(استراق السمع)
[١٢٣٧] باب كيف تسترق الشياطين السمع
عن عائشة زوج النبي ﵌: سأل ناس النبي ﵌: عن الكهان؟ فقال لهم: «ليسوا بشيء». فقالوا: يا رسول الله! فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقاً؟ فقال النبي ﵌: «تلك الكلمة [من الحق] يخطفها الشيطان، فيقرقره بأذني وليه كقرقرة الدجاجة، فيخلطون فيه بأكثر من مائة كذبة».
(صحيح).
[قال الإمام]:
(فائدة): في رواية أخرى صحيحة بيان كيفية خطف الشيطان للكلمة، وهي بلفظ:
«إن الملائكة تنزل في العنان (وهو السحاب)، فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه، فتوحيه إلى الكهان، فيذكرون معها مائة كذبة من عند أنفسهم».
أخرجه المؤلف [أي البخاري] في " الصحيح" (٢٢١٠) والطبري في "التفسير" (٢٣/ ٢٦).
"صحيح الأدب المفرد" (ص٢٣٧).
стр. 3572
(قرين النبي ﵌ -)
[١٢٣٨] باب كيف أسلم قرين النبي ﵌ -؟
سؤال: طيب! الرسول ﵌ الشيطان ترى خلاه يسلم وهو شيطان، كيف إذا عليه إنه يسيطر عليه أنه يخليه أسلم؟
الشيخ: الرسول ﵌ يقول: «ما منكم من أحد إلا وله قرين من الملائكة وقرين من الجن، قالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ... » (١) الحديث ليس صريحاً بالمعنى اللي أنت عم بتسأل عنه، وصبيت كلامك حوله حين قلت: كيف خلاه أسلم، وهو شيطان؟ الحديث ليس صريحاً في ذلك ليه؟ لأن العلماء لما بيذكروا الحديث، «ولكن الله أعانني عليه» بيرووه كمان بلفظ "فأسْلَمُ"، وبلفظ ثاني: "فأسْلَمَ". ففي فرق بين فأسلمُ يعني: من شره، فأسلمُ، فأسلمَ روايتان، وكل من الروايتين بتدل على معنى غير الرواية الأخرى، فعلى رواية فأسْلَمَ أي: صار مسلماً، وهنا بيجي الإشكال وسيأتيك الجواب، أما على رواية فأسْلَمُ، يعني: أسلمُ من شره، وأسلمُ من وسوسته، فلا يضرني فما فيه إشكال.
أما على الرواية الأولى: فَأَسْلَمَ. أي: صار مسلماً فالجواب: من ناحيتين:
الناحية الأولى: كما يوجد في الإنس الصالحين والطالحين يعني: غير صالحين، كمان في الجن يوجد منهم الجنسين الصالح والطالح، لذلك قال تعالى في القرآن في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ
стр. 3573
قِدَدًا﴾ (الجن:١١) فمن كان صالحاً من الجن فهو مسلم، كما أنه من كان صالحاً من الإنس فهو مسلم، ومن كان طالحاً فاسقاً من الجن فهو شيطان.
مداخلة: ما معنى كلمة (طالحاً)؟
الشيخ: يعني: ضد صالح، أنا أقول لك: من كان صالحاً أو من كان طالحاً يعني: غير صالح واضح؟
مداخلة: نعم.
طيب! من كان طالحاً يعني: غير صالح من الجن اسمه شيطان، وكذلك من كان من الإنس طالحاً فهو شيطان، ولذلك قال تعالى في القرآن: ﴿وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (الأنعام:١١٢) أي: شياطين الجن بيوحوا لإخوانهم من شياطين الإنس، إذاً: في من الإنس مسلمين ومن الجن مسلمين، وكما أنه فيه بالإنس غير مسلمين كمان فيه بالجن غير مسلمين، الجن اللي غير مسلمين اسمهم شياطين، (نأتي الآن) إلى شيطان الرسول ﵌ وهو جني، لكن الله أعان نبيه عليه فوعظه ونصحه وذكره كما فعل مع كفار قريش، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، وهو أرسل إلى الجن كما تعلم في سورة الجن ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (الجن:١) فهؤلاء الذين استمعوا اهتدوا وراحوا إلى قومهم وأنذروهم برسالة الرسول ﵇، فمنهم من آمن ومنهم من كفر من الجن، فهذا الشيطان الذي كان للرسول ﵇ ربنا أعان نبيه عليه فَأََسْلَمَ وصار مسلماً، كما لو كان من قبل كان من شياطين الجن، وبعدين أسلم، واضح؟ وهذا على رواية فأسْلَمَ.
أما على الرواية الثانية فأسلمُ ما فيها إشكال.
"الهدى والنور" (٣٢٣/ ٢٤: ٢٠: ٠٠).
стр. 3574
[١٢٣٩] باب كيف أسلم قرين النبي ﵌ وهو ملعون ؟
السائل: كيف أسلم شيطان النبي ﵌، كيف أسلم وهو ملعون؟
الشيخ: أولاً يجب أن نعلم أن الله لما خلق الإنس والجن، ما خلقهم جميعاً شياطين كفاراً عصاةً، وإنما خلقهم على الفطرة، فكما أنه يوجد في الإنس صالحون وطالحون، فيهم من لَقَّبَهُم رب العالمين بأنهم شياطين، كذلك الجن، ولا فرق أبداً من هذه الحيثية يوجد فيهم الصالح والطالح وهذا مذكور صراحةً في سورة الجن، وعلى لسان الجن، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن:١١]، فكما يوجد في الإنس صالح وطالح، فكذلك يوجد في الجن صالح وطالح، فمن أسلم من الجن فهو صالح ومن لم يسلم فهو كافر أو فاسق على الأقل، ولذلك فلا إشكال على إحدى الروايتين، في قوله ﵇ «ولكن الله أعانني عليه فأسلم»، لا إشكال في هذا؛ لأن الجن ليس كلهم كفار منهم الصالحون، ومنهم دون ذلك، فإذاً حديثه [فأسلم] يشير إلى هذه الحقيقة أن من الجن الصالح ومنهم الطالح، ونحن نعلم جميعاً أن إبليس كان بصريح القرآن ﴿إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (الكهف:٥٠)، فمن كان من ذريته يفسق أيضاً ويخرج عن أمر ربه فهو مثله، ومن أسلم وأطاع ربه فهو جني مسلم فلا فرق إذاً بين الإنس والجن من حيث أن فيهم المؤمن والكافر، فيهم المؤمن الصالح، وفيهم المؤمن الطالح هذا جواب ما سألت وهو واضح، إن شاء الله تعالى.
"الهدى والنور" (٣٩٩/ ٤٩: ١٣: ٠٠).
стр. 3575
(هل كان إبليس من الملائكة ؟)
[١٢٤٠] باب هل كان إبليس من الملائكة ؟
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
- «يا جبريل صف لي النار، وانعت لي جهنم، فقال جبريل: إن الله ﵎ أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أمر بها فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، لا يضيء شررها، ولا يطفأ لهبها، والذي بعثك بالحق لو أن خازنا من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا فنظروا إليه لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه، ومن نتن ريحه، والذي بعثك بالحق لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لا رفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى الأرض السفلى، فقال رسول الله ﵌: حسبي يا جبريل لا يتصدع قلبي، فأموت، قال: فنظر رسول الله ﵌ إلى جبريل وهو يبكي، فقال: تبكي يا جبريل وأنت من الله بالمكان الذي أنت به، فقال: مالي لا أبكي؟ أنا أحق بالبكاء! لعلي ابتلى بما ابتلي به إبليس، فقد كان من الملائكة، وما أدري لعلي ابتلي مثل ما ابتلي به هاروت وماروت، قال: فبكى رسول الله ﵌ وبكى جبريل ﵇، فما زالا يبكيان حتى نوديا: أن يا جبريل ويا محمد إن الله قد أمنكما أن تعصياه، فارتفع جبريل ﵇، وخرج رسول الله ﵌ فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون، فقال: أتضحكون ووراءكم جهنم؟! لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا
стр. 3576
ولبكيتم كثيرا، ولما أسغتم الطعام والشراب، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله .. فنودي: يا محمد! لا تقنط عبادي، إنما بعثتك ميسرا ولم أبعثك معسرا فقال رسول الله ﵌: سددوا وقاربوا».
(موضوع).
[قال الإمام]:
أخرجه الطبراني في " الأوسط " بسنده عن عمر بن الخطاب قال: " جاء جبريل إلى النبي ﵌ في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقام إليه رسول الله ﵌ فقال: يا جبريل: مالي أراك متغير اللون؟ فقال: ما جئتك حتى أمر الله بمفاتيح النار، فقال رسول الله ﵌: يا جبريل صف لي النار. الحديث، أورده المنذري في " الترغيب والترهيب " (٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦) وأشار لضعفه أو وضعه، وقد بين علته الهيثمي في " المجمع " فقال (١٠/ ٣٨٧): " وفيه سلام الطويل وهو مجمع على ضعفه ".
قلت: وذلك لأنه كان كذابا كما قال ابن خراش، وقال ابن حبان (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦): "روى عن الثقات الموضوعات، كأنه كان المعتمد لها ". وقال الحاكم - على تساهله -: " روى أحاديث موضوعة ". قلت: وهذا منها بلا شك فإن التركيب والصنع عليه ظاهر، ثم إن فيه ما هو مخالف للقرآن الكريم في موضعين منه:
الأول: قوله في إبليس: " كان من الملائكة " والله يقول فيه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، وما يروى عن ابن عباس في تفسير قوله: ﴿من الجن﴾ أي من خزان الجنان، وأن إبليس كان من الملائكة، فمما لا يصح إسناده عنه، ومما يبطله أنه خلق من نار كما ثبت في القرآن الكريم، والملائكة خلقت من
стр. 3577
نور كما في " صحيح مسلم " عن عائشة مرفوعا، فكيف يصح أن يكون منهم خلقة، وإنما دخل معهم في الأمر بالسجود لآدم ﵇ لأنه كان قد تشبه بهم وتعبد وتنسك، كما قال الحافظ ابن كثير، وقد صح عن الحسن البصري أنه قال: "ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن، كما أن آدم ﵇ أصل البشر ". [ثم ذكر الإمام الموضع الثاني].
"الضعيفة" (٢/ ٣١١ - ٣١٢).
[١٢٤١] باب منه
[أورد الإمام الحديث السابق ثم قال]:
أخرجه ابن أبي الدنيا في " صفة النار " (ق ٩/ ١) والطبراني في المعجم الأوسط (٢٧٥٠ - بترقيمي لمصورة الجامعة الإسلامية) عن سلام الطويل عن الأجلح بن عبد الله الكندي عن عدي بن عدي الكندي قال: قال: عمر بن الخطاب: جاء جبريل إلى النبي ﵌ في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقام إليه رسول الله ﵌ فقال: فذكره. وقال الطبراني: " لا يروى هذا الحديث عن عمر إلا بهذا الإسناد تفرد به سلام ".
قلت: وقال الهيثمي (١٠/ ٣٨٦ - ٣٨٧) بعد ما عزاه للطبراني: " وهو مجمع على ضعفه".
قلت: وقد اتهمه غير واحد بالكذب والوضع كما تقدم غير ما مرة، وقال ابن حبان في " الضعفاء والمتروكين ": " يروي عن الثقات الموضوعات كأنه كان المتعمد لها ".
قلت: وفي هذا الحديث ما يؤكد ما اتهموه به أعظمها قوله في إبليس: "كان من
стр. 3578
الملائكة " وهذا خلاف القرآن: و ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾.
ثم إن الملائكة خلقت من نور كما في " صحيح مسلم "، وهو مخرج في " الصحيحة " (٤٥٨)، وأما إبليس فخلق من نار كما في القرآن والحديث.
ونحوه قوله: "ما ابتلي به هاروت وماروت، فإنه يشير إلى ما يروى من قصتهما مع الزهرة ومراودتهما إياها وشربهما الخمر وقتلهما الصبي، وهي قصة باطلة مخالفة للقرآن أيضا كما سبق بيانه في المجلد الأول برقم (١٧٠).
ولا يفوتني التنبيه أن قوله: " لو تعلمون ... " إلى قوله: " تجأرون إلى الله " قد جاء طرفه الأول في " الصحيحين "، والباقي عند الحاكم وغيره، فانظر الحديث الآتي إن شاء الله برقم (٤٣٥٤). وتخريج " فقه السيرة" (ص٤٧٩).
"الضعيفة" (٣/ ٤٧٢ - ٤٧٥).
[١٢٤٢] باب منه
[ذكر أبو عبيد في "الإيمان": أن إبليس "كان في عداد الملائكة" فعلق الإمام على ذلك قائلا]:
يعني الذين أمروا بالسجود، ولا يعني .. رحمه الله تعالى: أنه كان منهم في الخلق والجبلة، كيف والقرآن يقول عنه ﴿كان من الجن﴾، والرسول ﵌ قال: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق آدم مما وصف لكم». "مختصر مسلم" رقم (٢١٦٩).
"تحقيق الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام" (ص ٥٨).
стр. 3579
(حكم لعن الشيطان)
[١٢٤٣] باب هل يجوز لعن إبليس ؟
سؤال: يجوز لعن إبليس؟
الشيخ: إبليس، لا يجوز، إنما تقول: أعوذ بالله من شر إبليس.
"رحلة النور" (٩أ/٠٠:٢٤:٣٥)
[١٢٤٤] باب حال حديث «لا تلعنوا الشيطان فإنه يتعاظم»
سؤال: صحة حديث: «لا تلعنوا الشيطان فإنه يتعاظم» (١).
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: اللفظ صحيح.
الشيخ: المعنى صحيح، أما اللفظ لا أستحضره، في نهي عن ذلك، ويأمر الرسول في هذه الحالة أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
مداخلة: نعم، لكن الحديث نفسه.
الشيخ: أقول لك: هذا من تمام الحديث، والحديث صحيح.
"الهدى والنور" (٢٤٥/ ٠٩: ٥٣: ٠٠)
стр. 3580
(متفرقات)
[١٢٤٥] باب في ذكر طعام الجن
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«لكم (يعني الجن) كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم».
[قال الإمام]:
وخلاصة الكلام في هذا الحديث أنه ضعيف للاضطراب في سنده ومتنه، ولم أجد له شاهداً نقويه به، بل هو مخالف بظاهره لحديث أبي هريرة: " أنه كان يحمل مع النبي ﵌ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة فقال: ابغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة " فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت معه، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين - ونعم الجن - فسألوني الزاد، فدعوت الله أن لا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعماً، وفي لفظ: طعاماً ".
أخرجه البخاري (٧/ ١٣٦) والطحاوي (١/ ٧٤) والبيهقي (١/ ١٠٧ - ١٠٨).
قلت: ووجه المخالفة أن ظاهره أن العظم والروثة زاد وطعام للجن أنفسهم،
стр. 3581
وليس شيء من ذلك لدوابهم، والتوفيق بينه وبين حديث ابن مسعود بحمل الطعام فيه على طعام الدواب كما فعل الحافظ في " الفتح " وتبعه الصنعاني في " سبل السلام " (١/ ١٢٣)، لا بأس به لوثبت حديث ابن مسعود، أما وهو ضعيف كما سبق فلا وجه للتوفيق حينئذ.
"الضعيفة" (٣/ ١٣٣/١٣٧).
[١٢٤٦] باب هل الحيات الموجودة الآن من الجن الممسوخ ؟
[قال رسول الله ﵌]:
«الحيات مسخ الجن، كما مسخت القردة والخنازير من بني إسرائيل».
[ترجم له الإمام بقوله: ما مسخ انقرض ثم قال:]
اعلم أن الحديث لا يعني أن الحيات الموجودة الآن هي من الجن الممسوخ، وإنما يعني أن الجن وقع فيهم مسخ إلى الحيات، كما وقع في اليهود مسخهم قردة وخنازير، ولكنهم لم ينسلوا كما في الحديث الصحيح: «إن الله لم يجعل لمسخ نسلاً ولا عقباً»، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك.
" الصحيحة" (٤/ ٤٣٩ - ٤٤٠).
[١٢٤٧] باب هل يسلط الشيطان على أموال الناس ؟
سؤال: السؤال توضيح فعل الشيطان في حديث: «صدقك وهو كذوب»؟ وهل الشيطان هو إبليس الذي لم يسجد لآدم أم من أفراد أسرته إذا صح أو ذريته؟
الشيخ: ماذا تفرق معك إن كان هو وإلا ابنه ... أنا ما عندي التوضيح هذا،
стр. 3582
لأن هذا ما يترتب وراءه شيء.
مداخلة: هل يفعل الشيطان أن يأخذ من مال المسلمين بهذا التصوير .. ؟
الشيخ: هذا السؤال غير وارد، لأن الحديث شو يدل؟
مداخلة: الحديث أنه كان داخل في المال في بيت مال المسلمين.
الشيخ: بس هيك؟
مداخلة: هو لما جاء قال له: أنا مسكين وفقير.
الشيخ: لا، هذا الحديث شو بيدل بالنسبة لسؤالك.
مداخلة: يعني الحديث أنه قاعد داخل موجود في الغرفة وقاعد يحمل.
الشيخ: طيب. إذاً ما هو سؤالك؟
مداخلة: أنه هل يعني يصير؟
الشيخ: قد صار.
مداخلة: يعني يصير بعدها.
الشيخ: صار، ولولا أن الرجل مؤمن أبو هريرة وشجاع وهجم عليه واستفاد الذكر فائدة؛ كان الشيطان أخذ البضاعة وذهب، لكن أنت يمكن مثلما ألمح بعض الإخوان متأثر ببعض الإشاعات أو الوساوس الشيطانية، الشيطان يفعل هذا, ولكن الله لا يسلط شيطان على أموال الناس كلهم دائماً وأبداً، وإنما حين يريد أن يظهر حكمة يقع هذا، فما هو المانع؟
مداخلة: .. في قضية في أحد أقاربنا سرق ماله يعني، سرق ماله وهم ناس
стр. 3583
بسطاء فصار يقولوا: اذهبوا إلى الشيخ من أجل يعرف أين الفلوس، وقال لهم واحد: أنا أخلي الشيطان يروح يأتي بالفلوس.
الشيخ: ما له علاقة بحديث الشيطان الذي قال فيه الرسول: «صدقك وهو كذوب» وهذا توسع غير مشروع وغير جائز أن الواحد يستعين بالذين يتعاونون مع الجن، فهذا بلا شك يعني ليس من سبيل المؤمنين.
"الهدى والنور" (٢٣٥/ ٥٠: ٢٦: ٠٠)
[١٢٤٨] باب هل الجني يؤذي الإنسي ابتداءً ؟
السائل: شيخنا الجن هل يمكن أن يؤذي الإنسان ابتداء وإلا لازم يكون سحر نافخ فيه إنسي؟
الشيخ: لا ليس شرطاً.
مداخلة: .. يعني ممكن الجني يؤذي الإنسي ابتداءً.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: يتلبسوا دونما سبب.
الشيخ: أي نعم.
"الهدى والنور" (٦٢٨/ ٣٣: ٠٦: ٠٠).
[١٢٤٩] باب هل جنس البشر أفضل أم الجن ؟
مداخلة: الجن يعتبرون الإنس أفضل منهم خلقاً ونسباً، ولذلك يطيعونهم.
الشيخ: هذه مسألة دخلت في طور الشريعة، هل عندك دليل؟ ...
стр. 3584
مداخلة: شيخنا الآية قول إبليس لعنه الله: ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ عن آدم ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ (الإسراء:٦٢) ليست دليلاً هذه أيضاً.
الشيخ: دليل خاص بين شخصين، نحن نحكي عن أمة أمام أمة، شعب أمام شعب، خلق أمام خلق، كما لو قلنا مثلاً الملائكة أفضل أم البشر؟ فقد يكون في البشر شخص يكون أفضل من أفضل الملائكة، لكن ذلك لا يستلزم تفضيل جنس الملائكة على جنس البشر، أو العكس يعني.
مداخلة: شيخنا جعل الله الخلافة لبني آدم والجن يسكنون الأرض معنا، ولكن الخلافة في بني آدم ﴿إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة:٣٠).
مداخلة: الإنسان.
مداخلة: نعم.
مداخلة: يعني شيخنا تفضيل نوعية يبحث فيه.
الشيخ: كيف؟
مداخلة: تفضيل النوعية ..
الشيخ: ما فهمت.
مداخلة: أنا أتساءل عن [البحث] الذي يبحث فيه، يعني .. هل المراد بذلك الجنس مثلاً وما يتبعها.
الشيخ: هذا الذي قلناه الجنس، المراد الجنس.
مداخلة: نعم.
стр. 3585
الشيخ: هل جنس الملائكة أفضل أم جنس البشر، أم العكس؟ فإذا فرضنا أن جنس الملائكة أفضل، جنس الملائكة أفضل كلهم كجماعة أو كأمة، لكن بدون أن يكون محمد أفضل من الملائكة أم لا يجوز؟ يجوز، لكن ليس البحث في الأفراد، البحث في الجنس، فأنا أحاول نشوف فيه شيء أم لا، لا نستحضر.
مداخلة: شيخنا مجرد ما بحثت مفاضلة الإنس مع الملائكة ألا يقتضي ضمناً تفضيل الإنس على الجن؟
الشيخ: كيف قلت؟
مداخلة: مجرد مبحث أهل العلم في المفاضلة بين الملائكة والإنس، ألا يقتضي ذلك ضمناً تفضيلهم على الجن؟
الشيخ: مجرد البحث؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: كيف؟
مداخلة: يعني مجرد ما يذكر أن الملائكة أم الإنس، فلو كان الجن أفضل من الإنس لقيل الجن أم الملائكة، فمجرد هذه المقارنة تحصيل حاصل الإنس هو أعلى قدراً من الجن.
الشيخ: بارك الله فيك، لكن هذا يتطلب الدليل، أما مجرد ادعاء هذا قيل
من قبل.
مداخلة: العموميات شيخنا الذي نقل.
مداخلة: إذا قارنت الجنس بالذي يليه فبالتالي تسقط ما هو دون الأدنى، فمن
стр. 3586
باب الاستنتاج بس أقول لك، أو من باب الوصول إلى النتيجة.
الشيخ: نعم.
مداخلة: ... قرأ سورة الرحمن على الجن، رأيتهم أحسن مردوداً منكم، هل هذا دليل على تفضيلهم على الإنس؟
الشيخ: تفضيل موضعي نعم.
"الهدى والنور" (٦٢٨/ ٥١: ٢٠: ٠٠) و (٦٢٨/ ١٤: ٢٤: ٠٠)
стр. 3587
جماع أبواب ضلال من أنكر عالم الجن وحقيقته
стр. 3588
[١٢٥٠] باب كفر من أنكر عالم الجن
عن جابر بن سمرة قال: صلينا مع رسول الله ﵌ صلاة مكتوبة فضم يده في الصلاة، فلما صلى قلنا: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «لا إلا أن الشيطان أراد أن يمر بين يدي فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي، وأيم الله لولا ما سبقني إليه أخي سليمان لارتبط إلى سارية من سواري المسجد حتى يطيف به ولدان أهل المدينة».
[قال الإمام]:
إسناده صحيح على شرط مسلم.
[وعلق قائلاً]:
وهو من الأحاديث الكثيرة التي يكفر بها طائفة القاديانية؛ فإنهم لا يؤمنون بعالم الجن المذكور في القرآن والسنة، وطريقتهم في رد النصوص معروفة،
فإن كانت من القرآن؛ حرفوا معانيها؛ كقوله تعالى ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ
نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ قالوا: أي من الإنس! فيجعلون لفظة " الجن " مرادفة للفظة " الإنس "؛ كـ " البشر"! فخرجوا بذلك عن اللغة والشرع، وإن كانت من السنة؛
فإن أمكنهم تحريفها بالتأويل الباطل؛ فعلوا، وإلا؛ فما أسهل حكمهم ببطلانها؛ ولو أجمع أئمة الحديث كلهم والأمة من ورائهم على صحتها؛ بل تواترها!
هداهم الله.
"أصل صفة الصلاة" (١/ ١٢٤).
стр. 3589
[١٢٥١] باب ذكر بعض أهل الضلال
ممن أنكر عالم الجن والشياطين
[قال الإمام]:
ومن [أباطيل غلام أحمد] القادياني المخبول: زعمه أن المراد بالشيطان الرجيم في الاستعاذة هو هذا الدجال -يعني: الديانة [المسيحية الباطلة]-؛ قال [في كتابه "إعجاز المسيح"] (٢٩):
ولا يفهم هذا الرمزَ إلا ذو القريحة الوقادة! ...
ومن وقف على كتبه؛ يعلم أن تفسيره كله أو جله على هذه الطريقة الرمزية الصوفية الغالية, التي لا تستند إلى قاعدة لغوية أو شرعية, وإنما هي الهوى أو الوحي الشيطاني! وهو في أثناء تفسيره للاستعاذة يشير إلى إنكار وجود الجن والشياطين, وإنما الجن عنده وعند أتباعه الضالين هم زعماء الناس؛ كما صرح لي بذلك بعض أتباعه, وكان قد جرى بيني وبينه مناظرة شفهية في هذا الموضع في جلسات تبلغ العشر, كان نتيجتها أن انسحب منها مذموماً مدحوراً.
"أصل صفة الصلاة" (٣/ ١٠٠٥ - ١٠٠٦).
[١٢٥٢] باب منه
[قال الإمام]:
ومن ضلالات القاديانية إنكارهم لـ (الجن) كخلقٍ غير الإنس، ويتأولون كل الآيات والأحاديث المصرحة بوجودهم ومباينتهم للإنس في الخلق بما يعود إلى أنهم الإنس أنفسهم أو طائفة منهم، حتى إبليس نفسه يقولون إنه إنسي شرير، فما أضلهم.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٢٣ - ٢٤).
стр. 3590
[١٢٥٣] باب منه
[قال الإمام في أثناء كلامه على ضلالات القاديانية:]
وأنكروا وجود الجن مع تردد ذكرهم في القرآن الكريم فضلاً عن السنة وتنوع صفاتهم فيهما، وزعموا أنهم طائفة من البشر، إلى غير ذلك من ضلالاتهم، وكلها من بركات التأويل الذي أخذ به الخلف في آية الاستواء وغيرها من آيات الصفات.
"مختصر العلو" (ص٣٢).
[١٢٥٤] باب منه
[قال الإمام]:
اليوم الفرق الإسلامية كلها يأخذون ... : قال الله وقال رسول الله، لكن بيلفوا ويدوروا على ما قال الله قال رسول الله، ويأتونك بمذهب ما أنزل الله به من سلطان، وحسبكم مثالاً على ذلك: الفرقة الجديدة وهي فرقة القاديانية الذين يسمون بالأحمدية، فهؤلاء آخر الفرق الإسلامية التي لها كيان ولها شخوص، ولها بروز ولها دعوة شائعة في [القارة] الأوربية والأمريكية باسم الإسلام.
هؤلاء مسلمون يصلون صلوات خمس، ويحجون إلى بيت الله الحرام، ولكنهم ينكرون حقائق شرعية منصوصة في الكتاب والسنة لم يسبقوا إلى القول بها، مش مثل المعتزلة والماتريدية الأشاعرة، فهم مثلاً: ينكرون أن يكون هناك خَلْقٌ هم الجن مع أنه هناك سورة في القرآن اسم سورة الجن، طيب. هل ينكرون القرآن ينكرون السورة؟ لا. لكن يقولون لنا: أنتم ما فهمتم معنى الجن كمثل الإنس والبشر اللفظين هذين يدلان على مسمى واحد والَّا على مسميين؟ لا مسمى واحد، هم بقي جابوا مسمى ثالث الإنس والبشر والجن أسماء ثلاثة تطلق
стр. 3591
على مسمى واحد وهم: البشر. لما تأتي لهم بآية في القرآن: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف:١٢) يقول لك: هذه ما هي نار حقيقة، ولا طين حقيقي إنما هذا مجاز، مجاز ولما بتجيب له بالحديث الصحيح في مسلم: «خلق الله الملائكة من نور، وخلق الجان من نار وخلق آدم مما وصف لكم» (١) يقول لك: هذا حديث آحاد، حديث آحاد آحاد، حديث ما هو متواتر يعني، حديث آحاد لا تثبت فيه عقيدة، وهذه ضلالة وهي: أن حديث الأحاديث لا تثبت به عقيدة مع الأسف الشديد ما هو مذهب قادياني، القاديانية سُبِقوا إلى هذه الضلالة بقرون، لكن لم يسبقوا إلى تفسير الجن بأنهم الأنس أو البشر.
الأزهر الشريف الآن، الأزهر الذي يسموه شريف يقرر على الطلاب الذي يوزعوهم في العالم الإسلامية للدعوة للإسلام أن الحديث الصحيح لا يحتج به في العقيدة إلا إذا كان متواتراً، ما معنى متواتر؟ يعني: يكون جاء من طرق عديدة، يعني: يكون رواه في عشرة من الصحابة، وعشرة من التابعين عن عشرة من الصحابة ... وهكذا.
وعلى كل حال: أردت أن أختصر، لكن كما يقال: الحديث ذو شجون ..
مداخلة: ماذا يستفيدون من التعطيل.
الشيخ: اتباع الأهواء عقل بيحكموا عقولهم ما بيحكموا الشرع.
مداخلة: هذا هو الأمر، ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الفرقان:٤٣).
الشيخ: هواه أي نعم.
"الهدى والنور""الهدى والنور" (١٦١/ ٠١: ٣٣: ٠٠) و (١٦١/ ٢٧: ٤٥: ٠٠)
стр. 3592
جماع أبواب
إثبات تلبس الجن بالإنس والرد على من أنكر ذلك
стр. 3593
[١٢٥٥] باب إثبات تلبس الجن بالإنس والرد على من أنكر ذلك
مع الإنكار على من يتوسع في هذا الباب كذلك
"يا شيطان اخرج من صدر عثمان! [فعل ذلك ثلاث مرات] ".
[قال الإمام]:
هو من حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁، وله عنه طرق أربعة:
الأولى: عن عبد الأعلى: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عبد الله بن الحكم عن عثمان بن بشر قال: سمعت عثمان بن أبي العاص يقول: شكوت إلى رسول الله ﵌ نسيان القرآن، فضرب صدري بيده فقال: فذكره. قال عثمان: "فما نسيت منه شيئا بعد، أحببت أن أذكره ".
وفي الحديث دلالة صريحة على أن الشيطان قد يتلبس الإنسان ويدخل فيه ولو كان مؤمناً صالحا، وفي ذلك أحاديث كثيرة، وقد كنت خرجت أحدها فيما تقدم برقم (٤٨٥) من حديث يعلى بن مرة قال: "سافرت مع رسول الله ﵌ فرأيت منه شيئا ًعجباً .. " وفيه: "وأتته امرأة فقالت: إن ابني هذا به لمم منذ سبع سنين، يأخذه كل يوم مرتين، فقال رسول الله ﵌: " أدنيه "، فأدنته منه، فتفل في فيه، وقال: اخرج عدو الله! أنا رسول الله ". رواه الحاكم وصححه.
ووافقه الذهبي، وهو منقطع. ثم خرجته من طرق أخرى عن يعلى، جود المنذري أحدها! ثم ختمت التخريج بقولي: " وبالجملة فالحديث بهذه المتابعات جيد (١). والله أعلم ". ثم وقفت على كتاب عجيب من غرائب ما طبع في العصر
стр. 3594
الحاضر بعنوان (طليعة " استحالة دخول الجان بدن الإنسان")! لمؤلفه (أبو عبد الرحمن إيهاب بن حسين الأثري) -كذا الأثري موضة العصر! - وهذا العنوان وحده يغني القارئ اللبيب عن الاطلاع على ما في الكتاب من الجهل والضلال، والانحراف عن الكتاب والسنة، باسم الكتاب والسنة ووجوب الرجوع إليهما، فقد عقد فصلا في ذلك، وفصلا آخر في البدعة وذمها وأنها على عمومها، بحيث يظن من لم يتتبع كلامه وما ينقله عن العلماء في تأييد ما ذهب إليه من الاستحالة أنه سلفي أو أثري - كما انتسب - مائة في المائة! والواقع الذي يشهد به كتابه أنه خلفي معتزلي من أهل الأهواء، يضاف إلى ذلك أنه جاهل بالسنة والأحاديث، إلى ضعف شديد باللغة العربية وآدابها، حتى كأنه شبه عامي، ومع ذلك فهو مغرور بعلمه، معجب بنفسه، لا يقيم وزناً لأئمة السلف الذين قالوا بخلاف عنوانه كالإمام أحمد وابن تيمية وابن القيم، والطبري وابن كثير والقرطبي، والإمام الشوكاني وصديق حسن خان القنوجي، ويرميهم بالتقليد! على قاعدة (رمتني بدائها وانسلت)، الأمر الذي أكد لي أننا في زمان تجلت فيه بعض أشراط الساعة التي منها قوله ﵌: «وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة» (١). ونحوه قول عمر ﵁: " فساد الدين إذا جاء العلم من الصغير، استعصى عليه الكبير، وصلاح الناس إذا جاء العلم من قبل الكبير، تابعه عليه الصغير " (٢). وما أكثر هؤلاء (الصغار) الذين يتكلمون في أمر المسلمين بجهل بالغ، وما العهد عنا ببعيد ذاك المصري الآخر الذي ألف في تحريم النقاب على المسلمة! وثالث أردني ألف في تضعيف قوله ﵌: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين "، وفي حديث تحريم المعازف، المجمع على صحتهما عند المحدثين، وغيرهم وغيرهم كثير وكثير!!
стр. 3595
وإن من جهل هذا (الأثري) المزعوم وغباوته أنه رغم تقريره (ص ٧١ و١٣٨) أن: " منهج أهل السنة والجماعة التوقف في المسائل الغيبية عندما ثبت عن رسول الله ﵌، وأنه ليس لأحد مهما كان شأنه أن يضيف تفصيلا، أو أن ينقص ما ثبت بالدليل، أو أن يفسر ظاهر الآيات وفق هواه، أو بلا دليل ".
أقول: إنه رغم تقريره لهذا المنهج الحق الأبلج، فإنه لم يقف في هذه المسألة الغيبية عند حديث الترجمة الصحيح. بل خالفه مخالفة صريحة لا تحتاج إلى بيان، وكنت أظن أنه على جهل به، حتى رأيته قد ذكره نقلا عن غيره (ص ٤) من الملحق بآخر كتابه، فعرفت أنه تجاهله، ولم يخرجه مع حديث يعلى وغيره مما سبقت الإشارة إليه (ص ١٠٠٢). وكذلك لم يقدم أي دليل من الكتاب والسنة على ما زعمه من الاستحالة، بل توجه بكليته إلى تأويل قوله تعالى المؤيد للدخول الذي نفاه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة:٢٧٥) تأويلا ينتهي به إلى إنكار (المس) - الذي فسره العلماء بالجنون - وإلى موافقة بعض الأشاعرة والمعتزلة! الذين فسروا (المس) بوسوسة الشيطان المؤذية! وهذا تفسير بالمجاز، وهو خلاف الأصل، ولذلك أنكره أهل السنة كما سيأتي، وهو ما صرح به نقلا عن الفخر الرازي الأشعري (ص ٧٦ و٧٨): " كأن الشيطان يمس الإنسان فيجن "! ونقل (ص٨٩) عن غيره أنه قال: " كأن الجن مسه "! وعليه خص المس هذا بمن خالف شرع الله، فقال (ص ٢٢): " وما كان ليمس أحد (كذا غير منصوب!) (١) إلا بالابتعاد عن النهج المرسوم "! ولو سلمنا جدلا أن الأمر كما قال، فلا يلزم منه عند العلماء ثبوت دعوى النفي، لإمكان وجود دليل آخر على الدخول كما في هذا الحديث
стр. 3596
الصحيح، بينما توهم الرجل أنه برده دلالة الآية على الدخول ثبت نفيه إياه، وليس الأمر كذلك لو سلمنا برده، فكيف وهو مردود عليه بهذا الحديث الصحيح، وبحديث يعلى المتقدم وبهما تفسر الآية، ويبطل تفسيره إياها بالمجاز. ومن جهل الرجل وتناقضه أنه بعد أن فسر الآية بالمجاز الذي يعني أنه لا (مس) حقيقة، عاد ليقول (ص ٩٣): " واللغة أجمعت على أن المس: الجنون ". ولكنه فسره على هواه فقال: أي من الخارج لا من الداخل، قال: " ألا ترى مثلا إلى الكهرباء وكيف تصعق المماس لها من الخارج ... " إلخ هرائه. فإنه دخل في تفاصيل تتعلق بأمر غيبي قياساً على أمور مشاهدة مادية، وهذا خلاف المنهج السلفي الذي تقدم نقله عنه، ومع ذلك فقد تعامى عما هو معروف في علم الطب أن هناك جراثيم تفتك من الداخل كجرثومة (كوخ) في مرحلته الثالثة! فلا مانع عقلا أن تدخل الجان من الخارج إلى بدن الإنسان، وتعمل عملها وأذاها فيه من الداخل، كما لا مانع من خروجها منه بسبب أو آخر، وقد ثبت كل من الأمرين في الحديث فآمنا به، ولم نضربه كما فعل المعتزلة وأمثالهم من أهل الأهواء، وهذا المؤلف (الأثري) - زعم - منهم.
كيف لا وقد تعامى عن حديث الترجمة، فلم يخرجه البتة في جملة الأحاديث الأخرى التي خرجها وساق ألفاظها من (ص ١١١) إلى (ص١٢٦) - وهو صحيح جدا - كما رأيت، وهو إلى ذلك لم يأخذ من مجموع تلك الأحاديث ما دل عليه هذا الحديث من إخراجه ﵌ للشيطان - من ذاك المجنون -، وهي معجزة عظيمة من معجزاته ﵌، بل نصب خلافاً بين رواية " اخرج عدو الله " ورواية " اخسأ عدو الله "، فقد أورد على نفسه (ص ١٢٤) قول بعضهم: " إن الإمام الألباني قد صحح الحديث "، فعقب بقوله: " فهذا كذب مفترى، انظر إلى ما قاله الشيخ الألباني لتعلم الكذب: المجلد الأول من سلسلته الصحيحة ص ٧٩٥ ح ٤٨٥ ". ثم ساق كلامي فيه، ونص ما في آخره كما تقدم: " وبالجملة
стр. 3597
فالحديث بهذه المتابعات جيد. والله أعلم ". قلت: فتكذيبه المذكور غير وارد إذن، ولعل العكس هو الصواب! وقد صرح هو بأنه ضعيف دون أي تفصيل (ص ٢٢)، واغتر به البعض! نعم، لقد شكك في دلالة الحديث على الدخول بإشارته إلى الخلاف الواقع في الروايات، وقد ذكرت لفظين منها آنفا. ولكن ليس يخفى على طلاب هذا العلم المخلصين أنه ليس من العلم في شيء أن تضرب الروايات المختلفة بعضها ببعض، وإنما علينا أن نأخذ منها ما اتفق عليه الأكثر، وإن مما لا شك فيه أن اللفظ الأول: " اخرج " أصح من الآخر " اخسأ "، لأنه جاء في خمس روايات من الأحاديث التي ساقها، واللفظ الآخر جاء في روايتين منها فقط! على أني لا أرى بينهما خلافاً كبيراً في المعنى، فكلاهما يخاطب بهما شخص، أحدهما صريح في أن المخاطب داخل المجنون، والآخر يدل عليه ضمنا. وإن مما يؤكد أن الأول هو الأصح صراحة حديث الترجمة الذي سيكون القاضي بإذن الله على كتاب " الاستحالة " المزعومة، مع ما تقدم من البيان أنها مجرد دعوى في أمر غيبي مخالفة للمنهج الذي سبق ذكره. ولابد لي قبل ختم الكلام على هذا الموضوع أن أقدم إلى القراء الكرام ولو مثالاً واحد على الجهل بالسنة الذي وصفت به الرجل فيما تقدم، ولو أنه فيما سلف كفاية للدلالة على ذلك! لقد ذكر الحديث المشهور في النهي عن اتباع سنن الكفار بلفظ لا أصل له رواية ولا دراية، فقال (ص ٢٧): " وصدق رسول الله ﵌ إذ يقول: " لتتبعن من قبلكم من الأمم حذاء القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وراءهم. قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: فمن؟ ". أو كما قال ﵌ "! ومجال نقده في سياقه للحديث هكذا واسع جداً، وإنما أردت نقده في حرف واحد منه أفسد به معنى الحديث بقوله (حذاء)، فإن هذا تحريف قبيح للحديث لا يخفى على أقل الناس ثقافة، والصواب (حذو). وليس هو خطأ مطبعيًّا كما قد يتبادر لأذهان البعض،
стр. 3598
فقد أعاده في مكان آخر. فقال (ص ٣٤) مقرونا بخطأ آخر: " حذاء القذة بالقذة "! كذا ضبطه بفتح القاف! وإنما هو بالضم (١). ونحو ذلك مما يدل على جهله بالسنة قوله (ص ٢٤٠): "يقول السلف: ليس الخبر كالمعاينة ".
وهذا حديث مرفوع رواه جماعة من الأئمة منهم أحمد عن ابن عباس مرفوعاً، وفيه قصة. وهو مخرج في " صحيح الجامع الصغير " (٥٢٥٠).
ومن أمثلة جهله بما يقتضيه المنهج السلفي أنه حشر (ص ٧٤) في زمرة التفاسير المعتبرة " تفسير الكشاف "، و" تفسير الفخر الرازي "، فهل رأيت أو سمعت أثريًّا يقول مثل هذا، فلا غرابة بعد هذا أن ينحرف عن السنة، متأثراً بهما ويفسر آية الربا تفسيراً مجازيًّا! وأما أخطاؤه الإملائية الدالة على أنه (شبه أمي) فلا تكاد تحصى، فهو يقول في أكثر من موضع: " تعالى معي "! وقال (ص ١٣١): " ثم تعالى لقوله تعالى "، وذكر آية. وفي (ص ١٢٩): " فمن المستحيل أن تفوت هذه المسألة هذان الإمامان الجليلان "! و (ص١٣٠). " أضف إلى ذلك أن الإمامين ليسا طبيبان "! فهو يرفع المنصوب مراراً وتكراراً.
وفي الختام أقول: ليس غرضي مما تقدم إلا إثبات ما أثبته الشرع من الأمور الغيبية، والرد على من ينكرها. ولكنني من جانب آخر أنكر أشد الإنكار على الذين يستغلون هذه العقيدة، ويتخذون استحضار الجن ومخاطبتهم مهنة لمعالجة المجانين والمصابين بالصرع، ويتخذون في ذلك من الوسائل التي تزيد على مجرد تلاوة القرآن مما لم ينزل الله به سلطاناً، كالضرب الشديد الذي قد يترتب عليه أحياناً قتل المصاب، كما وقع هنا في عمان، وفي مصر، مما صار حديث الجرائد والمجالس.
стр. 3599
لقد كان الذين يتولون القراءة على المصروعين أفرادا قليلين صالحين فيما مضى، فصاروا اليوم بالمئات، وفيهم بعض النسوة المتبرجات، فخرج الأمر عن كونه وسيلة شرعية لا يقوم بها إلا الأطباء عادة، إلى أمور ووسائل أخرى لا يعرفها الشرع ولا الطب معاً، فهي - عندي - نوع من الدجل والوساوس يوحي بها الشيطان إلى عدوه الإنسان ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، وهو نوع من الاستعاذة بالجن التي كان عليها المشركون في الجاهلية المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. فمن استعان بهم على فك سحر - زعموا - أو معرفة هوية الجني المتلبس بالإنسي أذكر هو أم أنثى؟ مسلم أم كافر؟ وصدقه المستعين به ثم صدق هذا الحاضرون عنده، فقد شملهم جميعاً وعيد قوله ﵌: " من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد "، وفي حديث آخر: " .. لم تقبل له صلاة أربعين ليلة " (١). فينبغي الانتباه لهذا، فقد علمت أن كثيراً ممن ابتلوا بهذه المهنة هم من الغافلين عن هذه الحقيقة، فأنصحهم - إن استمروا في مهنتهم - أن لا يزيدوا في مخاطبتهم على قول النبي ﵌: " اخرج عدو الله "، مذكرا لهم بقوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ (النور:٦٣). والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
"الصحيحة" (٦/ ٢/٩٩٩ - ١٠١٠).
стр. 3600
[١٢٥٦] باب منه
[قال الإمام]:
(تنبيه) ألف أحد المعاصرين- المتعالمين المغرورين المتعالين على أئمة السنة والجاهلين بها، والمعادين لها، ومع ذلك كنى نفسه بـ (أبي عبد الرحمن الأثري)! - ألف كتاباً أسماه: "استحالة دخول الجان بدن الإنسان "! يكفيك هذا العنوان عن مضمونه، فقد حشاه أنواعاً من الجهل بالكتاب والسنة، وبالتدليس وقلب الحقائق.
"الصحيحة" (٧/ ٢/٩١٩).
[١٢٥٧] باب منه
[قال الإمام]:
لقد أَنكر بعضُ المعاصرين عقيدةَ مسِّ الشيطان للإنسان مسًّا حقيقيًّا، ودخولَه في بدن الإنسان وصرعه إِيّاه، وأَلّف بعضهم في ذلك بعض التأليفات، موَّهوا فيه على النّاس، وتولّى كِبرَه مُضَعِّفُ الأَحاديث الصحيحة [هو حسان عبد المنان] المارّ ذكره - في كتابه الُمسمَّى بـ"الأُسطورة"!، وضعَّفَ ما جاء في ذلك من الأَحاديث الصحيحة - كعادته -، وركن هو وغيره إلى تأويلات المعتزلة، واشتطَّ آخرون، فاستغلّوا هذه العقيدة الصحيحة، وأَلحقوا بها ما ليس منها مّما غيَّرَ حقيقتَها، وساعدوا بذلك المنكرين لها! واتخذوها وسيلة لجمع النّاس حولَهم لاستخراج الجانَّ من صدورهم بزعمهم، وجعلوها مهنةّ لهم، لأَكل أَموالِ النَّاس بالباطل، حتّى صار بعضهم من كبار الأَغنياء، والحقُّ ضائع بين هؤلاءِ المبطلين وأُولئك المنكرين، وقد رددتُ عليهم جميعاً في المجلد السادس من
стр. 3601
"الصحيحة"، خرجت فيه بعض الأَحاديث الصحيحة التي تؤكّد المسَّ الحقيقي، برقم (٢٩١٨).
"تحريم آلات الطرب" (ص ١٦٦)
[١٢٥٨] باب منه
سؤال: [أحدهم] ... يقول: الآن لا يوجد جني يتمثل بشيء ويؤذي الإنسان .. هذا الكلام انقطع بالرسالة، ... يقول هذا الكلام انتهى بالرسالة، قلت له: لماذا انتهى .. لماذا لا يكون لم ينتهِ .. هو يقول لي: والله هذا لا يمكن يُتصور؛ لأن عندي الآية تقول: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (الإسراء:٦٥) في سورة الإسراء، فما رأي حضرتك في هذا الكلام؟
الشيخ: طيب! هذه الآية ليس لها علاقة بالتسلط البدني والإيذائي .. هذا التسلط المعنوي والخلقي: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢]؛ هذا تسلط هداية وتسلط ضلال فهو لا يتسلط بضلاله على المهتدين، لكن يتسلط بضلاله على الضالين الفاسقين، فليس له علاقة بهذا الموضوع الذي هو أذى مادي، هذا من جهة، ومن جهة الأذكار والأوراد التي شرعت إلى يوم الدين ..
مداخلة: أيوا لماذا شرعت؟
الشيخ: هذه تُعَطَّل بالنسبة لوجهة هذا النظر ..
مداخلة: يعني: ممكن يكون مس مادي من الشيطان للإنسان.
الشيخ: طبعاً.
مداخلة: حتى للمؤمنين.
стр. 3602
الشيخ: طبعاً ... وكما قال ﵇: «نحن معاشر الأنبياء [أشد الناس] ابتلاء [ثم] الأمثل فالأمثل» (١).
فممكن الإنسان يبتلى بأن يسلط عليه شيطان من شياطين الجن في بدنه، يصبر على ذلك فيثاب ويؤجر.
مداخلة: تكملة، يقول: أنا ما الذي يثبت لي أن اللي مسك فلان من الناس هذا جن، ما الذي يثبت لي؟ ممكن يكون وهم وممكن يكون تصور وممكن يكون تخيل ..
الشيخ: هذا ممكن صحيح لكن عندما يعالج وبكل أنواع المعالجات المادية الطبية فلا ينجح فيها، وبالعكس ينجح فيها العلاج الطب النبوي الروحي فهذا الذي يبين أنه من النوع الآخر.
"الهدى والنور" (٢٨/ ٢٦: ٥٢: ٠٠)
[١٢٥٩] باب منه
سؤال: أستاذي .. فيه دليل على .. : تلبس الجن بالإنس؟
الشيخ: إيه طبعاً، موجود في القرآن قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] وهو المصروع، وفيه أحاديث أن الرسول ﵇ كان يخرج الجان من بعض المصابين بالصرع، وابن تيمية مشهور بأنه كان يفعل ذلك اقتداء به ﵇، فهذا معروف، وبعدين فيه عندنا شيء ما له علاقة بالصرع، لكن هو من أمور الغيب، حيث قال ﵇: «إن الشيطان يجري من ابن آدم
стр. 3603
مجرى الدم» (١).
فالشيطان ما هو مادته من مادة الإنسان، بحيث إنه لا يمكن أن تحل مادة في مادة، لا هو الشيطان من باب التقريب، كالهواء .. كالنور، ...
"الهدى والنور" (٢٩/ ٤٢: ٣٨: ٠٠)
[١٢٦٠] باب منه
السائل: هل الجن يتلبس بالإنسان؟
الشيخ: لا شك في هذا.
"الهدى والنور" (٦٢٧/ ٥٢: ١٣: ٠٠)
[١٢٦١] باب هل قوله ﵌ «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» "من أدلة تلبس الجن بالإنس ؟
سؤال: ما هي الأدلة لدخول الجن في الإنس من الكتاب والسنة؟
الشيخ: هذا بحث طرق وشبعتم منه، والآية الكريمة: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة:٢٧٥) والأحاديث التي جاءت عن النبي ﵌ أنه من معجزاته أنه أخرج بعض الشياطين من بعض المرضى فنشط المريض كأنما نشط من عقال، فحسبكم هذا، وهذه عقيدة صحيحة تلقتها الأمة بالقبول، إلا المعتزلة وإلا من كان فيه اعتزال، وقد لا يكون من المعتزلة.
مداخلة: طيب! الحديث: «يجري الشيطان من ابن آدم مجرى الدم» قالوا: هل سيحملنا هذا الحديث أن تقول» كل إنسان به مس ...
стр. 3604
الشيخ: لا، هذا كلام .. هذا تحميل للحديث الصحيح هذا ما لا يتحمل، ومن هنا ندخل في بحث هام جدًا قد يغفل عنه كثير من طلبة العلم إن لم أقل: قد يغفل عنه بعض أهل العلم أو على الأقل بعض من ينتسب إلى أهل العلم، قوله ﵇: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» له مناسبة، هذه المناسبة تَشْرَحُ وتُبَيٍّنُ للسامع للحديث المعنى الصحيح المقصود من الحديث، فلا يسعه حينذاك أن يحمله ما لا يتحمل من المعنى؛ الحديث في صحيح البخاري، وفي باب الاعتكاف منه بصورة خاصة، أو كتاب الاعتكاف الذي يلي كتاب الصيام، أن النبي ﵌ كان معتكفًا في مسجده فزارته زوجته صفية وجلست عنده مدة، ثم خرج معها يقلبها إلى أهلها فوقف معها في جانب في الطريق، وهو معها يتحدث مر رجلان من الأنصار فوقع بصرهما على النبي ﵌ وبجانبه امرأة، هم لا يعرفونها بطبيعة الحال؛ لأن نساء النبي ﵌ كن يحتجبن حتى في وجوههن وجوبًا وخصوصيةً للنبي ﵌، ولذلك كانت الفضليات .. النساء الفاضلات من الصحابيات الجليلات يغطين أيضًا وجوههن تشبهًا بنساء الرسول ﵇ أمهات المؤمنين.
فما عرف هذان الرجلان هذه المرأة التي وقف الرسول ﵌ معها، فسارعا السير والمشي، فقال لهما ﵊: «على رسلكما إنها صفية - زوجتي -» قالا: «يا رسول الله!» إن كنا نشك في أحد فما كنا لنشك بك يا رسول الله» .. قال: «إن الشطيان يجري من الإنسان - وفي لفظ روايات - من ابن آدم مجرى الدم» إذا ربطنا هذا الحديث بمناسبته انكشف لنا المراد منه؛ يجري من الإنسان من ابن آدم مجرى الدم بالوسوسة، وليس بالإيذاء والصرع كما زعم المشار إليه في كلام السائل.
"لقاءات المدينة" (٢/ ٠٠:٣٧:٠٤)
стр. 3605
[١٢٦٢] باب هل الشيطان ليس له سلطان على المؤمن مطلقًا ؟
سؤال: فيه بالقرآن يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل:٩٨، ٩٩).
الشيخ: طيب.
مداخلة: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (النحل:٩٩، ١٠٠).
الشيخ: نعم.
مداخلة: من هذه الآية يتبين لنا أن الشيطان ليس له سلطان على المؤمنين إطلاقاً، ما هكذا نفهم؟
الشيخ: أما إطلاقاً فلا، ليس له سلطان في الإغواء والإضلال، أما أن يمسه بنصب وعذاب فهذا يدخل في عموم قوله ﵇: «نحن معاشر الأنبياء أشد ابتلاء الأمثل فالأمثل» كيف آية أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ (ص:٤١) ... وهو نبي ..
" الهدى والنور" (١٣٣/ ٤٢: ١١: ٠٠) (١).
стр. 3606
(كتاب النبوات)
стр. 3607
جماع أبواب:
- تعريف النبي والرسول
- والكلام على الفرق بينهما
- والكلام على النسبة بين النبوة والرسالة والولاية
стр. 3608
[١٢٦٣] باب تعريف النبي والرسول وبيان الفرق بينهما
[قال الإمام]:
النبي (من) بُعِثَ لتقرير شرعٍ سابق، والرسول من بعثه الله بشريعة يدعو الناس إليها، سواء كانت جديدة أو متقدمة. والله أعلم.
"الصحيحة" (٦/ ١/٣٦٩)
[١٢٦٤] باب الفرق بين النبي والرسول
[قال الإمام]:
اعلم أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، وقد ذكروا فروقاً بين الرسول والنبي تراها في " تفسير الآلوسي " (٥/ ٤٤٩ - ٤٥٠) وغيرها، ولعل الأقرب أن الرسول من بُعِثَ بشرع جديد والنبي من بعث لتقرير شرع من قبله وهو بالطبع مأمور بتبليغه؛ إذ من المعلوم أن العلماء مأمورون بذلك فهم بذلك أولى كما لا يخفى.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٩).
[١٢٦٥] باب المغايرة بين الرسول والنبي
[قال رسول الله ﵌]:
«كان آدم نبياًّ مكلماً، كان بينه وبين نوح عشرة قرون، وكانت الرسل ثلاثمائة وخمسة عشر».
стр. 3609
[قال الإمام]:
اعلم أن الحديث وما ذكرنا من الأحاديث الأخرى، مما يدل على المغايرة بين الرسول والنبي، وذلك مما دل عليه القرآن أيضاً في قوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ في أُمْنِيَّتِهِ ... ﴾ [الحج:٥٢] الآية.
وعلى ذلك جرى عامة المفسرين، من ابن جرير الطبري الإمام، إلى خاتمة المحققين الآلوسي، وهو ما جزم به شيخ الإسلام ابن تيمية في غير ما موضع من فتاويه (المجموع١٠/ ٢٩٠ و١٨/ ٧) أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا.
وقال القرطبي في " تفسيره " (١٢/ ٨٠): " قال المهدوي: وهذا هو الصحيح أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً.
وكذا ذكر القاضي عياض في كتاب "الشفا"، قال: والصحيح الذي
عليه الجم الغفير أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا واحتج بحديث
أبي ذر ...
قلت: ويؤكد المغايرة في الآية ما رواه أبو بكر الأنباري في كتاب " الرد" له بإسناده عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ: [وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث]. وقال أبو بكر: فهذا حديث لا يؤخذ به على أن ذلك قرآن، والمحدث هو الذي يوحى إليه في نومه؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي.
قلت: فإن صح ذلك عن ابن عباس فهو مما يؤكد ما ذكرنا من المغايرة، وإن كان لا يثبت به قرآن، ويؤيده أن المغايرة هذه رويت عن تلميذه مجاهد ﵀، فقد ذكر السيوطي في " الدر " (٤/ ٣٦٦) برواية ابن المنذر وابن أبي حاتم عن
стр. 3610
مجاهد قال: " النبي وحده الذي يكلم وينزل عليه، ولا يرسل ". فهذا نص من هذا الإمام في التفسير، يؤيد ما تتابع عليه العلماء من القول بالمغايرة، الموافق لظاهر القرآن وصريح السنة.
وكان الدافع على تحرير هذا أنني رأيت مجموعة رسائل لأحد فضلاء العصر الحاضر، فيها رسالة بعنوان: " إتحاف الأحفياء برسالة الأنبياء " ذهب فيها إلى عدم التفريق بين الرسول والنبي.
وبحثه فيها يدل المحقق المطلع على بحوث العلماء وأقوالهم، على أن المؤلف لها حفظه الله ارتجلها ارتجالاً دون أن يتعب نفسه بالبحث عن أقوال العلماء في المسألة، وإلا فكيف جاز له أن يقول (ج ١/ ٤٢٩):
١ - " وأسبق من رأينا تكلم بهذا التفريق هو العلامة ابن كثير ... "! وقد سبقه إلى ذلك مجاهد، التابعي الجليل (ت ١٠٤) وشيخ المفسرين ابن جرير (ت ٣١٠) والبغوي (ت ٥١٦) والقرطبي (ت ٦٧١) والزمخشري (ت ٥٣٨)، وغيرهم ممن أشرت إليهم آنفاً.
٢ - كيف يقول (ص ٤٣١): " إن ابن تيمية لم يذكر التفريق المشار إليه في كتابه (النبوات) "! وليس من اللازم أن يذكر المؤلف كل ما يعلمه في الموضوع في كتاب واحد، فقد ذكر ذلك ابن تيمية في غير ما موضع من فتاواه، فلو أنه راجع " مجموع الفتاوى " له لوجد ذلك في (١٠/ ٢٩٠ و١٨/ ٧).
ومن ذلك تعلم بطلان قوله عقب ذلك: " فهذه الغلطة في التفريق بين الرسول والنبي يظهر أنها إنما دخلت على الناس من طريق حديث موضوع رواه