← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

السيوف، [وليس عليهم أزر ولا شئ غيرها] عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر (وفي رواية: فتغير - ومعناهما واحد) وجه رسول الله ﵌ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وصلى [الظهر، ثم صعد منبراً صغيراً]، ثم خطب [فحمد الله وأثنى عليه] فقال: [أما بعد فإن الله أنزل في كتابه]: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا﴾، والآية التي في (الحشر): ﴿ويا أيها الذين آمنوا] اتقوا الله ولتنظر ننسى ما قدمت لغد واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون. ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون. لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون﴾ تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة]، تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، [من شعيره]، من صاع تمره، حتى قال: [ولا يحقرن أحدكم شيئا من الصدقة]،ولو بشق تمرة، [فأبطؤوا حتى بان في وجهه الغضب]،قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة [من ورق (وفي رواية: من ذهب)] كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت [فناولها رسول الله ﵌ وهو على منبره] [فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله]، [فقبضها رسول الله ﵌]، [قام أبو بكر فأعطى، ثم قام عمر فأعطى، ثم قام المهاجرون والأنصار فأعطوا]، ثم تتابع الناس [في الصدقات]، [فمن ذي دينار، ومن ذي درهم، ومن ذي، ومن ذي] حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﵌ يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله ص: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، و [مثل] أجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ، ومن سن سنة في الاسلام سيئة كان عليه وزرها و [مثل] وزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص

стр. 3922

من أوزارهم شئ، [ثم تلى هذه الآية: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾، [قال: فقسمه بينهم]».أخرجه مسلم (٣/ ٨٨، ٨٩/ ٦١، ٦٢) والنسائي (١/ ٣٥٥، ٣٥٦) والدارمي (١/ ١٢٦، ١٢٧) والطحاوي في "المشكل" (١/ ٩٣، ٩٧) والبيهقي (٤/ ١٧٥، ١٧٦) والطيالسي (٦٧٠) وأحمد (٤/ ٣٥٧، ٣٥٨، ٣٥٩، ٣٦٠، ٣٦١، ٣٦٢) وابن أبي حاتم أيضا في " تفسيره "، كما في ابن كثير (٣/ ٥٦٥) والزيادة التي قبل الأخيرة له، وإسنادها صحيح، وللترمذي (٣/ ٣٧٧) وصححه وابن ماجه (١/ ٩٠) الجملتان اللتان قبل الزيادة المشار إليها مع الزيادتين فيهما. وأما الزيادة الأولى فهي للبيهقي، وما بعدها إلى الرابعة له ولمسلم، والخامسة حتى الثامنة للبيهقي، وعند الطيالسي الخامسة، والتاسعة للدارمي وأحمد، ولمسلم نحوها وكذا الطيالسي وأحمد أيضاً، والعاشرة والثانية عشر والخامسة عشر والتاسعة عشر للبيهقي، والحادية عشر والسابعة عشر للطحاوي وأحمد، والرابعة عشر للطيالسي، والسادسة عشر والسابعة عشر لمسلم والترمذي وأحمد وغيرهم. والرواية الثانية للنسائي والبيهقي: والثالثة للطحاوي وأحمد. "أحكام الجنائز" (ص٢١٣ - ٢٢٦). [١٤٦١] باب هل ينتفع الميت بعمل غيره ؟ [قال رسول الله ﵌]: - «أما أبوك فلو كان أقر بالتوحيد، فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك». [قال الإمام]: أخرجه الإمام أحمد (٢/ ١٨٢) حدثنا هشيم أخبرنا حجاج حدثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

стр. 3923

" أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام ابن العاص نحر حصته خمسين بدنة، وأن عمراً سأل النبي ﵌ عن ذلك؟ فقال " فذكره. والحديث دليل واضح على أن الصدقة والصوم تلحق الوالد ومثله الوالدة بعد موتهما إذا كانا مسلمين ويصل إليهما ثوابها، بدون وصية منهما. ولما كان الولد من سعي الوالدين، فهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ فلا داعي إلى تخصيص هذا العموم بالحديث وما ورد في معناه في الباب، مما أورده المجد ابن تيمية في " المنتقى " كما فعل البعض. واعلم أن كل الأحاديث التي ساقها في الباب هي خاصة بالأب أو الأم من الولد، فالاستدلال بها على وصول ثواب القرب إلى جميع الموتى كما ترجم لها المجد ابن تيمية بقوله " باب وصول ثواب القرب المهداة إلى الموتى " غير صحيح لأن الدعوى أعم من الدليل، ولم يأت دليل يدل دلالة عامة على انتفاع عموم الموتى من عموم أعمال الخير التي تهدى إليهم من الأحياء، اللهم إلا في أمور خاصة ذكرها الشوكاني في " نيل الأوطار " (٤/ ٧٨ - ٨٠)، ثم الكاتب في كتابه " أحكام الجنائز وبدعها " .. ، من ذلك الدعاء للموتى فإنه ينفعهم إذا استجابه الله ﵎. فاحفظ هذا تنج من الإفراط والتفريط في هذه المسألة، وخلاصة ذلك أن للولد أن يتصدق ويصوم ويحج ويعتمر ويقرأ القرآن عن والديه لأنه من سعيهما، وليس له ذلك عن غيرهما إلا ما خصه الدليل مما سبقت الإشارة إليه. والله أعلم. "الصحيحة" (١/ ٢/٨٧٣ - ٨٧٤).

стр. 3924

[١٤٦٢] باب منه [روي عن النبي ﵌ أنه قال [: «أعتقوا عنه، يعتق الله بكل عضومنه، عضوا منه من النار». (ضعيف). [قال الإمام]: هذا وقد يستدل بالحديث من يقول بوصول ثواب العمل إلى غير عامله إذا وهبه له، وهو خلاف قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ وما في معناه من الأحاديث ولو صح هذا الحديث لكان من جملة المخصصات للآية، وقد حقق الإمام الشوكاني القول في هذا الموضوع وذكر ما وقف عليه من المخصصات المشار إليها، فراجعه في " نيل الأوطار " (٣/ ٣٣٣ - ٣٣٦)، مع فصل " ما ينتفع به الميت " من كتابي " أحكام الجنائز " (ص ١٦٨ - ١٧٨). "الضعيفة" (٢/ ٣٠٧، ٣٠٩). [١٤٦٣] باب منه [سئل الشيخ عن مسألة انتفاع الميت بعمل غيره، فأجاب]: -أنا تعرضت لهذه المسألة في أحكام الجنائز بشيء من التفصيل تعرفه، ثم لخصته في جزء نحو ربع من الأصل، بالنسبة للوالدين فكل ما يفعله الولد يستفيد منه الوالدان على اعتبار أنهما السبب في هذا الخير كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ وقد جاء في الحديث الصحيح: «أطيب الكسب كسب الرجل من عمل يده، وإن أولادكم من كسبكم»

стр. 3925

[من خلال] الوصف النبوي نخرج بالنتيجة السابقة الذكر وهي: أن كل الأعمال الصالحة التي تصدر من الولد فهي تصل إلى الوالد أما سائر الناس فلا ... ، الأعمال الصالحة (ليس) ينتفع بها إلا صاحبها مع شرط القبول، وإلا من كان سبباًَ لهذا العمل الصالح بمعنى ما ذكره الرسول ﵇ في الحديث الصحيح: «إذا مات الإنسان» وفي روايات أخرى: «ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعوا له» الشاهد من الحديث هي الفقرة الوسطى: «أو علم ينتفع به» فرجل مثلاً توفي وخلف من بعده تلامذة ينشرون العلم فما دام هؤلاء التلامذة ينشرون هذا العلم فأجر هذا النشر يصل إلى هذا العالم المتوفى في قبره لأنه كان سبب لهذا العلم، أو مثلاً ألف كتاباً والناس ينتفعون منه بعد وفاته لأن هذا من آثاره، وقد قال تعالى: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ فهذه هي القاعدة: الأبوان يصل إليهما أجر عمل الولد مداخلة: هل يشترط في هذا القصد؟ الشيخ: لا يشترط، ولكن هنا شيء من التفصيل؛ في شيء يصل كما يقال اليوم أوتوماتيكياً لكن الأفضل إذا أراد الولد أن ينفع والده أو والديه وهما في قبريهما أن يخصهما بالنية؛ أن يقول مثلاً: هذه الصدقة عن أبي، هذه الحجة، هذه العمرة عن والدي أو والدتي، لكن لو لم يفعل ذلك وصلهما ... " الهدى والنور" (٨٣/ ١٩: ٤٤: ٠٠) [١٤٦٤] باب هل ينفع الميت صيام غيره عنه مطلقاً ؟ [قال الإمام]: قوله [أي: صاحب فقه السنة] في مذهب الشافعية المختار: أنه يستحب لولي

стр. 3926

الميت أن يصوم عنه: " واستدلوا بما رواه أحمد والشيخان عن عائشة أن النبي ﵌ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» زاد البزار لفظ: «إن شاء» وقال في التعليق:" سندها حسن " قلت: كلا بل هذه الزيادة ضعيفة منكرة فإن مدارها على ابن لهيعة وهو ضعيف وقد تفرد بها كما قال الحافظ في " الفتح " وقال في " التلخيص ": " وهي ضعيفة لأنها من طريق ابن لهيعة " والمؤلف كأنه تبع في تحسينها صديق خان في " الروضة " وهو تبع الهيثمي في " المجمع " وهو خطأ أو تساهل منهم جميعاً. ثم إن هذا الحديث حمله الحنابلة على صوم النذر فهو الذي يصومه الولي عنه، وأما صوم الفرض فلا يصومه أحد عن أحد وهو مذهب راوية الحديث عائشة، وكذا ابن عباس راوي الحديث الآتي بعده، وقد ذكرت أقوالهما في ذلك في " أحكام الجنائز " في المبحث (١٠٦)، وهو الذي تقتضيه أصول الشريعة وحكمتها، وقد انتصر لهذا ابن القيم في " تهذيب السنن " وكذا في " إعلام الموقعين " ونقلت كلامه منه في الكتاب المشار إليه وهو نفيس فليراجع. [ثم قال الإمام]: قوله [أي صاحب " فقه السنة"]: " وروى أحمد وأصحاب السنن عن ابن عباس: أن رجلا جاء إلى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها؟. . قال: نعم. . " قلت: هذا يوهم أنه لم يخرجه من هو أرقي في الصحة من المذكورين وليس كذلك فقد أخرجه الشيخان في " الصوم " عن ابن عباس وفي رواية لهما: " ماتت

стр. 3927

وعليها صوم نذر ". فهذا الحديث إذن وارد في صوم النذر فلا يجوز الاستدلال به على صوم الفرض كما فعل المؤلف وبعبارة أخرى الحديث دليل للحنابلة لا للشافعية فتنبه. "تمام المنة" (ص٤٢٥ - ٤٢٦). [١٤٦٥] باب هل ينتفع الأموات بدعوة الأحياء وصدقاتهم ؟ -[قال الإمام معلقاً على قول صاحب الطحاوية:"وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات"]: نقل الشارح [أي: أبن أبي العز] رحمه الله تعالى اتفاق أهل السنة على ذلك، ثم ساق الأدلة من الكتاب والسنة عليه، ولكنه فيما يتعلق بالصدقة لم يذكر إلا ما يدل على انتفاع الوالد بصدقة ولده، وهذا أخص من الدعوى كما لا يخفى. وقد شرحت هذا ونظرت في الاتفاق المذكور في أحكام الجنائز " (ص ١٧٣) فراجعه. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٩٩ - ١٠٠). [١٤٦٦] باب هل ينتفع الميت بصدقة الحي ؟ [قال الإمام:] ليس في السنة - فضلاً عن القرآن - دليل يدل على انتفاع كل ميت بصدقة الحي، وإنما فيها انتفاع الوالد بصدقة الولد، وذلك لأنه من سعى الوالد، ولا يصح إلحاق غيره به كما حققته في " أحكام الجنائز" (ص١٧٣ - ١٧٨). "التعليق على إصلاح المساجد" (ص ٢١٨).

стр. 3928

[١٤٦٧] باب الميت ينتفع بقضاء الدين عنه ولو من غير ولده، بخلاف التصدق عنه [ذكر الإمام بعض ما يجب على الحاضرين فعله بعد موت الميت فأورد أمورًا ثم قال]: أن يبادر بعضهم لقضاء دينه من ماله، ولو أتى عليه كله، فإن لم يكن له مال فعلى الدولة أن تؤدي عنه إن كان جهد في قضائه، فإن لم تفعل، وتطوع بذلك بعضهم جاز، وفي ذلك أحاديث: الأول: عن سعد بن الأطول ﵁:" أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالاً، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، قال: فقال لي النبي ﵌: «إن أخاك محبوس بدينه (فاذهب) فاقض عنه (فذهبت فقضيت عنه، ثم جئت) قلت: يا رسول الله، قد قضيت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة، وليست لها بينة، قال: «أعطها فإنها محقة، (وفي رواية: صادقة)». أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٢) وأحمد (٤/ ١٣٦، ٥/ ٧) والبيهقي (١٠/ ١٤٢) وأحد إسناديه صحيح، والآخر مثل إسناد ابن ماجه، وصححه البوصيري في " الزوائد "! وسياق الحديث والرواية الثانية للبيهقي وهي والزيادات لأحمد في رواية. الثاني: عن سمرة بن جندب. " أن النبي ﵌ صلى على جنازة (وفي رواية: صلى الصبح) فلما انصرف قال: «أههنا من آل فلان أحد»؟ (فقال رجل: هو ذا)، قال: فقام رجل يجر إزاره من مؤخر الناس (ثلاثا لا يجيبه أحد)، (فقال له النبي ﵌: ما منعك في المرتين الأولين أن تكون أجبتني؟) أما إني لم أفوه باسمك إلا لخير، إن فلاناً - لرجل منهم - مأسور بدينه (عن الجنة، فإن شئتم فافدوه، وإن

стр. 3929

شئتم فأسلموه إلى عذاب الله)، فلو رأيت أهله ومن يتحرون أمره قاموا فقضوا عنه، (حتى ما أحد يطلبه بشيء) " (١) أخرجه أبو داود (٢/ ٨٤) والنسائي (٢/ ٢٣٣) والحاكم (٢/ ٢٥،٢٦) والبيهقي (٦/ ٤/٧٦) والطيالسي في مسنده (رقم ٨٩١،٨٩٢) وكذا أحمد (٥/ ١١، ١٣،٢٠) بعضهم عن الشعبي عن سمرة، وبعضهم أدخل بينهما سمعان بن مشنج، وعلى الوجه الثاني صحيح فقط. والرواية الأخرى للمسندين، والزيادة الأولى والثانية للحاكم، وكذا الثالثة والخامسة، وللبيهقي الثانية، ولأحمد الثالثة والرابعة، وللطيالسي الخامسة، وله ولأحمد وأبي داود السادسة. الثالث: عن جابر بن عبد الله قال: "مات رجل، فغسلناه وكفناه وحنطناه، ووضعناه لرسول الله ﵌ حيث توضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله ﵌ بالصلاة عليه، فجاء معنا، (فتخطى) خطى، ثم قال: لعل على صاحبكم ديناً؟» قالوا: نعم ديناران، فتخلف، (قال: صلوا على صاحبكم)، فقال له رجل منا يقال له أبو قتادة: يا رسول الله هما علي، فجعل رسول الله ﵌ يقول: «هما عليك وفي مالك، والميت منهما برئ»؟ فقال: نعم، فصلى عليه، فجعل رسول الله ﵌ إذا لقي أبا قتادة يقول: (وفي رواية ثم لقيه من الغد فقال:) ما صنعت الديناران؟ (قال: يا رسول الله إنما مات أمس) حتى كان آخر ذلك (وفي الرواية الأخرى: ثم لقيه من الغد فقال: ما

стр. 3930

فعل الديناران؟) قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: «الآن حين بردت عليه جلده" (١).أخرجه الحاكم (٢/ ٥٨) والسياق له والبيهقي (٦/ ٧٤ - ٧٥) والطيالسي (١٦٧٣) وأحمد (٣/ ٣٣٠) بإسناد حسن كما قال الهيثمي (٣/ ٣٩) وأما الحاكم فقال: " صحيح الإسناد "! ووافقه الذهبي! والرواية الأخرى مع الزيادات عندهم جميعا إلا الحاكم، إلا الزيادة الثانية فهي للطيالسي وحده ... [تنبيه]: [١]- أفادت هذه الأحاديث أن الميت ينتفع بقضاء الدين عنه، ولو كان من غير ولده، وأن القضاء يرفع العذاب عنه، فهي من جملة المخصصات لعموم قوله ﵎: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ ولقوله ﵌: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ... » الحديث رواه مسلم والبخاري في الأدب المفرد وأحمد، ولكن القضاء عنه شيء والتصدق عنه شيء آخر؛ فإنه أخص من التصدق، وإلا فالأحاديث التي وردت في التصدق عنه، إنما موردها في صدقة الولد عن الوالدين، وهو من كسبهما بنص الحديث، فلا يحوز قياس الغريب عليهما؛ لأنه قياس مع الفارق كما هو ظاهر، ولا قياس الصدقة على القضاء؛ لأنها أعم منه كما ذكرنا. "أحكام الجنائز" (ص٢٥ - ٢٨).

стр. 3931

[١٤٦٨] باب هل تصل صدقة الفاسق لأبيه المتوفي ؟ سؤال: دعاء الولد الغير صالح ونفقته عن أبيه المتوفى؟ الشيخ: غير صالح. مداخلة: وتصدقه عن أبيه المتوفى، هل يصل لوالده؟ الشيخ: إذا كانت الصدقة لوجه الله فالله يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ (الزلزلة:٧، ٨). وقولك: أن الولد غير صالح، فهل كونه غير صالح ثم يريد أن يتصدق، فالصدقة أمر صالح أو ليس بصالح؟ مداخلة: صالح. الشيخ: صالح، فقولك: أنه غير صالح، يعني ماذا تعني؟ مداخلة: يعني: ما يصلي. الشيخ: ما يصلي، طيب، فاسق مش كافر يعني؟ مداخلة: لا مش كافر. الشيخ: الحمد لله، الجواب سبق في الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ (الزلزلة:٧)، ومن تصدق عن أبيه ويبتغي من وراء ذلك مرضات ربه وصلة أبيه ولو بعد وفاته، هذا بلا شك يصدق عليه قوله ﵇: «أطيب الكسب كسب الرجل من عمل يده، وإن أولادكم من كسبكم»، كما لو فعل الرجل نفسه هذا الرجل الصالح لو تصدق على مسكين ماذا نقول؟ هل تقبل صدقته؟ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ

стр. 3932

مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ (الزلزلة:٧) .. ، هذه الصورة العادية، يعني في ناس نعرفهم لا يصلون فعلاً لكنهم يتصدقون، هاه، هذا يتصدق للفقراء والمساكين لكنه لا يصلي مثلاً ولا يحج، فنحن ما نقول: إن صدقته مقبولة مطلقاً أو مردودة مطلقاً، وإنما نقول: ماذا قصد بالصدقة؟ فإن كان قصد بها وجه الله فهي بلا شك حسنة، والله يقبل الحسنات، أما إن قصد بذلك غير وجه الله ، حتى من الصالح، لا تقبل منه، وهذه حقائق معروفة شرعاً، نعم. تفضل. "الهدى والنور" (٧٢٩/ ٤٧: ٣٥: ٠٠) [١٤٦٩] باب هل ينتفع الميت بثواب الصدقة أو قراءة القرآن عنه ؟ سؤال: « .. إذا تُصُدِّق عن الميت على من يقرأ القرآن أو غيرهم؛ ينفعه ذلك باتفاق المسلمين، وكذلك من قرأ القرآن محتسباً وأهداه إلى الميت نفعه ذلك، والله أعلم» ما رأيك يا شيخنا في هذه العبارة؟ الشيخ: من قال هيك؟ مداخلة: هذه في الفتاوى الجزء الأربع والعشرين (١). الشيخ: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية؟ مداخلة: أي نعم فتاوى ابن تيمية. الشيخ: ابن تيمية له فتويان. مداخلة: نعم.

стр. 3933

الشيخ: واحد يقول فيها وهو الصواب: إنه هذا لم يكن من عمل السلف. مداخلة: نعم. الشيخ: والأخرى: كما قرأت، .. وهذا المقروء غير سليم ولا صحيح، لأن الله يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم:٣٩)، وهذا نص قرآني معصوم، وعام شامل، فلا يخرج منه إلا ما جاء الدليل القاطع باستثنائه منه، ولم يأت الدليل إلا في مواطن معدودة ومحصورة، وأنا كنت تعرضت لهذه المسألة بشيء من التفصيل، والبيان في كتابي أحكام الجنائز وبدعها، فإذا ما كنت رجعت إليه فارجع إليه ليتبين لك إن شاء الله الأمر. مداخلة: إن شاء الله. يا شيخنا؟ الشيخ: نعم. مداخلة: الموضع الثاني، هو في الفتاوى لابن تيمية كذلك؟ الشيخ: الموضع الثاني وهو؟ مداخلة: الذي ذكرته أنت يا شيخنا الآخر. الشيخ: لا ما أذكر إن كان في نفس هذه الفتاوى أو في كتبه الأخرى. مداخلة: نعم. الشيخ: ولعل المرجع تبعي الذي دللتك عليه يعينك على هذا. مداخلة: إن شاء الله تعالى يا شيخنا. الشيخ: إن شاء الله. " الهدى والنور" (/٢٠٢/ ٤٠: ٥٤: ٠٠).

стр. 3934

[١٤٧٠] باب هل يصل ثواب قراءة القرآن للميت ؟ سؤال: يا شيخ هل يجوز إيصال الثواب بقراءة القرآن؟ .. ، لقد استدل البعض بتعليقكم على شرح العقيدة الطحاوية في هذا الموضوع؛ بأنكم ترون جوازه ... الشيخ: .. أنا ما أقول يا أخي بالجواز مطلقاً، أنا أقول: بأن كسب الولد .. كما قال ﵇: «أطيب الكسب كسب الرجل من عمل يده، وإن أولادكم من كسبكم» وقال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (يس:١٢). وقال ﵊ في الحديث الصحيح: «إذا مات الإنسان» وفي رواية: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» فهذا الولد الصالح فعله الصالح ينفع والديه؛ لأنه أثر من آثار الوالدين، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (يس:١٢)، ولا أقول بأن القراءة هذه تفيد غير الوالدين أو أي يعني: فعل صالح يفيد غير الوالدين، ولعلكم تذكرون أن بعض العلماء المتقدمين يقولون: بأن صدقة المتصدق عن بعض المسلمين تصلهم هذه الصدقة ولو كانوا غير الوالدين، نحن في هذا الموقف نحدد الوصول للوالدين، فصدقة الولد تصل إلى الوالدين، وكل عمل صالح كعتق الرقاب والعبادات بصورة عامة تصل إلى الوالدين لما ذكرنا آنفاً من عموم الأدلة. أما أن ينتفع من هذه المبرات أو هذه العبادات غير الوالدين ومنها تلاوة قرآن نحن ما نقول بهذا العموم؛ ولذلك فينبغي إعادة النظر في ذالك الكلام حتى لا ينسب إلينا ما لا نقول به، نحن نقول فقط بهذا التحديد الضيق. "الهدى والنور" (٣٦٦/ ٠٠:٠٤:٥٦ طريق الإسلام)

стр. 3935

[١٤٧١] باب هل يصل ثواب قراءة القرآن إلى الميت سؤال: قراءة القرآن تصل إلى الميت؟ الشيخ: إذا كان الذي يقرأ القرآن هو ولد للمتوفى سواء كان أباً أو أماً فهذه القراءة تنفع، أما من سوى الأولاد فلا تنفع قراءتهم غير الأبوين كما ذكرت آنفاً، فالزوجة إذاً طلعت خارج، لكن بلا شك أنتِ كزوجة مصابة بوفاة زوجك فباستطاعك أنك تدعي له أنه إن كان محسناً فربنا يزيد في حسناته، وإن كان مسيئاً فربنا يتجاوز عن سيئاته، دائماً تذكريه بالخير وتدعي له بالخير، أما أنك تقرأي وتهدي ثواب القراءة للزوج خلاص انقطع عمله كما ذكرت في الحديث السابق وتمام هذا الحديث قوله ﵊: «إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». " الهدى والنور" (/٢٩٠/ ١٠: ٥٣: ٠٠). [١٤٧٢] باب هل يجزى حج الأولاد أو الورثة عن أبيهم المتوفي ؟ سؤال: رجل كان مستطيعاً الحج ولم يحج ومات، أيحج عنه الورثة أو أبناؤه مثلاً؟ الشيخ: إذا كان وجب عليه الحج فإن استطاع الحج ولم يفعل فلا يستطيع أحد أن يحج عنه، وهذا فيه أثر صحيح عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «لا يحج أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد» رواه الإمام مالك في الموطأ بالسند الصحيح. بدأت بهذا الأثر الصحيح لصراحته في الموضوع وهو مأخوذ من نصوص من الكتاب والسنة، من ذلك قوله ﵎: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا

стр. 3936

سَعَى﴾ (النجم:٣٩) فإنسان أمر بأداء فريضة ما .. فريضة الحج أو الصيام أو الصلاة أو ما شابه ذلك، وكان مستطيعاً لكل ذلك ثم لم يفعل فمعنى ذلك أنه لم يتزك بالقيام بهذه الفرائض، والله يقول: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ (فاطر:١٨) فحينئذٍ من يزكيه بعد أن جاءه اليقين؟! وانتقل إلى رحمة رب العالمين أو إلى عذابه الأليم حسب ما يشاء الله أن يعامله به. من الذي يزكيه؟ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم:٣٩) ولذلك قال ذلك الصحابي الجليل: "لا يحج أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد" أي: هذا في الفرائض؛ ولذلك فرجل مات ولم يؤد فريضة الحج التي كانت فرضت عليه فلا يستطيع أحد أولاده أن يحج بدلاً عنه فضلاً عما جاء في السؤال مما هو أعم مما قلت، أي: لا يستطيع أن يحج أحد من أفراد ذريته، فهذا قد يكون في الذرية أخ، وقد يكون في الذرية زوجة وإلى آخره، فإذا كان الولد لا يستطيع أن يحج عن أبيه فمن باب أولى أن لا يستطيع من هو أبعد عن هذا الأب من ابنه. وهنا قد يرد في البال كيف يقال: «لا يصوم أحد عن أحد» ورسول الله ﵌ يقول في الحديث الصحيح: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»؟ إذاً: هذا كأنه يعارض ذاك الذي قلته آنفاً. الجواب: الحديث إنما يراد به من مات وعليه صيام نذر وليس صيام فريضة، أي: هو نذر على نفسه نذراً ما كان الله فرضه عليه إلا بفرضه هو بهذا الصيام على نفسه .. هذا الذي لولي الميت أن يصوم عنه؟ من أين أخذنا هذا القيد؟ هنا مسألة تتعلق بقاعدة فقهية أصولية وهي: الراوي أدرى بمرويه من غيره، الراوي - أي: في الحديث - أدرى بمرويه من غيره .. هذه القاعدة معشر طلاب العلم! إذا فهمتموها ورسخت في أذهانكم ساعدتكم على فهم بعض المسائل الخلافية بين العلماء فمهاً صحيحاً.

стр. 3937

الراوي للحديث عن رسول الله ﵌، بل والراوي عن صحابي رسول الله ﵌ وهكذا وأنت نازل إلى إن يصنف هذا الحديث من الراوي الأول هو الصحابي، ثم التابعي، ثم تابع التابعي، ثم أتباع هذا التابعي وهكذا إلى أن يصنف، هذه القاعدة تشمل كل هذه الأصناف: الراوي أدرى بمرويه من غيره. فهنا نبدأ بالراوي الأول: هذا الحديث رواه صحابيان جليلان أحدهما عائشة رضي الله تعالى عنها، والآخر عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما .. هذان الراويان حملا الحديث على صوم النذر، إذاً: الراوي أدرى بمرويه من غيره، ولا أريد أن أطيل أيضاً في الإجابة. لكن أيضاً أريد أن أضرب مثلاً لراوٍ نازل ليس صاحبي تابعي .. فأنتم ولا شك تسمعون حديثاً تجدون عامة علماء العلم اليوم بعيدين عن فهم الحديث .. لا أقول: فهماً صحيحاً وهو صحيح، إنما أقول: إنهم فهموا الحديث على خلاف فهم الراوي عن الصحابي .. عفواً: هذا الفهم من هذا الصحابي .. من هذا الراوي عن الصحابي هو الصحيح، ما هو الحديث؟ حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «نهى رسول الله ﵌ عن بيعتين في بيعة» (١) تجار آخر الزمان يقعون في مخالفة هذا الحديث وما في معناه، فلعل إخواننا الذين جمعتنا معهم دعوة الحق الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح .. اسمعوا الآن السلف الصالح: ابن مسعود يقول: «نهى رسول الله ﵌ عن بيعتين في بيعة». الراوي لهذا الحديث عن ابن مسعود سئل: ما بيعتين في بيعة؟ قال: أن تقول

стр. 3938

أبيعك هذا بكذا نقداً وبكذا وكذا نسيئة، هذا هو بيع التقسيط اليوم! لكن الأسماء تختلف، أنا في علمي والله أعلم بيع التقسيط جاءنا من بلاد الكفر والضلال عندما استعمرت هذه البلاد .. بيع فيه بيع بالدين قديماً، أما بيع بالتقسيط منظم بما يسمى بالشيكات وإلى آخره هذه بضاعة أوروبية كافرة. «نهى عن بيعتين في بيعة» قال سماك بن حرب: الراوي لهذا الحديث عن ابن مسعود: ما بيعتين في بيعة؟ قال: أن تقول: أبيعك هذا بكذا نقداً بمائة مثلاً نقداً .. بمائة وخمسة دنانير تقسيطاً .. نسيئةً .. قال الرسول ﵇ نهى عن هذا، إذا أردنا أن نفسر هذا الحديث بغير هذا التفسير وهذا معروف من بعض المتأخرين بخاصة، نقول لهم: أولاً: راوي الحديث أدرى بمرويه من غيره، كيف هذا؟ هل يدخل في عقل طالب علم .. طالب علم بحق أن أصحاب النبي ﵌ حينما كانوا يسمعون الحديث من رسول الله ﵌ وافترض في احدهم أنه سمع الحديث وما فهم معناه ودلالته وفقهه ألا يتوجه بالسؤال إلى رسول الله ﵌؟ أم يكتم ذلك الجهل في نفسه ويروي الحديث دون أن يستوضح منه؟ أظن أنا أول الظانين ظن المؤمن هذا مستحيل على الصحابي أن يسمع الحديث لرسول الله ﵌ ولم يفهم دلالته الظاهرة، ثم هو لا يسأل الرسول عليه؟! هذا مستحيل. إذاً: يقال هذا الذي قلنا في الصحابي للذي تلقى هذا الحديث عن الصحابي، هو هنا سماك بن حرب، سمع الحديث من ابن مسعود .. نفس السؤال السابق: أتظنون أن سماك بن حرب التابعي لما سمع الحديث من ابن مسعود: «نهى عن بيعتين في بيعة» لم يفهمه، هو أحد رجلين: إما أنه فهمه وإما أنه لم يفهمه، فإذا فهمه ما في داعي للسؤال، وإذا لم يفهمه سيسأل أيضاً كما يفعل الصحابي وهكذا. فإذا سمعنا التابعي إذاً يروي هذا الحديث عن الصحابي ويسأل التابعي: ما

стр. 3939

معنى هذا الحديث؟ يقول: أنت تبيع هذا الشيء بكذا نقداً وكذا وكذا نسيئةً، هكذا الحديث ينبغي أن يفهم .. الراوي أدرى بمرويه من غيره، إذا كان الأمر كذلك .. أشعر بأني افتلت، أين كان الموضوع؟ مداخلة: في الحج. الشيخ: أيحج أحد عن أحد؟ قال ابن عمر: لا، يصوم أحد عن أحد؟ قال: لا، هناك حديث قد يشكل على البعض وهو: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» قلنا: هذا رواه عائشة وابن عباس وفسروا هذا الصيام الذي أمر به الرسول ﵇ ولي الميت أن يصوم عنه بأنه صيام النذر .. لا تتساءلوا ولا تقولوا: من أين هذا؟ الحديث مطلق، فنقول: الراوي أدرى بمرويه من غيره، وعلى ذلك فقيسوا تستريحوا في فهم كثير من النصوص إذاً استحضر .. قيسوا تستريحوا. "الهدى والنور" (٧٣٢/ ٤٨: ٣٢: ٠٠). [١٤٧٣] باب هل الحج عن الميت ينفعه ؟ سؤال: [سئل الشيخ سؤالاً مفاده هل الحج عن الميت ينفعه؟ فأجاب]: إيه، هذا فيه تفصيل، إن كان المتوفى لم يتمكن من الحج في قيد حياته إما بسبب فقره أو مرضه فحينئذٍ يجوز أنه أحد الأولاد يحج عنه، أما غيره كما ذكرنا فيما يتعلق بالقراءة فما أحد يستطيع أن يحج عنه، إلا إذا كان موصي وصية، موصي هو بشيء؟ المتصلة: لا، والله ما وصى، بس لأنه توفى. الشيخ: خلاص ما أحد يستطيع أن يحج عنه. " الهدى والنور" (٢٩٠/ ٣٤: ٥٥: ٠٠).

стр. 3940

جماع أبواب الكلام على سماع الأموات

стр. 3941

[١٤٧٤] باب تحقيق أن الموتى لا يسمعون [قال الإمام في مقدمة تحقيق "الآيات البينات في عدم سماع الأموات "الآلوسي]: اعلم أن كون الموتى يسمعون أو لا يسمعون إنما هو أمر غيبي من أمور البرزخ التي لا يعلمها إلا الله , فلا يجوز الخوض فيه بالأقيسة والآراء, وإنما يوقف فيه مع النص إثباتاً ونفياً, وسترى المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في الفصل الأول كلام الحنفية في أنهم لا يسمعون, وفي الفصل الثاني نقل عن غيرهم مثله, وحكى عن غير هؤلاء أنهم يسمعون, وليس يهمني أن هؤلاء قلة وأولئك الكثرة فالحق لا يعرف بالكثرة ولا بالقلة وإنما بدليله الثابت في الكتاب والسنة مع التفقه فيهما وهذا ما أنا بصدده إن شاء الله تعالى؛ فأقول: استدل الأولون بقوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (فاطر: ٢٢) وقوله: ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ (النمل:٨٠ والروم ٥٢) وأجاب الآخرون بأن الآيتين مجاز وأنه ليس المقصود «الموتى» بـ «من في القبور» الموتى حقيقة في قبورهم وإنما المراد بهم الكفار الأحياء شبهوا بالموتى " والمعنى من هم في حال الموتى أو في حال من سكن القبر " كما قال الحافظ ابن حجر على ما يأتي في الرسالة (ص ٧٢). فأقول: لا شك عند كل من تدبر الآيتين وسياقهما أن المعنى هو ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى (١) وعلى ذلك جرى علماء التفسير لا خلاف بينهم في

стр. 3942

ذلك فيما علمت, ولكن ذلك لا يمنع الاستدلال بهما على ما سبق؛ لأن الموتى لما كانوا لا يسمعون حقيقة وكان ذلك معروفاً عند المخاطبين شبه الله تعالى بهم الكفار الأحياء في عدم السماع فدل هذا التشبيه على أن المشبه بهم - وهم الموتى في قبورهم - لا يسمعون, كما يدل مثلاً تشبيه زيد في الشجاعة بالأسد على أن الأسد شجاع بل هو في ذلك أقوى من زيد ولذلك شبه به, وإن كان الكلام لم يسق للتحدث عن شجاعة الأسد نفسه وإنما عن زيد, وكذلك الآيتان السابقتان وإن كانتا تحدثتا عن الكفار الأحياء وشبهوا بموتى القبور فذلك لا ينفي أن موتى القبور لا يسمعون, بل إن كل عربي سليم السليقة لا يفهم من تشبيه موتى الأحياء بهؤلاء إلا أن هؤلاء أقوى في عدم السماع منهم كما في المثال السابق, وإذا الأمر كذلك فموتى القبور لا يسمعون. ولما لاحظ هذا بعض المخالفين لم يسعه إلا أن يسلم بالنفي المذكور ولكنه قيده بقوله: " سماع انتفاع " يعني أنهم يسمعون ولكن سماعا لا انتفاع فيه (١) وهذا في نقدي قلب للتشبيه المذكور في الآيتين حيث جعل المشبه به مشبهاً فإن القيد المذكور يصدق على موتى الأحياء من الكفار فإنهم يسمعون حقيقة ولكن لا ينتفعون من سماعهم كما هو مشاهد فكيف يجوز جعل المشبه بهم من موتى القبور مثلهم في أنهم يسمعون ولكنهم لا ينتفعون من سماعهم، مع أن المشاهد أنهم لا يسمعون مطلقاً, ولذلك حسن التشبيه المذكور في الآيتين الكريمتين فبطل القيد المذكور. ولقد كان من الممكن القول بنحو القيد المذكور في موتى القبور لو كان

стр. 3943

هناك نص قاطع على أن الموتى يسمعون مطلقاً إذن لوجب الإيمان به والتوفيق بينه وبين ما قد يعارضه من النصوص كالآيتين مثلاً، ولكن مثل هذا النص مما لا وجود له بل الأدلة قائمة على خلافه وإليك البيان: الدليل الأول: قوله تعالى في تمام الآية الثانية: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ فقد شبههم الله تعالى - أعني موتى الأحياء من الكفار بالصم أيضاً فهل هذا يقتضي في المشبه بهم " الصم" أنهم يسمعون أيضاً ولكن سماعاً لا انتفاع فيه أيضاً, أم أنه يقتضي أنهم لا يسمعون مطلقاً كما هو الحق الظاهر الذي لا خفاء فيه. وفي التفسير المأثور ما يؤيد هذا الذي نقول فقال ابن جرير في "تفسيره" (٢١/ ٣٦) لهذه الآية: هذا مَثَلٌ معناه: فإنك لا تقدر أن تفهم هؤلاء المشركين الذين قد ختم الله على أسماعهم فسلبهم فَهْمَ ما يتلى عليهم من مواعظ تنزيله, كما لا تقدر أن تفهم الموتى الذين سلبهم الله أسماعهم بأن تجعل لهم أسماعاً, وقوله: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء﴾ يقول: كما لا تقدر أن تسمع الصم الذين قد سلبوا السمع إذا ولوا عنك مدبرين؛ كذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء الذين قد سلبهم الله فَهْمَ آيات كتابه لسماع ذلك وفهمه. ثم روى بإسناد الصحيح عن قتادة قال: هذا مَثَلٌ ضربه الله للكافر فكما لا يسمع الميت الدعاء كذلك لا يسمع الكافر ﴿ولا تسمع الصم الدعاء. .. ﴾ يقول: لو أن أصم ولى مدبراً ثم ناديته لم يسمع, كذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما سمع. وعزاه في " الدرر " (٥/ ١١٤) لعبد بن حميد, وابن المنذر, وابن أبي حاتم,

стр. 3944

دون ابن جرير, وقد فسر القرطبي (١٣/ ٢٣٢) هذه الآية بنحو ما سبق عن ابن جرير وكأنه اختصره منه. فثبت من هذه النقول عن كتب التفسير المعتمدة أن الموتى في قبورهم لا يسمعون كالصم إذا ولوا مدبرين, وهذا هو الذي فهمته السيدة عائشة ﵂ واشتهر ذلك عنها في كتب السنة وغيرها, ونقله المؤلف عنها في عدة مواضع من رسالته فانظر (ص ٥٤، ٥٦، ٥٨، ٦٨، ٦٩، ٧١) وفاته هو وغيره أنه هو الذي فهمه عمر ﵁ وغيره من الصحابة لما نادى النبي ﵌ أهل القليب على ما يأتي بيانه قريباً إن شاء الله تعالى. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ذلك الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾ (فاطر ١٣ و١٤). قلت: فهذه الآية صريحة في نفي السمع عن أولئك الذي كان المشركون يدعونهم من دون الله تعالى وهم موتى الأولياء والصالحين الذين كان المشركون يمثلونهم في تماثيل وأصنام لهم يعبدونهم فيها وليس لذاتها, كما يدل على ذلك آية سورة (نوح) عن قومه: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ولا يعوق ونسرا﴾ ففي التفسير المأثور عن ابن عباس وغيره من السلف: أن هؤلاء الخمسة أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا, وسموها بأسمائهم, ففعلوا فلم تعبد, حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم (أي علم تلك الصور بخصوصها) عبدت. رواه البخاري وغيره. ونحوه قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ (الزمر:٣) فإنها صريحة في أن

стр. 3945

المشركين كانوا يعبدون الصالحين ولذلك اتخذوهم وسائط بينهم وبين الله تعالى قائلين: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾. ولاعتقادهم بصلاحهم كانوا ينادونهم ويعبدونهم من دون الله توهما منهم أنهم يسمعون ويضرون وينفعون, ومثل هذا الوهم لا يمكن أن يقع فيه أي مشرك مهما كان سخيف العقل لو كان لا يعتقد فيمن يناديه الصلاح والنفع والضر كالحجر العادي مثلاً, وقد بين هذا العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى فقال في كتابه " إغاثة اللفهان " (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣): وتلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة, تلاعب بكل قوم على قدر عقولهم؛ فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم كما تقدم عن قوم نوح ﵇ ولهذا لعن النبي ﵌ المتخذين على القبور المساجد, ونهى عن الصلاة إلى القبور (١) ﵌. . فأبى المشركون إلا خلافه في ذلك كله إما جهلاً وإما عناداً لأهل التوحيد ولم يضرهم ذلك شيئا. وهذا السبب هو لغالب على عوام المشركين. وأما خواصهم فإنهم اتخذوها - بزعمهم - على صور الكواكب المؤثرة في العالم عندهم وجعلوا لها بيوتا وسدنة وحجاباً وحجباً وقرباناً ولم يزل هذا في الدنيا قديماً وحديثاً (ثم بين مواطن بيوت هذه الأصنام وذكر عباد الشمس والقمر وأصنامهم وما اتخذوه من الشرائع حولها ثم قال ٢/ ٢٢٤): فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب, فجعلوا الصنم على شكله وهيأته وصورته ليكون نائباً منابه وقائماً مقامه, إلا فمن المعلوم أن عاقلاً لا ينحت خشبة

стр. 3946

أو حجراً بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده ". قلت: ومما يؤيد أن المقصود بقوله في الآية المتقدمة ﴿لا يسمعوا دعاءكم﴾ إنما هم المعبودون من دون الله أنفسهم وليست ذوات الأصنام تمام الآية: ﴿ويوم القيامة يكفرون بشرككم﴾ والأصنام لا تبعث؛ لأنها جمادات غير مكلفة كما هو معلوم، بخلاف العابدين والمعبودين فإنهم جميعا محشورون قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيل، قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ (الفرقان:١٧ - ١٨) وقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون، قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُون﴾ (سبأ:٤٠ - ٤١) وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ الآية (المائدة:١١٦) وخير ما فسر به القرآن إنما هو القرآن والسنة وليس فيهما - فيما أعلم - ما يدل على أن الله يحشر الجمادات أيضا فوجب الوقوف عند هذه الآية الصريحة فيما ذكرنا. وقد يقول قائل: إن هذا الذي بينته قوي متين ولكنه يخالف ما جرى عليه كثير من المفسرين في تفسير آية سورة (فاطر) وما في معناها من الآيات الأخرى فقالوا: إن المراد بها الأصنام نفسها وبناء على ذلك عللوا قوله تعالى فيها: ﴿لا يسمعوا دعاءكم﴾ بقولهم: "لأنها جمادات لا تضر ولا تنفع" فأقول: لا شك أن هذا بظاهره ينافي ما بينت، ولكنه لا ينفي أن يكون لهم قول آخر يتماشى مع ما حققته فقال القرطبي (١٤/ ٣٣٦) عقب التعليل المذكور آنفا وتبعه الشوكاني

стр. 3947

(٤/ ٣٣٣) وغيره ما معناه: ويجوز أن يرجع ﴿والذين تدعون من دونه. . .﴾ وما بعده إلى من يعقل ممن عبدهم الكفار كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين، والمعنى أنهم يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقاًّ، وينكرون أنهم أمروكم بعبادتهم، كما أخبر عن عيسى ﵇ بقوله: ﴿ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾ وقد ذكرا نحوه في تفسير آية (الزمر) المتقدمة. قلت: وهو أولى من تفسيرهما السابق؛ لأنه مدعم بالآيات المتقدمة، بخلاف تفسيرهما المشار إليه فإنه يستلزم القول بحشر الأصنام ذاتها، وهذا مع أنه لا دليل عليه فإنه يخالف الآيات المشار إليها ولهذا قال الشيخ عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمهما الله - في كتابه " قرة عيون الموحدين " (ص ١٠٧ - ١٠٨) في تفسير آيتي (فاطر) ما نصه: ابتدأ تعالى هذه الآيات بقوله: ﴿ذلكم الله ربكم له الملك﴾ يخبر الخبير أن الملك له وحده، والملوك وجميع الخلق تحت تصرفه وتدبيره، ولهذا قال: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير﴾ فإن من كانت هذه صفته فلا يجوز أن يرغب في طلب نفع أو دفع ضر إلى أحد سوى الله تعالى وتقدس بل يجب إخلاص الدعاء - الذي هو أعظم أنواع العبادة - له، وأخبر تعالى أن ما يدعوه أهل الشرك لا يملك شيئاً، وأنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم، ولو فرض أنهم يسمعون فلا يستجيبون لداعيهم، وأنهم يوم القيامة يكفرون بشركهم أي: ينكرونه، ويتبرؤون ممن فعله معهم، فهذا الذي أخبر به الخبير الذي ﴿لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ وأخبر أن ذلك الدعاء شرك به وأنه لا يغفره لمن لقيه فأهل الشرك ما صدقوا الخبير ولا أطاعوه فيما حكم به وشرع بل قالوا: إن الميت يسمع ومع سماعه ينفع، فتركوا الإسلام والإيمان رأساً كما ترى عليه

стр. 3948

الأكثرين من جهلة هذه الأمة". فتبين مما تقدم وجه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم﴾ على أن الصالحين لا يسمعون بعد موتهم وغيرهم مثلهم بداهة، بل ذلك من باب أولى كما لا يخفى فالموتى كلهم إذن لا يسمعون. والله الموفق. الدليل الثالث: حديث قليب بدر وله روايات مختصرة ومطولة أجتزئ هنا على روايتين منها: الأولى: حديث ابن عمر قال: وقف النبي ﵌ على قليب بدر فقال: «هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول» فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي ﵌: «إنهم الآن يعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق» ثم قرأت: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ حتى قرأت الآية. أخرجه البخاري (٧/ ٢٤٢ - فتح الباري) والنسائي (١/ ٦٩٣) وأحمد (٢/ ٣١) من طريق أخرى عن ابن عمر وسيأتي بعضه في الكتاب (ص ٦٨، ٧١). والأخرى: حديث أبي طلحة: أن نبي الله ﵌ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان: ويا فلان ابن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها؟ فقال رسول الله ﵌: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم». قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخاً

стр. 3949

وتصغيراً ونقمةً وحسرةً وندماً. أخرجه الشيخان وغيرهما وقد خرجته في التعليق الآتي (ص ٥٤) من الكتاب. ووجه الاستدلال بهذا الحديث يتضح بملاحظة أمرين: الأول: ما في الرواية الأولى منه من تقييده ﵌ سماع موتى القليب بقوله: «الآن» (١) فإن مفهومه أنهم لا يسمعون في غير هذا الوقت، وهو المطلوب. وهذه فائدة هامة نبه عليها العلامة الآلوسي - والد المؤلف رحمهما الله - في كتابه " روح المعاني " (٦/ ٤٥٥) ففيه تنبيه قوي على أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون، ولكن أهل القليب في ذلك الوقت قد سمعوا نداء النبي ﵌ وبإسماع الله تعالى إياهم خرقاً للعادة ومعجزة للنبي ﵌ كما سيأتي في الكتاب (ص ٥٦، ٥٩) عن بعض العلماء الحنفية وغيرهم من المحدثين. وفي " تفسير القرطبي " (١٣/ ٢٣٢): قال ابن عطية (٢): فيشبه أن قصة بدر خرق عادة لمحمد ﵌ في أن رد الله إليهم إدراكا سمعوا به مقاله، ولولا إخبار رسول الله ﵌ بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين".

стр. 3950

قلت: ولذلك أورده الخطيب التبريزي في " باب المعجزات " من " المشكاة " (ج ٣ رقم ٥٩٣٨ - بتخريجي). والآمر الآخر: أن النبي ﵌ أقر عمر وغيره من الصحابة على ما كان مستقرا في نفوسهم واعتقادهم أن الموتى لا يسمعون، بعضهم أومأ إلى ذلك إيماءً، وبعضهم ذكر صراحة، لكن الأمر بحاجة إلى توضيح فأقول: أما الإيماء فهو في مبادرة الصحابة لما سمعوا نداءه ﵌ لموتى القليب بقولهم: " ما تكلم أجساداً لا أرواح فيها؟ " فإن في رواية أخرى عن أنس نحوه بلفظ " قالوا " بدل: "قال عمر " كما سيأتي في الكتاب (ص ٧١ - ٧٣) فلولا أنهم كانوا على علم بذلك سابق تلقوه منه ﵌ ما كان لهم أن يبادروه بذلك، وهب أنهم تسرعوا وأنكروا بغير علم سابق فواجب التبليغ حينئذ يوجب على النبي ﵌ أن يبين لهم أن اعتقادهم هذا خطأ، وأنه لا أصل له في الشرع، ولم نر في شيء من روايات الحديث مثل هذا البيان وغاية ما قال لهم: " ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ". وهذا - كما ترى - ليس فيه تأسيس قاعدة عامة بالنسبة للموتى جميعا تخالف اعتقادهم السابق، وإنما هو إخبار عن أهل القليب خاصة، على أنه ليس ذلك على إطلاقه بالنسبة إليهم أيضاً إذا تذكرت رواية ابن عمر التي فيها " إنهم الآن يسمعون " كما تقدم شرحه، فسماعهم إذن خاص بذلك الوقت، وبما قال لهم النبي ﵌ فقط، فهي واقعة عين لا عموم لها؛ فلا تدل على أنهم يسمعون دائماً وأبداً، وكل ما يقال لهم، كما لا تشمل غيرهم من الموتى مطلقاً، وهذا واضح إن شاء الله تعالى. ويزيده ووضوحا ما يأتي. وأما الصراحة فهي فيما رواه أحمد (٣/ ٢٨٧) من حديث أنس ﵁ قال: ". . . . فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث؟ وهل

стр. 3951

يسمعون؟ يقول الله : ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ فقال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع [لما أقول] منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا ". وسنده صحيح على شرط مسلم (١). فقد صرح عمر ﵁ أن الآية المذكورة هي العمدة في تلك المبادرة وأنهم فهموا من عمومها دخول أهل القليب فيه، ولذلك أشكل عليهم الأمر فصارحوا النبي ﵌ بذلك ليزيل إشكالهم؟ وكان ذلك ببيانه المتقدم. ومنه يتضح أن النبي ﵌ أقر الصحابة - وفي مقدمتهم عمر - على فهمهم للآية على ذلك الوجه العام الشامل لموتى القليب؛ وغيرهم لأنه لم ينكره عليهم ولا قال لهم: أخطأتم، فالآية لا تنفي مطلقاً سماع الموتى بل إنه أقرهم على ذلك، ولكن بين لهم ما كان خافياً من شأن القليب وأنهم سمعوا كلامه حقًّا، وأن ذلك أمر مستثنى من الآية معجزة له ﵌ كما سبق. هذا وإن مما يحسن التنبيه عليه وإرشاد الأريب إليه أن استدلال عائشة المتقدم بالآية يشبه تماماً استدلال عمر بها، فلا وجه لتخطئتها اليوم بعد تبين إقرار النبي ﵌ لعمر عليه، اللهم إلا في ردها على ابن عمر في روايته لقصة القليب بلفظ السماع، وتوهيمها إياه؛ فقد تبين من اتفاق جماعة من الصحابة على روايتها كروايته هو أنها هي الواهمة، وإن كان من الممكن الجمع بين روايتهم وروايتها كما سيأتي بيانه في التعليق على " الرسالة " (ص ٧ - ٨) فخطؤها ليس في الاستدلال بالآية وإنما في خفاء القصة عليها على حقيقتها ولولا ذلك لكان

стр. 3952

موقفها موقف سائر الصحابة منها، ألا وهو الموقف الجازم بها، على ما أخبر به النبي ﵌ واعتبارها مستثناةً من الآية. فتنبه لهذا، واعلم أن من الفقه الدقيق الاعتناء بتتبع ما أقره النبي ﵌ من الأمور، والاحتجاج به؛ لأن إقراره ﵌ حق كما هو معلوم، وإلا فبدون ذلك قد يضل الفهم عن الصواب في كثير من النصوص، ولا نذهب بك بعيداً فهذا هو الشاهد بين يديك فقد اعتاد كثير من المؤلفين وغيرهم أن يستدلوا بهذا الحديث - حديث القليب - على أن الموتى يسمعون متمسكين بظاهر قوله ﵌: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» غير منتبهين لإقراره ﵌ الصحابة على اعتقادهم بأن الموتى لا يسمعون، وأنه لم يرده عليهم إلا باستثناء أهل القليب منه معجزة له ﵌، فعاد الحديث بالتنبه لما ذكرنا حجة على أن الموتى لا يسمعون، وأن هذا هو الأصل فلا يجوز الخروج عنه إلا بنص كما هو الشأن في كل نص عام. والله تعالى الموفق. وقد يجد الباحث من هذا النوع أمثلة كثيرة ولعله من المفيد أن أذكر هنا ما يحضرني الآن من ذلك وهما مثالان: الأول: حديث جابر عن أم مبشر ﵄ أنها سمعت النبي ﵌ يقول عن حفصة: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها». قالت: بلى يا رسول الله فانتهرها. فقالت حفصة: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فقال النبي ﵌: " قد قال الله : ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ ". رواه مسلم وغيره وهو مخرج في " الصحيحة " (٢١٦٠) و"تخريج السنة" (٨٦٠ - طبع المكتب الإسلامي).

стр. 3953

أقول: ففي استدلال السيدة حفصة ﵂ بآية الورود دليل على أنها فهمت (الورود) بمعنى الدخول وأنه عام لجميع الناس الصالح والطالح منهم، ولذلك أشكل عليها نفي النبي ﵌ دخول النار في حق أصحاب الشجرة، فأزال ﵌ إشكالها بأن ذكرها بتمام الآية: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ ففيه أنه ﵌ أقرها على فهمها المذكور، وأنه على ذلك أجابها بما خلاصته أن الدخول المنفي في الحديث هو غير الدخول المثبت في الآية، وأن الأول خاص بالصالحين ومنهم أهل الشجرة، والمراد به نفي العذاب، أي أنهم يدخلونها مرورا إلى الجنة دون أن تمسهم بعذاب، والدخول الآخر عام لجميع الناس ثم هم فريقان: منهم من تمسه بعذاب ومنهم على خلاف ذلك وهذا ما وضحته الآية نفسها في تمامها وراجع لهذا " مبارق الأزهار " (١/ ٢٥٠) و" مرقاة المفاتيح " (٥/ ٦٢١ - ٦٣٢) قلت: فاستفدنا من الإقرار المذكور حكما لولاه لم نهتد إلى وجه الصواب في الآية، وهو أن الورود فيها بمعنى الدخول وأنه لجميع الناس، ولكنها بالنسبة للصالحين لا تضرهم بل تكون عليهم برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، وقد روي هذا صراحةً مرفوعاً في حديث آخر لجابر لكن استغربه الحافظ ابن كثير وبينت علته في " الأحاديث الضعيفة " (٤٧٦١)، لكن حديثه هذا عن أم مبشر يدل على صحة معناه، وقد مال إليه العلامة الشوكاني في تفسيره للآية (٣/ ٣٣٣) واستظهره من قبله القرطبي (١١/ ١٣٨ - ١٣٩) وهو المعتمد. والآخر: حديث " الصحيحين " والسياق للبخاري نقلا من " مختصر البخاري " بقلمي لأنه أتم جمعت فيه فوائده وزوائده من مختلف مواضعه قالت عائشة: دخل علي رسول الله ﵌ وعندي جاريتان [من جواري الأنصار ٣/ ٣]

стр. 3954

(وفي رواية: قينتان ٤/ ٢٦٦] [في أيام منى تدففان وتضربان ٤/ ١٦١] تغنيان بغناء (وفي رواية: بما تقاولت (وفي أخرى تقاذفت) الأنصار يوم) بعاث (١). [وليستا بمغنيتين] فاضطجع على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر [والنبي ﵌ متغش بثوبه ٢/ ١١] فانتهرني) وفي رواية: فانتهرهما) وقال: مزمارة (وفي رواية: مزمار) الشيطان عند (وفي رواية: أمزامير الشيطان في بيت) رسول الله ﵌[(مرتين)]؟ فأقبل عليه رسول الله ﵌ (وفي رواية: فكشف النبي ﵌ عن وجهه) فقال: دعهما [يا أبا بكر [ف] إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا] ". فلما غفل غمزتهما فخرجتا ". (رقم ٥٠٨ من المختصر "). قلت: فنجد في هذا الحديث أن النبي ﵌ لم ينكر قول أبي بكر الصديق في الغناء بالدف أنه " مزمار الشيطان " ولا نهره لابنته أو للجاريتين بل أقره على ذلك فدل إقراره إياه على أن ذلك معروف وليس بمنكر فمن أين جاء أبو بكر بذلك؟ الجواب: جاء به من تعاليم النبي ﵌ وأحاديثه الكثيرة في تحريم الغناء وآلات الطرب، وقد ذكر طائفة منها العلامة ابن قيم الجوزية في كتابه " إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان " (١/ ٢٥٨ - ٢٦٧) وخرجت بعضها في " الصحيحة " (٩١) و" المشكاة " (٣٦٥٢) ولولا علم أبي بكر بذلك وكونه على بينة من الأمر ما كان له أن يتقدم بين يدي النبي ﵌ وفي بيته بمثل هذا الإنكار الشديد، غير أنه كان خافياً عليه أن هذا الذي أنكره يجوز في يوم عيد فبينه له النبي ﵌ بقوله: " دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا " فبقي إنكار أبي بكر العام مسلماً به

стр. 3955

لإقراره ﵌ إياه، ولكنه استثنى منه الغناء في العيد فهو مباح بالمواصفات الواردة في هذا الحديث. فتبين أنه ﵌ كما أقر عمر على استنكاره سماع الموتى، كذلك أقر أبا بكر على استنكاره مزمار الشيطان، وكما أنه أدخل على الأول تخصيصاً, كذلك أدخل على قول أبي بكر هذا تخصيصاً اقتضى إباحة الغناء المذكور في يوم العيد، ومن غفل عن ملاحظة الإقرار الذي بَيَّنَّا؛ أخذ من الحديث الإباحة في كل الأيام كما يحلو ذلك لبعض الكتاب المعاصرين وسلفهم فيه ابن حزم، فإنه استدل به على الإباحة مطلقا جموداً منه على الظاهر فإنه قال في رسالته في الملاهي (ص ٩٨ - ٩٩): وقد سمع رسول الله ﵌ قول أبي بكر: مزمار الشيطان " فأنكر عليه ولم ينكر على الجاريتين غناءهما ". والواقع أنه ليس في كل روايات الحديث الإنكار المذكور وإنما فيه قوله ﵌ لأبي بكر: " دعهما. . . " وفرق كبير بين الأمرين فإن الإنكار الأول لو وقع لشمل الآخر ولا عكس كما هو ظاهر، بل نقول زيادة على ذلك: إن النبي ﵌ أقر قول أبي بكر المذكور كما سبق بيانه وقد قال ابن القيم في " إغاثة اللهفان " بعد أن ذكر الحديث (١/ ٢٥٧): فلم ينكر رسول الله ﵌ على أبي بكر تسميته الغناء مزمار الشيطان وأقرهما؛ لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل في يوم حرب بعاث من الشجاعة والحرب وكان اليوم يوم عيد. وأما أنه ﵌ لم ينكر على الجاريتين فحق، ولكن كان ذلك في يوم عيد فلا يشمل غيره أولا. وثانياًّ: لما أمر ﵌ أبا بكر بأن لا ينكر عليهما بقوله: " دعهما "

стр. 3956

أتبع ذلك بقوله: " فإن لكل قوم عيداً. . . " فهذه جملة تعليلية تدل على أن علة الإباحة هي العيدية إذا صح التعبير، ومن المعلوم أن العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فإذا انتفت هذه العلة بأن لم يكن يوم عيد لم يبح الغناء فيه كما هو ظاهر، ولكن ابن حزم لعله لا يقول بدليل العلة كما عرف عنه أنه لا يقول بدليل الخطاب، وقد رد عليه العلماء ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية في غير ما موضع من " مجموع الفتاوى " فراجع المجلد الثاني من " فهرسه ". لقد طال الكلام على حديث عائشة في سماع الغناء ولا بأس من ذلك إن شاء الله تعالى؛ فإن الشاهد منه واضح ومهم، وهو أن ملاحظة طالب العلم إقرار النبي ﵌ لأمرٍ ما يفتح عليه باباً من الفقه والفهم ما كان ليصل إليه بدونها، وهكذا كان الأمر في حديث القليب فقد تبين بما سبق أنه دليل صريح على أن الموتى لا يسمعون، وذلك من ملاحظتنا إقرار النبي ﵌ لاستنكار عمر سماعهم واستدلاله عليه بالآية ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ فلا يجوز لأحد بعد هذا أن يلتفت إلى أقوال المخالفين القائلين بأن الموتى يسمعون، فإنه خلاف القرآن الذي بينه الرسول ﵌. الدليل الرابع: قول النبي ﵌: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام» (١). أقول: ووجه الاستدلال به أنه صريح في أن النبي ﵌ لا يسمع سلام المسلمين عليه؛ إذ لو كان يسمعه بنفسه لما كان بحاجة إلى من يبلغه إليه كما هو

стр. 3957

ظاهر لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك فبالأولى أنه ﵌ لا يسمع غير السلام من الكلام، وإذا كان كذلك فلأن لا يسمع السلام غيره من الموتى أولى وأحرى. ثم إن الحديث مطلق يشمل حتى من سلم عليه ﵌ عند قبره، ولا دليل يصرح بالتفريق بينه وبين من صلى عليه بعيدا عنه، والحديث المروي في ذلك موضوع كما سيأتي بيانه في التعليق (ص ٨٠). وهذا الاستدلال لم أره لأحد قبلي فإذا كان صواباً - كما أرجو - فهو فضل من الله ونعمة وإن كان خطأ فهو من نفسي، والله تعالى أسأل أن يغفره لي وسائر ذنوبي. أدلة المخالفين: فإن قيل: يظهر من النقول التي ستأتي في الرسالة عن العلماء أن المسألة خلافية فلا بد أن المخالفين فيها أدلة استندوا إليها. فأقول: لم أر فيها من صرح بأن الميت يسمع سماعاً مطلقاً عاماً كما كان شأنه في حياته، ولا أظن عالماً يقول به، وإنما رأيت بعضهم يستدل بأدلة يثبت بها سماعاً لهم في الجملة، وأقوى ما استدلوا به سندا حديثان: الأول: حديث قليب بدر المتقدم وقد عرفت مما سبق بيانه أنه خاص بأهل القليب من جهة، وأنه دليل على أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون من جهة أخرى، وأن سماعهم كان خرقاً للعادة فلا داعي للإعادة. والآخر: حديث: «إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا». وفي رواية: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه

стр. 3958

ملكان ... » الحديث (انظر ص ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٨٢) من " الآيات". وهذا كما ترى خاص بوقت وضعه في قبره ومجيء الملكين إليه لسؤاله " فلا عموم فيه، وعلى ذلك حمله العلماء كابن الهمام وغيره كما سيأتي في " الآيات " (ص ٥٦، ٥٩، ٧٣). ولهم من هذا النوع أدلة أخرى ولكن لا تصح أسانيدها، وفي أحدها التصريح بأن الموتى يسمعون السلام عليهم من الزائر، وسائرها ليس في السماع، وبعضها خاص بشهداء أحد، وكلها ضعيفة، وبعضها أشد ضعفا من بعض كما ستراه في التعليق (ص ٦٩). وأغرب ما رأيت لهم من الأدلة قول ابن القيم ﵀ في " الروح " (ص٨) تحت المسألة الأولى: هل تعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا؟ فأجاب بكلام طويل جاء فيه ما نصه: ويكفي في هذا تسمية المسلم عليهم زائراً، ولولا أنهم يشعرون به لما صح تسميته زائراً؛ فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال: زاره (!) هذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم، وكذلك السلام عليهم أيضا فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال (!) وقد عَلَّم النبي ﵌ أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: سلام عليكم أهل الديار. وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد وإن لم يسمع المسلم الرد ". أقول وبالله تعالى التوفيق: رحم الله ابن القيم فما كان أغناه من الدخول في مثل هذا الاستدلال العقلي

стр. 3959

الذي لا مجال له في أمر غيبي كهذا، فوالله لو أن ناقلاً نقل هذا الكلام عنه ولم أقف أنا بنفسي عليه لما صدقته؛ لغرابته وبعده عن الأصول العلمية والقواعد السلفية التي تعلمناها منه ومن شيخه الإمام ابن تيمية، فهو أشبه شيء بكلام الآرائيين والقياسيين الذين يقيسون الغائب على الشاهد، والخالق على المخلوق، وهو قياس باطل فاسد طالما رد ابن القيم أمثاله على أهل الكلام والبدع، ولهذا وغيره فإني في شك كبير من صحة نسبة " الروح " إليه أو لعله ألفه في أول طلبه للعلم. والله أعلم. ثم إن كلامه مردود في شطريه بأمرين: الأول: ما ثبت في " الصحيح " أن النبي ﷺ كان يزور البيت في الحج وأنه كان وهو في المدينة يزور قباء راكباً وماشياً ومن المعلوم تسمية طواف الإفاضة بطواف الزيارة. فهل من أحد يقول: بأن البيت وقباء يشعر كل منهما بزيارة الزائر أو أنه يعلم بزيارته؟ وأما الآخر: فهو مخاطبة الصحابة للنبي ﷺ في تشهد الصلاة بقولهم: " السلام عليكم أيها النبي. . . . " وهم خلفه قريباً منه وبعيداً عنه في مسجده وفي غير مسجده، أفيقال: إنه كان يسمعهم ويشعر بهم حين يخاطبونه به وإلا فالسلام عليه محال؟ اللهم غفراً. وانظر التعليق الآتي على الصفحة (٩٥ - ٩٦). وإذا كان لا يسمع هذا الخطاب في قيد حياته أفيسمعه بعد وفاته وهو في الرفيق الأعلى لا سيما وقد ثبت أنه يبلغه ولا يسمعه كما سبق بيانه في الدليل الرابع (ص ٣٦)؟ ويكفي في رد ذلك أن يقال: إنه استدلال مبني على الاستنباط والنظر، فمثله

стр. 3960

قد يمكن الاعتداد به إذا لم يكن مخالفا للنص والأثر، فكيف وهو مخالف لنصوص عدة، واحد منها فقط فيه كفاية وغنية كما سلف، وبخاصة منها حديث قليب بدر، وفيه إقرار النبي ﷺ لعمر أن الموتى لا يسمعون، فلا قيمة إذن للاستنباط المذكور فإن الأمر كما قيل: " إذا جاء الأثر بطل النظر، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ". وقد يتساءل القارئ - بعد هذا - عن وجه مخاطبة الموتى بالسلام وهم لا يسمعونه؟ وفي الإجابة عنه أحيل القارئ إلى ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما يأتي من الرسالة وما علقته عليها (ص ٩٥ - ٩٦) فإن في ذلك كفاية وغنية عن الإعادة. وخلاصة البحث والتحقيق: أن الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الحنفية وغيرهم - كما ستراه في الكتاب مبسوطاً - على أن الموتى لا يسمعون، وأن هذا هو الأصل، فإذا ثبت أنهم يسمعون في بعض الأحوال كما في حديث خفق النعال، أو أن بعضهم سمع في وقت ما كما في حديث القليب فلا ينبغي أن يجعل ذلك أصلاً فيقال إن الموتى يسمعون كما فعل بعضهم (١) كلا فإنها قضايا جزئية لا تشكل قاعدة كلية يعارض بها الأصل المذكور، بل الحق أنه يجب أن تستثني منه على قاعدة استثناء الأقل من الأثر، أو الخاص من العام، كما هو المقرر في علم أصول الفقه ولذلك قال العلامة الآلوسي في " روح المعاني " بعد بحث مستفيض في هذه المسألة (٦/ ٤٥٥): والحق أن الموتى يسمعون في الجملة فيقتصر على القول بسماع ما ورد
следующие страницы →