← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بمن عداهم من المتكلمين والأصوليين، فإن الإعتبار في الإجماع على كل أمر من الأمور الدينية بأهل العلم به دون غيرهم، كما لم يعتبر في الإجماع على الأحكام الشرعية إلا العلماء بها، دون المتكلمين والنحاة والأطباء، وكذلك لا يعتبر في الإجماع على صدق الحديث وعدم صدقه إلا أهل العلم بالحديث وطرقه وعلله، وهم علماء الحديث، العالمون بأحوال نبيهم، الضابطون لأقواله وأفعاله، المعتنون بها أشد من عناية المقلدين لأقوال متبوعيهم، فكما أن العلم بالتواتر ينقسم إلى عام وخاص، فيتواتر عند الخاصة ما لا يكون معلوماً لغيرهم، فضلاً أن يتواتر عندهم، فأهل الحديث لشدة عنايتهم بسنة نبيهم، وضبطهم لأقواله وأفعاله وأحواله يعلمون من ذلك علماً لا يشكون فيه مما لا شعور لغيرهم به البتة ". - فساد قياس الخبر الشرعي على الأخبار الأخرى في إفادة العلم: قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢/ ٣٦٨): " وإنما أتى منكر إفادة خبر الواحد العلم من جهة القياس الفاسد فإنه قاس المخبر عن رسول الله ﵌ بشرع عام للأمة، أو بصفة من صفات الرب تعالى على خبر الشاهد على قضية معينة، ويا بعد ما بينهما ! فإن المخبر عن رسول الله ﵌ لو قدر أنه كذب عمداً أو خطأ، ولم يظهر ما يدل على كذبه لزم من ذلك إضلال الخلق، إذ الكلام في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول، وعملت بموجبه، وأثبتت به صفات الرب وأفعاله، فإن ما يجب قبوله شرعاً من الأخبار لا يكون باطلا في نفس الأمر، لاسيما إذا قبلته الأمة كلهم وهكذا يجب أن يقال في كل دليل يجب اتباعه شرعاً، لا يكون إلا حقاً، فيكون مدلوله ثابتاً في نفس الأمر، هذا فيما يخبر به عن شرع الرب تعالى وأسمائه وصفاته، بخلاف الشهادة المعينة على مشهود

стр. 317

عليه معين، فهذه قد لا يكون مقتضاها ثابتاً في نفس الأمر. وسر المسألة أنه لا يجوز أن يكون الخبر الذي تعبد الله به الأمة وتعرف به إليهم على لسان رسوله ﵌ في إثبات أسمائه وصفاته كذباً وباطلاً في نفس الأمر، فإنه من حجج الله على عباده، وحجج الله لا تكون كذباً وباطلا، بل لا تكون إلا حقاً في نفس الأمر، ولا يجوز أن تتكافأ أدلة الحق والباطل، ولا يجوز أن يكون الكذب على الله وشرعه ودينه مشتبهاً بالوحي الذي أنزله على رسوله، وتعبد به خلقه، بحيث لا يتميز هذا عن هذا، فإن الفرق بين الحق والباطل، والصدق والكذب، ووحي الشيطان، ووحي الملك عن الله، أظهر من أن يشبه أحدهما بالآخر، ألا وقد جعل الله على الحق نوراً كنور الشمس يظهر للبصائر المستنيرة، وألبس الباطل ظلمة كظلمة الليل. وليس بمستنكر أن يشتبه الليل بالنهار على أعمى البصر، كما يشتبه الحق بالباطل على أعمى البصيرة، قال معاذ بن جبل في قضيته (!) " تلق الحق ممن قاله، فإن على الحق نوراً " ولكن لما أظلمت القلوب، وعميت البصائر بالإعراض عما جاء به الرسول ﵌، وازدادت الظلمة باكتفائها بآراء الرجال التبس عليها الحق بالباطل، فجوزت على أحاديثه ﵌ الصحيحة التي رواها أعدل الأمة وأصدقها أن تكون كذباً، وجوزت على الأحاديث الباطلة المكذوبة المختلقة التي توافق أهواءها أن تكون صدقاً فاحتجت بها! قال (٢/ ٣٧٩): وإنما المتكلمون أهل ظلم وجهل، يقيسون خبر الصديق والفاروق وأبي بن كعب بأخبار آحاد الناس، مع ظهور الفرق المبين بين المخبرين، فمن أظلم ممن

стр. 318

سوى بين خبر الواحد من الصحابة وخبر الواحد من الناس في عدم إفادة العلم؟ وهذا بمنزلة من سوى بينهم في العلم والدين والفضل. قال (٢/ ٣٧٩): - سبب ادعائهم (عدم إفادة حديث الآحاد العلم) هو جهلهم بالسنة: فإذا قالوا: أخباره ﵌ وأحاديثه الصحيحة لا تفيد العلم، فهم مخبرون عن أنفسهم أنهم لم يستفيدوا منها العلم، فهم صادقون فيما يخبرون به عن أنفسهم، كاذبون في إخبارهم أنها لا تفيد العلم لأهل الحديث والسنة. (وقال ٢/ ٤٣٢) إذ لم يحصل لهم من الطرق التي استفاد بها العلم أهل السنة ما حصل لهم، فقولهم: لم نستفد بها العلم لم يلزم منه النفي العام على ذلك، (وهذا) بمنزلة الاستدلال على أن الواجد للشيء العالم به غير واجد له، ولا عالم به! فهو كمن يجد من نفسه وجعاً أو لذة أو حباً أو بغضاً، فينتصب له من يستدل على أنه غير وجع ولا متألم ولا محب ولا مبغض، ويكثر له من الشبه التي غايتها أني لم أجد ما وجدته، ولو كان حقاً لاشتركت أنا وأنت فيه! وهذا عين الباطل، وما أحسن ما قيل: أقول للائم المهُدى ملامته ... ذق الهوى فإن استطعت الملام لُمِ فيقال له: اصرف عنايتك إلى ما جاء به الرسول ﵌ واحرص عليه، وتتبعه واجمعه، و (الزم) معرفة أحوال نقلته وسيرتهم، وأعرض عما سواه، واجعله غاية طلبك، ونهاية قصدك، بل احرص عليه حرص أتباع المذاهب على معرفة مذاهب أئمتهم، بحيث حصل لهم العلم الضروري بأنها مذاهبهم وأقوالهم، ولو أنكر ذلك عليهم منكر لسخروا منه، وحينئذ تعلم: هل تفيد أخبار رسول الله ﵌ العلم أو لا

стр. 319

تفيده، فأما مع إعراضك عنها، وعن طلبها فهي لا تفيدك علماً، ولو قلت: لا تفيدك أيضاً ظناً لكنت مخبراً بحصتك ونصيبك منها ! ". "حديث الآحاد حجة بنفسه" (ص٦٢ - ٦٨) [٥١] باب أمثلة على العقائد الإسلامية المتواترة [قال الإمام]: [هذه جملة] من العقائد الإسلامية التي تلقاها الخلف عن السلف، وجاءت الأحاديث متضافرة متوافرة شاهدة عليها: ١ - نبوة آدم ﵇، وغيره من الأنبياء الذين لم يُذكروا في القرآن. ٢ - أفضلية نبينا محمد ﷺ على جميع الأنبياء والرسل. ٣ - شفاعته ﵌ العظمى في المحشر. ٤ - شفاعته ﵌ لأهل الكبائر من أمته. ٥ - معجزاته ﷺ كلها ما عدا القرآن، ومنها معجزة انشقاق القمر، فإنها مع ذكرها في القرآن تأولوها بما ينافي الأحاديث الصحيحة المصرحة بانشقاق القمر معجزة لرسول الله ﵌. ٦ - صفاته ﷺ البدنية وبعض شمائله الخلقية. ٧ - الأحاديث التي تتحدث عن بدء الخلق وصفة الملائكة، والجن والجنة والنار، وأنهما مخلوقتان، وأن الحجر الأسود من الجنة (١).

стр. 320

٨ - خصوصياته ﵌ التي جمعها السيوطي في كتاب «الخصائص الكبرى» مثل دخول الجنة، ورؤية أهلها وما أعد للمتقين فيها، وإسلام قرينه من الجن وغيره ذلك. ٩ - القطع بأن العشرة المبشرين بالجنة من أهل الجنة. ١٠ - الإيمان بسؤال منكر ونكير في القبر. ١١ - الإيمان بعذاب القبر. ١٢ - الإيمان بضغطة القبر. ١٣ - الإيمان بالميزان ذي الكفتين يوم القيامة. ١٤ - الإيمان بالصراط. ١٥ - الإيمان بحوضه ﵌، وأن من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً. ١٦ - دخول سبعين ألفاً من أمته ﵌ الجنة بغير حساب. ١٧ - سؤال الأنبياء في المحشر عن التبليغ. ١٨ - الإيمان بكل ما صح في الحديث في صفة القيامة والحشر والنشر. ١٩ - الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، وأن الله تعالى كتب على كل إنسان سعادته أو شقاوته ورزقه وأجله. ٢٠ - الإيمان بالقلم الذي كتب كل شيء. ٢١ - الإيمان بأن القرآن كتاب الله حقيقة لا مجازاً. ٢٢ - الإيمان بالعرش والكرسي حقيقة لا مجازاً (١). ٢٣ - الإيمان بأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار.

стр. 321

٢٤ - وأن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر في الجنة. ٢٥ - وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء. ٢٦ - وأن لله ملائكة سياحين يبلغون النبي ﵌ سلام أمته عليه. ٢٧ - الإيمان بمجموع أشراط الساعة، كخروج المهدي، ونزول عيسى ﵇ وخروج الدجال، ودابة الأرض من موضعها، وغيرها مما صحت به الأحاديث. ٢٨ - وأن المسلمين يفترقون على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي التي تتمسك بما كان عليه الصحابة من عقيدة وعبادة وهدى. ٢٩ - الإيمان بجميع أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا، مما جاء في السنة الصحيحة، كالعلي، والقدير، وصفة الفوقية، والنزول وغيرها. ٣٠ - الإيمان بعروجه ﵌ إلى السماوات العلى ورؤيته آيات ربه الكبرى. هذه بعض العقائد الإسلامية الصحيحة التي وردت في الأحاديث الثابتة المتواترة أو المستفيضة، وتلقتها الأمة بالقبول، وهي تبلغ المئات، وما أظن أحداً من المسلمين يجرؤ على إنكارها، أو التشكيك فيها، وإن كان ذلك يلزم الذين لا يثبتون العقيدة بحديث الآحاد، هدانا الله تعالى وإياهم إلى سواء السبيل. "وجوب الأخذ بحديث الآحاد" (ص٤٩ - ٥٣)

стр. 322

[٥٢] باب عدم الإحتجاج بحديث الآحاد في العقيدة بدعة محدثة [قال الإمام]: أدلة الكتاب والسنة، وعمل الصحابة، وأقوال العلماء تدل دلالة قاطعة على ... وجوب الأخذ بحديث الآحاد في كل أبواب الشريعة، سواء كان في الاعتقاديات أو العمليات، وأن التفريق بينهما، بدعة لا يعرفها السلف، ولذلك قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى (٣/ ٤١٢): " وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة، فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميات "يعني العقيدة"، كما تحتج بها في الطلبيات العمليات، ولا سيما والأحكام العملية تتضمن الخبر عن الله بأنه شرع كذا وأوجبه ورضيه ديناً، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته، ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الأخبار عن الله وأسمائه وصفاته، فأين سلف المفرقين بين البابين؟! نعم سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم بما جاء عن الله ورسوله وأصحابه، بل يصدون القلوب عن الاهتداء في هذا الباب بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ويحيلون على آراء المتكلمين، وقواعد المتكلفين، فهم الذين يعرف عنهم التفريق بين الأمرين ... وادعوا الإجماع على هذا التفريق، ولا يحفظ ما جعلوه إجماعاً عن إمام من أئمة المسلمين، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين ... فنطالبهم بفرق صحيح بين ما يجوز إثباته بخبر الواحد من الدين، وما لا يجوز، ولا يجدون إلى الفرق سبيلا إلا بدعاوى باطلة ... كقول بعضهم: الأصوليات هي

стр. 323

المسائل العلميات، والفروعيات هي المسائل العملية (وهذا تفريق باطل أيضاً، فإن المطلوب من العمليات) (١) أمران: العلم والعمل، والمطلوب من العلميات العلم والعمل أيضاً، وهو حب القلب وبغضه، وحبه للحق الذي دلت عليه وتضمنته، وبغضه للباطل الذي يخالفها، فليس العمل مقصوراً على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تبع، فكل مسألة علمية، فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه، بل هو أصل العمل، وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان، حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون الأعمال! وهذا من أقبح الغلط وأعظمه، فإن كثيراً من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي ﵌ غير شاكين فيه، غير أنه لم يقترن بذلك التصديق عمل القلب، من حب ما جاء به والرضا به وإرادته، والموالاة والمعاداة عليه، فلا تهمل هذا الموضع فإنه مهم جداً، به تعرف حقيقة الإيمان. فالمسائل العلمية عملية، والمسائل العملية علمية، فإن الشارع لم يكتف من المكلفين في العمليات بمجرد العمل دون العلم، ولا في العمليات بمجرد العلم دون العمل". فتحرر من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى أن التفريق المذكور مع كونه باطلاً بالإجماع لمخالفته ما جرى عليه السلف، وتظاهر الأدلة المتقدمة على مخالفته، فهو باطل أيضاً من جهة تصور المفرقين عدم وجوب اقتران العلم بالعمل، والعمل بالعلم، وهذه نقطة هامة جداً تساعد المؤمن على تفهم الموضوع جيداً، والإيمان ببطلان التفريق المذكور يقيناً. "الحديث حجة بنفسه" (ص٦٠ - ٦٢)

стр. 324

[٥٣] باب منه [قال الإمام]: (تقسيم) الأحاديث الصحيحة إلى قسمين: قسم يجب على المسلم قبولها ويلزمه العمل بها وهى أحاديث الأحكام ونحوها، وقسم لا يجب عليه قبولها والاعتقاد بها وهي أحاديث العقائد وما يتعلق منها بالأمور الغيبية. أقول: إن هذا تقسيم مبتدع لا أصل في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﵌ ولا يعرفه السلف الصالح بل عموم الأدلة الموجبة للعمل بالحديث تقتضي وجوب العمل بالقسمين كليهما ولا فرق فمن ادعى التخصيص فليتفضل بالبيان مشكوراً وهيهات هيهات، ثم ألفت رسالتين هامتين جداًّ في بيان بطلان التقسيم المذكور الأولى: " وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة " والأخرى: " الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام ". "تمام المنة" (ص٧٩). [٥٤] باب منه (سئل الإمام عن خبر الآحاد وهل يفيد العلم أم غلبة الظن، وهل يحتج به في العقيدة أم لا، فأجاب): يجب على المسلم أن يرفع عن ذهنه بعض التفاصيل العلمية التي هي حصيلة خبرة واجتهاد الأئمة المختصين بعلم الحديث؛ لأن هذه التفاصيل لا تفيد عامة المسلمين، الذي يجب على كل مسلم أن يخضع لكل حديث صح بأي مرتبة من مراتب الصحة، سواء كان صحيحًا .. غريبًا .. فردًا .. أو كان صحيحًا مستفيضًا

стр. 325

أو مشهورًا أو متواترًا، لأن هذه المراتب يستفيد منها أهل الاختصاص والمعرفة والعلم، ويضيع بينها غيرهم؛ فلذلك لا ينبغي لعامة المسلمين أن يلجوا هذه المساحة، وإنما عليهم فقط أن يعرفوا صح الحديث عند أهل العلم ... فإذا صح انتهى الأمر. حديث الآحاد في واقع الأمر يفيد الظن الغالب، هذا هو الأصل في خبر الآحاد، لكن كما يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: خبر الآحاد إذا اقترنت به قرينة من قرائن أفاد بسبب انضمام هذه القرائن إليه العلم واليقين، وكما ترى من هو الذي يستطيع أن يميز حديث آحاد له قرينة أو قرائن من حديث آحاد ليس له قرينة، فالمرجع في ذلك إذًا إلى أهل العلم، ولكن لنقُل الآن: نأخذ أعلى درجة في الحديث، هو كما تعلمون الحديث المتواتر، فكون الحديث متواترًا عند زيد من الناس من أهل الاختصاص فيلزم منه أن يكون متواترًا عند عمر من أهل الاختصاص، والعكس بالعكس، فما بالكم إذا كان الحديث متواترًا عند زيد من أهل العلم فهل من الضروري أن يكون متواترًا عند غير أهل العلم؟ وقد قلت مرة، وكررت ذلك بمناسبة أو بأخرى: من جماعة حزب التحرير الذين نشروا هذه البلبلة في العصر الحاضر بين عامة المسلمين، وهي ... أن الحديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، قلت لهؤلاء: معنى ذلك أو لازم ذلك أنكم لا تتبنون عقيدة من حديث! ولو كان متواترًا، قالوا: كيف ذلك؟ فشرحت لهم الأمر بنحو ما ذكرت آنفًا: أن قضية التواتر قضية نسبية، قلت لهم مثلًا: حينما يجري النقاش في بعض المسائل الفقهية بين الحنفية الشافعية، أو بين الحنفية وأهل الحديث مثلًا، يتناقشون حول حديث صريح الدلالة لكنه ليس متواترًا، لأن من فلسفة مذهب الحنفية: أن النص الذي فيه الفرضية في الأحكام الفقهية يشترط فيه

стр. 326

شرطان: أن يكون قطعي الثبوت، وقطعي الدلالة، فإذا اختل أحد الشرطين نزل الحكم من الفرضية إلى الوجوب، والقول بالوجوب اصطلاح فقهي حنفي حيث يوجبون أشياء ولا يفرضونها، لأن الواجب عندهم وسط بين ما هو فرض وبين ما هو سنة، وحين يقولون في تعريف الفرض: هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، أما الواجب: فيثاب فاعله ويعاقب تاركه دون معاقبة تارك الفرض. فإذا جاء النص متواترًا مثلًا ولم يكن قطعي الدلالة [لا يفيد] الفرضية وإنما يفيد الوجوب، والعكس بالعكس: إذا كان قطعي الدلالة ولم يكن قطعي الثبوت فكذلك، فلا بد من أن يتوفر في النص أن يكون قطعي الثبوت قطعي الدلالة، مثاله: قوله ﵇: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» لا يقولون بركنية الفاتحة، ولهم أجوبة على ذلك، فالذي يهمنا الآن هو قولهم: أن هذا حديث آحاد ليس قطعي الثبوت، لكن إمام أهل الحديث وأمير المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري يقول في أول رسالته: وجوب القراءة وراء الإمام: تواتر الخبر عن رسول الله ﵌ أنه قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». فالآن: خبر من نأخذ، خبر الإمام وأمير المحدثين أو خبر الأحناف الذين يقولون: أن هذا حديث غير متواتر، نعم هو صحيح لكنه آحاد؟ فلو سلمنا للحنفية أنهم مخلصون وأنهم غير متعصبين وإلى آخره، وأنه لم يبلغهم الخبر على طريق التواتر، فنقول حينذاك: أن القضية قضية نسبية .. فوصل بنا الكلام إلى قوله ﵇: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» فإن هذا الحديث أخذ منه جماهير الفقهاء في دلالته الظاهرة التي هي أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، فقد تأولوا الحديث

стр. 327

بمعنى: لا صلاة كاملة، لماذا؟ للسبب الذي ذكرته آنفًا وهو أنهم لا يثبتون فرضًا فضلًا عن أن يثبتوا ركنًا أو شرطًا، ولا يخفى أن الركن والشرط أقوى من الفرض، فإذا لم يثبتوا الفرض بحديث آحاد فمن باب أولى لا يثبتون ركنًا أو شرطًا بحديث آحاد، على ذلك فهم تأولوا الحديث بهذا التأويل؛ لأنه عندهم حديث آحاد، بينما علماء الحديث قد حكموا بهذا الحديث بأنه يفيد شرطية قراءة الفاتحة. والرد على الحنفية الذين قالوا: بأنه حديث آحاد، يقال: أمير المؤمنين في الحديث يقول كما ذكرت آنفًا: تواتر الخبر عن رسول الله ﵌ أنه قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» فإذًا: الحديث هنا عند الحنفية آحاد وعند البخاري متواتر، فالقضية قضية نسبية ما كان متواترًا عند هؤلاء لا ينبغي، أو لا يجب على الأقل أن يكون متواترًا عند أولئك. كنت أتحدث عن حزب التحرير في هذا الزمان الذي أشاع هذه الفلسفة: أن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، فلما ناظرتهم وجادلتهم في هذه المسألة قلت لهم: ما ذكرته آنفاً: لازم هذا أنكم .. لا تتقربون إلى الله ﵎ باعتقاد ما في حديث؛ لأنه حديث آحاد، قالوا: كيف؟ شرحت لهم أن كون الحديث آحادًا أو متواترًا هي قضية نسبية كما ذكرت آنفًا. والآن قلت لهم: أقول لكم: لو فرضنا أن الشيخ تقي الدين النبهاني ﵀ هو أكبر محدث على وجه الأرض، طبعًا وهم يعلمون أنه ليس كذلك، وكان الرجل من فقهاء العصر الحاضر وفقهه تقليدي ليس فقه على بصيرة كما ينبغي أن يكون عليه كل مسلم، وبخاصة إذا كان عالمًا، فقلنا لهم: أفترض أن الرجل أكبر عالم في الحديث، قال لكم: تواتر الحديث الفلاني عن رسول الله ﵌ عندي، فهو سيظل متواترًا عنده، أما عندكم كأفراد سيصبح آحادًا، لماذا؟ لأن علماء الحديث

стр. 328

حين اصطلحوا على تسمية حديث ما بالمتواتر يشترطون التواتر في كل طبقة، مع اختلافهم البالغ والكثير في عدد التواتر، فمن قائل: عشرة وعشرين وثلاثين إلى مائة شخص، أي: لنأخذ أقرب الأمثلة: الحديث المتواتر هو الذي رواه عشرة عن أصحاب الرسول ﵌، عن رسول الله .. وعن هؤلاء العشرة عشرة من التابعين، وعن هؤلاء عشرة من أتباع التابعين، وهكذا إلى أن يصنف في الكتب كتب الحديث. فأحدنا إذا أراد أن يكون الحديث عنده متواترًا فعليه أن يقف على هذا الحديث متواترًا عند عشرة من المحدثين، أن يكون البخاري رواه من عشرة طرق، ومسلم من عشرة طرق، وأبو داود، وإلى آخره حينئذٍ صار الحديث متواترًا عند الذي حصل هذه الطرق العشرة تواترًا في حجم كتب السنة، فإذا قال الشيخ تقي الدين: هذا الحديث متواتر، فقد انقطع التواتر بينكم وبين التواتر؛ لأنه هو خبره آحاد .. هو خبره آحاد، هو يقول: حديث متواتر، فأنت تأخذ المتواتر عن فرد انقطع به التواتر، إذًا: أنتم لا يمكن أن تعتقدوا بحديث أنه متواتر. ونكتُّ عليهم مرةً النكتة التالية: قلت: زعموا أن أحد هؤلاء ذهب إلى اليابان للتبشير بالإسلام، والشيخ تقي الدين ﵀ له كتاب سماه: طريق الإيمان، وذكر فيه هذه الفكرة الخاطئة، وهو أن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد، فهذا الداعية الحزبي أخذ يدرس عليهم طريق الإيمان، فجاء فيما دَرَّس: أن خبر الآحاد لا يفيد العلم، ... فهناك شخص كيس ذكي قال لهذا المحاضر يومًا: يا أستاذ! أنت فيما مضى درست علينا كذا وكذا: أن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد، وأنت الآن تعلمنا الإسلام العقيدة، فإذاً يجب أن ترجع أدراجك وتأتي بالعدد هذا التواتر عشرة .. عشرين .. ثلاثين، ويشهدوا معك أن هذا هو الإسلام حينئذٍ نحن نقبل منك، أما

стр. 329

الآن فلا .. هذه من لوازم فلسفة حديث التواتر وحديث الآحاد. أنا أريد أن أقول: إن التفريق بين حديث التواتر وحديث الآحاد بأقسامه المستفيض والمشهور، هذه حقيقة واقعة، لكن من الذي يكشفها؟ يكشفها أهل العلم، هل من مصلحة عامة المسلمين أن تدرس هذه الفلسفة عليهم؟ الجواب: لا؛ لأن هذا يلقي على عقيدتهم كثيرًا من الشك والريب. ثم إذا رجعنا إلى السلف الصالح ولأمر ما نحن ننتسب إلى السلف الصالح، ونفهم كيف تلقوا الإسلام، نجد أن النبي ﵌ أرسل أفرادًا وآحادًا إلى البلاد كبلاد اليمن وبلاد الشام ونحو ذلك يعلمون الناس العلم، وبخاصة من أشهر هؤلاء الرسل معاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، كل هؤلاء أرسلهم الرسول ﵇ إلى اليمن كأفراد ولم يفعل كما يفعل التبليغيون اليوم حين يخرجون زرافات .. جماعات، وليس فيهم علماء، أرسل أفرادًا، وكان من جملة ما ثبت في الصحيح أن النبي ﵌ لما أرسل معاذًا إلى اليمن قال له: «ليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله» هذا أس العقيدة، أس التوحيد، [لكن] بزعم هؤلاء من علماء الكلام الذين جاءوا ببدعة حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة معناه -وقد قالوا هذا مع الأسف الشديد، -معناه: أن الرسول ﵇ أرسل داعية لا تقوم به الحجة على المدعوين؛ لأنه فرد، وهذا لو نسب إلى شخص لكان عبثًا فكيف ينسب إلى الرسول ﵊؟! وهكذا كل الأخبار تترا بأن السلف الصالح لا يفرق بين خبر الآحاد وخبر اثنين أو أكثر إلى آخره، لكن لا شك أن هذا التفريق أمر واقع ما له دافع. (فتاوى جدة -الأثر-" (٣/ ٠٠:٠٤:٠٢)

стр. 330

[٥٥] باب منه [قال الإمام معلقاً على قول صاحب الطحاوية:"وجميع ما صح عن رسول الله ﵌ من الشرع والبيان كله حق"]: قلت: يعني دون تفريق بين ما كان منه خبر آحاد أو تواتر ما دام أنه صح عن رسول الله ﵌ وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه، والتفريق بينهما إنما هو بدعة وفلسفة دخيلة في الإسلام مخالف لما كان عليه السلف الصالح والأئمة المجتهدون كما حققته في رسالتي " وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين " وهي مطبوعة مشهورة. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٦٩). [٥٦] باب منه السائل: بعض علماء الحديث يقولون الحديث الذي نقل بخبر الآحاد لا يفيد القطع العلمي وإنما يفيد العلم النظري. الشيخ: نعم. مداخلة: هل هؤلاء يصح لهم أن يستدلوا بالأحاديث التي نقلت بطريق الآحاد في معجزات النبي؟ الشيخ: يا أخي! أنت تسأل سؤال ملفق بين رأينا ورأي غيرنا. مداخلة: نعم، هذا رأي غيركم. الشيخ: طيب! فنحن نقول: إن التفريق بين حديث الآحاد وحديث التواتر والتفريق بين أحاديث الأحكام وأحاديث العقائد هذا تفريق محدث مبتدع لا أصل

стр. 331

له في الإسلام ولذلك .. مداخلة: ... هذا التفريق. الشيخ: نعم؟ مداخلة: أنتم تخالفون .. الشيخ: كيف نحن نخالف؟ مداخلة: يعني: لا توافقون على هذا الكلام. الشيخ: نعم، نحن نقول: هذا أمر محدث. مداخلة: يعني: إذاً هنا الاستدلال بخبر الآحاد على المعجزات كالاستدلال بالتواتر. الشيخ: نعم، لا فرق عندنا. "الهدى والنور" (٣٣٨/ ٣٣: ٣٢: ٠٠) [٥٧] باب منه [قال الإمام]: القول بالتفريق بين الأحكام فتثبت في حديث الآحاد، وبين العقيدة فلا تثبت إلا بحديث التواتر، هذه فلسفه دخيلة في الإسلام لا يعرفها السلف الصالح، وهذا المثال من عشرات إن لم نقل مئات المسائل التي تؤكد لنا أن ندعو الناس إلى الكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح، هل كان السلف الصالح يفرقون بين حديثٍ ورد إليهم من طريق صحيح يتعلق بحكم من الأحكام فيتقبلونه وبين حديث أيضا ثبت لديهم يتعلق بعقيدة فلا يقبلونه؛ بل يرفضونه لم يكن شيء من

стр. 332

هذا إطلاقاً، وإنما كانوا يعملون بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة المُلزمة بالأخذ بالحديث الوارد عن النبي ﵌ دون تفريق بين حديث يتعلق بحكم أو حديث يتعلق بعقيدة ... "الهدى والنور" (٤٠٩/ ٥١: ٣٢: ٠٠) [٥٨] باب منه سؤال: لو سمحت في هناك خلاف بين علماء المسلمين في خبر الآحاد في العقيدة فماذا هو يعني رأيكم بالشيء الصحيح هنا؟ الشيخ: حسن، هذه المسألة يجب أن نعلم أن التفريق بين الأحكام الشرعية بحيث أنه يجب أن يأخذ ببعضها إذا صحت نسبتها إلى النبي ﵌ ولا يجب -هذا أقل ما يقال- ولا يجب أن يأخذ بما ثبت عن الرسول ﵌ في البعض الآخر هذا التقسيم دخيل في الإسلام وفلسفة لا أصل لها في دين الإسلام، وهذه المسألة تحتاج إلى كبير بحث وتطويل للكلام، وإن كان مجال الكلام فيه واسع جداً، لكني آتي الموضوع من أقرب سبيل دون أن ندخل في سرد الأدلة الشرعية التي يفهمها بعض طلاب العلم، ولكن سأذكر ما يشترك فيه جميع المسلمين في فهمه: كلنا يعلم أن النبي ﵌ بُعِثَ وحده إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً وأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، هذه النقطة الأولى التي لا يشك فيها مسلم. النقطة الثانية: أن تبليغ النبي ﵌ للإسلام كان على وجهين أو على صورتين؛ الأولى: أن يبلغ الإسلام بشخصه مباشرة إلى الناس، ونحن حينما نذكر هذه الحقيقة ما أظن أن أحداً يعجز عقله عن أن يستوعب ما سأذكره ألا وهو أن النبي ﵌ حينما بلَّغ شريعة الإسلام ما بلَّغ كل فرد من أفراد المكلفين في ذلك

стр. 333

العالم، ونأخذ مثالاً قريبًا حينما كان النبي ﵌ في المسجد الحرام في أول الدعوة التي لقي فيها ما لقي من المصاعب والشدة، هل كان الكفار الذين هم ليسوا في المسجد الحرام كانوا يسمعون كلامه كما يسمعه من كان بين يديه من الكفار؟ الجواب: لا، هذه بدهية يشترك في معرفتها كل الناس، لا يشترط أن يكون طالب علم، وهكذا إذا كان أهل مكة حينما كان الرسول يبلغهم أحكام الله وشريعة الله بتلاوته لآيات الله إنما يسمعها بعضهم فالآخرون كيف بلغتهم شريعة الله، لم تبلغهم بسماعهم كلام الرسول مباشرة وهذا أمر واقع في كل زمان ومكان، الآن في هذا المجلس قد يسمع أحد منكم حكماً أو بحثاً كهذا البحث فينقله لمن لم يكن حاضراً هذا المجلس، فالذي سمعه من المدرس سمعه منه مباشرة، لكن هذا المدرس بلغه الآخرين، الآخرون لم يسمعوا من المدرس، هذا تقريب وللرسول المثل الأكمل فالرسول ﵌ حينما كان يبلغ الآية أو يقرأ الحديث يسمعه الحاضرون أما الآخرون فيسمعونه بواسطة مَنْ؟ الذي سمعه من الرسول ﵇، هذه نقطة ثانية وبدهية جداً ما تقبل المناقشة والجدل. ندعم ذلك ببعض الروايات المعروفة أيضاً في التاريخ الإسلامي والتي أستطيع أن أقول لا يجهلها أحد أيضاً من المسلمين، أن النبي ﵌ أرسل الرسل من طرفه إلى رؤوس الدول ملوك الدول ككسرى وقيصر والملك النجاشي وهكذا، وأرسل دعاة إلى اليمن علياً وأبا موسى ومعاذاً، فهؤلاء الرسل الذين أرسلهم الرسول ﵇ لنقل الدعوة التي سمعوها منه ﵌ من فمه الشريف ينقلون ما سمعوه منه إلى أولئك الناس، فأولئك الناس لم يأتهم الشرع من النبي المعصوم، لكن جاءهم الشرع من الفرد من الشخص. والآن ندخل في صميم بيان ضلال التفريق بين خبر الآحاد وخبر التواتر، من

стр. 334

المفيد أن نذكر قصة وقعت في اليمن تتعلق بأبي موسى ومعاذ، كان معاذ يدعو كما ذكرنا إلى الإسلام وكذلك صاحبه أبي موسى الأشعري، فجاء معاذ أبا موسى زائراً فوجد عنده رجلاً مولَّدًا أسيرًا، قال: ما بال هذا قالوا إنه ارتد عن دينه، ومضى عليه كذا أيام وهو لا يتوب إلى الله ، وكان راكباً، فقال: والله لا أنزل حتى ينفذ فيه حكم الله لقد سمعت رسول الله ﵌ يقول: «من بدل دينه فاقتلوه» فنفذ فيه القتل، الآن هذا حديث «من بدل دينه فاقتلوه» (١) سمعه معاذ من رسول الله، نقله إلى أبي موسى والجماعة الذين كانوا عنده ونفذوه فوراً، هذا خبر آحاد، هل قامت الحجة بخبر الآحاد؟ قامت الحجة. الآن نأتي إلى الفلسفة المشار إليها آنفاً هذا حكم شرعي، يقول المتفلسفون المبتدعون أنه نحن نقول بأن حديث الآحاد في الأحكام حجة، أما في العقيدة فليس بحجة، الآن أبو موسى ومعاذ وعلي وسائر الرسل الذي أرسلوا من قبل رسولنا صلوات الله وسلامه عليه، هل تتصورون أنهم حينما يأتون قبيلة من القبائل أو ملكاً من الملوك أول ما يدعونه إليه الصلاة والطهارة والوضوء وإلى آخره ولاَّ العقائد؟ العقائد لا شك وهذا ما جاء التصريح به في حديث معاذ ابن جبل لما أرسله الرسول ﵌ إلى اليمن، قال له: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك فأمرهم بالصلاة» وهكذا تسلسل ﵇ في بيان الأحكام، وفي أمر معاذ أن يتسلسل في ذلك أمره أن يبدأ بماذا بالعقيدة، شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هنا تأتي الدالة الكبرى، إذاً معاذ هو فرد ودعا أولئك الناس الذين لا يعرفون من الإسلام شيئاً دعاهم إلى

стр. 335

العقيدة أس العقائد كلها ألا وهي التوحيد، هل قامت الحجة به؟ المسلمون يعتقدون قامت الحجة به، أما المتفلسفة الذين تأثروا من بعض الآراء النابية عن الكتاب والسنة، فهم يقولون حديث الآحاد لا تقوم به الحجة في العقيدة، ومعنى هذا أحد شيئين: إما أن الرسول ﵌ كان مخطئاً حينما أرسل معاذ وأمثاله يدعون الناس إلى الإسلام وهذا هو الكفر، إذا قال الإنسان هذا كَفَرَ خرج عن الملة، ولم يبقَ هناك إلا الشيء الآخر وهو أن الذين يقولون أن خبر الآحاد في العقيدة ليس بحجة هم الضالُّون، ولذلك أنا ذكرت مرة نكتة في مثل هذه المناسبة وهي في الحقيقة تمثل لكم ضلالة هؤلاء الناس، قلت زعموا بأن رجلاً من هؤلاء المبتدعة الذين يفرقون بين حديث وحديث وكلاهما صحيح هذا يأخذ به لأنه في الأحكام، وهذا لا يأخذ به لأنه في العقيدة، وهذا تفريق كما عرفتم من الضلال المبين، ذهب أحد هؤلاء إلى اليابان مثلاً يدعوهم إلى الإسلام، ففي طبيعة الحال بدأ هو بالعقيدة وكان من جملة ما ذكر في عقيدته أن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، فقام أحد الأذكياء الحاضرين قال يا أستاذ أنا أراك متناقضاً؛ لأنك تلقننا أن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد، وأنت الآن تدرسنا العقيدة فنرجوك أن تعود من حيث أتيت، وتأتي بخبر فقه دقيق متواتر، يعني تأتي بناس يصدق عليهم أنهم على التواتر، وقُل لهم يبلغوننا ما تبلغنا أنت أن هذه هي العقيدة الإسلامية، فَبُهِتَ المحاضر لأنه ألقمه حجراً من نفس عقيدته، هو يلقنهم وهي عقيدة ومن العقيدة أن حديث الآحاد لا تكون به عقيدة إذاً أنت ماذا ستعمل عندنا هنا تُلَقِّنَّا العقيدة وأنت فرد؟! لازم يكون معك جماعة. وهذا البحث كما قلت لكم طويل طويل جداً وحسبكم هذا المقدار، وأخيراً

стр. 336

أقول يكفي أن السلف الصالح والأئمة الأربعة ما يعرفون هذه الفلسفة، ما يفرقون بين حديث العقيدة ولا يؤخذ، وحديث الأحكام يجب أن يؤخذ، ولكني سأذكر أخيراً نكتة تتعلق بطلاب العلم فيها فقه دقيق جداً، قلنا لبعض هؤلاء مرة إذا جاءكم حديث هو من ناحية فيه حكم شرعي، وهو حديث آحاد، ومن ناحية أخرى يتضمن عقيدة، فماذا تفعلون؟ إن أخذتم به لأن فيه حكم خالفتم من حيث أنكم أخذتم به؛ لأن فيه عقيدة. قال: كيف هذا مثاله؟ قلنا: هاك المثال روى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال رسول الله ﵌: «إذا جلس أحدكم في التشهد الأخير فليستعذ من أربع؛ يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال» هل تأخذون بهذا الحديث وتستعيذون بالله من هذه الأربع في التشهد الأخير؟ قالوا: لابد. قلت لهم: فهل تؤمنون بما فيه من عذاب القبر، وأنتم لا تؤمنون بعذاب القبر، فماذا تفعلون؟! إن تركتم الحديث خالفتم قاعدة: وجوب الأخذ بحديث الأحكام، وإن أخذتم الحديث خالفتم قاعدة: لا يؤخذ بالحديث في العقيدة، وهكذا شأن المبطلين دائماً وأبداً، وبهذا القدر كفاية جواباً على هذا السؤال. (الهدى والنور ٥٤١/ ٢٥: ٠٩: ٠٠) [٥٩] باب منه [قال الإمام]: قد سمعتم أو قرأتم في بعض المقالات أو في بعض الكتب أن حديث الآحاد لا تثبت به العقيدة، هذا الكلام يعني معنى اصطلاحياً، فلا بد من توضيحه: العقيدة هي كل ما يتعلق بعالم الغيب مما لا يرتبط به حكم عملي، بخلاف الأحكام

стр. 337

والعبادات فهي تتعلق بأعمال المكلفين من العباد، الإيمان بالغيب دائرته واسعة جداً، لنضرب على ذلك مثلاً: عذاب القبر، عذاب القبر عقيدة لا يترتب من ورائه حكم شرعي حتى تعرف الكيفية؛ ولذلك فالإسلام يأمرنا أن نؤمن بالغيب ولا نتكلف ولا نتعمق في معرفة هذه الكيفية الغائبة عنا، فمثل عذاب القبر عقيدة من العقائد، من يقول بأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، يعني: أنه إذا جاءنا حديث عن رسول الله ﵌ فيه بيان أن عذاب القبر حق فهذا الحديث ولو كان صحيحاً فلا يؤخذ به عند هؤلاء؛ لأنه يدخل تحت قولهم: حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، وهذا الأصل أو هذه العقيدة المزعومة يدخل تحتها عشرات الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﵌ لا يأخذ بها هؤلاء الذين قعدوا هذه القاعدة وأسسوها من محض آرائهم، بل أقول من فلسفتهم، ولا دليل لهم على ذلك من كتاب ولا سنة، بل ذلك يخالف السنة بالمعنى الذي ذكرته آنفاً، أي: ما كان عليه ﵌. الآن لنذكركم بسنة من هذه السنن بعد أن عرفتم المعنى الحقيقي من لفظة السنة إذا تلفظ بها الرسول ﵌ كالحديث الأول: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١). من المعلوم أن الرسول ﵌ كان يرسل الرسل من طرفه ﵇ إلى البلاد البعيدة يدعون المشركين إلى دخولهم في الإسلام، فهو أرسل معاذاً إلى اليمن، وأرسل علياً، وأرسل غيره كأبي موسى الأشعري وأرسل وأرسل، هؤلاء أرسلهم دعاة إلى الإسلام، ومن الملاحظ أن الداعي هنا هو شخص واحد، وهذا يمثل حديث الآحاد في الاصطلاح السابق.

стр. 338

لعل الأمر يتطلب شيئاً زيادة في التوضيح، ما المقصود بحديث الآحاد؟ ليس المقصود فقط أنه شخص واحد يحدث عن الرسول بحديث فيسمى هذا الحديث آحاد، هو كذلك، لكن حتى لو أن شخصين حدثا بحديث عن الرسول ﵇ أيضاً يسمى حديث آحاد وثلاثة وأربعة، حتى يبلغ العدد عدد التواتر، واختلفوا قديماً وحديثاً في تحديد عدد التواتر، ولست الآن بحاجة إلى الخوض في هذا الخلاف؛ لأنه غير مهم، المهم عدد التواتر عدد يتحقق اليقين في نفس السامع للخبر من هذا العدد الغفير، كانوا عشرة أو عشرين أو أكثر، أما إذا حدث بحديث ما شخصان أو ثلاثة فالاصطلاح المذكور آنفاً يسميه حديث آحاد، أقول هذا حتى لا يتبادر لمن لم يقرأ شيئاً من علم مصطلح الحديث المعنى اللغوي، حديث آحاد يعني اعتراض (١)، لأن المقصود به ولو كان حديث جمع وهم ثلاثة فضلاً عن اثنين فهذا يسمى حديث آحاد، فإذا جاء الحديث من طريق صحابي واحد عن رسول الله ﵌ فهذا حديث آحاد، وإذا رواه عن هذا الصحابي تابعي واحد فهو حديث آحاد وهو كذا حتى يسمى في الكتب المعروفة بكتب السنة. فإذا جاء مثل ذلك الحديث: «وعذاب القبر حق» حديث آحاد أو اثنين أو ثلاثة المهم حديث آحاد وليس حديث تواتر قال الذين قالوا: حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، هذا الحديث نحن لا نأخذ به، لماذا؟ لأنه حديث آحاد، طيب ماذا يقولون؟ هنا الشاهد، ماذا يقولون عن رسول الله ﵌ حين أرسل أولئك الأصحاب مرة أبا موسى .. مرة معاذ بن جبل .. مرة علي بن أبي طالب .. مرة دحية الكلبي، كثير وكثير جداً، هؤلاء أفراد كانوا يبلغون الناس الذين سمعوا باسم

стр. 339

الرسول ﵊ ولا يعرفون ماذا يدعو إليه، فأرسل الرسول ﵌ واحداً منهم ليعرفهم بدين الإسلام، فلو كان حديث الآحاد لا تقوم به حجة فمعنى كلامي هذا أن الرسول ﵇ ما أحسن أسلوب الدعوة؛ لأنه أرسل أفراداً لا تقوم بهم الحجة، بناء على قاعدة: حديث الآحاد لا تقوم به حجة، أما من آمن بقوله ﵇ السابق ذكره: «فمن رغب عن سنتي» عن منهجي وطريقي في كل ما جئت به، سواء كان أسلوباً أو غاية، الغاية هو الإسلام والأسلوب ... الإسلام، «فمن رغب عن سنتي فليس مني» فإذا كان يوجد اليوم كما وجد قبل اليوم بسنين طويلة من قال: حديث الآحاد لا تثبت به العقيدة، معنى ذلك: أن الإسلام لا يثبت بقول العالم الفلاني والعالم الفلاني، معلماً الذين لا يعلمون، وأنتم تعلمون قول رب العالمين: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:٤٣). ولقد قال بعضهم لبعض هؤلاء الذين يتبنون هذه الفلسفة الدخيلة في الإسلام والمخالفة لسنة النبي ﵊ ألا وهي: حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، قال مرة: بعضكم يذهب أحياناً إلى بعض البلاد الكافرة، مثل اليابان مثلاً يدعو إلى الإسلام، وأول ما يبدأ في الدعوة الإسلام لا بد يبدأ بالعقيدة؛ لأنه الأصل أصل الإسلام بني على قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد:١٩)، فحينما أنت تدعو إلى الإسلام فأنت تنقض نفسك بنفسك، كيف؟ أنت فرد وتدعو الكفار إلى أن يؤمنوا لهذا الإسلام الذي تنقله أنت إليهم وأنت تقرر لهم أن حديث الآحاد لا تقوم به الحجة، صار هنا تنافر، وصار هنا تضاد، ومعنى هذا: أنه لا يمكن أن تقوم حجة الله على أي كافر أو على أي جماعة

стр. 340

من الكفار إلا إذا ذهب جماعة من المسلمين يبلغون أولئك الأقوام دين الإسلام، هذا أمر حسن، أن يذهب جماعة من أهل العلم يبلغون الإسلام، هذا أمر حسن، ولكن إذا لم يتيسر إلا واحد أو اثنين كما فعل الرسول ﵇، لا تقوم حجة الإسلام بهذا الواحد أو الاثنين تلك الفلسفة الدخيلة في الإسلام تقول: لا تقوم الحجة، وهذه قاعدة معروفة: حديث الآحاد لا تقوم به حجة، وعرفتم أنه يخالف سنة النبي ﵌ حينما أرسل دعاة من طرفه أفراداً وآحاداً. بل قد جاء في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «أن النبي ﵌ لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال: إنك تأتي أقواماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك فأمرهم بالصلاة، فإن هم استجابوا لك فأمرهم بالزكاة بالصيام .. » وهكذا، فأمره أن يبدأ حينما يدعو أولئك النصارى بعقيدة التوحيد، عقيدة التوحيد أس العقائد الإسلامية كلها، فإذا كان حديث الآحاد وهو هنا معك لا تقوم به الحجة فلازم هذا القول أبطل ما يكون وهو: أن الرسول ﵌ كان من الواجب عليه أن يرسل عشرات من مثل هذا الصحابي ويجتمعون كلهم ويبلغونه الإسلام، وهذا مما لم يقع من الرسول ﵇، لِمَ؟ لأن الحجة تقوم ولو بفرد واحد، لكن بشرط: أن يكون عالماً، بشرط: أن يكون فقيهاً، قلت آنفاً: لو ذهب جماعة من أهل العلم إلى بلد ما فدعوهم إلى الإسلام، بلا شك هذا أقوى، لكن يشترط في هؤلاء أن يكونوا من العلماء. قلت من قبل قليل: لأني أضرب لكم مثلين مما يتعلق بواقع بعض الدعاة اليوم، فهذا هو المثل الأول: أن حديث الآحاد لا تقوم به حجة، وهذا خلاف قوله ﵇ وفعله.

стр. 341

المثال الثاني: عرفتم من بعض الأمثلة التي ذكرتها آنفاً أن الرسول ﵌ كان يرسل أفراداً، ما كان يرسل هؤلاء الأفراد جماعات من عامة الصحابة، أي: ممن يشملهم قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:٤٣)، أي: ما كان رسول الله ﵌ يرسل أمثال أولئك الدعاة الذين سمينا لكم بعضهم كمعاذ، ما كان يرسل معه خمسة أو عشرة أو أكثر من أصحاب الرسول ﵇ الذين ليسوا بعلماء، ونحن اليوم نعلم أن جماعة مسلمة ويغلب على ظاهرهم الصلاح والتقوى والرغبة في اتباع الأحكام الشرعية، لكنهم مع ذلك يخالفون سنة النبي ﵌ في كثير من تصرفاتهم، لم؟ لأنهم إما أنهم لا يعلمون السنة التي قال عنها الرسول ﵌: «فمن رغب عن سنتي فليس مني»، إما أنهم لا يعلمون هذه السنة، أو أنهم يعلمونها ويعرفونها جيداً ولكن منهج دعوتهم لم تقم على السنة، وكما يقال في مثل هذه المناسبة: أحلاهما مر، فإن كانوا لا يعلمون السنة فلذلك هم يخالفونها، فهذا بلا شك مر، وإذا كانوا يعلمونها ويعرفونها جيداً كما يعرفون أبناءهم ثم هم يحيدون عنها فهذا أمر، وحينئذ ينطبق عليهم الحديث السابق: «فمن رغب عن سنتي فليس مني». إذاً: هذان مثلان مما يترتب من التعدد للحزب أو تعدد الطوائف أو تعدد الجماعات بسبب تعدد المناهج، والمنهج إنما هو ما كان عليه رسول الله ﵌ وأصحابه، كما عرفتم من حديث الفرقة الناجية: «ما أنا عليه وأصحابي»، وأؤكد معنى هذا الحديث بقوله تعالى وأرجو أن تنتبهوا لمعنى هذه الآية ولا يتغلبن على فرد منكم فكرة قائمة منذ القديم، فلا يعرج ولا ينتبه لما يسمع من جديد من قول الرسول ﵇ السابق ذكره ومن قول ربنا الذي أختم به الجواب عن هذا السؤال، ألا وهو قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا

стр. 342

تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥)، ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ أي مؤمنين يا ترى من هؤلاء؟ المؤمنون الذين تفرقوا شيعاً وأحزاباً، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (المؤمنون:٥٣)، أم المؤمنون الأولون السابقون الذين أثنى عليهم رسول الله ﵌: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»، ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (الزمر:٢١). "الهدى والنور" (/٦٨٦/ ٠١: ٤٢: ٠٠) [٦٠] باب حجية خبر الآحاد، ومصير أهل الضلال الذين ينكرونه [قال الشيخ في معرض كلامه على حجية خبر الآحاد]: معاذ بن جبل عندما أرسله الرسول لليمن ماذا قال له؟ قال: فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله فإن هم أطاعوك فأمرهم بالصلاة إلى آخر الحديث، فشهادة أن لا إله إلا الله هي أس العقائد الإسلامية كلها ودعاهم إليها فرد واحد، هم يقولون: هذا ما تثبت به العقيدة، إذاً: معناه ما يثبت الإسلام بالدعاة اليوم كلهم الإسلاميين لأنهم أفراد فهذا من أبطل الباطل الذي يناقض تاريخ المسلمين الأول، ... هذا حديث آحاد لا قيمة له .. أما الصورة الخيالية التي أنا أفترضها لبيان خطورة هذه العقيدة الباطلة وأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة .. قلت لأحدهم يوماً ما: ذهب الدعاة الإسلاميين من حزب التحرير إلى اليابان وبدأ يكتل الناس ويجمعهم ويلقي عليهم محاضرات وبالطبع أول شيء بدأ بالعقيدة؛ لأن أولئك عندهم خطة أول ما يبدأ به طريق الإيمان- هكذا عند الشيخ

стр. 343

تقي الدين في بعض كتبه- أن هذا طريق الإيمان .. بدأ بالعقيدة .. من جملة هذا البحث الذي عنوانه: طريق الإيمان: حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، تخيلت أنا أن أحد الأذكياء في المجلس يسمع المحاضرة قال له: يا أستاذ! أنت تقرر فينا أنه حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة وأنت تدعونا إلى الإسلام وأنت فرد واحد فمعنى ذلك أن ما تدعونا إليه بعقيدتك أنت لا تقوم الحجة علينا، ولذلك لازم ترجع إلى بلدك وتجيب عشرات مثلك ويسمعونا شهادتك وكلامك حتى يصبح حديثك حديثاً متواتراً وحينئذ تقوم الحجة علينا ... سخافة متناهية لكن هذا لازمهم ... كُلَّما [مر] حديث صحيح يردونه بأنه آحاد .. لا يردونه بالنظر إلى السند وأنه غير صحيح لما؟ رواه أبو بكر .. أبو بكر الصديق كذاب؟! يقول له: لا، طيب! لماذا لا يؤخذ؟! وهذا يذكرني بشيء .. لو أبو بكر سمعته الدنيا كلها عنه ليس عشرة عشرين لو مائة شخص ومائة شخص ومائة شخص ومائة شخص، وجاءوا وقالوا لنا أبو بكر قال: قال رسول الله لا تقوم به حجة، لماذا؟ لأنه آحاد، طيب! أبو بكر يكذب؟! لا ما يكذب حاشاه إذاً: ممكن أن يخطئ، إذاً: ما دام يمكن أن يخطئ فلا نأخذ روايته انظروا الآن: الأقوال التي يحتجون بها لا يمكن أن يخطؤوا مع أنه ليس هناك أسانيد صحيحة بها كما نقول بالنسبة لما ثبت عن الرسول ﵇. لذلك الحق هو مع أهل السنة والجماعة الذين يحتجون بالأحاديث الصحيحة وأولئك الذين يحتجون بأقوال الآخرين ولا سند لها ولا خطام فهم في ضلال مبين ... خلاصة الكلام السابق هو: لا مخلص لهم من أحد شيئين إذا نفوا أحدهما ما يستفيدون نفي الآخر ..

стр. 344

الشيء الأول: أنهم كُفِّرُوا بغير حجة زعموا, لكن الشيء الآخر: أنهم ضللوا؛ لأنهم خالفوا تفسير الرسول للقرآن والسلف الصالح أيضاً بدون حجة سوى أقوال المشايخ تبعهم، وذلك هو الضلال المبين .. أنا شخصياً كما قلت: نضلل هؤلاء ولا نكفرهم؛ لأن الله هو العليم بما في صدورهم .. أجحداً ينكرون علينا أن كلام الله صفة من صفاته وهذه حقيقة لا يمكن الإنسان يتخلص منها إذا تجرد من المذهبية الضيقة، أم والله ما ظهرت لهم الحقيقة فإذاً: حسابهم إلى الله ﵎. ختاماً: عندنا حديث له صلة وثقى بالتحرج من الحكم بمصير هؤلاء الضالين عند رب العالمين، وأننا نقف إلى الحكم بأنهم ضلوا، أما أنهم كفار وأنهم مخلدون في النار فأمره إلى الله، قال ﵇: «كان فيمن قبلكم رجل لم يعمل خيراً قط فلما حضرته الوفاة جمع أولاده حوله فقال لهم: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني مذنب مع ربي ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً فإذا أنا مت فخذوني وحرقوني بالنار ثم ذروا نصفي في الريح ونصفي في البحر» ماشي حرقوه في النار وأخذوا الرماد نصفه في الريح ونصفه في البحر: «فقال الله لذراته: كوني فلاناً فكانت بشراً سوياً، أي عبدي! ماذا حملك على ما فعلت؟ قال: رب خشيتك، قال: فقد غفرت لك» (١). هذا الرجل في معيارنا نحن كَفَرَ وهو الذي يصدق عليه قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (يس:٧٨، ٧٩) فربنا عامله بخلاف معاييرنا نحن البشرية ..

стр. 345

هذا أنكر البعث والنشور لماذا أمر بحرقه وذر نصفه في البحر ونصفه في الريح؟ قال: حتى يضل على ربه ولا يستطيع ربنا أن يعيده مرةً ثانيةً؛ لأنه إن عاد مرة أخرى عذبه بحق؛ لأنه اعترف هو من قبل أنه لم يعمل خيراً قط .. ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً .. خوفه من الله الذي آمن به ورطه هذه الورطة التي أودت به إلى الكفر .. لا شك هذا كفر، لكن الله عنده ميزان غير موازين البشر .. عرف منه أن شدة خوفه من ربه أعمى بصيرته عن كون ربه ﵎ قادر على أن يحيي العظام وهي رميم؛ ولذلك لما أعاده كما كان قال: ماذا فعلت أو ما حملك؟ قال: يا رب! خشيتك، قال: قد غفرت لك. فنحن يكفينا أن نقول: أن هذه الفرقة ضالة؛ لأنها تخالف السلف في فهم نصوص الكتاب والسنة ولا يهمنا كفرت أو ما كفرت، نحن نريد لها الهدى ويكفي أن نقول: إنكم ضالون فعليكم بالهدى الذي جاءنا من الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح. "الهدى والنور" (٣١٠/ ٠١: ٥٨: ٠٠) و (٣١٠/ ٠٧: ٠٥: ٠١) [٦١] باب الرد على من يفرِّق في حجية خبر الآحاد بين العقائد والأحكام سؤال: هناك من يفرق في حجية الأخذ بحديث الآحاد بين العقائد والأحكام، فيقولون: نأخذ به في الأحكام الشرعية، ولكن في المسائل الاعتقادية فلا يفيد إلا الظن، فما ردكم على ذلك بارك الله فيكم؟ الشيخ: ردنا في هذا طويل جداً، ولنا رسالتان مطبوعتان، ولكن لا بد من الجواب ولو بإيجاز ...

стр. 346

التفريق بين العبادة وبين العقيدة .. من محدثات الأمور، سلفنا الصالح لا يعرفون هذا التفريق إطلاقاً، والوقائع التي تروى لنا في السنة الصحيحة في إرسال الرسول ﵌ الدعاة من أصحابه إلى العرب وإلى العجم يدل على بطلان هذا التفريق بين العقيدة وبين العبادة، فالعبادة تثبت بحديث صحيح عندهم، والعقيدة لا تثبت بالحديث الصحيح، لا بد أن يكون هذا الحديث حديثاً متواتراً، هؤلاء الحقيقة أنا أعتبرهم مرضى، وبقدر ما أنزعج من خطئهم وضلالهم، بقدر ما أشفق عليهم لمرضهم؛ لأن المرض كما يكون مادياً يكون أيضاً معنوياً، فالكفر والضلال الذي يسيطر على كثير من العباد هو مرض، ولذلك فيجب أن نعالج أمراض هؤلاء بالدعوة إلى الله، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل:١٢٥)، كلنا يعلم لا فرق بين عالم وطالب علم، وبين مثقف وبين عامي، كلنا يعلم أن الإسلام ما انتشر في أول الزمان وفي آخر الزمان إلا بدعاة من الأفراد، يعني ما كان يفعل السلف الأول، كما يفعل الخلف اليوم، يخرجون بالعشرات، إلى أين، قالوا: إلى الدعوة، وهم بحاجة إلى من يدعوهم، فيخرجون دعاةً وهم لا يحسنون الدعوة، وهم لا يعرفون الدعوة ولا يعرفون الدليل من الكتاب والسنة، وأظنكم لستم بحاجة إلى التصريح بمن أعني بهذا الكلام، فالكلام واضح جداً، لم يكن عمل السلف أن يخرج جماعة فيهم واحد متفقه قليلاً، والجماعة من عامة المسلمين إلى أين؟ إلى القبائل العربية الجاهلة لتعليمهم، إلى المشركين من يهود ونصارى، ما كان هكذا عمل السلف، ولا كان رسول الله ﵌ يرسل هكذا من أفراد وإنما يرسل من نخبة أصحاب الرسول ﵇ علماً وأخلاقاً وعبادةً، ومن أشهر هؤلاء علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، وأبو عبيدة بن الجراح، ونحو هؤلاء من كبار الصحابة، فمعاذ بن جبل ذهب يدعو إلى اليمن، إلى ماذا دعا؟ دعا إلى العبادة

стр. 347

وترك الدعوة إلى العقيدة! هذا مش معقول، وبخاصة أنه الرسول ﵇ حينما أرسل معاذاً كان أول ما وصاه به أن قال له: «إنك تذهب إلى قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن هم استجابوا لك فمرهم بالصلاة ... »، إلى آخر الحديث، إذاً معاذ بن جبل أولاً ائتماراً منه بأمره ﵇ إنما بدأ بالعقيدة، وتطبيقاً أيضاً هو فعل ذلك، كيف يقال إنه خبر الواحد لا تثبت به عقيدة، ورسول الله ما كان يرسل إلا آحاداً، معاذ لوحده، أبو موسى لوحده، أبو عبيدة بن الجراح لوحده، وهكذا، وأذكر حديثاً في صحيح البخاري أن أبا موسى زار أخاه في منزله في اليمن، وإذا برجل مغلل لما نزل أبو موسى سأل: ما بال هذا؟ قال: ارتد عن دينه، قال: والله لا أجلس إلا أن يطبق فيه قول النبي ﵌: «من بدل دينه فاقتلوه»، فقتل، وجلس، أي: إن هذا الصحابي الجليل بلغ هذا الحكم ونفذ فوراً، وهو آتٍ من بلد كان يدعو إليها، وهو وحده، فإذاً كيف يقال في آخر الزمان إنه الأحاديث الصحيحة لأنها غير متواترة لا تثبت بها عقيدة، وأنا نَكَتُّ يوماً بأمثال هؤلاء بنكتة، حقيقةً هي ليست نكتة هي علم لو كانوا يعلمون، قلت: زعموا أن أحد هؤلاء الذين يقولون إن العقيدة لا تثبت إلا بعدد التواتر، ذهب أحد هؤلاء إلى اليابان يدعو إلى الإسلام، وحسب القاعدة المتبعة لدى جميع المسلمين، وكما فعل معاذ بدأ بالعقيدة اليابان ماذا يعلمون من الإسلام؟ لا شيء، فإذا هو بدأ بالعقيدة، لكن من العقيدة عندهم مع الأسف الشديد، أن لا يؤخذ بحديث الآحاد في العقيدة، فكان هناك في المجلس شاب كيس فطن في زاوية من المجلس، وقديماً قيل: في الزوايا خبايا، فرفع إصبعه وقال له: يا أستاذ أنت بتقرر أن من العقيدة الإسلامية: أن العقيدة لا تثبت بخبر الواحد، ونراك أنت تقرر علينا عقيدة الإسلام كذا وكذا وكذا، لكني أراك متناقضاًَ حسب دعوتك هذه يجب أن تعود إلى بلدك، وتأتي بجماعة التواتر كلهم ويشهدون معك

стр. 348

أن هذا هو الإسلام حتى نقبله منك، لأنك تقول: العقيدة لا تثبت بخبر الواحد وأنت واحد. الحقيقة هم يخربون بيوتهم بأيديهم، فضلاً أنهم يخالفون دعوة الإسلام الحق، فهم متناقضون يدعون إلى الإسلام وهو فرد من الأفراد، لهذا نقول: كل مسلم ورده عن النبي ﵌ بطريق صحيح أنه أخبر خبراً غيبياً أو أخبر خبراً تشريعياً، فيجب فوراً أن نصدق به، إن كان عقيدة تبناه، وإن كان حكماً تبناه عملاً وفعلاً وهكذا، لا نفرق بين حديث الرسول ﵇ ما كان منه عقيدة، وما كان منه حكماً كله من رسول الله ﵌، وعلى هذا جرى السلف الصالح، وأختم الكلمة هذه جواباً بما سبق أن قلته وهذا ليرسخ في أذهانكم، قول العلماء: وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف "الهدى والنور" (٥٢٦/ ٥٤: ٢٨: ٠٠) [٦٢] باب منه [قال رسول الله ﵌]: - «هذا أمين هذه الأمة. يعني أبا عبيدة». [قال الإمام]: أخرجه مسلم (١٢٩٧) والحاكم (٣/ ٢٦٧) وأحمد (٣/ ١٢٥) وأبو يعلى (٢/ ٨٣١) من طرق عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: " أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﵌ فقالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام، قال: فأخذ بيد أبي عبيدة، وقال .... " فذكره، والسياق لمسلم، ولفظ الحاكم: "يعلمنا القرآن". وقال: " صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بذكر القرآن ".

стр. 349

قلت: وفي الحديث فائدة هامة، وهي أن خبر الآحاد حجة في العقائد، كما هو حجة في الأحكام، لأننا نعلم بالضرورة أن النبي ﵌ لم يبعث أبا عبيدة إلى أهل اليمن ليعلمهم الأحكام فقط، بل والعقائد أيضا، فلو كان خبر الآحاد لا يفيد العلم الشرعي في العقيدة، ولا تقوم به الحجة فيها، لكان إرسال أبي عبيدة وحده إليهم ليعلمهم، أشبه شيء بالعبث. وهذا مما يتنزه الشارع عنه. فثبت يقيناً إفادته العلم. وهو المقصود، ولي في هذه المسألة الهامة رسالتان معروفتان مطبوعتان مراراً، فليراجعهما من أراد التفصيل فيها. "الصحيحة" (٤/ ٦٠٥). [٦٣] باب هل يؤخذ بالحديث الحسن لغيره في أبواب العقيدة ؟ سؤال: الحديث الحسن لغيره هل يؤخذ في باب العقائد؟ الشيخ: الذي أعتقده أن التفريق بين حديث ثابت في مرتبة ما وحديث آخر أعلى ثبوتًا منه بين العقائد وبين الأحكام هذه بدعة لا يعرفها علماء المسلمين الأولين، واضح إلى هنا؟ وعلى هذا إذا كان الحديث الحسن يثبت به حكم شرعي فيثبت به عقيدة كذلك، بل أنا أقول شيئًا ما أظن أنكم قرأتموه، وقد حاججت جماعة هناك في دمشق الشام ممن شوشوا أذهان المسلمين اليوم بهذا النقل الذي نقلوه وطرحوه كأنه عقيدة لا شية فيها ولا عيب عليها، وهي: أن حديث الآحاد لا تثبت به العقائد، قلت لهم: يرد عليهم شيئان لا خلاص لكم منهما: الشيء الأول: هو أنكم لا تتبنون عقيدة من حديث مهما كان شأن هذا

стр. 350

الحديث قوةً وصحةً حتى لو كان متواترًا، قالوا: كيف ذاك؟ قلت: وهذه حقيقة يعرفها كل طلاب العلم المبتدئين في علم الحديث: أن كون الحديث أو كون حديث ما متواترًا فإنما ذلك أمر نسبي، أي: هو متواتر بالنسبة لمن تتبع طرق الحديث فحصل القناعة في القلب أن هذا حديث متواتر يستحيل أن يكون كذبًا، لكن هل كل حافظ ولا أقول: كل مسلم، هل كل حافظ ضروري أو لزامًا عليه أن يكون حديث ما ثبت عند حافظ ما بأنه متواتر لزام على الحافظ الآخر أن يكون أيضًا عنده متواترًا؟ ليس الأمر بواجب، واضح هذا. ومعلوم في تعريف الحديث المتواتر: أنه يشترط في تواتره أن يستمر التواتر من الطبقة الأولى إلى الثانية إلى أن تصل إلى الذي يقول: بأنه حديث متواتر، ماشي هذا الكلام؟ فإذا انقطع التواتر في طبقة ما هل يظل الحديث متواترًا؟ الجواب: لا، أنا أقول الآن: الإمام البخاري قال في حديث ما: إنه متواتر وهنا ناهية الدقة في الموضوع، هل هو عندي أنا متواتر؟ الإمام البخاري حكم على حديث ما بأنه متواتر هل هو عندي متواتر؟ هذا سؤال امتحان؟ مداخلة: ليس بالضرورة. الشيخ: ليس بالضرورة، يحتمل؟ مداخلة: يحتمل أن يكون وألا يكون .. مداخلة: لا يحتمل. مداخلة: يحتمل أن يكون عندك متواترًا ويحتمل ألا يكون. الشيخ: لا، إذًا: جوابك صحيح وجوابه صحيح، لكن لربط أحدهما بالآخر أقول: إذا قال الإمام البخاري في حديث ما: إنه حديث متواتر، وأنا لم أقف على

стр. 351

هذا الحديث إلا من طريق واحدة، هل يكون عندي والحالة هذه متواترًا؟ مداخلة: لا يكون. الشيخ: فيها شك هذه؟ مداخلة: لا. الشيخ: هنا لا يرد الاحتمال السابق، لكن أنا بسبب نظرتك إلى أنني ممكن أن يكون أنا بحثت ما وجدت هذا التواتر كلامك صحيح، لكن في الصورة التي عرضتها آنفًا فجوابه صحيح، الآن عند من ليس عنده خبر الحديث إطلاقًا وقال البخاري فيه إنه متواتر، فبالأولى ألا يكون عنده متواترًا. قلنا لذلك الحزب: افترضوا أن رئيسكم هو علامة الزمان في الحديث أو بخاري الحديث، قال لكم: الحديث الفلاني هو متواتر، أأصبح عندكم متواترًا؟ الجواب: لا، فانقطعت السلسلة، متى يصبح عندكم متواترًا؟ إذا كان عندكم أئمة في الحديث عشرة عشرين على حسب اختلافهم في عدد التواتر، ثم اتصلتم أنتم مع هذا العدد حينذاك يعود الحديث بالنسبة إليكم متواترًا، وما دام أن الواقع خلاف ذلك، والفرضية أن رئيسكم هو الذي حكم على هذا الحديث بالتواتر، حينئذٍ هذا الحديث يصبح عندكم آحادًا؛ ذلك لأن الذي نقل إليكم خبر تواتر الحديث عنده هو فرد، وعلى هذا قلت لهم: إنكم لا تتبنون عقيدة من حديث صحيح، واضح هذا؟ هذه النقطة الأولى ... النقطة الثانية: وهي التي اقتضاها البحث السابق أن نقول: كل حديث يحمل حكمًا فهو ينطوي تحته على عقيدة، وإذا فصلت العقيدة عن هذا الحكم أذهبت قيمة هذا الحكم من الناحية الشرعية، واضح هذا أيضًا؟ بمعنى: إذا جاءك أمر من

стр. 352

رسول الله ﵌ مؤكد بأنه على الوجوب أو على الاستحباب، أو جاءك نهي مؤكد أنه للتحريم أو للتنزيه، ذاك الأمر أو هذا النهي إذا فصلت عنها اعتقادك من أن الأمر يفيد الوجوب أو الاستحباب، إذا فصلت اعتقادك عن هذا لم يبق للحكم أثر ما في نفسك، فكذلك بالنسبة للنواهي، واضح هذا أيضًا؟. إذًا: نستنتج مما سبق أن الحكم لو كان التفصيل السابق الذي ذهب إليه بعض علماء الكلام قديمًا وتبناه بعض المعاصرين حديثًا، لو كان هذا التفريق له وجاهة بين العقائد وبين الأحكام لكان وضعه في الأحكام أولى من العقيدة؛ لأن الحكم قلنا وهذا واضح جدًا يحمل عقيدة فإذا رفعنا العقيدة منه لم يبق له أي تأثير. إذا عرفنا هذا كله رجعنا إلى سؤالك في الحديث الحسن، فالحديث الحسن إما أن يقال: يثبت به حكم شرعي أو لا يثبت، فإذا كان من المعروف عند جماهير العلماء أنه يثبت فإذًا هو تضمن عقيدة فلا بد من الأخذ به؛ لأنه حكم ولا يضرنا بعد ذلك أن فيه عقيدة؛ لأن هذا أمر شبه متفق عليه في الحديث الحسن، أما الحديث الصحيح فما في إشكال أنه يجب العمل به في الأحكام، وإذا عرفنا ما سبق من البيان فالعمل بالحديث الحسن يتضمن حكمًا ومعنى هذا: أنه إذا جاء خبر لا يتضمن حكمًا لكن يتضمن عقيدة ولكن إسناده حسن وجب الأخذ به كما وجب الأخذ به في الحكم؛ لأنه حكم زائد عقيدة. ومما يتفرع من هذا الكلام هو في اعتقادي شيء هام؛ لأنه لا يوجد مسطورًا فيما علمت، ما قلته أيضًا لأولئك الحزبيين: هأنتم تفرقون عمليًا بين حديث الآحاد في العقيدة وحديث الآحاد في الأحكام، فماذا تفعلون إذا جاء حديث يحمل في طواياه عقيدة من جهة، وحكمًا من جهة؟ ولو أنه عندنا كما بينا لا فرق بين حديث فيه حكم أو حديث فيه عقيدة، فمن كان فيه حكم أو من كان فيه حكم ففيه عقيدة،

стр. 353

لكن حسب فلسفتهم الخاصة قلت لهم: ما موقفكم؟ حاروا في السؤال فطلبوا المثال، قلت لهم مثلًا: قوله ﵊ في الحديث الصحيح في البخاري وغيره: «إذا جلس أحدكم في التشهد الأخير فليستعذ بالله من أربع: يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر .. » وبقية الحديث معروف، هم أعرفهم لا يؤمنون بعذاب القبر؛ لأنهم بزعمهم عذاب القبر أحاديثه لم تبلغ مبلغ التواتر. إذًا: لا يجوز الاعتقاد به، قلنا لهم: الآن أمركم رسول الله ﵌ بغض النظر الأمر للوجوب أو الاستحباب، أمركم رسول الله أن تستعيذوا من أربع منها: عذاب القبر فإن قلتم: هذا حديث أحكام يجب الأخذ به ناقضتم قوله: هذا حديث آحاد لا يجوز الأخذ به في العقيدة؛ لأن عذاب القبر عقيدة، فماذا تفعلون؟ أتأتمرون بأمره ﵇ كحكم شرعي أم ترجعون إلى فلسفتكم أن العقيدة لا تثبت بحديث آحاد وهذا حديث آحاد فلا نأخذ به؟ سواء قلتم هذا أو قلتم هذا خالفتم عقيدتكم، نحن لا نقول: خالفتم الشرع، هم مخالفون للشرع، لكن خالفوا عقيدتهم بسبب تفريقهم بين حديث الآحاد في الأحكام وحديث الآحاد في العقيدة. هذا ما عندنا حول هذه المسألة الطريفة. مداخلة: سأل الأخ عن الحسن لغيره، كذلك ما ذكرته هو ينطبق .. الشيخ: هو كذلك. "رحلة النور" (٤٤أ/٠٠:١٥:٤٢)

стр. 354

[٦٤] باب منه [قال الإمام]: لما وجد في الآونة الأخيرة حزب من الأحزاب الإسلامية قالوا: حديث الآحاد لا تؤخذ منه عقيدة، وإنما حديث التواتر. قلنا لهم: هذا يعني لا تؤخذ العقيدة من الحديث مطلقاً. قالوا: لماذا؟ قلنا له: لأنكم الذين تحملون هذه العقيدة هاتوا إلي بعقيدة أثبتموها بحديث متواتر، ولا سبيل لكم إلى ذلك؛ لأن الشيخ والإمام والعالم الذي تثقون به هو الشيخ تقي الدين ﵀ ... قلت لهم: لا يمكن أن يوجد عندكم عقيدة أثبتموها بحديث متواتر عندكم؟ قالوا: لماذا؟ قلت: أولاً الواقع، فإنكم عاجزون عن أن تقدموا ما أطلب، لكننا إذا قلنا لكم ما موقفكم بالنسبة لأحاديث عذاب القبر، تقولون: هذه أحاديث آحاد ولا يجوز الإيمان بها .. إلى آخره. ثانياً وهذا هو المهم أن حديث التواتر قضية نسبية شرحت لهم هذا القضية شرحاً بالغاً، وقلت لهم: الشيخ تقي الدين النبهاني هو العالم الفاضل الجليل عندكم والذي جمع العلوم كلها، فلو فرضنا أنه ثبت عنده أن حديثاً ما هو عنده حديث متواتر، جاء من طرق كثيرة وكثيرة جداً، لا نناقش الآن؛ لأن المهم رأيه، أن هذا الحديث متواتر عنده، حينما نقل إليكم هذا الرأي أصبح عندكم آحاد، هل تأخذون به؟ إن أخذتم به نقضتم مبدأكم؛ لأنه آحاد، أما الشيخ واجب عليه أن يأخذ به لأنه ثبت عنده متواتراً، أما عندكم غير متواتر؛ لأن التواتر يشترط فيه اتصال التواتر في كل طبقة بمعنى، أنتم يا أفراد حزب التحرير، أنتم ما شاء الله عديد من العلماء الأفاضل متخصصين بعلم الحديث، ومفرقين بهذه البلاد

стр. 355

الإسلامية، عشرين ثلاثين أربعين، كل واحد منكم اتصل مع العدد هذا، كل واحد يقول أن الحديث الفلاني هو حديث متواتر، حينئذ يصير عندكم متواتراً، أما مجرد أن يقول لكم إمامكم أو شيخكم أن هذا الحديث متواتر، .. [فكيف يكون متواترًا عندكم]؟! "الهدى والنور" (٢٣٨/ ٠٠:٤٥:٣٠) [٦٥] باب في ذكر بعض من أنكر حجية خبر الآحاد في العقيدة (قال الإمام في معرض كلامه حول بعض الأمثلة التي تدل على تعصب أبي غدة لشيخه الكوثري بالباطل): جاء في "المصنوع" حديث رد الشمس على علي ﵁ ليصلي العصر بعد أن غربت ولم يصل. فذكر المتعصب [أبو غدة] في التعليق عليه جماعة من العلماء قالوا بأنه حديث موضوع, وآخرون ذهبوا إلى تصحيحه منهم شيخه الكوثري, فضل المتعصب بين هذين الحكمين المتناقضين, ولم يستطع - وهو الأمر الطبيعي الملازم له! أن يرجح أحدهما على الآخر, ولكنه حاول بادئ الرأي أن يرجح التصحيح بدون مرجح, وإنما تقليداً منه لشيخه الكوثري فقال (٢١٥): وقد جاءت كلمته رحمه الله تعالى على وجازتها ملخصة للمسألة أحسن تلخيص, إذ قال: ولا كلام في صحة الحديث من حيث الصناعة, لكن حكمه حكم أخبار الآحاد الصحيحة في المطالب العلمية. فأفاد بهذا الإيجاز البالغ أن الخبر على صحته لا ينهض في بابه وموضوعه, لأنه من المطالب العلمية التي تتوقف على اليقينيات وما قاربها. فلا بد على هذا من تأويل الخبر مع قولنا بصحته لمخالفته ما هو من الأمور العلمية, والله تعالى أعلم.
следующие страницы →