Полный текст (4 534 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
أخرجه الآجري (ص ٨٤)، والطبري في "التفسير" (٢٩/ ٩ - ١٠)، و"التاريخ" (١٧ - ١٨)، والحاكم (٢/ ٤٩٨)، والبيهقي في " السنن" (٩/ ٣)
من طريق أبي ظبيان وأبي الضحى مسلم بن صبيح على شرط الشيخين". ووافقه الذهبي.
وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/ ٤٣٣/١٢٢٢٧) من طريق مؤمل ابن إسماعيل: حدثنا حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى ... به مرفوعاً.
قلت وهذا منكر، قال الطبراني عقبه:"لم يرفعه عن حماد بن زيد إلا مؤمل بن إسماعيل" قال الهيثمي (٧/ ١٢٨) عقبه: "قلت: مؤمل ثقة كثير الخطأ، وقد وثقه ابن معين وغيره، وضعفه البخاري وغيره، وبقية رجاله ثقات".
وأقول: وإنما يصح مرفوعاً من هذا الحديث عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ وغيره أولُه مختصراً، فرواه سعيد بن جبير عنه بلفظ: "إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم، وأمره أن يكتب كل شيء يكون".
وهو مخرج في "الصحيحة" (١٣٣)، وله شواهد من حديث عبادة بن الصامت من طرق عنه، ومخرج في "المشكاة" (١/ ٣٤/٩٤)، وعَنْ ابْنِ عُمَرَ في "الصحيحة" أيضاً (٣١٣٦).
(تنبيه): وأما الرواية التي أخرجها الطبري في "كتابيه" من طريق سفيان عن أبي هاشم عن مجاهد عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ موقوفاً بلفظ:"إن الله تعالى ذِكْرُهُ كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً فكان أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة ... ".الحديث.
стр. 3327
فهو منكر جداً عندي لقوله:"قبل أن يخلق شيئاً" ... فإنه يشعر أن العرش غير مخلوق! وهذا باطل، وقد رواه شعبة عن أبي هاشم فلم يذكر فيه هذا الباطل. ولعله من قبل أبي هاشم الرماني، فإنه وإن كان ثقة بالاتفاق، فقد غمزه ابن حبان، فقال في "ثقاته" (٧/ ٥٩٦):
"كان يخطئ، يجب أن يعتبر حديثه إذا كان من رواية الثقات عنه، فأما رواية الضعفاء عنه ... فان الوهن يلزق بهم دونه لأنه صدوق لم يكن له سبب يوهن به غير الخطأ، والخطأ متى لم يفحش لا يستحق من وجد فيه ذلك الترك".
قلت: وإذا كان لا بد من تعصيب الخطأ في ذلك القول إلى أحد من سلسلة هذا الإسناد، فالأولى أن ينسب إلى من دون ابن عباس، ثم إن أولاهم به هو أبو هاشم هذا -لما سبق-، وليس الراوي عنه سفيان -وهو: الثوري-، فإنه:"ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة" - كما قال الحافظ في "التقريب" -.
وإن مما يبطل ذاك القول ونسبته إلى ابن عباس: أنه نفسه ممن روى عنه ﵌ ما يؤكد بطلانه لما تقدم بلفظ: "إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم ... ".
ولذلك قال الطبري ﵀: "وقول رسول الله ﵌ الذي رويناه أولى بالصواب، لأنه كان أعلم قائل بذلك قولاً بحقيقته وصحته، ومن غير استثناء منه شيئاً من الأشياء أنه تقدم خلقُ الله إياه خلقَ القلم، بل عمَّ بقوله ﵌: «إن أول شيء خلق الله القلم» كل شيء، أن القلم مخلوق قبله من غير استثناء من ذلك عرشاً ولا ماءً، ولا شيئاً غير ذلك، فالرواية التي رويناها عن أبي ظبيان وأبي الضحى عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ أولى بالصحة عن ابن عباس من خبر مجاهد عنه الذي رواه عنه أبو هاشم، إذا كان أبو هاشم قد اختلف في رواية ذلك عنه شعبة وسفيان على ما ذكرت من اختلافها فيها".
стр. 3328
وإني لأحمد الله تعالى أن هذا الكلام من هذا الإمام موافق تماماً لما
كنت ذكرته في فوائد حديث ابن عباس هذا في المصدر المذكور آنفاً "الصحيحة"، أن فيه رداً على من يقول بأن العرش هو أول مخلوق، ولم أكن يومئذ قد
وقفت عليه.
فالحمد لله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله.
"الضعيفة" (١٣/ ٢/٦٧٦ - ٦٨٠)
[١١٧٦] باب منه
[قال رسول الله ﵌]:
«إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم وأمره أن يكتب كل شيء يكون».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به، ثم قال]:
فيه رد على من يقول بأن العرش هو أول مخلوق، ولا نص في ذلك عن رسول الله ﵌، وإنما يقول به من قاله كابن تيمية وغيره - استنباطاً واجتهاداً فالأخذ بهذا الحديث - وفي معناه أحاديث أخرى - أولى لأنه نص في المسألة، ولا اجتهاد في مورد النص كما هو معلوم.
وتأويله بأن القلم مخلوق بعد العرش باطل؛ لأنه يصح مثل هذا التأويل لو كان هناك نص قاطع على أن العرش أول المخلوقات كلها ومنها القلم، أما ومثل هذا النص مفقود، فلا يجوز هذا التأويل ..
"الصحيحة" (١/ ١/٢٥٧ - ٢٥٨).
стр. 3329
[١١٧٧] باب هل يلزم من كون المخلوقات لها أول، أن الحوادث لها أول؟ والكلام على أول مخلوق ؟
سؤال: يا شيخ! قلت في السلسلة الصحيحة الحديث الذي يدل على أن أول مخلوق هو القلم، واستدللت بذلك على أن الحوادث لها أول، فهل يلزم من أن المخلوقات لها أول أن الحوادث لها أول، وجزاكم الله خير ...
الشيخ: ما الفرق بين المخلوقات والحوادث؟ كل مخلوق حادث، وكل حادث مخلوق، ما أدري ما الذي يريد؟
مداخلة: شيخ أنا صاحب السؤال.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: أنا أقصد بصفات الله .. تحدَّث كما في الكلام مثلًا، ويأتي كلام الله متى يشاء، فأقصد أن الكلام من حيث نوعه هو قديم، ومن حيث آحاده فهو حادث، وهذا الذي قصدته فهل يدخل الحوادث ..
الشيخ: طيب! لكن كلام صفة من صفاته، فهل المخلوقات كذلك؟
مداخلة: لا.
الشيخ: فإذًا: يفترقان تمامًا، نعم.
مداخلة: على هذه المسألة: هل نقول: أن تلك الحوادث ليس لها أول.
الشيخ: وقوله ﵇: «أول ما خلق الله القلم»؟
مداخلة: لا، أنا أقصد الجنس يعني ... لو تصورنا هكذا: خالق وخلق ومخلوق، فلعله يُشْكِل على كثير من الناس هذه المسألة، فنقول: الخلق هو قديم.
стр. 3330
الشيخ: الخلق صفة الخالق قديم.
مداخلة: نعم، والخالق هو الله بذاته ، وأن المخلوق هو الحادث، ... يعتبر أول المخلوقات الذي هو القلم، طيب! وما جاء أن العرش أول المخلوقات.
الشيخ: لا يستوي هذا الكلام، هذا قول وليس جاء عن الرسول ﵇.
مداخلة: ... في حديث: «وكان عرشه على الماء».
الشيخ: لا بأس! أنا أعرف، لكن أنت قلت: وما جاء أن العرش أول مخلوق قلت: لا أصل لهذا الكلام، وهناك فرق كبير بين الاستنباط لحكم ما استنباطًا يمكن أن يكون صوابًا ويمكن أن يكون خطأً، وبين حكم صرح به الرسول ﵇ تصريحًا، فأنا قلت لك: هذا لا أصل له، أعني: لا يوجد في أي حديث كما قال الرسول للقلم أنه أول مخلوق لا يوجد أنه قال للعرش أنه مخلوق، لكن كونه قال ﵇: «وكان عرشه على الماء» هذا لا يُبَيَّن أنه لم يخلق شيئًا قبل ذلك الماء الذي كان عرشه عليه، فإذا كان هذا غير مُبَيَّن في هذا الحديث، وكان حديث القلم صريح بأنه أول مخلوق، فليس هناك ما يحملنا على أن نترك النص الصريح إلى النص الذي يحتمل معنى هذه الحديث الصحيح بغير القلم فحينئذٍ على كل حال سواء كان - الآن البحث يأخذ طورًا ثانيًا - سواًء كان القلم هو أول مخلوق أو كان الماء الذي كان عليه العرش، فإذًا: هناك نقطة التقاء بين جميع المختلفين في تعيين أول مخلوق أن هناك أول مخلوق، صح هذا أو لا؟ إنما الخلاف في تحديده وتعيينه، لكن لا خلاف عند الذين اختلفوا، وهذا من العجائب ابن تيمية نفسه حكى هذا الاختلاف أن العلماء اختلفوا في أول مخلوق: هل هو
стр. 3331
العرش .. هل هو القلم .. هل هو الماء؟ إلى آخره، فإذًا هناك شيء متفق عليه أنه يوجد أول مخلوق، يوجد شيء مختلف فيه، ما هو هذا الأول من المخلوقات؟ قيل وقيل.
والصريح كما ذكرنا آنفًا: أول ما خلق الله القلم، نعم.
مداخلة: شيخ! ... هذا الحديث: بعضهم يقول: أنه ليس فيه دلالة صريحة، وهم يؤولونها ويقولون: أن فيه ممكن يكون بالمفهوم: «أول ما خلق الله القلم وقال له اكتب» يعني: كما يقول: أول ما دخل فلان من الباب قال له: افعل كذا، يقول: ليس فيه دلالة على ..
الشيخ: انظر انظر أنت غيَّرت العبارة، أول ما خلق قال، الحديث ليس هكذا «أول ما خلق الله القلم» جملة تامة، فقال استئناف كلام .. أما لو قال: "قال" هنا يرد الشبهة التي أنت ذكرتها.
مداخلة: واو الآن عاطفة ..
الشيخ: ما هو المتبادر؟ نرجع للقواعد؟ ما هو المتبادر من قوله ﵇: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» كلها جمل مرتبطة بعضها في بعض، ثم هب أن القضية فيها احتمال أن يقول: الماء أول مخلوق، أو العرش أول مخلوق، ما فيها احتمال؟
مداخلة: فيها.
الشيخ: فيها احتمال، فأي الاحتمالين يعني: أقوى بحيث يجعل الدليل أضعف، لا شك أن الذي ما فيه ذرة تأول أضعف، وهذا أقوى، والله أعلم، نعم.
стр. 3332
مداخلة: في رأي ... شيخ في السنة يعني: تعين ما ذهبتم إليه، لكني أردت أن أعرف الرد على مثل هذا، وهي مذكورة في كتاب السنة: «أول شيء خلقه الله القلم، فقال له: اكتب» فإضافة شيء لعلك ترجح هذا المعنى يا شيخ؟
الشيخ: نعم، هو كذلك، لكن هذا الذي عنده شبهة يفرقون بين لفظة: قال، وهذا وجهة نظر قديمة، وبين: فقال، ورواية، أنا دندنت حول هذه الكلمة من حيث إثبات صحة الرواية فيها؛ لأنه لو قال: «أول ما خلق الله القلم قال .. » يكون قال هو الخبر بهذه الجملة، وإنما الخبر هنا القلم، أول ما خلق الله القلم، تمت مبتدأ أو اسم وخبره، أول ما خلق الله: هذه في محل نصب، واسم إن، فالقلم هو الخبر لإن، أما لو قال: "قال" فحينئٍذ تصير الجملة التالية هو الخبر، فيختلف المعنى.
"رحلة النور" (٤١ب/٠٠:٠٧:٥٣)
[١١٧٨] باب هل النور المحمدي أول خلق الله ؟
[قال رسول الله ﵌]:
«إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم وأمره أن يكتب كل شيء يكون».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به، ثم قال]:
في الحديث إشارة إلى رد ما يتناقله الناس حتى صار ذلك عقيدة راسخة في قلوب كثير منهم وهو أن النور المحمدي هو أول ما خلق الله ﵎. وليس لذلك أساس من الصحة ...
"الصحيحة" (١/ ١/٢٥٧ - ٢٥٨).
стр. 3333
[١١٧٩] باب منه
[قال رسول الله ﵌]:
«خُلِقت الملائكة من نور, وخلق إبليس من نار السموم, وخُلِق آدم ﵇ مما قد وصف لكم».
[قال الإمام]:
قلت: وفيه إشارة إلى بطلان الحديث المشهور على ألسنة الناس: " أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر ".ونحوه من الأحاديث التي تقول بأنه ﵌ خلق من نور، فإن هذا الحديث دليل واضح على أن الملائكة فقط هم الذين خُلِقُوا من نور، دون آدم وبنيه، فتنبه ولا تكن من الغافلين.
"الصحيحة"١/ ٢/٨٢٠).
стр. 3334
(كروية الأرض ودورانها)
[١١٨٠] باب الأرض كروية
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«أول الأرضين خرابا، يُسراها ثم يمناها».
(ضعيف).
[قال الإمام]:
ثم إن ظاهر الحديث منكر عندي، لأن الأرض كروية قطعاً، كما تدل عليه الحقائق العلمية، ولا تخالف الأدلة الشرعية، خلافا لمن يُماري في ذلك، وإذا
كان الأمر كذلك فأين يمنى الأرض ويسراها؟! فهما أمران نسبيان كالشرق والغرب تماماً.
"الضعيفة" (٤/ ١٥٧ - ١٥٩).
[١١٨١] باب كروية الأرض وعلو الله تعالى
سؤال: يسأل (بعضهم) سؤالاً في العقيدة .. فيقول: أنه هذه الكرة الأرضية إذا فرضنا بأن رجل في الطرف الأعلى، بالنسبة لنا، ورجل آخر في الطرف الأسفل، فالرجل الأعلى إذا رفع يديه إلى السماء فإنه يسأل مِنَ الله ﵎، ويكون الرفع باليدين إلى جهة العلو، وأما الرجل الذي في الأسفل في تصورنا فيكون يرفع يديه إلى تحت، فهل ممكن تُوضِّح لنا هذا؟
стр. 3335
الشيخ:- هذا خطأ؛ كل من كان على سطح الأرض فهو يرفع يديه إلى السماء إلى العلو، أنت اللي عم تحكيه خطأ من الناحية الفلكية وخطأ من الناحية الشرعية [ثم أخذ الشيخ يُصَوِّرُ شيئاً للسائل ليبين له المقصود].
" الهدى والنور" (٤١/ ٤٢: ٠٨: ٠٠)
[١١٨٢] باب هل العالم كروي ؟
السؤال: هل في رأيكم أن العالم كروي أم مستقيم؟
الشيخ: هذا سؤال جغرافي أو ديني؟
مداخلة: كلاهما.
الشيخ: كروي.
مداخلة: هل أخطأ ابن باز حينما قال بأنها مستقيمة؟
الشيخ: مستقيمة أو مسطحة؟
مداخلة: مسطحة.
الشيخ: ليت أن الخطأ وقف عند المسألة الجغرافية.
مداخلة: يريد أن تشرح لي.
الشيخ: مسألة كُروية الأرض أو سطحيتها ليست مسألة عملية، ولا هي مسألة اعتقادية، يجب على المسلم أن يعرف حكم الشرع فيها، إذا كانت عملية ليتعبد الله بها كسائر العبادات، أو أن يعتقدها في قرارة نفسه وقلبه، إذا كانت عقيدة يؤمر كل مسلم أن يعتقدها وأن يُؤمن بها، وإنما هي مسألة قد تؤخذ على وجهين اثنين من تفسير بعض الآيات في القرآن الكريم، وبلا شك كما هو الشأن في أكثر المسائل
стр. 3336
يكون أحد الوجهين صواباً والآخر خطأ، وعلى هذا من اجتهد وكان أهلاًَ للاجتهاد وأول شرط لهذه الأهلية هو المعرفة باللغة العربية، فسواء أصاب أو أخطأ كما يعلم هو، من أصاب له أجران ومن أخطأ فله أجر واحد، وهذه الآيات التي جاءت حول الأرض هل هي متحركة كروية أم هي ثابتة، فليس هناك نص قاطع يؤيد أحد الوجهين المختلفين، ولذلك قلنا أن هذه ليست مسألة اعتقادية لا بد أن يكون فيها رأي مُوحَّد كما نعتقد برأي السلف، فبعض الآيات من القرآن الكريم التي تتعلق بهذا الموضوع يمكن أن يُفهم منها ثبات الأرض وسطحيتها، والبعض الآخر يمكن أن يُفهم منها حركتها ودورانها، وهذا الرأي هو الذي يترجح عندنا ويطابق في الواقع الطبيعي الذي يشعر به كل فرد من أفراد الناس سواء كان مسلماً أو كافراً.
ويكفي في أن نعرف أن المسألة ليس فيها دليل قاطع مع الذين يُلِحُّون على مخالفة ما ثبت علمياً اليوم أن الأرض متحركة وأنها تدور حول الشمس، يكفي لمعرفة أنه لا نص صريح يخالف هذه الفكرة أو هذا الرأي الفلكي، أن كثيراً من علماء المسلمين الذين يعترف كل المسلمين بعلمهم وفضلهم وبخاصة نحن معشر السلفيين نعتقد بإمامية شيخ الإسلام ابن تيمية في معرفة الكتاب والسنة، وابن القيم الجوزية فضلاً عن غيرهما بأنهم كانوا يرون خلاف ما يذاع الآن بناء على بعض الظواهر القرآنية كآية: والجبال رواسي مثلاً، ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (النازعات:٣٠)، ونحو ذلك من الآيات، ما فهموا منها هذا الرأي الجامد المخالف، أولاً لظواهر النصوص الأخرى، وثانياً للحقيقة العلمية الفلكية.
مثل آية وَصْف الجبال بالنسبة للأرض كالرواسي بالنسبة للسفن، لا يستلزم لغة أن تكون الأرض غير متحركة مطلقاً، وإنما تنفي حركة اضطرابية مضطربة.
стр. 3337
ومثل هذه الآية آية: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (النبأ:٧)؛ لأننا نعلم بالمشاهدة أن الوتد بالنسبة للدابة ليس مانعاً لها من الحركة، وإنما الوتد يمنعها من الحركة الفوضوية وهي الشرود والانطلاق كيفما شاءت، لا، ربنا نَظَّم دوران الأرض كدوران الفرس حول الوتد، فجعل الجبال أوتاداً على عكس ما يدعون، هي تُثَبِت حركة الأرض لكن تثبت حركة علمية معروفة اليوم أنها منظمة ودقيقة جداً في طوال السنة لا تختلف ثانية، وكذلك الرواسي لا تمنع السفينة من الحركة، وإذا انتقلنا إلى الآيات الأخرى فهي صريحة أو تكاد تكون صريحة بعكس ما تفهمون من الآيات الأولى، كالآيات المذكورة في سورة يس، ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ (يس:٣٣)، إلى أن قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ﴾ (يس:٣٨ - ٤٠)
من الآيات الثلاث: الأرض والقمر والشمس ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس:٤٠)،
وهذه الآيات الدقيقة من الآيات الكونية على صدق النبوة والرسالة بدون
تَكَلَّف؛ لأن هناك آيات تعرفوا أنتم يتكلفون جداً في تأويلها وتطبيقها في بعض النظريات العلمية ...
"الهدى والنور" (٤٣٥/ ٠٠: ٥٣: ٠٠) و (٤٣٦/ ٠٠:٠٠:٥٥)
[١١٨٣] باب مسألة دوران الأرض هل هي حقيقة ؟
السؤال: سائل يقول: ما قولكم في مسألة دوران الأرض؟
الشيخ: نحن الحقيقة لا نشك في أن قضية دوران الأرض حقيقة علمية لا تقبل الجدل، في الوقت الذي نعتقد أن ليس من وظيفة الشرع عموما ًوالقرآن خصوصاً أن يتحدث عن علم الفلك ودقائق علم الفلك، وإنما هذه تدخل في
стр. 3338
عموم قوله ﵊ الذي أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ في قصة تأبير النخل، حينما قال لهم: «إنما هو ظن ظننته، فإذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فأتوا منه ما استطعتم، وما أمرتكم بشيء من أمور دنياكم فأنتم أعلم بأمور دنياكم» فهذه القضايا ليس من المفروض أن يتحدث عنها الرسول ﵇ وإن تحدث هو في حديثه أو ربنا في كتابه فإنما لغاية أو لآية أو لمعجزة ونحو ذلك.
ولذلك فنستطيع أن نقول: أنه لا يوجد في الكتاب ولا في السنة ما ينافي هذه الحقيقة العلمية المعروفة اليوم والتي تقول: بأن الأرض كروية وأنها تدور بقدرة الله في هذا الفضاء الواسع، بل يمكن للمسلم أن يجد ما يشعر إن لم نقل: ما ينص على أن الأرض كالشمس وكالقمر من حيث أنها كلها في هذا الفضاء كما قال : ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس:٤٠) لا سيما إذا استحضرنا أن قبل هذا التعميم الإلهي بلفظة: وكل، هي تعني الكواكب الثلاثة، حيث ابتدأ بالأرض فقال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ (يس:٣٣) ثم قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس:٣٨ - ٤٠) لفظة كل تشمل الآية الأولى الأرض ثم الشمس ثم القمر ثم قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس:٤٠)، هذا ظاهر من سياق الآيات هذه، وهي بلا شك آيات في ملك الله باهرة، فكل هذا مع العلم بأن العلماء في التفسير أعادوا اسم كل إلى أقرب مذكور وهو الشمس والقمر، لكن ليس هناك ما يمنع أبداً من أن نوسع معنى الكل فيشمل الأرض التي
стр. 3339
ذكرت قبل الشمس وقبل القمر، هذا أقوله، فإن صح فبها ونعمت، وإن لم يصح فأقل ما يقال: أنه لا يوجد في القرآن كما قلت آنفاً ولا في السنة ما ينفي هذه الحقيقة العلمية.
أما ما يقال أو ما يستدل به من الآيات كجعل الله الجبال رواسي أن تميد بهم، وكالأرض بعد ذلك دحاها ونحو ذلك من الآيات فهي في الحقيقة لا تنهض لإبطال هذه الحقيقة العلمية الكونية من جهة، بل لعل بعضها تكون حجة على المستدلين بها، فجعل الله الجبال أوتاداً كذلك كالأوتاد تشبيهاً بالأوتاد فهذا نص صريح بأن ذلك لا يمنع تحركها مطلقاً، وإنما يمنع تحرك الأرض تحركاً اضطرابياً، بحيث لا يتمكن الساكنون عليها من التمتع بما فيها بل من الحياة عليها، ذلك لأننا نعلم أن الرواسي بالنسبة للسفن لا تمنع حركتها مطلقاً، لكنها تمنع أن تفلت هكذا في خضم البحر فتضربها الأمواج يميناً وشمالاً، ثم يكون مصيرها الغرق، كذلك الأوتاد التي تضرب عادة للخيل ونحو ذلك من الدواب فهي لا تمنع أبداً أن تتحرك تحركاً في مدى محدود أراده ذاك الواتد إن صح التعبير وهو الذي ضرب الوتد للحيوان.
ونحن نرى في سوريا في بعض البساتين البساتين التي تُزرع فيها بعض الحشائش التي هي طعام للخيل وللبقر ونحو ذلك من الحيوانات يسمى عندنا في بلاد الشام بالفصة وربما يسمى عندكم بالبرسيم، هذا الذي يباع في المدينة حشيش أخضر أليس هو البرسيم؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: هذا يزرع، فيأتي الفلاح حينما ينبت فيضرب وتداً لفرسه أو لبقرته،
стр. 3340
فتجد هذه البقرة تأكل من هذا البرسيم المقدار الذي يريده صاحبها، فهي تتحرك، لكن ما تتحرك كما تشاء تتحرك بفوضى كما لو أطلق لها الزمام، وإنما تتحرك حركة نظامية، ولذلك تجد قد شكَّلت دائرة، الفصة أو البرسيم الذي أكتله أصبحت الأرض جرداء تقريباً من الخضار، وما حولها لا يزال الخضار فيه قائماً.
فتشبيه رب العالمين ﵎ للجبال بالنسبة للأرض كالمراسي للسفينة، والأوتاد بالنسبة للحيوانات هذه أيضاً بالنسبة للأرض كل ذلك لا ينفي عن الأرض حركة مُنَظَّمة بقدرة الله ﵎، لذلك قلت: أن هذا الآيات أو بعضها على الأقل هي أقرب إلى الدلالة على أن الأرض تتحرك أقل ما يقال، وأنها ليست ثابتة جامدة كما يتوهم كثير من الناس.
فخلاصة القول: لا يوجد في الشرع أبداً ما ينفي كروية الأرض، ثم كروية الأرض أصبحت اليوم حقيقة علمية ملموسة لمس اليد يعني يتهم الإنسان في عقله أو على الأقل في علمه فيما إذا جحد هذه الحقيقة، لأنك اليوم تستطيع أن ترفع السماعة وتتصل مع صديق لك صادق تقول له: الآن ماذا عندكم نهار أم ليل؟ سيقول لك: عندنا ليل، في الوقت الذي يًؤذَّن عندنا مثلاً لأذان المغرب يُؤذِّن عندهم لصلاة الفجر أو يكون قد طلعت الشمس، وهذا لا يمكن تصوره أبداً إلا كما يقول العلم هذا التجربة أن هذا ينتج بسبب أن الأرض تدور حول الشمس دائرة كاملة ينتج من وراءها الليل والنهار، ثم أدق من ذلك حصول الفصول الأربعة بسبب ابتعاد الأرض عن الشمس واقترابها، وهذا له تفصيله في علم الفلك في علم الجغرافيا لسنا في صدده، لكن الشاهد أنه لا يمكن أن تحصل هذه الأمور الواضحة إلا والأرض أولاً كروية، وإذا سُلِّم بكرويتها فلا يمكن أن يقال بأنها
стр. 3341
ثابتة، لأن البشر يسكنون هذه الأرض في كل جوانبها، كما يقال اليوم في القطب الشمالي وفي القطب الجنوبي، فلو كانت هي كروية وثابتة كيف يثبت من كانوا في أسفل القطب الجنوبي بل ومن كان في طرفيها، لكنها لما كانت تدور بقدرة الله العجيبة الدوران الذي لا يجعل حياة المستوطنين أو الساكنين عليها مضطربة فهذا أمر يعني غاية الإعجاز الدالة على عظمة قدرة الله ﵎.
وأنا أريد أن أُذكِّر بشيء يقرب هذا الشيء البعيد الذي لا يدخل في أذهان بعض الناس: (وأنا في ألبانيا كنت أجيراً في دكانة خال لي كان حلاقاً، فكان يأتيه زبون مثلاً فيطلب له قهوة فنجان قهوة، يأتي الكهوجي أو أجير القهوجة يأتي أجيره في القهوة أو القهوجي وفي يده صحن أو صينية تقولون صينية؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: مثل هذه الصواني أكبر منها قليلاً، لكن هذه لها حاملة، يعني: ممكن أن نصورها هكذا .. ! هنا يضع إصبعه هنا ويمشي أولاً يده ويتسلى يعمل فيها هكذا، والفنجان على الصحن الصغير كما هي العادة لا يتحرك من مكانه، هذا مصغر جداً جداً يفهم الإنسان كيف تدور الأرض ولا يضطرب البشر عليها، والبشر بشر كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين:٤) فإذا كان هذا الفنجان وهو موضوع في الصينية والذي يحركه هو إنسان جاهل غشيم قدرته ومداركه محدودة، مع ذلك ربنا أعطاه شيئاً من العقل وشيئًا من القدرة، بحيث أنه يدير هذه الصينية وعليها الفنجان وهو فوق الصحن الصغير فلا يقطر منه قطرة، هذا كنا نراه ونحن صغار، الله ماذا نقول، وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل، أي: أن الله على كل شيء قدير، إذاً: القضية ما
стр. 3342
تحتاج إلا إلى شيء من العلم والإدراك الصحيح مع وجود الإيمان الكامل طبعاً بعظمة قدرة الله التي لا يمكن أن يتصورها إنسان. هذا رأيي في هذا السؤال.
مداخلة: جزاكم الله خير.
"الهدى والنور" (٤٩٧/ ٤٦: ٤٢: ٠٠)
[١١٨٤] باب دوران الأرض
من الحقائق العلمية التي لا تقبل الجدل
[قال الإمام]:
(كون) الأرض تدور في الفضاء أصبحت من الحقائق العلمية التي لا تقبل الجدل، وليس في الكتاب ولا في السنة نص ينافي ذلك خلافاً لبعضهم.
"التعليق على التنكيل" (٢/ ١٨٥).
стр. 3343
(الكلام على حديث: "خلق الله التربة يوم السبت ")
[١١٨٥] باب الجمع بين حديث التربة
وقوله تعالى: ﴿خلق السموات والأرض في ستة أيام﴾
[قال الذهبي في "العلو"]:
قال النسائي في تفسير السجدة: حدثنا إبراهيم بن يعقوب: حدثني محمد بن الصبَّاح: حدثنا أبو عبيدة الحداد: حدثنا أخضر بن عجلان عن ابن جريح عن عطاء عن أبي هريرة: أن النبي ﵌ أخذ بيدي فقال: «يا أبا هريرة إن الله خلق السموات والأرضين وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الإثنين، والشر يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة في آخر ساعة من النهار بعد العصر، خلقه من أديم الأرض بأحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل الله من آدم الطيب والخبيث».
الأخضر وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم يُكتب حديثه وليَّنه الأزدي، وحديثه في السنن الأربعة، وهذا الحديث غريب من أفراده.
[قال الإمام بعد أن رجَّح أن الأخضر صدوق]:
وبقية رجال الإسناد ثقات كلهم، فالحديث جيد الإسناد على أنه لم يتفرد بذكر خلق التربة يوم السبت، وغيرها في بقية الأيام السبعة، فقد أخرجه مسلم
стр. 3344
وغيره من طريق أخرى عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وقد خرجته في "الصحيحة" رقم (١٨٣٣) وقد توهم بعضهم أنه مخالف للآية المذكورة في أول الحديث، وهي في أول سورة " السجدة "، وليس كذلك كما كنت بينته فيما علَّقته على " المشكاة" (٥٧٣٥)، وخلاصة ذلك أن الأيام السبعة في الحديث هي غير الأيام الستة في القرآن، وأن الحديث يتحدث عن شيء من التفصيل الذي أجراه الله على الأرض، فهو يزيد على القرآن، ولا يخالفه، وكان هذا الجمع قبل أن أقف على حديث الأخضر، فإذا هو صريح فيما كنت ذهبت إليه من الجمع. فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
"مختصر العلو" (ص١١١ - ١١٢)
[١١٨٦] باب منه
عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﵌ بيدي فقال: «خلق الله التربة يوم السبت, وخلق فيها الجبال يوم الأحد, وخلق الشجر يوم الاثنين, وخلق المكروه يوم الثلاثاء, وخلق النور يوم الأربعاء, وبث فيها الدواب يوم الخميس, وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق وآخر ساعة من النهار فيما بين العصر إلى الليل».رواه مسلم
[قال الإمام]:
ولا مطعن في إسناده البتة, وليس هو بمخالف للقرآن بوجه من الوجوه, خلافاً لما توهمه بعضهم, فإن الحديث يُفَصِل كيفية الخلق على الأرض وحدها, وأن ذلك كان في سبعة أيام, ونص القرآن على أن خلق السماوات والأرض كان في ستة أيام, والأرض في يومين لا يعارض ذلك, لاحتمال أن هذه الأيام الستة غير
стр. 3345
الأيام السبعة المذكورة في الحديث, وأنه - أعني الحديث - تحَدَّث عن مرحلة من مراحل تطور الخلق على وجه الأرض حتى صارت صالحة للسكنى, ويؤيده أن القرآن يذكر أن بعض الأيام عند الله تعالى كألف سنة, وبعضها مقداره خمسون ألف سنة, فما المانع أن تكون الأيام الستة من هذا القبيل؟ والأيام السبعة من أيامنا هذه؟ كما هو صريح الحديث, وحينئذ فلا تعارض بينه وبين القرآن.
" تحقيق مشكاة المصابيح" (٣/ ١٥٩٨).
[١١٨٧] باب معنى حديث ﴿خلق الله التربة يوم السبت﴾
وهل ضعَّفه شيخ الإسلام ؟
السائل: السؤال الأول: الحديث الذي يرويه مسلم .. الإمام مسلم ﵀
أنه أول ما خلق الله يوم السبت: التربة، فلقد قرأت للإمام ابن تيمية ﵀ بأنه يقول على هذا الحديث: بأنه معلل، وقد رواه البخاري موقوف على
أحد الصحابة.
الشيخ: من قال؟
مداخلة: بحث الشيخ ابن تيمية يقول هذا القول.
الشيخ: لا، أنت وهمت على الشيخ.
مداخلة: ماذا؟
الشيخ: وهمت .. أخطأت على الشيخ، الشيخ ما يقول: أن البخاري
رواه موقوفاً.
مداخلة: وإلا ماذا يقول؟
стр. 3346
الشيخ: يقول: أعله بالوقف.
مداخلة: ماذا يقول؟
الشيخ: أعله.
مداخلة: أعله بالوقف.
الشيخ: نعم، وشتان بين أعله بالوقف وبين رواه موقوفاً.
مداخلة: نعم، صحيح.
الشيخ: طيب! غيره.
مداخلة: طبعاً أنت تصحح الحديث.
الشيخ: نعم ولا شك.
مداخلة: ... ابن تيمية بتعليله هذا الحديث يعني: يستدل على أن أول أيام الأسبوع الذي هي ماذا؟ الأحد، وأن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، يذكر خلق آدم في هذه المسألة، كيف هذه الشبهة التي أصابتني أنا على أنه يعني: نقدر نقول: أن خلق آدم لحاله غير ستة أيام ما هو الحديث؟
الشيخ: أنت الحديث استوعبت نصه.
مداخلة: تقريباً.
الشيخ: جميل.
مداخلة: ليس كل نصه يعني: أنا الشرح الذي فهمته.
الشيخ: لا بأس! قبل الشرح بدك تكون مستوعب المشروح، قبل شرح
стр. 3347
الحديث يجب أن تستوعب الحديث، فأنا سأُذَكِّرك الآن هل في الحديث ذكر خلق السماوات والأرض؟
مداخلة: لا، التربة أول الشيء.
الشيخ: إذاً انتبه لما يُلقى عليك: الحديث لا يتعلق ولا يتحدث بما تحدَّثت به الآية الكريمة التي تُصَرِّح بأن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام حتى نأتي ونقول: بأن هذا الحديث يخالف الآية؛ لأن هذا الحديث فقط يتحدث عما خلق الله وأوجد من مخلوقات وتصرفات جديدة في الأرض فقط.
"الهدى والنور" (٢٥٩/ ٥٤: ٢٣: ٠٠)
стр. 3348
(متفرقات)
[١١٨٨] باب الأرضين سبع كالسماوات
[قال رسول الله ﷺ ]:
«إن نبي الله نوحاً ﵌ لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاصٌّ عليك الوصية, آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين, آمرك بـ (لا إله إلا الله) , فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة, ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله, ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حَلَقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله, وسبحان الله وبحمده, فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق, وأنهاك عن الشرك والكبر, قال: قلت: أو قيل: يا رسول الله هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر؟ - قال -: أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان؟ قال: لا. قال: هو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه؟ قال:
لا. قيل: يا رسول الله فما الكبر؟ قال: «سفه الحق وغمص الناس».
[قال الإمام]:
وفيه فوائد كثيرة، "منها":
أن الأرضين سبع كالسماوات. وفيه أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما، ولعلنا نتفرغ لتتبعها وتخريجها. ويشهد لها قول الله ﵎: ﴿خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن﴾ أي في الخلق والعدد. فلا تلتفت إلى
стр. 3349
من يفسرها بما يؤول إلى نفي المثلية في العدد أيضا اغتراراً بما وصل إليه علم الأوربيين من الرًقِي وأنهم لا يعلمون سبع أرضين! مع أنهم لا يعلمون سبع سماوات أيضا! أفننكر كلام الله وكلام رسوله بجهل الأوربيين وغيرهم مع اعترافهم أنهم كلما ازدادوا علما بالكون ازدادوا علما بجهلهم به، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ ...
"الصحيحة" (١/ ١/٢٥٩، ٢٦١).
[١١٨٩] باب هل جعل الله لمسخ نسلاً ؟
مداخلة: ثبت في الحديث: «ما جعل الله لمسخ من نسل».
الشيخ: نعم، هذا حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم.
مداخلة: معنى هذا الحديث.
الشيخ: ربنا لما مسخ اليهود قردة وخنازير هؤلاء مكثوا ثلاثة أيام ممسوخين ثم أبيدوا، الممسوخون هؤلاء لم يجعل الله لهم نسلًا كما يَظن أو يقول بعض الناس أن الحيوان الفلاني وبخاصة القرد مثلًا أن هذا أصله إنسان، هذا خطأ من الكلام، القرد كان موجودًا قبل أن يمسخ الله ﵎ اليهود قرودًا، وما نسخهم قرودًا إلا ليجعلهم كالقرود الذين كانوا يشاهدونهم، فالشاهد أن الحديث يعني أن أي قوم يمسخهم الله ﵎ ببعض الحيوانات فهذه الحيوانات لا يجعل الله لها نسلًا إنما يبيدهم ويفنيهم.
"أسئلة وفتاوى الإمارات" (٢/ ٠٠:٢٨:١١)
стр. 3350
(جماع أبواب الكلام على مسألة تسلسل الحوادث وتحرير قول شيخ الإسلام في ذلك)
стр. 3351
[١١٩٠] باب الرد على من قال بحوادث لا أول لها
عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة».
(صحيح).
[قال الإمام]:
في الحديث إشارة لطيفة إلى الرد على من يقول من العلماء: بحوادث لا أول لها وإنه ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بمخلوق وهكذا إلى ما لا أول له! فتأمل. وراجع لهذا "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (رقم ١٣٣).
"تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٢٦٥).
[١١٩١] باب حول كلام شيخ الإسلام في مسألة تسلسل الحوادث
[قال رسول الله ﵌]:
«إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم وأمره أن يكتب كل شيء يكون».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به، ثم قال]:
في الحديث إشارة إلى رد ما يتناقله الناس حتى صار ذلك عقيدة راسخة في قلوب كثير منهم وهو أن النور المحمدي هو أول ما خلق الله ﵎. وليس لذلك أساس من الصحة ...
وفيه رد على من يقول بأن العرش هو أول مخلوق، ولا نص في ذلك عن
стр. 3352
رسول الله ﵌، وإنما يقول به من قاله كابن تيمية وغيره - استنباطاً واجتهاداً فالأخذ بهذا الحديث - وفي معناه أحاديث أخرى - أولى لأنه نص في المسألة، ولا اجتهاد في مورد النص كما هو معلوم.
وتأويله بأن القلم مخلوق بعد العرش باطل، لأنه يصح مثل هذا التأويل لو كان هناك نص قاطع على أن العرش أول المخلوقات كلها ومنها القلم، أما ومثل هذا النص مفقود، فلا يجوز هذا التأويل.
وفيه رد أيضاً على من يقول بحوادث لا أول لها، وأنه ما من مخلوق، إلا ومسبوق بمخلوق قبله، وهكذا إلى مالا بداية له، بحيث لا يمكن أن يقال: هذا أول مخلوق.
فالحديث يبطل هذا القول ويُعَيِّن أن القلم هو أول مخلوق، فليس قبله قطعاً أي مخلوق. ولقد أطال ابن تيمية ﵀ الكلام في رده على الفلاسفة محاولاً إثبات حوادث لا أول لها، وجاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب، حتى اتهمه خصومه بأنه يقول بأن المخلوقات قديمة لا أول لها، مع أنه يقول ويُصرِّح بأنه ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم، ولكنه مع ذلك يقول بتسلسل الحوادث إلى ما لا بداية له. كما يقول هو وغيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية، فذلك القول منه غير مقبول، بل هو مرفوض بهذا الحديث وكم كنا نود أن لا يلج ابن تيمية ﵀ هذا المولج، لأن الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام الذي تعلَّمنا منه التحذير والتنفير منه، ولكن صدق الإمام مالك ﵀ حين قال: " ما منا من أحد إلا رَدَّ ورُدَّ عليه إلا صاحب هذا القبر ﵌ ".
"الصحيحة" (١/ ١/٢٥٧ - ٢٥٨).
стр. 3353
[١١٩٢] باب القول الحق في مسألة تسلسل الحوادث
سؤال: ما الحق في كلام العلماء على مسألة تسلسل الحوادث؟
الشيخ: هذا تكلمنا عنه أيضًا في بعض المجالس القريبة العهد، أظن كان
هذا البحث في مجلس أبو معاذ، الجواب باختصار: أننا لا نرى القول بهذا
لسببين اثنين:
السبب الأول: أنه يتعارض مع إثبات أول مخلوق، وإثبات أول مخلوق بدون تعيين وتحديد كأنه أمر متفق عليه حتى عند من قال بحوادث لا أول لها.
والسبب الثاني وهو الأهم: أن الحديث في تحديد أول مخلوق صحيح عن الرسول ﵇ وهو قوله: «أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ما أكتب، قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» الذي يقول بحوادث لا أول لها، وبالتسلسل في القِدَم هو يقول صراحةً: ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق، وهكذا إلى ما لا أَول له، كيف يتفق هذا مع قوله ﵇ الآنف الذكر: «أول ما خلق الله القلم»؟
يضاف إلى ذلك بأن القول هذا مع عدم وروده عن السلف وإنما فهم لبعض أئمة الخلف دخول في التحدث عن أمر غيبي .. أمر خطير جدًا بمجرد الرأي والاجتهاد، والأمور الغيبية كما نعلم جميعًا لا ينبغي أن نتوسع فيها، بل علينا أن نقف عند النص وانتهى الأمر.
مداخلة: يعني: ... الحديث هذا فيما قرأنا يعني: الذي ابن تيمية يقول: أن هذا اللفظ جاء: «أولَ ما خلق الله القلم» فـ"أول": منصوب على الظرفية، لكن الآن هل ثبتت روايات يعني: بلفظ أول؟
стр. 3354
الشيخ: هو هذا، وهذا أنا بينته قديمًا في تخريج شرح الطحاوية فرددت هذا التأويل الذي والأسلوب العربي وأنتم أعرف بأسلوبكم مني، أنا متعلق بلغتكم، فأنا إن صح شيء فأنا متعرب أما أنتم العرب وأنتم الأصل.
مداخلة: لا لا.
الشيخ: لا أقول لك: الرواية هكذا «أولُ ما خلق الله القلم»: مبتدأ وخبر، «فقال له اكتب»: جملة استئنافية، «قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» فليس هنا نصب وإنما مرفوع مبتدأً ومرفوع خبرًا، ثم جملة استئنافية متممة للكلام الأول ..
مداخلة: لو ثبتت الرواية ممكن يعني اعتباره ظرفًا ويُمشَّي على هذا.
الشيخ: لو ثبت! لكن كما جاء في بعض الآثار ولا مؤاخذة: اجعل لو عند ذاك الكوكب، ثم لا تنسى قلت آنفًا كلامًا له أهميته: لقد اختلف العلماء في أول مخلوق، وأشرت إلى أن الذي يقول بحوادث لا أول لها هو حكى هذا الخلاف ورجَّح خلاف هذا الحديث لما قام في نفسه: أن أول: منصوب على الظرفية، وقال: أول مخلوق هو العرش، إذًا: انتقضت الدعوى كلها، وهذا مهم كما
لا يخفاكم.
مداخلة: لا، لا يقول: أول مخلوق .. ما أول المخلوق، يقول هو أسبق من القلم، لا يقول هو أول مخلوق ..
الشيخ: لا لا، يقول .. يحكي المسألة الخلاف بين العلماء في تحديد أول مخلوق، وهو يرجِّح أن أول مخلوق هو العرش.
"لقاءات المدينة" (٢/ ٠٠:١٠:٥٤)
стр. 3355
[١١٩٣] باب في قول ابن تيمية في مسألة تسلسل الحوادث
السؤال: ماذا يقصد ابن تيميه في قوله: لا مانع من أن تكون أنواع الحوادث غير مخلوقة أو لا أول لها؟
الشيخ: هذا يقصد الذي يقصده واضح جداً، ولكنه غير مفهوم لدينا وبخاصة أن ظاهره ينافي قوله عليه الصلاة السلام: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة .. ».
فلذلك هذه المسألة لا يجوز اتباع شيخ الإسلام ابن تيمية فيها، وبلا شك أنا اعتقادي أن ابن تيمية بما أوتى من عقل وعلم وذكاء قد يُدرك ما لا ندرك، ولكن نحن من مثله تعلَّمنا أن لا نسلم بما لا ندرك إلا للمعصوم وهو رسول الله ﵌.
فهو حينما يقول: ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق، وقبله .. وقبله .. إلى ما لا أول له، هذا كلام ما نستطيع أن نعقله، وإن كان نستطيع أن نفهمه، والفهم شيء والعقل شيء آخر.
لذلك نقف عند قوله ﵇: «أول ما خلق الله القلم» فهو أول مخلوق، فإذا كان هو أول مخلوق، فإذاً: هو ليس قبله مخلوق.
فلذلك ندع هذا الرأي لابن تيمية ولا نتبعه فيه.
" الهدى والنور" (٦١٥/ ٤٥: ٠٠: ٠٠ طريق الإسلام)
[١١٩٤] باب الفرق بين قول أهل السنة
والفلاسفة في مسألة تسلسل الحوادث
السؤال: ما الفرق بين تسلسل الحوادث عند من قال به من أهل السنة وقدم العالم عند الفلاسفة؟ هذا السؤال الأول.
стр. 3356
الشيخ: الذي يقول من أهل السنة بتسلسل الحوادث يُصرِّح بأنه ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم، أما الفلاسفة فلا يقولون ذلك.
وحسبكم هذا التفاوت بيننا، وكل إناء بما فيه ينضح.
"الهدى والنور" (٤٩١/ ١١: ٥٧: ٠٠)
[١١٩٥] باب هل يلزم من كون المخلوقات لها أول، أن الحوادث لها أول ؟
سؤال: يا شيخ! قلت في السلسلة الصحيحة: الحديث الذي يدل على أن أول مخلوق هو القلم، واستدللت بذلك على أن الحوادث لها أول، فهل يلزم من أن المخلوقات لها أول أن الحوادث لها أول، وجزاكم الله خير ...
الشيخ: ما الفرق بين المخلوقات والحوادث؟ كل مخلوق حادث، وكل حادث مخلوق، ما أدري ما الذي يريد؟
مداخلة: شيخ أنا صاحب السؤال.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: أنا أقصد بصفات الله .. تحدث كما في الكلام مثلًا، ويأتي كلام الله متى يشاء، فأقصد أن الكلام من حيث نوعه هو قديم، ومن حيث آحاده فهو حادث، وهذا الذي قصدته فهل يدخل الحوادث ..
الشيخ: طيب! لكن كلام صفة من صفاته، فهل المخلوقات كذلك؟
مداخلة: لا.
الشيخ: فإذًا: يفترقان تمامًا، نعم.
стр. 3357
مداخلة: على هذه المسألة: هل نقول: أن تلك الحوادث ليس لها أول.
الشيخ: وقوله ﵇: «أول ما خلق الله القلم»؟
مداخلة: لا، أنا أقصد الجنس يعني ... لو تَصوَّرنا هكذا: خالق وخلق ومخلوق، فلعله يُشكل على كثير من الناس هذه المسألة، فنقول: الخلق
هو قديم ..
الشيخ: الخلق صفة الخالق قديم.
مداخلة: نعم، والخالق هو الله بذاته ، وأن المخلوق هو الحادث، ... يعتبر أول المخلوقات الذي هو القلم، طيب! وما جاء أن العرش أول المخلوقات.
الشيخ: لا يستوي هذا الكلام، هذا قول وليس جاء عن الرسول ﵇.
مداخلة: ... في حديث: «وكان عرشه على الماء».
الشيخ: لا بأس! أنا أعرف، لكن أنت قلت: وما جاء أن العرش أول مخلوق قلت: لا أصل لهذا الكلام، وهناك فرق كبير بين الاستنباط لحكم ما استنباطًا يمكن أن يكون صوابًا ويمكن أن يكون خطأً، وبين حكم صرح به الرسول ﵇ تصريحًا، فأنا قلت لك: هذا لا أصل له، أعني: لا يوجد في أي حديث كما قال الرسول للقلم أنه أول مخلوق لا يوجد أنه قال للعرش أنه مخلوق، لكن كونه قال ﵇: «وكان عرشه على الماء» هذا لا يبين أنه لم يخلق شيئًا قبل ذلك الماء الذي كان عرشه عليه، فإذا كان هذا غير مُبيَّن في هذا الحديث، وكان حديث القلم صريح بأنه أول مخلوق، فليس هناك ما يحملنا على أن نترك النص الصريح
стр. 3358
إلى النص الذي يحتمل معنى هذه الحديث الصحيح بغير القلم فحينئذٍ على كل حال سواء كان - الآن البحث يأخذ طورًا ثانيًا - سواًء كان القلم هو أول مخلوق أو كان الماء الذي كان عليه العرش، فإذًا: هناك نقطة التقاء بين جميع المختلفين في تعيين أول مخلوق أن هناك أول مخلوق، صح هذا أو لا؟ إنما الخلاف في تحديده وتعيينه، لكن لا خلاف عند الذين اختلفوا، وهذا من العجائب ابن تيمية نفسه حكى هذا الاختلاف أن العلماء اختلفوا في أول مخلوق: هل هو العرش .. هل هو القلم .. هل هو الماء؟ إلى آخره، فإذًا هناك شيء متفق عليه أنه يوجد أول مخلوق، يوجد شيء مختلف فيه، ما هو هذا الأول من المخلوقات؟ قيل وقيل.
والصريح كما ذكرنا آنفًا: أول ما خلق الله القلم، نعم.
مداخلة: شيخ! ... هذا الحديث: بعضهم يقول: أنه ليس فيه دلالة صريحة، وهم يؤولونها ويقولون: أن فيه ممكن يكون بالمفهوم: «أول ما خلق الله القلم وقال له اكتب» يعني: كما يقول: أول ما دخل فلان من الباب قال له: افعل كذا، يقول: ليس فيه دلالة على ..
الشيخ: انظر انظر أنت غيَّرت العبارة، أول ما خلق قال، الحديث ليس هكذا «أول ما خلق الله القلم» جملة تامة، فقال استئناف كلام .. أما لو قال: "قال" هنا يرد الشبهة التي أنت ذكرتها.
مداخلة: واو الآن عاطفة ..
الشيخ: ما هو المتبادر؟ نرجع للقواعد؟ ما هو المتبادر من قوله ﵇: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى
стр. 3359
يوم القيامة» كلها جمل مرتبطة بعضها في بعض، ثم هب أن القضية فيها احتمال أن يقول: الماء أول مخلوق، أو العرش أول مخلوق، ما فيها احتمال؟
مداخلة: فيها.
الشيخ: فيها احتمال، فأي الاحتمالين يعني: أقوى بحيث يجعل الدليل أضعف، لا شك أن الذي ما فيه ذرة تأول أضعف، وهذا أقوى، والله أعلم، نعم.
مداخلة: في رأي ... شيخ في السنة يعني: تعيَّن ما ذهبتم إليه، لكني أردت أن أعرف الرد على مثل هذا، وهي مذكورة في كتاب السنة: «أول شيء خلقه الله القلم، فقال له: اكتب» فإضافة شيء لعلك ترجِّح هذا المعنى يا شيخ؟
الشيخ: نعم، هو كذلك، لكن هذا الذي عنده شبهة يفرقون بين لفظة: قال، وهذا وجهة نظر قديمة، وبين: فقال، ورواية، أنا دندنت حول هذه الكلمة من حيث إثبات صحة الرواية فيها؛ لأنه لو قال: «أول ما خلق الله القلم قال .. » يكون قال هو الخبر بهذه الجملة، وإنما الخبر هنا القلم، أول ما خلق الله القلم، تمت مبتدأ أو اسم وخبره، أول ما خلق الله: هذه في محل نصب، واسم إن، فالقلم هو الخبر لإن، أما لو قال: "قال" فحينئٍذ تصير الجملة التالية هو الخبر، فيختلف المعنى.
"رحلة النور" (٤١ب/٠٠:٠٧:٥٣)
[١١٩٦] باب حول مسألة: حوادث لا أول لها
سؤال: سؤال في موضوع تسلسل الحوادث! بس بدك تطول بالك عليّ من أجل أفهمه منك.
شيخنا! مثل حديث القلم، هل المقصود بالقلم هو من الأشياء المشاهدة؟
стр. 3360
يعني: قول الرسول ﵊ ..
الشيخ: المشاهدة؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: لا، ليس المقصود.
مداخلة: طيب! شيخنا الذي سأل السؤال ..
الشيخ: من الذي سأل؟
مداخلة: أهل اليمن، أهل اليمن عندما سألوا ..
الشيخ: أهل اليمن ما سألوا عن القلم.
مداخلة: أليس سألوا الرسول ﵊ عن أول هذا الأمر؟
الشيخ: نعم، كان الجواب القلم؟
مداخلة: عفواً عفواً، أصبح عندي التباس بين الحديثين.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: قال ﵊: «كان الله ولم يكن شيء قبله» وفي الرواية الأخرى غيره .. في الحديث الآخر حديث القلم ..
الشيخ: وهو! حديث القلم وهو؟
مداخلة: «أول ما خلق الله ﵎ القلم فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال له: اكتب ما هو كائن وما سيكون» ..
الشيخ: ما هو كان نعم، إلى يوم القيامة .. نعم؟
стр. 3361
مداخلة: إلى يوم القيامة، فالآن: كيف نربط بين الحديثين، ولو قلنا .. نرجع أيضاً للآية التي تقول: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (هود:١٠٧) هل في فترة من الفترات كان
الله ﵎ مُعطَّل عن الفعل لغاية خلق القلم وكان أول خلق القلم ثم استمر في الخلق؟
الشيخ: كنت معذوراً عندما طلبت من الشيخ أنه يأخذك بحلمه.
مداخلة: طبعاً، أحفظ خط الرجعة يا شيخ.
الشيخ: نعم، هذا المنطق الذي نطقت به آنفاً هو شرعي؟
مداخلة: ألا وهو؟
الشيخ: أنه هل كان الله قبل ذلك مُعطَّلاً عن الخلق وعن العمل؟
مداخلة: شيخنا أنا أريد أن أفهم المسألة، يعني: المسألة حصل عندي فيها إشكال، إلى أمس وأنا أراجع فيها لم أقدر أن أفهمها ..
الشيخ: مُبَيَّن عليك ... ستقف ..
ما الذي يدخلك في هذه المضايق؟
مداخلة: أقرأ في كتاب فمرت علي هذه المسألة .. أمر عليها بدون أن أفهمها؟
الشيخ: حوادث لا أول لها .. في نص القرآن الكريم عليها؟
مداخلة: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (هود:١٠٧) حسب معرفتي طبعاً واعذرني ..
الشيخ: الظاهر سارت العدوى وهو الحيدة، لم تقل: في نص أو ما في نص .. تلوت علي الآية وأنا لا أفهم أن الآية تعني أن هناك حوادث لا أول لها،
стр. 3362
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (هود:١٠٧) كل مسلم يعرف أن الله غير مجبور من غيره وإنما الغير قد يكون مجبوراً منه، فهو ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (هود:١٠٧) لكن أنا سؤالي: هل هناك نص فيما علمت أو فيما قرأت يُقرِّر هذا النص .. فلسفة حوادث لا أول لها؟
مداخلة: لا، لا أعرف.
الشيخ: أرأيت كيف الفرق بين جوابك السابق ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (هود:١٠٧) وبين جوابك الآن، فمعنى إذا جمعنا بين الجوابين تبين أنك كنت متسرعاً
في قولك: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (هود:١٠٧) لأننا جميعاً نؤمن بأنه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (هود:١٠٧) ولكن ليس له علاقة بموضوع السؤال الموجه إليك حوادث
لا أول لها.
في أثناء طرحك للسؤال ذكرت حديث عمران بن حصين وذكرت حديث القلم .. كيف التوفيق بينهما؟
من وجوه التوفيق التي ذكرها علماء الحديث جزاهم الله خيراً، وقد أبلغوها إلى أكثر من مائة وجه من وجوه التوفيق بين نصين يبدو التعارض بينهما، من ذلك:
- أن ترى أي النصين صريح في موضوع الاختلاف المُتَوهَّم من النصين، فالآن يوجه إليك هذا السؤال: أحديث عمران صريح في تحديد أول مخلوق هو العرش أم حديث القلم؟
مداخلة: حديث عمران ..
الشيخ: لا، ما أسألك أن تعيد لي الحديث، قل لي: هذا أو هذا فقط، وأعيد السؤال: أي الحديثين أصرح في الدلالة على أول مخلوق أحديث عمران أم حديث أول ما خلق الله القلم؟
стр. 3363
مداخلة: حسب فهمي القلم .. حديث القلم.
الشيخ: هه، إذاً: زال التعارض، هذا أولاً.
ثانياً: قد تفهم أنت وغيرك أن القلم ليس هو أول مخلوق لكن العرش هو أول مخلوق، صح؟
مداخلة: ممكن شيء قبل العرش.
الشيخ: لم تجبني صح أو ليس بصح؟
مداخلة: أنا الذي أفهمه من هذه الأحاديث أن القلم هو أول المخلوقات.
الشيخ: عجيب! كَثّر خيرك وفَّرت علي مشوار طويل، طيب! إذا كان أنت تفهم هذا الفهم وأنا معك، ألا تكون حينذاك معارضاً لقوله ﵇: «أول ما خلق الله القلم» يمكن أن يكون قبل القلم مخلوق؟
مداخلة: لا، ليس ممكناً.
الشيخ: أقول: إذا كنت أنت تعتقد معنا بأن أول مخلوق هو القلم، ألا تشعر أنك حين تقول يمكن يكون القلم ليس هو أول مخلوق ..
مداخلة: لا، ليس ممكن أنا أعتقد هذا الاعتقاد، ليس ممكن أقول أنه: ليس ممكناً القلم يكون أول مخلوق؟
الشيخ: لكن قد قلت هذا فتب إلى الله، صح؟
مداخلة: مضبوط.
الشيخ: انتهت مسألة حوادث لا أول لها.
стр. 3364
مداخلة: طيب! شيخنا قبل القلم ..
الشيخ: ما زلت؟ تريد أن ترجع، ما هكذا يكون، إما أنك تقول أن في أول مخلوق .. عفواً: إما أن تقول: في أول قبل القلم، أو لا تقول إلا كما قال الرسول: «أول ما خلق الله القلم» فإذا قلت بقول الرسول بطل قول غيره بداهةً، وإذا قلت بخلاف قول الرسول أبطلت قول الرسول وفيه ما لا يخفاك.
مداخلة: لا، إن شاء الله ما نقول هذا ..
الشيخ: بارك الله فيك! فإذاً: لماذا نشغل ذهننا بشيء نخالف فيه كلام نبينا ﵇ وبخاصة أن هذا أمر يتعلق بغيب الغيوب، وهو رب العالمين ﵎ مع التسامح طبعاً في التعبير.
الحقيقة أن ابن تيمية عندما بحث هذا الموضوع كان بحثه جُرَّ إليه جراً في أثناء رده على الفلاسفة القائلين بقدم العالم، لكن ينبغي على المسلم دائماً وأبداً أن يكون مستحضراً في ذهنه دائماً أيضاً أنه: وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف، نحن كلمة حوادث لا أول لها لا نعرفها في تاريخ السلف إطلاقاً، هذا التعبير لا نعرفه، لكن نعرف حديث: «أول ما خلق الله القلم» وابن تيمية نفسه يتناقض في هذا الموضوع وأنت أرحتني من أن تقع في التناقض الذي وقع فيه ابن تيمية.
ابن تيمية في رسالته المسماة بـ «الرسالة العرشية» يميل إلى أن بعدما يذكر الخلاف بين العلماء في تحديد أول مخلوق يميل إلى أن أول مخلوق هو العرش على ظاهر حديث عمران بن حصين، إذاً: بالنسبة لما يتعلق بحوادث لا أول لها أصبح موضوع تحديد أول مخلوق ثانوي، المهم أن هناك أول مخلوق سواءً كان
стр. 3365
القلم أو كان العرش، فإذاً بطل القول بحوادث لا أول لها، لكن إذا أردنا أن نُوفِّق بين ظاهر حديث عمران وبين حديث القلم كما قلنا آنفاً أُصرح في الدلالة على الأولية.
لكن إذا فرضنا إنساناً يظل يُصِرُّ على أنه أول مخلوق هو العرش لا نظل نتطاحن معه لا أنت مصيب .. أنت مخطئ إلى آخره؛ لأن البحث كله في موضوع حوادث لا أول لها، فسواء كان أول مخلوق هو العرش أو كان القلم فالمهم أن مسألة حوادث لا أول لها بطلت؛ لأننا اتفقنا أن هناك أول مخلوق، لكن اختلفنا ما هو أول مخلوق؟ فمن قائل العرش، ومن قائل القلم، إذاً: هذا موضوع ثاني، فلا ينبغي إذاً أن نشغل أنفسنا بالبحث في حوادث لا أول لها؛ لأن هذه لا تثبت أمام حديث عمران أو أمام حديث القلم؛ لأن كلاً من الحديثين يثبت أول مخلوق، وانتهى الموضوع.
" الهدى والنور" (٧٩٨/ ٣٦: ٥٠: ٠٠)
[١١٩٧] باب الرد على القائلين بحوادث لا أول لها
[قال الإمام معلقاً على قول صاحب الطحاوية:"ونؤمن باللوح والقلم"]
ذكر الشارح هنا أن العلماء اختلفوا هل القلم أول المخلوقات أو العرش؟ على قولين لا ثالث لهما وأنا وإن كان الراجح عندي الأول كما كنت صرَّحت به في تعليقي عليه (ص ٢٩٥) فإني أقول الآن: سواء كان الراجح هذا أم ذاك فالاختلاف المذكور يدل بمفهومه على أن العلماء اتفقوا على أن هناك أول مخلوق, والقائلون بحوادث لا أول لها مخالفون لهذا الاتفاق, لأنهم يُصرِّحون بأن ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق وهكذا إلى ما لا أول له كما صرح بذلك ابن
следующие страницы →