ما كتبه الأستاذ ناصر الدين تمام المخالفة (١).
أقول في الجواب عن ذلك:
نعم لقد كنت على علم بما كتبه الشيخ رشيد ﵀ وكذا بما كتبه الأستاذ السمان في كتابه الذي أسماه "الإسلام المصفى"! وأنا أجزم بخطأ ما كتباه في هذه المسألة لا سيما الأخير فإنه لا علم عنده، ولذلك أَنْكَر مسائل أخرى هي أقوى ثبوتاً من هذه المسألة، مثل: خروج الدجال، ونزول عيسى ﵇، وشفاعة النبي ﵌ يوم القيامة، فإن هذه المسائل الثلاث أدلة ثبوتها مقطوع بها لورود الأحاديث المتواترة بتأييدها، ومع ذلك لم يتورع حضرة الأستاذ السمان من إنكارها! وقد سبقه إلى شيء من ذلك السيد رشيد ﵀ فإنه طعن في أحاديث الدجال، ونزول عيسى ﵇، مع أنها أحاديث صحيحة متواترة، كما صرح بذلك علماء هذا الشأن كالحافظ ابن حجر وغيره، ولا مجال الآن لبيان ذلك فإلى مناسبة أخرى - إن شاء الله تعالى -.
أما مسألة المهدي فليعلم أن في خروجه أحاديث كثيرة صحيحة، قسم كبير منها له أسانيد صحيحة، وأنا مورد هنا أمثلة منها ثم معقب ذلك بدفع شبهة الذين طعنوا فيها فأقول:
الحديث الأول: حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعاً:
стр. 4132
«لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم، حتى يبعث فيه رجلاً مني أو من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجَوْراً».
رواه أبو داود (٢/ ٢٠٧)، والترمذي، وأحمد، والطبراني في الكبير والصغير، وأبو نعيم في "الحلية"، والخطيب في "تاريخ بغداد" من طرق عن زر بن حبيش عن ابن مسعود. وقال الترمذي: "حسن صحيح" والذهبي: "صحيح" وهو كما قالا.
وله طريق آخر عند ابن ماجة (٢/ ٥١٧) عن علقمة عن ابن مسعود به نحوه، وسنده حسن.
الحديث الثاني: عن علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعاً نحوه.
وله عنه طريقان:
أخرج الأول أبو داود وأحمد، وإسناده صحيح، وأخرج الآخر ابن ماجة وأحمد، وإسناده حسن.
الثالث: عن أبي سعيد الخدري، وله طريقان أيضاً.
الأول: أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وأحمد، وحسنه الترمذي، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
وأخرج الطريق الثاني أبو داود، والحاكم وصححه، وسنده حسن.
الرابع: عن أم سلمة، وقد ذكرت لفظه وتخريجه عند الكلام على الحديث الثمانين من المقال العاشر من "الأحاديث الضعيفة".
стр. 4133
وبقية الطرق قد ذكرها العلماء في كتب خاصة فليراجعها من أراد زيادة الاطلاع (١) وقد قال صديق حسن خان في "الإذاعة".
" الأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياته كثيرة جداً تبليغ حد التواتر وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد، وقد اضجع القول فيها ابن خلدون في كتابه " العبر وديوان المبتدأ والخبر " حيث قال: يحتجون في الباب بأحاديث خرجها الأئمة، وتكلم فيها المنكرون لذلك، وعارضوها ببعض الأخبار، وللمنكرين فيها من المطاعن، فإذا وجدنا طعناً في بعض رجال الإسناد بغفلة أو سوء حفظ أو ضعف أو سوء رأي تطرق ذلك إلى صحة الحديث وأوهن منها. إلى آخر ما قال، وليس كما ينبغي فإن الحق الأحق بالاتباع، والقول المحقق عند المحدثين المميزين بين الدار والقاع، أن المعتبر في الرواة ورجال الأحاديث أمران لا ثالث لهما الضبط والصدق، دون ما اعتبره أهل الأصول من العدالة وغيرها فلا يتطرق الوهن إلى صحة الحديث بغير ذلك ".
ثم قال صديق خان:
"وأحاديث المهدي بعضها صحيح، وبعضها ضعيف، وأمره مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على مر الأعصار، وأنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت النبوي يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل
стр. 4134
الدجال، ويأتم بالمهدي في صلاته إلى غير ذلك، وأحاديث الدجال وعيسى أيضاً بلغت مبلغ التواتر ولا مساغ لإنكارها كما بين ذلك القاضي العلامة الشوكاني ﵀ في "التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح "، قال (يعني الشوكاني): "والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها: خمسون حديثاً فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضاً لها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك. انتهى. وقد جمع السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير اليماني الأحاديث القاضية بخروج المهدي وأنه من آل محمد ﵌ وأنه يظهر في آخر الزمان ثم قال: ولم يأت تعيين زمنه إلا أنه يخرج قبل خروج الدجال. انتهى "
شبهات حول أحاديث المهدي:
هذا ثم إن السيد رشيد أو غيره لم يتبعوا ما ورد في المهدي من الأحاديث حديثاً حديثاً، ولا توسعوا في طلب ما لكل حديث منها من الأسانيد، ولو فعلوا لوجدوا فيها ما تقوم به الحجة حتى في الأمور الغيبية التي يزعم البعض أنها لا تثبت إلا بحديث متواتر! ومما يدلك على ذلك أن السيد رشيد- ﵀ ادعى أن أسانيدها لا تخلو عن شيعي! مع أن الأمر ليس كذلك على إطلاقه، فالأحاديث الأربعة التي أوردتها ليس فيها رجل معروف بالتشيع، على أنه لو صحت هذه الدعوى لم يقدح ذلك في صحة الأحاديث لأن العبرة في الصحة إنما هو الصدق والضبط، وأما الخلاف المذهبي فلا يشترط في ذلك كما هو مقرر في علم مصطلح الحديث ولهذا روى الشيخان في صحيحيهما لكثير من الشيعة
стр. 4135
وغيرهم من الفرق المخالفة واحتجا بأحاديث هذا النوع.
وقد أعلها السيد بعلة أخرى وهي التعارض! وهذه علة مدفوعة لأن التعارض شرطه التساوي في قوة الثبوت، وأما نصب التعارض بين قوي وضعيف فمما لا يسوغه عاقل منصف، والتعارض المزعوم من هذا القبيل، وقد أوردت بعض الأمثلة على ذلك في المقال الذي سبقت الإشارة إليه فليراجعه من شاء.
وقد يُعلُّ بعض الناس هذه الأحاديث وكذا أحاديث نزول عيسى ﵇ بِعلة أخرى، وهي أنها كانت - بزعمهم - سبباً لحمل المسلمين على الاتكال عليها، وانتظار خروج المهدي، ونزول عيسى ﵉، وعلى ترك الأخذ بأسباب الحياة والقوة والمنعة، ويظنون أن معالجة هذه المشكلة إنما هي بإنكار أحاديثهما! وهذا خطأ يشبه معالجة المعتزلة للآيات المتشابهات، والأحاديث التي في معناها، فإنهم اشتهروا بتأويلهم للآيات وردهم للأحاديث الصحيحة التي من هذا القبيل حرصاً منهم - كما زعموا- على التنزيه ودفعاً للتشبيه! وأما أهل السنة فكانوا يؤمنون بهذه الآيات والأحاديث على ظاهرها، ولا يفهمون من ذلك تشبيهاً أو ما لا يليق بالله تعالى.
وكذلك القول في أحاديث المهدي، فإنه ليس فيها ما يدل بل ما يشير أدنى إشارة إلى أن المسلمين لا نهضة لهم ولا عز قبل خروج المهدي، فإذا وجد في بعض جهلة المسلمين من يفهم ذلك منها، فطريق معالجة جهله أن يُعَلَّمَ ويُفَهَّمَ أنَّ فَهْمَهُ خَطَأٌ، لا أن نرد الأحاديث الصحيحة بسبب سوء فهمه إياها!
ومن شبهات بعض الناس أن عقيدة المهدي قد استغلها بعض الدجالين، فادعوا المهدوية لأنفسهم وشقوا بسبب ذلك صفوف المسلمين وفرقوا بينهم، ويضربون على ذلك الأمثلة الكثيرة آخرها غلام أحمد القادياني دجال الهند،
стр. 4136
ونحن نقول إن هذه الشبهة من أضعف الشبهات، وفي رأيي أن حكايتها تغني عن ردها، إذ أن من المسلَّم به أن كثيراً من الأمور الحقة يستغلها من ليس أهلاً لها، فالعلم مثلاً يدعيه بعض الأدعياء وهو في الواقع من الجهلاء، فهل يليق بعاقل أن ينكر العلم بسبب هذا الاستغلال؟! بل إن بعض الناس فيما مضى ادعى الألوهية فهل طريقة الرد عليه وبيان كذبه يكون بإنكار الألوهية الحقة؟!
ومثال آخر: يفهم بعض المسلمين اليوم من عقيدة "القضاء والقدر " الجبر وأن الإنسان الذي قدّر عليه الشر مُجبر على ارتكابه، وأنه لا اختيار له فيه، وقع في هذا الفهم الخاطئ غير قليل من أهل العلم، ونحن مع جماهير العلماء الذين لا يشكون في صحة عقيدة القضاء والقدر وأنها لا تستلزم الجبر مطلقاً، فإذا أردنا أن نصحح ذلك الفهم الخاطئ الملصق بهذه العقيدة الحقة، أفيكون طريق ذلك بإنكارها مطلقاً كما فعل المعتزلة قديماً وبعض أذنابهم حديثاً؟! أم السبيل الحق الاعتراف بها لأنها ثابتة في الشرع ودفع فهم الجبر منها؟ لا شك أن هذا السبيل هو الصواب الذي لا يخالف فيه مسلم البتة، فكذلك فلتعالج عقيدة المهدي، فنؤمن بها كما جاءت في الأحاديث الصحيحة، ونبعد عنها ما ألصق بها بسبب أحاديث ضعيفة واهية خبيثة، وبذلك نكون قد جمعنا بين إثبات ما ورد به الشرع والإذعان لما يعترف به العقل السليم.
وخلاصة القول: إن عقيدة خروج المهدي عقيدة ثابتة متواترة عنه ﵌ يجب الإيمان بها لأنها من أمور الغيب، والإيمان بها من صفات المتقين كما قال تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾. وإن إنكارها لا يصدر إلا من جاهل أو مكابر. أسأل الله تعالى أن يتوفانا على الإيمان بها وبكل ما صح في الكتاب والسنة.
"مقالات الألباني" (ص ١٠٥ - ١١٠).
стр. 4137
[١٦٠٦] باب ذكر بعض من أنكر خروج المهدي
[قال الإمام]:
أخطأ ابن خلدون خطأً واضحًا حيث ضعف أحاديث المهدي كلها، ولا غرابة في ذلك؛ فإن الحديث ليس من صناعته ... وتورَّط بكلامه بعض أفاضل المعاصرين فصرَّح بأن خروج المهدي خرافة، هدانا الله وإياه لقول الحق واتّباعه.
"تخريج أحاديث فضائل الشام" (ص ٤٤).
[١٦٠٧] باب ذكر بعض من أنكر عقيدة
المهدي وعيسى وبيان خطئهم
[قال الإمام في مقدمة كتابه "قصة المسيح الدجال ونزول عيسى" مبينًا الأسباب التي دفعته لتصنيفه]:
ومما شجعني على ذلك الأمور الآتية:
الأول: شك كثير ممن ينتمون إلى العلم - بل وإلى الدعوة إلى الإسلام؛ فضلاً عن غيرهم ممن لا ثقافة إسلامية عندهم من الشباب المثقف وغيرهم من العوام - في عقيدة نزول عيسى ﵊، وقتله للدجال في آخر الزمان، حتى لقد قام في نفسي أن كثيراً من الطلاب المتخرجين من جامعة الأزهر هم من هؤلاء الشاكِّين - إن لم يكونوا من المنكرين لها - وقد عرفت ذلك من مناقشتي لبعضهم شفهيّاً، ومن اطلاعي على فتاوى بعضهم في ذلك، وتعليقات آخرين منهم على بعض الكتب.
ومن أشهر هؤلاء الشيخ (محمد عبده)؛ فإنه يقول في حديث نزول عيسى
стр. 4138
عليه السلام تارة: بأنه حديث آحاد! وهذا حسب علمه بالحديث، وهو من أبعد العلماء المعاصرين عنه في نقدي، وتارة يتأوَّلُ نزولَهُ وحكمَهُ في الأرض بِغَلَبَة روحِهِ وسِرِّ رسالتِهِ على الناس، وهو ما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم ... حكاه السيد رشيد رضا في "تفسيره" (٣/ ٣١٧)؛ ومع أنه رده عليه بقوله عقبه:
"ولكن ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك تأباه"؛ فإنه رد هذا الاستدراك بقوله عقبه أيضاً:
"ولأهل هذا التأويل أن يقولوا: إن هذه الأحاديث قد نقلت بالمعنى كأكثر الأحاديث، والناقل للمعنى ينقل ما فهمه. وَسُئِلَ (يعني: محمد عبده) عن المسيح الدجال وقتل عيسى له؟ فقال: إن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها ... "!
ومن الغريب أن هذا التأويل سبقه إليه مدّعي النبوة " ميرزا غلام أحمد القادياني الهندي"، وكرره في كتبه ورسائله، وما أشبه هذا التأويل بتأويله لآيات كثيرة في القرآن؛ يحرِّفها ويستدل بها على نبوته؛ كتأويله لقوله تعالى في عيسى: ﴿ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ (الصف:٦)؛ فزعم أنه المقصود بقوله: [أحمد]! وله من مثل هذا الشيء الكثير، وفي غاية السخف؛ كما قال السيد رشيد نفسه في صدد الرد عليه في موضع آخر من "تفسيره" (٦/ ٥٨)، فقال فيه:
"وقد جرى على طريقة أدعياء المهدوية من شيعة إيران - كالبهاء والباب - في استنباط الدلائل الوهمية على دعوته من القرآن؛ حتى إنه استخرج ذلك من سورة الفاتحة! وله في تفسيرها كتاب في غاية السخف يدعي أنه معجزة له!!
стр. 4139
فجعلها مبشرة بظهوره، وبأنه هو مسيح هذه الأمة! ".
قال السيد رشيد عقبه:
"وإنما فتح على هذه الأمة هذا الباب الغريب من أبواب تأويل القرآن، وتحريف ألفاظه عن المعاني التي وضعت لها إلى معان غريبة لا تشبهها ولا تناسبها؛ أولئك الزنادقة من المجوس وأعوانهم الذين وضعوا تعليم فرق الباطنية؛ فراجت حتى عند كثير من الصوفية".
قلت: فما الفرق بين تأويل هؤلاء الباطنية للقرآن؛ وتأويل القاديانية و (محمد عبده) ومن تَبِعَهُ لأحاديث النزول والدجال بذلك التأويل الباطل بداهة؟! وكيف سكت عليه السيد رشيد ﵀؛ بل تأول لهم تأويلاً جديداً بأن الأحاديث نُقِلَتْ بالمعنى؟! وليت شعري! هل ذلك يستلزم رد ما صح روايته عن الصحابة من المعاني فضلاً عما تواتر عنهم؟!
مثلاً: إذا تواتر عن الصحابة أن النبي ﵌ نهى عن شيء كلحوم الحمر الإنسية؛ فهذا رواية بالمعنى قطعاً، فهل ذلك يستلزم رد هذا المعنى الذي رووه من النهي بطريقٍ ما من طرق التأويل؛ بحيث يُعطل هذا النَّهي ويصير كأنه لم يرد مطلقاً؟! اللهم! إن هذا لهو الضلال المبين، ونسأل الله تعالى أن يحمينا منه.
وإليك مثالاً آخر من أمثلة التأويل الذي بُلِيَ به بعض الكتاب المعاصرين من الأزهريين: قال الشيخ "محمد فهيم أبو عبية" في تعليقه على " نهاية البداية والنهاية" (١/ ٧١):
"هل بقي عيسى ﵇ حتى الآن حيّاً؟ وسينزل إلى الأرض ليجدد الدعوة إلى دين الله بنفسه؟ أم أن المراد بنزول عيسى هو انتصار دين
стр. 4140
الحق، وانتشاره من جديد على أيدٍ مُخْلِصةٍ تعمل على تخليص المجتمع الإنساني من الشرور والآثام؟ رأيان (!) ذهب إلى كل منهما فريق من العلماء (!).
وهذا هو ما يقال بالنسبة إلى الدجال: هل هو شخص من لحم ودم ينشر الفساد، ويهدد العباد، ويملك وسائل الترغيب والترهيب والإفساد؛ حتى يقيّض له عيسى ﵇ فيقتله؟ أم إنه رمز لانتشار الشر، وشيوع الفتنة، وضعف نوازع الفضيلة، تهبُّ عليه ريح الخير المرموز إليها بعيسى ﵇، فتذهبه وتقضي عليه، وتأخذ بيد الناس إلى محجة الخير ومنهج العدل والتديّن؟ "! (١).
قلت: ولا يكتفي هذا الأزهري "الفهيم" بهذا التعطيل لنصوص السنة وتأويلها - على طريق الرمز الذي هو مذهب الباطنية الملحدة؛ كما سبق حكايته عن السيد رشيد رضا نفسه - بل إنه يوهم القراء بأن هذا التعطيل هو رأي لبعض العلماء يقابل الرأي الأول! والحقيقة أنه لم يقل به أحد ممن له ذكر بالعلم في أهل الحديث والسنة، وإنما قال به بعض الخوارج والمعتزلة من الفرق الضالة؛ قال القاضي عياض:
"في هذه الأحاديث حجة لأهل السنَّة في صحة وجود الدجال، وأنه شَخْصٌ مُعَيَّنٌ يبتلي الله به العباد، ويُقَدِّرُه على أشياء؛ كإحياء الميت الذي يقتله ... وظهور الخصب، والأنهار والجنة والنار، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء فتمطر، والأرض فتنبت ... ، وكل ذلك بمشيئة الله، ثم يعجزه، فلا يقدر على قتل الرجل ولا غيره، ثم يبطل أمره، ويقتله عيسى ابن مريم، وقد خالف في ذلك بعض الخوارج والمعتزلة والجهمية؛ فأنكروا وجوده، وردوا الأحاديث الصحيحة"!
стр. 4141
قلت: وهذا هو بعينة ما فعله هذا الأزهري (الفهيم) وبعض شيوخه - تبعاً لسلفهم من الخوارج والمعتزلة؛ وأخيراً القاديانية كما سبق - تارة بطريق التشكيك في صحة الأحاديث بزعم أنها آحاد - كما فعل الشيخ (محمود شلتوت) في بعض مقالاته؛ تبعاً للشيخ (محمد عبده) كما سبق -وتارة بطريق التأويل والتعطيل كما فعل هذا (الفهيم)! وهو وإن كان اقتصر في كلامه السابق على حكاية الرأيين - بزعمه- دون أن يحدد موقفه بوضوح منها؛ فإنه إنما فعل ذلك تمويهاً وتدليساً على القراء، وإعداداً لنفوسِهم لِتَقََبُّلِ ما سيرجحه هو فيما بعد! فاسمع إليه وهو يقول في تعليقه على الفقرة الآتية (١٢ - أبو أمامة، ١٤ - السياق): (١) "يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب ":
"اختلف العلماء في الكتابة هنا: هل هي حقيقة؛ أم أنها كناية عن الأمارات الدالة على صاحبها؟ وأن القراءة معناها أن تلهم النفس المؤمنة بإشراقها ما يبصرها الحقيقة دون امتراء ... ولعل هذا التأويل هو الأقرب وهو الأسلم"! (٢).
هكذا قال هذا "الفهيم" متجاهلاً نص الإمام النووي وغيره على خلاف ترجيحه؛ قال الحافظ في"الفتح" (١٣/ ٨٥):
"قال النووي: الصحيح الذي عليه المُحقِّقون أن الكتابة المذكورة حقيقة، جعلها الله علامة قاطعة بكذب الدجال، فيظهر الله المؤمن عليها، ويخفيها على من أراد شقاوته".
قال الحافظ: "وحكي عياض خلافاً، وأن بعضهم قال: هي مجاز عن سمة
стр. 4142
الحدوث عليه، وهو مذهب ضعيف".
ثم لا يكتفي ذاك (الفهيم) بترجيحه لذلك التأويل الباطل؛ بل إنه يجزم به بعد عدة صفحات؛ فيقول (ص١١٨):
"اختلاف ما روي من الأحاديث في مكان ظهور الدجال ... يشير إلى أن المقصود بالدجال الرمز إلى الشر واستعلائه ... "!
وهذا هو الذي جزم به في تصديره للكتاب؛ فقال (ص٦):
"ثم سرنا مع القائلين بأن ظهور المهدي ونزول عيسى ﵉ هما رمزان لانتصار الخير على الشر، وأن الدجال رمز لاستشراء الفتنة، واستيلاء الضلال فترة من الزمان ... "!
قلت: وهذا " الفهيم" هو رئيس بعثة الأزهر الشريف بـ (لبنان)؛ كما طبع ذلك تحت اسمه على طُرّة الكتاب.
ولقد أساء جدًّا في تعليقاته على الكتاب المذكور إلى مؤلِّفه وكتابه من جهة؛ وإلى الحديث النبوي من جهة أخرى؛ مما يدل على جهله البالغ به! فإنه قطع بتضعيف أحاديثَ صحيحة؛ لعدم اتِّساع قلبه لها! ولم يسبقه إلى ذلك أحد من أهل - العلم - كحديث الجساسة؛ انظر (ص٦ و٩٦ و١٠١)، وقد رواه مسلم، وحديث المهدي (ص٣٧) - غير مبال بتصحيح المؤلف ابن كثير لبعضها (ص٤٢ و٤٣)؛ بل جزم بوضع حديث آخر رواه مسلم في "صحيحه" (ص ٥٨ - ٥٩)! أما إساءته إلى الكتاب والمؤلف؛ فهي أنه وضع في صلب الكتاب عناوين من عنده دون أن ينبّه على ذلك، وبعضها على خلاف طريقة المؤلف؛ باعتباره من أئمة الحديث الذين يؤمنون بالنصوص المتعلقة بأشراط الساعة دون تأويل لها؛ كما يفعل المبتدعة من المعتزلة وغيرهم، وهذا "الفهيم" قد أبان في تعليقاته
стр. 4143
المشار إليها؛ أنه سلك سبيلهم حذو القذة بالقذة، فها هو مثلاً قد وضع من عند نفسه عنواناً في صلب الكتاب (ص١١٦): "حديث يجب صرفه عن ظاهره إلى التأويل"!
وضعه فوق حديث مسلم في قتل الدجال للمؤمن وإحيائه إياه؛ (انظر فقرة: ١٧ و١٨ - أبو أمامة).
وعنوان آخر وضعه على الأحاديث الواردة في ابن صياد بعضها في البخاري! فقال (ص١٠٤): "مرويات مرفوضة؛ لأنها لا تصدق عقلاً، وليس بمعقول صدورها عن الرسول ﵇ ".
كأن الرسول ﵌ عند هذا "الفهيم" ينبغي أن لا يتكلم بأمور غيبية لا مجال للعقل إلا أن يسلِّم بها، وعلى ذلك فالإيمان بالغيب الذي هو التصديق لا وجود له في نفسه!!
ووضع عنواناً على حديث تعذيب المصورين (٢/ ٥٠): "عذاب المصورين المجسمين يوم القيمة "!
وبالجملة؛ فهذه العناوين التي وضعها من عند نفسه في ثنايا الكتاب؛ مع أنها تنافي الأمانة العلمية؛ فهي - في الوقت نفسه - تدل على مبلغ علم هذا "الفهيم"، والخسارة التي لحقت بالناشرين للكتاب مادةً ومعنى؛ حيث إن تعاليقه المذكورة قد غيرت معالم الكتاب، وجعلته بهذا العناوين والتعاليق كتاباً آخر ليس هو كتاب الحافظ ابن كثير!
"قصة المسيح الدجال" (ص ٩ - ١٦).
стр. 4144
[١٦٠٨] باب بيان سبب
انحراف بعضهم في عقيدة المهدي ونزول عيسى
[قال الإمام]:
(كثيرٌ) من العلماء حينما يريدون أن يعالجوا بعض الانحرافات التي أصابت الجماهير قديماً وحديثا، إنما يعالجونها بانحراف مثله أو أخطر منه وضربت على ذلك مثلاً بعقيدة نزول عيسى ﵇.
أنا أذكر جيداً أنني حينما نشأت في طلب العلم، انتفعت بالسيد رشيد رضا وبمجلته المنار خاصة انتفاعاً كثيراً، بل أعتقد أنه لم يكن المفتاح الذي فتح لي طريقة السلف إلا هذه المجلة، لكن وجدت في كثير فيما بعد من مقالاته أنه انحرف في قليل أو كثير عما جاءت به السنة، والسبب في ذلك أنه كان ابتلي بمن يسمون بالقديانية، تعرفونهم، القاديانية الذين يسمون أنفسهم بالأحمديين، غلام أحمد القادياني، معروفون عند أهل السنة بالقاديانية، وهم يفرون من هذه النسبة إلى النسبة الأحمدية، فهم يقولون نحن أحمديون، ولهم هدف خبيث بالفرار من تلك النسبة إلى هذه؛ لأن النسبة الأولى إنما هي نسبة إلى البلدة التي خرج منها نبيهم الكذاب ميرزا غلام أحمد القدياني وهي قاديان، وينتسبون إلى أحمد لأن ميرزا غلام أحمد القادياني ليس اسمه أحمد وإنما هو غلام أحمد وهذا أسلوب في اللغة الهندية تفسيره خادم أحمد، فهو ليس أحمد وإنما هو خادم أحمد، والمقصود بأحمد هو نبينا ﵊، والأعاجم لهم مثل هذه النسبات افتخاراً بانتسابهم إلى الرسول ﵊، فغلام أحمد هكذا عرف الرجل، ولكنه لما ادعى المهدوية ثم ادعى النبوة، وحمل على نفسه بعض النصوص الشرعية من الكتاب والسنة جرها جرًّا على نفسه، مثل قوله تعالى:
стр. 4145
﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف:٦) من هذا أحمد؟ هو محمدنا، لا، هو أحمدهم. هكذا .. وبناءً على ذلك حتى يصح له جر هذه الآية وحملها على ذاته غَيَّرَ اسمه في مؤلفاته، أنا هذا درسته شخصياً لأني ابتليت بمجادلة القاديانية هناك في دمشق سنين طويلة، فهو كان يكتب اسمه في مؤلفاته ميرزا غلام أحمد، أي خادم أحمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فحذف ميرزا غلام أحمد وقال اسمه أحمد لكي يضلل الناس أن هذه الآية تعنيني أنا وأنا اسمي أحمد، أما محمد النبي المبعوث رحمة للعالمين اسمه محمد وليس اسمه أحمد، هكذا أوهم المضللين به، أي نعم، ولذلك وإتماماً لإضلال شيخهم لهم يضلون العالم بأنهم أحمديون ليسوا منتسبين لأحمد بن عبد الله بن عبد المطلب وإنما لأحمد ذلك الكذاب.
هؤلاء كالمعتزلة بل وأشد إغراقاً في الضلال، لأنهم ينكرون ما هو معلوم من الدين بالضرورة، يؤمنون بكل الكتاب ولكن لفظاً وليس معنىً، ولا يخفى على أهل العلم أن اللفظ في كل الكلام فضلاً عن الكلام الإلهي ليس مقصوداً بذاته وإنما هو وسيلة للمعاني، وكما يقال: الألفاظ قوالب المعاني، فما الفائدة إذا آمن مؤمنٌ ما بآيةٍ ما ثم لف ودار عليها واستخرج لها من ضلاله معنى لا صلة لهذا المعنى باللفظ القرآني، هكذا كل الفرق الضالة شأنهم مع القرآن الذين لم يعلنوا الخروج عن الإسلام وإنما لا يزالون يدعون أنهم مسلمون ويؤمنون بالقرآن.
القاديانيون هكذا مثالهم، يؤمنون بألفاظ القرآن في كثير من نصوصه، ولكنهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه كما حكى ذلك ربنا في القرآن الكريم عن اليهود.
стр. 4146
هم يعتقدون مثلاً بأن باب النبوة مفتوح بعد محمد ﵊، على الرغم من مثل قوله ﵎ في القرآن: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)، هم لا ينكرون أنه خاتم النبيين لكنهم ينكرون كما أنكر المعتزلة القدر وأنكروا الصفات الإلهية ونحو ذلك، فهم يقولون خاتم النبيين ليس معناه آخرهم، وإنما خاتم النبيين كالخاتم في الإصبع أو هو زينتهم.
طيب .. هذا موقفهم من القرآن .. ما موقفهم من الأحاديث المتواترة، بأنه لا نبي بعد محمد ﵊؟ ما استطاعوا تأويله حرفوه كما حرفوا القرآن، وما لم يستطيعوا نسفوه نسفاً وقالوا هذا مخالف للقرآن.
من أشهر الأحاديث التي تثبت أن لا نبي بعده ﵇ حديث مخاطبة الرسول ﵌ لعلي حينما سافر إلى تبوك غازياً وترك علياً في المدينة، وبكى علي فآنسه ﵇ بقوله: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» قالوا هذا حديث صحيح لكن ما فهمتموه جيداً، لا نبي بعدي أي معي. أما بعده، أي بعد وفاته هناك نبي.
مثال آخر كيف يحرفون الكلم من بعد مواضعه.
مداخلة: فيهم ذكاء دول؟
الشيخ: ذكاء لكن ذكاء بدون عقل لا يفيد أبداً، ولذلك حكى ربنا في القرآن الكريم عن الكفار والمشركين ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك:١٠)، لذلك الذكاء شيء والعقل شيء.
عفواً، أنا جعلت الاستطراد طويلاً جداً، يعني كنت أتكلم عن السيد رشيد رضا، وأنني استفدت منه، لكن رأيت منه بعض الانحرافات، منها بسبب رده على
стр. 4147
القاديانيين، والقاديانيون يدعون من دعاويهم الباطلة أن ميرزا غلام أحمد القادياني هو عيسى المبشَّر به في الأحاديث وهذا أيضاً من تآويلهم الباطلة، «لينزلن فيكم عيسى ابن مريم حكماً عدلاً» ليس المقصود عيسى وإنما بمضاف محذوف تقديره مثيل عيسى، لف ودوران، من هو هذا المثيل؟ ميرزا غلام أحمد القادياني!!
السيد رشيد رضا ﵀ كأنه شعر أنه ما استطاع أن يقيم الحجة عليهم حجة دامغة قاهرة إلا بالتشكيك بأحاديث نزول عيسى ﵇، كان من شان إيش يخلص الجمهور من التأثر بالقاديانية فلا عيسى ولا مهدي لذلك قلنا بالنسبة إليه مع فضله وعلمه:
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل
وأنا كتبت في بعض ما كتبت من المؤلفات والكتب أن السبيل في كل هذه الأمثلة وسواها ليس هو التأويل الذي هو أخو التعطيل، وإنما هو فهم النصوص فهماً جيداً، من المسلمين حتى لا يقعوا في انحراف سلبي أو إيجابي ...
على هذا يجب أن تعالج كل العقائد الإسلامية الصحيحة، منها قضية نزول عيسى ﵇، أشكل الأمر على السيد رشيد رضا ﵀، ومنه استقينا نحن هذا المنهج في السلف والحديث وأشكل على كثير من علماء الأزهر كشلتوت وأمثاله، أنكروا عقيدة نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، لماذا؟ قالوا لأن كثيراً من الناس ادعوا العيسوية، فهذا غلام أحمد القادياني، كثير منهم ادعوا المهدوية، وجاركم هناك في السودان المهدوي هذا معروف، وفي التاريخ الإسلامي كثير ممن ادعى المهدوية وادعى العيسوية.
إذا سداً لباب هذه الدعوات الباطلة، بنريِّح الناس من عقيدة نزول عيسى عليه
стр. 4148
السلام وخروج المهدي.
هذا خطأ، ومعالجة خطأ بخطأ مثله وشر منه.
أنا قلت في بعض ما كتبت رداً على أمثال هؤلاء أنا أخشى ما أخشى أن يأتي يوم يعالج فيه بعضهم الإلهية فينكرها لأن الفراعنة ما انتهوا بعد فبعضهم يدعي الألوهية، فلنريح الناس من هذه الدعوى، وهي من أبطل الباطل، ما في ألوهية وانتهت المشكلة، هل هذه طريقة صحيحة.
نحن نقول أخيراً .. نزول عيسى عقيدة صحيحة آمن بها السلف وتبعهم الخلف على هدى من ربهم، لكن ليس في هذه الأحاديث ولا في أحاديث المهدي ﵉ أن على المسلمين أن لا يعملوا لإسلامهم ولعزة دينهم حتى ينزل عيسى ويخرج المهدي، لا يوجد في هذه الأحاديث كلها ما يشعر بهذا الفهم الخاطئ الذي وقع فيه بعض المسلمين، ولذلك أنكر بعض المصلحين هذه الأحاديث من شان يزيحوا العثرة بزعمهم من طريق عامة المسلمين، "ما في فائدة أن ينزل عيسى ويخرج المهدي" هذا فهم خطأ كما فهم الجبريون من القدر، ووافقهم المعتزلة ثم أنكروا الجبر وأنكروا معه القدر.
ما دام لا يوجد في الأحاديث الصحيحة التي نزلت في عيسى ﵇ وفي خروج المهدي ما يشعرنا بالتواكل على مجيئهما، إذاً يجب علينا أن نعمل، لأن عيسى إن نزل وجد الأرض مهيأة لقائد يقودُهم وإذا نزل عيسى ﵇ والمسلمون كما هم اليوم -أنا أقول هذا الكلام مؤمناً به- سوف لا يستطيع عيسى أن يجمع المسلمين في لحظة، في يوم وليلة، يجمع المسلمين الصالحين منهم بطبيعة الحال حول قيادته لأنه سوف لا يكون في اعتقادي أحلم ولا أقدر على
стр. 4149
جمع قلوب الناس حوله من نبينا محمد ﵌، وهو لبث في قومه عشرين سنة حتى استطاع أن أوجد هذه النواة التي غذاها الله بقوته وعلمه ثم امتدت ظلالها كما تعلمون في التاريخ الإسلامي.
فإذاً عيسى ﵇، يجب أن لا نتصور أنه ينزل إلا والأرض قد هُيئت له لقبوله. إذاً ينبغي أن نفهم أحاديث النزول والخروج بأنها تحض المسلمين على العمل لإعادة الإسلام إلى مجده الغابر لا أن ينتظروا عيسى والمهدي ليعيد لهم المجد الغابر.
إذا آمنا هكذا ما المشكلة من أحاديث عيسى وخروج المهدي، لا إشكال أبداً، دائماً المشاكل تأتي من سوء فهم النصوص، وهذه الحقيقة نقطة مهمة جداً في العالم الإسلامي من حيث أنهم أساءوا فهم بعض النصوص فاساءوا فهم نصوص أخرى. ونسأل الله أن يوفقنا جميعاً وإياكم للفهم الصحيح عن الله ورسوله.
سؤال: يا شيخ .. ابن خلدون يتكلم في أحاديث المهدي، ما رأيكم في أحاديث المهدي؟ يقول إنها ضعيفة كلها؟
الشيخ: أولاً، لا يخفاكم أن ابن خلدون هو مؤرخ وحكيم في التاريخ وليس عالماً بالحديث، وما أردت أن أقول: ليس متخصصاً في الحديث؛ بل هو ليس عالماً في الحديث.
من قرأ كتابته في التاريخ أو في مقدمة تاريخه حول أحاديث المهدي يجد هناك في بعض الأحاديث اعترافاً بالصحة، في هذا البعض، ولذلك فيخطئ كثير من الكتاب الذين كتبوا في هذه القضية ومنهم شيخ قطر -إذا سمعتم به
стр. 4150
مداخلة: القرضاوي.
الشيخ: لا المحمود هذا.
مداخلة: آه الشيخ الكبير.
الشيخ: يخطئ كثيراً كهذا الشيخ حين يعزو إلى ابن خلدون أنه ضعف كل أحاديث المهدي، هذا خطأ ليس فقط على الحديث النبوي بل وخطأ آخر على ابن خلدون المؤرخ، ثم علم الحديث فيه الواقع دقائق هي التي صرفت كثيراً من العلماء عن الاشتغال بالحديث؛ لأنه يتطلب جهداً ودأباً قد لا يستطيعه أكثر النفوس ولو كانوا من أهل العلم والفضل.
أضرب لك مثلاً بين عالم يكتب بحثاً علمياً وكاتب يكتب مقالة أدبية كم الفرق بينهما؟
مداخلة: الفرق شاسع.
الشيخ: شاسع جداً، الذي يكتب مقالة أدبية، الأفكار المخزونة في مخه وفكره يسيل بها قلمه، لا يحتاج أن يراجع هذه الكتب التي يسميها الناس ظلماً الكتب الصفراء، ما يحتاج.
بينما الذي يريد أن يكتب ويحرر مقالةً علميةً خاصة في آخر الزمان الذين علمهم كأمثالنا في سطورهم وليس في صدورهم، هؤلاء بحاجة أن يراجعوا على الأقل يتثبت، أما ذاك الكاتب ما يحتاج إلى مراجعة أبداً، يكتب ويشحبر -يقولوا عندنا في الشام بهذا القلم الأسود- النسبة التي ذكرتها بين الكاتب العالم، والكاتب الأديب؛ هي النسبة بين
стр. 4151
العالم المحدث المتخصص في الحديث والعالم، يحتاج إلى صبر ومراجعات كثيرة وكثيرة جداً، لماذا؟ لأن كثيراً من الأحاديث هي من القسم الذي يسميه علماء الحديث صحيح لغيره، حسن لغيره.
أحد العلماء كالترمذي مثلاً إذا قال في حديث ما حديث حسن -وهذا من الغرائب واللطائف التي لا ينتبه لها أكثر العلماء بل وكثير من المحدثين، إذا قال الترمذي في حديث: حسن؛ يعني: إسناده ضعيف، أسمعتم بهذا؟ إذا قال في حديثٍ ما: حديث حسن يعني أن إسناده ضعيف.
مداخلة: لم يصل إلى درجة الصحة؟
الشيخ: لا، أنا أقول إذا قال في حديثٍ ما: حديث حسن يعني: إسناده ضعيف، فما نقفز قفزة الغزلان بارك الله فيك، يعني ليس بصحيح، يعني أن إسناده غير حسن، ليس بصحيح: إذا قال الترمذي في حديث ما حديث حسن يعني هذا الحديث الذي حسنه الترمذي إسناده ضعيف، كيف هذا؟ هذا اصطلاح، على خلاف ما إذا قال في حديث آخر: حديث حسن غريب، فإنما يعني حديث حسن إسناده، كلمة غريب حددت المراد من قوله: حسن.
أما إذا عرى هذه الكلمة «حسن» عن لفظة «غريب» فهو يعني حسن متنه ضعيف إسناده، لماذا جاء هذا التحسين؟ من علمه أن لهذا المتن شواهد وطرق أخرى ارتقت به من الضعف الذي جاءه من هذا الإسناد.
إذاً من أجل ذلك قال علماء الحديث: إذا وقف طالب العلم على حديث إسناده ضعيف فهل يجوز له أن يقول حديث ضعيف، قالوا وقالوا، قالوا لا يجوز لأنه قد يكون له إسناد آخر إما أن يكون هذا الإسناد الآخر حسن لذاته أو صحيح لذاته أو على الأقل يجعل هذا الحديث الضعيف إسناده حسناً أو صحيحاً لغيره.
стр. 4152
ولذلك فلا يستقل بالقول بأنه هذا حديث ضعيف، وإنما يقول حديث إسناده ضعيف، ثم استثنوا فقالوا اللهم إلا رجل عالم متمكن في علم الحديث محيط ما شاء الله بطرق الحديث ثم لم يجد لهذا الحديث إلا هذا الإسناد؛ فلمثله فقط أن يقول: هذا حديث ضعيف.
"الهدى والنور" (٢٢٦/ ٣٤: ١٢: ٠٠) و (١٤: ٤٢: ٠٠).
[١٦٠٩] باب رد بعض شبهات من أنكر عقيدة المهدي ونزول عيسى: شبهة أن عقيدة المهدي استغلت
استغلالاً سيئاً فينبغي قطع دابرها
[قال الإمام]:
ومنهم [أي من الناس] من يشاركنا في النقمة على هؤلاء المدعين للمهدوية، ولكنه يبادر إلى إنكار الأحاديث الصحيحة الواردة في خروج المهدي في آخر الزمان، ويدعي بكل جرأة أنها موضوعة وخرافة!! ويسفه أحلام العلماء الذين قالوا بصحتها، يزعم أنه بذلك يقطع دابر أولئك المدعين الأشرار! وما علم هذا وأمثاله أن هذا الأسلوب قد يؤدي بهم إلى إنكار أحاديث نزول عيسى ﵊ أيضا، مع كونها متواترة! وهذا ما وقع لبعضهم، كالأستاذ فريد وجدي والشيخ رشيد رضا، وغيرهما، فهل يؤدي ذلك بهم إلى إنكار ألوهية الرب لأن بعض البشر ادعوها كما هو معلوم؟! نسأل الله السلامة من فتن أولئك المدعين، وهؤلاء المنكرين للأحاديث الصحيحة الثابتة عن سيد المرسلين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
"الصحيحة" (٥/ ٢٧٨).
стр. 4153
[١٦١٠] باب منه
[قال الإمام]:
وطائفة منهم [أي ممن أنكر عقيدة المهدي] رأوا أن عقيدة المهدي قد استغلت عبر التاريخ الإسلامي استغلالاً سيئاً، فادعاها كثير من المغرضين، أو المهبولين، وجرت من جراء ذلك فتن مظلمة، كان من آخرها فتنة مهدي (جهيمان) السعودي في الحرم المكي، فرأوا أن قطع دابر هذه الفتن، إنما يكون بإنكار هذه العقيدة الصحيحة!
"الصحيحة" (٤/ ٤٣).
[١٦١١] باب منه رد نفس الشبهة حول عقيدة نزول عيسى
[قال الإمام]:
وما مثل هؤلاء [أي الذين ينكرون عقيدة المهدي] إلا كمثل من ينكر عقيدة نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان التي تواتر ذكرها في الأحاديث الصحيحة؛ لأن بعض الدجاجلة ادعاها، مثل ميرزا غلام أحمد القادياني، وقد أنكرها بعضهم فعلا صراحة، كالشيخ شلتوت، وأكاد أقطع أن كل من أنكر عقيدة المهدي ينكرها أيضاً، وبعضهم يظهر ذلك من فلتات لسانه، وإن كان لا يبين, وما مثل هؤلاء المنكرين جميعاً عندي إلا كما لو أنكر رجل ألوهية الله بدعوى أنه ادعاها بعض الفراعنة! ﴿فهل من مدكر﴾.
"الصحيحة" (٤/ ٤٣).
стр. 4154
[١٦١٢] باب منه
[قال الإمام]:
ومنهم [أي من الناس] من يشاركنا في النقمة على هؤلاء المدعين للمهدوية، ولكنه يبادر إلى إنكار الأحاديث الصحيحة الواردة في خروج المهدي في آخر الزمان، ويدعي بكل جرأة أنها موضوعة وخرافة!! ويسفه أحلام العلماء الذين قالوا بصحتها، يزعم أنه بذلك يقطع دابر أولئك المدعين الأشرار! وما علم هذا وأمثاله أن هذا الأسلوب قد يؤدي بهم إلى إنكار أحاديث نزول عيسى ﵊ أيضاً، مع كونها متواترة! وهذا ما وقع لبعضهم، كالأستاذ فريد وجدي والشيخ رشيد رضا، وغيرهما، فهل يؤدي ذلك بهم إلى إنكار ألوهية الرب لأن بعض البشر ادعوها كما هو معلوم؟! نسأل الله السلامة من فتن أولئك المدعين، وهؤلاء المنكرين للأحاديث الصحيحة الثابتة عن سيد المرسلين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
"الصحيحة" (٥/ ٢٧٨).
[١٦١٣] باب رد شبهة أن أحاديث المهدي تؤدي إلى التثبيط والتواكل
[قال الإمام]:
اعلم يا أخي المسلم أن كثيراً من المسلمين اليوم قد انحرفوا عن الصواب في هذا الموضوع، فمنهم من استقر في نفسه أن دولة الإسلام لن تقوم إلا بخروج المهدي! وهذه خرافة وضلالة ألقاها الشيطان في قلوب كثير من العامة، وبخاصة الصوفية منهم، وليس في شيء من أحاديث المهدي ما يشعر بذلك مطلقاً، بل هي
стр. 4155
كلها لا تخرج عن أن النبي ﵌ بَشَّرَ المسلمين برجل من أهل بيته، ووصفه بصفات بارزة أهمها أنه يحكم بالإسلام وينشر العدل بين الأنام، فهو في الحقيقة من المجددين الذين يبعثهم الله في رأس كل مائة سنة كما صح عنه ﵌، فكما أن ذلك لا يستلزم ترك السعي وراء طلب العلم والعمل به لتجديد الدين، فكذلك خروج المهدي لا يستلزم التواكل عليه وترك الاستعداد والعمل لإقامة حكم الله في الأرض، بل على العكس هو الصواب، فإن المهدي لن يكون أعظم سعياً من نبينا محمد ﵌ الذي ظل ثلاثة وعشرين عامّاً وهو يعمل لتوطيد دعائم الإسلام، وإقامة دولته فماذا عسى أن يفعل المهدي لو خرج اليوم فوجد المسلمين شيعاً وأحزاباً، وعلماءهم - إلا القليل منهم - اتخذهم الناس رؤوساً! لما استطاع أن يقيم دولة الإسلام إلا بعد أن يوحد كلمتهم ويجمعهم في صف واحد، وتحت راية واحدة، وهذا بلا شك يحتاج إلى زمن مديد الله أعلم به، فالشرع والعقل معا يقتضيان أن يقوم بهذا الواجب المخلصون من المسلمين، حتى إذا خرج المهدي، لم يكن بحاجة إلا أن يقودهم إلى النصر، وإن لم يخرج فقد قاموا هم بواجبهم، والله يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾.
ومنهم - وفيهم بعض الخاصة - من علم أن ما حكيناه عن العامة أنه خرافة ولكنه توهم أنها لازمة لعقيدة خروج المهدي، فبادر إلى إنكارها، على حد قول من قال: " وداوني بالتي كانت هي الداء "! وما مثلهم إلا كمثل المعتزلة الذين أنكروا القدر لما رأوا أن طائفة من المسلمين استلزموا منه الجبر!! فهم بذلك أبطلوا ما يجب اعتقاده، وما استطاعوا أن يقضوا على الجبر!
"الصحيحة" (٤/ ٤٢ - ٤٣).
стр. 4156
[١٦١٤] باب هل الإيمان بخروج المهدي ونزول عيسى ﵇ يبعث على التكاسل وعدم الأخذ بالأسباب
[قال الإمام]:
لا يجوز للمسلمين اليوم أن يتركوا العمل للإسلام وإقامة دولته في وجه الأرض؛ انتظاراً منهم لخروج المهدي ونزول عيسى عليهما الصلاة والسلام؛ يأْساً منهم؛ أو توهماً أن ذلك غير ممكن قبلهما! فإن هذا توهم باطل، ويأس عاطل فإن الله تعالى أو رسوله ﵌ لم يخبرنا أن لا عودة للإسلام ولا سلطان له في وجه الأرض إلا في زمانهما، فمن الجائز أن يتحقق ذلك قبلهما إذا أخذ المسلمون بالأسباب الموجبة لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:٧)، وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:٤٠).
ولقد كان هذا التوهم من أقوى الأسباب التي حملت بعض الأساتذة المرشدين والكُتّاب المعاصرين على إنكار أحاديث المهدي وعيسى ﵉ على كثرتها وتواترها - لما رأوا أنها عند المتوهمين مدعاة للتواكل عليها وترك العمل لعز الإسلام من أجلها! فأخطؤوا في ذلك أشد الخطأ من وجهين:
الأول: أنَّهم أقروهم على هذا التوهم؛ على اعتبار أن مصدره تلك الأحاديث المشار إليها؛ وإلا لم يبادروا إلى إنكارها!
والآخر: أنهم لم يعرفوا كيف ينبغي عليهم أن يعالجوا التوهم المذكور؟ وذلك بإثبات الأحاديث، وإبطال المفاهيم الخاطئة من حولها، وما مثلهم في ذلك إلا كمثل من أنكر عقيدة الإيمان بالقدر خيره وشره؛ لأن بعض المؤمنين به فهموا
стр. 4157
منه أن لازمه الجبر، وأن المكلَّف لا كسب له ولا اختيار، ولما كان هذا الفهم باطلاً بداهة سارعوا إلى إنكاره، ولكنهم أنكروا مَعَهُ القدر أيضاً؛ لتوهمهم - أيضاً مع المتوهمين - أنه يعني الجبر، فوافقوهم في خطئهم في التوهم المذكور، ثم زادوا عليهم خطأً آخر- فراراً من الأول - وهو إنكارهم القدر نفسه! فلولا أنهم شاركوهم في فهمهم منه الجبر ما أنكروه!
وهذا هو عين ما صنعه البعض المشار إليه من الأساتذة والكُتّاب؛ فإنهم لما رأوا تواكل المسلمين - إلا قليلاً منهم - على أحاديث المهدي وعيسى؛ بادروا إلى إنكارها لتخليصهم بزعمهم من التواكل المذكور! فلم يصنعوا شيئاً؛ لأنهم لم يستطيعوا تخليصهم بذلك من جهة؛ ولا هم كانوا على هدى في إنكارهم للأحاديث الصحيحة من جهة أخرى.
والحقيقة أن هؤلاء المنكرين- الذين يفهمون من هذه الأحاديث ما لا تدل عليه من التواكل المزعوم، ولذلك يبادرون إلى إنكارها تخلّصاً منه - قد جمعوا بين المصيبتين: الضلال في الفهم، والكفر بالنص! ولكنهم عرفوا أن الفهم المذكور ضلال في نفسه؛ فأنكروه بإنكار النص الذي فهموا ذلك منه! وعكس ذلك العامة؛ فآمنوا بالنص مع الفهم المذكور، فمع كل من الفريقين هدى وضلال، والحق الأخذ بهدى كل منهما، ونبذ الضلال الذي عندهما؛ وذلك بالإيمان بالنص دون ذلك الفهم الخاطئ.
وما مثل هؤلاء وهؤلاء إلا كمثل المعتزلة من جهة؛ والمشبِّهة من جهة أخرى، فإن الأولين تأولوا آيات وأحاديث الصفات بتآويل باطلة أودت بهم إلى إنكار الصفات الإلهية، وما حملهم على ذلك إلا فرارهم من التشبيه الذي وقع فيه المشبِّهة، والحقيقة أن المعتزلة أنفسهم شاركوا المشبِّهة في فهم التشبيه من آيات
стр. 4158
الصفات، ولكنهم افترقوا عنهم بإنكار التشبيه بطريق التأويل الذي هو باطل أيضاً؛ كالتشبيه لما لزم منه من إنكار الصفات الإلهية، وأما المشبِّهة فلم يقعوا في هذا الباطل، ولكنهم ثبتوا على التشبيه، والحق الجمع بين صواب هؤلاء وهؤلاء، ورد باطل هؤلاء وهؤلاء؛ ذلك بالإثبات والتنزيه؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾ (الشُّورى:١١).
وكذلك أقول في أحاديث نزول عيسى ﵇ وغيرها؛ فإن الواجب فيها إنما هو الإيمان بها، وردّ ما توهمه المتوهمون منها؛ من ترك العمل والاستعداد الذي يجب القيام به في كل زمان ومكان، وبذلك نكون قد جمعنا بين صواب هؤلاء وهؤلاء، ورددنا باطل هؤلاء وهؤلاء. والله المستعان.
"قصة المسيح الدجال" (ص٣٦ - ٣٨).
[١٦١٥] باب منه
سؤال: يقول السائل: ما هو حكم الشرع في العمل لاستئناف الحياة الإسلامية، مع معرفة السبيل الأمثل لتحقيق ذلك؟ علماً: أن هناك أحاديث يفهمها البعض على أنها تعني القعود عن هذا العمل وهي: أحاديث المهدي، فما هو رأيكم في ذلك جزاكم الله خيراً؟
الجواب: لقد كتبنا أكثر من مرة حول أحاديث المهدي ﵇، ومواقف علماء العصر وهذا الزمان، فإنهم مختلفون في ذلك أشد الاختلاف.
أما العلماء الذين لا يزالون يتمسكون بما قام عليه الدليل من الكتاب والسنة الصحيحة؛ فهم لا يزالون يعتقدون والحمد لله بأن خروج المهدي حق لا ريب فيه، ولكن لابد بهذه المناسبة من التذكير أن هناك شخصاً آخر لابد من خروجه،
стр. 4159
وسيلتقي مع المهدي وهو عيسى ﵊، فإن عيسى ﵇ أحاديثه أقوى من أحاديث المهدي، وإن كان كل من أحاديث الرجلين يلتقيان في الصحة إلا أن أحاديث عيسى ﵇ أصح من أحاديث المهدي كما لا يخفى ذلك على أهل العلم في الحديث؛ لأنه من المتفق بين أهل الحديث أن أحاديث عيسى متواترة، بلغت علم اليقين، أحاديث المهدي ﵊، يوجد هناك خلاف بين بعض العلماء هل بلغت هذه المرتبة أم لا؟ وأنا لا يهمني الوصول إلى هذه المرتبة، وإن أكنت أميل إليها أي: إن أحاديث المهدي أيضاً وصلت إلى هذه المرتبة، ولكني يكفي المسلم أن يعلم أن أحاديث المهدي صحيحة، وأن علماء المسلمين توارثوا خلفاً عن سلف الاعتقاد بخروج المهدي، وبنزول عيسى ﵉.
إذاً: قلت هذا لأن السؤال ذكر المهدي، وكان الأولى أن يذكر عيسى؛ لأن أحاديث عيسى أقوى، فلذلك هذا السؤال فتح لي باب التطرق لأحاديث عيسى ﵊.
قلنا: إن هذه العقيدة حق لا عوج فيها.
بعض العلماء في العصر الحاضر ممن لا يهتمون بدراسات العلماء السابقين سواءً ما كان منها متعلق بتصحيح الأحاديث، أو ما كان منها متعلق بتصحيح العقائد المبنية على الأحاديث، فكثير من علماء العصر الحاضر ينكرون خروج المهدي بل غلا بعضهم فأنكروا أيضاً: نزول عيسى ﵊.
لا أريد الخوض بتفصيل في هذه المسألة إلا بمقدار ما نود من تقديمه جواباً عن هذا السؤال.
стр. 4160
كثير من المعاصرين الذين يدعون الإصلاح، وجدوا عامة المسلمين يتكؤون في العمل الإسلامي، وبعبارة أوضح: في ترك العمل للإسلام يقولون: ما في فائدة للعمل إلا حينما يخرج المهدي أو ينزل عيسى ﵇، هكذا يعتقد كثير من الناس أي: وصلوا إلى مرتبة اليأس التي لا يجوز للمسلم أن يقع فيها؛ لأنه ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون﴾ (يوسف:٧٨) في القرآن الكريم.
فلما وجد بعض المصلحين هذا اليأس مسيطراً على جماهير المسلمين، وجدوا أن سبب هذا اليأس هو إيمانهم بنزول عيسى وخروج المهدي، فظنوا أن الإصلاح يكون بإنكار هاتين العقيدتين الصحيحتين بأن يقول للناس: يا جماعة اعملوا فعقيدة نزول عيسى ﵇ ما هي ثابتة بالطريق اليقين وهم مخطئون أشد الخطأ، اعملوا فإن خروج المهدي هذا عقيدة شيعية وهي غير صحيحة، كذلك هم في ذلك مخطئون، فقلنا مراراً وتكراراً وكتبنا شيئاً من هذا المعنى في بعض المؤلفات قلنا: لا يكون الإصلاح على هذا المنوال، وعلى هذا المنهاج في إنكار الأحاديث الصحيحة وما بني عليها من عقيدة؛ لأن هذا المنهج الاستمرار عليه سيؤدي بأصحابه إلى الاعتزال الماضي قديماً، ذلك؛ لأن المعتزلة أنكروا ما هو أخطر من عقيدة عيسى ﵇، والمهدي ما الذي أنكروه؟ أنكروا القدر، فقالوا: لا قدر مع أن القدر ثابت في الكتاب والسنة، وهي عقيدة كما تعلمون جميعاً: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره قالت المعتزلة: لا قدر فنحن إذا درسنا ما الذي حمل المعتزلة وهم بطبيعة الحال ليسوا كفاراً ليسوا مرتدين عن دين الإسلام كل ما نستطيع أن نقول عنهم: إنهم مسلمون ضالون؛ لأنهم أنكروا حقائق شرعية منها: إنكارهم للقدر الإلهي لكننا إذا درسنا السر في
стр. 4161
إنكارهم للقدر الإلهي وجدناه كإنكار بعض المعاصرين اليوم لعقيدة خروج المهدي ونزول عيسى ﵇ كيف؟ وجدوا أن كثيراً من المسلمين فهموا من عقيدة القدر أنها تعني الجبر، وأن الإنسان ليس مخيراً في طاعته لله، أو في معصيته إياه، وهم بلا شك وجدوا نصوصاً في الكتاب والسنة وذلك مقتضى العقل الصحيح السليم: أنه لا يجتمع في الإنسان جبر وتكليف ضدان لا يجتمعان.
فالمعتزلة نظروا فقالوا: إذاً: إذا كان معنى القدر الجبر، فلا يمكن إن ربنا يجبر الإنسان على معاصيه، وبعدين ماذا؟ يعذبه، إذاً: هذه العقيدة عقيدة باطلة.
نحن نلتقي مع المعتزلة في قولهم: بأن الجبر عقيدة باطلة كما نلتقي مع أولئك المصلحين بأن الاتكال على خروج المهدي ونزول عيسى، وعدم العمل للإسلام أيضاً: عقيدة باطلة، ولكننا لا نلتقي لا مع هؤلاء، ولا مع أولئك المعتزلة فيما أنكروا من عقائد صحيحة ثبتت بعضها بالكتاب والسنة، وبعضها بالأحاديث الصحيحة المتواترة.
فالمعتزلة تأولوا الآيات التي تنص على القدر كما تأولوا الأحاديث، بل وأنكروا بعضها حينما لا يسعهم تأويلها، فوقعوا في القدر وهو إنكار القدر الإلهي الذي ثبت في القرآن وفي السنة كما ذكرنا.
فنقول نحن للمعتزلة كما نقول لهؤلاء المصلحين اليوم: ما هكذا يا سعد تورد الإبل، ما هكذا يا جماعة يكون الإصلاح لا يكون الإصلاح بإنكار حقائق شرعية، وإنما يكون الإصلاح بتفهيم المسلمين الفهم الصحيح بتلك النصوص سواءً ما كان منها قائماً على إثبات القدر، أو ما كان منها قائماً على إثبات نزول
стр. 4162
عيسى وخروج المهدي ﵉.
فنقول: إن النبي ﵌ مكث في قومه ثلاث وعشرين سنة، وهو يدعوهم ليلاً نهاراً حتى استطاع أن يضع النواة للخلافة الإسلامية بالمدينة المنورة.
فنحن علينا معشر المسلمين ألا ننتظر ما بشرنا بمجيئه من المهدي أو عيسى علينا أن نعمل؛ لأن الواقع الآن نشعر نحن تماماً: أن هناك جماعات من المسلمين متفرقون في العالم الإسلامي هم ينتظرون قائداً يأخذ بأيديهم ويجاهد بهم أعداء الإسلام في كل زمان، وفي كل مكان، فهم ينقصهم هذا الإنسان المصلح القائد، لكن تصوروا معي الآن: إذا جاء هذا المبشر به، وهو: المهدي أو عيسى، وأخذ يصلح بين المسلمين كما يفعل اليوم المصلحون المتفرقون في العالم الإسلامي، فكم سيضل في عملية الإصلاح هذه؟ ستنقضي حياته إلا إن كان له حياة تشبه حياة نوح ﵇، وهذا لم نبشَّر به، ستنقضي حياته في إصلاح المسلمين تفهيمهم الإسلام الصحيح، وحملهم على العمل بالإسلام [ .... انقطاع].
نقول مثلاً: نحن يعلم يقيناً: أن من آفة العالم الإسلامي هو: الانكباب على الدنيا.
ومن آثار هذا الإنكباب: استحلال ما حرم الله من الربا بأدنى الحيل فضلاً عن غير ذلك من المحرمات، أبمثل هؤلاء الناس يمكن إذا خرج المهدي أو نزل عيسى ﵇ أن يجاهد به الكفار أو بهم الكفار؟ الجواب: لا؛ إذاً: على المسلمين كافة في كل بلاد الإسلام أن يعملوا بفهم الإسلام أولاً فهماً صحيحاً، وأن يطبقوه في ذوات أنفسهم وفي أهليهم وذراريهم ثانياً، حتى إذا جاء المهدي أو نزل عيسى وجد القوم ليسوا بحاجة إلى إصلاح ما أفسده هذا الزمن الطويل.
" الهدى والنور" (٢١٨/ ٣٥: ٤٦: ٠٠)
стр. 4163
[١٦١٦] باب رد شبهة حول نزول عيسى ﵇
سؤال: في بعض العلماء يقولون في نزول عيسى ﵇ أو حديث المسيح الدجال، قالوا: هذا حديث ضعيف وليس له أساس، لأنه عيس ﵇ يعني بعد وفاة أي إنسان أو كائن عاش على الأرض، لن يعود ثانية إلى يوم القيامة، لن يعود على الأرض ثانية، وفي آية استشهدوا فيها بيقول: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ... ﴾ (آل عمران:٥٥) إلى آخر الآية.
فمعناه حصل وفاة عيسى، فكيف بده ينزل بعد وفاته؟
الشيخ: نعم. الجواب بكل صراحة أن الذين يقولون هذا الكلام والعهدة على الراوي أي أنت يعني العهدة عليك، أنت الناقل.
فهؤلاء الذين تنقل عنهم هذا الكلام ليسوا بعلماء، لماذا؟ لأنه العالم المسلم من أين يأخذ علمه؟ قال الله، قال رسول الله، طيب، بعد قال الله، قال رسول الله، ما عندنا إلا قال السلف الصالح.؟
كيف نفهم ما قال الله في كتابه، وما قال نبيه في حديثه على ما كان عليه سلفنا الصالح، وآنفاً أذكركم بأني ذكرت الآية: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥)، فالآن هذا القول الذي حكيته عن أولئك الناس، هل هو سبيل المؤمنين؟ هل هو سبيل السلف؟ هل هو سبيل الأئمة الأربعة؟ الأربعة عشر، الأربعين كما ذكرنا، علماء المسلمين ما شاء الله.
أقول: ليس هذا سبيل المؤمنين، هذا سبيل أحد رجلين:
стр. 4164
إما مسلم لكنه جاهل، وإما كافر مدسوس بين المؤمنين يريد أن يدس وأن يفسد عقائد المسلمين لفلسفة، مثل هذه الفلسفة التي أنت حكيتها، شو هي؟ إن الله قال: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (آل عمران:٥٥) ... نحن نقول لهذا الإنسان: شو معنى إني متوفيك؟ هل الوفاة في اللغة العربية تعني الموت حتماً؟ الجواب: لا، لأنه الوفاة تأتي بمعنى النوم. صح ولَّا لا؟
مداخلة: صح.
الشيخ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (الأنعام:٦٠).
مداخلة: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ﴾ (الزمر:٤٢) ...
الشيخ: أيوه، الآيات في القرآن الكريم يفسر بعضها بعضاً، فنص الوفاة ليس بمعنى الموت، وهنا الآية يفسرها ما بعدها: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ (آل عمران:٥٥) لمن الخطاب؟ لعيسى، إذن خلينا نحن في سبيل الشرح: إني متوفيك يا عيسى، من هو عيسى؟ بروحه وجسده، ﴿رَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (آل عمران:٥٥) لمن الخطاب؟ لعيسى، أي بروحك وجسدك.
كقوله تعالى في آية الإسراء التي ذكرها أبو بكر أنفاً وإن كان في ذلك مخطئاً، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (الإسراء:١) قالوا بعض المفسرين القدامى والمحدثين يا أخي الإسراء كان بالروح وليس بالجسد، رد عليهم أهل العلم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (الإسراء:١)، العبد: هو بروحه وبجسده، كذلك عيسى بروحه وبجسده، فلما قال له: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ (آل عمران:٥٥)، أي: قابضك بروحك وجسدك، ورافعك أي: كما أنت بروحك وجسدك، يؤيد هذا المعنى العربي الواضح المبين، أحاديث متواترة عن الرسول عيه السلام يقول في بعضها، قال
стр. 4165
عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «لينزلن فيكم عيسى بن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبل أحد، حتى تكون السجدة لأحدهم خيراً من الدنيا وما فيها» (١).
إذن أكد الرسول ﵇ أن هذا الرفع المذكور في الآية السابقة: ﴿رَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (آل عمران:٥٥)، له خاتمة، وهو أن هذا المرفوع المكرم بأن يرفع بجسده وروحه لينزلن حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير إلى آخر الحديث.
فإذن عيسى ﵇ حي في السماء، سينزل ليثبت لهؤلاء النصارى الذين اتخذوه إلهاً من دون الله ﵎ أنه عبد من جهة، وأن محمداً أفضل منه من جهة ثانية، وأنه سيحكم الشريعة، ويكون فرداً من أفراد أمته، حتى جاء في حديث آخر وصحيح أنه قال: «ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق على جناحي ملكين» هذا في صحيح مسلم (٢)، في حديث آخر (٣)، حينما ينزل في صلاة الفجر وقد أقيمت الصلاة لمحمد المهدي، محمد بن عبد الله المهدي، المعروف بالمهدي، واسمه: محمد بن عبد الله. أقيمت صلاة الفجر له، فلما يرى ﵇ قد نزل يقدمه، فيقول: لا، تكرمة الله لهذه الأمة، فيأتم عيسى اللي هو نبي النصارى واليهود الذين كفروا به، يقتدي بالمهدي الذي هو فرد من أفراد أمة الرسول ﵌.
стр. 4166
هذه الأحاديث كلها صحيحة؛ ولذلك يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني وكثير من أمثاله من العارفين بعلم الحديث: أن عقيدة نزول ﵇ في آخر الزمان أحاديثها متواترة، مُش حديث فرد ممكن يكون صحيحاً وممكن يكون ضعيفاً.
حديث جاء من طرق كما تسمع الآن، أنا في اللحظة هاي وبدون ما أتعب مخي ... ذكرت لكم ثلاثة أحاديث، شايف، فلو أراد الإنسان أن يجمع لكم أحاديث، أنا يوماً ما جمعت أربعين حديثاً عن أربعين صحابياً، بعض هؤلاء الصحابة له أكثر من طريق واحد ... الخ.
كيف يقال عن هذا الحديث: إنه حديث ضعيف، معنى هذا أن هذا النوع من الناس لا يمكن أن يثبت عندهم حديث.
مداخلة: يا سيدي بس المنارة، أيش بتعني المنارة، كلمة المنارة؟
الشيخ: يعني بمئذنة، علامة.
مداخلة: علامة.
الشيخ: أي نعم، بس.
مداخلة: بارك الله فيك.
"الهدى والنور" (٥٢٨/ ٤٩: ٥٥: ٠٠) و (٥٢٩/ ٥٣: ٠٠: ٠٠).
стр. 4167
جماع أبواب
ذكر مُدَّعِي المهدوية والعيسوية والرد على باطلهم
стр. 4168
[١٦١٧] باب ذكر بعض أهل الضلال من مدعي المهدوية والعيسوية
[قال الإمام]:
لابد أنكم تسمعون بطائفة اسمها القاديانية ينتسبون إلى بلدة أو قرية في الباكستان تسمى بقاديان هنا خرج رجل من الصوفية عالم، لكن كان صوفياً صاحب طريقة فادعى أولاً: بأنه المهدي، ثم ادعى بأنه عيسى المبشَّر بنزوله في آخر الزمان، ثم ادعى أنه يوحى إليه، وله كتاب مطبوع باللغة العربية اسمه: حقيقة الوحي، وله هناك كفريات عجيبة جداً من هذا النبي الذي كذب وافترى على الله .
يقول هناك مثلاً يزعم أن اسمه أحمد وكان اسمه الذي سماه أبوه غلام أحمد ترجمة غلام أحمد في لغتهم أي: خادم أحمد والمقصود بأحمد هنا: نبينا محمد ﵇، وهذا الوليد سموه تبركاً بغلام أحمد أي: خادمه، ثم لما ترقى في الضلال حذف كلمة غلام وبقي اسمه: أحمد، ثم زعم بأن الله أوحى إليه ذلك الكتاب المعروف بحقيقة الوحي ماذا يقول فيه؟ قال الله له: يا أحمد أنت مني بمنزلة توحيدي، أنت مني بمنزلة تفريدي، يعني: التوحيد هو بمنزلة توحيد الله .
وله من مثل هذه الضلالات كثيرة وكثيرة جداً، لكنه لما ادعى النبوة اتبعه ناس إلى اليوم وهو مضى عليه تقريباً نحو سبعين سنة، مات، له أتباع اليوم منتشرون في بريطانيا في ألمانيا في فرنسا ولهم نشاط عجيب في الدعوة لا أقول
стр. 4169
في الدعوة إلى الإسلام، وإنما في الدعوة إلى إسلامهم؛ لأن من إسلامهم أن النبوة لم تنقطع خلافاً للآية المعروفة: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) خلافاً لقوله ﵊: «إن النبوة والرسالة قد انقطعت فلا نبي بعدي ولا رسول بعدي».
وخلاف قوله ﵇ لعلي لما ذهب ﵇ إلى تبوك وخلفه في المدينة نائباً عنه قال له ﵊: «أنت بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي».
هؤلاء القاديانيون لا تظنوا أنهم ينكرون شيئاً من أركان الإيمان، أو شيئاً من أركان الإسلام لا هم يؤمنون معنا في كل هذه الأركان، فهم يصلون ويصومون ويحجون، وأسماؤهم أسماء إسلامية تماماً، فهل ترونهم مسلمين وهم يعتقدون بأنه هذا الرجل نبي صادق؟ ثم هذا الرجل يقول: بأنه سيأتي أنبياء من بعده؟ طبعاً: هؤلاء ليسوا من المسلمين؛ لأنهم أنكروا كما يقول الفقهاء: ما هو معلوم من الدين بالضرورة، معلوم من الدين بالضرورة عند كل مسلم أنه لا نبي بعد رسول الله ﵌ للآية المذكورة آنفاً، وللأحاديث التي ذكرت بعضها أيضاً آنفاً.
الشاهد: هل يؤمنون بهذه الآية؟ الجواب: نعم. هل يصدقون بهذه الأحاديث؟ الجواب: نعم. كيف هذا وهم يقولون بخلاف الآية، وبخلاف الأحاديث؟ هنا تأتي مصيبة التأويل، هنا تأتي مصيبة التأويل الذي كان سبباً لتفريق المسلمين تلك الفرق القديمة، والتي لا يزال شيء من آثارها حتى اليوم.
المعتزلة مثلاً: ضلوا وخرجوا عن الجماعة، هل كفروا بشيء من آيات
стр. 4170
القرآن؟ الجواب: لا. إذاً: لماذا ضلوا؟ لأنهم سلطوا معول التأويل على نصوص القرآن والسنة، فضلوا ضلالاً بعيداً.
كذلك هؤلاء القاديانيون ما خرجوا عن القرآن والسنة لفظاً، ولكنهم خرجوا عن القرآن والسنة تأويلاً، وتحريفاً فقالوا مثلاً في الآية السابقة: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ (الأحزاب:٤٠) أي: هو رسول الله حقاً وصدقاً، لكن خاتم النبيين معنى هذا الوصف أنه زينة النبيين، وليس آخرهم، ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) قالوا: هذا تشبيه، وهذا مجاز كما أن الخاتم في الإصبع زينة الأصابع واليد، كذلك محمد هو خاتم الأنبياء أي: زينتهم وليس آخرهم، فإذاً: هم آمنوا وهم كفروا، أي: آمنوا بلفظ القرآن وكفروا بمعناه، تُرى؛ هل ربنا حينما يريد منا أن نؤمن بالقرآن يريد منا أن نؤمن بلفظه دون معناه، أو بمعناه دون لفظه، أم يريد منا أن نؤمن بهما كليهما لفظاً ومعناً؟ لاشك أن الجواب: لفظاً ومعنى.
وجد في المسلمين من الفلاسفة الذين يعتبرون من الذين خرجوا من دين الله أفواجاً، وكما تخرج الشعرة من العجين قالوا: الآيات التي جاءت تأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ليس المقصود بهذه الآيات هو هذه الصلاة التي يفعلها المسلمون حتى اليوم والحمد لله، صلوات في أوقات خمسة بركعات معروفة، بشروط وأركان وو إلى آخره، لا، هذا خطأ في فهم الآية إنما المقصود: أقيموا الصلاة يعني: الدعاء، والزكاة يعني: تطهير النفس. فعطلوا هذه الشرائع كلها، ومعنى هذا: أنهم لا يؤمنون بالله ورسوله حقاً، هذا ما يقوله بعض الفلاسفة الإسلاميين.