخالفة المشار إليها، وفي ظني أن الشيخ لا يعرف أنه لا يلزم من صحة السند صحة المتن، وأن من شروط الصحيح أن لا يشذ ولا يعل، وإلا لما ألزمني ذاك الإلزام، ولرد علي- لو أمكنه- دعواي الشذوذ المشار إليه في قولي: " والمحفوظ ... " ولكن هيهات هيهات! وختاماً فإني أريد أن أنبه القراء الكرام إلى أن ما نسبه الشيخ إلى ابن تيمية والذهبي وابن حبان أنهم صححوا الحديث، فهو غير صحيح، وإنما صححوه باللفظ المتفق عليه، فأما اللفظ المنكر فلا، وراجع "الضعيفة" لتتأكد من صحة ما أقول.
"صحيح الادب المفرد" (ص٢٧٠ - ٢٧١).
стр. 3219
[١١٢٦] باب منه
[قال البخاري]:
عن أبي هريرة قال: " لا تقولن: قبَّح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك؛ فإن الله خلق آدم ﵌ على صورته".
[قال الإمام]: حسن.
[ثم علق قائلاً]:
أي: على صورة آدم ﵇، وقد جاء ذلك صراحة في حديث آخر لأبي هريرة بلفظ: «خلق الله آدم على صورته، وطوله ستون ذراعاً» متفق عليه .. فإذا شتم المسلم أخاه وقال له: " قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك" شمل الشتم آدم أيضاً؛ فإن وجه المشتوم يشبه وجه آدم، والله خلق آدم على هذه الصورة التي نشاهدها في ذريته، إلا أن الفرق أن آدم خلقه الله بيده، ولم يمر بالأدوار والأطوار التي يمر بها بنوه، وإنما خلقه من تراب. قال تعالى في أول سورة المؤمنون: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾.
"صحيح الأدب المفرد" (ص٦٤).
[١١٢٧] باب منه
[قال رسول الله ﵌]:
«خلق الله آدم على صورته: طوله ستون ذراعا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك: فإنها تحيتك وتحية
стр. 3220
ذريتك فقال: السلام عليكم: فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: "ورحمة الله" فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن».
[قال الإمام]:
فائدة:
قال الحافظ في الفتح:
"وهذه الرواية تؤيد قول من قال: إن الضمير لآدم، والمعنى: أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها، لم ينتقل في النشأة أحوالاً، ولا تردد في الأرحام أطوارًا كذريته، بل خلقه الله رجلاً كاملاً سوياًّ من أول ما نفخ فيه الروح، ثم عقب ذلك بقوله:"طوله ستون ذراعًا" فعاد الضمير أيضًا لآدم".
قلت: وقد فصل القول في ذلك ابن حبان عقب الحديث، فراجعه؛ فإنه مفيد. وأما حديث: "خلق الله آدم على صورة الرحمن" فهو منكر، كما بينته بالتفصيل في "الضعيفة" (١١٧٥و ١١٧٦)
ولم يوفق في تصحيحه مؤلف كتاب "عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن" وقد كتبت عليه كثيراً من التعليقات وأخذت عليه بعض المؤاخذات؛ راجيا من الله التمام.
"الصحيحة" (١/ ٢/٨١٠ - ٨١١).
[١١٢٨] باب منه
مداخلة: بالنسبة لحديث: «أن الله خلق آدم على صورة الرحمن» فالتوجيه لهذا الحديث من ناحية الضعف والصحة .. ؟
стр. 3221
الشيخ: لقد تكلمنا عن هذا الحديث أولًا كتابًة في بعض الأجزاء من السلسلة وبينا أنه ليس له إسناد يصح ويمكن الاحتجاج به ..
أعود لأقول: بأن حديث: «خلق الله آدم على صورة الرحمن» لا يوجد له إسناد بلفظ: على صورة الرحمن تقوم به الحجة، قد بينت ذلك كتابةً ومحاضرةً، والأمر أكثر من ذلك في اعتقادي؛ لأن الحديث هذا مع ضعف إسناده مخالف من حيث الرواية للحديث الصحيح المتفق عليه بين الشيخين، حيث روياه بالسند الصحيح بطبيعة الحال، بلفظ: «خلق الله آدم على صورته» فهذا الضمير أظهر في الرواية الأولى وليس لها إسناد صحيح، وحينذاك فالقواعد العلمية الحديثية تضطرنا إلى أن نرد هذه الزيادة التي تحدد لنا مرجع الضمير ..
فإذا عرفنا أن الحديث الصحيح روي بلفظ: «خلق الله آدم على صورته» وأن الرواية الأولى والتي أظهرت المضمر في الرواية الأخرى فقال: «خلق الله آدم على صورة الرحمن» فإذا ما عرفنا أن إسناد هذه الرواية لا يصح فحينئذ يضطرنا ما نعلمه من علم الحديث أن نقول: إنها زيادة .. لفظ: الرحمن زيادة على الرواية الصحيحة المحفوظة، والتي قالت: على صورته ...
(سلسلة الهدى والنور (٣٦٤) /٠٠:٥٦:٠٨)
[١١٢٩] باب ضعف حديث:
« ... ابن ادم خلق على صورة الرحمن»
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
- «لا تقبحوا الوجه؛ فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن ».
(ضعيف).
стр. 3222
[قال الإمام]:
أخرجه الآجري في " الشريعة " (ص ٣١٥) وابن خزيمة في " التوحيد " (ص ٢٧) والطبراني في " الكبير " (٣/ ٢٠٦/٢) والدارقطني في كتاب " الصفات " (٦٤/ ٤٨) والبيهقي في " الأسماء والصفات " (ص ٢٩١) من طرق عن جرير بن عبد الحميد عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر مرفوعاً.
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين ولكن له أربع علل، ذكر ابن خزيمة ثلاثة منها فقال:
إحداها: أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده فأرسله الثوري ولم يقل: "عن ابن عمر ".
والثانية: أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت.
والثالثة: أن حبيب بن أبي ثابت أيضاً مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء ثم قال: " فمعنى الخبر - إن صح من طريق النقل مسنداً - أن ابن آدم خلق على الصورة التي خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح ".
قلت: والعلة الرابعة: هي جرير بن عبد الحميد, فإنه وإن كان ثقة كما تقدم فقد ذكر الذهبي في ترجمته من " الميزان " أن البيهقي ذكر في " سننه " في ثلاثين حديثا لجرير بن عبد الحميد قال: " قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ ".
قلت: وإن مما يؤكد ذلك أنه رواه مرة عند ابن أبي عاصم (رقم ٥١٨) بلفظ: "على صورته". لم يذكر " الرحمن ". وهذا الصحيح المحفوظ عن النبي ﵌ من
стр. 3223
الطرق الصحيحة عن أبي هريرة، والمشار إليها آنفاً.
فإذا عرفت هذا فلا فائدة كبرى من قول الهيثمي في " المجمع " (٨/ ١٠٦): " رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح, غير إسحاق بن إسماعيل الطالقاني وهو ثقة، وفيه ضعف ".
وكذلك من قول الحافظ في " الفتح " (٥/ ١٣٩): " أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات ".
لأن كون رجال الإسناد ثقاتاً ليس هو كل ما يجب تحققه في السند حتى يكون صحيحاً، بل هو شرط من الشروط الأساسية في ذلك، بل إن تتبعي لكلمات الأئمة في الكلام على الأحاديث قد دلني على أن قول أحدهم في حديث ما: " رجال إسناده ثقات "، يدل على أن الإسناد غير صحيح، بل فيه علة ولذلك لم يصححه، وإنما صرح بأن رجاله ثقات فقط، فتأمل.
ثم إن كون إسناد الطبراني فيه الطالقاني لا يضر لوسَلِم الحديث من العلل السابقة، لأن الطالقاني متابع فيه كما أشرت إليه في أول هذا التخريج.
وقد يقال: إن الحديث يقوى بما رواه ابن لهيعة بسنده عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: «إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه, فإنما صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن».
قلت: قد كان يمكن ذلك لولا أن الحديث بهذا اللفظ منكر كما سبق بيانه آنفاً، فلا يصح حينئذ أن يكون شاهدا لهذا الحديث.
ومنه تعلم ما في قول الحافظ في " الفتح " بعد أن نقل قول القرطبي: " أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكاً بما ورد في بعض طرقه إن الله خلق آدم على
стр. 3224
صورة الرحمن، قال: وكأن من رواه [رواه] بالمعنى متمسكاً بما توهمه فغلط في ذلك، وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة، ثم قال: وعلى تقدير صحتها فيجمل على ما يليق بالباري "، فقال الحافظ: " قلت: الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في " السنة " والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات، وأخرجها ابن أبي عاصم أيضاً من طريق أبي يونس عن أبي هريرة بلفظ يرد التأويل الأول، قال: «من قاتل فليتجنب الوجه فلأن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن».فتعين إجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه، أومن تأويله على ما يليق بالرحمن
ﷻ ".
قلت: والتأويل طريقة الخلف، وإمراره كما جاء طريقة السلف، وهو المذهب، ولكن ذلك موقوف على صحة الحديث عن الرسول ﵌، وقد علمت أنه لا يصح كما بينا لك آنفا، وإن كان الحافظ قد نقل عقب كلامه السابق تصحيحه عن بعض الأئمة، فقال: " وقال حرب الكرماني في " كتاب السنة ": سمعت إسحاق بن راهويه يقول: صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن. وقال إسحاق الكوسج: سمعت أحمد يقول: هو حديث صحيح ".
قلت: إن كانوا يريدون صحة الحديث من الطريقين السابقين فذلك غير ظاهر لنا ومعنا تصريح الإمام ابن خزيمة بتضعيفه وهو علم في الحديث والتمسك بالسنة والتسليم بما ثبت فيها عن النبي ﵌ ومعنا أيضا ابن قتيبة حيث عقد فصلا خاصا في كتابه " مختلف الحديث " (ص ٢٧٥ - ٢٨٠) حول هذا الحديث وتأويله قال فيه: " فإن صحت رواية ابن عمر عن النبي ﵌ بذلك فهو كما قال رسول الله ﵌، فلا تأويل ولا تنازع ".
стр. 3225
وإن كانوا وقفوا للحديث على غير الطريقين المذكورين، فالأمر متوقف على الوقوف على ذلك والنظر في رجالها، نقول هذا لأن التقليد في دين الله لا يجوز، ولا سيما في مثل هذا الأمر الغيبي، مع اختلاف أقوال الأئمة في حديثه، وأنا أستبعد جدا أن يكون للحديث غير هذين الطريقين، لأن الحافظ لم يذكر غيرهما، ومن أوسع اطلاعا منه على السنة؟ نعم له طرق أخرى بدون زيادة " الرحمن" فانظر: " إذا ضرب أحدكم .. " و"إذا قاتل أحدكم ... " في "صحيح الجامع" (٦٨٧ و٧١٦) وغيره.
وخلاصة القول: إن الحديث ضعيف بلفظيه وطريقيه، وأنه إلى ذلك مخالف للأحاديث الصحيحة بألفاظ متقاربة، منها قوله ﵌: «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً».
أخرجه الشيخان وغيرهما " الصحيحة ٤٥٠ ".
(تنبيه هام): بعد تحرير الكلام على الحديثين بزمن بعيد وقفت على مقال طويل لأخينا الفاضل الشيخ حماد الأنصاري نشره في مجلة " الجامعة السلفية " ذهب فيه إلى اتباع - ولا أقول تقليد - من صحح الحديث من علمائنا رحمهم الله تعالى، دون أن يقيم الدليل على ذلك بالرجوع إلى القواعد الحديثية وتراجم الرواة التي لا تخفى على مثله، لذلك رأيت - أداء للأمانة العلمية - أن أبين بعض النقاط التي تكشف عن خطئه فيما ذهب إليه مع اعترافي بعلمه وفضله وإفادته لطلبة العلم وبخاصة في الجامعة الإسلامية جزاه الله خيراً.
أولاً: أوهم القراء أن ابن خزيمة رحمه الله تعالى تفرد من بين الأئمة بإنكاره لحديث " على صورة الرحمن " مع أن معه ابن قتيبة والمازري ومن تبعه، كما