← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

(موسى ﵇ [١٢٨٨] باب قصة موسى مع ملك الموت [قال رسول الله ﵌]: «جاء ملكُ الموتِ إلى (وفي طريق: إنَّ ملكَ الموتِ كان يأتي الناسَ عياناً، حتّى أتى) موسى ﵇، فقال له: أجب ربَّك، قال: فلطَم موسى ﵇، عينَ مَلكِ الموتِ ففَقأها، فرجعَ الملكُ إلى اللهِ تعالى، فقالَ: [يا ربِّ!] إنَّك أرسلتني إلى عبدٍ لكَ لا يريدُ الموتَ، وقد فقأ عيني، [ولولا كرامتُه عليك لشققتُ عليه]. قال: فردَّ اللهُ إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدِي فقِل: الحياة تريدُ؟ فإن كنت تريدُ الحياةَ؛ فضع يدَك على متنِ ثورٍ، فما توارت يدُك من شعرة؛ فإنّك تعيشُ بها سنةً، قال: [أي ربِّ!] ثمَّ مَه؟ قالَ: ثم تموتُ، قال: فالآن من قريبٍ، ربِّ! أمتني من الأرضِ المقدّسةِ رميةً بحجرٍ! [قال: فشمَّه شمّةً فقبض روحَه، قال: فجاء بعد ذلك إلى النّاسِ خفياً].قال رسول الله ﵌: والله! لو أني عنده لأريتُكم قبره إلى جانب الطريق عند (وفي طريق: تحت) الكثيبِ الأحمرِ]. [قال الإمام]: قلت: هذا الحديث من الأحاديث الصحيحة المشهورة التي أخرجها الشيخان من طرق عن أبي هريرة- ﵁، وتلقته الأمة بالقبول، وقد جمعت ألفاظها والزيادات التي وقعت فيها، وسقتها لك سياقاً واحداً كما ترى؛ لتأخذ القصة كاملة بجميع فوائدها المتفرقة في بطون مصادرها، الأمر الذي

стр. 3642

يساعدك على فهمها فهماً صحيحاً، لا إشكال فيه ولا شبهة، فتسلِّم لقول رسول الله ﵌ تسليماً. واعلم أن هذا الحديث الصحيح جدّاً مما أنكره بعض ذوي القلوب المريضة من المبتدعة- فضلاً عن الزنادقة- قديماً وحديثاً، وقد رد عليهم العلماء- على مر العصور- بما يشفي ويكفي من كان راغباً السلامة في دينه وعقيدته؛ كابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي، والبغوي، والنووي، والعسقلاني، وغيرهم. وممن أنكره من المعاصرين: الشيخ الغزالي في كتابه "السنة .. "، بل وطعن في الذين دافعوا عن الحديث " فقال (ص ٢٩): "وهو دفاع تافه لا يساغ "! وهكذا؛ فالرجل ماضٍ في غيّه، والطعن في السنة والذابين عنها بمجرد عقله (الكبير!). ولست أدري- والله- كيف يعقل هذا الرجل- إذا افترضنا فيه الإيمان والعقل-! كيف يدخل في عقله أن يكون هؤلاء الأئمة الأجلة من محدِّثين وفقهاء - من الإمام البخاري إلى الإمام العسقلاني- على خطأ في تصحيحهم هذا الحديث، ويكون هو وحده- صاحب العقل الكبير! - مصيباً في تضعيفه إياه ورده عليهم؟! ثم هو لا يكتفي بهذا! بل يخادع القراء ويدلس عليهم، ويوهمهم أنه مع الأئمة لا يخالفهم، فيقول بين يدي إنكاره لهذا الحديث وغيره كالذي قبله (ص٢٦): "لا خلاف بين المسلمين في العمل بما صحت نسبته لرسول الله ﵌ وفق أصول الاستدلال التي وضعها الأئمة، وانتهت إليها الأمة، إنما ينشأ الخلاف حول صدق هذه النسبة أو بطلانها، وهو خلاف لا بد من حسمه، ولا بد من رفض

стр. 3643

الافتعال أو التكلف فيه، فإذا استجمع الخبر المروي شروط الصحة المقررة بين العلماء فلا معنى لرفضه، وإذا وقع خلاف محترم في توفر هذه الشروط أصبح في الأمر سعة "! هذا كلامه، فهل تجاوب معه؟ كلا ثم كلا؛ فإن الحديث لا خلاف في صحته بين العلماء، وله ثلاثة طرق صحيحة كما تقدم، فكيف تملص من كلامه المذكور؟! لقد دلس على القراء وأوهم أن الحديث مختلف في صحته؛ فقال (ص ٢٧): "وقد جادل البعض في صحته "! ويعني: أن الحديث صار من القسم الذي فيه سعة للخلاف! فنقول له: أولاً: هل الخلاف الذي توهمه "خلاف محترم " أم هو خلاف ساقط الاعتبار؟! لأن المخالف ليس من العلماء المحترمين!! ولذلك لم تتجرأ على تسميته! ولعله من الخوارج أو الشيعة الذين يطعنون في أصحاب النبي ﵌، وبخاصة راوي هذا الحديث (أبي هريرة) ﵁. وثانياً: يحتمل أن يكون المجادِل الذي أشرتَ إليه هو أنت، وحينئذٍ فبالأولى أن يكون خلافك ساقط الاعتبار، كما هو ظاهر كالشمس في رائعة النهار! ثم قال: "إن الحديث صحيح السند؛ لكن متنه يثير الريبة؛ إذ يفيد أن موسى يكره الموت ولا يحب لقاء الله ... " إلى آخر هرائه! فأقول: بمثل هذا الفهم المنكوس يرد هذا الرجل أحاديث النبي ﵌!! ولا يكتفي بذلك، بل ويرد على العلماء كافة الذين فهموه وشرحوه شرحاً صحيحاً، وردوا على أمثاله من أهل الأهواء الذين يسيئون فهم الأحاديث ثم يردونها، وإنما هم في الواقع يردون جهلهم، وهي سالمة منه والحمد لله، وها هو المثال؛ فإن

стр. 3644

الحديث صريح بخلاف ما نسب إلى موسى ﵇، ألا وهو قوله ﵇: "فالآن من قريب ". فتعامى الرجل عنه، وتشبث باللطم المذكور في أوله، ولم ينظر إلى نهاية القصة، فمثله كمثل من يَرُدُّ قوله تعالى: ﴿فويل للمصلين﴾ بزعم أنه يخالف الآيات الآمرة بالصلاة، ولا ينظر إلى ما بعده: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ هذا من جهة. ومن جهة أخرى؛ فإن الرجل بنى ردَّهُ للحديث على زعمه أن موسى ﵇ كان عارفاً بملك الموت حين لطمه! وهذا من تمام جهله وإعراضه عن كلام العلماء الذي نقله (ص ٢٨): "أن موسى لم يعلم أنه ملك من عند الله، وظن أنه رجل قصده يريد قتله، فدافعه عنه، فأدت المدافعة إلى فقءِ عينه ". ومع أن هذا الكلام يدل عليه تمام القصة كما قدمتُ، ويؤكده قوله في أول الحديث: "أن ملك الموت كان يأتي الناس عياناً"،أي: في صورة البشر، وفقءِ عينه وردها إليه مما يقوي ذلك. أقول: مع هذا كله، استكبر الرجل ولم يرد على علماء الأمة إلا بقوله الذي لا يعجز عن مثله أيُّ مُبطِلٍ غريق في الضلال: "نقول نحن (!): هذا الدفاع كله خفيف الوزن، وهو دفاع تافه لا يساغ "! وإن من ضلال الرجل وجهله قوله (ص ٢٧): "ثم، هل الملائكة تعرض لهم العاهات التي تعرض للبشر من عَمَى أو عَوَر؟! ذاك بعيد"! فأقول: وهذا من الحجة عليك، الدالة على قلة فهمك؛ فإن هذا الذي استبعدتهُ مما جعل العلماء يقولون في دفاعهم: إن موسى لم يعلم أنه ملك، أفما آن لك أن تعقل؟!!

стр. 3645

ثم ختم ضلاله في هذا الحديث وطعنه فيه بقوله: "والعلة في المتن يبصرها المحققون (!) وتخفى على أصحاب الفكر السطحي "! فيا له من مغرور أهلكه العجب لقد جعل! نفسه من المحققين، وعلماء الأمة من "أصحاب الفكر السطحي "! والحقيقة أنه هو العلة؛ لجهله وقلة فهمه إن لم يكن فيه ما هو أكثر من ذلك مما أشار إليه الكفار وهم يعذَّبون في النار: ﴿لو كنا نسمعُ أو نعقِلُ ما كنا في أصحاب السَّعير﴾؛ نسأل الله حسن الخاتمة والوفاة على سبيل المؤمنين. وأرى من تمام الفائدة أن أنقل إلى القراء الكرام كلام إمامين من أئمة المسلمين وحفاظ الحديث، فيه بيان الحكمة من تحديثه ﵌ بهذا الحديث، قال ابن حبان عقب الحديث: "إن الله جل وعلا بعث رسول الله ﵌ معلماً لِخلقِهِِ، فأنزله موضع الإبانة عن مراده، فبلَّغ ﵌ رسالته، وبّين عن آياته بألفاظ مجملة ومفسرة، عقلها عنه أصحابه أو بعضهم، وهذا الخبر من الأخبار التي يدرك معناه من لم يُحرَمِ التوفيق لإصابة الحق، وذاك أن الله جل وعلا أرسل ملك الموت إلى موسى رسالة ابتلاء واختبار، وأمره أن يقول له: "أجب ربك ": أمر اختبار وابتلاء، لا أمراً يريد الله جل وعلا إمضاءه؛ كما أمر خليله صلى الله على نبينا وعليه بذبح ابنه أمر اختبار وابتلاء، دون الأمر الذي أراد الله جل وعلا إمضاءه، فلما عزم على ذبح ابنه (وتلّه للجبين)؛ فداه بالذِّبح العظيم. وقد بعث الله جل وعلا الملائكة إلى رسله في صور لا يعرفونها؛ كدخول الملائكة على رسوله إبراهيم ولم يعرفهم؛ حتى أوجس منهم خيفة، وكمجيء جبريل إلى رسول الله ﵌ وسؤاله إياه عن الإيمان والإسلام، فلم يعرفه المصطفى حتى ولَّى.

стр. 3646

فكان مجيء ملك الموت إلى موسى على غير الصورة التي كان يعرفه موسى ﵇ عليها، وكان موسى غيوراً، فرأى في داره رجلاً لم يعرفه، فشال يده فلطمه، فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصورة التي تصور بها، لا الصورة التي خلَقَهُ اللهُ عليها، ولما كان المصرح عن نبينا في خبر ابن عباس حيث قال: "أمَّني جبريلُ عند البيت مرتين ... " فذكر الخبر، وقال في آخره: "هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك " (١)، كان في هذا الخبر البيانُ الواضح: أن بعض شرائعنا قد تتفق ببعض شرائع من قبلنا مِن الأمم. ولما كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل دارهُ بغير إذنه، أو الناظر إلى بيته بغير أمره، من غير جناح على فاعله، ولا حرج على مرتكبه، للأخبار الواردة فيه، التي أمليناها في غير موضع من كتبنا (٢)؛كان جائزاً اتفاق هذه الشريعة بشريعة موسى بإسقاط الحرج عمّن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحاً له، ولا حرج عليه في فعله. فلما رجع ملك الموت إلى ربه، وأخبره بما كان من موسى فيه؛ أمره ثانياً بأمر آخر أمر اختبار وابتلاء كما ذكرنا قبل، إذ قال الله له: "قل له: إن شئت، فضع يدك على متن ثور، فلك بكل ما غطت يدك بكل شعرة سنة"، فلما علم موسى كليم الله صلى الله على نبينا وعليه أنه ملك الموت، وأنه جاء بالرسالة من عند الله، طابت نفسه بالموت ولم يستمهل، وقال: "فالآن ".

стр. 3647

فلو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت، لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به، ضدَّ قول من زعم: "أن أصحاب الحديث حمَّالة الحطب ورعاة الليل، يجمعون ما لا ينتفعون به، ويروون ما لا يؤجرون عليه، ويقولون بما يبطله الإسلام "، جهلاً منه لمعاني الأخبار، وترك التفقه في الآثار، معتمداً على رأيه المنكوس، وقياسه المعكوس ". قلت: ما أشبه الليلة بالبارحة! فهذا الزاعم الطاعن في أصحاب الحديث هو سلف الغزالي في طعنه فيهم، وفي أحاديثهم الصحيحة، وما وصفه به ابن حبان من الجهل بمعاني الآثار، يشبه تماماً جهل الغزالي بها، وكتابه المتقدم ذكره والنقل عنه مشحون بطعنه في الأحاديث الصحيحة التي لا خلاف عند أهل العلم في صحتها، وقد ختم الكتاب بإنكاره عدة أحاديث صحيحة في إثبات القدر؛ لأنه فهم منها- بفهمه المعكوس والمنكوس- أنها تفيد الجبر، وتنفي عن الإنسان الاختيار الذي به كُلِّفَ، وترتب عليه الثواب والعقاب، مشاركاً في هذا الفهم العامة الجهلة، ولكنه فرَّ من فهمه الخاطئ إلى ما هو مثله أو أسوأ منه، ألا وهو إنكاره القدر والأحاديث الدالة عليها، وألحق نفسه بالمعتزلة!! وقد قام بواجب الرد عليه كثير من العلماء والكتَّاب، وكشفوا للناس ما فيه من زيغ وضلال في الحديث والعقيدة والفقه، وكان أطولهم نفساً، وأكثرهم إفادة، وأهدأهم بالاً: الأخ الفاضل سلمان العودة في كتابه "حوار هادئ مع محمد الغزالي"،فنِعمَ الردُّ هو؛ لولا تساهل وتسامح لا يستحقه الغزالي تجاه طعناته العديدة مع أئمة الحديث والفقه، وإن كان الأخ الفاضل قد كشف القناع عنها بأدبه الناعم! والحافظ الآخر الذي سبقت الإشارة إليه: هو الإمام البغوي؛ فإنه بعد أن ذكر أن الحديث: "متفق على صحته "؛ قال ﵀:

стр. 3648

"هذا الحديث يجب على المرء المسلم الإيمان به على ما جاء به من غير أن يعتبره بما جرى عليه عُرف البشرِ، فيقع في الارتياب؛ لأنه أمرٌ مصدره عن قدرة الله وحُكمه، وهو مجادلة بين ملك كريم، ونبي كليم، كلُّ واحد منهما مخصوص بصفة خرج بها عن حكم عوامِّ البشر، ومجاري عاداتهم في المعنى الذي خُصَّ به، فلا يعتبر حالهما بحال غيرهما، قد اصطفى الله موسى برسالاته وبكلامه، وأيده بالآيات الظاهرة، والمعجزات الباهرة، كاليد البيضاء، والعصا، وانفلاق البحر، وغيرهما مما نطق به القرآن، ودلّت عليه الآثار، وكل ذلك إكرام من الله أكرمه بها، فلما دنت وفاته- وهو بشرٌ يكره الموت طبعاً، ويجد ألمه حساً-؛ لطف له بأن لم يفاجئه به بغتة، ولم يأمر الملك الموكل به أن يأخذه به قهراً؛ كن أرسله إليه منذراً بالموت، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشرٍ، فلما رآه موسى استنكر شأنه، واستوعر مكانه، فاحتجز منه دفعاً عن نفسه بما كان من صكه إياه، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشرية التي جاءه فيها، دون الصورة الملكية التي هو مجبول عليها، وقد كان في طبع موسى ﵌ حمِيَّةٌ وحِدّةٌ على ما قص الله علينا من أمره في كتابه من وكزه القبطي، وإلقائه الألواح، وأخذه برأس أخيه يجره إليه. وروي أنه كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً، وقد جرت سنة الدين بدفع من قصدك بسوء، كما جاء في الحديث: «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم حلّ لهم أن يفقأوا عينه»، فلما نظر موسى إلى شخص في صورة بشر هجم عليه يُريد نفسه، ويقصد هلاكه، وهو لا يثبته، ولا يعرفه أنه رسول ربه؛ دفعه عن نفسه، فكان فيه ذهاب عينه، فلما عاد الملك إلى ربه، ردّ الله إليه عينه، وأعاده رسولاً إليه؛ ليعلم نبي الله ﵇ إذا رأى صحة عينه المفقوءة- أنه رسول الله بعثه لقبض

стр. 3649

روحه، فاستسلم حينئذٍ لأمره، وطاب نفساً بقضائه، وكلُّ ذلك رفق من الله ، ولطف منه في تسهيل ما لم يكن بد من لقائه، والانقياد لمورد قضائه، قال: وما أشبه معنى قوله:"ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت ... " بترديده رسوله ملك الموت إلى نبيه موسى ﵇، فيما كرهه من نزول الموت به، وقد ذكر هذا المعنى أبو سليمان الخطابي في كتابه رداً على من طعن في هذا الحديث وأمثاله من أهل البدع والملحدين أبادهم الله، وكفى المسلمين شرهم ". "الصحيحة" (٧/ ٢/٨٢٦ - ٨٣٥). [١٢٨٩] باب منه سؤال: يقول السائل: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «إن موسى ﵇ لطم عين ملك الموت فأعوره» سمعت أحد العلماء يضعف إخراج هذا الحديث، ويقول: إن الرائحة الإسرائيلية لتفوح من هذا الحديث، فكيف نرد عليهم، وهل يجوز أن نسمي ملك الموت عزرائيل، وهل هناك رواية صحيحة على أن اسمه عزرائيل، وكيف يجوز لنبي أن يضرب ملكًا، مع العلم بأن مَلَك الموت شديد، وهل أذن الله لموسى ﵇ بذلك؟ الشيخ: هذا السؤال له شعبتان: الشعبة الأولى: تتعلق بحديث لطم موسى ﵇ للملك حتى فقأ عينه. والشعبة الأخرى: هي هل صح أن ملك الموت يسمى بعزرائيل كما هو شائع عند كثير من الناس، نجيب عن هذا الشق الثاني: لأن الجواب فيه مختصر لنعود إلى الجواب عن الشق الأول: لم يصح عن النبي ﵌ إطلاقًا تسمية ملك الموت

стр. 3650

بعزرائيل، فقد جاء في كثير من الأحاديث اسم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، هذا ثابت لكن تسمية ملك الموت بعزرائيل فليس له أصل في السنة فضلًا عن القرآن الكريم. نعود إلى الجواب عن الشق الأول من السؤال وهو حديث ملك الموت، وتضعيف من ضعفه من العلماء، بين يدي الجواب أريد أن أذكركم بقاعدة علمية معترف بها حتى عند من ليس مسلمًا، هذه القاعدة العلمية: هي أنه لا يجوز لمن كان جاهلًا بعلم أن يتكلم فيه؛ لأنه يخالف نصوصًا من الكتاب والسنة من ذلك قول ربنا ﵎: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦] فالذي يريد أن يتكلم في الطب مثلًا لا يجوز أن يتكلم إذا كان مفسرًا؛ لأن الطب ليس من عمله، كما أن هذا الطبيب المختص في مهنته لا يجوز أن يتكلم في التفسير أو في الفقه أو في غير ذلك؛ لأن هذا وذاك إذا تكلما في غير اختصاصهما فقد قفا ما لا علم له به، ويكون قد خالف النص القرآني السابق. هذا أظن من الأمور التي يصح أن يذكر معه المثل العربي القديم: هذا أمر لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان، أي: أنه لا يجوز أن يتكلم في علم ما إلا أهل الاختصاص، إذا كان هذا أمرًا مسلمًا وهو كذلك عدنا إلى هذا الحديث أو غيره، من الذي يتكلم فيه، آلطبيب مثلًا؟ الجواب طبعًا: لا، آلكيمائي مثلًا؟ الجواب: لا، أسئلة كثيرة كثيرة نقترب من الحقيقة، آلمفسر؟ الجواب: لا، آلفقيه؟ الجواب: لا، إذًا: من الذي يتكلم؟ إنما هو العالم بالحديث، وعلماء الحديث كانوا كما قيل .. كانوا إذا عدو قليلًا ... فصاروا اليوم أقل من القليل

стр. 3651

ولذلك فلا يجوز لطلاب العلم أن يتورطوا بكلمة تنقل عن عالم لا نعرف هوية واختصاص هذا العالم إذا ما قال: الحديث الفلاني ضعيف، هذه قاعدة يجب أن نلتزمها دائمًا وأبدًا، ومن عجائب المصائب التي حلت في الأمة من الغفلة يالقواعد العلمية المبثوثة في الكتاب والسنة أنهم يبتعدون عنها كل البعد، وإذا جاء دور ما يتعلق بما يخص أنفسهم تجدهم يحققون مثل ذلك النص القرآني الذي يلزم المسلمين أن يرجعوا إلى أهل الاختصاص، مثلًا إذا أصاب أحدنا أو أحد من يخصنا مرضٌ ما فهو لا يذهب إلى أي طبيب وإنما قبل كل شيء يسأل عن المختص في ذاك المرض، ثم يتابع السؤال والبحث والتحقيق عن الطبيب الماهر المختص في ذلك المرض حينذاك يذهب إليه ويعرض نفسه أو حبيبه عليه، أما فيما يتعلق بالدين فأصبح الأمر فوضى لا نظام له (١)، ذلك أن الناس اليوم كلما رأوا إنسان يدندن حول بعض المسائل الفقهية أو حول بعض الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية ظنوا أنه عالم زمانه فيتوجهون في الأسئلة فيقعون في المحذور الذي جاء ذكره في الحديث الأول ألا وهو قوله ﵇: «قتلوه قاتلهم الله، ألا سألوا - أي: أهل العلم - فإنما شفاء العي السؤال» (٢). بعد هذا أعود لأقول: أي إنسان يتكلم في غير اختصاصه لا يجوز له ذلك، وبخاصة إذا تبين أن كلامه مخالف لأهل الاختصاص في العلم الذي تكلم هو فيه بغير علم، فحديث لطم موسى ﵇ لملك الموت حديث أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي

стр. 3652

- ﵌: «جاء ملك الموت إلى موسى ﵊ فقال له: أجب ربك» يعني: سلم لي نفسك وروحك، فما كان من موسى ﵇ إلا أن لطمه تلك اللطمة ففقأ عينه، فرجع الملك -ملك الموت- إلى ربه، قال: يا رب! أرسلتني إلى عبد يكره الموت، فقال الله له: عد إليه وقل له: إن ربك يقول لك: ضع يدك على جلد ثور فلك من العمر من السنين بعدد كل الشعرات التي تكون تحت أصابعك، فرجع ملك الموت إلى موسى ﵇ وقال له ما أمره به ربه، قال موسى: وماذا بعد ذلك؟ قال الموت، قال: فالآن، فقبض ملك الموت روح موسى ﵇ في تلك اللحظة. قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه: «ولو كنت ثمة» أي: حيث قبض ملك الموت روح موسى «لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر» هذا نص الحديث في الصحيحين. الجواب الآن: يحتاج إلى أن أتكلم في أكثر من مسألة، المسألة الأولى: يتبين بعد ورود هذا الحديث في الصحيحين أن ذلك الذي ضعفه هو الضعيف؛ ذلك لأنه تكلم بغير علم، وفي ظني أن هذا المضعف هو من أولئك الناس الكثيريين الذين يسلطون ويحكمون عقولهم إن لم أقل أهواءهم في الحكم على الأحاديث الصحيحة بأنها ضعيفة وربما قالوا إنها موضوعة، ما الدليل على ما زعموه من الضعف والوضع؟ هو تحكيمهم عقولهم، واتباعهم لأهوائهم: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ (المؤمنون:٧١) ذلك لأن الإيمان ضعف في صدور كثير من الناس ولو ممن قد ينتمون إلى العلم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: لم يدرسوا السنة دراسةً واعيةً مستوعبة لطرق الحديث التي من عادتها أنها

стр. 3653

تزيل ما قد يقع في نفوس البعض من إشكال. نحن الآن بعد أن بينا أن الذي ضعف الحديث هو الضعيف؛ لأنه خالف أولًا: الإمامين الذين وضعا كتابين يسميان بالصحيحين هما باتفاق علماء السنة أصح كتاب بعد كتاب الله ﵎، صحيح البخاري وصحيح مسلم، وليس هذا فقط بل تلقت الأمة ذلك بالقبول، ولذلك كان كل حديث جاء في الصحيحين لم يتكلم فيه أحد من علماء الحديث الذين كانوا في مرتبة البخاري ومسلم بشيء من النقد، فهذه الأحاديث كلها ثابتة يقينًا عن النبي ﵌، إذًا: فلا نقيم وزنًا لمن يضعف مثل هذا الحديث مهما كان شأنه ومهما ظن الناس فيه علمًا. أما الإشكال الذي يصوره السؤال: أن ملك الموت كيف يضربه موسى ﵇؟ الجواب: وهذا فيه إشارة لما قلته أن هؤلاء الناس لا يدرسون السنة، الجواب: في رواية في مسند الإمام أحمد بسند صحيح قال: كان ملك الموت يأتي الناس على صورة البشر، فإذًا: ملك الموت لما جاء إلى موسى فقال له: أجب ربك، ما جاءه بالعلامة التي تجعل موسى ﵇ ينتبه إلى أن هذا الذي يقول له: أسلم روحك هو ملك مرسل من الله، فهو جاءه بصورة بشر، وأي إنسان منا لو جاءه شخص ويقول: سلم لي روحك، فماذا سيكون موقفه منه؟ سيكون موقف موسى ﵇ بالذات؛ لأنه يتعدى على وظيفة لملك كريم لا يشاركه فيه الملائكة الآخرون، فكيف إنسان يتقدم إلى بشر مثله ويقول: أسلم روحك، فما كان منه إلا صفعه ففقأ عينه، هذا أمر طبيعي والشبهة تطيح وتزول من أصلها وفصلها حينما نتذكر هذه الرواية الأخرى أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانًا بصورة البشر، لذلك ترون في تتمة الحديث أن ملك الموت لما شكا أمره إلى الله وقال له: أرسلتني إلى عبد يكره الموت، أعطاه علامة وقال له: ارجع إلى موسى

стр. 3654

وقل له: إن ربك يأمرك أن تضع يدك إلى آخر الحديث على جلد ثور فلك من العمر بكل شعرة تحت يدك، لما رجع الملك بهذا البرهان إلى موسى ﵊ قال له: وماذا بعد ذلك؟ قال: الموت، قال: إذًا فالآن قبض روحه تلك الساعة، لماذا استسلم ثانيًا ولم يستسلم أولًا؟ وضح الجواب، أولًا كان الطالب بشرًا من البشر، فكأنه يهزأ، وما كان موسى يعلم أنه ملك من الله مرسل، لذلك ضربه فلما جاء الملك ومعه هذه العلامة من الله واطمأن موسى إليها وسأله ذلك السؤال، وأجابه: ما بعد ذلك إلا الموت، قال: فالآن، إذًا: موسى لا يكره الموت ولكنه فقأ عين ذلك الرجل على ظنه أنه بشر من البشر. فحينما ننظر إلى الحديث بتفسير هذه الرواية التي رواها الإمام أحمد في المسند يطيح الإشكال يبطل قول من قال: أنه ربما يكون هذا الحديث من الإسرائيليات، هذا كلام باطل؛ لأنه حين يقال الراوية الفلانية أو الحديث الفلاني هو من الإسرائيليات فذلك يعني أنه مما كان أهل الكتاب من اليهود والنصارى يتحدثون بينهم ببعض الروايات التي تلقوها عن أسلافهم، وفيها الحق وفيها الباطل لذلك قال ﵇: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» هذا هو معنى كون الشيء من الإسرائيليات. ولكن هناك تفصيل لا بد من ذكره لعلمي أن قليلًا ما يقرأ هذا التفصيل في كتب العلماء، الإسرائيليات نسبة إلى رواية قصص تتعلق ببني إسرائيل، تنقسم إلى قسمين: القسم الأول وهو الأكثر رواية وشيوعًا ما كان مرويًا كما ذكرنا آنفًا عن أهل الكتاب، وهذه روايات كثيرة وكثيرة جدًا كقصة مثلًا هاروت وماروت أنه ما كانا ملكين مقربين عند الله ﵎، وأن الله لما قال للملائكة: ﴿إِنِّي

стр. 3655

جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:٣٠) قال: الله أراد أن يمتحن هؤلاء الملائكة الذين قالوا: أتجعل فيها، قال: اختاروا ملكين منكم لأنزلهما إلى الأرض ولأبتليهم، فاختار هاروت وماروت، قصة طويلة خلاصتها: أن الله كساهم ثوب البشرية فافتتنوا بامرأة فراودها عن نفسها فامتنعت حتى يقتلا غلامًا هناك، فامتنعا لأنهم يعلمون أن هذا حرام، فعرضت عليهم الخمر فشربا الخمر فسكرا وقتلا الغلام وفجرا بالمرأة، فعاقبهم الله ﵎ في الدنيا بأن علقهم في بئر منكسين رؤوسهم إلى أسفل وأرجلهم إلى أعلى ويخرج الدخان من أسفل ويدخل في مناخيرهم ويخرج من أدبارهم. هذه قصة تروى في تفسير الآية السابقة، هذه من الإسرائيليات، وهي مما تنافي قول الله في الملائكة في قوله ﵎: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم:٦) فهذه القصة تنافي مثل هذه الآية التي تصرح أن الملائكة معصومون لا يمكن أن يتصور أنهم يزنون ويقتلون النفس بغير حق إلى آخر ما جاء في تلك الإسرائيليات. هذا النوع من الإسرائيليات حينما يقال هذا الخبر أو هذه الرواية من الإسرائيليات. هناك قسم آخر ولو أنه قليل ولكن هذا يجب ألا يساق مساق القسم الأول: هذا القسم الآخر أخبار يتحدث بها رسول الله عن بني إسرائيل، هذه إسرائيليات صحيحة؛ لأن النبي ﵌ حدث بها وليست من قبيل ما يرويه أهل الكتاب، والأمثلة في هذا كثيرة، ولا بأس أن نذكِّر بحديث واحد قاله عليه

стр. 3656

السلام: بينما رجل ممن قبلكم يمشي في فلاة من الأرض، إذ سمع صوتًا من السحاب يقول: اسق أرض فلان، فتعجب الرجل الذي يمشي في الأرض وتوجه مع السحاب حتى رأى السحاب يفرغ مشحونه من المطر في بستان، فأطل هذا الرجل فرأى صاحب البستان يعمل في أرضه، فسلم عليه وكأنه سماه بالاسم الذي سمعه من السماء فتعجب الرجل وقال له: ما علمك؟ فقص عليه القصة أنه سمع هذا الاسم يخاطب به الملائكة السحاب ويأمرون السحاب أن ينطلق إلى هذه الأرض التي أنت تعمل فيها، فبم ذاك؟ [قال]: لا أعلم أمرًا أستحق من الله هذا الإكرام سوى أنني أملك هذه الأرض، فأزرعها ثم أحصدها، فأجعل حصيدها ثلاثة أثلاث: ثلث أعيده إلى الأرض، وثلث أنفقه على نفسي وعيالي، وثلث آخر أتصدق به على الفقراء الذين حولي، فقال له الرجل: فهو هذا، يعني: بقيامك بهذه الواجبات استحققت هذه العناية الإلهية حيث سخر لك السحاب (١). هذا حديث يتحدث عن بني إسرائيل، لكن من الذي حدث به؟ هو رسول الله ﷺ الموصوف في القرآن الكريم بأنه لا ينطق الهوى .. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:٤) فإذًا هذا الحديث ما دام جاء في الصحيحين، وعن النبي ﷺ قال: وذكر الحديث، فإذًا: لا يجوز لنا أن نقول: هذا من الإسرائيليات بالمعنى، وإذا كان ولا بد فنقيد ذلك بأنه من الإسرائيليات لكن النبي صهو الذي تكلم به ... "فتاوى الإمارات" (١٢/ ٠٠:٠٠:٣٧)

стр. 3657

[١٢٩٠] باب كيف رأى نبينا ﷺ موسى ﵇ يصلي ليلة الإسراء والمعراج ؟ سؤال: شيخنا الفاضل بارك الله فيك، بالنسبة للحديث الذي يقول فيه المصطفى ﵌: «رأيت موسى عند الكثيب الأحمر قائماً يصلي» يعني: الحديث هذا صحيح؟ الشيخ: أي نعم. السائل: بالنسبة قائماً يصلي كيفية القيام لا نسأل عنها؟ الشيخ: وأنت هل يجوز أن تسأل عن كيفية القيامة؟ السائل: لا بارك الله فيك. الشيخ: فهذا القيام كالقيامة. "الهدى والنور" (/٢٩٠/ ٥٣: ٠٠: ٠١)

стр. 3658

(الخضر ﵇ [١٢٩١] باب إثبات نبوة الخضر ﵇ [قال الإمام]: لقد أشار المؤلف الفاضل في أول كتابه [أي كتاب الأستاذ أحمد بن عبد العزيز الحصين "جزيرة فيلكا وخرافة أثر الخضر فيها"] إلى اختلاف العلماء في نبوة الخضر ﵊ فقال «والراجح من أقوالهم أنه ليس نبياً». ولما كان هذا القول مرجوحاً عند العلماء المحققين، فقد رأيت أن أذكر شيئاً من أقوالهم وأدلتهم، تنبيهاً وتذكيراً، فأقول: قال الحافظ ابن حجر ﵀ في أول رسالته «الزهر النضر»: «باب ما ورد في كونه نبياً، قال الله تعالى في خبره عن موسى حكاية عنه: ﴿وما فعلته عن أمري﴾، وهذه ظاهرة أنه فعله بأمر من الله، والأصل عدم الوساطة، ويحتمل أن يكون بوساطة نبي آخر لم يذكره، وهو بعيد، ولا سبيل إلى القول بأنه إلهام، لأن ذلك لا يكون من غير نبي وحياً حتى يعمل به ما عمل؛ من قتل النفس، وتعريض الأنفس للغرق. فإن قلنا: إنه نبي، فلا إنكار في ذلك. وأيضاً، كيف يكون غير النبي أعلم من النبي، وقد أخبر النبي ﵌ في الحديث الصحيح (١): «أن الله تعالى قال لموسى: بلى عبدنا خضر»؟!.

стр. 3659

وأيضا فكيف يكون النبي تابعاً لغير نبي؟! وقال الثعلبي: هو نبي في جميع الأقوال. وكان بعض أكبر العلماء يقول: أول عقدة تحل من الزندقة اعتقاد كون الخضر نبياً، لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي إلى أن الولي أفضل من النبي! كما قال قائلهم (١): مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون النبي قلت: وهناك آية أخرى تدل على نبوته ﵊، وهي قوله تعالى في: ﴿آتيناه رحمة من عندنا﴾، فقد ذكر العلامة الآلوسي في تفسيرها ثلاثة أقوال، أشار إلى تضعيفها كلها، ثم قال: «والجمهور على أنها الوحي والنبوة، وقد أطلقت على ذلك في مواضع من القرآن، وأخرج ذلك ابن أبي حاتم عن ابن عباس، ... والمنصور ما عليه الجمهور، وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة، وبمجموعها يكاد يحصل اليقين» (٢). قلت: ولقد صدق رحمه الله تعالى، فإن المتأمل في قصته مع موسى عليهما الصلاة والسلام يجد أن الخضر كان مظهراً على الغيب وليس ذلك لأحد من الأولياء، بدليل قوله تعالى: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحداً إلا من ارتضى من رسول﴾، وذلك ظاهر في مواطن عدة من القصة، أذكر ما تيسر منها:

стр. 3660

١ - قوله لموسى عندما طلب منه الصحبة ﴿إنك لن تستطيع معي صبرا﴾ فهذا الجزم منه ﵇ لدليل واضح على أنه كان على علم بذلك، ولم يكن من باب الظن والتخرص منه، حاشاه، ويؤيده زيادة جاءت في بعض طرق الحديث عقب هذه الآية بلفظ: «وكان رجلاً يعلم علم الغيب، قد علم ذلك» (١). ٢ - ومثله قوله في تأويله قتل الغلام: «وأما الغلام فطبع يوم طبع كافراً، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك، أرهقهما طغياناً وكفراً, فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً». زاد في رواية: «ووقع أبوه على أمه فعلقت فولدت منه خيراً منه زكاة وأقرب رحماً» (٢). وإخباره ﵇ أن الغلام طبع كافراً، وأن أباه وقع على أمه فحملت وولدت خيراً منه، لهو من الأمور الغيبية المحضة التي لا مجال للاطلاع عليها إلا من طريق النبوة والوحي، فذلك من أقوى الأدلة على أنه كان نبياً، إن لم يكن رسولا. ٣ - ومن ذلك قوله ﵌: «لما لقي موسى الخضر ﵉، جاء طير، فألقى منقاره في الماء فقال الخضر لموسى: تدري ما يقول هذا الطير؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول: ما علمك وعلم موسى في علم الله إلا كما أخذ منقاري من الماء» (٣).

стр. 3661

فهذا صريح في أن الخضر، قد علم منطق الطير، وهو من الغيب الذي لا يعلمه البشر، فهو في هذا على نحو النبي سليمان ﵊ الذي حكى الله عنه في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ (النمل:١٦). وخلاصة القول في هذه المسألة أن الأدلة المتقدمة إذا تأملها المسلم ووعاها بقلبه، تيقن أن الصواب القول بنبوة الخضر كما ذهب إليه جمهور العلماء ولذلك فعل ما فعل من العجائب التي لم يصبر لها موسى ﵊، وهو كليم الله تعالى، وبه نستطيع أن نحل تلك العقدة من الزندقة التي أشار إليها الحافظ ابن حجر فيما سبق، ونحوها مما يعتقده كثير من الصوفية من الاعتقاد بالظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة التي أفسد عقيدة كثير من الخاصة فضلاً عن العامة، فاعتقدوا الصلاح بل الولاية في كثير من الفساق الذين لا يصلون ولا يشهدون جماعات المسلمين ولا أعيادهم بدعوى الظاهر، وأنهم في الباطن من كبار أولياء الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وما قصة شيخ الإسلام ابن تيمية مع البطائحية الذين كانوا يتظاهرون في دمشق بالولاية والكرامة في زمانه حتى نصره الله عليهم، وقضى على باطنهم وباطلهم عن القارئ ببعيد. ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق:٣٧). وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم دمشق ٩ ربيع الأول سنة ١٣٩٤ محمد ناصر الدين الألباني "حياة الألباني" (١/ ٤٢٦ - ٤٢٩).

стр. 3662

[١٢٩٢] باب منه [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «ألا أحدثكم عن الخضر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل؛ أبصره رجل مكاتب. فقال: تصدق علي بارك الله فيك! فقال الخضر: آمنت بالله، ما شاء الله من أمر يكون، ما عندي شيء أعطيكه. فقال المسكين: أسألك بوجه الله! لما تصدقت علي؛ فإني نظرت السيماء (وفي رواية: سيماء الخير) في وجهك، ورجوت البركة عندك! فقال الخضر: آمنت بالله، ما عندي شيء أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني! فقال المسكين: وهل يستقيم هذا؟! قال: نعم، الحق أقول؛ لقد سألتني بأمر عظيم، أما إني لا أخيبك بوجه ربي؛ بعني! قال: فقدم إلى السوق فباعه بأربع مئة درهم، فمكث عند المشتري زماناً لا يستعمله في شيء، فقال له: إنك إنما ابتعتني التماس خير عندي، فأوصني بعمل؟ قال: أكره أن أشق عليك؛ إنك شيخ كبير. قال: ليس يشق علي. قال: فقم وانقل هذه الحجارة، وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم. فخرج الرجل لبعض حاجته؛ ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة! قال: أحسنت وأجملت وأطقت ما لم أرك تطيقه. قال: ثم عرض للرجل سفر، فقال: إني أحسبك أميناً، فاخلفني في أهلي خلافة حسنة. قال: فأوصني بعمل. قال: إني أكره أن أشق عليك. قال: ليس يشق علي. قال: فاضرب من اللبن لبيتي حتى أقدم عليك. قال: فمضى الرجل لسفره. [قال:] فرجع الرجل وقد شيد بناءه! فقال: أسألك بوجه الله! ما سبيلك وما أمرك؟ قال: سألتني بوجه الله، ووجه الله أوقعني في العبودية. فقال الخضر: سأخبرك من أنا؟ أنا الخضر الذي سمعت به؛ سألني [رجل] مسكين صدقة، فلم يكن عندي

стр. 3663

شيء أعطيه، فسألني بوجه الله، فأمكنته من رقبتي، فباعني. وأخبرك أنه من سئل بوجه الله، فرد سائله وهو يقدر؛ وقف يوم القيامة [ليس على وجهه] جلد ولا لحم؛ إلا عظم يتقعقع. فقال الرجل: آمنت بالله، شققت عليك يا نبي الله! ولم أعلم. قال: لا بأس؛ أحسنت وأبقيت. فقال الرجل: بأبي أنت وأمي يا نبي الله! احكم في أهلي ومالي بما أراك الله، أو أخيرك؛ فأخلي سبيلك؟ فقال: أحب أن تخلي سبيلي؛ فأعبد ربي. فخلى سبيله. فقال الخضر: الحمد لله الذي أوقعني في العبودية؛ ثم نجاني منها» (ضعيف) [قال الإمام]: ونبوة الخضر ليست بحاجة في إثباتها إلى مثل هذا الحديث؛ بعد قوله تعالى في القرآن حكاية عن الخضر: ﴿وما فعلته عن أمري﴾، وغير ذلك من الأدلة المعروفة. "الضعيفة" (١١/ ٢/٥٨٠ - ٥٨١، ٥٨٥). [١٢٩٣] باب هل كان الخضر حياًّ في حياة نبينا ﵌ -؟ [عن علي بن الحسين قال]: «لما مرض رسول الله ﵌؛ جاءه جبريل ﵇ فقال: يا محمد! أرسلني الله إليك؛ تكريماً لك، وتشريفاً لك، وخاصة لك، أسألك عما هو أعلم به منك: يقول: كيف تجدك؟ قال: أجدني - يا جبريل - مغموماً، وأجدني - يا جبريل -؛ مكروباً. ثم جاءه اليوم الثاني، فقال ذلك له، فرد عليه النبي ﵌ كما رد عليه أول يوم. ثم جاءه اليوم الثالث، فقال له كما قال أول يوم،

стр. 3664

ورد عليه كما رد. وجاء معه ملك يقال له: إسماعيل على مئة ألف ملك، كل ملك منهم على مئة ألف ملك؛ فاستأذن فسأل عنه؛ ثم قال جبريل: هذا ملك الموت؛ يستأذن عليك، ما استأذن على آدمي قبلك ولا يستأذن على آدمي بعدك. فقال رسول الله ﵌: ائذن له. فأذن له، فسلم عليه، ثم قال: يا محمد! إن الله أرسلني إليك، فإن أمرتني أن أقبض روحك قبضته، وإن أمرتني أن أتركه تركته. قال: أو تفعل يا ملك الموت؟! قال: نعم؛ بذلك أمرت، وأمرت أن أطيعك! قال: فنظر النبي ﵌ إلى جبريل ﵇، فقال جبريل: يا محمد! إن الله اشتاق إلى لقائك. فقال النبي ﵌ لملك الموت: امض لما أمرت به. فقبض روحه. فلما توفي رسول الله ﵌ وجاءت التعزية؛ سمعوا صوتاً من ناحية البيت: سلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته! إن في الله عزاءً من كل مصيبة؛ وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا: فإنما المصاب من حرم الثواب! فقال علي ﵇: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر ﵇». (موضوع) [ثم أورد الإمام طرق الحديث مبينا وهاءها ثم قال]: وإذا عرفت طرق هذا الحديث وشدة ضعفها؛ فمن الغريب اعتماد شيخ الإسلام ابن تيمية على الطريق الأولى في ميله في فتوى له إلى القول بحياة الخضر في حياته ﵌! فقد سئل عنها في استفتاء له، فأجاب بقوله: "وأما حياته؛ فهو حي، والحديث المذكور: "لو كان حياً لزارني"؛ لا أصل له، ولا يعرف له إسناد، بل المروي في "مسند الشافعي" وغيره: أنه اجتمع بالنبي ﵌، ومن قال: إنه لم يجتمع بالنبي ﵌؛ فقد قال ما لا علم له به؛ فإنه من العلم الذي لا يحاط به ... "!! قلت: وهذه الفتوى كأنها كانت منه قبل أن يتمكن من العلم الصحيح؛ فإن أكثر

стр. 3665

فتاويه على خلافها، وأن الخضر مات، وأنه لو أدرك النبي ﵌ لوجب عليه أن يأتيه وينصره، كما بينت ذلك من كلامه في مقدمتي لكتاب "رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار" للإمام الصنعاني. "الضعيفة" (١١/ ٢/٦٤١ - ٦٤٢، ٦٤٥). [١٢٩٤] باب كل أحاديث حياة الخضر موضوعة [قال الإمام]: كل حديث فيه حياة الخضر إلى عهده ﷺ لا يصح. "تحقيق مشكاة المصابيح" (٣/ ١٦٨٥). [١٢٩٥] باب منه [قال الإمام]: كل ما يروى عن بقاء الخضر حيًّا هو باطل موضوع، كما بين ذلك الإمام ابن القيم في رسالة "المنار المنيف" (ص٦٧ - ٧٦). "مختصر صحيح مسلم" (ص٦). [١٢٩٦] باب منه [روي عن النبي ﵌]: «إن الخضر في البحر، واليسع في البر، يجتمعان كل ليلة عند الردم الذي بناه ذو القرنين بين الناس وبين يأجوج ومأجوج؛ يحجان ويعتمران كل عام، ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى قابل».

стр. 3666

[قال الإمام]: هو حديث موضوع؛ ككل أحاديث حياة الخضر ﵇، على ما حققه العلماء الأجلاء؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أورد ابن الجوزي طائفة كبيرة منها في " الموضوعات ". "الضعيفة" (١٢/ ١/٣٨). [١٢٩٧] باب منه [قال الإمام عن القول بحياة الخضر]: ليس على ذلك دليل صحيح من السنة، بل الأدلة العامة تشهد أنه خلا ومات كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من المحققين. "مختصر صحيح مسلم" (ص٥٣٩).

стр. 3667

(داود ﵇ [١٢٩٨] باب بطلان قصة افتتان داود ﵇ بنظره إلى امرأة الجندي أوريا [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «كان خطيئة داود ﵇ النظر». (موضوع) [قال الإمام]: رواه الديلمي بسنده عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن الحسن عن سمرة قال: قدم على النبي ﵌ وفد عبد القيس، وفيهم غلام ظاهر الوضاءة، فأجلسه النبي ﵌ خلف ظهره وقال: فذكره. قال ابن الصلاح في " مشكل الوسيط ": لا أصل لهذا الحديث. وقال الزركشي في " تخريج أحاديث الشرح ": هذا حديث منكر، فيه ضعفاء، ومجاهيل، وانقطاع، قال: وقد استدل على بطلانه بقوله ﵌: " إني أراكم من وراء ظهري "، كذا في " ذيل الأحاديث الموضوعة " للسيوطي (ص ١٢٢ - ١٢٣) و" تنزيه الشريعة " لابن عراق (٣٠٨/ ١ - ٢). قلت: والاستدلال المذكور فيه نظر، لأن رؤية النبي ﵌ من خلفه إنما هي في حالة الصلاة كما تدل عليه الأحاديث الواردة في الباب، وليس هناك ما يدل

стр. 3668

على أنها مطلقة في الصلاة وخارجها، فتأمل ... وقصة افتتان داود ﵇ بنظره إلى امرأة الجندي أو ريا مشهورة مبثوثة في كتب قصص الأنبياء وبعض كتب التفسير، ولا يشك مسلم عاقل في بطلانها لما فيها من نسبة ما لا يليق بمقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل محاولته تعريض زوجها للقتل، ليتزوجها من بعده! وقد رويت هذه القصة مختصرة عن النبي ﵌ فوجب ذكرها والتحذير منها وبيان بطلانها وهي: «إن داود النبي ﵇ حين نظر إلى المرأة فهم بها قطع على بني إسرائيل بعثاً وأوحى إلى صاحب البعث فقال: إذا حضر العدو فقرب فلاناً، وسماه، قال: فقربه بين يدي التابوت، قال: وكان ذلك التابوت في ذلك الزمان يستنصر به، فمن قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش الذي يقاتله، فقتل زوج المرأة، ونزل الملكان على داود فقصا عليه القصة» باطل. "الضعيفة" (١/ ٤٨٣ - ٤٨٥).

стр. 3669

(سليمان ﵇ [١٢٩٩] باب مدى صحة تعبير: "قبض على خاتم سليمان " الشيخ: «قبض على خاتم سليمان» تعبير خطأ. مداخلة: نعم. الشيخ: تعبير خطأ يشير إلى خرافة راسخة في أذهان الناس ... لأن عامة الناس يعتقدوا أن مُلك سليمان كان في خاتمه. مداخلة: مشهور جداً هذا بين الناس على كل طبقاتهم. الشيخ: آه, وبناءً على ذلك تروى الخرافة المعروفة وهي: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (ص:٣٤). ألقينا على كرسيه جسداً، هي الآية تتعلق بالحديث الصحيح، قال سليمان ﵇: «لأطوفن الليلة على مائة امرأة تأتي كل امرأة منها بفارس أو ولد يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل إن شاء الله. فنسي ولم يقل، فلم تأت امرأة منهن إلا بشق ولد» (١). هذا الشق الولد ألقي على كرسي السلطان الدنيا, كلها في ملكه، هذا التفسير الصحيح، فسروا هذه الآية بقصة خبيثة جداً وهي: أن سليمان ﵇ كان

стр. 3670

يصطاد يوماً السمك على ساحل البحر فسقط الخاتم منه فالتقطته سمكة، أخذ الخاتم من السمكة شيطان من شياطين الجن فوضعه في أصبعه فخضع ملك سليمان له وهو صار غريباً عن ملكه، وجلس الشيطان على كرسي سيلمان يحكم بين الناس كما يشتهي ويشاء، وصار يدخل على نساء سليمان بصورة سليمان. هنا يبدأ الخُبْث الذي لا خُبث بعده بالنسبة للأنبياء، واستمر برهة من الدهر وهو هكذا يظن الناس أنه سليمان حتى نساؤه، وأنه يأتي نساءه حتى استنكرت إحداهن من أمره، لما سئلن قلن: والله نحن نستغرب أنه يأتينا في حالة الحيض، فثاروا عليه حينئذ المجلس الذي كان يحكمهم سليمان ﵇. إي نعم. لا، أنا لبعد العهد يمكن ما حكيت القصة من عشرين سنة، خلطت شوية ولا مؤاخذة, سليمان دخل يتوضأ فخلع ماذا؟ مداخلة: الخاتم. الشيخ: الخاتم، فجاء الشيطان سرقه وماذا؟ وتسلط كما قلنا على الملك، إي نعم. فلما يعني طرد الشيطان بعد أن انكشف حاله التقطته السمكة فهو اصطادها وإذا بها لما يشقها يجد فيها الخاتم فيضعه في خاتمه فيعود السلطان إليه، سخافة, مع سخافتها فيها النكارة الشديدة هذه. "الهدى والنور" (٣١١/ ٣٦: ٠٤: ٠٠)

стр. 3671

(عيسى ﵇ [١٣٠٠] باب عقيدة رفع عيسى ﵇ وحكم الصلاة خلف من ينكرها السائل: يا شيخ هل تجوز الصلاة خلف إمام يستغيث بالرسول ﵌ كوسيلة. الشيخ: ﵊. مداخلة: ﵊. وهل يجوز كذلك الأمر أنه يستبيح لنفسه أنه يميل إلى الحكم الذي يقول فيه: إنه عيسى ﵇ لم يُرفع جسدياً إلى السماء، بل رفع مقداراً، وكذلك الأمر يستبيح لنفسه بالقول أنه يقرأ على اللوح المحفوظ في المنام رؤيةً، هل تجيز الصلاة خلفه؟ الشيخ: تجوز الصلاة خلفه ما دمت أو دمنا نحكم بإسلامه، فإذا أخرجناه من دائرة الإسلام فحينئذ لا تجوز الصلاة. فأنت في حدود معرفتك بالشرع أولاً، ومعرفتك بالشخص ثانياً: هو لا يزال في دائرة الإسلام ولَّا ارتد عن الإسلام؟ لا زال في دائرة الإسلام ... ورجع وقال لي: لا تخبر شيوخك بالذي أنا قلته إياك، ... ، بالطبع خضع في القول عاود من جديد، كان في الأول موقفه حازم

стр. 3672

وبعدين رجع يحكي لي: لا تخبر شيوخك بالذي حصل حتى لا يكفروني أو يفهموني خطأ، أنا برائي رؤية في المنام شيء حصل معاي. الشيخ: معليش هذه جزء مما ذكرت، ... مداخلة: أنا أحكي الرؤية في المنام. أما هو يميل إلى أنه عيسى ﵇ لم يرفع نبياً إلى السماء، بل رفع مقداراً، إني رافعك. الشيخ: نعم. الشيخ: المهم يا أخي خذ القاعدة واسترح: كل إنسان أصله مسلم، ثم ارتكب مخالفة شرعية، هذه المخالفة تخرجه من دائرة الإسلام والمسلمين، ولا تصح الصلاة خلفه، ولكن يجب أن نعلم أنه ليس كل مسلم وقع في الكفر وقع الكفر عليه، عرفت كيف؟ ليس كل من وقع في الكفر، وقع الكفر عليه وتلبسه الكفر وأحاط به بحيث أنه خرج من دائرة الإسلام. فهذه هي القاعدة وتطبيق هذه القاعدة لا يستطيع عامة الناس أن يطبقوها على أي إنسان، وإنما هذا يحتاج إلى علماء عارفين بالكتاب والسنة، ويكون عنده شيء من الروية والتؤدة والتأني بحيث أنه ما في عنده الإفراط والتفريط، ما عنده أن كل المسلمين كما يقولون على خير، ولا أنه من قال كذا فقد كفر وارتد عن الدين بدون ما يعرف أحواله، هل هو معذور هل هو جاهل، هل هو عالم إلى آخره. ولذلك فأنا أقول لعامة المسلمين من أمثالك: أنه هذا الذي أنت تسأل عنه في حدود معرفتك أنت مسلم ولَّا كافر؟ لا والله مسلم إذاً: الصلاة جائزة، لا والله هذا ليس مسلماً عندي، أقول لك حينئذ: أنت احتياطاً لا تصلي وراءه، لكن معناها من

стр. 3673

جهة أخرى: لازم تحتاط ما تبادر إلى تكفيره، ستكون أنت مخطئ في تكفيره؛ لأنك لست من أهل العلم عرفت كيف؟ فإذا غلب على ظنك أنه هذا كَفَرَ، لا تصلي وراءه وتصلي خلف إمام لا تشك في إسلامه وإيمانه. لكن لا تقطع بكفره ما دمت لست من أهل العلم. "الهدى والنور" (٣٤٣/ ٠٠: ١٥: ٠٠) [١٣٠١] باب مِن حِكَمِ عيسى ﵇ [تكلم الشيخ حول عدم أهمية تسمية الاثنتين وسبعين فرقة لأنهم يُعْرَفُون بثمارهم, ثم قال]: الشيخ: هذا يذكرني بحكمة إنجيلية, وبتعرفوا أن الإنجيل كتاب من الكتب المقدسة كما يقولون اليوم, والتي أنزلها الله على عيسى ﵇. مداخلة: كما يزعمون الشيخ: لا مش كما يزعمون, استغفر ربك, هذا حق, ولكن الذي ينبغي أن يقال: لكنهم حرفوه وغيروه وبدلوه, أما النزول فهذه حقيقة. والذي أردت أن أصل إليه أن مع هذا التغيير فقد بقيت فيه أشياء وأشياء نافعة, من ذلك: أن عيسى ﵇ وعظ يوماً الحواريين كما هي عادته, والإنجيل في الحقيقة على ما وصل إلينا أكثره مواعظ ونصائح, فمن هذه النصائح أنه حذرهم بعد أن أخبرهم بمجيء أنبياء ويأتي هؤلاء الأنبياء هم أنبياء كذبه لكن يأتي خاتم الأنبياء وهو محمد ابن عبد الله وهو خاتم الأنبياء؛ فإياكم ومدعي النبوة كذباً, فقالوا له: كيف نعرفهم؟ هنا الشاهد في جواب عيسى: "من ثمارهم

стр. 3674

تعرفونهم", من ثمارهم تعرفونهم, أنه يجي يسميلي إياهم ويصفهم لهم بأعيانهم هذه شغله لا يمكن حصرها, ولكن من ثمارهم تعرفونهم أي من كذبهم ودجلهم على الناس ومحاولة التسلط على أموالهم, بل هو في كثير من الأحيان على أعراض نسائهم, فمن ثمارهم تعرفونهم فاجتنبوهم ولا تؤمنوا إلا بالنبي الصادق وهو أحمد بن عبد الله ﵌ وعلى الأنبياء جميعاً. مداخلة: لكن ما أظن شيخنا أن هذا موجود في الإنجيل؟ الشيخ: هو ما أدري الحقيقة لكن هذا يُروى عن الإنجيل, أم هل هو موجود؟ أنا كنت قرأت طبعاً قديماً التوراة والإنجيل, لكن قرأتُ مرةً واحدة للإطلاع, ففي ذهني بعض الأشياء وأكثرها ذهبت مع الرياح, أما هذا فيذكر في كتبنا على أنه من مواعظ عيسى ﵇ للحواريين. " الهدى والنور" (٢٦٥/ ٢٤: ٠٣: ٠٠)

стр. 3675

هل خالد بن سنان نبي [١٣٠٢] باب هل خالد بن سنان نبي ؟ [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «ذاك نبي ضيعه قومه، يعنى خالد بن سنان» (لا يصح) [قال الإمام]: قلت: ومع ضعف الحديث فإنه معارض كما قال الهيثمي (٨/ ٢١٤) للحديث الصحيح: " أنا أولى الناس بعيسى بن مريم، الأنبياء إخوة لعلات، وليس بيني وبينه نبي " رواه البخاري في " صحيحه " (٦/ ٣٨٠) ومسلم (٧/ ٩٦). "الضعيفة" (١/ ٤٤٩ - ٤٥٠).

стр. 3676

(محمد ﵌ -) جماع أبواب لوازم الإيمان بنبوة محمد ﷺ ومقتضيات شهادة أن محمدًا رسول الله

стр. 3677

[١٣٠٣] باب لوازم الإيمان برسالة محمد ﵌ - [قال الإمام]: [الإيمان بكونه]﵌ رسولاً اصطفاه الله تعالى, وخصه بالوحي وأطلعه على بعض المغيبات, .. ذلك يستلزم الإيمان بكل ما قاله ﵌ , وصح عنه من التشريعات والأخبار بالمغيبات, سواء كان ذلك موافقاً لعلقك, أو بعيداً عن فهمك وعقلك, يجب الإيمان بذلك كله, فمن لم يكن هذا موقفه معه ﵌؛ فهو لم يؤمن حق الإيمان بأن محمدا ً رسول الله, فما تنفعه هذه الشهادة, وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم, وذلك ما يفيد قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ولا شك أن إيمانك وتصديقك بما جاء به محمد ﵌ من الأمور التشريعية والغيبية - ولو كانت بعيدة عن متناول عقلك -؛ إنما هو من الإيمان بالغيب الذي هو من صفات المتقين في القرآن: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. فقف أيها المؤمن عند نص الشارع الحكيم, ولا تُغالِ فيه, ولا تفرط؛ بل وسطاً بين ذلك, لتكون من الناجين عند رب العالمين. "أصل صفة الصلاة" (٣/ ٨٨٢ - ٨٨٣). [١٣٠٤] باب معنى شهادة أن محمدًا عبد الله ورسول وبيان مقتضياتها [قال الإمام:] اعلم أن هذه الشهادة قد جمعت له ﵌ صفتين لا يتم إيمان المرء به ﵌ إلا

стр. 3678

إذا تحقق بمعناهما. الأولى: كونه ﵌ عبداً لله تعالى, كغيره من عباده تعالى, فهو مثلهم من هذه الناحية, كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. وقال ﵌: «إنما أنا بشر مثلكم؛ أنسى كما تنسون, فإذا نسيت فذكروني» وقال ﵌: «لا تطروني كما أَطْرَتِ النصارى عيسى ابن مريم, إنما أنا عبد. فقولوا: عبد الله ورسوله». ولذلك فلا يجوز لمسلم يشهد هذه الشهادة أن ينزله ﵌ منزلةً فوق التي أنزله الله تعالى فيها؛ فإن ذلك مما لا يرضاه ﵌ , كما قال في الحديث: «أنا محمد بن عبد الله, عبد الله ورسوله, والله! ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ». ولا أن يمدحه إلا بمدحه الله به, أو بما صحت به الأحاديث والأخبار, فمدحه ﵌ بمثل قول بعضهم: فإن من جودك الدنيا وضَرّتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم فهذا القول مما يتنافى مع الشهادة بالعبودية لمحمد ﵌ , وهو القائل - كما حكاه الله تعالى في القرآن الكريم-: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. وهو القائل للجارية التي كنت تندب من قتل يوم [بدر] , ثم قالت: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال النبي ﵌: «لا تقولي هكذا, وقولي كما كنت تقولين». ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديث لها في"الصحيحين": ومن حدثكم أن محمداً ﵌ كان يعلم ما في غد؛ فقد أعظم على الله الفرية.

стр. 3679

فإذا كان هذا شأن من قال عنه ﵌: إنه يعلم ما في غد؛ فما بال من يقول: إنَّ من بعض علومه علمَ اللوح والقلم؟! فلا جَرَم أن حَذَّرَنا ﵌ من الغلو في مدحه وتعظيمه؛ فإنه سبب هلاك الأمم قبلنا كما قال ﵌: «إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم غلوهم في دينهم.» وأما الصفة الأخرى: فهي كونه ﵌ رسولا ً اصطفاه الله تعالى, وخصه بالوحي وأطلعه على بعض المغيبات, وذلك يستلزم الإيمان بكل ما قاله ﵌ , وصح عنه من التشريعات والأخبار بالمغيبات, سواء كان ذلك موافقاً لعقلك, أو بعيداً عن فهمك وعقلك, يجب الإيمان بذلك كله, فمن لم يكن هذا موقفه معه ﵌؛ فهو لم يؤمن حق الإيمان بأن محمدا ً رسول الله, فما تنفعه هذه الشهادة, وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم, وذلك ما يفيد قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ولا شك أن إيمانك وتصديقك بما جاء به محمد ﵌ من الأمور التشريعية والغيبية - ولو كانت بعيدة عن متناول عقلك -؛ إنما هو من الإيمان بالغيب الذي هو من صفات المتقين في القرآن: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. فقف أيها المؤمن عند نص الشارع الحكيم, ولا تُغالِ فيه, ولا تفرط؛ بل وسطاً بين ذلك, لتكون من الناجين عند رب العالمين. "أصل صفة الصلاة" (٣/ ٨٨١ - ٨٨٣).

стр. 3680

جماع أبواب أفضلية النبي ﵌ على الأنبياء وعلى جميع ولد آدم ونقض ما يخالف ذلك والرد على المخالفين
следующие страницы →