المؤلِّف [أي صحيح البخاري] "، ولعل المقصود أن المأمور بكتابة الصحيفة إنما هو ابن عمرو ﵄، فإنه كان يكتب كما في "الصحيح " أيضاً،
والله أعلم.
"صحيح الأدب المفرد" (ص٣٣٦).
[١٣٢٣] باب الرد على من زعم أن الشعر لم يجر على لسان نبينا ﵌ قط
عن عكرمة: سألت عائشة ﵂: هل سمعت رسول الله ﵌ يتمثل شعراً قط؟ فقالت: أحياناً إذا دخل بيته يقول: "ويأتيك بالأخبار من لم تزود"
(صحيح).
[قال الإمام]:
قوله: " ويأتيك بالأخبار من لم تزود" عجز بيت لطرفة بن العبد من معلقته المشهورة في "ديوانه" (٩٦)، و"شرح القصائد المشهورات" لابن النحاس (١/ ٩٤) وصدره: "ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً"؛ والمشهور في كتب الأدب أنه ﷺ كان يتمثل بقول طرفة: "ويأتيك من لم تزود بالأخبار"؛ لأن الشعر لم يجر قط على لسانه! هكذا زعموا، والحديث مما يرد عليهم.
"صحيح الأدب المفرد" (ص٢١٣).
[١٣٢٤] باب منه
عن شريح قال: قلت لعائشة ﵁: أكان رسول الله ﵌ يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: كان يتمثل بشيء من شعر عبد الله بن رواحة: " ويأتيك
стр. 3712
بالأخبار من لم تزود"
(صحيح).
[قال الإمام]:
لا منافاة بينه وبين آية ﴿وما علمناه الشعر﴾ ... ونحوها؛ لأنه لم يكن قصداً منه ﷺ إلى الشعر، ونظماً منه له، وإنما كان تمثلاً به، وهذا مما يجوز في حقه ﵌ على الصحيح كما قال الحافظ (١٠/ ٢٤١) واحتج بهذا الحديث.
فما جاء في بعض كتب الأدب أنه ﵌ كسر هذا البيت فقال:
" ويأتيك من لم تزود بالأخبار" بدعوى أن الشعر لم يجر على لسانه! مما لا أصل له، مع مخالفته لهذا الحديث الصحيح وغيره فتنبه.
"صحيح الأدب المفرد" (ص٢٣٢).
стр. 3713
جماع أبواب أعلام نبوته ﵌ ومعجزاته
стр. 3714
[١٣٢٥] باب من أعلام نبوته ﵌ حادثة الراهب بحيرا والرد على من أنكرها
[قال الإمام تحت عنوان]:
حادثة الراهب المسمّى "بحيرا" حقيقة لا خرافة (١):
قرأت في الأجزاء (٣٧ - ٤٠) شوال سنة ١٣٧٨ - من هذه المجلة الكريمة [أي مجلة التمدن] بحثاً من كتاب " المنتقى في تاريخ القرآن " للأستاذ عبد الرؤوف المصري تحت عنوان "خرافة الراهب بحيرا" جاء فيه:
"لم يثبت بالسند الصحيح عن الصحابة ولا عن التابعين حادثة بحيرا الراهب (نسطورس)، ولم يثبت بالصحيحين (كذا) بأن بحيرا قابل رسول الله حتى في صغره مع عمه أبي طالب في سفره إلى الشام، ولم يشر ﵌ إلى تلك الحادثة لا تصريحاً ولا تلميحاً في جميع أحاديثه وأدوار حياته، بل كانت حادثة بحيرا غفلة من بعض كتاب السيرة دسها داس لتعظيم شأن النبي في صغره ونقلها أصحاب السير من غير تمحيص " ثم قال:" .... واعتمدوا على أمشاج من الروايات لا سند لها ... ".
هذا لب ما جاء في البحث المذكور ويتلخص منه أن الحادثة لم تثبت في الصحيحين ولا في غيرهما عن أحد من الصحابة والتابعين بالسند الصحيح، وإن كل ما هنالك إنما هو أمشاج من الروايات التي لا سند لها.
стр. 3715
سند الحادثة:
كيف لا تصح هذه الحادثة وقد رواها من الصحابة أبو موسى الأشعري، ومن التابعين الأجلاء أبو مجلز لاحق بن حميد رحمه الله تعالى، ورد ذلك عنهما بإسنادين صحيحين، وهاك البيان:
أما رواية أبي موسى الأشعري فأخرجها الترمذي في "سننه" (٤/ ٤٩٦) وأبو نعيم في "دلائل النبوة " (١/ ٥٣) والحاكم في " المستدرك " (٢/ ٦١٥ - ٦١٦) وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (١/ ١٨٧ - ١٨٨/ ١) بأسانيد متعددة عن قراد أبي نوح: أنبأ يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﵌ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يتلفت، قال: فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ ، وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرّ ساجداً ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع لهم طعاماً فلما أتاهم به، وكان هو في رعية الإبل، قال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجد القوم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. الحديث بطوله. وحسنه الترمذي وإسناده جيد وقد صححه الحاكم والجزري وقواه العسقلاني والسيوطي وقد بينت صحته على طريقة أهل الحديث قريباً في "مجلة المسلمون " العدد الثامن من سنة ١٣٧٩ (ص ٣٩٣ - ٣٩٧) فليرجع إليه من شاء زيادة في التثبت.
وأما رواية أبي مجلز فأخرجها ابن سعد في " الطبقات الكبرى " قال:
стр. 3716
(١/ ١٢٠): أخبرنا خالد بن خداش: أخبرنا معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يحدث عن أبي مجلز أن عبد المطلب أو أبا طالب - شك خالد - قال: " لما مات عبد الله عطف على محمد ﵌، قال: فكان لا يسافر سفراً إلا كان معه فيه، وإنه توجه نحو الشام فنزل منزله فأتاه فيه راهب، فقال: إن فيكم رجلاً صالحاً، فقال: إن فينا من يقرى الضيف ويفك الأسير ويفعل المعروف، أو نحواً من هذا، ثم قال: إن فيكم رجلاً صالحاً، ثم قال: أين أبو هذا الغلام؟ قال: ها أنا ذا وليه، أو قيل: هذا وليه، قال: احتفظ بهذا الغلام ولا تذهب به إلى الشام، إن اليهودَ حُسَّدٌ، وإني أخشاهم عليه، قال: ما أنت تقول ذاك ولكن الله يقول، فرده، قال: اللهم إني أستودعك محمداً، ثم إنه مات.
وهذا إسناد مرسل صحيح، فإن أبا مجلز واسمه لاحق بن حميد تابعي، ثقة، جليل، احتج به الشيخان في صحيحيهما، وبقية أصحاب الكتب الستة، وأخذ الحديث عن جماعة من الصحابة منهم: عمران بن حصين، وأم سلمة زوج النبي ﵌، وأنس، وجندب بن عبد الله، وغيرهم، ومن بينه وبين ابن سعيد كلهم عدول ثقات، احتج بهم مسلم في صحيحه.
وإذا تبين هذا يسقط بداهة قول الأستاذ في خاتمة البحث: "إن خرافة بحيرا ابتدعت في القرن الثاني والثالث الهجري، ولم يروها الثقات" فقد رواها الثقات من قبل القرن الذي زعم أن الحادثة ابتدعت فيه!
شبهات حول الحادثة وجوابها:
بعد أن أثبتنا صحة الحادثة بالحجة العلمية، لا بد لنا من الإجابة عن الشبهات التي حملت الأستاذ المصري على الطعن في الحادثة واعتبارها من الخرافات
التي راجت على أسلافنا جميعاً من كُِتاب السيرة! حتى يأخذ البحث مداه
стр. 3717
العلمي فأقول:
الشبهة الأولى: أن النبي ﷺ لم يشر إلى تلك الحادثة لا تصريحاً ولا تلويحاً.
الجواب: إنها شبهة يغني حكايتها عن ردها، إذ كل من عنده ذرة من علم بسيرة النبي ﷺ وسيرة غيره من العظماء يعلم أن أكثر هذه السيرة وردت عن أصحابهم متحدثين بما يعلمونه عنهم، فهل طعن أحد في شيء من ذلك بعد ثبوت الرواية بها، لأن النبي ﵌، لم يشر إلى ذلك أصلاً؟!
الشبهة الثانية: قول الأستاذ: "إن بحيرا الراهب كان في القرن الرابع للمسيح، وادعاء مقابلة بحيرا لمحمد ﷺ كان في أواخر القرن السادس مع أن بحيرا وجد في القرن الرابع وحادثته التاريخية مشهورة بقصها تاريخ الكنيسة نفسه ... "
وجوابنا عن هذه الشبهة من وجوه:
الأول: إن الراهب في تلك الحادثة لم يسم مطلقاً في الرواية الصحيحة التي قدمتها وبذلك تسقط الشبهة من أساسها.
الثاني: إن تسمية الراهب بـ (بحيرا) إنما جاء في بعض الروايات الواهية، في إحداها الواقدي وهو كذاب، وفي الأخرى محمد بن إسحاق صاحب السيرة رواها بدون إسناد، وهاتان الروايتان هما عمدة كل المؤرخين الذي سموه بهذا الاسم، فلا يجوز اعتبارهما ورد الرواية الصحيحة بهما كما هو ظاهر، على أن بعض مؤرخينا كالمسعودي وغيره ذكر أن اسمه جرجيس، فلا إشكال أصلاً.
الثالث: إن هذه الشبهة إنما تقوم على ادعاء الأستاذ أن الراهب بحيرا كان في القرن الرابع من الميلاد، وهي دعوى عارية عن الصحة إذ ليس لديه حجة علمية يستطيع بها إثباتها، وكل ما عنده من الحجة تاريخ الكنيسة! فيا لله العجب كيف
стр. 3718
يثق الأستاذ بهذا التاريخ هذه الثقة البالغة إلى درجة أنه يعارض به تاريخ المسلمين، وهو يعلم أن تاريخهم - مهما كان، في بعض حوادثه نظر من الوجهة الحديثية خاصة - أصح وأنقى بكثير من تاريخ الكنيسة الذي تعجز الكنيسة نفسها عن إثبات صحة كتابها المقدس الذي هو أصل دينها، فكيف تستطيع أن تثبت تاريخها الذي هو بحق "أمشاج من الروايات التي لا سند لها " كما قاله الأستاذ نفسه لكن في تاريخ المسلمين لا تاريخ الكنيسة!!
الرابع: إنني رجعت إلى دائرة المعارف الإسلامية تأليف جماعة من المستشرقين، وإلى دائرة المعارف للبستاني، وإلى "المنجد"، فلم أجدهم ذكروا ما عزاه الأستاذ المصري إلى تاريخ الكنيسة، بل ظاهر كلامهم أنهم لا يعرفون عنه شيئاً مما يتعلق بتاريخ حياته في أرض العرب، إلا مما جاء في مصادرنا الإسلامية، وخاصة ما يتعلق منه بقصة اتصاله بالنبي ﵌ حسبما تقدم تخريجه، وإن كانوا يعتبرونها "من الأساطير التي أحاطت بسيرة النبي محمد ﵌ " حسبما تقدم تخريجه، كفراً منهم واستكباراً أن يكون رسول الله ﵌ مبشراً به في الكتب السماوية السابقة، ومعروفاً عند المؤمنين بها، ولذلك علق الأستاذ الفاضل المحقق أحمد محمد شاكر على هذه الكلمة الواردة في "دائرة المعارف الإسلامية " بقوله:
"ليست هذه القصص بالأساطير، بل كثير منها ثابت بأسانيد صحيحة، وعلم أهل الكتاب بالبشارة بمحمد ﵌ في كتبهم ثابت عند المسلمين بنص القرآن الصريح، وليسوا في حاجة إلى افتعال أساطير يؤيدون بها ما أثبته الوحي المنزل من عند الله، وهو ثابت أيضاً عند المسلمين فيما قرءوه من كتب أهل الكتاب مما بقى في أيديهم من الصحيح من أقوال أنبيائهم المنقولة في كتبهم ".
стр. 3719
الخامس: لنفترض أن ما عزاه الأستاذ إلى تاريخ الكنيسة صحيح ثابت، وهو أن بحيرا الراهب كان في القرن الرابع من الميلاد، فذلك لا ينفي أن يأتي شخص آخر على شاكلته في الترهب سمي باسمه منذ ولادته على عادة النصارى وغيرهم من التسمي بأسماء الصالحين عندهم، أو لقب به بعد، لظهور شبه فيه به، هذا كله جائز ليس في العقل السليم ما ينفيه، وإذا الأمر كذلك، فبإمكان الأستاذ أن يعتقد وجود شخصين في زمنين متباينين باسم واحد (بحيرا) وبذلك يستطيع أن يوفق بين ثقته بالتاريخ الكنسي، وثقته بالتاريخ الإسلامي ولا يقع في هذه المغالطة التي كتبها بقلمه: "فكيف التقى الزمان القرن الرابع والقرن السادس، والتقى المكانان ... "!!
تلك وجوه خمسة في الجواب عن الشبهة الثانية أقواها عندنا الوجه الأول، وسائرها إنما هي بالنظر لترجيح التاريخ الإسلامي على التاريخ الكنسي، ولا حاجة بنا إليها بعد الوجه الأول، وإنما ذكرتها لبيان ما يرد على الأستاذ مما قد يكون غافلاً عنه.
الشبهة الثالثة: قول الأستاذ ما خلاصته: "إن الغرض من ذكر خرافة بحيرا الراهب، إنما هو كرد على المبشرين والمستشرقين الذين يدعون بأن هذا الدين الإسلامي من بحيرا الراهب، وكان يتردد على مكة يُعَلِّم محمداً تعاليمه".
وأقول: لا شك أن الأستاذ المصري يشكر على قصده المذكور ولكن خفي عليه أن الرد على المبشرين لا يكون برد الحقائق التاريخية، وإنكار ثبوتها، بحجة أن الكفار يستغلونها للطعن في الإسلام أو في نبيه ﵊، بل المنهج العلمي الصحيح يوحي بالاعتراف بالحادثة الثابتة، ثم الجواب عن استغلال المبشرين لها جواباً علمياً صحيحاً، ومن المؤسف جداً أن هذه الطريقة
стр. 3720
التي جرى عليها حضرة الأستاذ في الرد على المبشرين والمستشرقين، قد أخذ بها كثير من الكتاب المسلمين في العصر الحاضر، لا سيما الذين لا علم عندهم بأدلة الكتاب والسنة، فهؤلاء كلما رأوا مبشراً (١) يورد شبهة على نص إسلامي، أو يستغله للطعن في الدين، بادروا إلى التشكيك في صحته إن كان حديثاً أو سيرة، وإلى تأويل معناه إن كان لا سبيل إلى إنكاره من أصله كالقرآن، وهذا الأسلوب مع ما فيه من عدم الاعتداد بنصوص الشريعة المعصومة ومعانيها، فإنه في الوقت نفسه يدل على أن هؤلاء الكتاب قد وثقوا بعلم أولئك الكفار وفهمهم وإخلاصهم ثقة عمياء! مع أن الذي يدقق فيما كتبوه ويكتبونه من البحوث حول الشريعة الإسلامية والتاريخ الإسلامي يتجلى له بوضوح لا وضوح بعده - إلا قليلاً منهم - لا إنصاف عندهم ولا علم، وأنهم كل غرضهم من ذلك تشويه حقائق الإسلام الناصعة وإبعاد المسلمين عنه، وليس يتسع هذا المقال لضرب الأمثلة على ما نقول، ولكن حسبنا منها هذه الحادثة التي أثبتنا صحتها، فقد علمت مما سبق كيف أن جماعة من أولئك المستشرقين اعتبروها من الخرافات والأساطير، وكيف أن الأستاذ المصري انزلق معهم في ذلك مع ما فيها من الآيات البينات على التبشير بنبوته ﵌، ولذلك أنكرها أولئك الكفار، وأما أخونا المصري فإنما أنكرها متأثراً بوحي خفي من بعض المستشرقين الآخرين الذين زعموا أن الحادثة تدل أن الدين الإسلامي مستقى من بحيرا الراهب، وأنه كان يتردد إلى مكة يعلم محمداً ﵌ تعاليمه! كما نقله الأستاذ المصري عنهم، وهم بهذا الزعم يرمون إلى أحد شيئين إما إثباته في قلوب ضعفاء العلم والإيمان منا، وإما حمل من كان قوي الإيمان منا
стр. 3721
على رد الحادثة في سبيل رد هذا الزعم الباطل، وهذا مع الأسف قد حصلوا عليه من بعضهم.
ومن الغرائب حقاً أن هذا الزعم الذي هو موضوع الردّ مع أنه باطل في نفسه ولا صلة له بالحادثة مطلقاً، لأن التقاء النبي ﵌ مرة واحدة وفي ساعة أو ساعات محدودة مع الراهب في الشام شيء، وتردد الراهب إلى محمد ﵌ وفي مكة شيء آخر، وهذا التردّدُ لو وَرَدَ شيءٌ، والالتقاء شيءٌ أخرُ، ومع أن هذا الزعم لم يَخْفَ بطلانُهُ على الأستاذ المصري كما صرح به في بحثه مع ذلك كله فإنه رد الحادثة وحكم ببطلانها! وهذا تناقض عجيب، فإنه إذا كان الأستاذ جازماً ببطلان الزعم المذكور، فلماذا رد الحادثة بعلة الرد على المبشرين الأفاكين، مع أن الرد حصل عليهم كما رأيت بدون رد الحادثة، بل ألا يكفي في الرد عليهم قول الله في الرد على سلفهم من أمثالهم من المشركين الأفاكين الذين ادعوا مثل هذا الزعم في حياته؟! فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ، إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، إِنَّمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الكَاذِبُونَ﴾.
ما وراء إنكار الحادثة:
إنَّ أخشى ما أخشاه أن يكون الأستاذ المصري من أولئك الذين لا يصدقون بمعجزات النبي ﵌ غير القرآن طبعاً - هذه المعجزات التي تجاوزت المئات، وثبت قسم كبير منها بالطرق المتواترات التي لا يسع العالم بها أن ينكرها، والذي يحملني على إبداء هذه الخشية أن الأستاذ نقل فصلاً من كلام الدكتور هيكل جاء فيه: " ولقد كان ﵌ لا يرضى أن تنسب إليه معجزة غير القرآن ويصارح أصحابه
стр. 3722
بذلك " وأقره الأستاذ عليه، وأتي عليه بمثال فقال عقبه: "مثل شق الصدر وغيره".
ونحن نعلم أن حادثة شق الصدر صحيحة ثابتة في صحيح مسلم وغيره، فإذا كان الأستاذ ينكر ذلك تقليداً منه للدكتور هيكل في القول المذكور، فمعنى ذلك أن الأستاذ ينكر المعجزات كلها مهما كانت أسانيدها صحيحة وكثيرة، وحينئذ فإنكاره لحادثة التقائه ﵌ بالراهب ليس الباعث عليه الرد على المبشرين لأن الرد حصل بدون ذلك كما عرفت، وإنما هو ما قام في نفس الأستاذ من إنكار المعجزات، وبما أن هذه الحادثة تتضمن أكثر من معجزة واحدة كتظليل الغمامة له ﵌ وميل فيء الشمس عليه فلذلك أنكرها الأستاذ.
وإذا كان استنتاجنا هذا صحيحاً، فالكلام حينئذ يأخذ مع الأستاذ مجالاً آخر وهو طريقة إثبات المعجزات كحوادث وقعت أو لم تقع وما هو السبيل إلى معرفة ذلك، فهذا لا مجال للبحث فيه الآن، ولعل الأستاذ لا يحوجنا إلى الولوج فيه، وذلك بتصريحه بتخطئتنا في استنتاجنا المذكور.
ولكن لا بد لي من الإشارة إلى بطلان ما عزاه الدكتور هيكل إلى النبي ﵌ أنه كان لا يرضى أن تنسب إليه معجزة غير القرآن، فإن هذا مما لا أصل له عن النبي ﵌، بل هو من المعاني المخترعة التي أحدثها الدكتور وأمثاله من منكري المعجزات وألصقوها ببعض الآيات القرآنية زاعمين أنها المراد بها، ليضربوا بها المعجزات الثابتة بحجة أنها مخالفة لنص القرآن!!
ومجال القول في ذلك واسع جداً فأكتفي بالإشارة إليه وأجتزيء بدليل واحد يؤيد البطلان المذكور.
وهو أن النبي ﵌ كان يحدث أحياناً أصحابه ببعض معجزاته عملاً بقول الله
стр. 3723
تبارك وتعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ فكان ﵌ يقول: «إني لأعرف حجراً كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن» رواه مسلم وغيره.
فإذا كان ﵌ يحدث أصحابه بمعجزاته ثم يرويها منسوبة إلى أصحابه من بعده، فكيف يصح أن يقال: إنه كان لا يرضى أن تنسب إليه معجزة؟!
وإني قبل أن أنهي هذا البحث لا بد من أن ألفت نظر القارئ إلي أمر هام، وهو أنني حين قرأت بحث الأستاذ وما نقله عن ابن خلدون ومحمد عبده والسيد رشيد رضا والدكتور هيكل من وجوب التدقيق في روايات الحديث والسيرة إذ ليس كل ما فيها صحيحاً، تساءلت في نفسي: ترى هل دقق هؤلاء في هذه الحادثة فتبين لهم أنها خرافة كما ادعى الأستاذ المصري؟ فرجعت إلى اثنين منهم من المعاصرين وهما الدكتور هيكل في كتابه " حياة محمد" والسيد رشيد رضا في رسالته "خلاصة السيرة النبوية " فإذا بالأول يذكر هذه الحادثة (١١٢ - ١١٣) كما يذكرها كل المؤرخين، وكذلك فعل الثاني (ص١٤ - ١٥) دون أن يذكر أو يشير أدنى إشارة إلى ضعفها فضلاً عن وضعها! والحقيقة أن أحداً لم يصرح - فيما علمت - بأن حادثة بحيرا الراهب خرافة قبل الأستاذ المصري، والحمد لله لست من " أهل الطرق ولا المتطفلين من بعض من يلبسون العمائم " وقد استندنا فيما أوردنا إلى طرق العلم الصحيح، ولكن الأستاذ اتبع فيما أنكر ظنوناً وأوهاماً أدّت به - ولو مع حسن النية - إلى إنكار حقيقة تاريخية لا شك فيها هي حادثة بحيرا الراهب، فعسى أن الأستاذ المصري يعيد النظر فيما كان كتب فيها على ضوء الحجج التي أوردنا حتى نلتقي في صعيد واحد في ميدان العلم والحق.
محمد ناصر الدين الألباني
دمشق -٢٢/ ٣/١٣٧٩ هـ
"مقالات الألباني" (ص ١١٨ - ١٢٧)
стр. 3724
[١٣٢٦] باب من أعلام نبوته ﵌ تظليل الغمام له ومَيل فيء الشجرة عليه والرد على من أنكر ذلك
[قال الإمام تحت عنوان]:
حديث تظليل الغمام له أصل أصيل (١)
قرأت في العدد السادس من المجلد السادس من مجلة "المسلمون" الغراء كلمة الأستاذ الطنطاوي بعنوان "صناعة المشيخة" فَسرَّني ما فيها من الصراحة والشجاعة في محاربة الباطل الذي انطلى أمره على كثير من الناس فبارك الله فيه وزاده توفيقاً.
بيد أنني استنكرت قوله في التعليق: "وما يقوله القوالون من أنه (المظلل بالغمام) لا أصل له ".
ذلك لأن حديث تظليل الغمام للنبي ﵊ ثابت في غير ما كتاب من كتب السنة، فكيف يصح أن يقال فيه: "لا أصل له "؟ نعم لو قال: " لا يصح سنده " لكان أقرب إلى الصواب، وأبعد عن الغلو في الخطاب، وإنما قلت: " أقرب " لأن الصواب أن الحديث صحيح، وإن ضعَّفه بعضهم، لأنه لم يأت عليه بحجة مقنعة وإليكم البيان:
أخرج الترمذي (٤/ ٢٩٦ بشرح التحفة) وأبو نعيم في (دلائل النبوة ١/ ٥٣) والحاكم (٢/ ٦١٥ - ٦١٦) وابن عساكر في (التاريخ ١/ ١٨٧/١ - ١٨٨/ ١) عن قراد أبي نوح، أنبأ يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه،
стр. 3725
قال: خرج أبو طالب إلي الشام وخرج معه رسول الله ﵌ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب ... قلت: فذكر القصة وفيها «فأقبل ﵌ وعليه غمامة تظله، قال: انظروا إليه غمامة تظله! فلما دنا على القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، قال انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه» الحديث بطوله، وفي آخره «وبعث معه أبو بكر بلالاً» قلت: فهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح: أما أبو بكر بن أبي موسى فثقة بلا خلاف واحتج به الشيخان.
وأما يونس بن أبي إسحاق فاحتج به مسلم، وفيه كلام لا يسقط حديثه عن رتبة الاحتجاج به, وقد قال الذهبي فيه: "صدوق ما فيه بأس ".
وأما قراد، واسمه عبد الرحمن، فثقة أيضاً احتج به البخاري.
قلت: فتبين أن الإسناد صحيح من الوجهة الحديثية، وقد تناقضت فيه آراء العلماء ما بين مفرط ومفرِّط، فهذا الحاكم يقول فيه: "صحيح على شرط الشيخين"! وقال الجزري: «إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح أو أحدهما».
وفي الجانب الآخر قول الذهبي في تعقيبه على الحاكم: " قلت: أظنه موضوعاً، فبعضه باطل ".
فهذا الغلو من القول لا ينفق في ميدان العلم والبحث الحر، فأين الدليل على وضعه بطوله، ومن المعلوم أن الوضع إنما يحكم به إما من جهة السند، وذا منفي هنا لما علمت من ثقة رجاله، وإما من جهة متنه، وهذا مفقود أيضاً إذ غاية ما يمكن أن ينكر منه ما ذكره الذهبي في ترجمة قراد أبي نوح من " الميزان " فقال:
" أنكر ما له حديثه عن يونس بن أبي إسحاق ... ومما يدل على أنه باطل
стр. 3726
قوله: " وبعث معه أبو بكر بلالاً" وبلال لم يكن بعد خلق، وأبو بكر كان صبياً ".
وقال في "تاريخ الإسلام " (١/ ٣٩):
"تفرد به قراد، واسمه عبد الرحمن بن غزوان، ثقة احتج به البخاري والنيسابوري (١)، ورواه الناس عن قراد وحسنه الترمذي، وهو حديث منكر جداً، وأين كان أبو بكر؟! كان ابن عشر سنين فإنه أصغر من رسول الله ﵌ بسنتين ونصف، وأين كان بلال في هذا الوقت، فإن أبا بكر لم يشتره إلا بعد المبعث ولم يكن ولد بعد".
وذكر نحو هذا وأبسط منه ابن القيم في فصل له في هذا الحديث مخطوط في المكتبة الظاهرية بدمشق (عام- ٥٤٨٥/ ١٠٠ - ١٠٣).
قلت: وهذا النقد للمتن لو سلم به لم يقتض الحكم على الحديث كله بالوضع، ذلك لأن رواته ثقات كما عرفت، وحينئذ إنما يجوز أن يردَّ من حديث الثقة ما ثبت خطؤه ويبقى باقيه على الأصل وهو القبول، ويؤيده أن البزار لما روى هذا الحديث لم يسم "بلالاً" وإنما قال: "رجلاً" وعلى هذا يطيح الإشكال الذي اعتمد عليه الذهبي في إنكاره للحديث، ويدل على أن تسمية الرجل بلالاً سهو من بعض الرواة، وهذا لا بد من الاعتراف به، إذ الثقة قد يخطيء والجواد قد يكبو.
وتوسط آخرون فحسنوا الحديث كالترمذي، فإنه قال: " حديث حسن غريب".
стр. 3727
وهذا هو الحق عندي لما عرفت من سلامة إسناده من قادح، وما أشرنا إليه من الكلام في بعض رواته لا ينافي القول بحسنه لا سيما إذا علمنا مجيئه من طرق أخرى، فقد قال السيوطي في "الخصائص الكبرى" (١/ ٨٤):
"قال البيهقي: هذه القصة مشهورة عند أهل المغازي.
قلت: ولها شواهد عدة سأوردها تقضي بصحتها، إلا أن الذهبي ضعف الحديث لقوله في آخره: "وبعث معه أبو بكر بلالاً" ... وقد قال ابن حجر في "الإصابة":الحديث رجاله ثقات, وليس فيه منكَر سوى هذه اللفظة، فتحمل على أنها مدرجة فيها مقتطعة من حديث آخر وهماً من أحد رواته".
ثم ساق السيوطي الشواهد التي أشار إليها فليراجعها من شاء فإن الكلام عليها مما يطيل البحث، ولا مجال لذلك الآن.
بقي علينا أن ندفع شبهة أخرى على هذه المعجزة وقد تعلق بها الذهبي أيضاً، فإنه قال عطفاً على قوله السابق في "التاريخ":
"وأيضاً فإذا كان عليه غمامة تظله كيف يتصور أن يميل فيء الشجرة لأن ظل الغمامة تقدم فَيْءَ الشجرة التي نزل تحته".
فأقول: إنما يصح هذا الاستشكال لو كان في الحديث التصريح بأن الفيء مال مع بقاء الغمامة عليه ﵌، وليس في الحديث شيء من هذا، فمن الجائز أنه ﵌ لما جلس عند الشجرة عليه ليظله بدل الغمامة، عليه فيكون قد ظهرت له ﵌ في هذه القصة معجزتان الأولى تظليل الغمامة له، والأخرى ميل الفيء عليه، وهو ﵌ أهل لذلك ولما هو أكثر منه بأبي هو وأمي ﵌، نقول هذا وإن كنا لسنا والحمد لله من الذين ينسبون إليه ﵌ ما هب ودب مما لم يصح من المعجزات،
стр. 3728
فإن فيما صح منها ما يكفي ويشفي والحمد لله.
على أنه ينبغي أن لا ننسى أنه ليس في هذه القصة أن الغمامة كانت تظله دائماً أينما سار وأينما نزل، فإن هذا الباطل قطعاً، فهناك أحاديث كثيرة صحيحة تصرح بأنه ﵌ كان يستظل بالشجرة والخيام وغيرها، وإنما وقعت هذه المعجزة في خروجه ﵌ إلى الشام.
وخلاصة القول: إن تظليل الغمامة له ﵌ له أصل في السنة، ولكن في ثبوته ما ألممت به من الخلاف، والراجح عندي الصحة لما سبق، فمن اقتنع بذلك فبها، وإلا فحسبه التوقف وترك الجزم بالضعف؛ وأما القول بأنه لا أصل له، فلا أصل له.
محمد ناصر الدين الألباني
دمشق -١٨ ذي القعدة ١٣٧٨ هـ
"مقالات الألباني" (ص ١١٣ - ١١٧).
[١٣٢٧] باب من أعلام نبوته ﵌ شق صدره وهو صغير
سؤال: هل صحيح أن النبي ﵌ شق صدره وهو غلام صغير؟
الشيخ: صحيح.
مداخلة: صحيح؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: وهو صغير؟
الشيخ: نعم.
" الهدى والنور" (/٢٤١/ ٤٢: ٢٣: ٠٠)
стр. 3729
[١٣٢٨] باب من أعلام النبوة التنبؤ بفتح فارس والروم
[قال رسول الله ﵌]:
«كلوا من جوانبها، ودعوا ذروتها يبارك لكم فيها، ثم قال: خذوا فكلوا، فوالذي نفس محمد بيده ليفتحن عليكم أرض فارس والروم، حتى يكثر الطعام فلا يذكر اسم الله عليه».
[قال الإمام]:
والحديث علم من أعلام نبوته ﵌، فقد فتح سلفنا أرض فارس والروم وورثنا ذلك منهم، وطغى الكثيرون منا فأعرضوا عن الشريعة وآدابها التي منها ابتداء الطعام بـ " بسم الله " فنسوا هذا حتى لا تكاد تجد فيهم ذاكراً!
"الصحيحة" (١/ ٢/٧٤٩ - ٧٥٠).
[١٣٢٩] باب من أعلام النبوة التنبؤ بفتح قسطنطينية
عن أبى قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاصي وسئل أي المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابا قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﵌ نكتب، إذ سئل رسول الله ﵌: أي المدينتين تفتح أولاً أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﵌:
«مدينة هرقل تفتح أولاً. يعني قسطنطينية».
[وقال الإمام]:
(رومية) هي روما كما في " معجم البلدان " وهي عاصمة إيطاليا اليوم.
وقد تحقق الفتح الأول على يد محمد الفاتح العثماني كما هو معروف،
стр. 3730
وذلك بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي ﵌ بالفتح، وسيتحقق الفتح الثاني بإذن الله تعالى ولابد، ولتعلمن نبأه بعد حين.
ولا شك أيضاً أن تحقيق الفتح الثاني يستدعي أن تعود الخلافة الراشدة إلى الأمة المسلمة.
"الصحيحة" (١/ ١/٣٣).
[١٣٣٠] باب من معجزاته ﵌ العلمية الغيبية:
تنبئه بأن تبوك ستصير جناناً
عن معاذ بن جبل: أنهم خرجوا مع رسول الله ﵌ عام غزوة تبوك وكان رسول الله ﵌ يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء قال: فأخر الصلاة يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً ثم قال: «إنكم ستأتون غداً إن شاء الله عين تبوك، فإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي»
قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله ﵌: «هل مسستما من مائها شيئاً؟» فقالا: نعم، فسبهما، وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين بأيديهم قليلاً حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله ﵌ فيه وجهه ويديه، ثم أعادها فيها فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس ثم قال رسول الله ﵌: «يوشك يا معاذ إن طالت بك الحياة أن ترى ما هاهنا قد مليء جنانا».
[قال الإمام]: صحيح.
стр. 3731
[ثم علق قائلا]:
هذا من معجزاته ﵌ العلمية الغيبية, فقد صارت تبوك جناناً, أو كادت, فصلى الله وسلم على محمد النبي الأمي.
"صحيح موارد الظمآن" (١/ ٢٦٤).
[١٣٣١] باب منه
[قال رسول الله ﵌]:
«يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ههنا قد ملئ جناناً. يعني تبوك».
[ترجمه الإمام بقوله: من أعلام النبوة].
"الصحيحة" (٣/ ٢١٠).
[١٣٣٢] باب من أعلام النبوة التنبؤ بظهور السيارات وظهور الكاسيات العاريات
[قال رسول الله ﵌]:
«سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمهن نساؤكم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم».
[قال الإمام]:
النبي ﵌ يشير بذلك إلى هذه المركوبة التي ابتكرت في هذا العصر، ألا
стр. 3732
وهي السيارات، فإنها وثيرة وطيئة لينة كأشباه الرحال، ويؤيد ذلك أنه ﵌ سماها (بيوتاً) في حديث آخر تقدم برقم (٩٣)، لكن تبين فيما بعد أن فيه انقطاعاً. وإذن ففي الحديث معجزة علمية غيبية أخرى غير المتعلقة بالنساء الكاسيات العاريات، ألا وهي المتعلقة برجالهن الذين يركبون السيارات ينزلون على أبواب المساجد.
ولعمر الله إنها لنبوءة صادقة نشاهدها كل يوم جمعة حينما تتجمع السيارات أمام المساجد حتى ليكاد الطريق على رحبه يضيق بها، ينزل منها رجال ليحضروا صلاة الجمعة، وجمهورهم لا يصلون الصلوات الخمس، أو على الأقل لا يصلونها في المساجد، فكأنهم قنعوا من الصلوات بصلاة الجمعة، ولذلك يتكاثرون يوم الجمعة وينزلون بسياراتهم أمام المساجد فلا تظهر ثمرة الصلاة عليهم، وفي معاملتهم لأزواجهم وبناتهم، فهم بحق "نساؤهم كاسيات عاريات"! وثمة ظاهرة أخرى ينطبق عليها الحديث تمام الانطباق، ألا وهي التي نراها في تشييع الجنائز على السيارات في الآونة الأخيرة من هذا العصر،. يركبها أقوام لا خلاق لهم من الموسرين المترفين التاركين للصلاة، حتى إذا وقفت السيارة التي تحمل الجنازة وأدخلت المسجد للصلاة عليها، مكث أولئك المترفون أمام المسجد في سياراتهم، وقد ينزل عنها بعضهم ينتظرون الجنازة ليتابعوا تشييعها إلى قبرها نفاقاً اجتماعياً ومداهنةً، وليس تعبداً وتذكراً للآخرة، والله المستعان.
هذا هو الوجه في تأويل هذا الحديث عندي، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي، والله تعالى هو المسؤول أن يغفر لي خطئي وعمدي، وكل ذلك عندي.
الصحيحة" (٦/ ١/٤١١، ٤١٥ - ٤١٦)
стр. 3733
[١٣٣٣] باب من أعلام النبوة التنبؤ بانتشار الزينة
[قال رسول الله ﵌]:
«كيف أنتم إذا مرج الدين [وسفك الدمَ وظهرت الزينة، وشرف البنيان]، وظهرت الرغبة، واختلفت الإخوان، وحرق البيت العتيق؟!».
[قال الإمام]:
وهي من معجزاته ﵌ العلمية، وبخاصة منها قوله: " وظهرت الزينة "، فقد انتشرت في الأبنية والألبسة والمحلات التجارية انتشاراً غريباً، حتى في قمصان الشباب ونعالهم، بل ونعال النساء! فصلى الله على الموصوف بقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.
و (الرغبة): قال ابن الأثير: " أي قلة العفة وكثرة السؤال ".
"الصحيحة" (٦/ ١/٥٥٥ - ٥٥٦).
[١٣٣٤] باب من أعلام النبوة التنبؤ برفع العلم الشرعي
[قال رسول الله ﵌]:
«إن من أشراط الساعة أن يفيض المال، ويكثر الجهل، وتظهر الفتن، وتفشو التجارة، [ويظهر العلم]».
[قال الإمام]:
في الحديث إشارة قوية إلى اهتمام الحكومات اليوم في أغلب البلاد بتعليم الناس القراءة والكتابة، والقضاء على الأمية حتى صارت الحكومات تتباهى بذلك، فتعلن أن نسبة الأمية قد قلت عندها حتى كادت أن تمحى! فالحديث علم من أعلام نبوته ﵌، بأبي هو وأمي.
стр. 3734
ولا يخالف ذلك - كما قد يتوهم البعض - ما صح عنه ﵌ في غير ما حديث أن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل لأن المقصود به العلم الشرعي الذي به يعرف الناس ربهم ويعبدونه حق عبادته، وليس بالكتابة ومحو الأمية كما يدل على ذلك المشاهدة اليوم، فإن كثيراً من الشعوب الإسلامية فضلاً عن غيرها، لم تستفد من تعلمها القراءة والكتابة على المناهج العصرية إلا الجهل والبعد عن الشريعة الإسلامية، إلا ما قل وندر، وذلك مما لا حكم له. وإن مما يدل على ما ذكرنا قوله ﵌: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن عمرو وصدقته عائشة، وهو مخرج في " الروض النضير " (رقم ٥٧٩).
"الصحيحة" (٦/ ١/٦٣١، ٦٣٥).
[١٣٣٥] باب من أعلام النبوة
التنبؤ بظهور التعصب لغير الكتاب والسنة
[قال رسول الله ﵌]:
«من اقتراب (وفي رواية: أشراط) الساعة أن ترفع الأشرار، وتوضع الأخيار، ويفتح القول، ويخزن العمل، ويقرأ بالقوم المثناة، ليس فيهم أحد ينكرها. قيل: وما المثناة؟ قال: ما استكتب سوى كتاب الله ».
(فائدة):
هذا الحديث من أعلام نبوته ﵌، فقد تحقق كل ما فيه من الأنباء، وبخاصة منها ما يتعلق بـ (المثناة) وهي كل ما كتب سوى كتاب الله كما فسره الراوي، وما
стр. 3735
يتعلق به من الأحاديث النبوية والآثار السلفية، فكأن المقصود بـ (المثناة) الكتب المذهبية المفروضة على المقلدين، التي صرفتهم مع تطاول الزمن عن كتاب الله، وسنة رسوله ﵌ كما هو مشاهد اليوم مع الأسف من جماهير المتمذهبين، وفيهم كثير من الدكاترة والمتخرجين من كليات الشريعة، فإنهم جميعا يتدينون بالتمذهب، ويوجبونه على الناس حتى العلماء منهم، فهذا كبيرهم أبو الحسن الكرخي الحنفي يقول كلمته المشهورة: " كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ ". فقد جعلوا المذهب أصلاً، والقرآن الكريم تبعاً، فذلك هو (المثناة) دون ما شك أو ريب. وأما ما جاء في " النهاية " عقب الحديث وفيه تفسير (المثناة): " وقيل: إن المثناة هي أخبار بني إسرائيل بعد موسى ﵇ وضعوا كتابا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله، فهو (المثناة)، فكأن ابن عمرو كره الأخذ عن أهل الكتاب، وقد كان عنده كتب وقعت إليه يوم اليرموك منهم. فقال هذا لمعرفته بما فيها ".
قلت: وهذا التفسير بعيد كل البعد عن ظاهر الحديث، وأن (المثناة) من علامات اقتراب الساعة، فلا علاقة لها بما فعل اليهود قبل بعثته ﵌، فلا جرم أن ابن الأثير أشار إلى تضعيف هذا التفسير بتصديره إياه بصيغة " قيل " وأشد ضعفاً منه ما ذكره عقبه:" قال الجوهري: (المثناة) هي التي تسمى بالفارسية (دوبيتي). وهو الغناء"!
"الصحيحة" (٦/ ٢/٧٧٤ - ٧٧٦).
стр. 3736
[١٣٣٦] باب من أعلام نبوته ﵌ تنبئه بوفاته بعد عام
[قال رسول الله ﵌]:
«يا معاذ! إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، [أ] ولعلك أن تمر بمسجدي [هذا أ] وقبري».
[ترجم له الإمام بقوله: تنبؤه بوفاته بعد عام].
"الصحيحة" (٥/ ٦٦٥)
[١٣٣٧] باب من معجزاته ﵌ تنبئه بظهور السيارات
عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «يكون في آخر أمتي رجال يركبون على سرج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كان وراءكم أمة من الأمم خدمهن نساؤكم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم».
[قال الإمام]: حسن.
[ثم علق قائلا:]
الحديث معجزة علمية غيبية للنبي ﵌؛ فإنه يشير إلى السيارات الفاخرة التي يركبها أشباه الرجال الذين يأتون عليها إلى المساجد مشيعين للجنازة, فإذا أدخلت المسجد للصلاة عليها؛ ظل أولئك في سياراتهم أو واقفين بجانبها بالانتظار.
"صحيح موارد الظمآن" (٢/ ٤٧).
стр. 3737
[١٣٣٨] باب من أعلام النبوة التنبؤ بخروج الفتن من العراق
[قال رسوله الله ﵌]:
«ألا إن الفتنة ههنا، ألا إن الفتنة ههنا [قالها مرتين أو ثلاثا]، من حيث يطلع قرن الشيطان، [يشير [بيده] إلى المشرق، وفي رواية: العراق]».
[قال الإمام]:
قلت: وطرق الحديث متضافرة على أن الجهة التي أشار إليها النبي ﵌ إنما هي المشرق، وهي على التحديد العراق كما رأيت في بعض الروايات الصريحة، فالحديث علم من أعلام نبوته ﵌، فإن أول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة كبدعة التشيع والخروج ونحوها.
وقد روى البخاري (٧/ ٧٧) وأحمد (٢/ ٨٥، ١٥٣) عن ابن أبي نعم قال: " شهدت ابن عمر وسأله رجل من أهل العراق عن محِرم قتل ذباباً فقال: يا أهل العراق! تسألوني عن محرم قتل ذباباً، وقد قتلتم ابن بنت رسول الله ﵌، وقد قال رسول الله ﵌: «هما ريحانتي في الدنيا».
وإن من تلك الفتن طعن الشيعة في كبار الصحابة ﵃، كالسيدة عائشة الصديقة بنت الصديق التي نزلت براءتها من السماء ...
"الصحيحة" (٥/ ٦٥٣ - ٦٥٦).
[١٣٣٩] باب منه
عن ابن عمر مرفوعًا: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في يَمَنِنَا»، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟، قَالَ: «هُنَالِكَ الزَّلازِل .. ».
(صحيح).
стр. 3738
[قال الإمام]:
وقد تحقق ما أنبأ به ﵇ فإن كثيراً من الفتن الكبرى كان مصدرها العراق، كالقتال بين سيدنا علي ومعاوية، وبين علي والخوارج، وبين علي وعائشة، وغيرها مما هو مذكور في كتب التاريخ. فالحديث من معجزاته ﵌ وأعلام نبوته.
"تخريج أحاديث فضائل الشام" (ص ٢٧).
[١٣٤٠] باب من الطب النبوي والإعجاز العلمي:
نهيه ﵌ عن الشرب من ثلمة القدح
عن أبي سعيد قال: نهى رسول الله ﵌ عن الشرب من ثلمة القدح ...
[قال الإمام]:صحيح لغيره.
[ثم علق على كلمة "ثلمة" قائلاً]:
أي: موضع الكسر منه, وإنما نهى عنه لأنه لا يتماسك عليها فم الشارب, وربما انصب الماء على ثوبه وبدنه, وقيل: لأن موضعها لا يناله التنظيف التام إذا غسل الإناء. "النهاية".
قلت: ويمكن أن يقال اليوم: لأنه مجمع الجراثيم والمكروبات, فهو من الطب النبوي, والإعجاز العلمي؛ فصلى الله على النبي الأمي.
"صحيح موارد الظمآن" (٢/ ١٥).
стр. 3739
[١٣٤١] باب من الإعجاز النبوي الأمر بتغطية الإناء ..
[قال رسول الله ﵌]:
«غطوا الإناء وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء».
[ترجم له الإمام بقوله: ما لم يعرفه الطب الحديث].
"الصحيحة" (١/ ١/٩٣).
[١٣٤٢] باب من معجزاته ﵌ أن الجمادات تحبه وتحن إليه
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﵌ لأبي طلحة: «التمس لي غلاماً من غلمانكم يخدمني» فخرج أبو طلحة يردفني وراءه فكنت أخدم رسول الله ﵌ كلما نزل، قال: ثم أقبل حتى إذا بدا له أُحُد قال: «هذا جبل يحبنا ونحبه ... ».
(صحيح).
[قال الإمام]:
قيل [في قوله يحبنا ونحبه] على حذف مضاف؛ أي يحبنا أهله ونحب أهله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وأهله هم أهل المدينة، وقيل على حقيقته، وهو الصحيح عند أهل التحقيق؛ إذ لا يستبعد وضع المحبة في الجبال وفي الجذع اليابس، حتى إنه حن إلى النبي ﵌.والله أعلم.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٥١٦).
стр. 3740
[١٣٤٣] باب من أعلام النبوة التنصيص على أن في أحد جناحي الذباب داء وفي الآخر دواء
[قال رسول الله ﵌]:
«إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه (كله) ثم لينتزعه، فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء».
[وقال رسول الله ﵌]:
«إن أحد جناحي الذباب سم والآخر شفاء، فإذا وقع في الطعام فامقلوه، فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء».
[قال الإمام]:
كثيرا من الناس يتوهمون أن هذا الحديث يخالف ما يقرره الأطباء وهو أن الذباب يحمل بأطرافه الجراثيم، فإذا وقع في الطعام أو في الشراب علقت به تلك الجراثيم، والحقيقة أن الحديث لا يخالف الأطباء في ذلك، بل هو يؤيدهم إذ يخبر أن في أحد جناحيه داء، ولكنه يزيد عليهم فيقول: " وفي الآخر شفاء " فهذا مما لم يحيطوا بعلمه، فوجب عليهم الإيمان به إن كانوا مسلمين، وإلا فالتوقف إذا كانوا من غيرهم إن كانوا عقلاء علماء! ذلك لأن العلم الصحيح يشهد أن عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه.
نقول ذلك على افتراض أن الطب الحديث لم يشهد لهذا الحديث بالصحة، وقد اختلفت آراء الأطباء حوله، وقرأت مقالات كثيرة في مجلات مختلفة كل يؤيد ما ذهب إليه تأييداً أو رداً، ونحن بصفتنا مؤمنين بصحة الحديث وأن النبي ﵌ ﴿ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى﴾، لا يهمنا كثيراً ثبوت الحديث
стр. 3741
من وجهة نظر الطب؛ لأن الحديث برهان قائم في نفسه لا يحتاج إلى دعم خارجي ومع ذلك فإن النفس تزداد إيماناً حين ترى الحديث الصحيح يوافقه العلم الصحيح، ولذلك فلا يخلو من فائدة أن أنقل إلى القراء خلاصة محاضرة ألقاها أحد الأطباء في جمعية الهداية الإسلامية في مصر حول هذا الحديث قال: " يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقل بعضها بأطرافه، ويأكل بعضاً، فيتكون في جسمه من ذلك مادة سامة يسميها علماء الطب بـ " مبعد البيكتريا "، وهي تقتل كثيرا من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية أو يكون لها تأثير في جسم الإنسان في حال وجود مبعد البكتريا. وأن هناك خاصية في أحد جناحي الذباب، هي أنه يحول البكتريا إلى ناحيته، وعلى هذا فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب، فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم وأول واق منها هو مبعد البكتريا الذي يحمله الذباب في جوفه قريباً من أحد جناحيه، فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه، وغمس الذباب كله وطرحه كاف لقتل الجراثيم التي كانت عالقة، وكاف في إبطال عملها ".
وقد قرأت قديماً في هذه المجلة بحثاً ضافياً في هذا المعنى للطبيب الأستاذ سعيد السيوطي (مجلد العام الأول) وقرأت كلمة في مجلد العام الفائت (ص٥٠٣) كلمة للطبيبين محمود كمال ومحمد عبد المنعم حسين نقلاً عن
مجلة الأزهر.
ثم وقفت على العدد (٨٢) من " مجلة العربي " الكويتية ص ١٤٤ تحت عنوان: " أنت تسأل، ونحن نجيب " بقلم المدعو عبد الوارث كبير، جوابا له على سؤال عما لهذا الحديث من الصحة والضعف؟ فقال: " أما حديث الذباب، وما في
стр. 3742
جناحيه من داء وشفاء، فحديث ضعيف، بل هو عقلا حديث مفترى، فمن المسلم به أن الذباب يحمل من الجراثيم والأقذار ... ولم يقل أحد قط أن في جناحي الذبابة داء وفي الآخر شفاء، إلا من وضع هذا الحديث أو افتراه، ولو صح ذلك لكشف عنه العلم الحديث الذي يقطع بمضار الذباب ويحض على مكافحته".
وفي الكلام على اختصاره من الدس والجهل ما لابد من الكشف عنه دفاعاً عن حديث رسول الله ﵌، وصيانة له أن يكفر به من قد يغتر بزخرف القول! فأقول: أولاً: لقد زعم أن الحديث ضعيف، يعني من الناحية العلمية الحديثية بدليل قوله: " بل هو عقلاً حديث مفترى ".
وهذا الزعم واضح البطلان، تعرف ذلك مما سبق من تخريج الحديث من طرق ثلاث عن رسول الله ﵌، وكلها صحيحة. وحسبك دليلاً على ذلك أن أحداً من أهل العلم لم يقل بضعف الحديث كما فعل هذا الكاتب الجريء!
ثانياً: لقد زعم أنه حديث مفترى عقلاً.
وهذا الزعم ليس وضوح بطلانه بأقل من سابقه؛ لأنه مجرد دعوى لم يسق دليلاً يؤيده به سوى الجهل بالعلم الذي لا يمكن الإحاطة به، ألست تراه يقول: " ولم يقل أحد ... ، ولو صح لكشف عنه العلم الحديث ... ".
فهل العلم الحديث - أيها المسكين - قد أحاط بكل شيء علماً، أم أن أهله الذين لم يصابوا بالغرور - كما أصيب من يقلدهم منا - يقولون: إننا كلما ازددنا علما بما في الكون وأسراره، ازددنا معرفة بجهلنا! وأن الأمر بحق كما قال الله ﵎: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾.
وأما قوله: " إن العلم يقطع بمضار الذباب ويحض على مكافحته "!
стр. 3743
فمغالطة مكشوفة، لأننا نقول: إن الحديث لم يقل نقيض هذا، وإنما تحدث عن قضية أخرى لم يكن العلم يعرف معالجتها، فإذا قال الحديث: " إذا وقع الذباب .. " فلا أحد يفهم، لا من العرب ولا من العجم، اللهم إلا العجم في عقولهم وإفهامهم أن الشرع يبارك في الذباب ولا يكافحه؟
ثالثاً: قد نقلنا لك فيما سبق ما أثبته الطب اليوم، من أن الذباب يحمل في جوفه ما سموه بـ " مبعد البكتريا " القاتل للجراثيم. وهذا وإن لم يكن موافقاً لما في الحديث على وجه التفصيل، فهو في الجملة موافق لما استنكره الكاتب المشار إليه وأمثاله من اجتماع الداء والدواء في الذباب، ولا يبعد أن يأتي يوم تنجلي فيه معجزة الرسول ﵌ في ثبوت التفاصيل المشار إليها علميا، ﴿ولتعلمن نبأه، بعد حين﴾.
وإن من عجيب أمر هذا الكاتب وتناقضه، أنه في الوقت الذي ذهب فيه إلى تضعيف هذا الحديث، ذهب إلى تصحيح حديث " طهور الإناء الذي يلغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات: إحداهن بالتراب " فقال: " حديث صحيح متفق عليه " فإنه إذا كانت صحته جاءت من اتفاق العلماء أو الشيخين على صحته، فالحديث الأول أيضا صحيح عند العلماء بدون خلاف بينهم، فكيف جاز له تضعيف هذا وتصحيح ذاك؟! ثم تأويله تأويلا باطلا يؤدي إلى أن الحديث غير صحيح عنده في معناه، لأنه ذكر أن المقصود من العدد مجرد الكثرة، وأن المقصود من التراب هو استعمال مادة مع الماء من شأنها إزالة ذلك الأثر!
وهذا تأويل باطل، بين البطلان وإن كان عزاه للشيخ محمود شلتوت عفا الله عنه. فلا أدري أي خطأيه أعظم، أهو تضعيفه للحديث الأول وهو صحيح، أم
стр. 3744
تأويله للحديث الآخر وهو تأويل باطل!.
وبهذه المناسبة، فإني أنصح القراء الكرام بأن لا يثقوا بكل ما يكتب اليوم في بعض المجلات السائرة، أو الكتب الذائعة، من البحوث الإسلامية، وخصوصاً ما كان منها في علم الحديث، إلا إذا كانت بقلم من يوثق بدينه أولاً، ثم بعلمه واختصاصه فيه ثانيا، فقد غلب الغرور على كثير من كتاب العصر الحاضر، وخصوصاً من يحمل منهم لقب " الدكتور "!. فإنهم يكتبون فيما ليس من اختصاصهم، وما لا علم لهم به، وإني لأعرف واحداً من هؤلاء، أخرج حديثاً إلى الناس كتابا جله في الحديث والسيرة، وزعم فيه أنه اعتمد فيه على ما صح من الأحاديث والأخبار في كتب السنة والسيرة! ثم هو أورد فيه من الروايات والأحاديث ما تفرد به الضعفاء والمتروكون والمتهمون بالكذب من الرواة كالواقدي وغيره، بل أورد فيه حديث: «نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر»، وجزم بنسبته إلى النبي ﵌، مع أنه مما لا أصل له عنه بهذا اللفظ، كما نبه عليه حفاظ الحديث كالسخاوي وغيره، فاحذروا أيها القراء أمثال هؤلاء.
والله المستعان.
"الصحيحة" (١/ ١/٩٤ - ١٠١).
[١٣٤٤] باب جملة من أعلام نبوته ﵌ -
[قال] رسول الله ﵌:
«يا معشر المهاجرين خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي
стр. 3745
لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سُلِّط عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم».
(صحيح).
[قال الإمام]:
أليس هذا من أعلام نبوته ﵌ الدالة على صدقه، وأنه وحي من ربه؟! بلى وربي.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٣٤٣).
[١٣٤٥] باب من أعلام النبوة
[قال رسول الله ﵌]:
«إن بين يدي الساعة الهرج، قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل، إنه ليس بقتلكم المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضا (حتى يقتل الرجل جاره ويقتل أخاه ويقتل عمه ويقتل ابن عمه) قالوا: ومعنا عقولنا يومئذ؟ قال: إنه لتنزع عقول أهل ذلك الزمان، ويخلف له هباء من الناس، يحسب أكثرهم أنهم على شيء وليسوا على شيء».
[ترجمه الإمام بما ترجمناه به].
"الصحيحة" (٤/ ٢٤٨).
стр. 3746
[١٣٤٦] باب من خصوصياته ﵌
أنه يسمع ما لا يسمع الناس ويرى ما لا يروه
[قال رسول الله ﵌]:
«إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه. قال زيد: ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذا بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال».
[قال الإمام]:
وفي هذه الأحاديث فوائد كثيرة [منها]:
أن النبي ﵌ يسمع ما لا يسمع الناس، وهذا من خصوصياته ﵊، كما أنه كان يرى جبريل ويكلمه والناس لا يرونه ولا يسمعون كلامه، فقد ثبت في البخاري وغيره أنه ﵌ قال يوماً لعائشة ﵂: هذا جبريل يقرئك السلام، فقالت: وعليه السلام يا رسول الله، ترى ما لا نرى.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٩٦،٢٩٤).
[١٣٤٧] باب من خصائص نبينا ﵌
إبصاره مِن ورائه في الصلاة خاصةً
عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى رسول الله ﵌ يوماً ثم انصرف، فقال: «يا فلان ألا تحسن صلاتك؟
стр. 3747
ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي، فإنما يصلي لنفسه، إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي».
(صحيح).
[قال الإمام]:
قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: معناه أن الله تعالى خلق له ﵌ إدراكاً في قفاه يُبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة له ﵌ بأكثر من هذا، وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع، بل ورد الشرع بظاهره فوجب القول به، قال القاضي: قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وجمهور العلماء: إن هذا الرؤية رؤية بالعين حقيقية قلت: وهي خاصة به ﵌ في حالة الصلاة، ولا دليل على العموم، فتنبه.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٢٤٥).
[١٣٤٨] باب منه
[قال رسول الله ﵌]:
«أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري».
[قال الإمام]:
في الحديث ... معجزة ظاهرة للنبي ﵌، وهي رؤيته ﵌ مِنْ ورائِه، ولكن ينبغي أن يعلم أنها خاصة في حالة كونه ﵌ في الصلاة، إذ لم يرد في شيء من السنة، أنه كان يرى كذلك خارج الصلاة أيضا ً. والله أعلم.
الصحيحة" (١/ ١/٧٤،٧٠).
стр. 3748
[١٣٤٩] باب منه
عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﵌ الظهر وفي مؤخر الصفوف رجل فأساء الصلاة فلما سلم ناداه رسول الله ﵌: «يا فلان ألا تتقي الله؟ ألا ترى كيف تصلي؟ إنكم ترون أنه يخفى علي شيء مما تصنعون والله إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي».
[قال الإمام]:
يعني في الصلاة بقرينة السباق, وذلك من خصوصياته ومعجزاته ﵌.
"تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٢٥٥).
[١٣٥٠] باب منه
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«كان خطيئة داود ﵇ النظر»
(موضوع)
[قال الإمام]:
رواه الديلمي بسنده عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن الحسن عن سمرة قال: قدم على النبي ﵌ وفد عبد القيس، وفيهم غلام ظاهر الوضاءة، فأجلسه النبي ﵌ خلف ظهره وقال: فذكره. قال ابن الصلاح في " مشكل الوسيط ": لا أصل لهذا الحديث.
وقال الزركشي في " تخريج أحاديث الشرح ": هذا حديث منكر، فيه ضعفاء، ومجاهيل، وانقطاع، قال: وقد استدل على بطلانه بقوله ﵌: «إني أراكم
стр. 3749
من وراء ظهري»، كذا في " ذيل الأحاديث الموضوعة " للسيوطي (ص ١٢٢ - ١٢٣) و" تنزيه الشريعة " لابن عراق (٣٠٨/ ١ - ٢).
قلت: والاستدلال المذكور فيه نظر، لأن رؤية النبي ﵌ من خلفه إنما هي في حالة الصلاة كما تدل عليه الأحاديث الواردة في الباب، وليس هناك ما يدل على أنها مطلقة في الصلاة وخارجها، فتأمل ...
"الضعيفة" (١/ ٤٨٣ - ٤٨٥).