[١٣٤٦] باب من خصوصياته ﵌
أنه يسمع ما لا يسمع الناس ويرى ما لا يروه
[قال رسول الله ﵌]:
«إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه. قال زيد: ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذا بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال».
[قال الإمام]:
وفي هذه الأحاديث فوائد كثيرة [منها]:
أن النبي ﵌ يسمع ما لا يسمع الناس، وهذا من خصوصياته ﵊، كما أنه كان يرى جبريل ويكلمه والناس لا يرونه ولا يسمعون كلامه، فقد ثبت في البخاري وغيره أنه ﵌ قال يوماً لعائشة ﵂: هذا جبريل يقرئك السلام، فقالت: وعليه السلام يا رسول الله، ترى ما لا نرى.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٩٦،٢٩٤).
[١٣٤٧] باب من خصائص نبينا ﵌
إبصاره مِن ورائه في الصلاة خاصةً
عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى رسول الله ﵌ يوماً ثم انصرف، فقال: «يا فلان ألا تحسن صلاتك؟
стр. 3747
ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي، فإنما يصلي لنفسه، إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي».
(صحيح).
[قال الإمام]:
قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: معناه أن الله تعالى خلق له ﵌ إدراكاً في قفاه يُبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة له ﵌ بأكثر من هذا، وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع، بل ورد الشرع بظاهره فوجب القول به، قال القاضي: قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وجمهور العلماء: إن هذا الرؤية رؤية بالعين حقيقية قلت: وهي خاصة به ﵌ في حالة الصلاة، ولا دليل على العموم، فتنبه.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٢٤٥).
[١٣٤٨] باب منه
[قال رسول الله ﵌]:
«أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري».
[قال الإمام]:
في الحديث ... معجزة ظاهرة للنبي ﵌، وهي رؤيته ﵌ مِنْ ورائِه، ولكن ينبغي أن يعلم أنها خاصة في حالة كونه ﵌ في الصلاة، إذ لم يرد في شيء من السنة، أنه كان يرى كذلك خارج الصلاة أيضا ً. والله أعلم.
الصحيحة" (١/ ١/٧٤،٧٠).
стр. 3748
[١٣٤٩] باب منه
عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﵌ الظهر وفي مؤخر الصفوف رجل فأساء الصلاة فلما سلم ناداه رسول الله ﵌: «يا فلان ألا تتقي الله؟ ألا ترى كيف تصلي؟ إنكم ترون أنه يخفى علي شيء مما تصنعون والله إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي».
[قال الإمام]:
يعني في الصلاة بقرينة السباق, وذلك من خصوصياته ومعجزاته ﵌.
"تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٢٥٥).
[١٣٥٠] باب منه
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«كان خطيئة داود ﵇ النظر»
(موضوع)
[قال الإمام]:
رواه الديلمي بسنده عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن الحسن عن سمرة قال: قدم على النبي ﵌ وفد عبد القيس، وفيهم غلام ظاهر الوضاءة، فأجلسه النبي ﵌ خلف ظهره وقال: فذكره. قال ابن الصلاح في " مشكل الوسيط ": لا أصل لهذا الحديث.
وقال الزركشي في " تخريج أحاديث الشرح ": هذا حديث منكر، فيه ضعفاء، ومجاهيل، وانقطاع، قال: وقد استدل على بطلانه بقوله ﵌: «إني أراكم
стр. 3749
من وراء ظهري»، كذا في " ذيل الأحاديث الموضوعة " للسيوطي (ص ١٢٢ - ١٢٣) و" تنزيه الشريعة " لابن عراق (٣٠٨/ ١ - ٢).
قلت: والاستدلال المذكور فيه نظر، لأن رؤية النبي ﵌ من خلفه إنما هي في حالة الصلاة كما تدل عليه الأحاديث الواردة في الباب، وليس هناك ما يدل على أنها مطلقة في الصلاة وخارجها، فتأمل ...
"الضعيفة" (١/ ٤٨٣ - ٤٨٥).
стр. 3750
جماع أبواب معجزة الإسراء والمعراج
стр. 3751
[١٣٥١] باب هل ثبت في تحديد وقت إسراء النبي ﵌ شيء ؟
السائل: هل يحضركم ما هو الزمن الراجح في موعد إسراء النبي ومعراجه
الشيخ: لا يوجد ثابت.
مداخلة: لا يثبت لحد الآن حديث.
الشيخ: أبدًا
مداخلة: والحديث اللي بيقول ١٨ ربيع الأول إيش درجته؟
الشيخ: رواية معضلة.
مداخلة: معضلة يعني ضعيفة؟
الشيخ: نعم.
"الهدى والنور" (٥٩٤/ ٠٠:٥٣:٤٢)
[١٣٥٢] باب الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد
عن ابن عباس قال: أسري بالنبي ﵌ إلى بيت المقدس, ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره إلى بيت المقدس, وبعيرهم, فقال ناس: نحن لا نصدق محمداً بما يقول!! فارتدوا كفاراً فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل. الحديث.
[قال الإمام:]
إسناده حسن ... وهذا من الأدلة الكثيرة التي تبين أن الإسراء كان بالروح والجسد .. !.
"فقه السيرة" (ص ١٢٥).
стр. 3752
[١٣٥٣] باب هل الإسراء والمعراج كان في المنام أم في اليقظة ؟
سؤال: يسأل السائل فيقول: وهل الرسول ﵌ رأى ربه ، وهل الإسراء والمعراج كان في المنام أم في اليقظة؟
الشيخ: أما الإسراء المعراج فقد كان يقظةً به ﵊، هذا لا شك ولا إشكال فيه، وإن كان هناك بعض الأقوال المرجوحة تقول: إنه كان في منام أو كان بين النوم واليقظة، ولكن الصحيح الذي لا نشك فيه أبدًا أن ذلك كان يقظةً.
وهناك أشياء كثيرة وكثيرة جدًا تدل على هذا الذي نجزم به، من ذلك أن القصة هذه العجيبة الغريبة لو كانت منامًا ولم تكن يقظة لم تكن فيها معجزة حملت بعض ضعفاء الإيمان أن يرتابوا في دينهم، وحملت المشركين على الاستهزاء بالنبي ﵌، فكل هذا وهذا يؤكد أن النبي ﵌ لما أصبح وأخبر الناس بما رأى من آيات ربه الكبرى، إنما كان قد حدثهم بأنه كان ذلك يقظة، ومن هنا كان الإعجاز وكانت كرامة من جهة، وكانت الفتنة لضعفاء الإيمان والمشركين في آن واحد من جهة أخرى.
أما الشق الثاني من السؤال وهو هل رأى رسول الله ﵌ ربه فالمسألة خلافية منذ السلف الأول، والراجح أن النبي ﵌ لم ير ربه بعينه، وإنما رآه ببصيرته وقلبه، ومما يؤكد هذا أن النبي ﵌ قد سئل صراحًة: هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه؟!» فهذا نفي لأن يكون رسول الله ﵌ قد رأى ربه وأكد نفيه لذلك بقوله: أن هناك نورًا يمنع الإنسان من أن يرى ربه، وهذا أيضًا جاء في حديث آخر أن حجابه النور ولولا هذا الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ﵎ كل شيء مر به أو
стр. 3753
كما قال ﵇، وكل من الحديث الأول وهذا الآخر مخرج في صحيح الإمام مسلم (١).
فالراجح أن النبي ﵌ لم ير ربه، وهو ظاهر قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (الشورى:٥١) وبهذه الآية استدلت السيدة عائشة على رد من يقول بأن الرسول ﵊ رأى ربه بعينيه، فقد جاء في الصحيحين من رواية مسروق ﵀ أنه جاء إلى السيدة عائشة ﵂ فقال لها: يا أم المؤمنين! هل رأى محمد ربه؟ قالت: لقد قف شعري مما قلت، قال: يا أمر المؤمنين! ارحمني ولا تعجلي علي، أليس يقول الله ﵎ في كتابه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (النجم:١٣ - ١٤) قالت ﵂: أنا أعلم الناس بذلك، لقد سألت رسول الله ﵌ فقال: «رأيت جبريل في صورته التي خلق فيها مرتين وله ستمائة جناح .. » رأيت إذًا ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (النجم:١٣) قال: «رأيت جبريل في صورته التي خلق فيها مرتين وله ستمائة جناح وقد سد الأفق - بعظمته -» فإذًا: الضمير في الآية التي سأل مسروق عائشة عنها إنما يعود إلى جبريل وليس إلى الله ﵎.
ولذلك فقد تابعت السيدة عائشة ﵂ كلامها تأكيدًا لجوابها وإفادة للسائل وغيره ببعض ما في جعبتها من علم تلقته من زوجها ونبيها محمد ﵌ فقالت: ثلاث من حدثكموهن فقد أعظم على الله الفرية .. من حدثكم أن محمدًا ﵌ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ثم قالت محتجة على ما قالت: ﴿وَمَا كَانَ
стр. 3754
لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (الشورى:٥١) وقالت: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ (الأنعام:١٠٣).
ثم قالت: ومن حدثكم أن محمدًا ﵌ كان يعلم الغيب فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل:٦٥)، ثم قالت: ومن حدثكم بأن محمدًا ﵌ كتم شيئًا أمر بتبليغه فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة:٦٧).
مداخلة: ما هي الفرية؟
الشيخ: الكذب.
مداخلة: شيخنا بالنسبة لحديث الإسراء والمعراج! تفضلتم وقلتم أنه رأى ربه بقلبه، ما معنى رأى ربه بقلبه؟
الشيخ: ببصيرته يعني: وليس بعينه بالجارحة هذه، رؤية قلبية، يعني: ممكن تقول علمي لا يمكن تمثيله.
مداخلة: في نفس حديث عائشة: ومن زعم أن محمدًا كتم شيئًا أمر بتبليغه، فبمفهوم المخالفة: إذا لم يؤمر بتبليغه يجوز للرسول أن يكتم؟
الشيخ: أولًا مفهوم المخالفة لا يحتج به دائمًا وأبدًا، وثانيًا: ممكن أن يقال ما ليس له علاقة بالشريعة أنه ما حدث به ممكن أن يقال هذا؛ لأنه في الآية السابقة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة:٦٧) نعم.
"فتاوى الإمارات" (٤/ ٠٠:٠٥:٥٢)
стр. 3755
[١٣٥٤] باب من الذي دنا وصار بينه وبين نبينا ﵌
قدر قوسين ليلة الإسراء
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«أتاني جِبريلُ، فَحَمَلَنِي على جَنَاحِهِ الأيمنِ، فكنتُ مِنْ ربي كقاب قوسينِ أو أدنى وذكر الحديث»
(باطل)
[قال الإمام]:
[وهو .. ] مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على أن الذي دنا وصار بينه وبين محمد ﵌ قدر قوسين إنما هو جبريل ﵇. انظر تفسير ابن كثير لهذه الآية.
"الضعيفة" (١٢/ ١/٤٢٢ - ٤٢٣).
[١٣٥٥] باب منه
[قال الذهبي في "العلو"]:
ومن عقد أئمة السلف أن نبينا ﵌ عرج به إلى السموات العلى عند سدرة المنتهى، فكان منه قاب قوسين أو أدنى].
[قال الإمام]:
قلت: يشير إلى ما رواه سليمان بن بلال عن شريك بن عبد الله ابن أبي نمر قال: سمعت أنس بن ملك يحدث عن ليلة أسري برسول الله ﵌ .. قلت فذكر حديث الإسراء الطويل وفيه:
стр. 3756
"ودنا الجبار ﵎ فتدلي، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه ما شاء .. "
لكن هذه الجملة من جملة ما أنكر على شريك هذا مما تفرد به عن جماهير الثقات الذين رووا حديث المعراج، ولم ينسبوا الدنو والتدلي لله ﵎، بل روت عائشة وابن مسعود ﵄ ما يدل على أن قوله تعالى ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ إنما المراد به جبريل ﵊، روى مسلم (١/ ١١١) عن مسروق قال: قلت لعائشة: فأين قوله ﴿ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾؟ قالت: إنما ذاك جبريل ﵌ وانظر "الأسماء والصفات" للبيهقي (ص ٤٣٨ - ٤٤١).
وقد كان المصنف رحمه الله تعالى أورد في الأصل [أي الذهبي في "العلو" (ص ٥٠) الجملة المذكورة من حديث شريك ثم أورده بطوله " ق ٢١/ ١ - ٢ - مخطوطة"، فحذفته لما أشرت إليه من النكارة، وقال المصنف في الموضع الثاني: "هذا حديث غريب" استنكره بعض العلماء ولكنه قفز القنطرة وتقرر في "الصحيح" قلت: هذا مسلم فيما لم تظهر فيه علة قادحة، وليس كذلك هنا، فتأمل.
"مختصر العلو" (١١٧ - ١١٨)
[١٣٥٦] باب منه
[عن ابن عباس] قال: [ولقد رآه نزلة أخرى] قال: دنا [منه] ربه .
[قال الإمام:]
إسناده حسن كما قال [أي الذهبي في "العلو"]، فإنه ساقه في الأصل
стр. 3757
(ص٨٢) عن يحيى بن سعيد الأموي حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس. هكذا وقع في الأصول كلها، وفيها المخطوطة (ق١٩/ ٢)، وقد سقط من الإسناد الواسطة بين يحيى ومحمد بن عمرو، وهو سعيد بن أبان الأموي والد يحيى، فإنه أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٢٧/ ٢٦) حدثنا يحيى ابن سعيد الأموي قال: ثنا أبي قال: ثنا محمد بن عمرو ...
وهذا إسناد رجاله ثقات غير محمد بن عمرو وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي وهو مختلف فيه، والذي استقر عليه الرأي عند أهل العلم أنه حسن الحديث، وإليه أشار الحافظ بقوله في "التقريب":
"صدوق، له أوهام".
لكن قد اختلف عليه في إسناده فرواه الأموي عنه هكذا عن ابن عباس موقوفاً، ورواه الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو وقال: ثنا كثير بن حبيش عن أنس بن مالك مرفوعاً: " بينما أنا مضطجع في المسجد ... " فذكر حديث الإسراء والمعراج، وفيه:
«فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى» ... » الحديث أخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ١٣٩ـ ١٤٠) باللفظ الأول, وابن جرير (٢٧/ ٢٧ ـ ٢٨) من طريق النضر ابن شميل قال: أخبرنا محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي به.
وكثير بن حبيش - وقيل: خنيس - فيه ضعف، فإن كان محمد بن عمرو قد حفظه عنه فهو منكر لمخالفته للثابت عن رسول الله ﵌ أن الذي دنا إنما هو جبريل ﵇ كما روى ابن جرير (٢٧/ ٢٧) عن مسروق قال:
стр. 3758
«قلت لعائشة: ما قوله ﴿ثم دنا فتدلى ... ﴾ الآية؟ فقالت: "إنما ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجال، وأنه أتاه في هذه المرة في صورته، فسد أفق السماء" وسنده صحيح، وهو عند مسلم بنحوه وقد مضى قريباً. وهو معارض لحديث ابن عباس هذا الموقوف إن ثبت عنه.
"مختصر العلو" (ص١٢٠ - ١٢١).
[١٣٥٧] باب منه
السائل: سائل يقول في الله : ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (النجم:٨، ٩) ماذا تقول في الحديث الذي يقول: «فدنا الجبار ﵎» الذي يعزى للبخاري كما في تفسير ابن كثير؟
الشيخ: أقول ما قال فيه علماء الحديث: هذه الرواية هي من شواذ أحد رواة البخاري والذي هو شريك بن عبد الله وليس هو بالقاضي المعروف، فهذا جاء بهذه الزيادة في قصة الإسراء والمعراج وذكر علماء الحديث بأنه شذ، [فالمراد من قوله تعالى]: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (النجم:٩) هو جبريل ﵊ وليس هو رب العالمين ﵎.
إذاً: هذه الرواية شاذة مع وجودها في صحيح البخاري.
"الهدى والنور" (٢٢٨/ ١٩: ٢٩: ٠٠)
стр. 3759
[١٣٥٨] باب كيف رأى نبينا ﵌ موسى ﵇ يصلي ليلة الإسراء والمعراج ؟
سؤال: شيخنا الفاضل بارك الله فيك، بالنسبة للحديث الذي يقول فيه المصطفى ﵌: «رأى موسى عند الكثيب الأحمر قائماً يصلي») يعني: الحديث هذا صحيح؟
الشيخ: أي نعم.
السائل: بالنسبة قائماً يصلي كيفية القيام لا نسأل عنها؟
الشيخ: وأنت هل يجوز أن تسأل عن كيفية القيامة؟
السائل: لا بارك الله فيك.
الشيخ: فهذا القيام كالقيامة.
"الهدى والنور" (٢٩٠/ ٥٣: ٠٠:٠١)
стр. 3760
جماع أبواب
صور من الغلو في ذات النبي ﵌ -
стр. 3761
[١٣٥٩] باب كيف يكون تعظيم النبي ﵌ التعظيم المشروع
[قال الإمام]:
وتعظيم النبي ﵌ تعظيماً مشروعاً، إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه ﵌ صحيحا ثابتاً، وبذلك يجتمع الإيمان به ﵌ عبداً ورسولاً، دون إفراط ولا تفريط، فهو ﵌ بشر، بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقاً
стр. 3762
بنص الأحاديث الصحيحة، وكما يدل عليه تاريخ حياته ﵌ وسيرته، وما حباه الله تعالى به من الأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة، التي لم تكتمل في بشر اكتمالها فيه ﵌، وصدق الله العظيم، إذ خاطبه بقوله الكريم: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.
"الصحيحة" (١/ ١/١٦٧).
[١٣٦٠] باب النهي عن الغلو في تعظيمه ﵌ -
[قال رسول ﵌]:
«يا أيها الناس! لا ترفعوني فوق قدري، فإن الله اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً».
[ترجم له الامام بما ترجمناه به]
"الصحيحة" (٦/ ١/١٠٦).
стр. 3763
[١٣٦١] باب من مفاسد الغلو في تعظيم النبي ﵌
رد الأحاديث الصحيحة
[قال رسول ﵌]:
«يا أم سليم! أما تعلمين أن شرطي على ربي؟ أني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهوراً وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة».
[قال الإمام]:
اعلم أن قوله ﵌ في هذه الأحاديث: «إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر .. » إنما هو تفصيل لقول الله ﵎: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ... ﴾ الآية.
وقد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء، إلى إنكار مثل هذا الحديث بزعم تعظيم النبي ﵌ وتنزيهه عن النطق به! ولا مجال إلى مثل هذا الإنكار فإن الحديث صحيح، بل هو عندنا متواتر، فقد رواه مسلم من حديث عائشة وأم سلمة كما ذكرنا، ومن حديث أبي هريرة وجابر ﵄، وورد من حديث سلمان وأنس وسمرة وأبي الطفيل وأبي سعيد وغيرهم.
انظر " كنز العمال " (٢/ ١٢٤).
وتعظيم النبي ﵌ تعظيماً مشروعاً، إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه ﵌ صحيحاً ثابتاً، وبذلك يجتمع الإيمان به ﵌ عبداً ورسولاً، دون إفراط ولا تفريط، فهو ﵌ بشر، بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقاً بنص الأحاديث الصحيحة،. وكما يدل عليه تاريخ حياته ﵌ وسيرته، وما حباه الله تعالى به من الأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة، التي لم تكتمل في بشر اكتمالها فيه ﵌، وصدق الله العظيم، إذ خاطبه بقوله الكريم: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.
"الصحيحة" (١/ ١/١٦٦ - ١٦٧).
[١٣٦٢] باب النهي عن إطراء النبي ﵌ -
عن عمر بن الخطاب قال:
قال رسول الله: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله».
(صحيح).
[قال الأستاذ الدعاس في تحقيق «الشمائل»: الإطراء هو حسن الثناء، أي لا تبالغوا في مدحي كما بالغت النصارى في مدح سيدنا عيسى فجعلوه إلها أو ابن إله.
فتعقبه الإمام قائلاً]:
«قلت: حمل الحديث على المبالغة في مدحه ﵌ مما لا يناسب ما ترجم له المؤلف ﵀ [أي الترمذي في الشمائل]، ألا وهو تواضعه ﵌، ذلك أن المبالغة تقترن عادةً بالكذب والغلو في الدين، وذلك محرم فالنهيُ عن مثله من الأمور التي لا يظهر بها تواضعه كما لا يخفى، فيبعد أن يكون هذا هو مراد المؤلف، فلعل الأولى أن يقال: إن المراد: لا تمدحوني مطلقاً، وهو من معاني
стр. 3764
الإطراء لغة، وهو وإن كان جائزاً في الأصل، فقد ينهى عن مثله من باب سد الذريعة، كما هو معلوم من علم الأصول، فإن فتح باب المدح قد يؤدي إلى مخالفة الشرع كما هو مشاهد في الواقع، إما جهلاً، وإما علواً، ألا ترى معي إلى ما قال بعضهم في مدحه ﵌:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم
واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكمِ
كيف أوصله إلى أن قال فيه ﵌:
فإن من جودك الدنيا وضرَّتَها
ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا مدح بما هو باطل بداهة، ومثله كثير فيما يسمونه بالأناشيد الدينية، فنهيه ﵌ أمته عن مدحه بما هو جائز أصلاً خشية وقوع المادح فيما لا يجوز، لاشك أنه من تواضعه ﵌ كما يدل عليه سائر أحاديث الباب وغيرها، بخلاف حمل النهي على المدح المحرم، وهذا بين لا يخفى إن شاء الله. يؤيده قوله في آخر الحديث. «إنما أنا عبد ... » لأنه كأنه خرج مخرج الجواب عن سؤال مقدر: فماذا نقول في مدحك يا رسول الله؟ فقال: «قولوا عبد الله ورسوله». أي قولوا ما لا شك فيه شرعاً مما أنا متصف به ولا تزيدوا عليه. وأين هذا مما يصفه بعض المسلمين اليوم فيما يسمونه بالموالد وغيرها مما لم يكن معروفاً عند السلف الصالح، كقولهم: إنه نور. وإنه أول خلق الله, وأن جبريل كان خادمه ليلة الإسراء، ونحو ذلك من المماديح والأباطيل. ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾.
"مختصر الشمائل" (ص ١٧٥)
стр. 3765
[١٣٦٣] باب من وسائل الشرك: الغلو في مدح النبي ﵌ -
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«هذا أول يوم انتصف فيه العرب من العجم. يعني يوم ذي قار»
(ضعيف)
[قال الإمام]:
(تنبيه): بلغ جهل بعض الناس بالتاريخ والسيرة النبوية في هذا العصر أن أحدهم طبع منشوراً يرد فيه على صديقنا الفاضل الأستاذ علي الطنطاوي طلبه من الإذاعة أن تمتنع من إذاعة ما يسمونه بالأناشيد النبوية، لما فيها من وصف جمال النبي ﵌ بعبارات لا تليق بمقامه ﵌، بل فيها ما هو أفظع من ذلك من مثل الاستغاثة به ﵌ من دون الله ﵎، فكتب المشار إليه في نشرته ما نصه بالحرف (ص ٤): " وها هي (!) الصحابة الكرام ﵃ كانوا يستصحبون بعض نسائهم لخدمة أنفسهم في الغزوات والحروب، وكانوا يضمدون (!) الجرحى ويهيئون (!) لهم الطعام، وكانوا يوم ذي قار عند اشتداد وطيس الحرب بين الإسلام والفرس كانت النساء تهزج أهازيج وتبعث الحماس في النفوس بقولها: إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق، أو تدبروا نفارق فراق غير وامق، فانظر إلى هذا الجهل ما أبعد مداه!.
فقد جعل المعركة بين الإسلام والفرس، وإنما هي بين المشركين والفرس، ونسب النشيد المذكور لنساء المسلمين في تلك المعركة! وإنما هو لنساء المشركين في غزوة أحد! كن يحمسن المشركين على المسلمين كما هو مروي في كتب السيرة! فقد خلط بين حادثتين متباينتين، وركب منهما ما لا أصل له البتة بجهله أو
стр. 3766
تجاهله ليتخذ من ذلك دليلاً على جواز الأناشيد المزعومة، ولا دليل في ذلك - لوثبت - مطلقاً إذ أن الخلاف بين الطنطاوي ومخالفيه ليس هو مجرد مدح النبي بل إنما هو فيما يقترن بمدحه مما لا يليق شرعاً كما سبقت الإشارة إليه وغير ذلك مما لا مجال الآن لبيانه، ولكن صدق من قال: " حبك الشيء يعمي ويصم " فهؤلاء أحبوا الأناشيد النبوية، وقد يكون بعضهم مخلصاً في ذلك غير مغرِض فأعماهم ذلك عما اقترن بها من المخالفات الشرعية.
ثم إن هذا الرجل اشترك مع رجلين آخرين في تأليف رسالة ضدنا أسموها " الإصابة في نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة " حشوها بالافتراءات والجهالات التي تنبيء عن هوى وقلة دراية، فحملني ذلك على أن ألفت في الرد عليهم كتاباً أسميته " تسديد الإصابة إلى من زعم نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة " موزعاً على ست رسائل صدر منها الرسالة الأولى وهي في بيان بعض افتراءاتهم وأخطائهم، والثانية في " صلاة التراويح " والثالثة في أن " صلاة العيدين في المصلى هي السنة " ثم أصدرنا الخامسة بعنوان " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ".
"الضعيفة" (٢/ ٤٧، ٤٩ - ٥٠).
[١٣٦٤] باب اعتقاد سماع النبي ﵌ بعد موته من وسائل الشرك
[روي عن النبي ﵌]:
«من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائياً وُكِّلَ بها ملك يبلغني، وكفي بها أمر دنياه وآخرته، وكنت له شهيدا أو شفيعا».
(موضوع بهذا التمام)
стр. 3767
[قال الإمام]:
فائدة: قال الشيخ ابن تيمية عقب كلامه المتقدم على الحديث: وهو لوكان صحيحاً فإنما فيه أنه يبلغه صلاة من صلى عليه نائياً، ليس فيه أنه يسمع ذلك كما وجدته منقولاً عن هذا المعترض (يريد الأخنائي)، فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم، ولا يعرف في شيء من الحديث، وإنما يقوله بعض المتأخرين الجهال: يقولون: إنه ليلة الجمعة ويوم الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من يصلي عليه، فالقول إنه يسمع ذلك من نفس المصلين (عليه) باطل، وإنما في الأحاديث المعروفة إنه يبلغ ذلك ويعرض عليه، وكذلك السلام تبلغه إياه الملائكة.
قلت: ويؤيد بطلان قول أولئك الجهال قوله ﵌: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم تبلغني ... » الحديث وهو صحيح كما تقدم (ص ٣٦٤) فإنه صريح في أن هذه الصلاة يوم الجمعة تبلغه ولا يسمعها من المصلي عليه ﵌.
"الضعيفة" (١/ ٣٦٦،٣٦٩).
[١٣٦٥] باب هل يسمع النبي ﷺ بعد موته سلام من سلم عليه؟
وهل يلزم من رده ﷺ السلام أن يكون سمعه ؟
[قال الإمام]:
لم أجد دليلاً على سماعه ﷺ سلام من سلَّم عليه عند قبره، وحديث أبي داود: [وهو: "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇" وإسناده حسن كما بينه الشيخ في " الصحيحة " (٢٢٦٦)] ليس صريحاً في ذلك.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١١٣).
стр. 3768
[١٣٦٦] باب هل النبي ﵌ حي في قبره؟ وهل يسمع بعد موته ؟
سؤال: حديث بقول فيما معناه: ما من عبد يصلي عليَّ يوم الجمعة إلا رد الله علي روحي.
الشيخ: ما فيش يوم الجمعة «ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي فأرد ﵇».
السائل: نعم فبعض الصوفيين استدل عليه بأن الرسول الصلاة والسلام ما مات بل حي في القبر ويستدلوا بهذا الحديث.
الشيخ: وأيش معنى يرد علي روحي, ما مات, أنت روحك هلا في نفسك ولا مردودة إليك, هذا كلام صوفي ويكفي أنه كلاماً صوفياً؛ لأنه خالف حديث الرسول ﵇ ولذلك أقول هدول الصوفية لبالغ جهلهم ينكرون النصوص القاطعة بشبهات ما أنزل الله بها من سلطان ربنا يقول في صريح القرآن ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ فإذاً هو كسائر البشر ميت, كما هم أيش؟ ميتون, إيش معنى ميت؟ أي: ستموت, أي: ستصبح ميتاً, وكذلك الناس جميعا. ً أينكرون هذه الحقائق بشبهات مثل هذه الشبه التي ذكرتها عن الحديث, الحديث يعني أن النبي ﵌ يعني مات, وكل حي فإنما سبيله الموت, ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام، ولذلك لما قال ﵇ في الحديث الآخر الصحيح: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة, فإن صلاتكم تبلغني» , قالوا: «كيف ذاك وقد أَرَمْتَ» , ماذا فهم الصحابة من قوله ﵇ هذا؟ فهموا أنه ميت, ولذلك استغربوا كيف تبلغه صلاته وقد أَرِمَ؟ أي: فني, أي: صار رميماً, ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم﴾ فالصحابة كانوا يتلقوا عن الرسول ﵇ هذه الحقيقة التي لا مناص لأحدٍ من البشر إلا وأن يقع فيها وهي ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ كانوا عرفوا هذه
стр. 3769
الحقيقة, ولذلك لما جاءهم الرسول ﵇ بشيء ما كانوا يعرفونه من قبل: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم تبلغني» قالوا كيف ذاك وقد أرمت أي فنيت, طبعاً مت وأكثر من مت أي فنيت وصرت رميماً, قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» فأجساد الأنبياء كل الأنبياء لا تصبح رميماً كأجساد الآخرين, ولذلك فرسول الله ﵌ جسده في قبره كما هو من قبل, هذه معجزة هذه كرامه من الله لنبيه ﵇, بل ولِسائر الأنبياء الكرام, ولكن الله كرم نبيه ﵇ بكرامةٍ أخرى لا يشاركه أحد من الأنبياء وهي قوله ﵇: «فإن صلاتكم تبلغني» قالوا: كيف ذاك وقد أرمت, قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» ,أي: أنا كسائر الأنبياء جسدي في القبر حي طري, ولكن اصطفاني ربي بخصلة أخرى أنه كلما سلم علي مسلمون رد الله إلي روحي فأرد ﵇, وهذا الحديث وهو ثابت فيه دلاله على أن الرسول ﵇ خلاف ما يتوهم كثير من العامة, بل وفيهم بعض الخاصة وهي أن النبي ﵌ لا يسمع سلام المسلمين عليه, وإنما كما جاء في الحديث الصحيح: «إن لله ملائكة سياحين, يبلغوني عن أمتي السلام» , إن لله ملائكة سياحين: يعني طوافين على المسلمين, فكلما سمعوا مسلماً يصلي على النبي ﵌ بلغوه بذلك وهو لا يسمع؛ لأن الميت لا يسمع, انفصل عن هذه الحياة الدنيا ومتعلقاتها كلها, ولكن الله اصطفى نبيه ﵇ فيما ذكرنا من الحياة ومن تمكينه بإعادة روحه إلى جسده, ورد السلام على المسلمين عليه, ومن ذلك أيضاً أن هناك ملائكةً يبلغونه السلام فكلما سلموا عليه من فلان، رد ﵈.
" الهدى والنور" (٢٦٨/ ٠٨: ٢٢: ٠٠)
стр. 3770
[١٣٦٧] باب هل روح النبي ﵌ تستقر في جسده بعد موته ؟
[قال رسول الله ﵌]:
«ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحا حتى ترد إليه روحه، ومررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم في قبره بين عائلة وعويلة»
(موضوع)
[قال الإمام]:
وأنا أرى أن هذا الحديث يعارض قوله ﵌: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇». رواه أبو داود (١/ ٣١٩) والبيهقي (٥/ ٢٤٥) وأحمد (٢/ ٥٢٧) بإسناد حسن عن أبي هريرة، وهو مخرج في الكتاب الآخر " الصحيحة " (٢٢٦٦).
ووجه التعارض أنه يدل على أن روحه ﵌ ليست مستقرة في جسده الشريف، بل هي ترد إليه ليرد سلام المسلمين عليه ﵌، بينما هذا الحديث الموضوع يقرر صراحة أن روح كل نبي ترد إليه بعد أربعين صباحاً من وفاته، فلو صح هذا فكيف ترد روحه ﵌ إلى جسده ليرد السلام، هذا أمر غير معقول، بل هو ظاهر التناقض، فلابد من رد أحدهما، وليس هو إلا هذا الحديث المنكر حتى يسلم الحديث القوي من المعارض، فتأمل هذا فإنه مما ألهمت به، لا أذكر أني رأيته لأحد قبلي، فإن كان صوابا فمن الله، وإلا فمن نفسي.
"الضعيفة" (١/ ٣٦٠، ٣٦٢ - ٣٦٣).
стр. 3771
[١٣٦٨] باب من صور الغلو في ذات النبي ﵌ إنكار كون أبواه في النار
[قال رسول ﵌]:
«إن أبي وأباك في النار»
[قال الإمام]:
والحديث أخرجه الجورقاني في " الأباطيل والمناكير " (١/ ٢٣٥) من طريق أخرى عن داود بن أبي هند في جملة أحاديث أخرى تدل كلها - كهذا - على أن من مات في الجاهلية مشركاً فهو في النار، وليس من أهل الفترة كما يظن كثير من الناس، وبخاصة الشيعة منهم، ومن تأثر بهم من السنة! ومن تلك الأحاديث، ما رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفى دعاه، فقال: فذكر حديث الترجمة حرفا بحرف.
أخرجه مسلم (١/ ١٣٢ - ١٣٣) وأبو عوانة (١/ ٩٩) وأبو داود (٤٧١٨) والجورقاني (١/ ٢٣٣) وصححه، وأحمد (٣/ ٢٦٨) وأبو يعلى (٦/ ٢٢٩/ ٣٥١٦) وابن حبان (٥٧٨ - الإحسان) والبيهقي (٧/ ١٩٠) من طرق عن حماد بن سلمة به. ومنها سعد بن أبي وقاص المتقدم في المجلد الأول برقم (١٨) بلفظ: ِ «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار». فراجع سببه هناك، فإنه بمعنى حديث الترجمة لمن تأمله.
وإن مما يتصل بهذا الموضوع قوله ﵌ لما زار قبر أمه: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها، فأذن لي .. » الحديث.
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص ١٨٧ - ١٨٨) من
стр. 3772
حديث أبي هريرة وبريدة، فليراجعهما من شاء.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرنا خير كبير وبركة.
واعلم أيها الأخ المسلم أن بعض الناس اليوم وقبل اليوم لا استعداد عندهم لقبول هذه الأحاديث الصحيحة، وتبني ما فيها من الحكم بالكفر على والدي الرسول ﵌، بل إن فيهم من يظن أنه من الدعاة إلى الإسلام ليستنكر أشد الاستنكار التعرض لذكر هذه الأحاديث ودلالتها الصريحة! وفي اعتقادي أن هذا الاستنكار إنما ينصب منهم على النبي ﵌ الذي قالها إن صدقوا بها، وهذا - كما هو ظاهر - كفر بواح، أو على الأقل: على الأئمة الذين رووها وصححوها، وهذا فسق أو كفر صراح، لأنه يلزم منه تشكيك المسلمين بدينهم، لأنه لا طريق لهم إلى معرفته والإيمان به، إلا من طريق نبيهم ﵌ كما لا يخفى على كل مسلم بصير بدينه، فإذا لم يصدقوا بها لعدم موافقتها لعواطفهم وأذواقهم وأهوائهم - والناس في ذلك مختلفون أشد الاختلاف - كان في ذلك فتح باب عظيم جدا لرد الأحاديث الصحيحة، وهذا أمر مشاهد اليوم من كثير من الكتاب الذين ابتلي المسلمون بكتاباتهم كالغزالي والهويدي وبليق وابن عبد المنان وأمثالهم ممن لا ميزان عندهم لتصحيح الأحاديث وتضعيفها إلا أهواؤهم!
واعلم أيها المسلم - المشفق على دينه أن يهدم بأقلام بعض المنتسبين إليه - أن هذه الأحاديث ونحوها مما فيه الإخبار بكفر أشخاص أو إيمانهم، إنما هو من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها وتلقيها بالقبول، لقوله تعالى: ﴿ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب﴾ (البقرة:١ - ٣) وقوله: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم .. ﴾ (الأحزاب: ٣٦)، فالإعراض عنها وعدم الإيمان بها يلزم منه أحد أمرين لا ثالث لهما
стр. 3773
- وأحلاهما مر -: إما تكذيب النبي ﵌، وإما تكذيب رواتها الثقات كما تقدم، وأنا حين أكتب هذا أعلم أن بعض الذين ينكرون هذه الأحاديث أو يتأولونها تأويلاً باطلاً كما فعل السيوطي - عفا الله عنا وعنه - في بعض رسائله، إنما يحملهم على ذلك غلوهم في تعظيم النبي ﵌، وحبهم إياه، فينكرون أن يكون أبواه ﵌ كما أخبر هو نفسه عنهما، فكأنهم أشفق عليهما منه ﵌!!
وقد لا يتورع بعضهم أن يركن في ذلك إلى الحديث المشهور على ألسنة بعض الناس الذي فيه أن النبي ﵌ أحيا الله له أمه، وفي رواية: أبويه، وهو حديث موضوع باطل عند أهل العلم كالدارقطني والجورقاني، وابن عساكر والذهبي والعسقلاني، وغيرهم كما هو مبين في موضعه، وراجع له إن شئت كتاب " الأباطيل والمناكير " للجورقاني بتعليق الدكتور عبد الرحمن الفريوائي (١/ ٢٢٢ - ٢٢٩) وقال ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٢٨٤): " هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم، عديم العلم، إذ لو كان له عِلم لَعَلِمَ أن من مات كافراً لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن عند المعاينة، ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فيمت وهو كافر﴾، وقوله ﵌ في "الصحيح": «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي».
ولقد أحسن القول في هؤلاء بعبارة ناصعة وجيزة الشيخ عبد الرحمن اليماني ﵀ في تعليقه على " الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة " للإمام الشوكاني، فقال (ص ٣٢٢): " كثيراً ما تجمح المحبة ببعض الناس، فيتخطى الحجة ويحاربها، ومن وفق علم أن ذلك مناف للمحبة الشرعية، والله المستعان ".
قلت: وممن جمحت به المحبة السيوطي عفا الله عنه، فإنه مال إلى تصحيح حديث الإحياء الباطل عند كبار العلماء كما تقدم، وحاول في كتابه " اللآلىء "
стр. 3774
(١/ ٢٦٥ - ٢٦٨) التوفيق بينه وبين حديث الاستئذان وما في معناه، بأنه منسوخ، وهو يعلم من علم الأصول أن النسخ لا يقع في الأخبار وإنما في الأحكام! وذلك أنه لا يعقل أن يخبر الصادق المصدوق عن شخص أنه في النار ثم ينسخ ذلك بقوله: إنه في الجنة! كما هو ظاهر معروف لدى العلماء.
ومن جموحه في ذلك أنه أعرض عن ذكر حديث مسلم عن أنس المطابق لحديث الترجمة إعراضاً مطلقاً، ولم يشر إليه أدنى إشارة، بل إنه قد اشتط به القلم وغلا، فحكم عليه بالضعف متعلقا بكلام بعضهم في رواية حماد بن سلمة! وهو يعلم أنه من أئمة المسلمين وثقاتهم، وأن روايته عن ثابت صحيحة، بل قال ابن المديني وأحمد وغيرهما: أثبت أصحاب ثابت حماد، ثم سليمان، ثم حماد بن زيد، وهي صحاح.
وتضعيفه المذكور كنت قرأته قديماً جدا في رسالة له في حديث الإحياء - طبع الهند - ولا تطولها يدي الآن لأنقل كلامه، وأتتبع عواره، فليراجعها من شاء التثبت. ولقد كان من آثار تضعيفه إياه أنني لاحظت أنه أعرض عن ذكره أيضا في شيء من كتبه الجامعة لكل ما هب ودب، مثل " الجامع الصغير " و" زيادته" و"الجامع الكبير "! ولذلك خلا منه " كنز العمال " والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وتأمل الفرق بينه وبين الحافظ البيهقي الذي قدم الإيمان والتصديق على العاطفة والهوى، فإنه لما ذكر حديث: «خرجت من نكاح غير سفاح»، قال عقبه: " وأبواه كانا مشركين، بدليل ما أخبرنا .. "، ثم ساق حديث أنس هذا وحديث أبي هريرة المتقدم في زيارة قبر أمه ﵌.
"الصحيحة" (٦/ ١/١٧٧ - ١٨٢).
стр. 3775
[١٣٦٩] باب من صور الغلو في ذات النبي ﵌
ادعاء إحياء أمه بعد موتها وإيمانها به وبيان وضع القصة في ذلك
[تكلم الإمام على أن السيوطي ﵀ قد ملأ كتابه "الخصائص الكبرى" بالأحاديث الضعيفة والموضوعة ثم بدأ بضرب أمثلة على ذلك فقال]:
قصة إحياء أم النبي ﵌ وإيمانها به (ج٢ ص ٢٨٠) , وهي قصة موضوعة باطلة عند المحققين من العلماء كابن الجوزي وابن تيمية وغيرهم.
ومما يبطلها قوله ﵌ لمن سأله عن أبيه فقال له: "إن أبي وأباك في النار". رواه مسلم وغيره, وهو حديث صحيح, رغم تعنت السيوطي الذي أعله في بعض رسائله بما لا يقدح, ولا سيما وله بعض الشواهد التي تكشف أنه ليس من الممكن تضعيفه لولا الهوى, ولذلك لما غلب ذلك عليه لم يورده في "الجامع الصغير" ولا في "الزيادة عليه" نسأل الله السلامة.
وما أحسن ما قاله الشيخ عبد الرحمن اليماني ﵀ تعليقًا له على هذا الحديث, وقد أورده الشوكاني في (الأحاديث الموضوعة) (ص٣٢٢) (١):
"كثيراً ما تجمح المحبة ببعض الناس فيتخطى الحجة ويحاربها, ومن وفق علم أن ذلك منافٍ للمحبة المشروعة والله المستعان"
"تحقيق بداية السول" (ص١٦ - ١٧).
стр. 3776
[١٣٧٠] باب من صور الغلو في النبي ﵌: اعتقاد أنه خُلِقَ قبل الذوات
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«كنت نبياً وآدم بين الماء والطين»
(موضوع)
ومثله:
«كنت نبياً ولا آدم ولا ماء ولا طين»
(موضوع)
[قال الإمام]:
ذكر هذا والذي قبله السيوطي في ذيل " الأحاديث الموضوعة " (ص ٢٠٣) نقلاً عن ابن تيمية، وأقره، وقد قال ابن تيمية في رده على البكري (ص ٩): لا أصل له، لا من نقل ولا من عقل، فإن أحداً من المحدثين لم يذكره، ومعناه باطل، فإن آدم ﵇ لم يكن بين الماء والطين قط، فإن الطين ماء وتراب، وإنما كان بين الروح والجسد.
ثم هؤلاء الضلال يتوهمون أن النبي ﵌ كان حينئذ موجوداً، وأن ذاته خلقت قبل الذوات، ويستشهدون على ذلك بأحاديث مفتراة، مثل حديث فيه أنه كان نوراً حول العرش، فقال: يا جبريل أنا كنت ذلك النور.
ويدعي أحدهم أن النبي ﵌ كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه به جبريل.
ويشير بقوله: " وإنما كان بين الروح والجسد " إلى أن هذا هو الصحيح في هذا
стр. 3777
الحديث ولفظه:" كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد " وهو صحيح الإسناد كما بينته في " الصحيحة " (١٨٥٦).
"الضعيفة" (١/ ٤٧٣ - ٤٧٤).
[١٣٧١] باب هل النبي ﵌ أول خلق الله
[قال الإمام]:
[قال] .. ﵌: «كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد». رواه أحمد في " السنة " (ص ١١١) عن ميسرة الفجر.
وسنده صحيح، ولكن لا دلالة فيه على أن النبي ﵌ أول خلق الله تعالى، خلافاً لما يظن البعض. وهذا ظاهر بأدنى تأمل.
"الضعيفة" (٢/ ١١٥).
[١٣٧٢] باب هل خلق النبي ﷺ من نور؟ وهل هو أول الخلق ؟
[تكلم الإمام على بعض أخطاء الشيخ الشعراوي-﵀ العقدية إلى أن قال]:
من عقائده يقول: أن محمد ﵇ هو رسول ... كما قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران:١٤٤) إلى آخر الآية، يقولون ويمكن هذا سمعته: محمد خلق من نور الله، سمعت هذا الشيء أو لا؟
في سوريا موجود، وفي الأردن موجود يقول: "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر"، ما سمعت هذا الحديث عندك؟
стр. 3778
مداخلة: هذا سمعته من الشعراوي.
الشيخ: هه، أتت ... يقولون: - على رجليها -، رأيت؟! وهذا من أبطل الباطل، كيف خلق الله محمدًا من نوره، وأول ما خلق الله القلم والحديث صحيح كما ذكرته آنفًا: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة» بعد ذلك نحن نعرف ... الرسول أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وهكذا، وبعد ذلك ينقطع السند أو النسب، لكن هو على كل حال جده الأول من هو؟ آدم ﵊؛ لأنه كلكم كما قال ﵇ في الحديث الصحيح: «كلكم من آدم وآدم من تراب» كيف إذًا محمد وبينه وبين آدم الله كم جد، ثم هو قبل هؤلاء خلق من نور، هذه تريد إيمان .. تريد مخ كبير لا وجود له في هذا الكون، أنه يؤمن بمثل هذه الخرافات أما عامة المسلمين وبعض الخاصة منهم وأنت شاهد ومنهم الشيخ الشعراوي يؤمن بهذه الخرافة.
هذا حديث لا هو في البخاري ولا في مسلم ولا في السنن الأربعة ولا الأربعين ولا الأربعمائة لا أصل لهذا الحديث إطلاقًا إلا إذا صح التعبير في أمخاخ المخرفين، هذا له وجود هناك فقط، ما هو الإسلام؟
الإسلام قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه
إلى آخر ما قال ابن القيم ﵀.
"حلة النور" (٤٠أ/٠٠:٠٠:٠٠).
[١٣٧٣] باب هل الرسول ﵌ نور ؟
[قال الإمام]:
[رَدَدْنَا] قول من قال: بأن الرسول ﵇ نور، وأبطلنا هذا القول بقوله
стр. 3779
تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (الكهف:١١٠) فهو ﵇ كالبشر تماماً، خلق كما خلق البشر، يعني: حملت فيه أمه كما تحمل كل الأمهات تسعة أشهر، ووضعته كما تضع كل أم ولدها، سوى أنها رأت في المنام أنها خرج منها نور أضاءت لها الشام، أو بصرى الشام، هذا صحيح كرؤيا كمنام، فعليه الصلاة والسلام كان كما تعلمون يأكل ويشرب ويمرض، ويجرح و .. و .. إلى آخره، فهو بشر لا يختلف عنهم إطلاقاً إلا بما اصطفاه الله من الوحي والنبوة والرسالة.
"الهدى والنور" (/٣٢٢/ ٢٩: ٠١: ٠٠).
[١٣٧٤] باب هل خلق النبي ﵌ من النور؟
وهل النور المحمدي أول خلق الله ؟
[قال رسول الله ﵌]:
«إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم وأمره أن يكتب كل شيء يكون».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به، ثم قال]:
في الحديث إشارة إلى رد ما يتناقله الناس حتى صار ذلك عقيدة راسخة في قلوب كثير منهم وهو أن النور المحمدي هو أول ما خلق الله ﵎، وليس لذلك أساس من الصحة، وحديث عبد الرزاق غير معروف إسناده، ولعلنا نفرده بالكلام في " الأحاديث الضعيفة " إن شاء الله تعالى.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٥٧ - ٢٥٨).
стр. 3780
[١٣٧٥] باب منه
[قال رسول الله ﵌]:
«خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من نار السموم وخلق آدم ﵇ مما قد وصف لكم».
[قال الإمام]:
قلت: وفيه إشارة إلى بطلان الحديث المشهور على ألسنة الناس: " أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر "، ونحوه من الأحاديث التي تقول بأنه ﵌ خلق من نور، فإن هذا الحديث دليل واضح على أن الملائكة فقط هم الذين خلقوا من نور، دون آدم وبنيه، فتنبه ولا تكن من الغافلين.
"الصحيحة"١/ ٢/٨٢٠).
[١٣٧٦] باب هل إضاءة النبي ﵌ كل شيء في المدينة لما دخلها إضاءة مادية أو معنوية ؟
سؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عندنا الله يسلمك! أتانا شيخ من قريب اسمه عبد الرحيم الطحان، وكانت له محاضرة عنوانها: تعظيم أنبياء الله ومن بعض ما قاله في نفس المحاضرة قوله: ليتنا كنا نساء وحظينا بريق الحسن، من يحظ بالحسن .. ليلة لو نظرَ، وقوله: ووالله لو أدركنا الحسين لمسحنا نعليه بلحانا وفي ذلك شرف لنا وفخر.
وقوله: ثبت عن أنس بإسناد صحيح: إن النبي ﵊ عندما دخل المدينة أضاء فيها كل شيء لما تنورت بالنبي ﵌ وأشرقت.
стр. 3781
وقوله: ينقل الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الحادي عشر صفحة (٢١١) عن بعض طلبة العلم أنه قال: نظرة إلى الإمام أحمد تعدل عبادة سنة وأكثر، علق الإمام الذهبي على هذه الجملة بقوله: هذا غلو لا ينبغي، وقال: والله ليس بغلو وإنه مما ينبغي.
وقال ... : كان جعفر الصادق يقول: إذا وجدت في قلبي فتور وقسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع فاجتهدت أسبوع، وقال: النظر إلى أئمتنا يستشفى به .. يتداوى به .. يذكر بالله، ويقولون: من لم ينفعك لحظه لم ينفعك لفظه ووعظه.
وقوله: ذكر أحمد في مجالس الذكر عندما نذكره ذكرنا الله ..
وقوله: نظرة إلى وجه النبي ﵌ تعدل عبادة آلاف السنين، والنظرة إلى الصحابة الطيبين تعدل عبادة آلاف السنين.
قابل هذا الشيخ بعض الشيوخ يقول: واسمه الشيخ عبد الرحمن زيد العابدين، ويقول: قابلته وقلت له: ووالله ما رأيته إلا قبلت يده، وكان يقول، أي: الشيخ عبد الرحمن زين - يقول للشيخ عبد الرحيم: من مقاصدي إذا ذهبت لأحج رؤية الإمام الشنقيطي، وهذا الشيخ يا شيخنا! معروف على مستوى في دولتنا قطر، وكل طلبة العلم يحضرون له، فما رأيكم وما الرد على هذا؟
الشيخ: بارك الله فيك، ما كان ينبغي أن تطيل علينا بسردك لمثل هذا الهراء، فانتبه لما سأقول: باستثناء حديث أنس الذي حكيته عن الطحان أقول: أولاً: حديث أنس هو فعلاً حديث صحيح ولكن الإضاءة هي إضاءة معنوية يعني: هو كناية عن انتشار نور الإسلام، وإلا فالمدينة كما تعلم إذا أطفئت الأنوار اليوم فسنراها مظلمة كما كان الشأن في عهد الرسول ﵇، وقد جاء في الحديث
стр. 3782
الصحيح أن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها استيقظت ليلة قالت: ولم تكن المصابيح يومئذٍ، لم تجد نبيها بجانبها فأخذت تبحث عنه والليل ظلام فوقعت يدها على النبي ﵌ وهو ساجد في صلاته وقدماه منصوبتان وهو يقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك» فالرسول ﵌ بلا شك نور هدى الله به العرب ثم العجم بسبب الهدى والنور الذي أنزله الله ﵎ على قلب الرسول، فلم تكن إضاءة المدينة المذكورة في حديث أنس هي إضاءة مادية وإلا كانت السيدة عائشة ترى نبيها ﵌ وهو يصلي في الغرفة .. في البيت، لكنها صرحت بأنها لم تره لم؟ لأنه لم تكن عندهم المصابيح يومئذٍ فأقول: باستثناء حديث أنس من ذاك الهراء، فحديث أنس صحيح ومعناه ليس كما يفسره الرجل.
أقول بعد تكريري لهذا الاستثناء: الكلام الذي حكيته عنه كله هراء ويجب أن يطحن من الطحانين طحناً.
سمعت الجواب؟
مداخلة: ماذا تنصحون طلبة العلم جزاكم الله خيراً؟
الشيخ: أنصحهم ألا يحضروا للرجل درساً؛ لأنه صوفي مبتدع ويتستر بالسنة وهو جاهل بها، والسلام عليكم ورحمة الله.
مداخلة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
مداخلة: هذا عبد الرحيم ما كان يُصْدِرُ هذا في السعودية.
الشيخ: ما كان نعم، هؤلاء يا أخي مصلحية هؤلاء.
"الهدى والنور" (٨٠١/ ٠٨: ٢٠: ٠٠)
стр. 3783
[١٣٧٧] باب ما هو المقام المحمود
لنبينا ﵌ وهل هو جلوسه على العرش ؟
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«يجلسني أي الله تعالى على العرش».
(باطل)
[قال الإمام]:
ذكره الذهبي في " العلو" (٥٥ طبع الأنصار) من طريقين عن أحمد بن يونس عن سلمة الأحمر عن أشعث بن طليق عن عبد الله بن مسعود قال: بينا أنا عند رسول الله ﵌ أقرأ عليه حتى بلغت ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ قال: فذكره ومما يدل على [بطلانه .. ] أنه ثبت في " الصحاح " أن المقام المحمود هو الشفاعة العامة الخاصة بنبينا ﵌.
"الضعيفة" (٢/ ٢٥٥).
[١٣٧٨] باب منه
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾؛ قال: يُجْلِسُني معه على السريرِ».
(باطل).
[قال الإمام]:
هذا حديث باطل مخالف لأحاديث جمع من الصحابة بعضها في "البخاري" (٤٧١٨): أن المقام المحمود هو شفاعته ﵌ الكبرى يوم القيامة. وراجع إن
стр. 3784
شئت "ظلال الجنة" (٢/ ٧٨٤ و٧٨٥ و٧٨٩ و٨٠٤ و٨١٣)، و"الصحيحة" (٢٣٦٩ و٢٣٧٠)، و "الدر المنثور" (٤/ ١٩٧).
"الضعيفة" (١٣/ ٢/١٠٤٣ - ١٠٤٤).
[١٣٧٩] باب ما أُثْبِتَ للنبي ﵌ ولا يصح
[قال الإمام]:
والناس في هذه المسألة [أي مسألة إثبات خصوصيات النبي ﵌] على طرفي نقيض، فمنهم من ينكر كثيراً من خصوصياته الثابتة بالأسانيد الصحيحة، إما لأنها غير متواترة بزعمه، وإما لأنها غير معقولة لديه! ومنهم من يثبت له ﵇ ما لم يثبت مثل قولهم: إنه أول المخلوقات، وإنه لا ظل له في الأرض وإنه إذا سار في الرمل لا تؤثر قدمه فيه، بينما إذا داس على الصخر علم عليه، وغير ذلك من الأباطيل.
والقول الوسط في ذلك أن يقال: إن النبي ﵌ بشر بنص القرآن والسنة وإجماع الأمة، فلا يجوز أن يعطى له من الصفات والخصوصيات إلا ما صح به النص في الكتاب والسنة، فإذا ثبت ذلك وجب التسليم له، ولم يجز رده بفلسفة خاصة علمية أو عقلية، زعموا، ومن المؤسف، أنه قد انتشر في العصر الحاضر انتشاراً مخيفاً رد الأحاديث الصحيحة لأدنى شبهة ترد من بعض الناس، حتى ليكاد يقوم في النفس أنهم يعاملون أحاديثه ﵇ معاملة أحاديث غيره من البشر الذين ليسوا معصومين، فهم يأخذون منها ما شاؤوا، ويدعون ما شاؤوا، ومن أولئك طائفة ينتمون إلى العلم، وبعضهم يتولى مناصب شرعية كبيرة! فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأله تعالى أن يحفظنا من شر الفريقين المبطلين والغالين.
الصحيحة (١/ ١/٢٩٦).
стр. 3785
[١٣٨٠] باب هل يعلم النبي ﵌ الغيب ؟
[قال الإمام]:
الأمر عندنا معشر المسلمين ... أنه ﵇ مميز على البشر بالوحي، ولذلك أمره الله ﵎ أن يبين هذه الحقيقة للناس فقال في آخر سورة الكهف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وعلى هذا كان لكلامه ﵌ صفة العصمة من الخطأ لأنه كما وصفه ربه : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وليس هذا الوحي محصوراً بالأحكام الشرعية فقط، بل يشمل نواحي َ أخرى من الشريعة منها الأمور الغيبية، فهو ﷺ وإن كان لا يعلم الغيب كما قال فيما حكاه الله عنه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف:١٨٧) فإن الله تعالى يطلعه على بعض المغيبات وهذا صريح في قول الله ﵎ ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ وقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.
فالذي يجب اعتقاده أن النبي ﵌ لا يعلم الغيب بنفسه ولكن الله تعالى يُعْلِمُهُ ببعض الأمور المغيبة عنا، ثم هو صلى الله تعالى عليه وسلم يظهرنا على ذلك بطريق الكتاب والسنة، وما نعلمه من تفصيلات أمور الآخرة من الحشر والجنة والنار ومن عالم الملائكة والجن وغير ذلك مما وراء المادة، وما كان وما سيكون، ليس هو إلا من الأمور الغيبية التي أظهر الله تعالى نبيه عليها، ثم بلَّغنا إياها، فكيف يصح بعد هذا أن يرتاب مسلم في حديثه لأنه يخبر عن الغيب؟! ولو جاز هذا للزم منه رد أحاديث كثيرة جداً قد تبلغ المائة حديثاً أو تزيد، هي كلها من أعلام نبوته ﵌ وصدق رسالته، وردُّ مثل هذا ظاهر البطلان، ومن المعلوم أن ما