← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

[١٤٤٨] باب حكم من أنكر اليوم الآخر سؤال: بخصوص في مثل هذه المجالس أحياناً يتطرق البعض في بعض الأسئلة عن الدنيا والجنة والنار؟ من الجالسين أو من عامة الناس البعض منهم ينكرون الآخرة، وينكرون الجنة، يعني يقولون: أنه إذا مات الميت خلاص راح، مات كالكلب، فمثل هذا الرجل أو هذا القائل يعني ما الحكم في ذلك؟ الشيخ: هذا ليس مسلماً ولا يهودياً ولا نصرانياً، واليهود والنصارى خير منه، يعني هذا زنديق ملحد، لا يؤمن بالله ولا برسوله، وفي القرآن الكريم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس:٧٨، ٧٩). " الهدى والنور" (/٩/ ٢٣: ٤٢: ٠٠)

стр. 3887

جماع أبواب القيامة الصغرى (الموت)

стр. 3888

(تمني الموت) [١٤٤٩] باب جواز تمني الموت تديناً، وأن من علامات الساعة تمني الرجل الموت للبلاء والمحن [قال رسول الله ﵌]: - «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه ما به حب لقاء الله ». [قال الإمام]: ومعنى الحديث أنه لا يتمنى الموت تديناً وتقرباً إلى الله وحبّاً في لقائه وإنما لما نزل به من البلاء والمحن في أمور دنياه. ففيه إشارة إلى جواز تمني الموت تديناً. ولا ينافيه قوله ﵌: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ... " لأنه خاص بما إذا كان التمني لأمر دنيوي كما هو ظاهر. قال الحافظ: " ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف. قال النووي: لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السلف منهم عمر ابن الخطاب و ... ". "الصحيحة" (٢/ ١٢١).

стр. 3889

(جماع أبواب تلقين المحتضر وحكم تلقين الميت بعد موته)

стр. 3890

[١٤٥٠] باب تلقين المحتضر شهادة التوحيد [قال رسول الله ﵌]: - «أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله، قبل أن يحال بينكم وبينها ولقنوها موتاكم». [قال الإمام]: فيه مشروعية تلقين المحتضر شهادة التوحيد، رجاء أن يقولها فيفلح. والمراد بـ (موتاكم) من حضره الموت؛ لأنه لا يزال في دار التكليف، ومن الممكن أن يستفيد من تلقينه فيتذكر الشهادة ويقولها، فيكون من أهل الجنة. وأما تلقينه بعد الموت، فمع أنه بدعة لم ترد في السنة فلا فائدة منه لأنه خرج من دار التكليف إلى دار الجزاء، ولأنه غير قابل للتذكر، ﴿لتنذر من كان حيّاً﴾. وصورة التلقين أن يؤمر بالشهادة، وما يذكر في بعض الكتب أنها تذكر عنده ولا يؤمر بها خلاف سنه النبي ﵌ ... "الصحيحة" (١/ ٢/٨٣٦ - ٨٣٨). [١٤٥١] باب هل يزاد في تلقين الميت على شهادة أن لا إله إلا الله ؟ سؤال: الميت يلقن بشهادة ألا إله إلا الله، فهل يزاد على ذلك أن محمداً رسول الله، وهل ورد حديث صحيح في هذا؟ الشيخ: لا، الوارد ما تعرفونه: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» يعني: هنا التلقين

стр. 3891

بِأُسّ الإسلام الذي يدخل تحته الإيمان بمحمد رسول الله بالأركان الإيمانية كلها وو .. إلخ، فليس الموضع الآن موضع تعليم، وإنما هو موضع تلقين وتذكير بِأُسِّ الإسلام ألا وهو التوحيد، ويكفي -بلاش ما يمكن أن نسميه فلسفة وكثرة كلام- نقول: الرسول قال هكذا: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» بينما في مثل حديث: «أمرت أن أقاتل حتى يشهدوا لا إله إلا الله قال: وأن محمداً رسول الله» فإذاً: نقف عِنْدَ ما علمنا الرسول ﵇ ولا نزيد على شهادة لا إله إلا الله شيئاً آخر. "الهدى والنور" (٢٩٩/ ٢٠: ٤٣: ٠٠) [١٤٥٢] باب أهمية تلقين المحتضر الشهادة وبدعية قراءة يس عنده وجواز حضور المسلم موت الكافر لدعوته [قال الإمام]: - فإذا حضره [أي المريض] الموت، فعلى من عنده أمور: أ - أن يلقنوه الشهادة، لقوله ﵌: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله»، «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوما من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه» وكان يقول: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة»، وفي حديث آخر: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة».أخرجها مسلم في صحيحه. ب، ج - أن يدعوا له، ولا يقولوا في حضوره إلا خيراً، لحديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌: «إذا حضرتم المريض أو الميت، فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» أخرجه مسلم والبيهقي (٣/ ٣٨٤) وغيرهما.

стр. 3892

- وليس التلقين ذكر الشهادة بحضرة الميت وتسميعها إياه، بل هو أمره بأن يقولها خلافاًً لما يظن البعض، والدليل حديث أنس ﵁: «أن رسول الله ﵌ عاد رجلاً من الأنصار، فقال: يا خال! قل: لا إله إلا الله، فقال: أخال أم عم؟ فقال: بل خال، فقال: فخير لي أن أقول: لا إله إلا الله؟ فقال النبي ﵌: نعم». أخرجه الإمام أحمد (٣/ ١٥٢، ١٥٤، ٢٦٨) بإسناد صحيح على شرط مسلم. - وأما قراءة سورة (يس) عنده، وتو جيهه نحو القبلة فلم يصح فيه حديث، بل كره سعيد بن المسيب توجيهه إليها، وقال: " أليس الميت امرأ مسلماً!؟ "وعن زرعة بن عبد الرحمن أنه شهد سعيد بن المسيب في مرضه وعنده أبو سلمة بن عبد الرحمن فغشي على سعيد، فأمر أبو سلمة أن يحول فراشه إلى الكعبة. فأفاق، فقال: حولتم فراشي!؟ فقالوا نعم، فنظر إلى أبي سلمة فقال: أراه بعلمك؟ فقال: أنا أمرتهم! فأمر سعيد أن يعاد فراشه. أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٤/ ٧٦) بسند صحيح عن زرعة. - ولا بأس في أن يحضر المسلم وفاة الكافر ليعرض الإسلام عليه، رجاء أن يسلم، لحديث أنس ﵁ قال: "كان غلام يهودي يخدم النبي ﵌ فمرض، فأتاه النبي ﵌ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده؟ فقال له: أطع أبا القاسم ﵌ فأسلم، فخرج النبي ﵌ وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار»، (فلما مات، قال: صلوا على صاحبكم) ".أخرجه البخاري والحاكم والبيهقي وأحمد (٣/ ١٧٥،٢٢٧، ٢٨٠,٢٦٠) والزيادة له في رواية. "أحكام الجنائز" (ص١٩ - ٢١).

стр. 3893

[١٤٥٣] باب حكم تلقين الميت الشهادة بعد موته سؤال: فضيلة الشيخ حفظكم الله! ما حكم تلقين الميت للشهادة بعد قبره؟ الشيخ: هذا التلقين الذي يفعل في بعض البلاد الإسلامية عمدته حديث لا يصح بوجه من الوجوه، وكم دَفَنَ النبي ﵌ من أصحابه من الشهداء وغيرهم ولم ينقل عنه ولا في حديث واحد من فعله ﵇ ولو كان حديثاً ضعيفاً أنه بعد أن دفن الميت أخذ ﵇ يلقنه هذا التلقين: إذا جاءاك فسألاك من ربك فقل: ربي الله إلى آخره، هذا لم يرد من فعله ﵇ مطلقاً وإنما جاء في حديث من حديث أبي أمامة أو ثوبان الآن أنا أشك في معجم الطبراني الكبير وفي إسناده ضعف مذكور في محله. فهذا التلقين لا يجوز اتخاذه سنةً؛ لأن عمل الرسول ﵇ لم يكن عليه ... ومن عجب أن التلقين المشروع لا يأخذ اهتمامهم كما يهتمون بهذا التلقين غير المشروع، أعني بالتقلين المشروع: ما جاء به الحديث الصحيح من غير ما طريق واحد ألا وهو قوله ﵊: «لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله» لقنوا موتاكم، أي: الذين حضرهم الموت وأشرفوا على الموت وهم لا يزالون في قيد الحياة؛ لأن هذا التلقين قد ينفعهم؛ لأن الرسول ﵇ ثبت عنه أنه قال: «إن الله ﵎ يقبل توبة عبده ما لم يغرغر» (١). فإذا كان فضل الله واسعاً إلى درجة أنه يقبل توبة عباده أو عبده قبل أن تصل الروح إلى الحلقوم فحينئذٍ يؤمل ويرجى أن المحتضر إذا قيل له: قل: لا إله إلا الله، أن يستجيب لهذا القول ولهذا الأمر فيكون آخر قوله شهادة أن لا إله إلا

стр. 3894

الله، ويكون ذلك بشرى له بحسن خاتمته، فهذا التلقين هو المشروع، .. «لقنوا موتاكم» أي: الذين حضرهم الموت لا إله إلا الله، أما تلقين الميت الذي وضع في قبره فلا يفيده شيئاً؛ لأنه انتهى أجله إن صالحاً فصالح وإن طالحاً فطالح ولا يفيده هذا التلقين المبتدع، بل أنا أقول: هذا التلقين يشبه نوعاً من التلقين معروف بين الناس في هذا الزمان وهم الطلبة في المدارس، إذا أحدهم لقن جاره في أثناء الامتحان قد يكون سبباً لسقوطه؛ لأنه تلقن ما لا ينبغي أن يتلقنه؛ لأنه هذا الذي كان قد لقنه كان ينبغي عليه أن يصل إليه بجهده وتعبه ونصبه، أما أن يستفيد من جهود غيره فسوف لا يستفيد، كذلك هذا الميت الذي دفن في قبره فتلقينه لا يفيده شيئاً مطلقاً. «من مات وكان آخر ما قال: لا إله إلا الله» أو كما قال ﵊. بهذه المناسبة تلقين المحتضر: هناك بعض العلماء يقولون، وفي زعمي قولهم هذا يشبه الفلسفة التي لا أصل لها في الشرع بل ولا في العقل، يقولون: لا ينبغي للملقن لمن حضره الموت أن يقول له: قل لا إله إلا الله، وإنما هو يذكر الله ويقول: لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله تسميعاً للمحتضر لعله يتنبه من غفلته في تلك الساعة الخطيرة ويقول: لا إله إلا الله، لماذا يقول هذا البعض، أنه لا ينبغي أن يأمره بلا إله إلا الله؟ خشية أن يرفض الأمر فيكون عاقبة أمره الموت على كفر والعياذ بالله، هكذا زعموا. لكني أقول: قد جاء في السنة الصحيحة ما يبين أن قوله ﵇: «لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله» إنما يعني أمر المحتضر بأن يقول: لا إله إلا الله، جاء هذا في صحيح البخاري حينما مرض غلام من اليهود كان يخدم النبي ﵌، فعاده النبي ﵌ فوجده في حضرة الموت، فقال له ﵊: «قل: لا إله إلا الله»

стр. 3895

هذا هو التلقين. وبهذا ينبغي أن نأخذ فائدة وهي: أن أقوال النبي ﵌ يجب تفسيرها بأفعاله ﵊ فالسنة القولية تبين بالسنة الفعلية، «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» قيل كما سمعتم آنفاً أنه يقول في حضرة المحتضر: لا إله إلا الله، ولا يخاطبه بقوله: قل: لا إله إلا الله، فجاءت السنة الفعلية مبينة أن المقصود من: «لقنوا موتاكم» هو أن يؤمر بأن يقول: لا إله إلا الله، هذا ما فعله الرسول ﵊ حينما عاد هذا الغلام اليهودي الذي كان يخدم النبي ﵌ وهو يهودي ابن يهودي، ولكن الرسول ﵊ هو من أكرم الناس خلقاً ولو كان هذا الغلام يهودياً فقد عاده، ولكنه ﵊ يهتبل كل فرصة ليبلغ الناس العلم والدين فاغتنمها فرصة وقال له: «» يا غلام! قل: لا إله إلا الله» وعلى رأس الغلام والده اليهودي فنظر الغلام إلى أبيه كأنه يقول له ما رأيك .. هاأنت تسمع محمداً ﵊ يقول لي: قل: لا إله إلا الله، فالخبيث وهذا شأن الكفار كما قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة:١٤٦) هو يعرف أن دعوة الرسول حق ولكن كما قال أيضاً في الآية الأخرى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤) لما رأى اليهودي ابنه في طريق الموت وأنه لا حياة له بعد ذلك قال له: أطع أبا القاسم، أبا القاسم يقول لابن اليهودي، قل: لا إله إلا الله، واليهودي الوالد يكفر بلا إله إلا الله، ولكن لما رأى ولده أنه في طريق الموت ولا نجاة له إذا مات يهودياً قال له: أطع أبا القاسم، أما هو فلا يزال عاصياً لأبي القاسم عناداً وكفراً وضلالاً. الشاهد، قال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وخرجت روحه، فقال ﵊: «الحمد لله الذي نجاه بي من النار» فهذا هو التلقين المشروع أن يقال للمحتضر: قل: لا إله إلا الله، أما تلقينه وهو في قبره فلا يفيده شيئاً سواء عند

стр. 3896

دفنه أو بعد دفنه وهو ميت لا حراك له ولا يسمع ما يلقن ولو سمع لما استجاب؛ لأنه خرج بما حصله في الدنيا من إيمان وعمل صالح، أو كفر وعمل طالح. أسأل الله ﵎ أن يوفقنا لفهم الإسلام فهماً صحيحاً وأن يرزقنا العلم الصالح، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين. "رحلة النور" (٨أ/٠٠:٤٤:٠٣) و (٨ب/٠٠:٠٠:٠٠) [١٤٥٤] باب التلقين بعد الموت من محدثات الأمور [ذكر الآلوسي في"الآيات البينات" عن ابن الهمام أنه قال: وأما التلقين من بعد الموت وهو في القبر: فقيل: يفعل .. ونسب لأهل السنة والجماعة وخلافه إلى المعتزلة وقيل: لا يؤمر به ولا ينهى عنه. فعلق الألباني قائلاً]: هذا مردود؛ لأن التلقين تذكير ليس أمراً دنيوياً أو عادياًّ حتى يصح فيه ما ذكره، وإنما هو أمر تعبدي محض، فإما أن يكون مشروعاً فيؤمر به حينئذ ولو أمر استحباب، وإما أن يكون غير مشروع فينهى عنه؛ لأنه يكون والحالة هذه من محدثات الأمور، وهي منهي عنها. فتنبه. "تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٨٢). [١٤٥٥] باب منه [قال الإمام]: التلقين بعد الدفن .. لم يرد فيه حديث تقوم به حجة. "تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٨٥).

стр. 3897

[١٤٥٦] باب منه [نقل الآلوسي في "الآيات البينات " عن ابن حجر الهيتمي رد قول العز ابن عبد السلام أن التلقين بعد الدفن بدعة، فعلق الألباني قائلاً]: قلت: بل قوله [أي قول العز] هو الصواب لأن التلقين مع ضعف حديثه مخالف لهديه ﷺ ؛ فإنه ثبت أنه كان إذا دفن الميت وقف على قبره يدعو له بالتثبيت ويستغفر له ويأمر الحاضرين بذلك، فما خالفه فهو بدعة دون شك، وقد جزم بذلك الإمام الصنعاني وقد فصلت هذا بعض الشيء في " أحكام الجنائز " (ص ١٥٥ - ١٥٦) فراجعه إن شئت. "تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٨٩).

стр. 3898

(مبشرات حسن الخاتمة) [١٤٥٧] باب علامات حسن الخاتمة [قال الإمام]: إن الشارع الحكيم قد جعل علامات بينات يستدل بها على حسن الخاتمة - كتبها الله تعالى لنا بفضله ومَنِّه - فأيما امرئ مات بإحداها كانت بشارة له، ويا لها من بشارة. الأولى: نطقه بالشهادة عند الموت وفيه أحاديث. ١ - " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ".أخرجه الحاكم وغيره بسند حسن عن معاذ. ٢ - عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: " رأى عمر طلحة بن عبيد الله ثقيلاً، فقال: مالك يا أبا فلان؟ لعلك ساءتك امرأة عمك يا أبا فلان؟ قال: لا -[وأثنى على أبي بكر] إلا أني سمعت من رسول الله ﷺ حديثا ما منعني أن أسأله عنه إلا القدرة عليه حتى مات، سمعته يقول: إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا أشرق لها لونه، ونَفَّس الله عنه كربته، قال: فقال عمر: إني لأعلم ما هي! قال: وما هي؟ قال: تعلم كلمة أعظم من كلمة أمر بها عمه عند الموت: لا إله الله؟ قال طلحة: صدقت، هي والله هي ". أخرجه الإمام أحمد (رقم ١٣٨٤) وإسناده صحيح، وابن حبان بنحوه، والحاكم (١/ ٣٥٠،

стр. 3899

٣٥١) والزيادة له، وقال " صحيح على شرطهما " ووافقه الذهبي. الثانية: الموت برشح الجبين، لحديث بريدة بن الحصيب ﵁: " أنه كان بخراسان، فعاد أخًا له وهو مريض، فوجده بالموت، وإذا هو بعرق جبينه، فقال: الله أكبر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: موت المؤمن بعرق الجبين ". أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٧،٣٦٠) والسياق له، والنسائي (١/ ٢٥٩) والترمذي (٢/ ١٢٨) وحسنه، وابن ماجه (١/ ٤٤٣ - ٤٤٤) وابن حبان (٧٣٠) والحاكم (١/ ٧٦١) والطيالسي (٨٠٨) وقال الحاكم: " صحيح عل شرط مسلم " ووافقه الذهبي! وفيه نظر لا مجال لذكره هنا، لا سيما وأن أحد إسنادي النسائي صحيح على شرط البخاري. وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. رواه الطبراني في " الاوسط " و " الكبير " ورجاله ثقات رجال الصحيح، كما في " المجمع " (٢/ ٣٢٥). الثالثة: الموت ليلة الجمعة أو نهارها، لقوله ﷺ :" ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أي ليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر ". أخرجه أحمد (٦٥٨٢ - ٦٦٤٦) من طريقين عن عبد الله بن عمرو، والترمذي من أحد الوجهين، وله شواهد عن أنس وجابر بن عبد الله، وغيرهما، فالحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح. الرابعة: الاستشهاد في ساحة القتال، قال الله تعالى: [ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله،

стр. 3900

ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾] (آل عمران: ١٦٩). وفي ذلك أحاديث: ١ - " للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه ". أخرجه الترمذي (٣/ ١٧) وصححه، وابن ماجه (٢/ ١٨٤) وأحمد (١٣١) وإسناده صحيح، ثم أخرجه (٤/ ٢٠٠) من حديث عبادة بن الصامت ومن حديث قيس الجذامي (٤/ ٢٠٠) وإسنادهما صحيح أيضا. ٢ - عن رجل من أصحاب النبي ﵌: " أن رجلا قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة". رواه النسائي (١/ ٢٨٩) وعنه القاسم السرقسطي في " الحديث " (٢/ ١٦٥/١) وسنده صحيح. (تنبيه): ترجى هذه الشهادة لمن سألها مخلصا من قلبه ولو لم يتيسر له الاستشهاد في المعركة، بدليل قوله ﷺ : " من سأل الله الشهادة بصدق، بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه ". أخرجه مسلم (٢/ ٤٩) والبيهقي (٩/ ١٦٩) عن أبي هريرة. وله في "المستدرك " (٢/ ٧٧) شواهد.

стр. 3901

الخامسة: الموت غازيًا في سبيل الله، وفيه حديثان: ١ - " ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يارسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إن شهداء أمتي إذًا لقليل، قالوا: فمن هم يارسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن (١) فهو شهيد، والغريق شهيد ". أخرجه مسلم (٦/ ٥١) وأحمد (٢/ ٥٢٢) عن أبي هريرة. وفي الباب عن عمر عند الحاكم (٢/ ١٠٩) والبيهقي. ٢ - " من فصل (أي خرج) في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد، أو وَقَصَه فرسه أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وإن له الجنة ". أخرجه أبو داود (١/ ٣٩١) والحاكم (٢/ ٧٨) والبيهقي (٩/ ١٦٦) من حديث أبي مالك الاشعري، وصححه الحاكم، وإنما هو حسن فقط. السادسة: الموت بالطاعون، وفيه أحاديث: ١ - عن حفصة بنت سيرين: قال لي أنس بن مالك: بم مات يحيى بن أبي عمرة؟ قلت: بالطاعون، فقال: قال رسول الله ﷺ : " الطاعون شهادة لكل مسلم ". أخرجه البخاري (١٠/ ١٥٦ - ١٥٧) والطيالسي (٢١١٣) وأحمد (٣/ ١٥٠، ٢ ٢٠، ٢٢٣، ٢٥٨ - ٢٦٥).

стр. 3902

٢ - عن عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون؟ فأخبرها نبي الله ﷺ : "أنه كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا يعلم أنه لن يصيبه إلا ماكتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد. أحرجه البخاري (١٠/ ١٥٧ - ١٥٨) والبيهقي (٣/ ٣٧٦) وأحمد (٦/ ٦٤،١٤٥،٢٥٢). ٣ - " يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، فيقال: انظروا فإن كانت جراحهم كجراح الشهداء تسيل دما ريح المسك، فهم شهداء، فيجدونهم كذلك ". أخرجه الامام أحمد (٤/ ١٨٥) والطبراني في " الكبير " (مجموع ٦/ ٥٥ / ٢) بسند حسن كما قال الحافظ (١٠/ ١٥٩) عن عتبة بن عبد السلمي ﵁. وله شاهد من حديث العرباض بن سارية ﵁ أخرجه النسائي (٢/ ٦٣) وأحمد (٤/ ١٢٨، ١٢٩) والطبراني وحسنه الحافظ أيضا، وهو حسن في الشواهد. السابعة: الموت بداء البطن، وفيه حديثان: ١ - " ... ومن مات في البطن فهو شهيد ".رواه مسلم وغيره. ٢ - عن عبد الله بن يسار قال: " كنت جالسًا وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة، فذ كروا رجلا توفي، مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهداء جنازته فقال أحمد هما للاخر: ألم يقل رسول الله ﷺ : " من يقتله بطنه

стр. 3903

فلن يعذب في قبره "؟ فقال الآخر: بلى وفي رواية " صدقت ". أخرجه النسائي (١/ ٢٨٩) والترمذي (٢/ ١٦٠) وحسنه، وابن حبان في صحيحه (رقم ٧٢٨ - موارد) والطيالسي (١٢٨٨) وأحمد (٤/ ٢٦٢) وسنده صحيح. الثامنة والتاسعة: الموت بالغرق والهدم، لقوله ﷺ : " الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله". أخرجه البخاري (٦/ ٣٣ - ٣٤) ومسلم (٦/ ٥١) والترمذي (٢/ ١٥٩) وأحمد (٢/ ٣٢٥، ٥٣٣) من حديث أبي هريرة. العاشرة: موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها، لحديث عبادة بن الصامت: " إن رسول الله ﷺ عاد عبد الله بن رواحة قال: فما تحوز (١) له عن فراشه، فقال: أتدري مَن شهداء أمتي؟ قالوا: قتل المسلم شهادة، قال: إن شهداء أمتي إذًا لقليل! قتل المسلم شهادة، والطاعون شهادة، والمرأة يقتلها ولدها جمعاء (٢) شهادة، (يجرها ولدها بسرره (٣) إلى الجنة) ". أخرجه أحمد (٤/ ٢٠١ - ٥/ ٣٢٣) والدارمي (٢/ ٢٠٨) والطيالسي (٥٨٢) وإسناده صحيح. وله في " المسند " (٤/ ٣١٥، ٣١٧، ٣٢٨) طرق أخرى. وفي الباب عن صفوان بن إمية عند الدارمي والنسائي (١/ ٢٨٩) وأحمد

стр. 3904

(٦/ ٤٦٥) -٤٦٦). وعن عقبه بن عامر، عند النسائي (٢/ ٦٢ - ٦٣). وعن راشد بن حبيش عند أحمد (٣/ ٢٨٩)، ورجاله ثقات، وقال المنذري في " الترغيب " (٢/ ٢٠١): " إسناده حسن" وفيه الزيادة وهي في حديث عبادة عند الطيالسي وأحمد. الحادية عشر، والثانية عشر: الموت بالحرق، وذات الجنب (١) وفيه أحاديث، أشهرها عن جابر بن عتيك مرفوعًا: " الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع (٢) شهيدة ". أخرجه مالك (١/ ٢٣٢ - ٢٣٣) وأبو داود (٢/ ٢٦) والنسائي (١/ ٢٦١) وابن ماجه (٢/ ١٨٥ - ١٨٦) وابن حبان في صحيحه (١٦١٦ - موارد) والحاكم (١/ ٣٥٢) وأحمد (٥/ ٤٤٦) وقال الحاكم: " صحيح الإسناد "! ووافقه الذهبي! ولست أشك في صحة متنه، لأن له شواهد كثيرة، تقدم أكثرها وروي الطبراني من حديث ربيع الأنصاري مرفوعا به نحوه دون ذكر الهدم. قال المنذري وتبعه الهيثمي (٥/ ٣٠٠): " ورواته محتج بهم في الصحيح ".

стр. 3905

وروى أحمد (٤/ ١٥ ٧) من حديث عقبة بن عامر مرفوعا بلفظ: " الميت من ذات الجنب شهيد ". وسنده حسن في الشواهد، وقا جاءت هذه الجملد في بعض طرق حديث أبي هريرة المتقدم في " الخامسة " أخرجه أحمد (٢/ ٤٤١ - ٤٤٢) وفيه محمد بن اسحاق وهو مدلس وقد عنعنه. الثالثة عشر: الموت بداء السل لقوله ﵌: «القتل في سبيل الله شهادة، والنفساء شهادة، والحرق (١) شهادة والغرق شهادة، والسل شهادة، والبطن شهادة». قال في "مجمع الزوائد " (٢/ ٣١٧ - ٣٠١):"رواه الطبراني في الأوسط، وفيه مندل بن علي، وفيه كلام كثير وقد وثق ".فقد زاد فيه أحمد في رواية له: "والسل ". ورجاله موثقون، وحسنه المنذري كما سبق، وله شاهد آخر في"المجمع". الرابعة عشر: الموت في سبيل الدفاع عن المال المراد غصبه، وفيه أحاديث: ١ - "من قتل دون ماله، [وفي رواية: من أريد ماله بغير حق فقاتل، فقتلٍ] فهو شهيد". أخرجه البخاري (٥/ ٩٣) ومسلم (١/ ٨٧) وأبو داود (٢/ ٢٨٥) والنسائي (٢/ ١٧٣) والترمذي (٢/ ٣١٥) وصححه وابن ماجه (٢/ ١٢٣) وأحمد (١٦ ٦٨، ٦٨٢٣، ٦٨٢٩) كلهم بالرواية الثانية إلا البخاري ومسلم فبالأولى، وهي رواية للنسائي والترمذي وأحمد (٦٨٢٢) عن عبد الله بن عمرو.

стр. 3906

وفي الباب عن سعيد بن زيد، ويأتي في الخامسة عشرة: عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﵌، فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قاتله، قال: أرأيت إن قتلني، قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار». أخرجه مسلم (١/ ٨٧)،وأخرجه النسائي (٢/ ١٧٣) وأحمد (١/ ٣٣٩ - ٣٦٠) من طريق أخرى عنه. عن مخارق ﵁: " جاء رجل إلى النبي ﵌ فقال: «الرجل يأتي فيريد مالي؟ قال: ذكره بالله، قال فإن لم يذكر؟ قال: فاستعن عليه السلطان، قال: فإن نأى السلطان عني [وعجل علي]؟ قال: قاتل دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة، أو تمنع مالك». أخرجه النسائي وأحمد (٥/ ٢٩٤،٢٩٤،٢٩٥) والزيادة له وسنده صحيح على شرط مسلم. الخامسة عشر، والسادسة عشر: الموت في سبيل الدفاع عن الدين والنفس، وفيه حديثان: ١ - " من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ". أخرجه أبو داود (٢/ ٢٧٥) والنسائي والترمذي (٢/ ٣١٦) وصححه، وأحمد (١٦٥٢) ١٦٥٣) عن سعيد بن زيد، وسنده صحيح.

стр. 3907

٢ - " من قتل دون مظلمته فهو شهيد " (١). أخرجه النسائي (٢/ ١٧٣ - ١٧٤) من حديث سويد بن مقرن، وأحمد (٢٧٨٠) من حديث ابن عباس، وإسناده صحيح إن سلم من الانقطاع بين سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس، لكن أحد الطريقين يقوى الأخرى، وفي الأولى من لم يوثقه غير ابن حبان. السابعة عشرة: الموت مرابطًا في سبيل الله، ونذكر فيه حديثين: "رباط يومٍ وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان ". رواه مسلم (٦/ ٥١) والنسائي (٢/ ٦٢) والترمذي (٣/ ١٨) والحاكم (٢/ ٨٠) وأحمد (٥/ ٤٤٠، ٤٤١) من حديث سلمان الفارسي، ورواه الطبراني وزاد:" وبعث يوم القيامة شهيدا ".لكن في سنده من لم يعرفهم الهيثمي في " مجمعه " (٥/ ٢٩٠)، وسكت عليه المنذري في" ترغيبه " (٢/ ١٥٠). " كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر ". أخرجه أبو داود (١/ ٣٩١) والترمذي (٣/) وصححه، والحاكم (٢/ ١٤٤) وأحمد (٦/ ٢٠) من حديث فضالة بن عبيد، وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين"! الثامنة عشر: الموت على عملٍ صالحٍ لقوله ﵌: «من قال: لا إله إلا الله

стр. 3908

ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوما ابتغاء وجه الله خُتِمَ له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله خُتم له بها دخل الجنة». أخرجه أحمد (٥/ ٣٩١) عن حذيفة قال:" أسندتُ: النبي ﵌ وإلى صدري فقال " فذكره. وإسناده صحيح، وقال المنذري (٢/ ٦١) " لا بأس به". "أحكام الجنائز" (ص٤٨ - ٥٩) بتصرف. [١٤٥٨] باب من المبشرات بحسن الخاتمة [قال رسول الله ﵌]: «من ختم له بإطعام مسكين محتسبا على الله دخل الجنة، من ختم له بصوم يوم محتسبا على الله دخل الجنة، من ختم له بقول لا إله إلا الله محتسبا على الله دخل الجنة». [ترجم له الإمام بما ترجمناه به]. "الصحيحة" (٤/ ٢٠٠).

стр. 3909

[١٤٥٩] باب هل بياض جلد الميت أو ابتسامه أو شم رائحة طيبة منه من علامات حسن الخاتمة ؟ مداخلة: هل من علامات حسن الخاتمة رؤية المغسل بياض جلد الميت، أو يرى أنه يبتسم، وكذا بالنسبة لما نسمعه عن المجاهدين في أفغانستان بعد موت أحدهم من شم رائحة المسك؟ الشيخ: أما ما ذكر قبل رائحة المسك فلا يوجد شيء يستلزم أن يكون ذلك من البشائر، أما رائحة المسك فككرامة يمكن أن يكون ذلك، ولكن القضية تحتاج إلى تَرَوِّي وتَبَصُّر في رواية هذه القصص التي تنقل عن بعض المجاهدين من فوحان رائحة المسك بالنسبة لبعضهم فقد تناقضت الأقوال في هذه المسألة فبعضهم أنكرها أشد الإنكار، وبعضهم أقرها مؤكدًا بصحتها، ومنهم الشيخ عبد الله عزام ﵀ أكد ذلك في غير ما حديث له، بل لعلكم اطلعتم على رسالة له في ذلك، ثم أشيع عنه لما قتل ﵀ أيضًا أنه شموا منه الرائحة الطيبة، فأنا أقول: هذا ممكن لأن ربنا يكرم بعض عباده بما يشاء، أما هل هذا وقع أو لا فأنا لست شاهدًا ولست مصدقًا ولا مكذبًا. "رحلة النور" (٢٩ب/٠٠:٣٨:٣٦)

стр. 3910

جماع أبواب الكلام على انتفاع الميت بعمل غيره من عدمه

стр. 3911

[١٤٦٠] باب ما ينتفع به الميت بعد موته [قال الإمام]: ينتفع الميت من عمل غيره بأمور: أولاً: دعاء المسلم له، إذا توفرت فيه شروط القبول، لقول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ في قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾ (سورة الحشر:١٠). وأما الأحاديث فهي كثيرة جداً ومنها قوله ﵌: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل» أخرجه مسلم (٨/ ٨٦،٨٧) والسياق له، وأبو داود (١/ ٢٤٠) وأحمد (٦/ ٤٥٢) من حديث أبي الدرداء بل، إن صلاة الجنازة جلها شاهد لذلك، لأن غالبها دعاء للميت واستغفار له ... ثانياً: قضاء ولي الميت صوم النذر عنه، وفيه أحاديث: الأول: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﵌ قال: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه».أخرجه البخاري (٤/ ١٥٦) ومسلم (٣/ ١٥٥) وأبو داود (١/ ٣٧٦)، ومن طريقه البيهقي (٦/ ٢٧٩) والطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ١٤٠،١٤١) وأحمد (٦/ ٦٩). الثاني: عن ابن عباس ﵁: " أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله ﵎ أنجاها أن تصوم شهرا، فأنجاها الله ، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها [إما أختها أو ابنتها] إلى النبي ﵌، فذكرت ذلك له، فقال:

стр. 3912

[أرأيتك لو كان عليها دين كنت تقضينه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى]، [فـ] اقض [عن أمك]). أخرجه أبو داود (٢/ ٨١) والنسائي (٢/ ١٤٣) والطحاوي (٣/ ١٤٠) والبيهقي (٤/ ٢٥٥،٢٥٦،١٠/ ٨٥) والطيالسي (٢٦٣٠) وأحمد (١٨٦١،١٩٧٠،٣١٣٧،٣٢٢٤،٣٤٢٠) والسياق مع الزيادة الثانية له، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والزيادة الأولى لأبي داود والبيهقي. وأخرجه البخاري (٤/ ١٥٨ - ١٥٩) ومسلم (٣/ ١٥٦) والترمذي (٢/ ٤٢ - ٤٣) وصححه، وابن ماجه (١/ ٥٣٥) بنحوه، وفيه عندهم جميعاً الزيادة الثانية، وعند مسلم الأخيرة. الثالث: عنه أيضا: "أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله ﵌ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال: اقضه عنها ".أخرجه البخاري (٥/ ٤٠٠، ٤٩٤) ومسلم (٦/ ٧٦) وأبو داود (٢/ ٨١) والنسائي (٢/ ١٣٠،١٤٤) والترمذي (٢/ ٣٧٥) وصححه البيهقي (٤/ ٢٥٦،٦/ ٢٧٨،١٠/ ٨٥) والطيالسي (٢٧١٧) وأحمد (١٨٩٣،٣٠٤٩، ٦/ ٤٧) ثالثاً: قضاء الدين عنه من أي شخص ولياًّ كان أو غيره، وفيه أحاديث كثيرة ... رابعاً: ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة، فإن لوالديه مثل أجره، دون أن ينقص من أجره شيء، لأن الولد من سعيهما وكسبهما، والله يقول: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾، وقال رسول الله ﵌: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه».أخرجه أبو داود (٢/ ١٠٨) والنسائي (٢/ ٢١١) والترمذي (٢/ ٢٨٧) وحسنه، والدارمي (٢/ ٢٤٧) وابن ماجه (٢/ ٢ - ٤٣٠) والحاكم (٢/ ٤٦) والطيالسي (١٥٨٠) وأحمد (٦/ ٤١،١٢٦،١٢٧،١٦٢،١٧٣،١٩٣،٢٠١،٢٠٢)

стр. 3913

وقال الحاكم: " صحيج على شرط الشيخين "، ووافقه الذهبي، وهو خطأ من وجوه لا يتسع المجال لبيانها، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو. رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد (٢/ ١٧٩،٢٠٤،٢١٤) بسند حسن. ويؤيد ما دلت عليه الآية والحديث، أحاديث خاصة وردت في انتفاع الوالد بعمل ولده الصالح كالصدقة والصيام والعتق ونحوه، وهي هذه: الأول: عن عائشة ﵂:" أن رجلا قال: إن أمي افتلتت (١) نفسها [ولم توص]، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها [ولي أجر]؟ قال: نعم، [فتصدق عنها] " أخرجه البخاري (٣/ ١٩٨،٥/ ٣٩٩ - ٤٠٠) ومسلم (٣/ ٨١،٥/ ٧٣) ومالك في (الموطأ) (٢/ ٢٢٨) وأبو داود (٢/ ١٥) والنسائي (٢/ ١٢٩) وابن ماجه (٢/ ١٦٠) والبيهقي (٤/ ٦٢،٦/ ٢٧٧ - ٢٧٨) وأحمد (٦/ ٥١). والسياق للبخاري في إحدى روايتيه، والزيادة الأخيرة له في الرواية الأخرى، وابن ماجه، وله الزيادة الثانية، ولمسلم الأولى. الثاني: عن ابن عباس ﵁:" أن سعد بن عبادة-أخا بني ساعدة-توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائط المخراف (٢) صدقة عليها".أخرجه البخاري (٥/ ٢٩٧،٣٠١،٣٠٧) وأبو داود (٢/ ١٥) والنسائي (٢/ ١٣٠) والترمذي (٢/ ٢٥) والبيهقي (٦/ ٢٧٨) وأحمد

стр. 3914

(٣٠٨٠ - ٣٥٠٤ - ٣٥٠٨) والسياق له. الثالث: عن أبي هريرة ﵁: " أن رجلا قال للنبي ﵌: إن أبي مات وترك مالاً ولم يوص فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم ". أخرجه مسلم (٥/ ٧٣) والنسائي (٢/ ١٢٩) وابن ماجه (٢/ ١٦٠) والبيهقي (٦/ ٢٧٨) وأحمد (٢/ ٣٧١). الرابع: عن عبد الله بن عمرو: «أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية، قال: حتى أسأل رسول الله ﵌، فأتى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، وإن هشاماً أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله ﵌: «إنه لو كان مسلما فأعتقتم أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك، (وفي رواية): فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك». أخرجه أبو داود في آخر"الوصايا" (٢/ ١٥) والبيهقي (٦/ ٢٧٩) والسياق له، وأحمد (رقم ٦٧٠٤) والرواية الأخرى له، وإسنادهم حسن. قال الشوكاني في "نيل الأوطار" (٤/ ٧٩): "وأحاديث الباب تدل على أن الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما، ويصل إليهما ثوابها، فيخصص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾. ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أن ولد الإنسان من سعيه فلا حاجة إلى دعوى التخصيص، وأما من غير الولد فالظاهر من العموميات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إلى الميت، فيوقف عليها، حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها".

стр. 3915

قلت: وهذا هو الحق الذي تقتضيه القواعد العلمية، أن الآية على عمومها وأن ثواب الصدقة وغيرها يصل من الولد إلى الوالد لأنه من سعيه بخلاف غير الولد، لكن قد نقل النووي وغيره الإجماع على أن الصدقة تقع عن الميت ويصله ثوابها، هكذا قالوا (الميت) فأطلقوه ولم يقيدوه بالوالد، فإن صح هذا الإجماع كان مخصصًا للعمومات التي أشار إليها الشوكاني فيها يتعلق بالصدقة، ويظل ما عداها داخلا في العموم كالصيام وقراءة القرآن ونحوهما من العبادات، ولكنني في شك كبير من صحة الإجماع المذكور، وذلك لأمرين: الأول: أن الإجماع بالمعنى الأصولي لا يمكن تحققه في غير المسائل التي علمت من الدين بالضرورة، كما حقق ذلك العلماء الفحول، كابن حزم في "أصول الأحكام" والشوكاني في "إرشاد الفحول" والأستاذ عبد الوهاب خلاف في كتابه "أصول الفقه" وغيرهم، وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد في كلمته المشهورة في الرد على من ادعى الإجماع - ورواها عنه ابنه عبد الله بن أحمد في "المسائل". الثاني: أنني سبرت كثيرا من المسائل التي نقلوا الإجماع فيها، فوجدت الخلاف فيها معروفاً! بل رأيت مذهب الجمهور على خلاف دعوى الإجماع فيها، ولو شئت أن أورد الأمثلة على ذلك لطال الكلام وخرجنا به عما نحن بصدده. فحسبنا الآن أن نذكر بمثال واحد، وهو نقل النووي الإجماع على أن صلاة الجنازة لا تكره في الأوقات المكروهة! مع أن الخلاف فيها قديم معروف، وأكثر أهل العلم على خلاف الإجماع المزعوم، كما سبق تحقيقه في المسألة (٨٧)، ويأتي لك مثال آخر قريب إن شاء الله تعالى. وذهب بعضهم إلى قياس غير الوالد على الوالد، وهو قياس باطل من وجوه:

стр. 3916

الأول: أنه مخالف العموميات القرآنية كقوله تعالى ﴿ومن تزكى فإنما يتزكي لنفسه﴾ وغيرها من الآيات التي علقت الفلاح ودخول الجنة بالأعمال الصالحة، ولا شك أن الوالد يزكي نفسه بتربيته لولده وقيامه عليه فكان له أجره بخلاف غيره. الثاني: أنه قياس مع الفارق إذا تذكرت أن الشرع جعل الولد من كسب الوالد كما سبق في حديث عائشة فليس هو كسبا لغيره، والله يقول: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ ويقول: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾. وقد قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله عز وحل: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾: " أي كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه. ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ﵀ ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﵌ أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء " وقال العز بن عبد السلام في "الفتاوى" (٢٤/ ٢ - عام ١٦٩٢): "ومن فعل طاعة الله تعالى، ثم أهدى ثوابها إلى حي أو ميت، لم ينتقل ثوابها إليه، إذ ﴿ليس للإنسان إلا ما سعى﴾، فإن شرع في الطاعة ناوياً أن يقع عن الميت لم يقع عنه، إلا فيما استثناه الشرع كالصدقة والصوم والحج". وما ذكره ابن كثير عن الشافعي رحمه الله تعالى هو قول أكثر العلماء وجماعة من، الحنفية كما نقله الزبيدي في "شرح الإحياء" (١٠/ ٣٦٩).

стр. 3917

قلت: ومما سبق تعلم بطلان الإجماع الذي ذكره ابن قدامة في "المغني" (٢/ ٥٦٩) على وصول ثواب القراءة إلى الموتى، وكيف لا يكون باطلاً، وفي مقدمة المخالفين الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. وهذا مثال آخر من أمثلة ما ادعى فيه الإجماع وهو غير صحيح، وقد سبق التنبيه على هذا قريباً. الثالث: أن هذا القياس لو كان صحيحاً، لكان من مقتضاه استحباب إهداء الثواب إلى الموتى ولو كان كذلك لفعله السلف، لأنهم أحرص على الثواب منا بلا ريب، ولم يفعلوا ذلك كما سبق في كلام ابن كثير، فدل هذا على أن القياس المذكور غير صحيح، وهو المراد. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في " الاختيارات العلمية " (ص ٥٤): "ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعاً أو صاموا تطوعاً أو حجوا تطوعا، أو قرؤوا القرآن يهدون ثواب ذلك إلى أموات المسلمين، فلا ينبغي العدول عن طريق السلف فإنه أفضل وأكمل". وللشيخ رحمه الله تعالى قول آخر في المسألة، خالف فيه ما ذكره آنفا عن السلف، فذهب إلى أن الميت ينتفع بجميع العبادات من غيره!. وتبنى هذا القول وانتصر له ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "الروح" بما لا ينهض من القياس الذي سبق بيان بطلانه قريباً، وذلك على خلاف ما عهدناه منه ﵀ من ترك التوسع في القياس في الأمور التعبدية المحضة لاسيما ما كان عنه على خلاف ما جرى عليه السلف الصالح ﵃ وقد أورد خلاصة كلامه العلامة السيد محمد رشيد رضا في "تفسير المنار" (٨/ ٢٥٤ - ٢٧٠) ثم رد عليه ردًّا قويًّا، فليراجعه من شاء أن يتوسع في المسألة ..

стр. 3918

وقد استغل هذا القول كثير من المبتدعة، واتخذوه ذريعة في محاربة السنة، واحتجوا بالشيخ وتلميذه على أنصار السنة وأتباعها، وجهل أولئك المبتدعة أو تجاهلوا أن أنصار السنة، لا يقلدون في دين الله تعالى رجلا بعينة كما يفعل أولئك! ولا يؤثرون على الحق الذي تبين لهم قول أحد من العلماء مهما كان اعتقادهم حسناً في علمه وصلاحه، وأنهم إنما ينظرون إلى القول لا إلى القائل، وإلى الدليل، وليس إلى التقليد، جاعلين نصب أعينهم قول إمام دار الهجرة "ما منا من أحد إلا رد ورد عليه إلا صاحب هذا القبر"! وقال: "كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر". وإذا كان من المسلَّم به عند أهل العلم أن لكل عقيدة أو رأى يتبناه في هذه الحياة أثرًا في سلوكه إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، فإن من المسلَّم به أيضًا، أن الأثر يدل على المؤثر، وأن أحدهما مرتبط بالآخر، خيرًا أو شرًّا كما ذكرنا، وعلى هذا فلسنا نشك أن لهذا القول أثراً سيئاً في من يحمله أو يتبناه، من ذلك مثلاً أن صاحبه يتكل في تحصيل الثواب والدرجات العاليات على غيره، لعلمه أن الناس يهدون الحسنات مئات المرات في اليوم الواحد إلى جميع المسلمين الأحياء منهم والأموات، وهو واحد منهم، فلماذا لا يستغني حينئذ بعمل غيره عن سعيه وكسبه.! ألست ترى مثلاً أن بعض المشايخ الذين يعيشون على كسب بعض تلامذتهم، لا يسعون بأنفسهم ليحصلوا على قوت يومهم بعرق جبينهم وكد يمينهم! وما السبب في ذلك إلا أنهم استغنوا عن ذلك بكسب غيرهم! فاعتمدوا عليه وتركوا العمل، هذا أمر مشاهد في الماديات، معقول في المعنويات كما هو الشأن في هذه المسألة. وليت أن ذلك وقف عندها، ولم يتعدها إلى ما هو أخطر منها، فهناك قول بجواز الحج عن الغير ولو كان غير معذور كأكثر الأغنياء التاركين للواجبات فهذا القول يحملهم على التساهل في الحج والتقاعس عنه، لأنه يتعلل به ويقول في

стр. 3919

باطنه: يحجون عني بعد موتي! بل إن ثمة ما هو أضر من ذلك، وهو القول بوجوب إسقاط الصلاة عن الميت التارك لها! فإنه من العوامل الكبيرة على ترك بعض المسلمين للصلاة، لأنه يتعلل بأن الناس يسقطونها عنه بعد وفاته! إلى غير ذلك من الأقوال التي لا يخفى سوء أثرها علي المجتمع، فمن الواجب على العالم الذي يريد الإصلاح أن ينبذ هذه الأقوال لمخالفتها نصوص الشريعة ومقاصدها الحسنة. وقابل أثر هذه الأقوال بأثر قول الواقفين عند النصوص لا يخرجون عنها بتأويل أو قياس تجد الفرق كالشمس؛ فإن من لم يأخذ بمثل الأقوال المشار إليها لا يعقل أن يتكل على غيره في العمل والثواب، لأنه يرى أنه لا ينجيه إلا عمله، ولا ثواب له إلا ما سعى إليه هو بنفسه، بل المفروض فيه أن يسعى ما أمكنه إلى أن يخلف من بعده أثرًا حسنا يأتيه أجره، وهو وحيد في قبره، بدل تلك الحسنات الموهومة، وهذا من الأسباب الكثيرة في تقدم السلف وتأخرنا، ونصر الله إياهم، وخذلانه إيانا، نسأل الله تعالى أن يهدينا كما هداهم، وينصرنا كما نصرهم. خامساً: ما خلَّفه من بعده من آثار صالحة وصدقات جارية، لقوله ﵎: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾، وفيه أحاديث: الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله (١) إلا من ثلاثة [أشياء]،إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو

стр. 3920

ولد صالح (١) يدعو له».أخرجه مسلم (٥/ ٧٣) والسياق له والبخاري في (الأدب المفرد) (ص ٨) وأبو داود (٢/ ١٥) والنسائي (٢/ ١٢٩) والطحاوي في (المشكل) (١/ ٨٥) والبيهقي (٦/ ٢٧٨) وأحمد (٢/ ٣٧٢)، والزيادة لأبي داود والبيهقي. الثاني: عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﵌: «خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده» أخرجه ابن ماجه (١/ ١٠٦) وابن حبان في "صحيحة " (رقم ٨٤،٨٥) والطبراني في "المعجم الصغير" (ص٧٩) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ١٥) وإسناده صحيح كما قال المنذري في "الترغيب" (١/ ٥٨) الثالث: عن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله ﵌: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علماً علمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته» أخرجه ابن ماجه (١/ ١٠٦) بإسناد حسن، ورواه ابن خزيمة في "صحيحة" أيضا والبيهقي كما قال المنذري. الرابع: عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: «كنا عند رسول الله ﵌ في صدر النهار، فجاءه أقوام حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي

стр. 3921

السيوف، [وليس عليهم أزر ولا شئ غيرها] عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر (وفي رواية: فتغير - ومعناهما واحد) وجه رسول الله ﵌ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وصلى [الظهر، ثم صعد منبراً صغيراً]، ثم خطب [فحمد الله وأثنى عليه] فقال: [أما بعد فإن الله أنزل في كتابه]: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا﴾، والآية التي في (الحشر): ﴿ويا أيها الذين آمنوا] اتقوا الله ولتنظر ننسى ما قدمت لغد واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون. ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون. لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون﴾ تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة]، تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، [من شعيره]، من صاع تمره، حتى قال: [ولا يحقرن أحدكم شيئا من الصدقة]،ولو بشق تمرة، [فأبطؤوا حتى بان في وجهه الغضب]،قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة [من ورق (وفي رواية: من ذهب)] كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت [فناولها رسول الله ﵌ وهو على منبره] [فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله]، [فقبضها رسول الله ﵌]، [قام أبو بكر فأعطى، ثم قام عمر فأعطى، ثم قام المهاجرون والأنصار فأعطوا]، ثم تتابع الناس [في الصدقات]، [فمن ذي دينار، ومن ذي درهم، ومن ذي، ومن ذي] حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﵌ يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله ص: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، و [مثل] أجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ، ومن سن سنة في الاسلام سيئة كان عليه وزرها و [مثل] وزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص

стр. 3922

من أوزارهم شئ، [ثم تلى هذه الآية: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾، [قال: فقسمه بينهم]».أخرجه مسلم (٣/ ٨٨، ٨٩/ ٦١، ٦٢) والنسائي (١/ ٣٥٥، ٣٥٦) والدارمي (١/ ١٢٦، ١٢٧) والطحاوي في "المشكل" (١/ ٩٣، ٩٧) والبيهقي (٤/ ١٧٥، ١٧٦) والطيالسي (٦٧٠) وأحمد (٤/ ٣٥٧، ٣٥٨، ٣٥٩، ٣٦٠، ٣٦١، ٣٦٢) وابن أبي حاتم أيضا في " تفسيره "، كما في ابن كثير (٣/ ٥٦٥) والزيادة التي قبل الأخيرة له، وإسنادها صحيح، وللترمذي (٣/ ٣٧٧) وصححه وابن ماجه (١/ ٩٠) الجملتان اللتان قبل الزيادة المشار إليها مع الزيادتين فيهما. وأما الزيادة الأولى فهي للبيهقي، وما بعدها إلى الرابعة له ولمسلم، والخامسة حتى الثامنة للبيهقي، وعند الطيالسي الخامسة، والتاسعة للدارمي وأحمد، ولمسلم نحوها وكذا الطيالسي وأحمد أيضاً، والعاشرة والثانية عشر والخامسة عشر والتاسعة عشر للبيهقي، والحادية عشر والسابعة عشر للطحاوي وأحمد، والرابعة عشر للطيالسي، والسادسة عشر والسابعة عشر لمسلم والترمذي وأحمد وغيرهم. والرواية الثانية للنسائي والبيهقي: والثالثة للطحاوي وأحمد. "أحكام الجنائز" (ص٢١٣ - ٢٢٦). [١٤٦١] باب هل ينتفع الميت بعمل غيره ؟ [قال رسول الله ﵌]: - «أما أبوك فلو كان أقر بالتوحيد، فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك». [قال الإمام]: أخرجه الإمام أحمد (٢/ ١٨٢) حدثنا هشيم أخبرنا حجاج حدثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

стр. 3923

" أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام ابن العاص نحر حصته خمسين بدنة، وأن عمراً سأل النبي ﵌ عن ذلك؟ فقال " فذكره. والحديث دليل واضح على أن الصدقة والصوم تلحق الوالد ومثله الوالدة بعد موتهما إذا كانا مسلمين ويصل إليهما ثوابها، بدون وصية منهما. ولما كان الولد من سعي الوالدين، فهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ فلا داعي إلى تخصيص هذا العموم بالحديث وما ورد في معناه في الباب، مما أورده المجد ابن تيمية في " المنتقى " كما فعل البعض. واعلم أن كل الأحاديث التي ساقها في الباب هي خاصة بالأب أو الأم من الولد، فالاستدلال بها على وصول ثواب القرب إلى جميع الموتى كما ترجم لها المجد ابن تيمية بقوله " باب وصول ثواب القرب المهداة إلى الموتى " غير صحيح لأن الدعوى أعم من الدليل، ولم يأت دليل يدل دلالة عامة على انتفاع عموم الموتى من عموم أعمال الخير التي تهدى إليهم من الأحياء، اللهم إلا في أمور خاصة ذكرها الشوكاني في " نيل الأوطار " (٤/ ٧٨ - ٨٠)، ثم الكاتب في كتابه " أحكام الجنائز وبدعها " .. ، من ذلك الدعاء للموتى فإنه ينفعهم إذا استجابه الله ﵎. فاحفظ هذا تنج من الإفراط والتفريط في هذه المسألة، وخلاصة ذلك أن للولد أن يتصدق ويصوم ويحج ويعتمر ويقرأ القرآن عن والديه لأنه من سعيهما، وليس له ذلك عن غيرهما إلا ما خصه الدليل مما سبقت الإشارة إليه. والله أعلم. "الصحيحة" (١/ ٢/٨٧٣ - ٨٧٤).

стр. 3924

[١٤٦٢] باب منه [روي عن النبي ﵌ أنه قال [: «أعتقوا عنه، يعتق الله بكل عضومنه، عضوا منه من النار». (ضعيف). [قال الإمام]: هذا وقد يستدل بالحديث من يقول بوصول ثواب العمل إلى غير عامله إذا وهبه له، وهو خلاف قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ وما في معناه من الأحاديث ولو صح هذا الحديث لكان من جملة المخصصات للآية، وقد حقق الإمام الشوكاني القول في هذا الموضوع وذكر ما وقف عليه من المخصصات المشار إليها، فراجعه في " نيل الأوطار " (٣/ ٣٣٣ - ٣٣٦)، مع فصل " ما ينتفع به الميت " من كتابي " أحكام الجنائز " (ص ١٦٨ - ١٧٨). "الضعيفة" (٢/ ٣٠٧، ٣٠٩). [١٤٦٣] باب منه [سئل الشيخ عن مسألة انتفاع الميت بعمل غيره، فأجاب]: -أنا تعرضت لهذه المسألة في أحكام الجنائز بشيء من التفصيل تعرفه، ثم لخصته في جزء نحو ربع من الأصل، بالنسبة للوالدين فكل ما يفعله الولد يستفيد منه الوالدان على اعتبار أنهما السبب في هذا الخير كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ وقد جاء في الحديث الصحيح: «أطيب الكسب كسب الرجل من عمل يده، وإن أولادكم من كسبكم»

стр. 3925

[من خلال] الوصف النبوي نخرج بالنتيجة السابقة الذكر وهي: أن كل الأعمال الصالحة التي تصدر من الولد فهي تصل إلى الوالد أما سائر الناس فلا ... ، الأعمال الصالحة (ليس) ينتفع بها إلا صاحبها مع شرط القبول، وإلا من كان سبباًَ لهذا العمل الصالح بمعنى ما ذكره الرسول ﵇ في الحديث الصحيح: «إذا مات الإنسان» وفي روايات أخرى: «ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعوا له» الشاهد من الحديث هي الفقرة الوسطى: «أو علم ينتفع به» فرجل مثلاً توفي وخلف من بعده تلامذة ينشرون العلم فما دام هؤلاء التلامذة ينشرون هذا العلم فأجر هذا النشر يصل إلى هذا العالم المتوفى في قبره لأنه كان سبب لهذا العلم، أو مثلاً ألف كتاباً والناس ينتفعون منه بعد وفاته لأن هذا من آثاره، وقد قال تعالى: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ فهذه هي القاعدة: الأبوان يصل إليهما أجر عمل الولد مداخلة: هل يشترط في هذا القصد؟ الشيخ: لا يشترط، ولكن هنا شيء من التفصيل؛ في شيء يصل كما يقال اليوم أوتوماتيكياً لكن الأفضل إذا أراد الولد أن ينفع والده أو والديه وهما في قبريهما أن يخصهما بالنية؛ أن يقول مثلاً: هذه الصدقة عن أبي، هذه الحجة، هذه العمرة عن والدي أو والدتي، لكن لو لم يفعل ذلك وصلهما ... " الهدى والنور" (٨٣/ ١٩: ٤٤: ٠٠) [١٤٦٤] باب هل ينفع الميت صيام غيره عنه مطلقاً ؟ [قال الإمام]: قوله [أي: صاحب فقه السنة] في مذهب الشافعية المختار: أنه يستحب لولي
следующие страницы →