(محمد ﵌ -)
جماع أبواب
لوازم الإيمان بنبوة محمد ﷺ ومقتضيات شهادة أن محمدًا رسول الله
стр. 3677
[١٣٠٣] باب لوازم الإيمان برسالة محمد ﵌ -
[قال الإمام]:
[الإيمان بكونه]﵌ رسولاً اصطفاه الله تعالى, وخصه بالوحي وأطلعه على بعض المغيبات, .. ذلك يستلزم الإيمان بكل ما قاله ﵌ , وصح عنه من التشريعات والأخبار بالمغيبات, سواء كان ذلك موافقاً لعلقك, أو بعيداً عن فهمك وعقلك, يجب الإيمان بذلك كله, فمن لم يكن هذا موقفه معه ﵌؛ فهو لم يؤمن حق الإيمان بأن محمدا ً رسول الله, فما تنفعه هذه الشهادة, وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم, وذلك ما يفيد قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ولا شك أن إيمانك وتصديقك بما جاء به محمد ﵌ من الأمور التشريعية والغيبية - ولو كانت بعيدة عن متناول عقلك -؛ إنما هو من الإيمان بالغيب الذي هو من صفات المتقين في القرآن: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. فقف أيها المؤمن عند نص الشارع الحكيم, ولا تُغالِ فيه, ولا تفرط؛ بل وسطاً بين ذلك, لتكون من الناجين عند رب العالمين.
"أصل صفة الصلاة" (٣/ ٨٨٢ - ٨٨٣).
[١٣٠٤] باب معنى شهادة أن محمدًا
عبد الله ورسول وبيان مقتضياتها
[قال الإمام:]
اعلم أن هذه الشهادة قد جمعت له ﵌ صفتين لا يتم إيمان المرء به ﵌ إلا
стр. 3678
إذا تحقق بمعناهما.
الأولى: كونه ﵌ عبداً لله تعالى, كغيره من عباده تعالى, فهو مثلهم من هذه الناحية, كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. وقال ﵌:
«إنما أنا بشر مثلكم؛ أنسى كما تنسون, فإذا نسيت فذكروني» وقال ﵌: «لا تطروني كما أَطْرَتِ النصارى عيسى ابن مريم, إنما أنا عبد. فقولوا: عبد الله ورسوله».
ولذلك فلا يجوز لمسلم يشهد هذه الشهادة أن ينزله ﵌ منزلةً فوق التي أنزله الله تعالى فيها؛ فإن ذلك مما لا يرضاه ﵌ , كما قال في الحديث:
«أنا محمد بن عبد الله, عبد الله ورسوله, والله! ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ». ولا أن يمدحه إلا بمدحه الله به, أو بما صحت به الأحاديث والأخبار, فمدحه ﵌ بمثل قول بعضهم:
فإن من جودك الدنيا وضَرّتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
فهذا القول مما يتنافى مع الشهادة بالعبودية لمحمد ﵌ , وهو القائل - كما حكاه الله تعالى في القرآن الكريم-: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. وهو القائل للجارية التي كنت تندب من قتل يوم [بدر] , ثم قالت: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال النبي ﵌:
«لا تقولي هكذا, وقولي كما كنت تقولين».
ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديث لها في"الصحيحين": ومن حدثكم أن محمداً ﵌ كان يعلم ما في غد؛ فقد أعظم على الله الفرية.
стр. 3679
فإذا كان هذا شأن من قال عنه ﵌: إنه يعلم ما في غد؛ فما بال من يقول: إنَّ من بعض علومه علمَ اللوح والقلم؟! فلا جَرَم أن حَذَّرَنا ﵌ من الغلو في مدحه وتعظيمه؛ فإنه سبب هلاك الأمم قبلنا كما قال ﵌:
«إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم غلوهم في دينهم.»
وأما الصفة الأخرى: فهي كونه ﵌ رسولا ً اصطفاه الله تعالى, وخصه بالوحي وأطلعه على بعض المغيبات, وذلك يستلزم الإيمان بكل ما قاله ﵌ , وصح عنه من التشريعات والأخبار بالمغيبات, سواء كان ذلك موافقاً لعقلك, أو بعيداً عن فهمك وعقلك, يجب الإيمان بذلك كله, فمن لم يكن هذا موقفه معه ﵌؛ فهو لم يؤمن حق الإيمان بأن محمدا ً رسول الله, فما تنفعه هذه الشهادة, وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم, وذلك ما يفيد قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ولا شك أن إيمانك وتصديقك بما جاء به محمد ﵌ من الأمور التشريعية والغيبية - ولو كانت بعيدة عن متناول عقلك -؛ إنما هو من الإيمان بالغيب الذي هو من صفات المتقين في القرآن: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. فقف أيها المؤمن عند نص الشارع الحكيم, ولا تُغالِ فيه, ولا تفرط؛ بل وسطاً بين ذلك, لتكون من الناجين عند رب العالمين.
"أصل صفة الصلاة" (٣/ ٨٨١ - ٨٨٣).
стр. 3680
جماع أبواب أفضلية النبي ﵌ على الأنبياء وعلى جميع ولد آدم ونقض ما يخالف ذلك والرد على المخالفين
стр. 3681
[١٣٠٥] باب النبي ﵌ خير ولد آدم
[قال الإمام]:
قوله ﵌: «أنا سيد ولد آدم» صريح في تفضيله ﵌ على جميع ولد آدم.
"الضعيفة" (٣/ ٤٣).
[١٣٠٦] باب النبي ﵌ خير من طلعت عليه الشمس
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر»
(موضوع)
[قال الإمام]:
ثم إن الحديث ظاهر البطلان، لمخالفته لما هو مقطوع به: أن خير من طلعت عليه الشمس إنما هو نبينا محمد ﵌، ثم الرسل والأنبياء، ثم أبو بكر، وقد جاء من طرق عن ابن جريج عن عطاء عن أبي الدرداء مرفوعا بلفظ: " ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر ".
أخرجه جمع من المحدثين منهم عبد بن حميد والخطيب وغيرهما، وهو أصح من الأول سنداً ومتناً كما ترى، وقد حسنه بعضهم، ولكن الطرق المشار إليها بحاجة إلى دراسة دقيقة، وهذا مما لم يتيسر لي بعد. والله الموفق.
"الضعيفة" (٣/ ٥٣٣ - ٥٣٤).
стр. 3682
[١٣٠٧] باب نبينا ﵌ أفضل النبيين
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل ﵇، وأفضل النبيين آدم، وأفضل الأيام يوم الجمعة، وأفضل الشهور شهر رمضان، وأفضل الليالي ليلة القدر، وأفضل النساء مريم بنت عمران»
(موضوع)
[قال الإمام]:
وأفضل النبيين إنما هو نبينا محمد ﵌ بدليل الحديث الصحيح: «أنا سيد الناس يوم القيامة ... ».
أخرجه مسلم (١/ ١٢٧)، فهذا يدل على وضع هذا الحديث
"الضعيفة" (١/ ٦٣٨).
[١٣٠٨] باب نبينا ﵌ سيد المرسلين يقيناً
-[قال الإمام معلقا على قول صاحب الطحاوية: وأنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء وسيد المرسلين].
قلت: هذه العقيدة ثبتت في أحاديث كثيرة مستفيضة تلقتها الأمة بالقبول. وقد ذكر الشارح (في الصفحة ١٦٩ - الطبعة الرابعة) طائفة منها فلتراجع منه فهي تفيد العلم واليقين فهو ﵌ سيد المرسلين يقيناً.
ومن المؤسف أن أقول: إن هذه العقيدة لا يؤمن بها أولئك الذين يشترطون في الحديث الذي يجب الإيمان به أن يكون متواتراً فكيف يؤمن بها من صرح بأن
стр. 3683
العقيدة لا تؤخذ إلا من القرآن كالشيخ شلتوت وغيره وقد رددت على هؤلاء جميعا من عشرين وجها في رسالتي " وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين " وذكرت في آخرها عشرين مثالاً من العقائد الثابتة في الأحاديث الصحيحة يلزمهم جحدها وعدم الإيمان بها وهذه العقيدة واحدة منها فراجعها فإنها مطبوعة وهامة.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٢٠).
[١٣٠٩] باب التنبيه على لفظ ضعيف قد يورد ضمن الأدلة الصحيحة على أن نبينا ﵌ أفضل الخلق
(أخرج) البخارى [وغيره] من طرق عن الأعمش حدثنا خيثمة حدثنا سويد بن غفلة، قال علي ﵁:
" إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ حديثًا فوالله لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أكذب عليه, وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم, فإن الحرب خدعة, وإنى سمعت رسول الله ﵌ يقول: .. " سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان, سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية, لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية, فأينما لقيتموهم فاقتلوهم, فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة".
[نبه الإمام على أن الحديث جاء من وجه آخر بلفظ]:
"يقولون من قول خير البرية" بدلاً من "يقولون من خير قول البرية"
[ثم نبه على ضعف هذا اللفظ إلى أن قال]:
стр. 3684
هذا وقد كنت قرأت قديماً في بعض الشروح مما لا أذكره الآن أن بعضهم استدل باللفظ الآخر: " يقولون من قول خير البرية " على أنه ﷺ أفضل الخلق بناءً على أنه هو المراد بقوله " خير البرية ", وإذا قد علمت أن اللفظ المذكور شاذ غير محفوظ, فلا يصح الاستدلال به على ما ذكر. والله أعلم.
"إرواء الغليل" (٨/ ١٢٠ - ١٢٣).
[١٣١٠] باب هل الأنبياء أفضل من الملائكة؟ وهل إبراهيم ﵇ خير من نبينا ﵌ ومن الملائكة؟ وهل علي ﵁ خير من الأنبياء ؟
جاء رجل إلى رسول الله ﵌ فقال: يا خير البرية! فقال رسول الله ﵌: ... «ذاك إبراهيم ﵇. يعني: أنّه خير البريّة».
[قال الإمام]:
قلت: وظاهر الحديث يدل على أمرين:
أحدهما: أن إبراهيم ﵇ خير الخلق مطلقاً بما فيهم الملائكة.
والآخر: أنه أفضل من نبينا محمد ﵌.
وأجاب العلماء عن هذا بأن النبي ﵌ قال ذلك تواضعاً وهضماً لنفسه، أو أنه قال ذلك قبل أن يوحى إليه بأن الله تعالى اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، وأنه سيد الناس يوم القيامة، آدم فمن دونه تحت لوائه ﵌، كما جاء في الأحاديث الصحيحة، وبهذا أجاب الطحاوي، فراجعه فإنه هام مفيد.
وأما الأمر الأول؛ فلم يتعرض له الطحاوي، فأرى- والله أعلم- أن قوله
стр. 3685
- ﵌: "خير البرية" من حيث إنه لا يشمل الملائكة، كقوله تعالى في سورة (البينة): ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ بعد قوله: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية﴾، وأن المراد بـ (خير البرية) و (شر البرية)؛ إنما هم غير الملائكة- كما يشعر بذلك السياق-؛ فإن الملائكة ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾. وقد ذكر القرطبي أنه قد استدل بقوله تعالى: (خير البرية) مَنْ فَضَّل بني آدم على الملائكة، ثم أحال في بيان الخلاف في ذلك على سورة البقرة (١/ ٢٨٩)، وهناك ذكر الخلاف في المسألة بشيء من التفصيل، وذكر دليل من قال بذلك، والقائل بأن الملائكة أفضل، ومن ذلك قوله: "وفي البخاري: "يقول الله تعالى: من ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم "، وهذا نص " ﴿(١)﴾.
ثم قال:
"وقال بعض العلماء: ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة، ولا القطع بأن الملائكة خير منهم, لأن طريق ذلك خبر الله تعالى، وخبر رسوله، أو إجماع الأمة، وليس ههنا شيء من ذلك ".
ثم رأيت العلامة ابن أبي العز الحنفي قد توسع جداً في ذكر أدلة الفريقين ومناقشتها، وبيان ما لها وما عليها في "شرح العقيدة الطحاوية" (٣٠١ - ٣١١) - وتبعه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري " (١٣/ ٣٨٤ - ٣٨٨) -؛ وذكر عن أبي حنيفة ﵀ أنه لم يقطع فيها بجواب، وقال: "وهذا هو الحق، فإن الواجب
стр. 3686
علينا الإيمان بالملائكة والنبيين، وليس علينا أن نعتقد أي الفريقين أفضل؛ فإن هذا لو كان من الواجب لبين لنا نصاً .. وحملني على بسط الكلام هنا: أن بعض الجاهلين يسيئون الأدب بقولهم: كان الملك خادماً للنبي ﵌! أو أن بعض الملائكة خدام بني آدم!! يعنون: الملائكة الموكلين بالبشر، ونحو ذلك من الألفاظ المخالفة للشرع المجانبة للأدب .. ".
ثم شرع في البسط المذكور، وختمه بقوله: "وحاصل الكلام: أن هذه المسألة من فضول المسائل، ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول، وتوقف أبو حنيفة في الجواب عنها كما تقدم. والله أعلم بالصواب ".
قلت: ولقد كان التوقف المذكور هو الذي يقتضيه النظر والتأمل في أدلة الفريقين، وجواب كل منهما عن أدلة الآخر، لولا حديث البخاري الذي قال فيه القرطبي: إنه نص في المسألة كما تقدم؛ وقد حكاه الحافظ العسقلاني عن ابن بطال أيضاً، وإن كان الحافظ تكلف في رد دلالته وتأويله: "بأن الخيرية إنما حصلت بالذاكر والملأ معاً؛ فالجانب الذي فيه رب العزة خير من الجانب الذي ليس هو فيه بلا ارتياب، فالخيرية حصلت بالنسبة للمجموع على المجموع ".
وقد كنت وقفت منذ القديم في "الترغيب والترهيب " على حديث من رواية البزار وابن حبان في "صحيحه " هو نص في الموضوع وأقوى؛ لأنه يبطل التأويل المذكور، ونصه: «أول من يدخل الجنة من خلق الله: الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله لملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: ربنا! نحن سكان سماواتك، وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؛! قال: إن هؤلاء كانوا عباداً لي يعبدوني لا يشركون بي شيئاً، وتسد بهم
стр. 3687
الثغور .. ، قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك؛ فيدخلون عليهم من كل باب: ﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾.
وقال المنذري (٤/ ٨٦)، والهيثمي (١٠/ ٢٥٩):
"ورجاله ثقات ".
وهو في "موارد الظمآن " (٢٥٦٥) - والسياق له-، ومخرج في المجلد السادس من "الصحيحة" برقم (٢٥٥٩).
وإني لأستغرب جدا كيف فات على أولئك العلماء من الفريقين إيراده احتجاجاً ودفعاً؟! وبخاصة الحافظ ابن حجر العسقلاني، لنعلم رأيه في
شهادة الملائكة أمام ربهم: أنهم خيرة خلقه، وما أظن أنه يجد له تأويلاً إلا
التسليم لدلالته!
ونحوه حديث الترجمة، فما تعرض أحد منهم لذكره، ولعل ذلك لأنهم يرون أيضاً أنه خاص بالناس دون الملائكة؛ كما تقدم بيانه في طليعة هذا التخريج، وهو الذي استظهره الإمام الآلوسي في تفسيره "روح المعاني " (٣/ ٢٦٤)! والله ولي التوفيق.
وأما حديث: "علي خير البرية"؛ فمن موضوعات الشيعة، وقد روي من حديث أبي سعيد الخدري، وهو مخرج في "الضعيفة " (٥٥٩٣)، ومن حديث جابر بن جابر برقم (٤٩٢٥)، وذكره الآلوسي من حديث أبي هريرة عند ابن أبي حاتم، وحديث عائشة وعلي وابن عباس عند ابن مردويه، ولم أقف على أسانيدها. ومن الظاهر أنها من عمل الشيعة أو غيرهم من الضعفاء والكذابين،
стр. 3688
ولذلك عقب الآلوسي عليها بقوله: "وإن دون إثبات صحة تلك الأخبار خرط القتاد. والله تعالى أعلم ".
ولا بد من التنبيه أنه وقع فيه حديث أبي هريرة: "مرفوعاً "، وأنا أظن أنه محرف: "موقوفاً"؛ فإن من المعروف أن مرجع المتأخرين في تخريج أحاديث التفسيرإنما هو "الدر المنثور"على الغالب، والحديث فيه (٦/ ٣٧٩) غيرمرفوع!.
"الصحيحة" (٧/ ٢/١٠٣٥ - ١٠٣٩).
[١٣١١] باب ذكر بعض أهل الضلال ممن يقول بأن أهل البيت أفضل من الأنبياء والرسل
[سئل الشيخ عن فتوته الخاصة بالخميني، فأجاب:]
الفتوى خلاصتها: أنه وقفنا على عبارات للخميني أنه يقول: كذا وكذا، أربع خمس عبارات، فهذه العبارات هي الكفر بعينه، وكل من يقول بهذا الكلام فهو كافر أو يكفر، وشرحنا هنا في الأسباب المقتضية لهذا الحكم، وبلا شك أنه نفس الكلمات عندما يقرأها مسلم مهما كانت ثقافته الإسلامية ضحلة فهو لا يشك في أن هذا الكلام كفر.
من ذلك مثلاً أنه يقول في بعض كتبه: بأن أئمة أهل البيت هم من المنزلة عند الله ﵎ فوق منزلة الملائكة والرسل والأنبياء، ومن ذلك أنه يقول: أن مصحف فاطمة أظن مذكور هذا في الأشياء .. مصحف فاطمة هو المصحف الكامل، أما المصحف المتداول اليوم بين الأئمة فهو جزء من ذاك المصحف، وهذا كفر لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩) وهكذا أربع خمس عبارات نقلت من كتبه .. كتب الخميني نفسه، هذه الأشياء خطيرة جداً
стр. 3689
وكتابه الذي أصدره: «فوائد الثورة الإيرانية» هذه وهي: الكتاب المعروف: «بالحكومة الإسلامية»، لا أدري رأيتم هذا الكتيب الصغير؟
مداخلة: لا.
الشيخ: لم تروه،، في هذا الكتيب الصغير الذي سماه: الثورة الإسلامية أو: الحكومة الإسلامية مع أن هذا الكتاب هو كتاب دعاية، والمفروض عند كل الناس المسلمين والكافرين أن أي كتاب سياسي لا يحسن بالكاتب أن ينشر في هذا الكتاب العقائد التي يعلم أن الخصوم سوف ينكرونها ويبادرون إلى عدم الاستجابة لمضمون الكتاب بصورة عامة، ومع أن الشيعة يوجد عندهم عقيدة يساعدهم أوسع ما تكون المساعدة في سلوك هذا السبيل السياسي وهو: كتمان عقائدهم عن الناس؛ لأنه يوجد لديهم شيء يسمى: بالتقية، لا بد أنك سمعت عن التقية، فالأمر عندهم في موضوع التقية خطير جداً بحيث أنه لا يمكن لإنسان يعرف أن عندهم التقية أن يركن إليهم؛ لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وهذا دين عندهم، فهو إذا قال لك عن شيء وهو يعلم أنه كاذب لا يستوحش من هذا الكلام إطلاقاً؛ لأن هكذا دينه الذي منه التقية يأمره بذلك.
فمع كون عندهم هذه التقية التي تسوغ لهم أن يقولوا ما شاؤوا، وعلى العكس أكثر من ذلك أن يكتموا عن الناس عقائدهم، لكن الله لحكمته البالغة ألهم هذا الرجل الخميني في كتيبه المشار إليه آنفاً: الحكومة الإسلامية أن يبيح عن بعض العقائد مع أنه كتاب دعوة وسياسة، منها: ما ذكرته آنفاً من تعظيمه لأهل البيت أكثر من الملائكة والأنبياء والرسل.
ومن ذلك وهذه كفرية أخرى، وهي: أنهم يعني: أهل البيت يعلمون كل
стр. 3690
حركة تقع في الكون ما من ذرة تقع في الكون إلا وهم على علم بها، مع أن أهل البيت ماتوا وصاروا تراباً مهما كان شأنهم، فجعلوهم شركاء في العلم مع الله ، يعني: أشياء غريبة جداً، فربنا ﵎ ليقيم الحجة على من قد يغتر بدعايتهم يعني: سَخَّرَ هذا الإنسان أن يضع في هذا الكتيب الذي هو كتاب دعاية العقيدتين الوافدتين، واحدة منها تكفي لتحذير الناس من الاغترار بما سموه بالثورة الإسلامية.
ومع الأسف يعني: لما قامت هذه الثورة اغتر بها بعض الشخصيات الإسلامية ويمكن ذهبوا إليهم، فمنهم من رجع وقد تبين له الحق، ومنهم من لا يزال إلى الآن يدعو إلى دعوتهم ...
"الهدى والنور" (١٣٧/ ٠٠:٠٥:١٨)
стр. 3691
جماع أبواب ذكر تسمية النبي ﵌ والكلام على والديه
وذكر بعض ما يجوز عليه
والكلام على بعض شمائله وخصوصياته
وبيان بعض ما ثبت له وما لم يثبت
стр. 3692
[١٣١٢] باب ما هو أصل تسمية النبي ﵌ بمحمد
السائل: بالنسبة لتسمية رسول الله ﵊ محمد هل جاء من رؤيا أم من وحي، وكيف نوافق بين هذا والذي قبله?
الشيخ: إيش التوافق? ما هو التعارض حتى نوفق?
مداخلة: نعم، أول شيء خلينا نعرف لأنه إذا تم الثاني نوفق ما تم [ما حاجه للتوفيق]؛ أنه هل أتى اسم محمد ﵇ من رؤيا أمه قالت: أُسميه محمد?
الشيخ: خرافة .. خرافة.
مداخلة: خرافة?
الشيخ: نعم.
مداخلة: ما جاء هذا الكلام.
الشيخ: لا.
مداخلة: وتسميته عن طريق ماذا وحي؟
الشيخ: الله أعلم.
مداخلة: الله أعلم.
الشيخ: وحي ما في عند ولادة الرسول، لكن في إلهام.
مداخلة: في إلهام.
الشيخ: نعم.
стр. 3693
مداخلة: والإلهام يجوز أن يكون لوالدته يعني.
الشيخ: طبعاً لوالدته لوالده لعمه لجده أياً كان، ويومئذ لما ولد ﵇ أبوه كان ميتاً.
مداخلة: نعم.
الشيخ: نعم ووالدته ماتت متى? بعد كم?
مداخلة: ست سنوات.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب ممكن يكون هذا إلهام لها أو لأحد أقاربه يعني مثل جده كما قلنا أو عمه أو ما شابه ذلك، والقضية ليست مهمة كثير, كيف سمي؛ لأن الذي حفظه من أن يَعْبُدَ غير ربه هو الذي ألهم ذويه أن يختاروا له هذا الاسم الطيب.
"الهدى والنور" (٦٦٤/ ٤٢: ٣٦: ٠٠)
[١٣١٣] باب والدي الرسول ﵌ في النار
[قال رسول الله ﵌]:
«إن أبي وأباك في النار»
[قال لإمام]:
والحديث أخرجه الجورقاني في " الأباطيل والمناكير " (١/ ٢٣٥) من طريق أخرى عن داود بن أبي هند في جملة أحاديث أخرى تدل كلها - كهذا - على أن من مات في الجاهلية مشركاً فهو في النار، وليس من أهل الفترة كما يظن
стр. 3694
كثير من الناس، وبخاصة الشيعة منهم، ومن تأثر بهم من السنة! ومن تلك الأحاديث، ما رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار.
فلما قفى دعاه، فقال: فذكر حديث الترجمة حرفا بحرف. أخرجه مسلم (١/ ١٣٢ - ١٣٣) وأبو عوانة (١/ ٩٩) وأبو داود (٤٧١٨) والجوزقاني (١/ ٢٣٣) وصححه، وأحمد (٣/ ٢٦٨) وأبو يعلى (٦/ ٢٢٩/٣٥١٦) وابن حبان (٥٧٨ - الإحسان) والبيهقي (٧/ ١٩٠) من طرق عن حماد بن سلمة به. ومنها سعد بن أبي وقاص المتقدم في المجلد الأول برقم (١٨) بلفظ: " حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار ". فراجع سببه هناك، فإنه بمعنى حديث الترجمة لمن تأمله.
وإن مما يتصل بهذا الموضوع قوله ﵌ لما زار قبر أمه: " استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها، فأذن لي .. " الحديث رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص ١٨٧ - ١٨٨) من حديث أبي هريرة وبريدة، فليراجعهما من شاء. والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرنا خير كبير وبركة.
واعلم أيها الأخ المسلم أن بعض الناس اليوم وقبل اليوم لا استعداد عندهم لقبول هذه الأحاديث الصحيحة، وتبني ما فيها من الحكم بالكفر على والدي الرسول ﵌، بل إن فيهم من يظن أنه من الدعاة إلى الإسلام ليستنكر أشد الاستنكار التعرض لذكر هذه الأحاديث ودلالتها الصريحة! وفي اعتقادي أن هذا الاستنكار إنما ينصب منهم على النبي ﵌ الذي قالها إن صدقوا بها.
стр. 3695
وهذا - كما هو ظاهر - كفر بواح، أو على الأقل: على الأئمة الذين رووها وصححوها، وهذا فسق أو كفر صراح، لأنه يلزم منه تشكيك المسلمين بدينهم، لأنه لا طريق لهم إلى معرفته والإيمان به، إلا من طريق نبيهم ﵌ كما لا يخفى على كل مسلم بصير بدينه، فإذا لم يصدقوا بها لعدم موافقتها لعواطفهم وأذواقهم وأهوائهم - والناس في ذلك مختلفون أشد الاختلاف - كان في ذلك فتح باب عظيم جدا لرد الأحاديث الصحيحة، وهذا أمر مشاهد اليوم من كثير من الكتاب الذين ابتلي المسلمون بكتاباتهم كالغزالي والهويدي وبليق وابن عبد المنان وأمثالهم ممن لا ميزان عندهم لتصحيح الأحاديث وتضعيفها إلا أهواؤهم! واعلم أيها المسلم - المشفق على دينه أن يهدم بأقلام بعض المنتسبين إليه - أن هذه الأحاديث ونحوها مما فيه الإخبار بكفر أشخاص أو إيمانهم، إنما هو من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها وتلقيها بالقبول، لقوله تعالى: ﴿ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب﴾ (البقرة: ١ - ٣) وقوله: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ... ﴾ (الأحزاب: ٣٦)، فالإعراض عنها وعدم الإيمان بها يلزم منه أحد أمرين لا ثالث لهما - وأحلاهما مر -: إما تكذيب النبي ﵌، وإما تكذيب رواتها الثقات كما تقدم. وأنا حين أكتب هذا أعلم أن بعض الذين ينكرون هذه الأحاديث أو يتأولونها تأويلا باطلا كما فعل السيوطي - عفا الله عنا وعنه - في بعض رسائله، إنما يحملهم على ذلك غلوهم في تعظيم النبي ﵌، وحبهم إياه، فينكرون أن يكون أبواه ﵌ كما أخبر هو نفسه عنهما، فكأنهم أشفق عليهما منه ﵌!! وقد لا يتورع بعضهم أن يركن في ذلك إلى الحديث المشهور على ألسنة بعض الناس الذي فيه أن النبي ﵌ أحيا الله له أمه، وفي رواية: أبويه، وهو حديث موضوع
стр. 3696
باطل عند أهل العلم كالدارقطني والجورقاني، وابن عساكر والذهبي والعسقلاني، وغيرهم كما هو مبين في موضعه، وراجع له إن شئت كتاب " الأباطيل والمناكير " للجورقاني بتعليق الدكتور عبد الرحمن الفريوائي (١/ ٢٢٢ - ٢٢٩) وقال ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٢٨٤): " هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم، عديم العلم، إذ لو كان له علم لعلم أن من مات كافراً لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن عند المعاينة، ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فيمت وهو كافر﴾، وقوله ﵌ في (الصحيح): «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي»
ولقد أحسن القول في هؤلاء بعبارة ناصعة وجيزة الشيخ عبد الرحمن اليماني ﵀ في تعليقه على " الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة " للإمام الشوكاني، فقال (ص ٣٢٢): " كثيرا ما تجمح المحبة ببعض الناس، فيتخطى الحجة ويحاربها، ومن وفق علم أن ذلك مناف للمحبة الشرعية. والله المستعان ".
قلت: وممن جمحت به المحبة السيوطي عفا الله عنه، فإنه مال إلى تصحيح حديث الإحياء الباطل عند كبار العلماء كما تقدم، وحاول في كتابه " اللآلىء " (١/ ٢٦٥ - ٢٦٨) التوفيق بينه وبين حديث الاستئذان وما في معناه، بأنه منسوخ، وهو يعلم من علم الأصول أن النسخ لا يقع في الأخبار وإنما في الأحكام! وذلك أنه لا يعقل أن يخبر الصادق المصدوق عن شخص أنه في النار ثم ينسخ ذلك بقوله: إنه في الجنة! كما هو ظاهر معروف لدى العلماء.
ومن جموحه في ذلك أنه أعرض عن ذكر حديث مسلم عن أنس المطابق لحديث الترجمة إعراضاً مطلقاً، ولم يشر إليه أدنى إشارة، بل إنه قد اشتط به القلم
стр. 3697
وغلا، فحكم عليه بالضعف متعلقاً بكلام بعضهم في رواية حماد بن سلمة! وهو يعلم أنه من أئمة المسلمين وثقاتهم، وأن روايته عن ثابت صحيحة، بل قال ابن المديني وأحمد وغيرهما: أثبت أصحاب ثابت حماد، ثم سليمان، ثم حماد بن زيد، وهي صحاح. وتضعيفه المذكور كنت قرأته قديماً جداً في رسالة له في حديث الإحياء - طبع الهند - ولا تطولها يدي الآن لأنقل كلامه، وأتتبع عواره، فليراجعها من شاء التثبت.
ولقد كان من آثار تضعيفه إياه أنني لاحظت أنه أعرض عن ذكره أيضا في شيء من كتبه الجامعة لكل ما هب ودب، مثل " الجامع الصغير " و" زيادته " و" الجامع الكبير "! ولذلك خلا منه " كنز العمال " والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وتأمل الفرق بينه وبين الحافظ البيهقي الذي قدم الإيمان والتصديق على العاطفة والهوى، فإنه لما ذكر حديث: «خرجت من نكاح غير سفاح "، قال عقبه:» وأبواه كانا مشركين، بدليل ما أخبرنا .. "، ثم ساق حديث أنس هذا وحديث أبي هريرة المتقدم في زيارة قبر أمه ﵌.
"الصحيحة" (٦/ ١/١٧٧ - ١٨٢).
[١٣١٤] باب نبينا ﵌ خليل رب العالمين، والتنبيه على أنه لم يثبت حديث في أنه حبيب الله
[قال الإمام معلقاً على قول صاحب الطحاوية على نبينا ﵌: وحبيب رب العالمين]:
قلت: بل هو خليل رب العالمين فإن الخلة أعلى مرتبة من المحبة وأكمل
стр. 3698
ولذلك قال ﵌: «إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً» ولذلك لم يثبت في حديث أنه ﷺ حبيب الله.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٢١)
[١٣١٥] باب ثبوت سحر النبي ﷺ والرد على من أنكر ذلك
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ - قَالَتْ - حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ ثُمَّ دَعَا ثُمَّ دَعَا ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ جَاءَنِي رَجُلاَنِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ. فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ أَوِ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي مَا وَجَعُ الرَّجُلِ قَالَ مَطْبُوبٌ. قَالَ مَنْ طَبَّهُ قَالَ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَ في أَيِّ شَيْءٍ قَالَ في مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ. قَالَ وَجُبِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ. قَالَ فَأَيْنَ هُوَ قَالَ في بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ».
قَالَتْ فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ في أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ». قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ أَحْرَقْتَهُ قَالَ: «لاَ أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللَّهُ وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ».
[قال الإمام:]
اعلم أن هذا الحديث صحيح الإسناد بلا ريب ... ولقد أخطأ السيد رشيد رضا ﵀ ومن قلده في تضعيفه لهذا الحديثـ، وأثاروا حوله شبهات عقلية هي في الحقيقة ﴿كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء﴾ , وليس في الحديث سوى أنه
стр. 3699
مرض ﷺ وأنه يرى أنه يأتي النساء وما يأتيهن. والله سبحانه الذي حفظه من أن يخطئ في التشريع - وهو كبشر يمكن أن يخطئ, ولكن الله عصمه - فكذلك الله حفظه وهو بشر قد سحر, ومن شأن البشر أن يسحر, فأي شيء في هذا السحر الذي أصابه ﷺ , وقد أصاب مثله موسى ﵇ بنص القرآن ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ فهل مس ذلك من مقام موسى ﵇ كلا ثم كلا. وكذلك الشأن في الحديث. فتأمل منصفًا.
"مختصر صحيح "مختصر مسلم" (ص٣٦٥، ٣٧٦)
[١٣١٦] باب منه
عن عائشة قالت: سحر رسول الله ﵌ حتى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعاه ثم قال: «أشعرت يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته، جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: في ماذا؟ قال: في مشط ومشاطة وَجُبِّ طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان، فذهب النبي ﵌ في أناس من أصحابه إلى البئر فقال: هذه البئر التي أريتها وكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رءوس الشياطين فاستخرجه». متفق عليه
[قال الإمام معلقاً على قول عائشة: حتى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء]:
كناية عن الجماع, ففي رواية البخاري "حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن" والحديث صحيح لا شك فيه, فإن له شواهد صحيحة في "المسند" وغيره, ولا متمسَّك فيه للطاعنين في عصمته ﵌ ولا لأشباههم ممن يردون
стр. 3700
الحديث الصحيح لأدنى شبهة ترد عليهم من أمثال أولئك الطاعنين, فإن الحديث يدور حول أمر دنيوي محض لا علاقة له بالتشريع, فأي ضير على رسول الله ﵌ أن يُسحر سحراً يؤدي به إلى حالة من المرض والوجع؛ يرى ويظن أنه أتى النساء ولم يأتهن؟ هذا كل ما في الحديث ليس إلا, وتوسيع الأمر بطريق القياس والإلحاق كما يفعل بعض الطاعنين في الحديث بقولهم: إذا ظن ذلك الأمر فيمكن أن يظن مثله في الشرع, كأن يظن أن آية نزلت عليه ولم تنزل ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ فالجواب أن الذي عصمه من نسيان الآيات التي نزلت عليه أن يبلغها إلى الناس مع العلم أن النسيان من طبيعة البشر, فهو الذي يعصمه من أن يتلو عليهم ما ليس قرآناً متوهماً أنه من القرآن! فهذا مثل هذا ولا فرق، نسأل الله السلامة في ديننا وعقولنا. وهذه كلمة وجيزة أردت بها التذكير وإلا فالموضوع طويل الذيل.
[ثم قال ﵀]:
ومع اتفاق الشيخين على تصحيح الحديث وتلقي العلماء المحققين له بالقبول، فقد طعن فيه بعض المبتدعة قديماً وتبعهم على ذلك بعض المتأخرين، والحديث صحيح لا شك فيه، وقد حاول السيد رشيد رضا أن يُعِلَّهُ بأنه من رواية هشام بن عروة، وهو مع كونه ثقة حجة فلم يتفرد به، بل تابعه جماعة من آل عروة كما في صحيح البخاري، ثم إن للحديث شواهد من رواية زيد بن أرقم وابن عباس وغيرهما، فراجع "فتح الباري"، (١٠/ ١٩٢ - ١٩٣) فلا تغتر بكلام من ينكره ممن يدعي الانتصار للسنة من المعاصرين الذين هم أبعد ما يكونون عن العلم الصحيح بها، وتخيله ﵌ المذكور فيه لا يطعن في عصمته المقطوع
стр. 3701
بثبوتها، لأنه ليس في أمور الدين والتبليغ، وليت شعري ما الفرق بين نسيانه ﵌ الثابت بالكتاب ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ﴾ وبالسنة في أحاديث كثيرة وبين التخيل المذكور، فكما أننا قد أمنا وقوع النسيان فيما أمر بتبليغه بالعصمة فكذلك قد أمنا وقوع التخيل في التبليغ بالعصمة ولا فرق، فتنبه.
" تحقيق مشكاة المصابيح" (٣/ ١٦٥١ - ١٦٥٢).
[١٣١٧] باب منه
" كان رجل [من اليهود] يدخل على النبي ﵌، [وكان يأمنه]، فعقد له عقداً، فوضعه في بئر رجل من الأنصار، [فاشتكى لذلك أياماً، (وفي حديث عائشة: ستة أشهر)]، فأتاه ملكان يعودانه، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال: فلان الذي [كان] يدخل عليه عقد له عقداً، فألقاه في بئر فلان الأنصاري، فلو أرسل [إليه] رجلا، وأخذ [منه] العقد لوجد الماء قد اصفر. [فأتاه جبريل فنزل عليه بـ (المعوذتين)، وقال: إن رجلا من اليهود سحرك، والسحر في بئر فلان، قال:] فبعث رجلا (وفي طريق أخرى: فبعث عليا ﵁ [فوجد الماء قد اصفر] فأخذ العقد [فجاء بها]، [فأمره أن يحل العقد ويقرأ آية]، فحلها، [فجعل يقرأ ويحل]، [فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة] فبرأ، (وفي الطريق الأخرى: فقام رسول الله ﵌ كأنما نشط من عقال)، وكان الرجل بعد ذلك يدخل على النبي ﵌ فلم يذكر له شيئاً منه، ولم يعاتبه [قط حتى مات] ".
[ترجم له الإمام بقوله]:سحر النبي ﵌ ونزول المعوذتين.
[ثم قال]:
стр. 3702
من المفيد أن نذكر أن بعض المبتدعة قديماً وحديثاً قد أنكروا هذا الحديث الصحيح، بشبهات هي أوهى من بيت العنكبوت، وقد رد عليهم العلماء في شروحهم، فليرجع إليها من شاء.
"الصحيحة" (٦/ ١/٦١٥ - ٦١٦، ٦١٩).
[١٣١٨] باب إمكانية رؤية النبي ﵌ بعد موته وصفة ذلك
[عن ابن مسعود ﵁ قال]:
«كان [أي النبي ﵌] لا يخيل على من رآه».
[قال الإمام وقد ذكر شواهد للحديث]:
(فائدة): في هذه الأحاديث أنه من الممكن أن يرى الرائي النبي ﵌ بعد وفاته، ولو لم يكن معاصراً له، لكن بشرط أن يراه على صورته التي كان عليها ﵌ في برهة من حياته، وإلى هذا ذهب جماعة من العلماء كما في " فتح الباري " (١٢/ ٣٨٤)، وهو قول ابن عباس في رواية يزيد الفارسي وكليب والد عاصم، وكذا البراء كما تقدم، وعلقه البخاري عن محمد بن سيرين إمام المعبرين، وقد وصله القاضي بسنده الصحيح عن أيوب قال: " كان ابن سيرين إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي ﵌ قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره "، وبه قال العلامة ابن رشد، فقال كما في " الاعتصام " للإمام الشاطبي (١/ ٣٥٥): " وليس معنى قوله ﵌: «من رآني فقد رآني حقّاً» " أن كل من رأى في منامه أنه رآه، فقد رآه حقيقة، بدليل أن الرائي قد يراه مرات على صور مختلفة، ويراه الرائي على صفة، وغيره على صفة أخرى، ولا يجوز أن تختلف
стр. 3703
صور النبي ﵌، ولا صفاته، وإنما معنى الحديث: من رآني على صورتي التي خلقت عليها فقد رآني، إذ لا يتمثل الشيطان بي، إذ لم يقل ﵌: من رأى أنه رآني فقد رآني، وإنما قال: " من رآني فقد رآني "، وأنى لهذا الرائي الذي رأى أنه رآه على صورته الحقيقية أنه رآه عليها، وإن ظن أنه رآه ما لم يعلم أن تلك الصورة صورته بعينها، وهذا ما لا طريق لأحد إلى معرفته ".
قال الحافظ: " ومنهم من ضيق الفرض في ذلك، فقال: لابد أن يراه على صورته التي قبض عليها، حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة. والصواب التعميم في جميع حاله بشرط أن تكون صورته الحقيقة في وقت ما، سواء كان في شبابه أو رجولته أو كهولته، أو آخر عمره .. ".
وقال الشيخ علي القارىء في " شرح الشمائل " (٢/ ٢٩٣): " وقيل إنه مختص بأهل زمانه ﵌، أي من رآني في المنام يوفقه الله تعالى لرؤيتي في اليقظة. ولا يخفى بعد هذا المعنى، مع عدم ملاءمته لعموم (من) في المبنى، على أنه يحتاج إلى قيود، منها: أنه لم يره قبل ذلك، ومنها أن الصحابي غير داخل في العموم .. ". قلت: ولا أعلم لهذا التخصيص مستنداً إلا أن يكون حديث أبي هريرة عند البخاري (٦٩٩٣) مرفوعا بلفظ: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي». فقد ذكر العيني في " شرح البخاري " (٢٤/ ١٤٠) أن المراد أهل عصره ﵌، أي من رآه في المنام وفقه الله للهجرة إليه والتشرف بلقائه ﵌ .. ". ولكنني في شك من ثبوت قوله: «فسيراني في اليقظة»، وذلك أن الرواة اختلفوا في ضبط هذه الجملة: «فسيراني في اليقظة»، فرواه هكذا البخاري كما ذكرنا، وزاد مسلم (٧/ ٥٤): " أو فكأنما رآني في اليقظة ". هكذا على الشك، قال الحافظ (١٢/ ٣٨٣): " ووقع عند الإسماعيلي في
стр. 3704
الطريق المذكورة: " فقد رآني في اليقظة "، بدل قوله: " فسيراني ".
ومثله في حديث ابن مسعود عند ابن ماجه، وصححه الترمذي وأبو عوانة. ووقع عند ابن ماجه من حديث أبي جحيفة: " فكأنما رآني في اليقظة ". فهذه ثلاثة ألفاظ:" فسيراني في اليقظة "، " فكأنما رآني في اليقظة "، (انظر ما تقدم برقم ١٠٠٤). " فقد رآني في اليقظة "، وجل أحاديث الباب كالثالثة إلا قوله في (اليقظة) "، وكلها في تأكيد صدق الرؤيا، فاللفظ الثاني أقرب إلى الصحة من حيث المعنى، فهو فيه كحديث ابن عباس وأنس المتقدم: " فقد رآني "، وآكد منه حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: " فقد رآني الحق ". أخرجه البخاري (٦٩٩٧) وأحمد (٣/ ٥٥) وهو لابن حبان (٦٠١٩ و٦٠٢٠) عن أبي هريرة.
"الصحيحة" (٦/ ١/٥١٣، ٥١٧ - ٥٢٠).
[١٣١٩] باب شرح حديث من رآني في المنام فقد رآني
السائل: الحمد لله رب العالمين, حديث «من رآني فقد رآني حقّاً فإن الشيطان لا يتمثل بي» [لو] تُحَدثنا فضيلتنا عن فقه هذا الحديث جزاكم الله خيرًا.
الشيخ:
[هذا] حديث صحيح أخرجه الشيخان في صحيحيهما وله ألفاظ كثيرة متقاربة تؤدي إلى هذا المعنى أي: إن الله ﵎ حفظ نبيه ﵌ أن يتشبه به الشيطان لبني الإنسان حتى في المنام، وهذه غاية محافظة الله لعصمة النبي ﵌، وما ذلك إلا لمحافظته على شريعته ﵎ حتى لا يؤتى المسلم في نومه من الشيطان «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا» لمَ؟ علل ذلك ﵇ بقوله: «فإن الشيطان لا يتمثل بي» وفي لفظ آخر «لا يتزيى بي»
стр. 3705
ويُخبر بعض الناس ممن يرون أو يظنون بالأحرى أو الأصح أن نقول: يظنون أنهم رأو النبي ﵌ في المنام لمجرد أنه خيل إليهم أنهم رأوه في المنام فإذا ما سئلوا عن أوصافه ﵌ وشمائله حيث ادعوا أنهم رأوه أجابوا بصفات تخالف المعروف عنه ﵌ من شمائله, لقد وقع لنا [هذا] كثيرًا مع بعض الرائين فكنا نسألهم؛ بعضهم يقول: رأيت النبي ﵌ ووجهه ولحيته بيضاء كلها نور، يتوهم أنه يصف حقيقة النبي ﵌ وما درى أن هذا الوصف باطل إلى ما وصف به النبي ﵌ يدريه ويعلمه من كان على علم واسع بشمائل النبي ﵌، فإننا نقرأ في صحيح البخاري وغيره عن أنس ابن مالك ﵁ أن النبي ﵌ ما شانه الله ببيضاء (١) , فإذن كيف يصف المرئي في منامه بأن له لحية بيضاء، وإن كان يضيف إلى ذلك بأنها من نور والرسول ﵇ لا يجوز أن يوصف بأنه كان شائبًا لأنه كذب عليه ﵌، ويمكن أن هذا كذب يدخل في عموم قوله ﵊: «من كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار» وفي لفظ آخر: «من قال علي ما لم أقل فليتبوء مقعده من النار» وهذا الحديث وإن كان ظاهره التقول عليه بالكلام على كلامه ﵊، فلا شك أنه يشمل أيضًا أن ينسب إلى النبي ﵌ من الشمائل والأوصاف ما لم يكن عليها فمن ذلك وصفه ﵇ بأنه كان شائبا أبيض اللحية لكثرة الشيب في لحيته فهذا كذب لما ذكرته آنفًا من حديث أنس، وفي رواية أخرى عنه أن الشعرات البيضاء لا يتجاوز عددها عشرين شعرة ...
فهذا الرائي الذي يقول: رأيته ذا لحية بيضاء إلى آخر كلامه يدل على أنه لم ير النبي ﵌، ذلك لأنه يقول ﵊: «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا» من رآني: يعني بأوصافي وبشمائلي مش بالخيال لا يطابق ما كنت
стр. 3706
عليه في حياتي، لذلك كان إمام المؤولين للرؤى وهو تابعي جليل محمد ابن سيرين ﵀ الراوي عن أبي هريرة المكثر من الرواية عن أبي هريرة ﵁، كان مشهورًا بإصابته في تأويل الرؤى، كان إذا جاءه شخص وادعى بأنه رأى النبي ﵌ في المنام سأله كيف رأيته؟ فيصفه بصفات لم يكن ﵇ متصفًا بها في حياته فيقول: لم تر الرسول لكن ذاك شيطان خيل إليك أنه الرسول والرسول يقول: «من رآني» أي على حقيقتي,
وهذا يذكرنا بحديث آخر وله علاقة بمسألة أخرى هامة وهي هل تكون الدعوة دعوة النبي ﵌ قد بلغت ناسًا أو قومًا إذا ما بلغتهم محرفة عن حقيقة الدعوة الإسلامية هل تكون بلغتهم والحالة هذه الدعوة وأقيمت عليهم الحجة؟ أم يكونون ممن يسميهم العلماء بأهل الفترة وينطبق عليهم قول ربنا في القرآن: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾؟
الجواب بحديث يشبه هذا الحديث من جانب؛ ذاك الحديث هو: ما رواه الإمام مسلم في صحيحه (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي - هنا الشاهد - يسمع بي - كما قال: «من رآني» ما من رجل في هذه الأمة - أي أمة الدعوة -من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» فقوله ﵊ في هذا الحديث: «يسمع بي» يعني على حقيقته وعلى حقيقة ما جاء به من الدعوة إلى الإسلام فإذا كان ذلك الرجل من يهودي أو نصراني لم يسمع به ﵇ على حقيقته فلم تبلغه الدعوة؛ لأنها بلغته محرفة، فإذا آمن بهذه
стр. 3707
الدعوة المحرفة لم يؤمن به ﵇، وعلى ذلك نفهم حقيقتين مؤسفتين:
الحقيقة الأولى: أن النصارى بخاصة في بلاد الغرب وأمريكا حينما يقوم المبشرون الذين يسمون على غير اسمهم مبشرون وهم في ضلال مبين، حينما يصفون نبينا ﵌ لأقوامهم بأوصاف مخالفة لما كان عليه الرسول ﵇ من طُهر وكمال في الأخلاق كما قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» فحينما يصف المبشرون نبينا ﵌ لقومهم بهذه الأوصاف ثم كانت النتيجة أنهم لم يؤمنوا به ﵇، فما بلغتهم الدعوة؛ لأنهم وصفوه لهم بأنه كان ذا شهوة عارمة، والدليل أن المسلمين يقولون بأنه ﵇ حرم على أمته من النساء أكثر من أربع بينما هو تزوج وجمع في وقت واحد بين تسع من النساء, فهم - أعني المبشرين الكذابين المفترين - يقولون: فأباح النبي لنفسه لغلبة الشهوة عليه ما حرم على أمته, فحينما يسمع النصارى مثل هذه الأوصاف الكاذبة تكون النتيجة أنهم لا يؤمنون لأنهم قد وُصف لهم الرسول على غير حقيقته هذه المسألة الأولى المؤسفة.
والمسألة الأخرى على العكس من هذا ولكنها أيضا مؤسفة, هناك طائفة من المسلمين ينتمون إلى الإسلام يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ويحجون ويزكون ويصومون ولكنهم يعتقدون عقائد باطلة تخالف الشريعة الإسلامية في كثير من عقائدها المعلومة من الدين بالضرورة أولئك هم المعروفون عند عامة المسلمين بالقاديانيين والذين يسمون أنفسهم بالأحمديين, لهم عقائد ضالة منحرفة عن الإسلام منها اعتقادهم بأن باب النبوة بعده ﵇ لم يغلق وأنه مفتوح إلى قيام الساعة، وأنه قد جاء واحد منهم وهو الذي اتبعوه واغتروا به وابتعدوا بسبب ذلك عن الإسلام بعيدًا بعيدًا جدًّا وهو المعروف
стр. 3708
بميرزا غلام أحمد القادياني، هؤلاء يدعون إلى الإسلام في تلك البلاد الأوروبية بنشاط عجيب مع الأسف واستطاعوا أن يدخلوا في إسلامهم كثير من أولئك الأوروبيين فاعتقدوا ما اعتقدوه من جواز مجيء أنبياء بعد الرسول ﵇ ومنهم ميرزا غلام أحمد فهل هؤلاء الذين أسلموا إسلامًا قاديانيًّا سمعوا به ﵇ على حقيقته وحقيقة دعوته، وهل ينفعهم هذا الإسلام أم لا ينفعهم؟ , الجواب في الحديث السابق «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» فمن سمع بالنبي ﵌ على غير ما كان عليه من أخلاق ومن شريعة فهو لم يسمع به وحينذاك لا يكون من المعذبين الكافرين في النار لأن الحجة لم تقم عليه وعلى العكس من ذلك أولئك الذين آمنوا به ﵇ على أنه يقول بأن النبوة بعده سائغة ماشية وإلى غير ذلك من عقائد القاديانية، ولستُ الآن بصدد ذكر كثير منها وإنما ذكرتُ هذا على سبيل التمثيل, فقوله ﵌ في الحديث الأول: «من رآني في المنام» أي: من رآني على حقيقتي البدنية وشمائلي المحمدية فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي، وبذلك نعلم أن كثيرًا من الرؤى التي يدعي أصحابها فيها أنهم رأوا النبي ﵌ وإذا ما سئلوا عن وصف المرئي كان جوابهم أنهم رأوه في صورة لم يكن ﵇ عليها، كما ضربنا لكم آنفا مثلاً بالرجل الشايب والذي لحيته نور هكذا رأى الرسول فهذه رؤيا شيطانية, كذلك مثلاً: وقع لنا [هذا] أننا سألنا: كيف رأيت الرسول؟ فيجيب بأني رأيته يمشي (الهوينة) يمشي بضعف وهذا خلاف شمائله ﵊ حيث جاء فيها أن النبي ﵌ كان إذا مشى فكأنما ينصب من صبب كناية على أنه ﵇ يمشي بقوة فمن رأى أنه يمشي على ضعف فليس هو الرسول ﵇ وهكذا يجب أن نفهم هذا الحديث ...
"فتاوى جدة -الأثر-" (١٧/ ٠٠:٢٦:٤٨)
стр. 3709
[١٣٢٠] باب كيف تثبت خصوصياته ﵌ -
[قال الإمام]:
خصوصياته ﵇ إنما تثبت بالنص الصحيح، فلا تثبت بالنص الضعيف ولا بالقياس والأهواء، والناس في هذه المسألة على طرفي نقيض، فمنهم من ينكر كثيراً من خصوصياته الثابتة بالأسانيد الصحيحة، إما لأنها غير متواترة بزعمه، وإما لأنها غير معقولة لديه! ومنهم من يثبت له ﵇ ما لم يَثْبُتْ مثل قولهم: إنه أول المخلوقات، وإنه لا ظل له في الأرض وإنه إذا سار في الرمل لا تؤثر قدمه فيه، بينما إذا داس على الصخر علم عليه، وغير ذلك من الأباطيل.
والقول الوسط في ذلك أن يقال: إن النبي ﵌ بشر بنص القرآن والسنة وإجماع الأمة، فلا يجوز أن يعطى له من الصفات والخصوصيات إلا ما صح به النص في الكتاب والسنة، فإذا ثبت ذلك وجب التسليم له، ولم يجز رده بفلسفة خاصة علمية أو عقلية، زعموا، ومن المؤسف، أنه قد انتشر في العصر الحاضر انتشاراً مخيفاً رد الأحاديث الصحيحة لأدنى شبهة ترد من بعض الناس، حتى ليكاد يقوم في النفس أنهم يعاملون أحاديثه ﵇ معاملة أحاديث غيره من البشر الذين ليسوا معصومين، فهم يأخذون منها ما شاؤوا، ويدعون ما شاؤوا، ومن أولئك طائفة ينتمون إلى العلم، وبعضهم يتولى مناصب شرعية كبيرة! فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأله تعالى أن يحفظنا من شر الفريقين المبطلين والغالين.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٩٦).
стр. 3710
[١٣٢١] باب عصمته ﵌ من الناس
[عن عائشة ﵂ قالت]:
" كان يُحْرَسُ [أي النبي ﵌]: حتى نزلت هذه الآية: ﴿والله يعصمك من الناس﴾، فأخرج رسول الله ﵌ رأسه من القبة، فقال لهم: يا أيها الناس! انصرفوا فقد عصمني الله ".
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به]
"الصحيحة" (٥/ ٦٤٤).
[١٣٢٢] باب كان النبي ﵌ لا يكتب
عن أبي راشد الحبراني: أتيت عبد الله بن عمرو، فقلت له: حدثنا بما سمعت من رسول الله ﵌، فألقى إلي صحيفة، فقال: هذا ما كتب لي النبي ﵌، فنظرت فيها فإذا فيها: إن أبا بكر الصديق ﵁ سأل النبي ﷺ قال: يا رسول الله! علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت. فقال: «يا أبا بكر! قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءاً، أو أجره إلى مسلم».
[قال الإمام]:
(صحيح)
[ثم علق على قوله في الحديث:"هذا ما كتب لي النبي ﵌ " قائلاً]:
أي أمر بالكتابة، فإنه ﵌ كان لا يكتب، كما هو ثابت في "صحيح
стр. 3711
المؤلِّف [أي صحيح البخاري] "، ولعل المقصود أن المأمور بكتابة الصحيفة إنما هو ابن عمرو ﵄، فإنه كان يكتب كما في "الصحيح " أيضاً،
والله أعلم.
"صحيح الأدب المفرد" (ص٣٣٦).
[١٣٢٣] باب الرد على من زعم أن الشعر لم يجر على لسان نبينا ﵌ قط
عن عكرمة: سألت عائشة ﵂: هل سمعت رسول الله ﵌ يتمثل شعراً قط؟ فقالت: أحياناً إذا دخل بيته يقول: "ويأتيك بالأخبار من لم تزود"
(صحيح).
[قال الإمام]:
قوله: " ويأتيك بالأخبار من لم تزود" عجز بيت لطرفة بن العبد من معلقته المشهورة في "ديوانه" (٩٦)، و"شرح القصائد المشهورات" لابن النحاس (١/ ٩٤) وصدره: "ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً"؛ والمشهور في كتب الأدب أنه ﷺ كان يتمثل بقول طرفة: "ويأتيك من لم تزود بالأخبار"؛ لأن الشعر لم يجر قط على لسانه! هكذا زعموا، والحديث مما يرد عليهم.
"صحيح الأدب المفرد" (ص٢١٣).
[١٣٢٤] باب منه
عن شريح قال: قلت لعائشة ﵁: أكان رسول الله ﵌ يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: كان يتمثل بشيء من شعر عبد الله بن رواحة: " ويأتيك
стр. 3712
بالأخبار من لم تزود"
(صحيح).
[قال الإمام]:
لا منافاة بينه وبين آية ﴿وما علمناه الشعر﴾ ... ونحوها؛ لأنه لم يكن قصداً منه ﷺ إلى الشعر، ونظماً منه له، وإنما كان تمثلاً به، وهذا مما يجوز في حقه ﵌ على الصحيح كما قال الحافظ (١٠/ ٢٤١) واحتج بهذا الحديث.
فما جاء في بعض كتب الأدب أنه ﵌ كسر هذا البيت فقال:
" ويأتيك من لم تزود بالأخبار" بدعوى أن الشعر لم يجر على لسانه! مما لا أصل له، مع مخالفته لهذا الحديث الصحيح وغيره فتنبه.
"صحيح الأدب المفرد" (ص٢٣٢).
стр. 3713
جماع أبواب أعلام نبوته ﵌ ومعجزاته
стр. 3714
[١٣٢٥] باب من أعلام نبوته ﵌ حادثة الراهب بحيرا والرد على من أنكرها
[قال الإمام تحت عنوان]:
حادثة الراهب المسمّى "بحيرا" حقيقة لا خرافة (١):
قرأت في الأجزاء (٣٧ - ٤٠) شوال سنة ١٣٧٨ - من هذه المجلة الكريمة [أي مجلة التمدن] بحثاً من كتاب " المنتقى في تاريخ القرآن " للأستاذ عبد الرؤوف المصري تحت عنوان "خرافة الراهب بحيرا" جاء فيه:
"لم يثبت بالسند الصحيح عن الصحابة ولا عن التابعين حادثة بحيرا الراهب (نسطورس)، ولم يثبت بالصحيحين (كذا) بأن بحيرا قابل رسول الله حتى في صغره مع عمه أبي طالب في سفره إلى الشام، ولم يشر ﵌ إلى تلك الحادثة لا تصريحاً ولا تلميحاً في جميع أحاديثه وأدوار حياته، بل كانت حادثة بحيرا غفلة من بعض كتاب السيرة دسها داس لتعظيم شأن النبي في صغره ونقلها أصحاب السير من غير تمحيص " ثم قال:" .... واعتمدوا على أمشاج من الروايات لا سند لها ... ".
هذا لب ما جاء في البحث المذكور ويتلخص منه أن الحادثة لم تثبت في الصحيحين ولا في غيرهما عن أحد من الصحابة والتابعين بالسند الصحيح، وإن كل ما هنالك إنما هو أمشاج من الروايات التي لا سند لها.
стр. 3715
سند الحادثة:
كيف لا تصح هذه الحادثة وقد رواها من الصحابة أبو موسى الأشعري، ومن التابعين الأجلاء أبو مجلز لاحق بن حميد رحمه الله تعالى، ورد ذلك عنهما بإسنادين صحيحين، وهاك البيان:
أما رواية أبي موسى الأشعري فأخرجها الترمذي في "سننه" (٤/ ٤٩٦) وأبو نعيم في "دلائل النبوة " (١/ ٥٣) والحاكم في " المستدرك " (٢/ ٦١٥ - ٦١٦) وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (١/ ١٨٧ - ١٨٨/ ١) بأسانيد متعددة عن قراد أبي نوح: أنبأ يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﵌ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يتلفت، قال: فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ ، وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرّ ساجداً ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع لهم طعاماً فلما أتاهم به، وكان هو في رعية الإبل، قال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجد القوم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. الحديث بطوله. وحسنه الترمذي وإسناده جيد وقد صححه الحاكم والجزري وقواه العسقلاني والسيوطي وقد بينت صحته على طريقة أهل الحديث قريباً في "مجلة المسلمون " العدد الثامن من سنة ١٣٧٩ (ص ٣٩٣ - ٣٩٧) فليرجع إليه من شاء زيادة في التثبت.
وأما رواية أبي مجلز فأخرجها ابن سعد في " الطبقات الكبرى " قال: