أتبع ذلك بقوله: " فإن لكل قوم عيداً. . . " فهذه جملة تعليلية تدل على أن علة الإباحة هي العيدية إذا صح التعبير، ومن المعلوم أن العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فإذا انتفت هذه العلة بأن لم يكن يوم عيد لم يبح الغناء فيه كما هو ظاهر، ولكن ابن حزم لعله لا يقول بدليل العلة كما عرف عنه أنه لا يقول بدليل الخطاب، وقد رد عليه العلماء ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية في غير ما موضع من " مجموع الفتاوى " فراجع المجلد الثاني من " فهرسه ".
لقد طال الكلام على حديث عائشة في سماع الغناء ولا بأس من ذلك إن شاء الله تعالى؛ فإن الشاهد منه واضح ومهم، وهو أن ملاحظة طالب العلم إقرار النبي ﵌ لأمرٍ ما يفتح عليه باباً من الفقه والفهم ما كان ليصل إليه بدونها، وهكذا كان الأمر في حديث القليب فقد تبين بما سبق أنه دليل صريح على أن الموتى لا يسمعون، وذلك من ملاحظتنا إقرار النبي ﵌ لاستنكار عمر سماعهم واستدلاله عليه بالآية ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ فلا يجوز لأحد بعد هذا أن يلتفت إلى أقوال المخالفين القائلين بأن الموتى يسمعون، فإنه خلاف القرآن الذي بينه الرسول ﵌.
الدليل الرابع:
قول النبي ﵌: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام» (١).
أقول: ووجه الاستدلال به أنه صريح في أن النبي ﵌ لا يسمع سلام المسلمين عليه؛ إذ لو كان يسمعه بنفسه لما كان بحاجة إلى من يبلغه إليه كما هو
стр. 3957
ظاهر لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك فبالأولى أنه ﵌ لا يسمع غير السلام من الكلام، وإذا كان كذلك فلأن لا يسمع السلام غيره من الموتى أولى وأحرى.
ثم إن الحديث مطلق يشمل حتى من سلم عليه ﵌ عند قبره، ولا دليل يصرح بالتفريق بينه وبين من صلى عليه بعيدا عنه، والحديث المروي في ذلك موضوع كما سيأتي بيانه في التعليق (ص ٨٠).
وهذا الاستدلال لم أره لأحد قبلي فإذا كان صواباً - كما أرجو - فهو فضل من الله ونعمة وإن كان خطأ فهو من نفسي، والله تعالى أسأل أن يغفره لي وسائر ذنوبي.
أدلة المخالفين:
فإن قيل: يظهر من النقول التي ستأتي في الرسالة عن العلماء أن المسألة خلافية فلا بد أن المخالفين فيها أدلة استندوا إليها.
فأقول: لم أر فيها من صرح بأن الميت يسمع سماعاً مطلقاً عاماً كما كان شأنه في حياته، ولا أظن عالماً يقول به، وإنما رأيت بعضهم يستدل بأدلة يثبت بها سماعاً لهم في الجملة، وأقوى ما استدلوا به سندا حديثان:
الأول: حديث قليب بدر المتقدم وقد عرفت مما سبق بيانه أنه خاص بأهل القليب من جهة، وأنه دليل على أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون من جهة أخرى، وأن سماعهم كان خرقاً للعادة فلا داعي للإعادة.
والآخر: حديث: «إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا». وفي رواية: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه
стр. 3958
ملكان ... » الحديث (انظر ص ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٨٢) من " الآيات".
وهذا كما ترى خاص بوقت وضعه في قبره ومجيء الملكين إليه لسؤاله " فلا عموم فيه، وعلى ذلك حمله العلماء كابن الهمام وغيره كما سيأتي في " الآيات " (ص ٥٦، ٥٩، ٧٣).
ولهم من هذا النوع أدلة أخرى ولكن لا تصح أسانيدها، وفي أحدها التصريح بأن الموتى يسمعون السلام عليهم من الزائر، وسائرها ليس في السماع، وبعضها خاص بشهداء أحد، وكلها ضعيفة، وبعضها أشد ضعفا من بعض كما ستراه في التعليق (ص ٦٩).
وأغرب ما رأيت لهم من الأدلة قول ابن القيم ﵀ في " الروح " (ص٨) تحت المسألة الأولى: هل تعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا؟ فأجاب بكلام طويل جاء فيه ما نصه:
ويكفي في هذا تسمية المسلم عليهم زائراً، ولولا أنهم يشعرون به لما صح تسميته زائراً؛ فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال: زاره (!) هذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم، وكذلك السلام عليهم أيضا فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال (!) وقد عَلَّم النبي ﵌ أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: سلام عليكم أهل الديار.
وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد وإن لم يسمع المسلم الرد ".
أقول وبالله تعالى التوفيق:
رحم الله ابن القيم فما كان أغناه من الدخول في مثل هذا الاستدلال العقلي
стр. 3959
الذي لا مجال له في أمر غيبي كهذا، فوالله لو أن ناقلاً نقل هذا الكلام عنه ولم أقف أنا بنفسي عليه لما صدقته؛ لغرابته وبعده عن الأصول العلمية والقواعد السلفية التي تعلمناها منه ومن شيخه الإمام ابن تيمية، فهو أشبه شيء بكلام الآرائيين والقياسيين الذين يقيسون الغائب على الشاهد، والخالق على المخلوق، وهو قياس باطل فاسد طالما رد ابن القيم أمثاله على أهل الكلام والبدع، ولهذا وغيره فإني في شك كبير من صحة نسبة " الروح " إليه أو لعله ألفه في أول طلبه للعلم. والله أعلم.
ثم إن كلامه مردود في شطريه بأمرين:
الأول: ما ثبت في " الصحيح " أن النبي ﷺ كان يزور البيت في الحج وأنه كان وهو في المدينة يزور قباء راكباً وماشياً ومن المعلوم تسمية طواف الإفاضة بطواف الزيارة. فهل من أحد يقول: بأن البيت وقباء يشعر كل منهما بزيارة الزائر أو أنه يعلم بزيارته؟
وأما الآخر: فهو مخاطبة الصحابة للنبي ﷺ في تشهد الصلاة بقولهم: " السلام عليكم أيها النبي. . . . " وهم خلفه قريباً منه وبعيداً عنه في مسجده وفي غير مسجده، أفيقال: إنه كان يسمعهم ويشعر بهم حين يخاطبونه به وإلا فالسلام عليه محال؟ اللهم غفراً. وانظر التعليق الآتي على الصفحة (٩٥ - ٩٦).
وإذا كان لا يسمع هذا الخطاب في قيد حياته أفيسمعه بعد وفاته وهو في الرفيق الأعلى لا سيما وقد ثبت أنه يبلغه ولا يسمعه كما سبق بيانه في الدليل الرابع (ص ٣٦)؟
ويكفي في رد ذلك أن يقال: إنه استدلال مبني على الاستنباط والنظر، فمثله
стр. 3960
قد يمكن الاعتداد به إذا لم يكن مخالفا للنص والأثر، فكيف وهو مخالف لنصوص عدة، واحد منها فقط فيه كفاية وغنية كما سلف، وبخاصة منها حديث قليب بدر، وفيه إقرار النبي ﷺ لعمر أن الموتى لا يسمعون، فلا قيمة إذن للاستنباط المذكور فإن الأمر كما قيل: " إذا جاء الأثر بطل النظر، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ".
وقد يتساءل القارئ - بعد هذا - عن وجه مخاطبة الموتى بالسلام وهم لا يسمعونه؟ وفي الإجابة عنه أحيل القارئ إلى ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما يأتي من الرسالة وما علقته عليها (ص ٩٥ - ٩٦) فإن في ذلك كفاية وغنية عن الإعادة.
وخلاصة البحث والتحقيق: أن الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الحنفية وغيرهم - كما ستراه في الكتاب مبسوطاً - على أن الموتى لا يسمعون، وأن هذا هو الأصل، فإذا ثبت أنهم يسمعون في بعض الأحوال كما في حديث خفق النعال، أو أن بعضهم سمع في وقت ما كما في حديث القليب فلا ينبغي أن يجعل ذلك أصلاً فيقال إن الموتى يسمعون كما فعل بعضهم (١) كلا فإنها قضايا جزئية لا تشكل قاعدة كلية يعارض بها الأصل المذكور، بل الحق أنه يجب أن تستثني منه على قاعدة استثناء الأقل من الأثر، أو الخاص من العام، كما هو المقرر في علم أصول الفقه ولذلك قال العلامة الآلوسي في " روح المعاني " بعد بحث مستفيض في هذه المسألة (٦/ ٤٥٥):
والحق أن الموتى يسمعون في الجملة فيقتصر على القول بسماع ما ورد
стр. 3961
السمع بسماعه.
وهذا مذهب طوائف من أهل العلم كما قال الحافظ ابن جرب الحنبلي على ما سيأتي في الرسالة (ص ٧٠) وما أحسن ما قاله ابن التين ﵀:
"إن الموتى لا يسمعون بلا شك، لكن إذا أراد الله تعالى إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع لقوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة ... ﴾ الآية وقوله: ﴿فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ... ﴾ الآية. كما نقله المؤلف فيما يأتي (ص ٧٢).
فإذا علمت أيها القارئ الكريم أن الموتى لا يسمعون فقد تبين أنه لم يبق هناك مجال لمناداتهم من دون الله تعالى ولو بطلب ما كانوا قادرين عليه وهم أحياء كما تقدم بيانه في (ص ١٦ - ٢١) بحكم كونهم لا يسمعون النداء، وأن مناداة من كان كذلك والطلب منه سخافة في العقل وضلال في الدين وصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: ﴿ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ (الأحقاف ٥ - ٦).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٣٧ - ٦٣).
[١٤٧٥] باب منه
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«إذا مررت عليهم (يعني أهل القبور) فقل: السلام عليكم يا أهل القبور من المسلمين والمؤمنين، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. فقال أبو رزين: يا رسول الله ويسمعون؟ قال: ويسمعون، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا، أولا ترضى يا أبا رزين أن يرد عليك [بعددهم من]
стр. 3962
الملائكة».
(منكر).
[قال الإمام]:
أخرجه العقيلي في " الضعفاء " (٣٦٩) وعبد الغني المقدسي في " السنن " (ق ٩٢: ٢) عن النجم بن بشير بن عبد الملك بن عثمان القرشي حدثنا محمد بن الأشعث عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: " قال أبو رزين: يا رسول الله: إن طريقي على المقابر، فهل من كلام أتكلم به إذا مررت عليهم؟ قال: " فذكره. وقال العقيلي والزيادة له:" محمد بن الأشعث مجهول في النسب والرواية، وحديثه هذا غير محفوظ، ولا يعرف إلا بهذا الإسناد. وأما " السلام عليكم يا أهل القبور " إلى قوله " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " فيروى بغير هذا الإسناد من طريق صالح، وسائر الحديث غير محفوظ ".
والنجم بن بشير أورده ابن أبي حاتم (٤/ ١) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
قلت: فهو بهذه الزيادة منكر، لتفرد هذا المجهول بها، وأما بدونها فهو حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث عائشة وبريدة، وهو مخرج في كتابي " أحكام الجنائز وبدعها ".
وهذه الزيادة منكرة المتن أيضاً، فإنه لا يوجد دليل في الكتاب والسنة على أن الموتى يسمعون، بل ظواهر النصوص تدل على أنهم لا يسمعون. كقوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ وقوله ﵌ لأصحابه وهم في المسجد: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإن صلاتكم تبلغني ... » فلم يقل: أسمعها. وإنما تبلغه الملائكة كما في الحديث الآخر: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن
стр. 3963
أمتي السلام». رواه النسائي وأحمد بسند صحيح.
وأما قوله ﵌: «العبد إذا وضع في قبره، وتولى وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له .. » الحديث رواه البخاري فليس فيه إلا السماع في حالة إعادة الروح إليه ليجيب على سؤال الملكين كما هو واضح من سياق الحديث. ونحوه قوله ﵌ لعمر حينما سأله عن مناداته لأهل قليب بدر: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» هو خاص أيضاً بأهل القليب، وإلا فالأصل أن الموتى لا يسمعون، وهذا الأصل هو الذي اعتمده عمر ﵁ حين قال للنبي ﵌: إنك لتنادي أجسادا قد جيفوا، فلم ينكره الرسول ﵌ بل أقره، وإنما أعلمه بأن هذه قضية خاصة، ولولا ذلك لصحح له ذلك الأصل الذي اعتمد عليه، وبين له أن الموتى يسمعون خلافا لما يظن عمر، فلما لم يبين له هذا، بل أقره عليه كما ذكرنا، دل ذلك على أن من المقرر شرعا أن الموتى لا يسمعون. وأن هذه قضية خاصة.
وبهذا البيان ينسد طريق من طرق الضلال المبين على المشركين وأمثالهم من الضالين، الذين يستغيثون بالأولياء والصالحين ويدعونهم من دون الله، زاعمين أنهم يسمعونهم، والله يقول: " إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير ".
وراجع لتمام هذا البحث الهام مقدمتي لكتاب " الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات " للآلوسي.
"الضعيفة" (٣/ ٢٨٤ - ٢٨٦).
стр. 3964
[١٤٧٦] باب منه
سؤال: بالنسبة لموضوع الموتى حديث أن الميت يسمع قرع النعال .. ما صحة الحديث؟
الشيخ: أولًا: هذا حديث صحيح؛ لأنه مخرج في صحيح البخاري: «إذا وضع الميت في قبره وانصرف الناس عنه إنه ليسمع قرع نعالهم وهم عنه مدبرون» هذا الحديث صحيح، لكن هذا كذاك، أي: هذا مستثنى من القاعدة العامة؛ لأنه يقول: "حين" فهو ليس في كل حين يسمع، نفس الحديث يعطيك تخصيص ولا يعطيك العموم، يسمع قرع نعالهم حين .. حين ما معنى حين؟ يعني: وقت، ﴿حين يولون عنه مدبرين﴾ لكن هل يعني الحديث أن الموتى كلما مر المرء من المقابر فهو ... بسمع قرع النعال؟!
مداخلة: ألا يحمل على وجه البلاغة يعني: مثلًا في الإعلانات ..
الشيخ: ما هو الذي يحمل يا أخي حدد كلامك.
مداخلة: حتى أنهم يسمعون قرع نعالهم مثلًا في إعلان عن شقة ما هو مقبول؟ شقة ترى البحر، هي لا ترى البحر ولكنها في موضع يسمح لمن فيها برؤية البحر، فهنا المعنى يحمل على أنهم .. أن الصوت يصل إليهم، لو أن حيًا في مكانهم لسمع قرع النعال.
الشيخ: أما قرع النعال ما يسمعون؟
مداخلة: نعم؟
الشيخ: يعني: في النهاية تعني أنهم لا يسمعون قرع النعال؟
стр. 3965
مداخلة: أنا أتصور والله أعلم ..
الشيخ: أنا أسألك حتى أفهم منك، تعني: أنهم لا يسمعون قرع النعال؟
مداخلة: قد يحمل المعنى على هذا والله أعلم.
الشيخ: وقد لا يحمل، ما الذي تستفيده من القدقدة؟ ثم أنا أذكر السائل وسائر الحاضرين بقاعدة لغوية مهمة جدًا: إذا دار الأمر بين التقدير وعدمه فالأصل عدم التقدير، بعبارة أخرى: إذا أمكننا أن نفسر العبارة أو الجملة العربية من كلام الله أو من حديث رسول الله ﵌ أو أي جملة عربية إذا أمكننا أن نفسرها على الحقيقة، فلا يجوز تفسيرها على المجاز إلا إذا قامت القرينة الشرعية أو العقلية فحينذاك يقال: وجدت القرينة التي تضطرنا إلى تفسير الآية أو الحديث أو الجملة العربية على المجاز وليس على الحقيقة لكن إذا دار الأمر بدون وجود قرينة بين تفسير الجملة على الحقيقة أو على المجاز فالأصل الحقيقة وليس المجاز، وإلا فسدت اللغة وفسدت استعمالها بين الناس، إذا قال قائل: جاء الأمير، فهل يجوز للسامع أن يفهم جاء خادم الأمير؟ وهذا تعبير عربي معروف بتقدير مضاف محذوف، لا يجوز؛ لأنه ليس هناك ما يضطر السامع أن يتأول قول القائل: جاء الأمير يعني: لا ليس الأمير وإنما جاء خادمه، أو جاء نائبه أو أو إلى آخره، لو فتح هذا الباب لفسد التفاهم بين الناس باللغة العربية.
ومن هنا كان من رد العلماء والفقهاء على غلاة الصوفية الذين يقولون من جهة بما يعرف عند العلماء بوحدة الوجود، والذين يتكلمون بعبارات صريحة في الكفر وفي وحدة الوجود فيأتي المدافعون عن أولئك الصوفية بالباطل فيتأولون كلامهم تأويلًا يتفق في نهاية المطاف مع الشريعة، فنحن نقول لهؤلاء بهذه
стр. 3966
الطريقة: لا يمكن أن نقول أن هذا الكلام كفر، حتى قلت مرة لبعضهم: ائتني بأي جملة هي كفر في ظاهر العبارة وأنا على طريقتك أجعلها توحيدًا خالصًا؟ طريقته ما هي؟ تأويل النصوص، مثلًا مما قال قائلهم المغرق في الضلال:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة
يتكلفون في تأويل: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا، أي: إلا إلى هنا .. إلى هنا .. إلى: حرف جر، ما هذا التأويل؟! ولذلك مثل هذا التأويل يمكن إجراؤه على أي عبارة، مثلًا أنا أقول: لو قال قائل: [فرعون] خلق السموات والأرض، ما رأيكم في هذا الكلام يجوز أو لا يجوز؟ طبعًا بالإجماع لا يجوز، لكن أنا أجعله توحيدًا بطريقة الصوفية، وهو رب [فرعون]، هذا معروف في اللغة تقدير مضاف محذوف، على حد قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (يوسف:٨٢) اسأل القرية ماذا؟ حيطانها .. شجرها؟ لا، إنما أهلها، كذلك العير، لكن هذا المضاف المحذوف، الأسلوب العربي نفسه يوحي به إلى السامع فإن أحدًا لا يتساءل يا ترى! المقصود هنا ... القرية؟ لا، ولذلك تسمية هذا التعبير في اللغة العربية أن هذا مجاز مما يدفعه ابن تيمية ﵀ في رسالته الخاصة بالحقيقة والمجاز، يقول: تسمية هذه العبارة خاصة بأنها مجاز من باب حذف المضاف هذا اصطلاح طارئ، وإلا فالعرب ما كانوا يفهمون من هذه العبارة إلا معنًى واحدًا هو الذي يسمونه بالمجاز بحذف المضاف.
كذلك مثلًا في الأسلوب العربي: سال الميزاب، على طريقة المتأخرين في تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، حقيقة هذه العبارة: سال الميزاب، يعني: الميزاب من شدة الحرارة ذاب وصار سائلًا سال الميزاب، لكن مَن مِن العرب إذا سمع هذه العبارة يتبادر إلى ذهنه المعنى الذي يسمونه حقيقة، فيقولون: لا، هنا
стр. 3967
المقصود المجاز، هذا المعنى الذي يسمونه مجازًا في هذا المثال هو المعنى الحقيقة المراد منه، سال الميزاب، يعني: سال ماء الميزاب، مثل ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (يوسف:٨٢) تمامًا، وهكذا أمثلة كثيرة يذكرها ابن تيمية.
منها مثلًا: جرى النهر، النهر هو الأخدود الذي يجري فيه الماء فحينما يقول العربي: جرى النهر، لا هو يعني جرى الأخدود نفسه بدون ماء ولا السامع منهم من العرب يفهم إلا الذي أراده، أي: جرى ماء النهر، إذًا: تسمية هذه التعابير بأنها مجاز يقول ابن تيمية: هذا خطأ، المجاز هو الذي يخرج المعنى الظاهر من العبارة إلى معنى آخر لوجود قرينة، لكن هنا لا معنى آخر إلا معنى واحد محدد هو اسأل القرية، يعني: أهلها .. سال الميزاب، أي: ماؤه .. جرى النهر، أي: ماؤه، من هنا يصل ابن تيمية إلى الرد على المتأخرين الذين يتأولون آيات الصفات وأحاديث الصفات باللجوء إلى ارتكاب طريق التأويل وهو سلوك طريق المجاز، لكن ما الذي يضطرهم إلى ترك فهم المعاني من هذه الآيات وتلك الأحاديث المتعلقة كلها بالصفات أن تفسر على حقائقها؟ لا سيما وهم يقولون جميعًا المتقدمون منهم والمتأخرون: الأصل في كل عبارة أن تفسر على حقيقتها.
فمثلًا قوله ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر:٢٢) لا، جاء ربك لا يجوز هذا الفهم، إذًا: جاءت رحمة ربك، جاء أي مضاف محذوف يقدمونه، وعلى ذلك فقس، نحن نقول: الحق كما نطق الحق في كتابه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (الفجر:٢٢) لكن كيف يجيء؟ ما ندري.
وهذا البحث طرقه العلماء قديمًا وحديثًا، فنحن في مناسبة قريبة تعرضنا لمثله أيضًا، الخلاصة: أن الكلام العربي أول ما ينبغي أن يفسر به هو على الحقيقة، فقوله ﵇: «إذا وضع الميت في قبره فإنه ليسمع قرع نعالهم وهم
стр. 3968
عنه مدبرين» على الحقيقة يسمع قرع النعال، بل أنا أقول خلاف ما قلت أنت: هو لا يمكن القول أنه يسمع كل شيء؛ لأنه هو بكل شيء سمع، هذا أمر مستحيل، لكن ما دام أن الأصل أن الموتى لا يسمعون كما شرحنا لكم آنفًا فإذا جاء نص ما يعطي لميت أو موتى ما سماعًا ما نستثنيه من القاعدة، نقول: أولئك المشركين في القليب سمعوا قول الرسول ﵇، لكن ما كان يجري حولهم من أحاديث الصحابة وحينما قال عمر: يا رسول الله! إنك لتنادي أجسادًا لا أرواح فيها، ما نقول أنهم سمعوا قول عمر؛ لأن سماعهم لقول الرسول معجزة للرسول فيوقف عندها، كذلك في هذا الحديث يسمع الميت قرع نعالهم وفقط، وما نزيد على ذلك لسببين اثنين:
أولاً: أنه خلاف الأصل، أن الموتى لا يسمعون، ثانيًا وأخيرًا: أن الأمور الغيبية، وهذا من الغيب في البرزخ لا يتوسع فيها أبدًا، والحق الوقوف عند النص وعدم التَزَيُّد عليه ..
"أسئلة وفتاوى الإمارات" (٢/ ٤٧: ٥٠: ٠٠).
[١٤٧٧] باب هل الأموات على علمٍ بحال الأحياء ؟
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«تعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس على الله، وتعرض على الأنبياء، وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضا وإشراقا، فاتقوا الله، ولا تؤذوا أمواتكم».
(موضوع)
[ثم بين الإمام وضعه ثم قال]:
стр. 3969
ومنه تعلم أن السيوطي قد أساء بإيراده لهذا الحديث في " الجامع الصغير " وباستشهاده به على ما جزم به في " الحاوي " أن الأموات على علم بأحوال الأحياء، وبما هم فيه! وقد ساق في هذه المسألة أحاديث أخرى، لا يحتج بشيء منها مثل حديث:" إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات .. " الحديث، وقد مضى (٨٦٧).
"الضعيفة" (٣/ ٦٧٢).
[١٤٧٨] باب هل يسمع النبي ﵌ بعد موته سلام من سلم عليه؟ وهل يلزم من رده ﷺ السلام أن يكون سمعه؟
[قال الإمام]:
لم أجد دليلاً على سماعه ﷺ سلام من سلَّم عليه عند قبره، وحديث أبي داود: [وهو: " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ "وإسناده حسن كما بينه الشيخ في " الصحيحة " (٢٢٦٦)] ليس صريحاً
في ذلك.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١١٣٠٠).
[١٤٧٩] باب منه
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا وكل بها ملك يبلغني، وكفي بها أمر دنياه وآخرته، وكنت له شهيداً أو شفيعاً».
(موضوع بهذا التمام).
стр. 3970
[قال الإمام]:
فائدة: قال الشيخ ابن تيمية عقب كلامه المتقدم على الحديث: وهو لوكان صحيحاً فإنما فيه أنه يبلغه صلاة من صلى عليه نائياً، ليس فيه أنه يسمع ذلك كما وجدته منقولا عن هذا المعترض (يريد الأخنائي)، فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم، ولا يعرف في شيء من الحديث، وإنما يقوله بعض المتأخرين الجهال: يقولون: إنه ليلة الجمعة ويوم الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من يصلي عليه، فالقول إنه يسمع ذلك من نفس المصلين (عليه) باطل، وإنما في الأحاديث المعروفة إنه يبلغ ذلك ويعرض عليه، وكذلك السلام تبلغه إياه الملائكة.
قلت: ويؤيد بطلان قول أولئك الجهال قوله ﵌:" أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم تبلغني ... " الحديث وهو صحيح كما تقدم (ص ٣٦٤) فإنه صريح في أن هذه الصلاة يوم الجمعة تبلغه ولا يسمعها من المصلي عليه ﵌.
"الضعيفة" (١/ ٣٦٦، ٣٦٩).
[١٤٨٠] باب الجمع بين قوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ و ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ وبين قول النبي ﵌: «إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا»
[ذكر الآلوسي في"الآيات البينات" بعض أدلة من يقول بعدم سماع الأموات فذكر قوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (فاطر:٢٢) و ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ (النمل:٨٠)، ثم قال: لكن يشكل عليهم ما في "مسلم": «إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا» إلا أن يخصوا ذلك بأول الوضع في القبر مقدمةً للسؤال.
стр. 3971
[فعلق الألباني قائلاً]:
والتخصيص المشار إليه أمر لا بد منه للجمع المذكور، ولكن ينبغي أن يعلم أن ذلك كذلك ولو لم يتعارض ظاهره بالآيتين المذكورتين فإن الحديث يدل أنه خاص بأول الوضع فإن لفظه: " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان. . . " الحديث متفق عليه.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٨١).
[١٤٨١] باب منه
[وقال الألباني حول الجواب بالتخصيص بأول الوضع في القبر في موضع آخر]:
وهذا الجواب هو الأصح لقول قتادة المتقدم في حديث أبي طلحة (ص٧٨) (١) وهو الذي اعتمده الحافظ البيهقي، وغيره، ويأتي في الكتاب (٩٩) قول السهيلي في ذلك، ويظهر أن مناداة الكفار بعد هلاكهم سنة قديمة من سنن الأنبياء فقد قال تعالى في قوم صالح ﵇: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ في دَارِهِمْ جَاثِمِين، فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِين﴾ (الأعراف: ٧٨، ٧٩)، قال ابن كثير (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠):
هذا تقريع من صالح ﵇ لقومه لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه وتمردهم على الله وإبائهم الحق وإعراضهم عن الهدى، قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعاً وتوبيخاً وهم يسمعون ذلك كما ثبت في "الصحيحين ". . . فذكر
стр. 3972
حديث القليب. لكن قوله: " وهم يسمعون ذلك " ليس في الآية ما يدل عليه. ثم ذكر الله تعالى عن شعيب ﵇ وقومه نحو ذلك فانظر " ابن كثير " (٢/ ٢٣٣).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٨٤).
[١٤٨٢] باب لا يلزم من السلام
على الأموات أو مخاطبتهم أنهم يسمعون
[قال الآلوسي في "الآيات البينات"]:
فإن قيل: إذا كان مذهب الحنفية وكثير من العلماء المحققين على عدم السماع [أي سماع الأموات] فما فائدة السلام على الأموات وكيف (صحت) مخاطبتهم عند السلام؟
قلت: لم أجد فيما بين يدي الآن من كتبهم جوابهم عن ذلك، ولا بد أن تكون لهم أجوبة عديدة فيما هنالك، والذي يخطر في الذهن، ويتبادر إلى الخاطر والفهم، أنهم لعلهم أجابوا بأن ذلك أمر تعبدي، وبأنا نسلم سراًّ في آخر صلاتنا إذا كنا مقتدين، وننوي بسلامنا الحفظة، والإمام، وسائر المقتدين، مع أن هؤلاء القوم لا يسمعونه لعدم الجهر به، فكذا ما نحن فيه.
[فعلق الألباني قائلاً:]
ومن هذا القبيل قول الضرير في حديثه المشهور: " يا محمد إني توجهت بك إلى ربي. . . " الحديث وهو مخرج في رسالتي " التوسل " (ص ٦٧ - ٦٨). وهذا إذا افترض أن النبي ﵌ كان بعيدا أو غائباً عنه لا يسمعه، وأما إذا كان ذلك في حضوره ﷺ فلا إشكال.
стр. 3973
[ثم قال الآلوسي:]
على أن السلام هو الرحمة للموتى، وننزلهم منزلة المخاطبين السامعين، وذلك شائع في العربية كما لا يخفى على العارفين، فهذه العرب تُسَلِّمُ على الديار، وتخاطبها على بعد المزار.
[فعلق الألباني قائلاً]:
ومن ذلك مخاطبة النبي ﵌ الهلال حين يراه بقوله: ". . . ربنا وربك الله " ونحوه مما جاء في عدة أحاديث مخرجة في " المشكاة " (٢٤٢٨ و٢٤٥١) و"الكلم الطيب " (ص ٩١/ ١٦١) و" الصحيحة " (١٨١٦). و" الضعيفة " (١٥٠٦).
ومثله ما روي عن ابن عمر مرفوعاً: " كان إذا سافر فأقبل الليل قال: يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك. . . " الحديث، وقد صححه بعضهم، لكن في إسناده جهالة كما بينته في " الكلم الطيب " (٩٩/ ١٨٠) و" المشكاة " (٣٤٣٩ - التحقيق الثاني).
وفي ذلك كله رد قوي على قول ابن القيم في " الروح " (ص ٨) وقد ذكر السلام على الأموات -: "فإن السلام على من لا يَشْعُرُ ولا يَعْلَمُ بالمسلم محال"، قال: "وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويرد" وكأنه ﵀ لم يستحضر خطاب الصحابة للنبي ﵌ في التشهد: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " خلفه في المدينة، وبعيداً عنه في سائر البلاد، بحيث لو خاطبوه بذلك جهراً لم يسمعهم ﵌، فضلاً عن جمهور المسلمين اليوم وقبل اليوم الذي يخاطبونه بذلك، أفيقال: إنه يسمعهم؟ أو أنه من المحال السلام عليه
стр. 3974
وهو لا يشعر بهم ولا يعلم؟ وكذلك لم يستحضر ﵀ قول شيخ الإسلام ابن تيمية في توجيه هذا السلام ونحوه فقال في " الاقتضاء " (ص ٤١٦) وقد ذكر حديث الأعمى المشار إليه آنفاً:
وقوله: "يا محمد " هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادي في القلب، فيخاطب لشهوده بالقلب، كما يقول المصلي: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " والإنسان يفعل هذا كثيراً يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من سمع الخطاب ".
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٣١ - ١٣٢).
[١٤٨٣] باب كيف سلم النبي ﵌ على القبور فقال:"السلام عليكم دار قوم مؤمنين ... "مع أن الموتى لا يسمعون ؟
[قال الآلوسي في "الآيات البينات"]:
رأيت في " شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك " في " فصل جامع للوضوء " في الكلام على حديث أبي هريرة أن رسول الله ﵌ خرج إلى المقبرة فقال: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " ما لفظه:
" قال الباجي وعياض: يحتمل أنهم أحيوا له حتى سمعوا كلامه كأهل القليب، ويحتمل أن يسلم عليهم مع كونهم أمواتاً لامتثال أمته ذلك بعده، قال الباجي: وهو الأظهر ".
[فعلق الألباني قائلاً:]
قلت: كل من الاحتمالين غير قوي عندي أما الأول فلأن النبي ﵌ كان
стр. 3975
يخاطب الموتى بالسلام المذكور كلما زار القبور كما في حديث عائشة ﵂: " كان ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﵌ يخرج من آخر الليل فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين. . . " الحديث. رواه مسلم وغيره وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص ١٨٩) فهل كانوا يجيبونه كلما سلم عليهم؟
وأما الآخر فهو أضعف منه لأنه يعود السؤال السابق: لماذا خاطبهم النبي ﵌ بذلك؟ اللهم إلا أن يكون مراده أن الأمر تعبدي محض. والله أعلم.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٣٣ - ١٣٤).
[١٤٨٤] باب لا يستدل بحديث أهل القليب على أن الموتى يسمعون
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلاَثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: «يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ، خَلَفٍ يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّى قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِى رَبِّى حَقًّا». فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا؟ وَقَدْ جَيَّفُوا قَالَ «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا». ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ.
[قال الإمام معلقًا على قوله ﵌: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»]:
أي لأن الله أحياهم له كما قال قتادة في "صحيح البخاري", لا لأن الموتى يسمعون كما يظن البعض. كيف والله يقول فيهم ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم﴾. فمن أكبر الضلال, استدلال
стр. 3976
بعض الجهال بالحديث على أن الموتى يسمعون, ثم الاستدلال بسماعهم على جواز الاستعانه بهم. والآية صريحة في نفي الأمرين معاً. والله المستعان.
"مختصر صحيح مسلم" (ص ٣٠٧).
[١٤٨٥] باب منه
[قال ابن أبي عاصم في "السنة"]:
ثنا أبو الشعثاء، ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن أشعث عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود في بيت المال، قال: قام رسول الله ﵌ على القليب قليب بدر فقال: «يا فلان يا فلان هل وجدتم ما وعد ربكم حقاًّ»؟ قالوا: يا رسول الله هل يسمعون؟ قال: «ما أنتم لأسمع لما أقول منهم، ولكنهم اليوم لا يجيبون».
[قال الإمام]:حديث صحيح.
قال أبو بكر [هو ابن أبي عاصم] والأخبار التي في قليب بدر، ونداء النبي ﵌ إياهم، وما أخبر أنهم يسمعون كلامه؛ أخبار ثابتة توجب العمل والمحاسبة، فيه أخبار كثيرة قد أثبتناها في مواضعها.
[فعلق الإمام قائلاً]:
قلت: لكن ليس فيها أن الموتى عامة يسمعون, وإنما فيها أن أهل القليب سمعوا قوله ﵌ إياهم (١) , فهي قضية خاصة لا عموم لها, فلا تعارض بينها وبين الآيتين اللتين احتجت بهما السيدة عائشة ﵂, فاحتجاجها بهما صحيح
стр. 3977
كأصل, لكن خفي عليها أن الحادثة وقعت كما رواها ابن عمر, وكذا أنس وعمر كما تقدم. فتمسكت بالأصل الثابت في القرآن, لعدم ثبوت القصة عندها, ولو ثبتت لاستثنتها من هذا الأصل كما هو الواجب للتوفيق بين القرآن والحديث, ويؤيده قول قتادة المتقدم: أحياهم الله له ... فالقضية خاصة فلا يجوز أن يلحق بها غيرها فيقال: إن الموتى كلهم يسمعون, كما يقول كثير من الناس اليوم!
"ظلال الجنة في تخريج السنة" (ص ٣٨٤)
[١٤٨٦] باب متى كانت مخاطبة النبي ﵌ لأهل القليب
[نقل الآلوسي في "الآيات البينات" عن ابن جحر قولاً لبعضهم بأن مخاطبة النبي لأهل القليب كانت وقت سؤال الملكين في القبر، فعلق الألباني على هذا القول قائلاً]:
قلت: وكذا قال الطحطاوي (ص ٥٤٦). وهذا باطل فقد ثبت في بعض طرق القصة عن أنس أن رسول الله ﵌ ترك قتلى بدر ثلاثا ثم أتاهم فناداهم. . . وفيه أن عمر قال: يا رسول الله كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جيفوا؟ الحديث. أخرجه مسلم (٨/ ١٦٣) وأحمد (٣/ ٢٨٦) من رواية ثابت عنه. ورواه حميد عنه بلفظ "قالوا " بدل " قال عمر " كما تقدم قريباً، ومعناه في طريق قتادة الذي سبق تخريجه (ص ٥٤)، فالعجب من الحافظ كيف فاته هذا وهو الذي نقل في شرحه لهذا الحديث قول السهيلي .. وفيه قول الصحابة: " أتخاطب أقواما قد جيفوا " بل وذكر قبل ذلك حديث أنس هذا من طريق مسلم؟ إلا أن يقال: إن الروح تبقى مدة في جسدها بعد إعادتها إليه وهو بعيد جداً لعدم ورود نص بذلك. والله أعلم.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٠٢).
стр. 3978
(متفرقات)
стр. 3979
[١٤٨٧] باب هل علة الموت هي فساد الأعضاء بحيث تصبح غير قادرة على قبول الآثار الفائضة عليها من الروح
[نقل الآلوسي في "الآيات البينات "قول ابن القيم في كتابه"الروح" عن ماهية الروح]:
الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وأدلة العقل والفطرة، أنه جسم حادث مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، والدهن في الزيتون، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي هذا الجسم اللطيف متشابكا لهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة والإدارة، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت عن قبول الآثار، فارق الروح البدن وانفصل بأمر الله تعالى إلى عالم الأرواح قال الله تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فأدخلي في عبادي وأدخلي جنتي﴾.
[فعلق الألباني قائلاً]:
(إن) تعليل الموت بهذا السبب يشبه الفلسفة عندي؛ لأنه لا دليل عليه من نقل، أو عقل بل كم من شخص مات فجأة وأعضاؤه سليمة قوية في عز المنعة والقوة.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٥٢).
стр. 3980
[١٤٨٨] باب هل الأموات على علم بحال الأحياء ؟
[روي عن النبي ﵌]:
«تعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس على الله، وتعرض على الأنبياء،
وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضا
وإشراقا، فاتقوا الله، ولا تؤذوا أمواتكم».
[قال الإمام]:
(موضوع)
[ثم بين الإمام وضعه ثم قال:] ومنه تعلم أن السيوطي قد أساء بإيراده لهذا الحديث في " الجامع الصغير " وباستشهاده به على ما جزم به في " الحاوي " أن الأموات على علم بأحوال الأحياء، وبما هم فيه! وقد ساق في هذه المسألة أحاديث أخرى، لا يحتج بشيء منها مثل حديث " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات .. " الحديث، وقد مضى (٨٦٧).
"الضعيفة" (٣/ ٦٧٢).
[١٤٨٩] باب صفة حياة الأنبياء بعد الموت
[قال الإمام]:
(حياة) الأنبياء بعد الموت حياة برزخية، ولنبينا ﵌ فيها من الخصائص ما ليس لغيره كهذه الخصوصية [وهي رد السلام على من سلم عليه] وغيرها ... ، ولكن لا يجوز التوسع في ذلك بالأقيسة والأهواء كما جاء في آخر " مراقي الفلاح " تحت " فصل زيارة النبي ﵌ " ما نصه:
стр. 3981
"ومما هو مقرر عند المحققين أنه ﷺ حي يرزق بجميع الملاذ والعبادات، غير أنه حجب عن أبصار القاصرين"!
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١١١).
[١٤٩٠] باب في صفة حياة الشهداء
سؤال: يا أستاذ! هل هناك أناس الآن دخلوا الجنة أو أناس دخلوا النار، مثل الآية التي في سورة يس: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ (يس:٢٦) .. ؟
الشيخ: هذا فيما سيكون .. ، أما الآن ما هو إلا الحياة البرزخية فدخول الجنة والنار مؤقت للحساب، ... البعث يوم القيامة ..
مداخلة: حتى الشهداء والأنبياء ..
الشيخ: كلهم، لكن أرواحهم لها نعيم خاص كما قال ﵇: «أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تعلق من ثمر الجنة» وكذلك: «أرواح المؤمنين في بطون طير خضر تعلق من ثمر الجنة» فهذا نعيم روحي، أما النعيم البدني والروحي معاً وكذلك الجحيم فذلك لا يكون إلا بعد البعث والنشور.
مداخلة: طيب يا أستاذ! نحن الذي نفهمه على قدر عقولنا، أن الشخص عندما يكون حي يكون جسده وروحه مرتبطان ببعض ... ، الله عندما يقول: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ (آل عمران:١٦٩) أقصد أنا: بل أحياء تكون الحياة مربوطة الجسد في الروح.
الشيخ: هذا شيء معروف لا يحتاج إلى سؤال، شرحه لك الرسول وأعطاك الجواب وأنا قدمته سلفاً .. أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر، ما معنى هذا؟
стр. 3982
معناه أنه يتنعم في بدنه؟! يتنعم في بدن مستعار, وهو الطير الأخضر، فحياة الشهداء حياة تتناسب مع مقامه عند الله أولاً وبقاؤهم في البرزخ ثانياً، الحياة تختلف حياة البرزخية غير الحياة الدنيوية، والحياة الأخروية غير الحياتين كلتيهما، الحياة الأخروية غير الحياة البرزخية وغير الحياة الدنيوية أيضاً؛ ولذلك لا يجوز أن يستعمل الإنسان القياس .. قياس الغائب على الشاهد، فتقول أنت: نحن لا نعرف الحياة إلا هكذا! طيب! هذه الحياة التي تعرفها لا تقيس عليها الحياة التي لا تعرفها، وبخاصة وقد جاءت بعض النصوص توضح لك تماماً أن حياة الشهداء التي ربنا أثبتها في نص القرآن: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران:١٦٩) ما هو رزقهم؟ ليس طبق ونفق مثل الذي عندنا، رزقهم يأكلون بطريق أكل هذا الطير الأخضر، هذا هو الرزق، الحديث يبين القرآن.
مداخلة: عندما رأى الرسول ﵊ الجنة والنار ووجد الذين يتعذبون فيها والذين يتنعمون فكيف هذا؟
الشيخ: نعم، كشف له عما سيكون عليه أوضاع أهل الجنة وأهل النار، هذا الكشف الحقيقي الذي سرقه الصوفية ونسبوه إلى أنفسهم، هذا للأنبياء والرسل وفقط.
"الهدى والنور" (٢٨/ ١٨: ٥٥: ٠٠)
[١٤٩١] باب لبعض الأعمال الصالحة
فضائل خاصة بعد الموت مع رد حديث طويل في الباب
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«إني رأيت البارحة عجباً:
стр. 3983
١ - رأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب, فجاءه وضوءه, فاستنقذه من ذلك.
٢ - ورأيت رجلاً من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر, فجاءته صلاته, فاستنقذته من ذلك.
٣ - ورأيت رجلاً من أمتي احتوشته الشياطين, فجاءه ذكر الله, فخلصه منهم.
٤ - ورأيت رجلاً من أمتي يلهث عطشاً, فجاءه صيام رمضان, فسقاه.
٥ - ورأيت رجلاً من أمتي من بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة, فجاءته حجته وعمرته, فاستخرجاه من الظلمة.
٦ - ورأيت رجلاً من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه, فجاءه بره لوالديه فرده عنه.
٧ - ورأيت رجلاً من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه, فجاءته صلة الرحم, فقالت: إن هذا كان واصلاً لرحمه. فكلمهم وكلموه وصار معهم.
٨ - ورأيت رجلاً من أمتي يأتي النبيين وهم حلق حلق, كلما مر على حلقة طرد, فجاءه اغتساله من الجنابة, فأخذ بيده فأجلسه إلى جنبي.
٩ - ورأيت رجلاً من أمتي يتقي وهج النار بيديه عن وجهه فجاءته صدقته فصارت ظّلاً على رأسه وستراً عن وجهه.
١٠ - ورأيت رجلاً من أمتي جاءته زبانية العذاب, فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر, فاستنقذه من ذلك.
١١ - ورأيت رجلاً من أمتي هوى في النار, فجاءته دموعه اللاتي بكى بها في الدنيا من خشية الله, فأخرجته من النار.
стр. 3984
١٢ - ورأيت رجلاً من أمتي قد هوت صحيفته إلى شماله, فجاءه خوفه من الله تعالى, فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه.
١٣ - ورأيت رجلاً من أمتي قد خف ميزانه, فجاءه أفراطه, فثقلوا ميزانه.
١٤ - ورأيت رجلاً من أمتي على شفير جهنم, فجاءه وجله من الله تعالى, فاستنقذه من ذلك.
١٥ - ورأيت رجلاً من أمتي يرعد كما ترعد السعفة, فجاءه حسن ظنه بالله تعالى, فسكن رعدته.
١٦ - ورأيت رجلاً من أمتي يزحف على الصراط مرة, ويحبو مرة فجاءته صلاته علي, فأخذت بيده فأقامته على الصراط حتى جاز.
١٧ - ورأيت رجلاً من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة, فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله فأخذت بيده, فأدخلته الجنة».
[قال الإمام]:
قلت: منكر جداً.
نعم، أنا لا أنكر أن لبعض الأعمال الصالحة فضائل خاصة بعد الموت مثل
قوله ﵌: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشهوة؛ فشفعني فيه. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل؛ فشفعني فيه. قال: فيشفعان».
وهو مخرج في " تمام المنة " (ص ٣٩٤).
وقوله ﵌: «إن سورة في القرآن ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له؛ وهي: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾».
стр. 3985
وهو مخرج في "التعليق الرغيب" (٢/ ٢٢٢/ ١)، وفي رواية فيه برقم (٤) بلفظ: «من قرأ ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ كل ليلة؛ منعه الله عزوجل بها من عذاب القبر».
فهذان أصلان يشهدان لما ذكرت من الفضائل الخاصة. فأين الأصول التي تشهد لما جاء في هذا الحديث المنكر؟!.
"الضعيفة" (١٤/ ٣/١٢٢٨ - ١٢٣٠،١٢٣٩ - ١٢٤٠).
[١٤٩٢] باب جزاء من مات له ولد وصبر
[قال الإمام]:
قد يصاب المسلم -كما هو الواقع المشاهد- بوفاة ولد له أو أكثر، فتأتيه أجور أخرى غير تلك الأجور التي أشرنا إليها آنفاً مما لو أحياهم الله له وعاشوا بعد وفاته، فجاءه من حسناتهم دون أن يكون هو قد فعل هذه الحسنات، فالآن في الصور الأخرى إذا أصيب المسلم بوفاة بعض أولاده، ثم صبر على ذلك، ورضي بقضاء الله وقدره ضمنت له الجنة؛ قال ﵊: «ما من مسلمين -أي: زوجين- يموت لهما ثلاثة من الولد، إلا لن تمسه النار؛ إلا تحلة القسم. قالوا: واثنان يا رسول الله! قال: واثنان. قال أصحابه ﵇: حتى ظننا أننا لو قلنا: وواحد، لقال: وواحد».
إذاً: المسلم المتزوج يعيش بين حسنتين لا بد من إحداهما: إن عاش أولاده من بعده جاءته أجورهم، وهو في قبره.
وإن مات شيء من ولده في .. حياته، فقد ضمن الله له ﵎ الجنة، وأنه لن تمسه النار إلا تحلة القسم.
" الهدى والنور" (٢٠/ ٠٠:٩٠:٣٢)
стр. 3986
[١٤٩٣] باب جزاء من مات له ولدان
[قال رسول الله ﵌﴾:
«ما من امرأة تقدم ثلاثا من الولد تحتسبهن إلا دخلت الجنة. فقالت امرأة منهن: أو اثنان؟ قال: أو اثنان».
[قال الإمام]:
فيه فوائد كثيرة، [منها]:
أن من مات له ولدان دخل الجنة وحجباه من النار، وليس ذلك خاصًّا بالإناث آباء وأولادا، لأحاديث أخرى كثيرة تعم الجنسين، وتجد جملة طيبة منها في " الترغيب والترهيب " (٣/ ٨٩ - ٩١) ويأتي بعد هذا أحدها [ثم أورده:] " من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة برحمته إياهم ... [فساقه بطوله]
"الصحيحة" (٦/ ١/٣٩٩ - ٤٠٢،٤٠٠)
[١٤٩٤] باب هل تقبل توبة من هو على وشك الإعدام ؟
مداخلة: من المعلوم أنها لا تقبل التوبة عند الغرغرة، فرجل حُكم عليه بالإعدام، عند التنفيذ عندما يدخل إلى الغرفة حتى ينفذوا وهو متحقق من موته الآن.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فقبل أن يصعد إلى المشنقة يقول: لا إله إلا الله ويستغفر ويتوب، فهل هذا يدخل في باب تحت الغرغرة؟
стр. 3987
الشيخ: لا، لا يدخل لأنه ما غرغر، ما حشرجت الروح، لكن هو غلب على ظنه أن الموت آتيه، فالتوبة مقبولة ما لم يغرغر، هذا نص صريح في الموضوع.
" الهدى والنور" (٤٢٠/ ٥٨: ٥٥: ٠٠).
[١٤٩٥] باب حكم قولهم:"انتقل إلى مثواه الأخير "
[قال الإمام]:
وأما قولهم في الإذاعات وغيرها: " .. مثواه الأخير " فكفر لفظي على الأقل، وأنا أتعجب كل العجب من استعمال المذيعين المسلمين لهذه الكلمة، فإنهم يعلمون أن القبر ليس هو المثوى الأخير، بل هو برزخ بين الدنيا والآخرة، فهناك البعث والنشور ثم إلى المثوى الأخير، كما قال تعالى ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾، وقال في الأخير: ﴿فالنار مثوى لهم﴾، وما ألقى هذه الكلمة بين الناس إلا كافر ملحد، ثم تقلدت من المسلمين في غفلة شديدة غريبة! ﴿فهل من مدكر﴾؟ اهـ.
"الصحيحة" (٦/ ١/٤١٦).
[١٤٩٦] باب حكم تشريح جسد من مات موتاً دماغياً فقط
سؤال: يقول الأخ: نسمع في هذه الآونة عن عملية تحويل القلب لرجل فقد الحياة إلى رجل آخر يريد قلب صحيح؟ فهل هذه العملية جائزة؟ بإذنه وبغير إذنه؟ نقل القلب.
الشيخ: يعني تشريح جثة الميت، واستخراج القلب منها، ووضعه في الحي الذي هو بحاجة لقلب جديد، هذا جواب يفهم مما سبق، لا يجوز التشريح.
стр. 3988
السائل: تعليق، هم ما يأخذوا قلب ميت مثلاً، يأخذوا قلب كان ميت بالتحليل، موت الدماغ يسموه؟ قبل أن يموت، يأخذوا قلبه قبل أن يموت؟
الشيخ: هذا أنكى وأمر. نعم.
السائل: حتى لو أوصى بذلك؟ ألا يدخل في باب: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾؟
الشيخ: لا، ما يدخل، كيف يدخل، واحد يوصي بأن يقتل في سبيل آخر، وقد لا ينجح حتى هذا الآخر كما هو معلوم طبياً.
السائل: نقل قلب كافر لمسلم؟
الشيخ: هذا من الحيثية ما يضر؛ لأنه القلب الذي هو مقر الإيمان والصلاح والتقوى كما جاء في الأحاديث وبعض الآيات القرآنية ليس هو بمجرد هذه المضغة، وإنما هو أثر حياة هذا الإنسان كله، بجسده وروحه، فقد يتوفر هذا في هذه المضغة التي قال الرسول عنها: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (١)، الشاهد: أنه لا يجوز.
السائل: وإذا فُعل؟ إذا تمت هذه العملية؟ ونقل القلب من رجل صالح إلى رجل ضال مضل والعياذ بالله؟ كيف يكون؟
الشيخ: ما يختلف شيء من حياة المنقول إليه القلب، سواء كان يعني قلب كافر إلى مؤمن، أو العكس، هذا قلت عنه آنفاً ما قلت.
стр. 3989
السائل: هل هذا خاص بالقلب أم لو أوصى ببصره أو لو أوصى؟
الشيخ: كله، عام.
السائل: هناك قضية يا أستاذ: أن بعض الناس ينقل كلية وهو ما زال حي؟ تبرع لقريبه أو؟
الشيخ: نفس الكلام.
السائل: ما يموت إذا نزعها؟
الشيخ: قد يموت، هذه قضية مش مضمونة، وربنا خلق كلتين بدل كلية واحدة، ما خلق ذلك عبثاً، وإنما أقل ما يقال احتياطاً، ولذلك تسمعون أن بعض الناس يعيشون على كلية واحدة.
"الهدى والنور" (١٢/ ٤٣: ١٠: ٠٠).
стр. 3990
(جماع أبواب الروح)
стр. 3991
(خَلْقُ الروح)
[١٤٩٧] باب هل الأرواح مخلوقة قبل الأجساد أم بعدها ؟
[قال الإمام]:
أما مسألة تقدم خلق الأرواح على الأجساد وتأخرها عنها، فللعلماء فيها قولان معروفان، وممن ذهب إلى تقدم خلقها محمد بن نصر المروزي وأبو محمد بن حزم وحكاه إجماعاً و [من] أدلتهم قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ قالوا: وهذا الاستنطاق والإشهاد إنما كان لأرواحنا، ولم تكن الأبدان حينئذ موجودة، وقوله ﵌: «إن الله خلق أرواح العباد قبل العباد بألفي عام فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف».
رواه ابن منده بإسناده عن عمرو بن عنبسة مرفوعا كما في " الروح " (ص١٦٠) ثم قال (ص ١٧٢) " لا يصح إسناده فيه عتبة بن السكن قال الدارقطني: متروك. وأرطأة ابن المنذر قال ابن عدي: بعض أحاديثه غلط ".
قلت: وهو البصري، وأما أرطأة بن المنذر الحمصي فثقة، لكن فوقهما عطاء بن عجلان وهو متروك أيضا فهو حديث ضعيف جداًّ إن لم يكن موضوعا، اللهم إلا قوله: " فما تعارف. . . . " فهو طرف من حديث صحيح معروف.
стр. 3992
لكن في المسألة أحاديث أخرى كثيرة تغني عن هذا الحديث من أصرحها حديث ابن عباس مرفوعاً: " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بـ (نعمان) يوم عرفة، وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلاً قال: ﴿ألست بربكم قالوا: بلى﴾ " وهو حديث صحيح بل هو متواتر المعنى كما بينته في " الصحيحة " (١٦٢٣).
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٥٠).
стр. 3993
(نفخ الروح)
[١٤٩٨] باب متى تنفخ الروح في الجنين ؟
سؤال: يا شيخ بالنسبة لنفخ الروح في الجنين متى يكون، خصوصاً أن هناك من يقول: ان هناك دلالة علمية تثبت أن النفخ في بداية الأربعين الأولى من نفخ الجنين، وأن هناك حديث في مسلم يثبت أن فيه زيادة: أنه يكون علقة مثل ذلك في الأربعين يوماً، يستدلون بهذا الحديث على أنه الروح تنفخ النفخ بالأربعين اليوم الأولى؟
الشيخ: في سؤالك ناحيتان: إحداهما شرعية، والأخرى طبية، من الناحية الشرعية ثبت في حديث ابن مسعود المتفق عليه بين الشيخين أن الروح إنما تنفخ في الجنين بعد أربعة أشهر.
أما القول: أنه ثبت علمياً طبياً: أن الروح تنفخ قبل ذلك، فأنا في اعتقادي أن هذا مع أنه مخالف للحديث السابق فهو أيضاً ليس بثابت طبياً؛ لأنني أنا أعلم أن هذا ليس من اختصاصي ولكنه من معلوماتي التي يشاركني فيها كل مثقف له مشاركة في الاطلاع على ما يجري اليوم من بحوث علمية وغيرها، نحن نعلم أن الحوين الصغير هذا الذي يوجد منه الملايين المملينة في مني الرجل كلها حوينات ليست ميتة وإنما هي فيها الحياة، أليس كذلك؟
مداخلة: بلى.
стр. 3994
الشيخ: طيب، فهذا الحوين حينما ينمو حينما يلقح البويضة في رحم المرأة ينمو وينمو معه هذه الحياة التي فطرها الله في هذا الحوين وهو في صلب الرجل قبل أن ينتقل إلى رحم المرأة، فإذاً هنا حياتان، ولنتسامح في التعبير ولا بأس من ذلك قليلاً، هنا روحان: الروح الأولى وجدت مع الحوين وهو في صلب الرجل، الحياة أو الروح الأخرى نفخت بنص الحديث بعد أربعة أشهر، يوم يأتي وينفخ فيه الروح ويسأل: سعيد أم شقي، ذكر أم أنثى .. إلى آخر التفاصيل المعروفة في الصحيح.
فهنا إذاً روحان، الروح الثالث هذه ما هي؟ فقهياً لا يوجد روح ثالث إطلاقاً، بمعنى: غير الروح التي بها يحيا هذا الحوين ويكبر وينمو وينمو، حتى يصبح يتحرك في بطن الأم، والروح التي تنفخ في الجنين، هذه بلا شك روح جديدة غير تلك الروح الكبيرة في ذلك الحوين، هذه دعوى، مجرد دعوى أنه هناك ثابت في علم الطب أن الروح التي أخبر الله عنها أو أخبرنا نبينا أن الله يأمر الملك بأن ينفخ فيه الروح لا في الشرع ولا في علم الطب أن هذا ينفخ بعد أربعين يوماً، أو على الأقل قبل مضي الأربعة الأشهر، هذا لا وجود فيه إطلاقاً.
ثم أخيراً أنا أريد أن أذكر: لا ينبغي أن نخلط بين العلم التجريبي البشري وبين العلم الإلهي الذي مصدره من كتاب ربنا ومن حديث نبينا ﵌؛ لأن كلاً من العلمين لهما لكل منهما سبيله، فسبيل العلم الشرعي هو القرآن والسنة، سبيل العلم الكسبي هو البشر، فقد يخطئ وقد يصيب.
كثيراً ما نسمع ونسأل، كثير مع الأسف: أن امرأة في بطنها جنين واكتشفوا الآن بواسطة الجهاز الذي يشبه التلفاز بأن هذا الجنين مشوه، وأنه إذا لم تجهض المرأة وولدت ولادة طبيعية سيكون هذا الولد معوقاً.
стр. 3995
هكذا السؤال، سئلت بأنه بعض الأطباء قالوا للحامل: بأن هذا مشوه تشويه فظيع جداً، ربما له أكثر من يدين وأكثر من رجلين، يعني: صورة مخيفة جداً خاصة للأم الوالدة، وكان في المجلس حينما سئلت هذا السؤال امرأة حدثتنا وهي صادقة: بأن قريبة لها حدثوها بأنه الجنين في بطنها إذا ما ولد فسيولد له أربعة أرجل وما عاد أذكر كم يد، فمسكينة هي خافت جداً، ولكن قالت: أمري إلى الله ، فلما ولدت فإذا بهذا الجنين بشراً سوياً، سبحان الله! رجعت بعد ذلك عللوا لها: أنه والله التلفاز يمكن كان شوية مشوش إلى آخره، وهذه حقيقة، كثيراً ما يقع مثل هذا.
فغرضي أن أقول: ما نربط هذا بهذا؛ لأنه الحقيقة راح نقع في تناقض مع الحكم الشرعي، كلنا يعلم أن إسقاط الجنين بعد نفخ الروح لا أقول على الزعم الطبي؛ لأن هذا معناه إسقاطه بعد أربعين يوم يعني يكون محرماً، بينما نحن شرعاً ما نقول إلا بعد أربعة أشهر هذا الإسقاط يكون محرماً؛ لأنه يسقطه حياً.
أما إذا كان الإسقاط أو الإجهاض قبل ذلك فهنا لنا تفصيل مذكور أكثر من مرة: هو كالعزل، العزل وهو إسقاط الماء خارج الرحم حينما يجامع الرجل زوجته، هذا اسمه عزل، وهو شرعاً مكروه والكراهة تنزيهية؛ لما فيه من تقليل نسل الأمة المحمدية، ولكن إذا اقترن مع هذا العزل وهو قبل أن يتكون قبل أن يدخل الماء إلى فرج المرأة هذا مكروه فإذا ما دخل إلى كنه وأوى إلى مأواه فهناك يمكن أن يتكون وأن يتخلق ويصبح جنيناً ثم يولد ويصبح بشراً سوياً .. إلى آخره، فتتضاعف الكراهة، لكن ما تصل إلى حد التحريم إلا بشرطين اثنين:
الشرط الأول الذي ذكرته آنفاً: أن يكون قد نفخت الروح فيه.
والشرط الآخر ولو قبل نفخ الروح: أن يكون الدافع على الإجهاض قبل نفخ