← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

(كتاب النبوات)

стр. 3607

جماع أبواب: - تعريف النبي والرسول - والكلام على الفرق بينهما - والكلام على النسبة بين النبوة والرسالة والولاية

стр. 3608

[١٢٦٣] باب تعريف النبي والرسول وبيان الفرق بينهما [قال الإمام]: النبي (من) بُعِثَ لتقرير شرعٍ سابق، والرسول من بعثه الله بشريعة يدعو الناس إليها، سواء كانت جديدة أو متقدمة. والله أعلم. "الصحيحة" (٦/ ١/٣٦٩) [١٢٦٤] باب الفرق بين النبي والرسول [قال الإمام]: اعلم أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، وقد ذكروا فروقاً بين الرسول والنبي تراها في " تفسير الآلوسي " (٥/ ٤٤٩ - ٤٥٠) وغيرها، ولعل الأقرب أن الرسول من بُعِثَ بشرع جديد والنبي من بعث لتقرير شرع من قبله وهو بالطبع مأمور بتبليغه؛ إذ من المعلوم أن العلماء مأمورون بذلك فهم بذلك أولى كما لا يخفى. "التعليق على متن الطحاوية" (ص١٩). [١٢٦٥] باب المغايرة بين الرسول والنبي [قال رسول الله ﵌]: «كان آدم نبياًّ مكلماً، كان بينه وبين نوح عشرة قرون، وكانت الرسل ثلاثمائة وخمسة عشر».

стр. 3609

[قال الإمام]: اعلم أن الحديث وما ذكرنا من الأحاديث الأخرى، مما يدل على المغايرة بين الرسول والنبي، وذلك مما دل عليه القرآن أيضاً في قوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ في أُمْنِيَّتِهِ ... ﴾ [الحج:٥٢] الآية. وعلى ذلك جرى عامة المفسرين، من ابن جرير الطبري الإمام، إلى خاتمة المحققين الآلوسي، وهو ما جزم به شيخ الإسلام ابن تيمية في غير ما موضع من فتاويه (المجموع١٠/ ٢٩٠ و١٨/ ٧) أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا. وقال القرطبي في " تفسيره " (١٢/ ٨٠): " قال المهدوي: وهذا هو الصحيح أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً. وكذا ذكر القاضي عياض في كتاب "الشفا"، قال: والصحيح الذي عليه الجم الغفير أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا واحتج بحديث أبي ذر ... قلت: ويؤكد المغايرة في الآية ما رواه أبو بكر الأنباري في كتاب " الرد" له بإسناده عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ: [وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث]. وقال أبو بكر: فهذا حديث لا يؤخذ به على أن ذلك قرآن، والمحدث هو الذي يوحى إليه في نومه؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي. قلت: فإن صح ذلك عن ابن عباس فهو مما يؤكد ما ذكرنا من المغايرة، وإن كان لا يثبت به قرآن، ويؤيده أن المغايرة هذه رويت عن تلميذه مجاهد ﵀، فقد ذكر السيوطي في " الدر " (٤/ ٣٦٦) برواية ابن المنذر وابن أبي حاتم عن

стр. 3610

مجاهد قال: " النبي وحده الذي يكلم وينزل عليه، ولا يرسل ". فهذا نص من هذا الإمام في التفسير، يؤيد ما تتابع عليه العلماء من القول بالمغايرة، الموافق لظاهر القرآن وصريح السنة. وكان الدافع على تحرير هذا أنني رأيت مجموعة رسائل لأحد فضلاء العصر الحاضر، فيها رسالة بعنوان: " إتحاف الأحفياء برسالة الأنبياء " ذهب فيها إلى عدم التفريق بين الرسول والنبي. وبحثه فيها يدل المحقق المطلع على بحوث العلماء وأقوالهم، على أن المؤلف لها حفظه الله ارتجلها ارتجالاً دون أن يتعب نفسه بالبحث عن أقوال العلماء في المسألة، وإلا فكيف جاز له أن يقول (ج ١/ ٤٢٩): ١ - " وأسبق من رأينا تكلم بهذا التفريق هو العلامة ابن كثير ... "! وقد سبقه إلى ذلك مجاهد، التابعي الجليل (ت ١٠٤) وشيخ المفسرين ابن جرير (ت ٣١٠) والبغوي (ت ٥١٦) والقرطبي (ت ٦٧١) والزمخشري (ت ٥٣٨)، وغيرهم ممن أشرت إليهم آنفاً. ٢ - كيف يقول (ص ٤٣١): " إن ابن تيمية لم يذكر التفريق المشار إليه في كتابه (النبوات) "! وليس من اللازم أن يذكر المؤلف كل ما يعلمه في الموضوع في كتاب واحد، فقد ذكر ذلك ابن تيمية في غير ما موضع من فتاواه، فلو أنه راجع " مجموع الفتاوى " له لوجد ذلك في (١٠/ ٢٩٠ و١٨/ ٧). ومن ذلك تعلم بطلان قوله عقب ذلك: " فهذه الغلطة في التفريق بين الرسول والنبي يظهر أنها إنما دخلت على الناس من طريق حديث موضوع رواه

стр. 3611

ابن مردويه عن أبي ذر، وهو حديث طويل جدا لا يحتمل أبو ذر حفظه مع طوله .. "! أقول: ليس العمدة في التفريق المذكور على هذا الحديث الطويل الذي زعم أن أبا ذر لا يتحمل حفظه كما شرحت ذلك في هذا التخريج الفريد في بابه فيما أظن، وتالله إن هذا الزعم لبدعة في علم الجرح والتعديل ما سُبِقَ - والحمد لله - من أحد إلى مثلها! وإلا لزمه رد أحاديث كثيرة طويلة صحيحة ثابتة في الصحيحين وغيرهما، كحديث صلح الحديبية، وحديث الدجال والجساسة، وحديث عائشة: " كنت لك كأبي زرع لأم زرع "، وغيرها. ولعله لا يلتزم ذلك إن شاء الله تعالى وتقليده لابن الجوزي في حكمه على الحديث بالوضع مردود، لأن التقليد ليس بعلم، كما لا يخفى على مثله، ثم لماذا آثر تقليده على تقليد الذين ردوا عليه حكمه عليه بالوضع؟ كالحافظ العسقلاني والمحقق الآلوسي وغيرهما ممن سبقت الإشارة إلى كلامهم، لاسيما وهو يعلم تشدد ابن الجوزي في نقده للأحاديث، كما يعلم إن شاء الله أن نقده لو سلم به، خاص في بعض طرق الحديث التي خرجتها هنا. ومن غرائبه أنه ذكر آية الأمنية: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى﴾ وأن الواو تفيد المغايرة، ثم رد ذلك بقوله: " والجواب أن مثل هذا يقع كثيراً في القرآن وفي السنة يعطف بالشيء على الشيء، ويراد بالتالي نفس الأول كما في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، فغاير بينهما بحرف العطف، ومعلوم أن المسلمين هم المؤمنون، والمؤمنين هم المسلمون ". فأقول: هذا غير معلوم، بل العكس هو الصواب، كما شرح ذلك شيخ

стр. 3612

الإسلام ابن تيمية في كتبه، وبخاصة منها كتابه " الإيمان "، ولذلك قال في " مختصر الفتاوى المصرية " (ص٥٨٦): " الذي عليه جمهور سلف المسلمين: أن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً، فالمؤمن أفضل من المسلم، قال تعالى ٤٩: ١٤: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. فالآية كما ترى حجة عليه، ويؤيد ذلك تمامها: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ ... ﴾ الآية: فإن من الظاهر بداهة أنه ليس كل مسلم قانتا! ثم ذكر آية أخرى لا تصلح أيضا دليلا له، وهي قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ... ﴾، قال: فعطف بجبريل وميكال على الملائكة وهما منهم ". أقول: نعم، ولكن هذا ليس من باب عطف الشيء على الشيء ويراد بالتالي نفس الأول كما هو دعواه، وإنما هذا من باب عطف الخاص على العام. وهذا مما لا خلاف فيه، ولكنه ليس موضع البحث كما هو ظاهر للفقيه. نعم إن ما ذهب إليه المومى إليه في الرسالة السابقة من إنكار ما جاء في بعض كتب الكلام في تعريف النبي أنه من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فهو مما أصاب فيه كبد الحقيقة، ولطالما أنكرناه في مجالسنا ودروسنا، لأن ذلك يستلزم جواز كتمان العلم مما لا يليق بالعلماء، بله الأنبياء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون﴾. ولعل المشار إليه توهم أن هذا المنكر إنما تفرع من القول بالتفريق بين الرسول والنبي، فبادر إلى إنكار الأصل ليسقط معه الفرع، كما فعل بعض الفرق قديماً حين بادروا إلى إنكار القدر الإلهي إبطالا للجبر، وبعض العلماء في العصر الحاضر إلى إنكار عقيدة نزول عيسى وخروج المهدي ﵉، إنكاراً

стр. 3613

لتواكل جمهور من المسلمين عليها. وكل ذلك خطأ، وإن كانوا أرادوا الإصلاح، فإن ذلك لا يكون ولن يكون بإنكار الحق الذي قامت عليه الأدلة. ولو أن الكاتب المشار إليه توسع في دراسة هذه المسألة قبل أن يسود رسالته، لوجد فيها أقوالاً أخرى استوعبها العلامة الآلوسي (٥/ ٤٤٩)، ولكان بإمكانه أن يختار منها ما لا نكارة فيه، كمثل قول الزمخشري (٣/ ٣٧): " والفرق بينهما، أن الرسول من الأنبياء: من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه. والنبي غير الرسول: من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله ". ومثله قول البيضاوي في " تفسيره " (٤/ ٥٧): " الرسول: من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها، والنبي يعمه، ومن بعثه لتقرير شرع سابق، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى ﵈، ولذلك شبه النبي ﵌ علماء أمته بهم ". يشير إلى حديث " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " ولكنه حديث لا أصل له، كما نص على ذلك الحافظ العسقلاني والسخاوي وغيرهما. ثم إنهم قد أوردوا على تعريفه المذكور اعتراضات يتلخص منها أن الصواب حذف لفظة " مجددة " منه، ومثله لفظة " الكتاب " في تعريف الزمخشري، لأن إسماعيل ﵇، لم يكن له كتاب ولا شريعة مجددة، بل كان على شريعة إبراهيم ﵉، وقد وصفه الله في القرآن بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا﴾. ويبقى تعريف النبي بمن بعث لتقرير شرع سابق، والرسول من بعثه الله بشريعة يدعو الناس إليها، سواء كانت جديدة أو متقدمة. والله أعلم. "الصحيحة" (٦/ ١/٣٥٨، ٣٦٤ - ٣٦٩)

стр. 3614

[١٢٦٦] باب رد قول من قال أن النبي: من أوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ [قال رسول الله ﵌]: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة، فيرقق بعضها بعضاً، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الأخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر". [قال الإمام]: في الحديث فوائد كثيرة، من أهمها أن النبي يجب عليه أن يدعو أمته إلى الخير ويدلهم عليه، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، ففيه رد صريح على ما ذكر في بعض كتب الكلام أن النبي من أوحي إليه، ولم يؤمر بالتبليغ! "الصحيحة" (١/ ١/٤٨٤ - ٤٨٦). [١٢٦٧] باب منه [قال الإمام]: نعم إن ما ذهب إليه المومى إليه في الرسالة السابقة [أي رسالة "إتحاف الأحفياء برسالة الأنبياء" وقد ذكر هذا الكلام في معرض الرد على قول صاحب

стр. 3615

الرسالة بعدم التفريق بين الرسول والنبي] من إنكار ما جاء في بعض كتب الكلام في تعريف النبي أنه من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فهو مما أصاب فيه كبد الحقيقة، ولطالما أنكرناه في مجالسنا ودروسنا، لأن ذلك يستلزم جواز كتمان العلم مما لا يليق بالعلماء، بله الأنبياء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون﴾. ولعل المشار إليه توهم أن هذا المنكر إنما تفرع من القول بالتفريق بين الرسول والنبي، فبادر إلى إنكار الأصل ليسقط معه الفرع. "الصحيحة" (٦/ ١/٣٦٨). [١٢٦٨] باب التفاضل بين النبوة والولاية -[قال الإمام معلقاً على قول صاحب الطحاوية]:"ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈ ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء". [قال الإمام]: قال [أي ابن أبي العز] في الشرح: يشير الشيخ [أي الطحاوي] ﵀ إلى الرد على الاتحادية وجهلة المتصوفة وإلا فأهل الاستقامة يوصون بمتابعة العلم ومتابعة الشرع. فقد أوجب الله على الخلق كلهم متابعة الرسل قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء: ٦٤] وكثير من هؤلاء يظن أنه يصل برياسته واجتهاده في العبادة وتصفية نفسه إلى ما وصلت إليه الأنبياء من غير اتباع لطريقتهم، ومنهم من يظن أنه قد صار أفضل من الأنبياء، ومنهم من يقول: إن الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء ويدعي لنفسه أنه خاتم الأولياء، ويكون ذلك العلم هو حقيقة قول فرعون وهو أن هذا الوجود

стр. 3616

المشهود واجب بنفسه ليس له صانع مباين له ولكن هذا يقول: هو الله، وفرعون أظهر الإنكار بالكلية لكن كان فرعون في الباطن أعرف بالله منهم؛ فإنه كان مثبتاً للصانع وهؤلاء ظنوا أن الوجود المخلوق هو الوجود الخالق كابن عربي وأمثاله وهو لما رأى أن الشرع الظاهر لا سبيل إلى تغييره - قال: النبوة ختمت ولكن الولاية لم تختم، وادعى في الولاية ما هو أعظم من النبوة وما يكون للأنبياء والمرسلين وأن الأنبياء مستفيدون منها كما قال: "مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي" وهذا قلب للشريعة فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون، الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُون﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]: والنبوة أخص من الولاية والرسالة أخص من النبوة كما تقدم التنبيه على ذلك."التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠٤ - ١٠٦). [١٢٦٩] باب النبوة أخص من الولاية، والرسالة أخص من النبوة [قال الإمام]: النبوة أخص من الولاية، والرسالة أخص من النبوة. "التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠٦).

стр. 3617

جماع أبواب الكلام على عدد الأنبياء والرسل

стр. 3618

[١٢٧٠] باب هل ثبت في أعداد الأنبياء والرسل شيء ؟ [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «بُعِثْتُ على أَثَرِ ثمانيةِ آلافٍ من الأنبياءِ؛ منهم أربعةُ آلافِ نبيٍّ من بني إسرائيلَ». [قال الإمام]: (ضعيف). [ثم تكلم على ضعفه إلى أن قال]: وقد روي في حَدِيثِ أبي ذر الطويل: أن عدد الأنبياء مائة ألف وعشرون ألفاً! أخرجه ابن حبان في "صحيحه " بطوله (رقم ٩٤)، وفيه إبراهيم بن هشام الغَسَّاني وهو متروك؛ متهم بالكذب، وعزاه الحافظ (٦/ ٣٦١) لـ "صحيحه "وسكت! وروي بإسناد آخر ضعيف من حديث أبي أمامة مرفوعاً بلفظ:" وأربعة وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر؛ جماً غفيراً". أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، والطبراني في "الكبير" (٨/ ٢٥٨/ ٧٨٧١)، وفيه علي بن يزيد الألهاني؛ ضعيف. لكن عدد الرسل صحيح؛ جاء من طريق أخرى عن أبي أمامة بسند صحيح، وعدد الأنبياء صحيح لغيره، وقد حققت ذلك كله في"الصحيحة" (٢٦٦٨). "الضعيفة" (١٣/ ٢٠٢، ٢٠٥).

стр. 3619

[١٢٧١] باب منه [قال رسول الله ﵌]: «كان آدم نبيا مكلماً، كان بينه وبين نوح عشرة قرون، وكانت الرسل ثلاثمائة وخمسة عشر». [قال الإمام]: أخرجه أبو جعفر الرزاز في " مجلس من الأمالي " (ق ١٧٨/ ١): حدثنا عبد الكريم ابن الهيثم الديرعاقولي: حدثنا أبو توبة - يعني الربيع بن نافع -: حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني أبو أمامة: " أن رجلا قال: يا رسول الله! أنبيا كان آدم؟ قال: نعم، مكلم. قال: كم كان بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون. قال: يا رسول الله! كم كانت الرسل؟ قال: ثلاثمائة وخمسة عشر " ... [وجاء في بعض طرق الحديث]: عن أبي أمامة مطولا، وفيه: " قال: قلت: يا نبي الله! فأي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم ﵇. قال: قلت: يا نبي الله! أو نبي كان آدم؟ قال: نعم، نبي مكلم، خلقه الله بيده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم قال له: يا آدم قبلا. قال: قلت: يا رسول الله! كم وفى عدد الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر، جماً غفيراً ". [ثم قال الإمام]: وجملة القول: إن عدد الرسل المذكورين في حديث الترجمة صحيح لذاته، وأن عدد الأنبياء المذكورين في أحد طرقه، وفي حديث أبي ذر من ثلاث طرق، فهو صحيح لغيره. "الصحيحة" (٦/ ١/٣٦٣،٣٥٨).

стр. 3620

[١٢٧٢] باب منه [قال محمد العدوي في "التوحيد والعقائد الإسلامية" في معرض كلامه على الأنبياء والرسل:"ونقف عن تحديد عددهم." فعلق الإمام على ذلك قائلاً]: كأنه يعني أنه لم يصح في عدد الأنبياء والرسل شيء، وذلك غير مسلم في الرسل، فقد أخرج الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٢٦٢) من طريق معاوية بن سلام حدثني «أن رجلاً قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: نعم معلم مكلم، قال: كم بينه وبين نوح؟ قال: عشر قرون، كم كان بين نوح وإبراهيم؟ قال: عشر قرون، قالوا: يا رسول الله كم كانت الرسل؟ قال: ثلاثمائة وخمس وعشرة جماً غفيراً». أخرجه الحاكم (٢/ ٢٦٢) وقال: «صحيح على شرط مسلم». ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وقد أخرج شطره الأول ابن منده في "التوحيد " (ق١٠٤/ ٢) وعند ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢/ ٣٢٥/٢) وقال ابن منده: "هذا إسناد صحيح على رسم مسلم والجماعة إلا البخاري، وروي من حديث القاسم أبي عبد الرحمن وغيره عن أبي أمامة، عن أبي ذر بأسانيد فيها مقال". [ثم تكلم الإمام على حديثي أبي ذر وأبي أمامة ثم قال]: وجملة القول أن الأحاديث في عدد الأنبياء مع ضعف أسانيدها متعارضة. وأما عدد الرسل فحديثه صحيح. كما سبق تحقيقه. "تحقيق كتاب: التوحيد والعقائد الإسلامية" (ص ٤٩، ٥١).

стр. 3621

[١٢٧٣] باب منه السائل: هنا حديث رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة قال أبو ذر, قلت: يا رسول الله, كم وصلت عدة الأنبياء, قال: «مائة ألف وأربع وعشرون ألفًا الرسل من ذلك ثلاث مائة وخمس عشرة جمًّا غفيرًا» , هل هذا الحديث صحيح؟ وهل ورد (عدد) معلوم بأسماء الرسل؟ (١) الشيخ: الحديث هذا صحيح، أما الشق الثاني من السؤال وهو هل جاء عدد معين للرسل (٢)؟ فذلك مما لم نحط به علمًا. "فتاوى جدة - الأثر -" (١٧/ ٠٠:٠٢:٢٥) [١٢٧٤] باب من غير المعقول توفر عدد كبير من الأنبياء في وقت واحد وبلد واحد [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «يا أبا عبيدة! قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مئة رجل واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعاً من آخر النهار في ذلك اليوم، وهم

стр. 3622

الذين ذكر الله ؛ يعني: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم﴾». (ضعيف) [قال الإمام]: وأنكر من هذا الحديث: الأثر الذي ساقه ابن كثير عقب هذا من رواية [ابن] أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاث مئة نبي من أول النهار، وأقاموا سوق بقلهم من آخره. وقال في مكان آخر (١/ ١٠٢): "قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود قال: ... فذكره بلفظ: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاث مئة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم من آخر النهار". قلت: وهذا إسناد صحيح؛ إن كان الطيالسي قد ثبت السند إليه به؛ فإنه ليس في "مسنده" المطبوع، وهو المفروض؛ لأنه ليس من شرطه؛ فإنه موقوف على ابن مسعود. فإن صح عنه؛ فهو من الإسرائيليات الباطلة التي يكذبها العقل والنقل: أما العقل؛ فإنه من غير المعقول أن يتوفر هذا العدد الكبير من الأنبياء في وقت واحد وبلد واحد، ويتمكن اليهود من ذبحهم ذبح النعاج قبل انتهاء النهار، وفي آخره يقيمون سوقهم! هذا من أبطل الباطل. وأما النقل؛ فهو قوله ﵌: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي ... " الحديث؛ متفق عليه، وهو مخرج في "الإرواء" (٢٤٧٣). فهذا صريح في أن أنبياء بني إسرائيل كان يخلف بعضهم بعضاً، ويأتي أحدهم بعد الآخر؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾]؛ أي: متواترين واحداً بعد واحد.

стр. 3623

نعم؛ ذلك لا ينفي أن يرسل الله أكثر من رسول - بله نبي - واحد في وقت واحد لحكمة يعلمها؛ مثل هارون مع موسى، وقوله في أصحاب القرية: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُون﴾. وأما بعث مثل ذاك العدد الضخم من الأنبياء في زمن واحد؛ فليس من سنة الله ﵎. "الضعيفة" (١١/ ٢/٨١٢، ٨١٤).

стр. 3624

جماع أبواب: - ذكر ما يجب على الأنبياء - وذكر ما يجوز عليهم - وذكر شيء من خصائصهم

стр. 3625

[١٢٧٥] باب ذكر بعض ما يجب على النبي [قال الإمام]: النبي يجب عليه أن يدعو أمته إلى الخير ويدلهم عليه، وينذرهم شر ما يعلمه لهم. "الصحيحة" (١/ ١/٤٨٦). [١٢٧٦] باب هل يأتي الرسل صغائر الذنوب ؟ السؤال: هل الرسل يأتون صغائر الذنوب؟ الجواب: أنا أعتقد قبل الإجابة مباشرة عن هذا السؤال، بأنه سؤال كما يقال اليوم غير ذي موضوع؛ لأن الأمر لا يتعلق بمنهج لنا وبإصلاح عقائدنا وأعمالنا، وإنما هو أمر يتعلق بمن تقدم النبي ﵌ من الأنبياء والرسل، فما أجد أن مثل هذا السؤال ينبغي الاهتمام بتوجيهه، ولكن لا بد من الإجابة عنه حتى نبين ما عندنا من علم في هذه المسألة. نحن نعتقد أن العصمة المقطوع بها للأنبياء والرسل إنما هي أولاً العصمة في تبليغ الدعوة، وثانياً: العصمة عن الوقوع في الذنوب الكبائر وهم يعلمونها، أما أن يقعوا في صغيرة من الصغائر التي لا يترتب من ورائها إلا انتفاء الكمال المطلق؛ فهذا لا بأس من أن يقع شيء من ذلك من الأنبياء والرسل، وذلك ليبقى مستقراً في قلوب المؤمنين أن الكمال المطلق لله رب العالمين وحده لا شريك له. والقرآن في إثبات هذه الحقيقة فيه الكثير من النصوص والأدلة في غير ما نبي أو رسول، فقصة آدم ﵇ في نهي رب العالمين إياه عن أكل الشجر، وقول

стр. 3626

رب العالمين: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١] وقول القرآن الكريم بالنسبة لنبينا ﵇: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١] .. ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣]، هذا كله يدل على أن النبي ممكن أن يتعرض لما لا يليق بمقام نبوته من هذه الصغائر، لكن هل هذا يعيبهم؟ الجواب: لا؛ لأن هذه مقتضى البشرية. كما نقول: هل يعيب النبي والرسول أن يتعرض لما يتعرض له الناس عامة من مثل السهو والنسيان؟ نقول: لا، لا مانع من أن يتعرض أحد من الرسل والأنبياء لمثل هذا؛ لأنه لا يمس مقام الدعوة التي أرسل بها إلى الناس كافة. فقوله ﵇ فيما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ حينما صلى بهم صلاة الظهر خمس ركعات، فلما سلم قالوا له: «صليت خمساً. فسجد سجدتي السهو، ثم قال ﵇: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني» (١). فلا يضر مقام النبوة ولا الرسالة أن يقع منهم مما الأكمل أن لا يقع، لكن الكمال المطلق لله ، الأكمل أن لا ينسى الرسول ﵇، لكن حكمة الله اقتضت أن ينسى الرسول لكن هذا النسيان لا يمس الدعوة؛ لأنه لا ينسى ما يتعلق بالدعوة، ولذلك يشير ربنا إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (الأعلى:٦، ٧) من أن تنسى آية قد بلغتها الناس، أي: أديت الرسالة وبلغت الأمانة، فممكن أن يعرض للرسول ﵇

стр. 3627

بعد هذا التبليغ الواجب عليه أن ينسى شيئاً مما بلغهم كما جاء في صحيح البخاري أن النبي ﵌ دخل المسجد يوماً فسمع رجلاً يتلو القرآن فقال: «رحم الله فلاناً، لقد ذكرني آية كنت أنسيتها» (١) فنسيان الرسول ﵇ لمثل هذه الآية لا يضره فيما يتعلق بدعوته؛ لأنه قد بلغها، ولذلك استطاع ذلك الرجل أن يقرأها، فلما قرأها الرجل تذكرها الرسول ﵇، فمثل هذا النسيان لا يضره. كذلك وقوع بعض الأنبياء والرسل في شيء من الصغائر لا يضرهم؛ لأنه لا ينفر المدعوين عن دعوته بخلاف وقوعهم في الكبائر، ولذلك فهم منزهون عنها دون الصغائر. "الهدى والنور" (١٨٨/ ٠٠:٤٢:٢٧). [١٢٧٧] باب معنى النسيان في قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ ؟ سؤال: .. «لا تقول: نسيت بل أنسيت» (٢)، كيف التوفيق بينها وبين قول الله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]؟ الشيخ: نعم، هنا نسي ليس بمعنى النسيان الذي هو الذهول [بل] بمعنى ترك وخالف، نعم. "الهدى والنور" (٨١٤/ ٥٥: ٠٢: ٠٠)

стр. 3628

[١٢٧٨] باب تحريم الله على الأرض أن تأكل أجساد الانبياء، وبأن عيسى ﵇ حياً في السماء بروحه وجسده [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحاً حتى ترد إليه روحه، ومررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم في قبره بين عائلة وعويلة» (موضوع) [قال الإمام]: ثم إنه سبق في كلام السيوطي أن للحديث شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن! فلابد من النظر في ذلك لتتبين الحقيقة لكل من ينشدها، فأول ذلك أن ليس هناك شواهد، وإنما هما شاهدان فقط ذكرهما السيوطي نفسه لم يزد عليهما. ثم إن أحدهما من طريق أبي المقدام ثابت بن هرمز الكوفي - صدوق يهم - عن سعيد بن المسيب قال: «ما مكث نبي في قبره من الأرض أكثر من أربعين يوماً»، زاد في رواية: "حتى يرفع"، وهذا سند قوي، ولكنه مقطوع فلا حجة فيه لاحتمال كونه من الإسرائيليات. ثم إن هذه الزيادة يبطلها حديث: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»، وهو حديث صحيح رواه أبو داود وابن حبان في "صحيحه" والحاكم وغيرهم، (انظر " فضل الصلاة على النبي ﵌ " بتحقيقي رقم ٢٢، ٢٣) فإنه صريح في أن من خصوصيات الأنبياء أن الأرض لا تبلي أجساد الأنبياء، وهذه الخصوصية تنتفي إذا أثبتنا رفعهم بأجسادهم من قبورهم، كما هو مفاد

стр. 3629

هذه الزيادة، فثبت بذلك بطلانها، ولوثبتت لانتفت خصوصية أخرى لعيسى ﵇ وهي كونه في السماء حياً بروحه وجسده، فتأمل مفاسد وآثار الأحاديث الواهية! "الضعيفة" (١/ ٣٦٠، ٣٦٣، ٣٦٤). [١٢٧٩] باب الجمع بين قوله ﵌: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» والحديث الذي جاء فيه: «واستخرجوا عظام يوسف» [قال رسول الله ﵌]: «أعجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل؟ فقال أصحابه: يا رسول الله وما عجوز بني إسرائيل؟ قال: إن موسى لما سار ببني إسرائيل من مصر، ضلوا الطريق فقال: ما هذا؟ فقال علماؤهم: نحن نحدثك، إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقاً من الله أن لا يخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، قال: فمن يعلم موضع قبره؟ قالوا: ما ندري أين قبر يوسف إلا عجوز من بني إسرائيل، فبعث إليها فأتته فقال: دلوني على قبر يوسف، قالت: لا والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟ قالت: أكون معك في الجنة، فكره أن يعطيها ذلك فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع مستنقع ماء، فقالت: انضبوا هذا الماء فأنضبوا، قالت: احفروا واستخرجوا عظام يوسف فلما أقلوها إلى الأرض إذا الطريق مثل ضوء النهار». [قال الإمام]: (فائدة) كنت استشكلت قديماً قوله في هذا الحديث " عظام يوسف "؛ لأنه

стр. 3630

يتعارض بظاهره مع الحديث الصحيح: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» حتى وقفت على حديث ابن عمر ﵄: «أن النبي ﵌ لما بدن، قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبراً يا رسول الله يجمع أو يحمل عظامك؟ قال: بلى فاتخذ له منبراً مرقاتين». أخرجه أبو داود (١٠٨١) بإسناد جيد على شرط مسلم. فعلمت منه أنهم كانوا يطلقون " العظام "، ويريدون البدن كله، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، كقوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر﴾ أي: صلاة الفجر. فزال الإشكال والحمد لله، فكتبت هذا لبيانه. "الصحيحة (١/ ٢/٦٢٢ - ٦٢٤). [١٢٨٠] هل أجساد الشهداء لا تبلى مثل أجساد الأنبياء ؟ السائل: يقولون: إن جثة الشهيد لا تبلى يعني مثل باقي جثثت الأموات. الشيخ: ليس لهذا القول دليل شرعي. مداخلة: كما يقولون: أن قبر سيدنا عم الرسول ﵌. حمزة. الشيخ: العباس؟ مداخلة: نعم. الشيخ: وألا حمزة؟ مداخلة: حمزة. الشيخ: أقول لك: ليس هناك دليل في الشرع يخبرنا أن أجساد الشهداء لا

стр. 3631

تفنى كأجساد الأنبياء، عندنا نص أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، مثل هذا النص بالنسبة للشهداء لا يوجد إطلاقاً، لكن الذي وقع أن في التاريخ الإسلامي الأول بسبب حفريات اكتشفوا جثث بعض الشهداء كما هي، هذا صحيح وقع. لكن هذا لا يعطينا قاعدة أولاً: أن كل شهيد لا يبلى جسده، بل قد وجدت بعض الأجساد لغير شهداء، وهذا كما قلت آنفاً بيحوز تكون إما الأمر يعود إلى طبيعة الأرض، أو أن الله العليم بأحوال الموتى فقد يكرم بعضهم بأن يبقي جسده كما كان في ... حياته، تكون كرامةً من الله لذاك الإنسان سواء كان شهيداً أو كان صالحاً غير شهيد، لكن ما يجوز أن نأخذ من ذلك قاعدة، فلا نقول على الله ما لا نعلم، نقول: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، أما غير الأنبياء فلا دليل معنا بأن أجسادهم تبقى. "الهدى والنور" (٣١٧/ ٠٠: ٢١: ٠٠) [١٢٨١] باب صفة حياة الأنبياء في قبورهم [قال رسول الله ﵌]: «الأنبياء - صلوات الله عليهم - أحياء في قبورهم يصلون». [قال الإمام]: اعلم أن الحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إنما هي حياة برزخية، ليست من حياة الدنيا في شيء، ولذلك وجب الإيمان بها دون ضرب الأمثال لها ومحاولة تكييفها وتشبيهها بما هو المعروف عندنا في حياة

стр. 3632

الدنيا. هذا هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المؤمن في هذا الصدد: الإيمان بما جاء في الحديث دون الزيادة عليه بالأقيسة والآراء كما يفعل أهل البدع الذين وصل الأمر ببعضهم إلى ادعاء أن حياته ﵌ في قبره حياة حقيقية! قال: يأكل ويشرب ويجامع نساءه!!. وإنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله . "الصحيحة" (٢/ ١٩٠،١٧٨). [١٢٨٢] باب في صلاة الأنبياء في قبورهم سؤال: فضيلة الشيخ حفظك الله ذكرتم في أحد مؤلفاتكم حديث أن الأنبياء يصلون في قبورهم أرجو توضيح ذلك وجزاكم الله خيرًا. الشيخ: هذا الحديث من أنباء الغيب التي لا يجوز للمسلم أن يُعمل عقله فيها بل من الواجب عليه أن يسلم بها تسليمًا، وهذا الحديث وإن كان وقع فيه خلاف من بعض العلماء علماء الحديث تصحيحًا وتضعيفًا فالراجح عندي أنه صحيح ومذكور في "سلسلة الأحاديث صحيحة" ومخرج تخريجًا علميًا، لكن إن كان يشك بعضهم في صحة هذا الحديث فهناك حديث لا شك في صحته؛ لأن الإمام مسلمًا قد أخرجه في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: «مررت ليلة أسري بي بموسى قائمًا يصلي في قبره» (١) فإذًا صلاة الأنبياء في قبورهم عقيدة صحيحة يجب على المسلم أن يؤمن بها لكن لا يتوسع في محاولة تكييف هذه الصلاة فلا يقول مثلًا: كيف يصلي موسى في قبره والقبر

стр. 3633

لا يتسع لقيام موسى في القبر؟ لأننا نقول عالم الغيب لا يقاس على عالم الشهادة .. عالم البرزخ لا يقاس على عالم الآخرة فلكل طبائعه وخواصه، فإذا أخبرنا الصادق المصدوق أنه رأى موسى ﵊ قائمًا يصلي في قبره صدقناه وآمنا به ووكلنا معرفة حقيقة هذه الصلاة إلى الله ﵎. وعلى هذا الميزان قوله ﵊: «إن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» (١) فليست هذه الحياة بالحياة المادية بحيث أننا إذا خاطبناهم يردون علينا ويسمعون كلامنا كما كانوا يسمعون كلام الناس في الدنيا حينما كانوا أحياء لا نتوسع في مثل هذه التفاصيل؛ لأنه كما قلت آنفًا عالم الغيب لا يقاس على عالم الشهادة على عالم المادة. "رحلة النور" (٣٣ب/٠٠:٢٩:٤٧) [١٢٨٣] باب هل روح النبي ﵌ تستقر في جسده بعد موته ؟ [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحاً حتى ترد إليه روحه، ومررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم في قبره بين عائلة وعويلة» (موضوع) [قال الإمام]: وأنا أرى أن هذا الحديث يعارض قوله ﵌: «ما من أحد يسلم علي إلا رد

стр. 3634

الله علي روحي حتى أرد ﵇». رواه أبو داود (١/ ٣١٩) والبيهقي (٥/ ٢٤٥) وأحمد (٢/ ٥٢٧) بإسناد حسن عن أبي هريرة، وهو مخرج في الكتاب الآخر " الصحيحة " (٢٢٦٦). ووجه التعارض أنه يدل على أن روحه ﵌ ليست مستقرة في جسده الشريف، بل هي ترد إليه ليرد سلام المسلمين عليه ﵌، بينما هذا الحديث الموضوع يقرر صراحة أن روح كل نبي ترد إليه بعد أربعين صباحاً من وفاته، فلو صح هذا فكيف ترد روحه ﵌ إلى جسده ليرد السلام، هذا أمر غير معقول، بل هو ظاهر التناقض، فلابد من رد أحدهما، وليس هو إلا هذا الحديث المنكر حتى يسلم الحديث القوي من المعارض، فتأمل هذا فإنه مما ألهمت به، لا أذكر أني رأيته لأحد قبلي، فإن كان صواباً فمن الله، وإلا فمن نفسي. "الضعيفة" (١/ ٣٦٠، ٣٦٢ - ٣٦٣).

стр. 3635

جماعُ أبوابِ الكلامِ على بعضِ الأنبياء والرسل، وذكرِ شيءٍ من أخبارهم، وبيان ما ثبت عنهم وما لم يثبت .

стр. 3636

(إبراهيم ﵇ [١٢٨٤] باب الرد على من أنكر حديث كذبات إبراهيم الثلاث سؤال: الكذب حرام، ولكن إذا اضطر الإنسان إليه ليمنع كارثة تكاد تقع لو صدق القول، أيبقى نفس الحكم ؟ الشيخ: إذا صح هذا السؤال لا يبقى على نفس الحكم, إذا صح التصوير لا يبقى نفس الحكم. أحد الحضور: لا يصلح الكذب إلا في ثلاثة؟ الشيخ: نعم، لا يصلح الكذب إلا في ثلاث. السائل: على هذا السؤال يجوز، لأنه كارثة. الشيخ: نعم، هذا بيذكرني بمناقشة من المناقشات التي وقعت بيني وبين القاديانية في دمشق, هؤلاء - طبعاً - لهم انحرافات خطيرة جداً، الظاهر إني نسيت اسمه, المهم: جرت جلسات عديدة بيني وبينهم, وبعدين اتفقنا أننا نعمل مناقشة أو مناظرة كتابية [كلام غير واضح] أن هذا الحديث ما بيتناسب مع مقام الأنبياء, كيف إبراهيم بيكذب؟ وربنا يقول في القرآن الكريم: ﴿كان صديقاً نبياً﴾ ﴿صديقاً نبياً﴾، وهذا الحديث يقول: «كذب ثلاث كذبات» هذا حديث باطل، هذا النقاش كان بيني وبين داعيتهم الكبير من بعد هذاك الباكستاني، هذا (منير الحصني) عنوان مكتبه [كلام غير مفهوم]، فجرى بيني وبينه النقاش الآتي: لكنه

стр. 3637

منطقي وجميل جداً، قلت له: أنت بتنزه إبراهيم ﵇ من هذه الكذبات الثلاث وهي مشفوعة بالحديث، فهل أفهم منك إن الكذب حرام ولو كان فيه تخليص نفس مؤمنة من كافر؟ قال لي: نعم، وكنا يومئذ حديثي عهد بالثورة الفرنسية أو بالأحرى الثورة السورية على الفرنسيين، وكان الثوار بيهجموا على ما يسمى عندنا بـ (الاستحكامات) , بيجي ثاير، اثنين، ثلاثة فدائيين ... للفرنساويين والسنغال -كانوا يجيبوا من السود-، ويرمي له قنبلتين ثلاثة، وبسرعة البرق يدخل بين الحارات وبين القبور، ويضيع عن الجماعة، وكان أمر طبيعي جداً، كما يقع اليوم في فلسطين - مع الأسف - سرعان ما بينشلوه يفتشوا عن مين الفاعل؟ يلاَّ يدخلوا البيوت يدقوا على الباب، فقلت له: هذا (منير الحصني)، قلت له: لو وقعت هيك واقعة ويجوا بيدقوا عليك الباب، وكان لجأ عندك رجل من هؤلاء الثوار المسلمين، وهو جاك يسموه عندنا: (الجندرمة) يعني: العسكري، الفرنسي (جندرمة) دق عليك الباب، قال لك: دخل لعندك شخص اتخبى؟ شو بتقول له: دخلك؟ تقول له: إيه نعم، قال: نعم، بقول له, هون جرى السؤال والجواب الآتي وهنا الدقة، قلت له: بدي اسألك سؤال: الصدق وَجَبَ، لأنه مركب من ثلاثة أحرف هي (ص د ق)؟ والكذب حُرِّمَ؛ لأنه مركب من ثلاثة أحرف أخرى هي (ك ذ ب)؟ أم لأنه في الصدق خير وفي الكذب شر؟ قال: طبعاً، هو هذا، قلت له: وفي حادثةٍ ما اختلفت النتائج نتج من (ص د ق) ما ينتج عادةً من (ك ذ ب)، هل تعطيه حكم (ص د ق)؟؟ فَبُهِتَ الذي كَفَرْ. "الهدى والنور" (٣/ ٠٠:٤٨:٥٩)

стр. 3638

(إسماعيل وإسحاق ﵉ [١٢٨٥] باب الذبيح إسماعيل [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: ٣٣٢ «الذبيح إسحاق» (ضعيف). [أورد الإمام بعض طرقه ثم قال:] قال الزرقاني (١/ ٩٨): فهذه أحاديث يعضد بعضها بعضاً، فأقل مراتب الحديث أنه حسن فكيف وقد صححه الحاكم والذهبي! قلت: الذهبي لم يصححه، والحاكم وهم في تصحيحه كما سيأتي بيانه، والطرق فيها ضعف واضطراب، واحتمال كون متونها إسرائيليات، بل هو الغالب كما سبق، فهذا كله يمنع من القول بأن بعضها يعضد بعضاً، ولا سيما وقد ذهب المحققون من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم إلى أن الصواب في الذبيح أنه إسماعيل ﵇، قال ابن القيم في " الزاد " (١/ ٢١): وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهاً، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب

стр. 3639

مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفي لفظ: وحيده. ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده ... وكيف يسوغ أن يقال: أن الذبيح إسحاق والله تعالى قد بشر أم إسحاق به وبابنه يعقوب، فقال تعالى عن الملائكة أنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوط، وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوب﴾ [هود:٧٠، ٧١]، فمحال أن يبشرها بأنه يكون له ولد ثم يأمر بذبحه. [ثم ذكر وجوهاً أخرى في إبطال القول بأن الذبيح إسحاق وتصويب أنه إسماعيل فليراجعها من شاء]. "الضعيفة" (١/ ٥٠٣،٥٠٥). [١٢٨٦] باب منه [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «إن الله ﵎ خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي، وبين أن يجيب شفاعتي، فاخترت شفاعتي ورجوت أن تكون أعم لأمتي، ولولا الذى سبقني إليه العبد الصالح لتعجلت فيها دعوتي، إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق كرب الذبح، قيل له: يا إسحاق سل تعط، فقال: أما والذي نفسي بيده لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان: اللهم من مات لا يشرك بك شيئاً فاغفر له وأدخله الجنة» (منكر)

стр. 3640

[قال الإمام]: وهو دليل على أن الذبيح إسحاق ﵇، وبه قال بعضهم وهو باطل، والصواب أنه إسماعيل ... ومثله: " أكرم الناس يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله". منكر بهذا اللفظ. "الضعيفة" (١/ ٥٠٦،٥٠٧). [١٢٨٧] باب كل ما جاء في أن إسحاق هو الذبيح ضعيف [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «إن داود سأل ربه فقال: يا رب! إنه يقال: رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فاجعلني رابعهم حتى يقال: ورب داود. فقال: يا داود! إنك لم تبلغ ذلك؛ إن إبراهيم لم يعدل بي شيئاً قط، ألا ترى إليه إذ يقول: [﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُون، أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُون، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين﴾]. يا داود! وأما إسحاق؛ فإنه جاد بنفسه لي في الذبح. وأما يعقوب؛ فإني ابتليته ثمانين سنة، فلم يسئ بي الظن ساعة قط؛ فلن تبلغ ذلك يا داود». (منكر). [قال الإمام]: ومن نكارة هذا الحديث: أن فيه أن الذبيح إسحاق! وقد روي في هذا أحاديث أخرى كلها ضعيفة، وبعضها أشد ضعفاً من بعض. "الضعيفة" (١٢/ ٨٢١،٨٢٢).

стр. 3641

(موسى ﵇ [١٢٨٨] باب قصة موسى مع ملك الموت [قال رسول الله ﵌]: «جاء ملكُ الموتِ إلى (وفي طريق: إنَّ ملكَ الموتِ كان يأتي الناسَ عياناً، حتّى أتى) موسى ﵇، فقال له: أجب ربَّك، قال: فلطَم موسى ﵇، عينَ مَلكِ الموتِ ففَقأها، فرجعَ الملكُ إلى اللهِ تعالى، فقالَ: [يا ربِّ!] إنَّك أرسلتني إلى عبدٍ لكَ لا يريدُ الموتَ، وقد فقأ عيني، [ولولا كرامتُه عليك لشققتُ عليه]. قال: فردَّ اللهُ إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدِي فقِل: الحياة تريدُ؟ فإن كنت تريدُ الحياةَ؛ فضع يدَك على متنِ ثورٍ، فما توارت يدُك من شعرة؛ فإنّك تعيشُ بها سنةً، قال: [أي ربِّ!] ثمَّ مَه؟ قالَ: ثم تموتُ، قال: فالآن من قريبٍ، ربِّ! أمتني من الأرضِ المقدّسةِ رميةً بحجرٍ! [قال: فشمَّه شمّةً فقبض روحَه، قال: فجاء بعد ذلك إلى النّاسِ خفياً].قال رسول الله ﵌: والله! لو أني عنده لأريتُكم قبره إلى جانب الطريق عند (وفي طريق: تحت) الكثيبِ الأحمرِ]. [قال الإمام]: قلت: هذا الحديث من الأحاديث الصحيحة المشهورة التي أخرجها الشيخان من طرق عن أبي هريرة- ﵁، وتلقته الأمة بالقبول، وقد جمعت ألفاظها والزيادات التي وقعت فيها، وسقتها لك سياقاً واحداً كما ترى؛ لتأخذ القصة كاملة بجميع فوائدها المتفرقة في بطون مصادرها، الأمر الذي

стр. 3642

يساعدك على فهمها فهماً صحيحاً، لا إشكال فيه ولا شبهة، فتسلِّم لقول رسول الله ﵌ تسليماً. واعلم أن هذا الحديث الصحيح جدّاً مما أنكره بعض ذوي القلوب المريضة من المبتدعة- فضلاً عن الزنادقة- قديماً وحديثاً، وقد رد عليهم العلماء- على مر العصور- بما يشفي ويكفي من كان راغباً السلامة في دينه وعقيدته؛ كابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي، والبغوي، والنووي، والعسقلاني، وغيرهم. وممن أنكره من المعاصرين: الشيخ الغزالي في كتابه "السنة .. "، بل وطعن في الذين دافعوا عن الحديث " فقال (ص ٢٩): "وهو دفاع تافه لا يساغ "! وهكذا؛ فالرجل ماضٍ في غيّه، والطعن في السنة والذابين عنها بمجرد عقله (الكبير!). ولست أدري- والله- كيف يعقل هذا الرجل- إذا افترضنا فيه الإيمان والعقل-! كيف يدخل في عقله أن يكون هؤلاء الأئمة الأجلة من محدِّثين وفقهاء - من الإمام البخاري إلى الإمام العسقلاني- على خطأ في تصحيحهم هذا الحديث، ويكون هو وحده- صاحب العقل الكبير! - مصيباً في تضعيفه إياه ورده عليهم؟! ثم هو لا يكتفي بهذا! بل يخادع القراء ويدلس عليهم، ويوهمهم أنه مع الأئمة لا يخالفهم، فيقول بين يدي إنكاره لهذا الحديث وغيره كالذي قبله (ص٢٦): "لا خلاف بين المسلمين في العمل بما صحت نسبته لرسول الله ﵌ وفق أصول الاستدلال التي وضعها الأئمة، وانتهت إليها الأمة، إنما ينشأ الخلاف حول صدق هذه النسبة أو بطلانها، وهو خلاف لا بد من حسمه، ولا بد من رفض

стр. 3643

الافتعال أو التكلف فيه، فإذا استجمع الخبر المروي شروط الصحة المقررة بين العلماء فلا معنى لرفضه، وإذا وقع خلاف محترم في توفر هذه الشروط أصبح في الأمر سعة "! هذا كلامه، فهل تجاوب معه؟ كلا ثم كلا؛ فإن الحديث لا خلاف في صحته بين العلماء، وله ثلاثة طرق صحيحة كما تقدم، فكيف تملص من كلامه المذكور؟! لقد دلس على القراء وأوهم أن الحديث مختلف في صحته؛ فقال (ص ٢٧): "وقد جادل البعض في صحته "! ويعني: أن الحديث صار من القسم الذي فيه سعة للخلاف! فنقول له: أولاً: هل الخلاف الذي توهمه "خلاف محترم " أم هو خلاف ساقط الاعتبار؟! لأن المخالف ليس من العلماء المحترمين!! ولذلك لم تتجرأ على تسميته! ولعله من الخوارج أو الشيعة الذين يطعنون في أصحاب النبي ﵌، وبخاصة راوي هذا الحديث (أبي هريرة) ﵁. وثانياً: يحتمل أن يكون المجادِل الذي أشرتَ إليه هو أنت، وحينئذٍ فبالأولى أن يكون خلافك ساقط الاعتبار، كما هو ظاهر كالشمس في رائعة النهار! ثم قال: "إن الحديث صحيح السند؛ لكن متنه يثير الريبة؛ إذ يفيد أن موسى يكره الموت ولا يحب لقاء الله ... " إلى آخر هرائه! فأقول: بمثل هذا الفهم المنكوس يرد هذا الرجل أحاديث النبي ﵌!! ولا يكتفي بذلك، بل ويرد على العلماء كافة الذين فهموه وشرحوه شرحاً صحيحاً، وردوا على أمثاله من أهل الأهواء الذين يسيئون فهم الأحاديث ثم يردونها، وإنما هم في الواقع يردون جهلهم، وهي سالمة منه والحمد لله، وها هو المثال؛ فإن

стр. 3644

الحديث صريح بخلاف ما نسب إلى موسى ﵇، ألا وهو قوله ﵇: "فالآن من قريب ". فتعامى الرجل عنه، وتشبث باللطم المذكور في أوله، ولم ينظر إلى نهاية القصة، فمثله كمثل من يَرُدُّ قوله تعالى: ﴿فويل للمصلين﴾ بزعم أنه يخالف الآيات الآمرة بالصلاة، ولا ينظر إلى ما بعده: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ هذا من جهة. ومن جهة أخرى؛ فإن الرجل بنى ردَّهُ للحديث على زعمه أن موسى ﵇ كان عارفاً بملك الموت حين لطمه! وهذا من تمام جهله وإعراضه عن كلام العلماء الذي نقله (ص ٢٨): "أن موسى لم يعلم أنه ملك من عند الله، وظن أنه رجل قصده يريد قتله، فدافعه عنه، فأدت المدافعة إلى فقءِ عينه ". ومع أن هذا الكلام يدل عليه تمام القصة كما قدمتُ، ويؤكده قوله في أول الحديث: "أن ملك الموت كان يأتي الناس عياناً"،أي: في صورة البشر، وفقءِ عينه وردها إليه مما يقوي ذلك. أقول: مع هذا كله، استكبر الرجل ولم يرد على علماء الأمة إلا بقوله الذي لا يعجز عن مثله أيُّ مُبطِلٍ غريق في الضلال: "نقول نحن (!): هذا الدفاع كله خفيف الوزن، وهو دفاع تافه لا يساغ "! وإن من ضلال الرجل وجهله قوله (ص ٢٧): "ثم، هل الملائكة تعرض لهم العاهات التي تعرض للبشر من عَمَى أو عَوَر؟! ذاك بعيد"! فأقول: وهذا من الحجة عليك، الدالة على قلة فهمك؛ فإن هذا الذي استبعدتهُ مما جعل العلماء يقولون في دفاعهم: إن موسى لم يعلم أنه ملك، أفما آن لك أن تعقل؟!!

стр. 3645

ثم ختم ضلاله في هذا الحديث وطعنه فيه بقوله: "والعلة في المتن يبصرها المحققون (!) وتخفى على أصحاب الفكر السطحي "! فيا له من مغرور أهلكه العجب لقد جعل! نفسه من المحققين، وعلماء الأمة من "أصحاب الفكر السطحي "! والحقيقة أنه هو العلة؛ لجهله وقلة فهمه إن لم يكن فيه ما هو أكثر من ذلك مما أشار إليه الكفار وهم يعذَّبون في النار: ﴿لو كنا نسمعُ أو نعقِلُ ما كنا في أصحاب السَّعير﴾؛ نسأل الله حسن الخاتمة والوفاة على سبيل المؤمنين. وأرى من تمام الفائدة أن أنقل إلى القراء الكرام كلام إمامين من أئمة المسلمين وحفاظ الحديث، فيه بيان الحكمة من تحديثه ﵌ بهذا الحديث، قال ابن حبان عقب الحديث: "إن الله جل وعلا بعث رسول الله ﵌ معلماً لِخلقِهِِ، فأنزله موضع الإبانة عن مراده، فبلَّغ ﵌ رسالته، وبّين عن آياته بألفاظ مجملة ومفسرة، عقلها عنه أصحابه أو بعضهم، وهذا الخبر من الأخبار التي يدرك معناه من لم يُحرَمِ التوفيق لإصابة الحق، وذاك أن الله جل وعلا أرسل ملك الموت إلى موسى رسالة ابتلاء واختبار، وأمره أن يقول له: "أجب ربك ": أمر اختبار وابتلاء، لا أمراً يريد الله جل وعلا إمضاءه؛ كما أمر خليله صلى الله على نبينا وعليه بذبح ابنه أمر اختبار وابتلاء، دون الأمر الذي أراد الله جل وعلا إمضاءه، فلما عزم على ذبح ابنه (وتلّه للجبين)؛ فداه بالذِّبح العظيم. وقد بعث الله جل وعلا الملائكة إلى رسله في صور لا يعرفونها؛ كدخول الملائكة على رسوله إبراهيم ولم يعرفهم؛ حتى أوجس منهم خيفة، وكمجيء جبريل إلى رسول الله ﵌ وسؤاله إياه عن الإيمان والإسلام، فلم يعرفه المصطفى حتى ولَّى.
следующие страницы →