على هذا الماء خلق جديد بحيث أنه صار العرش كله سقف الجنة. هذا ما نقوله إجمالاً, والتفصيل لا يجوز الدخول في الغيبيات.
"الهدى والنور" (٥٩٠/ ٠٠:٣٥:٣٨)
[١٦٨٢] باب من سعة الجنة
[قال الإمام]:
«إن ما بين مصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به].
"الصحيحة" (٤/ ٢٧٣).
[١٦٨٣] باب ما في الدنيا من أنهار الجنة
[قال رسول الله ﵌]:
«سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة».
[وقال ﵌]:
«فجرت أربعة أنهار من الجنة: الفرات والنيل والسيحان وجيحان».
[وقال ﵌]: «رفعت لي سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل ما هذان؟ قال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات».
[ترجم لها الإمام بما ترجمناها به].
"الصحيحة" (١/ ١/٢٢٧ - ٢٢٨).
стр. 4237
[١٦٨٤] باب ذكر أنهار الجنة
[قال رسول الله ﵌]:
«رفعت لي سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل ما هذان؟ قال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات».
[قال الإمام]:
لعل المراد من كون هذه الأنهار من الجنة أن أصلها منها كما أن أصل الإنسان من الجنة، فلا ينافي الحديث ما هو معلوم مشاهد من أن هذه الأنهار تنبع من منابعها المعروفة في الأرض، فإن لم يكن هذا هو المعنى أو ما يشبهه، فالحديث من أمور الغيب التي يجب الإيمان بها، والتسليم للمخبر عنها ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾.
"الصحيحة (١/ ١/٢٢٨ - ٢٢٩).
[١٦٨٥] باب ذكر الكوثر
[ذكر العز ابن عبد السلام في "بداية السول" من خصائص النبي ﵌:
«الكوثر الذي أعطيه في الجنة، والحوض الذي أعطيه في الموقف».
[فقال الإمام معلقًا]:
أما الكوثر فهو مذكور في قوله تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾، وقد صح عن ابن عباس أنه فسر الكوثر بالخير الكثير الذي أعطاه الله. ولا ينافيه قول عائشة:
стр. 4238
" هو نهر أعطيه نبيكم ﵌ شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد نجوم السماء ". أخرجهما البخاري، أقول: لا ينافيه لأن هذا النهر هو من الخير الكثير الذي أعطاه الله نبينا محمداً ﵌، والأحاديث فيه كثيرة في البخاري ومسلم وغيرهما منها حديث أنس قال: «لما عرج بالنبي ﵌ إلى السماء قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال هذا الكوثر».
أخرجه البخاري (٨/ ٥٦٢ - فتح) وانظر «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» لابن القيم (١/ ٢٨٣ - ٢٨٧).
"تحقيق بداية السول" (ص ٥٤ - ٥٥).
[١٦٨٦] باب الكوثر يجري على وجه الأرض
[قال رسول الله ﵌]:
«أعطيت الكوثر، فإذا هو نهر يجري [كذا على وجه الأرض] ولم يشق شقًّا، فإذا حافتاه قباب اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى تربته، فإذا هو مسكة ذفرة، وإذا حصاه اللؤلؤ».
[ترجمه الإمام بما ترجمناه به ثم قال]:
وفيما تقدم دليل على بطلان ما أخرج ابن مردويه في "الدر المنثور" (٦/ ٤٠٢) عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ قال: "نهر في الجنة عمقه [في الأرض] سبعون ألف فرسخ ". وعزاه المنذري (٤/ ٢٥٤ - ٢٥٥) لابن أبي الدنيا وعنده الزيادة، وأشار إلى تضعيفه، بل هو عندي منكر لمخالفته لحديث أنس هذا. والله أعلم.
"الصحيحة" (٦/ ١/٤٧ - ٤٨).
стр. 4239
[١٦٨٧] باب هل يُسمع خرير
الكوثر بوضع المرء أُصبعيه في أذنيه
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
- «من أحب أن يسمع خَريرَ (الكوثِر) فلْيجعلْ أُصبعيه في أذنَيه».
(منكر).
[قال الإمام]:
وإن مما يؤكد نكارة هذا الحديث بل بطلانه أنه تواترت الأحاديث عنه ﵌ في وصف الكوثر، وليس في شيء منها هذا المذكور هنا؛ فانظرها إن شئت في "ابن كثير" و"فتح الباري/التفسير، والرقائق"، وبعضها في"صحيح الجامع": "الكوثر نهر في الجنة"، "هل تدرون ما الكوثر؟ هو نهر أعطانيه ربي
في الجنة ... ".
"الضعيفة" (١٤/ ٣/١٠٨٥، ١٠٨٧).
[١٦٨٨] باب ذكر شجرة «طوبا» في الجنة
سؤال: «طوبا» شجرة في الجنة؟ أنا أعرف تتمة الحديث: «تخرج ثياب أهل الجنة من أكمامها» (١)، أما ذاك حديث آخر: «أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها» وفي رواية: «مائة عام لا يقطعها» (٢) فما أدري! ذكرتم طوبا شجرة في الجنة يسير الراكب ... إلى آخره، فما أدري إن كان هنالك تداخل بين الروايتين أم هناك رواية مستقلة؟
стр. 4240
الشيخ: كيف يعني! أنا لم أفهم سؤالك؟ ما هو الذي متداخل؟
مداخلة: الحديث: «طوبا شجرة في الجنة تخرج ثبات أهل الجنة من أكمامها» سمعت منكم تقولون: طوبا شجرة في الجنة يسير الراكب حولها مائة عام ما يقطعها بهذا المعنى، فهذا أحفظه من حديث آخر مستقل عن ذاك.
الشيخ: وهو كذلك.
مداخلة: نعم.
الشيخ: هو كذلك، لكن ما هو الإشكال؟
مداخلة: الإشكال: أن طوبا شجرة في الجنة تتمة الحديث: «تخرج ثياب أهل الجنة من أكمامها».
الشيخ: نعم، لكن أنت بارك الله فيك تقول: من جهة تعترف أن هذا حديث آخر، فإذا كان حديثاً آخر فلا إشكال، بمعنى: هل لا يمكن أن يقال: بأن طوبا من الضخامة والسعة بحيث أنه يسير الراكب المجد تحتها مائة عام لا يقطعها وأن هذه الشجرة يخرج منها ثياب أهل الجنة أهناك منافاة؟
مداخلة: لا منافاة.
الشيخ: إذاً: أنا أفهم أن سؤالك ليس هذا الذي طرحته، كأن سؤالك تريد أن تقول: هل هناك حديث آخر غير حديث الأكمام المفسر لشجرة طوبا؟ الجواب بداهةً: نعم. واضح؟
مداخلة: واضح.
"الهدى والنور" (٣٣٢/ ٠٦: ٥١: ٠٠)
стр. 4241
[١٦٨٩] باب هل في الأرض من الجنة شئ غير الحجر الأسود ؟
[قال رسول الله ﵌]:
«ليسَ في الأرضِ منَ الجنةِ إلا ثلاثةُ أشياء: غرْسُ العجوة، وأواقٍ تنزلُ في الفراتِ كلَّ يومٍ من بركةِ الجنةِ والحَجَرُ».
[قال الإمام]:
ثم إنه يبدو أن بين هذا الحديث، وبين (حديث) [الحجرالأسود] ... [الذي] بلفظ:" «[لولا ما مسه من أنجاس الجاهلية؛ ما مسه ذو عاهة إلا شُفي]، وما على الأرض من شيء من الجنة غيره»: تعارضاً! فكيف التوفيق؟ فأقول: ... لعل المراد بقوله: "غيره " أي: من الحجارة؛ فقوله: "شيء" مخصوص بها. والله أعلم.
"الصحيحة" (٧/ ١/٣٠٢،٣٠٥) و (٧/ ٢/١٠٧٣،١٠٧٢).
[١٦٩٠] باب هل الريحان من الجنة ؟
[روي عن رسول الله ﵌ أنه قال]: «إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يرده فإنه خرج من الجنة».
[قال الإمام]:
حديث ضعيف أخرجه الترمذي (٤/ ١٨) من طريق جنان عن طريق أبي عثمان النهدي مرسلاً, وهذا مع إرساله فيه جهالة جنان هذا ولم يوثقه غير ابن حبان, ولو صح الحديث لكان اللائق حمله على ظاهره وهو أن الريحان أصله من الجنة، ولا يلزم منه أن ما نقطفه منه من الحقول هو في الجنة أيضاً ... , ألا ترى أنه إذا قال إنسان لماء في كأس: هذا من السماء لكان صادقاً وكان قصده معروفاً؟
стр. 4242
فليتأمل, ونحو هذا يقال فيما صح عنه ﵌: «أن أربعة أنهار من الجنة»؛ أي أصلها من الجنة, لا أنها تنبع الآن منها.
"فقه السيرة" (ص١١٩).
[١٦٩١] باب من سعة الجنة وفضل الله فيها
[قال رسول الله ﵌]:
«يدخل أهل الجنة الجنة، فيبقى منها ما شاء الله ، فينشئ الله تعالى لها ـ يعني خلقا ـ حتى يملأها».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به].
"الصحيحة" (٦/ ١/٩٢).
[١٦٩٢] باب خيمة المؤمن في الجنة
[قال رسول الله ﵌]:
«إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضاً» ...
[قال الإمام]:
[وفي رواية]:"عرضها ستون ميلا". ولعل الجمع بين الروايتين؛ أن يقال بصحة كل منهما، ويكون المعنى بأن طول الخيمة مساوٍ لعرضها؛ فإن صح هذا فبها ونعمت، وإلا؛ فرواية الطول أرجح ... والله أعلم.
"الصحيحة" (٧/ ٣/١٤٩٤ - ١٤٩٥).
стр. 4243
[١٦٩٣] باب تفسير قوله ﵌: «إن ربك يعجب من أقوام يجرون إلى الجنة بالسلاسل»
سؤال: تفسير حديث أن هناك أناساً يدخلون الجنة بالسلاسل (١)؟
الشيخ: تفسير ما وقع في العصور الأولى من مجيء المسلمين بكثير من الأسرى الكافرين إلى بلاد المسلمين وهم مغللون بالأصفاد عبيداً أرقاء، فبعد أن يسترقوا، وبسبب هذا الاسترقاق؛ خدمتهم لأسيادهم وبمن يلوذ بهم عرفهم بشيء من أخلاق المسلمين وعقائدهم كان خافياً عليهم، ووجدوا أن ما عرفوه من أخلاقهم وحسن معاملاتهم لأرقائهم وعبيدهم خلاف ما يعرفونه هم في بلادهم من سوء معاملة الأسياد للأرقاء والعبيد.
فهذه المعاملة الحسنة فتحت قلوبهم للإسلام ودخلوا فيه أفواجاً، وصار الكثير منهم بسبب النظام الإسلامي الرائع الذي تفرد يومئذ بتشريع ما يعرف في كتب الحديث والفقه بالمكاتبة فضلاً عن فك الرقاب المنصوص عليه في القرآن، والذي حث عليه الإسلام بأساليب شتى مما كان لا يعرفه الكفار الذين هم الذين ابتدعوا بدعة الاسترقاق للناس الذين هم أمثالهم كما قال عمر في كلمته المشهورة: «متى استبعدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً»، فوجدوا في الإسلام طرقاً كثيرة لتخليص أنفسهم من ذل الاستعباد والاسترقاق.
بعض هذه السبل يعود إلى السيد الذي إما أن يحسن إلى رقيقه، وإلى عبده، فيعتقه لوجه الله ﵎، وإما أن يعتقه كفارةً لذنب له شرع الله التكفير لهذا
стр. 4244
الذنب أنه لا بد من عتق رقبة، إما وإما .. ، أخيراً تأتي تلك المكاتبة والمكاتبة هي أن يتفق السيد مع العبد أو مع عبد من عبيده أن يصبح حراً إذا ما قدم إلى سيده مَبْلَغاً يتفقان عليه، فإذا ما قدم آخر قسطٍ عليه يصبح حراً، ففتح الإسلام لهؤلاء العبيد أن يكسبوا حريتهم ويفكوا عنهم الرق، فبتلك المعاشرة الحسنة التي ألمحنا إليها آنفاً والتي كان رسول الله ﵌ يحض عليها في أحاديث كثيرة كمثل قوله ﵇: «إخوانكم خولكم». كأنه سقط من ذهني عبارة: «فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون» (١) .. أو هكذا، فوجدوا في الشرع الإسلامي ما جذبهم جذباً إلى الدخول في الإسلام بمحض اختيارهم، ولذلك كان منهم من كبار العلماء والفقهاء، وحسبكم أن الإمام أبا حنيفة ﵀ الذي هو أول الأئمة الأربعة المتبعين .. ، أبوه من هؤلاء الأرقاء، فضلاً عن مثل طاووس وأمثاله من كبار المحدثين، فهؤلاء يعجب ربك من أقوام يجرون إلى الجنة في السلاسل أي: أنهم جيء بهم كما قلنا مغللين أسرى، فلما خالطوا المسلمين وتبين لهم الإسلام الحق آمنوا، فدخلوا الجنة بسبب إيمانهم، هذا معنى الحديث إن ربك ليعجب من أقوام يجرون إلى الجنة في السلاسل، أي: إلى الإسلام الذي يأخذ بهم إلى الجنة، وقد جيء بهم من قبل بالسلاسل، وهذه حقيقة يشهد بها التاريخ الصحيح، فكم وكم من مولى من الموالي، أي: من هؤلاء العبيد، الذين أعتقهم أسيادهم أو عتقوا أنفسهم بالمكاتبة، كم وكم من هؤلاء أصبحوا من كبار العلماء الذين نحن الآن نستفيد العلم منهم، وهم كانوا أسرى جيء بهم مغللين.
"الهدى والنور" (٢٥٠/ ١٥: ٠٢: ٠٠)
стр. 4245
[١٦٩٤] باب منه
[قال الإمام مبيناً أهمية التجمع والتقارب في المجالس]:
حينما يكون الجمع جمعاً كثيراً مباركاً ويكونون متفرقين ومبتعدين عن مجلس الشيخ المزعوم أنه شيخ قد يكون حقاً وقد يكون كذباً، فأنا أقول بهذه المناسبة أن هذا التفرق وهذا التوسيع لدائرة الحلقة خلاف السنة، أما من حيث التفرق فقد جاء في صحيح مسلم أن النبي ﵌ دخل المسجد يوماً فرآهم متفرقين فقال لهم: «مالي أراكم عزين» (١) بالعين والزاي أي متفرقين، وقد وصل اهتمام الرسول ﵇ بالنهي عن التفرق في المكان وعن ابتعاد الناس بعضهم عن بعض إلى درجة أنه نهاهم عن ذلك حتى في الصحراء، حتى في السفر فقد روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد قوي عن أبي ثعلبة الخشني قال: كنا إذا سافرنا مع النبي ﵌ نزلنا في الوديان والشعاب فقال لنا يوماً: «إنما تفرقكم هذا في الوديان والشعاب من عمل الشيطان» (٢) قال أبو ثعلبة: «فكنا بعد ذلك إذا نزلنا في مكان اجتمعنا، أي انضم بعضنا إلى بعض حتى لو جلسنا على بساط لوسعنا»، ولذلك التقارب في الجلوس وعدم ابتعاد الناس بعضهم عن بعض وهو اقتراب من الجنة بسبب تعاطي الأسباب التي تؤدي إلى الجنة، أنا أقتبس هذا من مثل قوله ﵇: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة» (٣) ومن قوله ﵇ وهو حديث عجيب قال ﵌: «إن ربك ليعجب من أقوام يُجرون إلى الجنة في السلاسل».
стр. 4246
يقول أهل العلم: يعني رسول الله ﵌ بهذا الحديث الأسرى الذين يقعون في أيدي المسلمين فيجرونهم مغللين في السلاسل إلى بلاد الإسلام، وهناك يوزعون حسب التقسيم الشرعي للمكاسب والغنائم على الغانمين، فيدخلون بيوت المسلمين وهم بعد أن كانوا مغللين يصبحون شبه أحرار، أقول شبه؛ لأنهم في الواقع من حيث حرية العمل حتى بقاء أحدهم على دينه الباطل كانوا أحراراً، لكنهم لا يزالون أرقاء، إلا أن الله بما أوحى إلى نبيه ﵌ من الأحكام التي وجهها إلى أتباعه ﵇ من العناية والوصاية الطيبة بالأسرى وبالعبيد صار هؤلاء العبيد كأنهم أحرار، وحسبكم في هذا الصدد دلالة قوله ﵇: «أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون» إلى آخر الحديث الذي لا أذكره الآن بتمامه، الشاهد أن هؤلاء الأسرى دخلوا حياة جديدة غير الحياة التي كانوا يحيونها وهم أحراراً دخلوا حياة جديدة وهم عبيد، ولكنهم في حياتهم خير مما كانوا عليه وهم كانوا أحراراً، ذلك لأنهم تداخلوا مع المسلمين في بيوتهم، في أسواقهم، في مساجدهم .. فعرفوهم وعرفوا أخلاقهم، وعرفوا تأثير دينهم في تربيتهم عن كثب وعن قرب، فتجلى لهم عملياً ما هو دين الحق فآمنوا غير مكرهين، وآمنوا بقلوبهم بوازع من شخصهم وليس كأولئك الذين يؤمنون رغم أنوفهم إما خلاصاً من القتل إذا ما وقفوا أمام الدعوة الإسلامية، أو خلاصاً من دفع الجزية عن يد وهم صاغرون .. أما هؤلاء قد أسلموا طواعية وبإخلاص من قلوبهم ودخلوا في الإسلام ولا شك أن من دخل في الإسلام دخل الجنة بسلام إلى هذه الحقيقة -التي لو أراد الإنسان أن يشرحها شرحاً مبسطاً موسعاً لكان من ذلك كتاب-، إلى هذه الحقيقة أشار ﵇ في الحديث السابق: «إن ربك ليعجب من أقوام يُجرون إلى الجنة في السلاسل» فإذاً الأسباب التي تكون مشروعة فهي
стр. 4247
تؤدي إلى الجنة، ومن هذه الأسباب طلب العلم ومن وسائل طلب العلم هو طلبه مع الجماعة، وهذه الجماعة ينبغي عليهم حسب ما عرفتم أن يكونوا متقاربين في أبدانهم كما يجب عليهم أن يكونوا متقاربين متوادين متحابين في قلوبهم.
" الهدى والنور" (٢١٣/ ٠٠:٠٠:٣٤)
[١٦٩٥] باب منه
يقول الرسول ﵇ في الحديث الصحيح: «إن ربك ليعجب من أقوام يجرون إلى الجنة في السلاسل» من هم؟ [هم] أسرى من الكفار يصبحون أرقاء ويوزعون على المسلمين الذين انتصروا عليهم فيصبح خادماً رقيقاً في بيت المسلم، لكن هذا الرق يعود عليه بالسعادة في الدنيا قبل الآخرة، لأنه يصبح مسلماً عارفاً بالله وبرسوله فيسعد السعادة التي كان يشقاها من قبل كما يشهد بذلك قوله تعالى أولاً ثم واقع الكفار اليوم ثانياً: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (طه:١٢٦).
فالغالب اليوم. نعم. الغالب اليوم يعيش هذه الحياة الضنكا، وهكذا طبيعة الكفار في كل زمان وفي كل مكان، فحينما ينتقل الرقيق بطريق لا يعجبه بطبيعة الحال مأسور مغلل في الأصفاد ينتقل إلى بلاد الإسلام ويعيش رقيقاً خادماً رغم أنفه لا يأخذ أجراً، وإن حصل هو أجراً بمهنة له فهذا الأجر يعود إلى سيده، لكن مع ذلك والتاريخ يشهد أن من كبار علماء المسلمين من كان أصله رقيقاً فصاروا من العلماء، من الصالحين الأتقياء، نحن الأحرار نأخذ علمنا عن أولئك العبيد لكن هم في الحقيقة هم الأحرار.
"الهدى والنور" (٢١٩/ ٢٤: ٤٣: ٠٠)
стр. 4248
[١٦٩٦] باب معنى قوله
﵌ في الكاسيات العاريات: «لا يدخلن الجنة .... »
سؤال: حديث لا يدخلن الجنة ...
الشيخ: .. هذا له عدة تآويل، .. لا يدخلن الجنة إذا استحللن ذلك في قلوبهن، [أما إذا لم يستحللن ذلك] ... فيدخلن الجنة بعد َلأْيٍ ليس مع السابقين الأولين.
"الهدى والنور" (١٩/ ٢٩: ٢٦: ٠٠)
[١٦٩٧] باب معنى قوله ﵌: «لا يدخل الجنة ... ولد زنية»
[قال رسول الله ﵌]:
«لا يدخل الجنة عاق, ولا منان, ولا مدمن خمر, ولا ولد زنية».
[قال الإمام]:
وقوله: «لا يدخل الجنة ولد زنية»، ليس على ظاهره بل المراد به من تحقق بالزنا حتى صار غالباً عليه، فاستحق بذلك أن يكون منسوباً إليه، فيقال: هو ابن له، كما ينسب المتحققون بالدنيا إليها، فيقال لهم: بنو الدنيا بعلمهم وتحققهم بها، وكما قيل للمسافر ابن السبيل، فمثل ذلك ولد زنية وابن زنية، قيل لمن تحقق بالزنا، حتى صار تحققه منسوباً إليه، وصار الزنا غالباً عليه، فهو المراد بقوله «لا يدخل الجنة» ولم يرد به المولود من الزنا ولم يكن هو من ذوي الزنا .... وهذا المعنى استفدته من كلام أبي جعفر الطحاوي ﵀ وشرحه لهذا الحديث. والله أعلم.
"الصحيحة" (٢/ ٢٨٠،٢٨٣).
стр. 4249
[١٦٩٨] باب هل يحول الدَّين بين الشهيد ودخوله الجنة ؟
السؤال: المقاتل أو المجاهد في سبيل الله، قبل أخونا الشيخ رفيق الله يجزيه خير والحاضرين يتعلم الفقه ويصير عنده حلقات العلم كنا نجهل أنه المجاهد في سبيل الله يقف على باب الجنة لسبب عدم سداده الدين، هذه لم نكن نعرفها، الآن من فضل الله علينا صرنا نعرفها، بالنسبة للمجاهد إذا أقام كل الأوامر التي صدرت من الله : الصلاة الصوم الحج الزكاة كله، (بقيت مسألة) الدين، يا هل ترى لو صارت ظروف الجهاد تيسرت للمسلمين وجاهد في سبيل الله، هنا فعلاً هذا الدين يمنعه من دخول الجنة؟
الشيخ: لا، ليس هناك حديث يقول: إن هذا الشهيد المدين لا يدخل الجنة، وإنما الحديث يقول: يغفر للشهيد كل ذنب له إلا الدين (١). تغفر ذنوبه كلها إلا الدين، لكن كونه يدخل الجنة أو لا يدخل الجنة هذه قضية أخرى، يعني: نحن لا نقدر نقول عن غير الشهيد إنه إذا كان مات مديناً لا يدخل الجنة، عن غير الشهيد، فما بالك بالشهيد، لكننا نقول: إنه موت الشهيد وعليه دين يمنع أن يغفر عنه هذا الذنب فقط وهو الدين، بينما الذنوب الأخرى تغفر له.
"الهدى والنور" (١٤١/ ٢٥: ٣٥: ٠٠)
[١٦٩٩] باب هل هناك تكليف في الجنة
سؤال: صلاة المؤمنين في قبورهم صح الحديث عن ابن ماجه فهل هذا من تكليف المؤمنين في القبور؟
الشيخ: هل يوجد تكليف في الجنة؟
стр. 4250
مداخلة: لا يوجد.
الشيخ: في تسبيح في الجنة، فيه حمد في تسبيح في الجنة،
مداخلة: نعم.
الشيخ: هذه مثل هذه .. ، ليس تكليف، هذا شكر لله .
مداخلة: ولكن لا نعرف كيفية هذه الصلاة.
الشيخ: كل أمور الغيب لا تعرف.
مداخلة: فيه فرق بينهم وبين صلاة الأنبياء أم لا نعلم؟
الشيخ: لا نعلم، هل علمت صلاة الأنبياء؟ لا، تلك بأولى.
" الهدى والنور" (٥٦/ ١٢: ٤١: ٠٠)
[١٧٠٠] باب حال حديث حول الجنة
مداخلة: في حديث ما أدري ما صحته «لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب باب يدخل عليه منه زواره من الملائكة وباب يدخل عليه منه أزواجه من الحور العين، وباب مقفل فيما بينه وبين أهل النار لتعظم النعمة عليه، وباب فيما بينه وبين دار السلام يدخل منه على ربه إذا شاء» (١)؟
الشيخ: هذا لا أعرفه، ولا مر علي حتى ولا في الموضوعات.
"الهدى والنور" (٣٢٤/ ٤٨: ٤٧: ٠٠)
стр. 4251
جماع أبواب ذكر النار أعاذنا الله منها
стр. 4252
(العذاب في الدنيا)
[١٧٠١] باب مسخ بعض اليهود قردة وخنازير كان حقيقيّاً بدنيّاً
[قال الإمام]:
ذهب بعض المفسرين في العصر الحاضر إلى أن مسخ بعض اليهود قردة وخنازير لم يكن مسخا حقيقيًّا بدنيًّا، وإنما كان مسخاً خلقيّاً! وهذا خلاف ظاهر الآيات والأحاديث الواردة فيهم، فلا تلتفت إلى قولهم فإنهم لا حجة لهم فيه إلا الاستبعاد العقلي، المشعر بضعف الإيمان بالغيب. نسأل الله السلامة.
"الصحيحة" (١/ ١/١٩٤).
[١٧٠٢] باب الرد على من أنكر المسخ
سؤال: ذهب قوم إلى تأويل [أحاديث المسخ] ... قالوا: الخنزير معروفٌ بالدياثة، والقرد بالتقليد، فذهبوا إلى أن الأمة تصبح لا تغار على عرضها وتحاكي الأجنبي، فهل هذا التأويل له مسوغ؟
الشيخ: لا مسوغ لمثل هذا التأويل إلا باستبعاد العقل، ولا يجوز لغة فضلاً عن الشرع إخراج أي كلام عن دلالته الظاهرة إلا إذا كانت هذه الدلالة غير ممكن وقوعها، هذه قاعدة معروفة عند علماء اللغة والشرع معاً: أنه لا يجوز تأويل الكلام إلا عند تعذر حقيقة هذا الكلام، والمسخ المذكور في هذا الحديث وفي أحاديث أخرى له مثال سابق صرح به ربنا في القرآن الكريم ذلك هو
стр. 4253
المسخ المتعلق بطائفة من اليهود حيث قال : ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (البقرة:٦٥)، وقد صرح الرسول ﵌ في بعض الأحاديث بما يؤيد أن المسخ الذي وقع في اليهود والذي ذكر في القرآن صراحةً في غير ما آية هو مسخ حقيقي ولذلك لم يتناسل، فقال ﵊: «لم يمسخ الله قوماً فجعل لهم نسلاً» وقد كانت القردة الخنازير قبل ذلك، وفي حديث آخر: «أن الله إذا مسخ قوماً أهلكهم بعد ثلاثة أيام فلا يبقى لهم نسل»، فتأويل أحاديث المسخ على أنه مجازي وليس بحقيقي لا مبرر له لا لغةً ولا شرعاً، وإنما هي على ظاهرها.
"الهدى والنور" (١٦/ ٥٥: ٣٤: ٠٠)
[١٧٠٣] باب ما مُسخ انقرض
[قال رسول الله ﵌]:
«الحيات مسخ الجن، كما مسخت القردة والخنازير من بني إسرائيل».
[ترجم له الإمام بقوله: «ما مسخ انقرض» ثم قال:]
اعلم أن الحديث لا يعني أن الحيات الموجودة الآن هي من الجن الممسوخ، وإنما يعني أن الجن وقع فيهم مسخ إلى الحيات، كما وقع في اليهود مسخهم قردة وخنازير، ولكنهم لم ينسلوا كما في الحديث الصحيح: " إن الله لم يجعل لمسخ نسلاً ولا عقباً، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك
" الصحيحة" (٤/ ٤٣٩ - ٤٤٠)
стр. 4254
[١٧٠٤] باب منه
[قال رسول الله ﵌]:
- «فُقِدَتْ أُمَّةٌ من بني إسرائيل؛ لا يُدرَى ما فَعَلَتْ؟! وإنّي لا أُراها إلا الفَأْرَ؛ [أَلا تَرَوْنَها] إذا وضعَ لها ألبانُ الإبِلِ لم تَشرب، وإذا وُضعَ لها ألبانُ الشَّاءِ شَرِبَتْ؟!».
[قال الإمام]:
(فائدة): من الظاهر أن هذا الحديث كان رأياً منه ﵌ قبل أن يُعْلِمَه الله تعالى أنه لم يجعل لمسخ نسلاً؛ كما تقدم في حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعاً بلفظ: «إن الله لم يمسخ شيئاً فيدع له نسلاً أو عاقبة .. » الحديث.
وقد سبق تخريجه تحت الحديث (٢٢٦٤).
وبهذا جمع بين الحديثين الطحاوي وغيره من العلماء.
"الصحيحة" (٧/ ١/١٨٩ - ١٩٠).
[١٧٠٥] باب هل الريح خاصة بالعذاب والرياح بالرحمة ؟
[قال رسول الله ﵌]:
- «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما أمرت به».
[قال الإمام]:
وفي الحديث دلالة واضحة على أن الريح قد تأتي بالرحمة، وقد تأتي
стр. 4255
بالعذاب، وأنه لا فرق بينهما إلا بالرحمة والعذاب، وأنها ريح واحدة لا رياح، فما جاء في حديث الطبراني عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا ". فهو باطل، وقال الطحاوي: " لا أصل له ". وقد صح عن ابن عباس خلافه، كما بينته تحت حديث الطبراني المخرج في الكتاب الآخر: " الضعيفة " (٥٦٠٠).
"الصحيحة" (٦/ ١/٥٩٨، ٦٠١ - ٦٠٢).
стр. 4256
(عذاب الآخرة)
[١٧٠٦] باب هل يجوز الدعاء [بقولنا] يارب إن كنت تريد أن تعذبني في الآخرة فعذبني في الدنيا ولا تعذبني في الآخرة ؟
مداخلة: ... هل يجوز الدعاء [بقولنا] يا رب إن كنت تريد أن تعذبني في الآخرة فعذبني في الدنيا ولا تعذبني في الآخرة؟
الشيخ: لا ما يجوز، قد جاء حديث في هذا الصدد في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ أنه قال نحو هذه الكلمة، فقال له ما معناه: أنه لا يستطيع الإنسان على عذاب الآخرة هلا قلت كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (البقرة:٢٠١) فلا يجوز ذلك.
"فتاوى جدة-الأثر-" (٣/ ٠١:٠٣:٤٩)
[١٧٠٧] باب هل نار جهنم في الأرض ؟
سؤال: من قال من العلماء أن نار جهنم موجودة في هذه الأرض التي نعيش عليها، وجعلها من متعلقات الإيمان، لأن ظواهر النصوص القرآنية والحديثية تدل على ذلك، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ (المطففين:٧)، وقوله تعالى: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ (الأعراف:٤٠)، وقوله ﵊: «اكتبوا كتاب عبدي في سجين وأعيدوه إلى الأرض السفلى» (١)؟
стр. 4257
الشيخ: أنا فهمت السؤال، لكن ما الآية التي قرأتها أخيراً التي يستدلون بها على أن جهنم في الأرض؟
السائل: ذكروا آيتين: قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ (المطففين:٧)، وقوله: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ (الأعراف:٤٠) والحديث؟
الشيخ: والحديث ما هو؟
السائل: وقوله ﵊: «اكتبوا كتاب عبدي في سجين وأعيدوه إلى الأرض السفلى».
الشيخ: أعيدوه إلى الأرض السفلى يعني: جهنم؟
السائل: إلى الأرض السفلى المقصود بها يعني: هذه الأرض، أرض الدنيا.
الشيخ: ما أجبتني.
السائل: إلى جهنم نعم.
الشيخ: يعني الروح تعاد بها إلى جهنم؟
السائل: نعم، يستدلون بها على ..
الشيخ: ... خذ وأعط معي بارك الله فيك، أنا فهمت الاستدلال، الحديث نصه مرة أخرى؟
السائل: «اكتبوا كتاب عبدي في سجين وأعيدوه إلى الأرض السفلى».
الشيخ: عبدي من المقصود به؟ هو من كان في قيد الحياة ثم مات، أم ما المقصود به؟
стр. 4258
السائل: ما فيه شك أنه بعد الموت.
الشيخ: يعني: أنه مات ودفن، أليس هذا هو المقصود؟
السائل: بلى.
الشيخ: فالمسلم إذا مات وكان من أهل الاستقامة فهل هو في الجنة، وإذا كان فاسقاً أو كافراً هل هو في النار؟ أم هو يعذب في القبر بما يأتيه من لهيبها ودخانها ونارها؟ .. فإذاً: الحديث ليس له علاقة بجهنم التي سيصير إليها الفساق أو الكفار.
السائل: والآية يا شيخ.
الشيخ: معليش، انتهينا من الحديث؟
السائل: نعم.
الشيخ: الآية، ما في الآية مما يحتجون به إطلاقاً، إلا لو كانت الآية مفسرة في السنة، وقد حاولوا أن يفسروها بهذا الحديث، وهذا الحديث لا يتعرض لكون جهنم في الأرض السفلى، لأنه هو يتحدث عن روح الأشقياء، فالآيات أو الآيتين التين ذكرتهما ليس فيهما أي إشعار أبداً أن جهنم هي في الأرض ولو أنها الأرض السابعة.
ثم نحن لابد أن نستحضر بعض النصوص التي تقول: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم:٤٨) فهذه الأرض التي ذكرت في هذا الحديث مهما أرادوا بها فهي ستتبدل، فإذاً: كيف يستدل بذلك على أنها مقر جهنم؟ ثم أن الأرضين السبع التي جاء ذكرها في الأحاديث الصحيحة فهي كما قال: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (الطلاق:١٢) يعني: بعضها فوق
стр. 4259
بعض، فهي في اعتقادي ذرة من جهنم ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (ق:٣٠) الأرض في الحدود المعروفة اليوم جغرافياً والمعروف بالنسبة للسنة أو الشريعة أنها طبقات بعضها فوق بعض نظرياً لا يمكن أن تكون هي مقر جهنم، فإذا أضفنا هذه إلى الحقيقة السابقة: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ (إبراهيم:٤٨) لا يمكن أن تكون الأرض هي مقر جهنم، ولذلك نخرج بنتيجة وهي: أنه ليس فقط لا يجب في اعتقاد هذه العقيدة، بل لا يجوز اعتقادها؛ لأنها غير قائمة على دليل شرعي ملزم، ولو بحديث صحيح آحادي ..
" الهدى والنور" (٣٠٠/ ٣٢: ٠٠: ٠٠)
[١٧٠٨] باب شرح حديث:
«لن تمسه النار إلا تحلة القسم» والكلام على سماع الموتى
[قال الإمام]:
يسأل سائل هنا عن معنى قوله ﵇ في الحديث السابق: «لن تمسه النار إلا تحلة القسم» هذا الحديث يشير إلى قوله ﵎ في الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (مريم:٧١) إلا واردها .. وإن منكم: قسم من الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (مريم:٧١) اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في معنى الورود المقصود في هذا الحديث على ثلاثة أقوال: الورود بطرف النار، كما يقال: أورد الإبل الحوض، والمعنى الثاني: المرور على الصراط، من فوق النار، والمعنى الثالث وهو لا ينافي الثاني: الدخول في النار؛ لأن المرور في الصراط هو دخول في النار، فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (مريم:٧١) أي: داخلها، لا فرق بين مؤمن وكافر، كلهم جميعًا من الإنس
стр. 4260
والجن لا بد لهم من هذا الدخول، لكن بعد أن يتحقق هذا القسم الإلهي من الدخول هناك بعد ذلك سرعان ما يتميز الصالح من الطالح .. الصالح لائق بدخول الجنة .. الطالح لائق بدخول النار.
ويفسر هذا الكلام حديث أذكره لما فيه من بيان وتفصيل، لكن لا بد لي من أن أقرن بذلك أن هذا الحديث لم يصح من حيث إسناده؛ لأنه على شهرته ينبغي أن نذكره تنبيهًا على ضعفه لكن معناه مقبول في حدود ما جاء من الأدلة، ذلك الحديث يرويه بعض التابعين من المجهولين وهو العلة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه لقيه في طريقه قال: كنا في مجلس ذكرت فيه هذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (مريم:٧١) قال: فاختلفنا وذكر الأقوال الثلاثة، فما كان من جابر كما تقول الرواية على ضعفها: إلا أن وضع أصبعيه في أذنيه وقال: صمتا .. صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﵌ يقول: «لا يبقى بر ولا فاجر إلا ويدخلها ثم تكون بردًا وسلامًا على المؤمنين كما كانت على إبراهيم» إذًا: هذا الدخول المذكور في هذه الآية والمفسر أيضًا في حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄ قالت: قال رسول الله ﵌: «» لا يدخل النار أحد من أهل بدر وأصحاب الشجرة، قالت: كيف هذا يا رسول الله والله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (مريم:٧١)؟!».
هنا ملاحظة ومهمة من حيث أنها تساعد طالب العلم على فهم النصوص الشرعية: نجد هنا السيدة حفصة ﵂ كأنها تريد أن تقول: إن الذي تقوله يا رسول الله خلاف ما أفهم من الآية، فكيف التوفيق بين هذه الآية حسب فهمي - أي: حفصة - وبين ما تقول يا رسول الله؟ فقال لها بكل هدوء ولطف كما هو شأنه ﵇ وديدنه، قال: اقرئي ما بعدها: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ
стр. 4261
فِيهَا جِثِيًّا﴾ (مريم:٧٢) ما هي الفائدة؟ الفائدة: أن الرسول ﵌ إذا سمع قولًا وما أنكره كان ذلك دليلًا على صحته في نفسه، ولكن يمكن أن يدخل فيه تخصيصًا وتقييدًا ما يخطر على بال المتكلم تلك الكلمة والتي أقره الرسول ﵇ عليها ولكنه يدخل فيها تقييدًا أو تخصيصًا، هذه فائدة مهمة جدًا قد يغفل عنها بعض أهل العلم، ولا بأس من أن أضرب لكم مثلًا:
وقع في عدم الانتباه لهذه النكتة الفقهية الدقيقة الإمام أبو محمد بن حزم صاحب كتاب: "المحلى"، الكتاب العظيم، وكتاب: "الإحكام في أصول الأحكام" وغيره من الكتب، لقد ألف رسالة في إباحة الملاهي عامة، من الآلات الموسيقية والأغاني وما شابه ذلك، وكان مما استدل به على ما ذهب إليه في تلك الرسالة الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: دخل النبي ﵌ علي يوم عيد وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، وتضربان عليه بدف، لما دخل أبو بكر قال: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله ﵌؟! استفهام استنكاري طبعًا، دعهما فإن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا.
الشاهد: أن الإمام ابن حزم احتج بهذا الحديث على جواز الضرب بالدف والغناء به؛ لأن الرسول ﵇ أقر الجاريتين، لكن فاته ما أردت التنبيه عليه: أن النبي ﵌ أقر أبا بكر الصديق على قوله السابق الذكر: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله؟! لقد سمى أبو بكر الضرب على الدف والغناء به سماه ماذا؟ مزمار الشيطان، ما أنكر الرسول ﵇ ذلك عليه بل أقره كما أقر حفصة على قولها في الآية هكذا.
стр. 4262
وكذلك كما أن النبي ﵌ أدخل على استدلال حفصة قيدًا كانت غافلة عنه، كذلك تمامًا فعل النبي ﵌ مع صاحبه في الغار أبي بكر الصديق أيضًا لفت نظره كأنه يقول له: إن الأمر كما تقول أنت يا أبا بكر لكن هو استثناء قد فات، دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا، فإذا نحن جمعنا بين إقرار الرسول ﵌ لأبي بكر على قوله: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله ﵌؟! وبين قوله له: دعهما، فإن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا، خرجنا بنتيجة أن مزامير الشيطان لا تجوز ويكفي في النهي عنها النسبة إلى الشيطان، لكن هذا الحكم مستثنى منه الضرب بالدف في يوم العيد وممن؟ من الجاريتين، فجمعنا بين إقرار الرسول لأبي بكر وبين قوله له، وخرجنا بنتيجة معاكسة تمامًا للنتيجة التي ذهب إليها أبو محمد ابن حزم ﵀، حيث أخذ قول الرسول ﵇ ولم يتنبه لإقرار الرسول لقول أبي بكر: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله ﵌؟!
عندك شيء؟
مداخلة: يقولون أن الرسول ﵌ يقر مزمار الشيطان في بيته؟!
الشيخ: أنا أجبتك على هذا بارك الله فيك! نحن نقول: الأصل في آلات الطرب أنها من مزامير الشيطان، لكن استثنى الشارع الحكيم من أن يكون مزمارًا للشيطان في هذا الوقت المعين، فالأصل أنه مزمار الشيطان في غير يوم العيد، أما في يوم العيد فليس مزمارًا للشيطان، فلا منافاة والحمد لله.
هذا أيضًا لعله من المفيد أن نذكر أيضًا بمثال آخر وهو مهم جدًا من حيث الحياة الفكرية التي يحياها اليوم العالم الإسلامي جله الذين يعتقدون بأن الموتى يسمعون، الموتى يسمعون ويحتجون على ذلك بحجج كثيرة ولسنا نحن في هذا
стр. 4263
الصدد إلا فيما يتعلق بلفت النظر إلى أن الرسول ﵇ إذا أقر على شيء فهو حق، ويجب الاستفادة بذلك.
وهنا نذكر غزوة بدر وحينما أهلك الله صناديد قريش وألقوا في قليب بدر، ثم جاء النبي ﵌ بعد أن وضعت الحرب أوزارها فوقف على القليب ونادى أولئك الكفار الموتى القتلى بأسمائهم: يا فلان بن فلان لقد وجدت ما وعدني ربي حقًا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ قال عمر - هنا الشاهد - قال: يا رسول الله! إنك لتنادي أجسادًا لا أرواح فيها، ماذا نفهم نحن من قول عمر هنا؟ نفهم نحو ما فهمنا من كلمة أبي بكر هناك، ومن كلمة حفصة هناك، نفهم أن عمر بن الخطاب يرى أن الموتى لا يسمعون، ولذلك هو يستغرب ويتعجب لمناداة الرسول ﵇ لهؤلاء الموتى يقول: يا فلان بن فلان .. إلى آخره بأسمائهم: إني وجدت ما وعدني ربي حقًا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ هذه المناداة تنافي كما أنا أفهم - وهو حق إن شاء الله - ما كان تلقاه عمر بن الخطاب تعليمًا من النبي ﵌ أن الموتى لا يسمعون، يكفي في ذلك القرآن الكريم: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ (النمل:٨٠) كذلك قوله : ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ في الْقُبُورِ﴾ (فاطر:٢٢) طبعًا الآيتان فيهما كلام من حيث التفسير، لكن خلاصة الكلام فيهما لا يتنافى أبدًا مع هذه الحقيقة الشرعية، وهي: أن الموتى لا يسمعون، هذه الحقيقة هي التي كان عمر بن الخطاب تلقاها من قبل وتعلمها من رسوله ﵌ ولذلك أصبح عنده إشكال: كيف هو لقننا هذا العلم ثم هو يناديهم؟! فماذا كان موقف الرسول ﵇؟ كان موقفه منهم كما كان موقفه من أبي بكر ومن حفصة، أقرهم جميعًا على ما قالوا، لكن أدخل على كلامه قيدًا لا يعرفونه؛ لأنهم لا يوحى إليهم كما يوحى إليه، فلقد أقر الرسول ﵇ عمر بن الخطاب على كلمته هذه، ومعنى هذا: أنه يقول له: صدقت
стр. 4264
فالموتى لا يسمعون، لكن هؤلاء يسمعونني، ولذلك قال له في الجواب بلسان عربي مبين: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» أي: هؤلاء يسمعونني فأنت يا عمر الذي تلقيته مني حق وصواب، لكن اعلم أن هنا معجزة وكرامة خاصة لنبيه ﵌ حيث أسمعهم صوته، ومن شأنهم أنهم لا يسمعون لم؟ لأنهم موتى.
ويؤكد هذا المعنى أن الإمام أحمد ﵀ روى هذه القصة بإسناده الصحيح في المسند أن عمر قال: والموتى لا يسمعون، أيضًا جاء الجواب كما سمعتم: ما قال له: لا، أنت مخطئ الموتى يسمعون لو كان هو مخطئًا، لكنه أقره على هذه العبارة الصريحة، ولكن أدخل في ذلك قيدًا، وهو: الموتى لا يسمعون إلا هؤلاء.
ولذلك جاء في صحيح البخاري في هذه القصة من طريق قتادة عن أنس بن مالك، هذه القصة التي رويناها باستثناء رواية الإمام أحمد مروية في الصحيحين، ومن طريق قتادة، قال قتادة: أحياهم الله له فأسمعه صوته تبكيتًا تحقيرًا ونكايةً منه.
إذًا: هذا الانتباه لإقرار الرسول ﵇ لكلام الصحابي هذا معناه: أن كلام الصحابي حق لكن ينظر هل أدخل عليه الرسول ﵇ شيئًا من التخصيص أو التقييد فيضاف إليه فنخرج بنتيجة سليمة بالمائة مائة، فالموتى لا يسمعون إلا هؤلاء سمعوا، وآلات الطرب لا تجوز بخاصة الدف إلا في يوم العيد، والناس كلهم لا بد أن يدخلوا النار كما فهمت حفصة من الآية ولكن يختلفون من صالح يمر مرورًا إلى الترنزيت كما يقولون اليوم إلى الجنة، أما الكفار فيلبثون فيها أحقابًا، نعم.
"فتاوى الإمارات" (١/ ٠٠:٤١:١٠)
стр. 4265
[١٧٠٩] باب منه
سؤال: ما معنى تحلة القسم؟
الشيخ: يشير ﵊ إلى قول الله في القرآن: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (مريم: ٧١ - ٧٢).
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ معشر الإنس والجن.
﴿إِلَّا وَارِدُهَا﴾ أي: داخل النار، لا بد ولا مناص من ذلك، لا فرق في ذلك بين بار وشقي، كلهم؛ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.
الورود هنا هو المرور على جسر جهنم الذي يحيط به لهيب نار جهنم، الذين يمرون على الجسر لا بد أن تحيط بهم النار سواء كانوا صالحين أو طالحين، ولكن الصالحين منهم وهنا الشاهد: لا تمسهم النار بسوء.
أي: أن النار في حق الصالحين المارين في جسر جهنم تكون عليهم برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم ...
المرور لكل الثقلين: الإنس والجن، مع فارق هام جداً أن الأبرار لا تمسهم النار إلا مجرد المرور تنفيذاً لهذا القسم الإلهي: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (مريم: ٧١ - ٧٢).
المتقون يمرون على جهنم ولا يتساقطون فيها، بخلاف الكفار وهم الذين يهوون في جهنم وبئس المصير.
" الهدى والنور" (٢٠/ ٣٢: ٠٩: ٠٠)
стр. 4266
[١٧١٠] باب منه
[قال الإمام]:
أما معنى قوله ﵊: «لن تمسه النار إلا تحلة القسم» ففي الحديث إشارة إلى قوله ﵎: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (مريم: ٧١ - ٧٢) الخطاب للإنس والجن: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (مريم:٧١) أي: إن ذلك في الكتاب كان مسطورًا، فلا بد لكل من الجنسين من الإنس والجن، لكل فرد من أفراد هذين الثقلين لا بد من أن يدخلوا النار، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (مريم:٧٢) فلا بد إذًا لكل من البشر أن يدخل النار، ولكن مع فارق كبير، المسلم يدخل النار ولا تمسه النار بعذاب، أما الكافر أو الفاسق فكل بحسب ما كان ارتكب من معاصي، أما الكافر فمخلد في النار، أما من دونه فكما ذكرنا.
وواردها في هذه الآية الكريمة: اختلفوا في التفسير على أقوال ثلاثة:
القول الأول: أن المقصود من الورود هو المرور بجانب النار وليس الدخول؛ لأنهم يقولون في اللغة العربية: أورد الناقة الحوض لا يعني أنه دخل بها الحوض، فإذًا: معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (مريم:٧١) هذا القول الأول، أي: يمر بها مرورًا جانبيًا، لكن من كان من الكفار أو الفساق فهو داخلها رغم أنفه، أما من كان مؤمنًا فهو يمر بجانبها، هذا هو القول الأول.
والقول الثاني: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (مريم:٧١) أي: مار عليها، فهو يرى النار ولكن لا يحس بلهيبها ودخانها.
стр. 4267
والقول الثالث والأخير، وهو الصحيح: أن المقصود بالورود الدخول، ويكفي أن يكون الدخول هو من نفس الصراط، ويكون الصراط كالنفق في الجبل، فيحيط النار بالداخلين، ولكن من كان مثل هذا الذي لم تمسه النار إلا تحلة القسم لا تؤثر فيه النار، وهذا القول كما ذكرت آنفًا هو الراجح، لماذا؟ لأن الإمام مسلمًا قد روى في صحيحه من حديث حفصة فيما أظن أو جابر بن عبد الله أشك الآن، لكن القصة تتعلق يقينًا بحفصة بنت عمر زوجة النبي ﵌ قال: قال ﵊: «لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية، قالت حفصة: كيف ذاك يا رسول الله! والله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (مريم:٧١)؟».
فنلاحظ هنا شيئًا هامًا جدًا: أن الورود المذكور في الآية فهمته السيدة حفصة بمعنى الدخول، ولذلك أشكل عليها قول الرسول ﵌ أنه لا يدخل أحد من أهل بدر والحديبية، فأشكل عليها هذا النفي مع تعميم رب العالمين في الآية الدخول للثقلين كلهم بلا استثناء، فنجد الرسول ﵇ كان موقفه تجاه فهم السيدة حفصة بمعنى الورود من الورود بمعنى: الدخول، أن الرسول أقرها على ذلك، وما قال لها: لا يا حفصة، الورود هنا: إنما هو بمعنى المرور بجانب النار أو من فوق ... لكنه ﵇ أقرها أولًا على فهمها، أن معنى الورود هو بمعنى الدخول المنفي في حديثه ﵇، وهو: «لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية» أقرها على هذا الفهم ولكنه ﵊ لفت نظرها إلى خطئها في وقوفها عند لفظة الورود دون إتمام الآية، فقال لها: «» وماذا بعد ذلك؟ قالت: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (مريم:٧٢)».
إذًا: نخرج من هذا الحديث بأن معنى الورود هو معنى الدخول؛ لأن النبي
стр. 4268
- ﵌ قد أقر السيدة حفصة على فهمها للآية، الورود بمعنى الدخول ولكنه قال تمام الآية: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (مريم:٧٢) أي: إن هذا الدخول بالنسبة للأبرار لا يكون إلا للعبرة ولرؤية الذين كانوا يستهزئون بهم في الحياة الدنيا: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ، عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ، هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المطففين: ٣٤ - ٣٦).
ويحسن أن نذكر هنا حديثًا آخر هو صريح أصرح من حديث جابر كما قلنا أو حفصة، لكن هذا الحديث نذكره أيضًا كما نسمع أحيانًا: نرمي به عصفورين بحجر واحد، نبين أولًا أن معناه كمعنى حديث حفصة، وثانيًا: أنه ضعيف السند فيمكن الاستشهاد وليس الاستدلال به.
الحديث أخرجه الإمام أبو عبد الله الحاكم في المستدرك (١) بإسناد فيه جهالة وضعف، عن جابر بن عبد الله الأنصاري: أنه لقيه رجل في الطريق في المدينة، فسأله عن هذه الآية بعد أن قص عليه أن خلافًا وقع في مجلس من المجالس حول معنى الورود فيها، فكل ذهب إلى معنى من المعاني الثلاثة، فكان جواب جابر أن وضع أصبعيه في أذنيه وقال: صمتاً إن لم أكن سمعت رسول الله ﵌ قال: «لا يبقى بر ولا فاجر إلا ويدخلها ثم تكون بردًا وسلامًا على المؤمنين كما كانت على إبراهيم ﵊».
هذا الحديث يؤكد معنى حديث جابر في صحيح مسلم ونخرج بالدراسة: أن معنى تحلة القسم: أن الدخول لا بد منه؛ لأن الله قال في الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا
стр. 4269
وَارِدُهَا﴾ (مريم:٧١) هذا هو القسم، لكن لا تمسه النار؛ لأن الله قد عصم الأبرار من أن تمسهم النار، أما الدخول فلا بد منه.
"فتاوى جدة -الأثر-" (٢٢/ ٠٠:١٤:٣٩)
[١٧١١] باب منه
حديث جابر عن أم مبشر ﵄: أنها سمعت النبي ﵌ يقول عن حفصة: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها». قالت: بلى يا رسول الله فانتهرها. فقالت حفصة: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فقال النبي ﵌: «قد قال الله : ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾».
[قال الإمام]:
رواه مسلم وغيره وهو مخرج في " الصحيحة " (٢١٦٠) و" تخريج السنة " (٨٦٠ - طبع المكتب الإسلامي).
أقول: ففي استدلال السيدة حفصة ﵂ بآية الورود دليل على أنها فهمت (الورود) بمعنى الدخول وأنه عام لجميع الناس الصالح والطالح منهم، ولذلك أشكل عليها نفي النبي ﵌ دخول النار في حق أصحاب الشجرة، فأزال ﵌ إشكالها بأن ذكرها بتمام الآية: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ ففيه أنه ﵌ أقرها على فهمها المذكور وأنه على ذلك أجابها بما خلاصته أن الدخول المنفي في الحديث هو غير الدخول المثبت في الآية، وأن الأول خاص بالصالحين ومنهم أهل الشجرة، والمراد به نفي العذاب، أي أنهم يدخلونها مروراً إلى الجنة دون أن
стр. 4270
تمسهم بعذاب، والدخول الآخر عام لجميع الناس ثم هم فريقان: منهم من تمسه بعذاب، ومنهم على خلاف ذلك، وهذا ما وضحته الآية نفسها في تمامها وراجع لهذا " مبارق الأزهار " (١/ ٢٥٠) و" مرقاة المفاتيح " (٥/ ٦٢١ - ٦٣٢).
قلت: فاستفدنا من الإقرار المذكور حكماً لولاه لم نهتد إلى وجه الصواب في الآية وهو أن الورود فيها بمعنى الدخول وأنه لجميع الناس، ولكنها بالنسبة للصالحين لا تضرهم بل تكون عليهم برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، وقد روي هذا صراحةً مرفوعاً في حديث آخر لجابر لكن استغربه الحافظ ابن كثير وبينت علته في " الأحاديث الضعيفة " (٤٧٦١)، لكن حديثه هذا عن أم مبشر يدل على صحة معناه، وقد مال إليه العلامة الشوكاني في تفسيره للآية (٣/ ٣٣٣) واستظهره من قبله القرطبي (١١/ ١٣٨ - ١٣٩) وهو المعتمد.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٥٢ - ٥٣).
[١٧١٢] باب منه
[قال النووي في قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾:"الورود هو العبور على الصراط" فعلق الإمام قائلاً]:
ولا ينافي ذلك أن يكون الصراط نفسه محاطًا بالنار، بحيث أن المار عليه تحيط النار به فتمسه بعذاب إلا المتقين، وعيه فالورود هو الدخول، وعليه يدل عديد من النصوص.
"تحقيق رياض الصالحين" (ص٣٧٢).
стр. 4271
[١٧١٣] باب هل هناك أناس الآن قد دخلوا الجنة أو النار ؟
سؤال: يا أستاذ! هل هناك أناس الآن دخلوا الجنة أو أناس دخلوا النار، مثل الآية التي في سورة يس: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ (يس:٢٦) .. ؟
الشيخ: هذا فيما سيكون .. ، أما الآن ما هو إلا الحياة البرزخية فدخول الجنة والنار مؤقت للحساب، ... البعث يوم القيامة ..
مداخلة: حتى الشهداء والأنبياء ..
الشيخ: كلهم، لكن أرواحهم لها نعيم خاص كما قال ﵇: «أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تعلق من ثمر الجنة» وكذلك: «أرواح المؤمنين في بطون طير خضر تعلق من ثمر الجنة» فهذا نعيم روحي، أما النعيم البدني والروحي معاً وكذلك الجحيم فذلك لا يكون إلا بعد البعث والنشور.
مداخلة: طيب يا أستاذ! نحن الذي نفهمه على قدر عقولنا، أن الشخص عندما يكون حي يكون جسده وروحه مرتبطان ببعض ... ، الله عندما يقول: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ (آل عمران:١٦٩) أقصد أنا: بل أحياء تكون الحياة مربوطة الجسد في الروح.
الشيخ: هذا شيء معروف لا يحتاج إلى سؤال، شرحه لك الرسول وأعطاك الجواب وأنا قدمته سلفاً .. أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر، ما معنى هذا؟ معناه أنه يتنعم في بدنه؟! يتنعم في بدن مستعار, وهو الطير الأخضر، فحياة الشهداء حياة تتناسب مع مقامه عند الله أولاً وبقاؤهم في البرزخ ثانياً، الحياة تختلف حياة البرزخية غير الحياة الدنيوية، والحياة الأخروية غير الحياتين كلتيهما، الحياة الأخروية غير الحياة البرزخية وغير الحياة الدنيوية أيضاً؛ ولذلك لا يجوز
стр. 4272
أن يستعمل الإنسان القياس .. قياس الغائب على الشاهد، فتقول أنت: نحن لا نعرف الحياة إلا هكذا! طيب! هذه الحياة التي تعرفها لا تقيس عليها الحياة التي لا تعرفها، وبخاصة وقد جاءت بعض النصوص توضح لك تماماً أن حياة الشهداء التي ربنا أثبتها في نص القرآن: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران:١٦٩) ما هو رزقهم؟ ليس طبق ونفق مثل الذي عندنا، رزقهم يأكلون بطريق أكل هذا الطير الأخضر، هذا هو الرزق، الحديث يبين القرآن.
مداخلة: عندما رأى الرسول ﵊ الجنة والنار ووجد الذين يتعذبون فيها والذين يتنعمون فكيف هذا؟
الشيخ: نعم، كشف له عما سيكون عليه أوضاع أهل الجنة وأهل النار، هذا الكشف الحقيقي الذي سرقه الصوفية ونسبوه إلى أنفسهم، هذا للأنبياء والرسل وفقط.
"الهدى والنور" (٢٨/ ١٨: ٥٥: ٠٠)
[١٧١٤] باب الكافر في النار مكان المسلم فيها وفكاكاً له منها
[قال الإمام]:
وأما كون الكافر في النار مكان المسلم فيها. وفكاكاً له منها؛ فقد جاء بيانه في قوله ﵌: «ما منكم من أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار؛ ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُون﴾» وهو مخرج في "الصحيحة" (٢٢٧٩).
ونحوه في "صحيح البخاري" (٦٥٦٩)، وهو من حديث أبي هريرة. وبه
стр. 4273
احتج البيهقي على ما ذكرنا من المعنى، فقال عقبه:"ويشبه أن يكون هذا الحديث تفسيراً لحديث الفداء، فالكافر إذا أورث على المؤمن مقعده من الجنة، والمؤمن إذا أورث على الكافر مقعده من النار؛ يصير في التقدير كأنه فدى المؤمن بالكافر. والله أعلم".ونحوه في "شرح مسلم" للنووي؛ فراجعه إن شئت.
"الضعيفة" (١١/ ٢/٦٦٩).
[١٧١٥] باب ذكر السور الذي في قوله تعالى:
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ﴾
[روي عن النبي ﵌]:
- «إن السُّوْرَ الذي ذَكَرَهُ الله في القرآنِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾؛ هو السور الشرقي: (يعني: مسجدَ بيتِ المقدس)؛ باطنُه المسجد، وظاهره وادي جهنم».
(موقوف باطل).
[ثم أورد الإمام أحاديث بمعناه ثم قال]:
وبالجملة؛ فهذه الأحاديث - مع ضعف أسانيدها - منكرة من حيث متونها؛ لمخالفتها لما قبل الآية المذكورة وما بعدها؛ قال تعالى في أول سورة الحديد: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾.
стр. 4274
فهذا السياق صريح بأن ضرب السور إنما هو يوم القيامة. وأن (السور) حائط بين الجنة والنار؛ كما رواه ابن جرير عن قتادة وغيره.
وهو الصحيح؛ كما قال ابن كثير. وما أحسن ما قاله الشوكاني في هذه الآثار:
«ولا يخفاك أن تفسير السُّوْر المكور في القرآن في هذه الآية بهذا السور الكائن ببيت المقدس فيهمن الإشكال ما لا يدفعه مقال، ولا سيما بعد زيادة قوله: " باطنه فيه الرحمة ": المسجد؛ فإن هذا غير ما سيقت له الآية، وغير ما دلت عليه، وأين يقع بيت المقدس أو سوره بالنسبة إلى السور الحاجز بين فريقي المؤمنين والمنافقين، وأي معنى لذكر مسجد بيت المقدس ههنا، فإن كان المراد أن الله سبحانه ينزع سور بيت المقدس ويجعله في الدار الآخرة سوراً مضروباً بين المؤمنين والمنافقين؛ فما معنى تفسير باطن السور وما فيه من الرحمة بالمسجد؟! وإن كان المراد أن الله يسوق فريقي المؤمنين والمنافقين إلى بيت المقدس، فيجعل المؤمنين داخل السور في المسجد، ويجعل المنافقين خارجه؛ فهم إذ ذاك على الصراط وفي طريق الجنة وليسوا ببيت المقدس. فإن كان مثل هذا التفسير ثابتاً عن رسول الله ﵌ قبلنا وآمنا به، وإلا فلا كرامة ولا قبول ".
"الضعيفة" (١٢/ ١/٣٧٧، ٣٧٩ - ٣٨٠).
[١٧١٦] باب هل الشمس والقمر يعذبان في النار ؟
[قال رسول الله ﵌]:
«الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة».
[قال الإمام]:
أخرجه الإمام الطحاوي في " مشكل الآثار " (١/ ٦٦ - ٦٧) حدثنا محمد
стр. 4275
بن خزيمة: حدثنا معلى بن أسد العمي حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد الله الداناج قال: " شهدت أبا سلمة بن عبد الرحمن جلس في مسجد في زمن خالد بن عبد الله بن خالد ابن أسيد، قال: فجاء الحسن فجلس إليه فتحدثنا، فقال أبو سلمة: حدثنا أبو هريرة عن النبي ﵌ قال. (فذكره).
فقال الحسن: ما ذنبهما؟! فقال: إنما أحدثك عن رسول الله ﵌ فسكت الحسن.
وليس المراد من الحديث ما تبادر إلى ذهن الحسن البصري أن الشمس والقمر في النار يعذبان فيها عقوبة لهما، كلا فإن الله لا يعذب من أطاعه من خلقه ومن ذلك الشمس والقمر كما يشير إليه قول الله ﵎ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّمَاوَاتِ وَمَن في الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾.
فأخبر تعالى أن عذابه إنما يحق على غير من كان يسجد له تعالى في الدنيا، كما قال الطحاوي، وعليه فإلقاؤهما في النار يحتمل أمرين: الأول: أنهما من وقود النار.
قال الإسماعيلي: " لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما، فإن لله في النار ملائكة وحجارة وغيرها لتكون لأهل النار عذاباً وآلة من آلات العذاب، وما شاء الله من ذلك فلا تكون هي معذبة ".
والثاني: أنهما يلقيان فيها تبكيتا لعبادهما.
قال الخطابي: