[١٧١٣] باب هل هناك أناس الآن قد دخلوا الجنة أو النار ؟
سؤال: يا أستاذ! هل هناك أناس الآن دخلوا الجنة أو أناس دخلوا النار، مثل الآية التي في سورة يس: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ (يس:٢٦) .. ؟
الشيخ: هذا فيما سيكون .. ، أما الآن ما هو إلا الحياة البرزخية فدخول الجنة والنار مؤقت للحساب، ... البعث يوم القيامة ..
مداخلة: حتى الشهداء والأنبياء ..
الشيخ: كلهم، لكن أرواحهم لها نعيم خاص كما قال ﵇: «أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تعلق من ثمر الجنة» وكذلك: «أرواح المؤمنين في بطون طير خضر تعلق من ثمر الجنة» فهذا نعيم روحي، أما النعيم البدني والروحي معاً وكذلك الجحيم فذلك لا يكون إلا بعد البعث والنشور.
مداخلة: طيب يا أستاذ! نحن الذي نفهمه على قدر عقولنا، أن الشخص عندما يكون حي يكون جسده وروحه مرتبطان ببعض ... ، الله عندما يقول: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ (آل عمران:١٦٩) أقصد أنا: بل أحياء تكون الحياة مربوطة الجسد في الروح.
الشيخ: هذا شيء معروف لا يحتاج إلى سؤال، شرحه لك الرسول وأعطاك الجواب وأنا قدمته سلفاً .. أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر، ما معنى هذا؟ معناه أنه يتنعم في بدنه؟! يتنعم في بدن مستعار, وهو الطير الأخضر، فحياة الشهداء حياة تتناسب مع مقامه عند الله أولاً وبقاؤهم في البرزخ ثانياً، الحياة تختلف حياة البرزخية غير الحياة الدنيوية، والحياة الأخروية غير الحياتين كلتيهما، الحياة الأخروية غير الحياة البرزخية وغير الحياة الدنيوية أيضاً؛ ولذلك لا يجوز
стр. 4272
أن يستعمل الإنسان القياس .. قياس الغائب على الشاهد، فتقول أنت: نحن لا نعرف الحياة إلا هكذا! طيب! هذه الحياة التي تعرفها لا تقيس عليها الحياة التي لا تعرفها، وبخاصة وقد جاءت بعض النصوص توضح لك تماماً أن حياة الشهداء التي ربنا أثبتها في نص القرآن: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران:١٦٩) ما هو رزقهم؟ ليس طبق ونفق مثل الذي عندنا، رزقهم يأكلون بطريق أكل هذا الطير الأخضر، هذا هو الرزق، الحديث يبين القرآن.
مداخلة: عندما رأى الرسول ﵊ الجنة والنار ووجد الذين يتعذبون فيها والذين يتنعمون فكيف هذا؟
الشيخ: نعم، كشف له عما سيكون عليه أوضاع أهل الجنة وأهل النار، هذا الكشف الحقيقي الذي سرقه الصوفية ونسبوه إلى أنفسهم، هذا للأنبياء والرسل وفقط.
"الهدى والنور" (٢٨/ ١٨: ٥٥: ٠٠)
[١٧١٤] باب الكافر في النار مكان المسلم فيها وفكاكاً له منها
[قال الإمام]:
وأما كون الكافر في النار مكان المسلم فيها. وفكاكاً له منها؛ فقد جاء بيانه في قوله ﵌: «ما منكم من أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار؛ ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُون﴾» وهو مخرج في "الصحيحة" (٢٢٧٩).
ونحوه في "صحيح البخاري" (٦٥٦٩)، وهو من حديث أبي هريرة. وبه
стр. 4273
احتج البيهقي على ما ذكرنا من المعنى، فقال عقبه:"ويشبه أن يكون هذا الحديث تفسيراً لحديث الفداء، فالكافر إذا أورث على المؤمن مقعده من الجنة، والمؤمن إذا أورث على الكافر مقعده من النار؛ يصير في التقدير كأنه فدى المؤمن بالكافر. والله أعلم".ونحوه في "شرح مسلم" للنووي؛ فراجعه إن شئت.
"الضعيفة" (١١/ ٢/٦٦٩).
[١٧١٥] باب ذكر السور الذي في قوله تعالى:
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ﴾
[روي عن النبي ﵌]:
- «إن السُّوْرَ الذي ذَكَرَهُ الله في القرآنِ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾؛ هو السور الشرقي: (يعني: مسجدَ بيتِ المقدس)؛ باطنُه المسجد، وظاهره وادي جهنم».
(موقوف باطل).
[ثم أورد الإمام أحاديث بمعناه ثم قال]:
وبالجملة؛ فهذه الأحاديث - مع ضعف أسانيدها - منكرة من حيث متونها؛ لمخالفتها لما قبل الآية المذكورة وما بعدها؛ قال تعالى في أول سورة الحديد: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾.
стр. 4274
فهذا السياق صريح بأن ضرب السور إنما هو يوم القيامة. وأن (السور) حائط بين الجنة والنار؛ كما رواه ابن جرير عن قتادة وغيره.
وهو الصحيح؛ كما قال ابن كثير. وما أحسن ما قاله الشوكاني في هذه الآثار:
«ولا يخفاك أن تفسير السُّوْر المكور في القرآن في هذه الآية بهذا السور الكائن ببيت المقدس فيهمن الإشكال ما لا يدفعه مقال، ولا سيما بعد زيادة قوله: " باطنه فيه الرحمة ": المسجد؛ فإن هذا غير ما سيقت له الآية، وغير ما دلت عليه، وأين يقع بيت المقدس أو سوره بالنسبة إلى السور الحاجز بين فريقي المؤمنين والمنافقين، وأي معنى لذكر مسجد بيت المقدس ههنا، فإن كان المراد أن الله سبحانه ينزع سور بيت المقدس ويجعله في الدار الآخرة سوراً مضروباً بين المؤمنين والمنافقين؛ فما معنى تفسير باطن السور وما فيه من الرحمة بالمسجد؟! وإن كان المراد أن الله يسوق فريقي المؤمنين والمنافقين إلى بيت المقدس، فيجعل المؤمنين داخل السور في المسجد، ويجعل المنافقين خارجه؛ فهم إذ ذاك على الصراط وفي طريق الجنة وليسوا ببيت المقدس. فإن كان مثل هذا التفسير ثابتاً عن رسول الله ﵌ قبلنا وآمنا به، وإلا فلا كرامة ولا قبول ".
"الضعيفة" (١٢/ ١/٣٧٧، ٣٧٩ - ٣٨٠).
[١٧١٦] باب هل الشمس والقمر يعذبان في النار ؟
[قال رسول الله ﵌]:
«الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة».
[قال الإمام]:
أخرجه الإمام الطحاوي في " مشكل الآثار " (١/ ٦٦ - ٦٧) حدثنا محمد
стр. 4275
بن خزيمة: حدثنا معلى بن أسد العمي حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد الله الداناج قال: " شهدت أبا سلمة بن عبد الرحمن جلس في مسجد في زمن خالد بن عبد الله بن خالد ابن أسيد، قال: فجاء الحسن فجلس إليه فتحدثنا، فقال أبو سلمة: حدثنا أبو هريرة عن النبي ﵌ قال. (فذكره).
فقال الحسن: ما ذنبهما؟! فقال: إنما أحدثك عن رسول الله ﵌ فسكت الحسن.
وليس المراد من الحديث ما تبادر إلى ذهن الحسن البصري أن الشمس والقمر في النار يعذبان فيها عقوبة لهما، كلا فإن الله لا يعذب من أطاعه من خلقه ومن ذلك الشمس والقمر كما يشير إليه قول الله ﵎ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّمَاوَاتِ وَمَن في الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾.
فأخبر تعالى أن عذابه إنما يحق على غير من كان يسجد له تعالى في الدنيا، كما قال الطحاوي، وعليه فإلقاؤهما في النار يحتمل أمرين: الأول: أنهما من وقود النار.
قال الإسماعيلي: " لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما، فإن لله في النار ملائكة وحجارة وغيرها لتكون لأهل النار عذاباً وآلة من آلات العذاب، وما شاء الله من ذلك فلا تكون هي معذبة ".
والثاني: أنهما يلقيان فيها تبكيتا لعبادهما.
قال الخطابي:
стр. 4276
" ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك، ولكنه تبكيت لمن كان يعبدهما في الدنيا ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلاً ".
قلت: وهذا هو الأقرب إلى لفظ الحديث ويؤيده أن في حديث أنس عند أبي يعلى - كما في " الفتح " (٦/ ٢١٤):
" ليراهما من عبدهما ". ولم أرها في " مسنده " والله تعالى أعلم.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٤٢ - ٢٤٥).
[١٧١٧] باب منه
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: " الشمس والقمر مكوران يوم القيامة ". (رواه البخاري).
[قال الإمام]:
أي في النار، كما في بعض الروايات الصحيحة، لا تعذيبًا لهما، بل توبيخًا لمن كان يعبدهما من دون الله تعالى.
"تحقيق مشكاة المصابيح" (٣/ ١٥٣١).
[١٧١٨] باب هل ينشئ الله أقواما للنار ليملأها
[قال رسول الله ﵌]:
«يدخل أهل الجنة الجنة، فيبقى منها ما شاء الله ، فينشئ الله تعالى لها ـ يعني خلقاً ـ حتى يملأها».
[قال الإمام]:
стр. 4277
وقع في رواية للبخاري (٧٤٤٩) من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: " .. وينشئ للنار ... "، مكان " .. الجنة ". وهي بلا شك رواية شاذة لمخالفتها للطريق الأولى عن أبي هريرة ولحديث أنس، وقد أشار إلى ذلك الحافظ أبو الحسن القابسي (علي بن محمد بن خلف القيرواني ت ٤٠٣)، وقال جماعة من الأئمة: إنه من المقلوب، وجزم ابن القيم بأنه غلط، واحتج بأن الله أخبر بأن جهنم تمتلئ من إبليس وأتباعه، وأنكرها الإمام البلقيني، واحتج بقوله تعالى: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾.
ذكره الحافظ في " الفتح " (١٣/ ٤٣٧).
"الصحيحة" (٦/ ١/٩٢ - ٩٣).
[١٧١٩] باب من أهوال أهل النار
[قال رسول الله ﵌]:
«إن أهل النار ليبكون حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت، وإنهم ليبكون الدم، يعني مكان الدمع».
[وقال ﵌]:
- «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل يحذى له نعلان من نار يغلي منهما دماغه يوم القيامة».
[ترجم لهما الإمام بما ترجمنا به].
"الصحيحة" (٤/ ٢٤٥،٢٤٦).
стр. 4278
[١٧٢٠] باب هل الكذب المتعمد على النبي ﵌ يوجب الخلود في النار ؟
سؤال: هل الكذب عمداً على النبي ﵌ يستوجب الخلود في النار؟
المسألة أن هذا كذب متعمداً كعبد الكريم بن أبي العوجاء، لأجل أن يحرم الحلال، ويحلل الحرام، كما صرح هو بنفسه. هذا يعتبر خرج من الملة لو قصد هذا؟
الشيخ: .. إذا قصد ماذا؟
مداخلة: إذا قصد أن يُدخل في الشريعة عمداً لأجل تزييفها ونحوها، هذا كافر؟
الشيخ: كافر.
مداخلة: وعامة الوضاعين الذين كانوا يضعون الحديث؟
الشيخ: ليسوا سواء، هناك ... يعني من يضع مثلاً حديث: «شكوت إلى جبريل ضعفي من [الجماع]، فأمرني بأكل الهريسة» (١). هذا لا يقصد الدس في الشريعة أو تغييرها، هذا من أجل ترويج البضاعة، كالذي روى أيضاً حديث: «من أكل اليخنة دخل الجنة» ..
هذا يروونه بعضهم عن إمام قرية جاءه أحد فلاحي القرية، فوجد اليخنة عنده متكدسة عنده ويخشى أن تفسد، قال له: ما عليك، أنت أحضرها غداً أو اليوم إذا كان يوم جمعة، وضعها أمام المسجد والباقي علي، ففعل الرجل، صعد المنبر: يا
стр. 4279
عباد الله! اتقوا الله .. إلى آخره، تسلسل، قال رسول الله ﵌: «من أكل اليخنة دخل الجنة»، الناس ما يكادون يصدقون، يخرجون من مسجد اليخنة مكومة أمام باب المسجد، يشترون اليخنة من شان يدخلون الجنة، وفي لحظات انصرفوا من المسجد، نظف المكان من اليخنة، لأن الشيخ: [فال] على المنبر: «من أكل اليخنة دخل الجنة».
فهذا بلا شك ريب وافتراء، ويستحق النار، فليتبوأ مقعده من النار، لكن هذا يختلف عن ذلك الذي قصد إفساد الدين والشريعة، هذا متبع هواه.
سؤال: أذكر أن الجويني [ذكره] العلماء فيمن تفرد بأنه حكم على الكاذب على رسول الله بالكفر؟
مداخلة: أبو محمد.
مداخلة: أبو محمد الجويني، يذكرون أنه قال عنه أنه كافر.
الشيخ: نعم، هذا المنصوص عليه في المصطلح، لكن أنا في اعتقادي لا بد من التفصيل، لا بد من دراسة الدافع له على الكذب.
" الهدى والنور" (٣١/ ٤٥: ٣٤: ٠٠)
[١٧٢١] باب كيف الجمع بين قول النبي ﵌: «لا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْسَانٌ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيْمَانٍ» وبين ما هو معلوم من دخول العصاة النار - إذا شاء الله - لتطهيرهم
[قال ابن أبي شيبة في كتاب "الإيمان"]: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ يَقُولُ: لا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْسَانٌ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ مِنْ خَرْدَلٍ
стр. 4280
مِنْ إِيْمَانٍ.
(السند إلى إبراهيم صحيح).
[قال الإمام:]
يعني النّار الأبدية الّتي لا تفنى.
"تحقيق الإيمان لأبن أبي شيبة" (ص ٨٤) وانظر (ص٨٧) منه.
[١٧٢٢] باب تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾
[قال ابن أبي عاصم في "السنة"]:
حدثنا أبو عبد الله العنبري ثنا مؤمل عن أبي هلال عن قتادة عن أنس في قوله ﴿إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ قال: من تخلده النار فقد أخزيته.
[فعلق الإمام قائلاً]:
إسناده ضعيف من أجل أبي هلال واسمه محمد بن سليم الراسبي وهو صدوق فيه لين، ونحوه المؤمل وهو ابن إسماعيل، قال الحافظ: "صدوق سيء الحفظ" وسائر رجاله ثقات، وأبو عبد الله العنبري اسمه: سوار بن عبد الله بن سوار.
والحديث أخرجه ابن جرير من طريقين آخرين (٤/ ١٤) من طريقين عن المؤمل به.
وأشار إلى تضعيف الحديث بتصويبه أن معنى الآية أن من دخل النار فقد
стр. 4281
أخزي بدخوله إياها، وإن أخرج منها ... ، وروى نحوه عن جابر، وكل من تأمل في سياق الآية المذكورة وما قبلها وما بعدها لم يتردد في صحة ما استصوبه ابن جرير رحمه الله تعالى؛ وذلك أنها وقعت في جملة دعاء المؤمنين الذين يذكرون الله ويدعون قائلين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
فهل يخطر في بال أحد أنهم دعوا أن لا يخزيهم بالنار الأبدية فقط؟!
"ظلال الجنة في تخريج السنة" (ص ٣٧١ - ٣٧٢).
[١٧٢٣] باب معنى قوله ﵌: «أمتي أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة»
[قال رسول الله ﵌]:
«أمتي أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل».
[قال الإمام]:
اعلم أن المقصود بـ"الأمة" هنا غالبها؛ للقطع بأنه لابد من دخول بعضهم النار للتطهير.
"الصحيحة" (٢/ ٦٤٨ - ٦٤٩).
стр. 4282
جماع أبواب تحقيق مسألة القول بفناء النار
стр. 4283
[١٧٢٤] باب الرد على القول بفناء النار وتحقيق قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم في ذلك
[قال الإمام في مقدمة تحقيقه على كتاب " رفع الأستار لإبطال أدلة القالين بفناء النار" للصنعاني]:
وقعت عيني على رسالة الإمام الصنعاني تحت اسم " رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار"،. في مجموع رقم الرسالة فيه (٢٦١٩) فطلبته فإذا فيه عدة رسائل هذه الثالثة منها، فدرستها دراسة دقيقة واعية؛ لأن مؤلفها الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى رد فيها على شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ميلهما إلى القول بفناء النار بأسلوب علمي رصين دقيق " من غير عصبية مذهبية، ولا متابعة أشعرية ولا معتزلية " كما قال هو نفسه رحمه الله تعالى في آخرها.
وقد كنت تعرضت لرد قولهما هذا منذ أكثر من عشرين سنة بإيجاز في " سلسلة الأحاديث الضعيفة " في المجلد الثاني منه (ص ٧١ - ٧٥) بمناسبة تخريجي فيه بعض الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة التي احتجا ببعضها على ما ذهبا إليه من القول بفناء النار، وبينت هناك وهاءها وضعفه وأن لابن القيم قولاً آخر وهو أن النار لا تفنى أبداً، وأن لابن تيمية قاعدة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار، وكنت توهمت يومئذ أنه يلتقي فيها مع ابن القيم في قوله الآخر، فإذا بالمؤلف الصنعاني يبين بما نقله عن ابن القيم أن الرد المشار إليه إنما يعني الرد على من قال بفناء الجنة فقط من الجهمية دون من قال بفناء النار، وأنه هو نفسه - أعني ابن تيمية - يقول بفنائها وليس هذا فقط، بل وأن أهلها يدخلون بعد ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار، وذلك واضح كل الوضوح في الفصول الثلاثة
стр. 4284
التي عقدها ابن القيم لهذه المسألة الخطيرة في كتابه " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح " (٢/ ١٦٧ - ٢٢٨)، وقد حشد فيها " من خيل الأدلة ورجلها، وكثيرها وقلها، ودقها وجلها، وأجرى فيها قلمه، ونشر فيها علمه، وأتى بكل ما قدر عليه من قال وقيل، واستنفر كل قبيل وجيل " كما قال المؤلف ﵀، ولكنه أضفى بهذا الوصف على ابن تيمية، وابن القيم أولى به وأحرى لأننا من طريقه عرفنا رأي ابن تيمية في هذه المسألة، وبعض أقواله فيها، وأما حشد الأدلة المزعومة وتكثيرها فهي من ابن القيم وصياغته وإن كان ذلك لا ينفي أنه تلقَّى ذلك كله أو جله من شيخه في بعض مجالسه، فما عزاه إليه صراحة فهو الأصل في ذلك، وما لم يعزه فلا، ولذلك جريت فيما يأتي على التنبيه على ما لم يعزه إليه صراحةً؛ لأن من بركة العلم أن يعزى كل قول لقائله، وليس العكس كما هو معروف عند العلماء.
وإن مما يؤيد هذا؛ أن ابن القيم ﵀ تعرض لهذا البحث مطولاً أيضاً في كتابه " الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة " بنحو ما في " الحادي " كما تراه في " مختصر الصواعق " للشيخ محمد بن الموصلي (ص ٢١٨ - ٢٣٩) فلم يذكر فيه ابن تيمية مطلقاً، وكذلك رأيته فعل في " شفاء العليل " (ص ٢٥٢ - ٢٦٤) إلا أنه قال في آخرها:
"وكنت سألت عنها شيخ الإسلام قدس الله روحه فقال لي: هذه المسألة عظيمة كبيرة، ولم يجب فيها بشيء، ومضى على ذلك زمن حتى رأيت في تفسير عبد بن حميد الكشي بعض تلك الآثار (يعني أثر عمر الآتي في أول الكتاب) فأرسلت إليه الكتاب وهو في مجلسه الأخير وعلمت على ذلك الموضع، وقلت للرسول: قل له هذا الموضع يشكل عليه ولا يدرى ما هو؟ فكتب فيها مصنفه
стр. 4285
المشهور رحمة الله عليه فهذا مما يدل على أنه من الممكن أن يكون تلقاه كله عنه، ولكن لا نقول به إلا في حدود ما نص هو عليه أنه من كلام ابن تيمية نفسه رحمهما الله تعالى في " الحادي " أو في غيره إن وجد.
وقد وقفت في مخطوطات المكتب الإسلامي على ثلاث صفحات في ورقتين بخط لعله من خطوط القرن الحادي عشر، نقلها كاتبها الذي لم يكشف عن هويته من رسالة ابن تيمية ﵀ في الرد على من قال بفناء الجنة والنار.
وهذه الورقات الثلاث جمعها أخي المحقق زهير الشاويش من دشت مخطوطات عنده. وانظر صورها في الصفحات (٥٣ - ٥٥) وهذا نصها:
"قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى - في رسالة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار ما نصه:
" وأما القول بفناء النار ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف والنزاع في ذلك معروف عن التابعين ومن بعدهم، وهذا أحد المأخذين في دوام عذاب من يدخلها.
فإن الذين يقولون: أن عذابهم له حد ينتهي إليه ليس بدائم كدوام نعيم الجنة قد يقولون: إنها قد تفنى وقد يقولون: إنهم يخرجون منها فلا يبقى فيها أحد.
لكن قد يقال: إنهم لم يريدوا بذلك أنهم يخرجون مع بقاء العذاب فيها على غير أحد. وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وغيرهم ﵃.
وروى عبد بن حميد - وهو من أجل علماء الحديث - في تفسيره المشهور قال: " أخبرنا سليمان بن حرب أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن
стр. 4286
البصري قال: قال عمر: "لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج (١) لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه".
وقال: أخبرنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن: أن عمر بن الخطاب قال: "لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه ". ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: [لابثين فيها] (٢)
وهذا يبين أن مثل هذا الشيخ الكبير من علماء الحديث والسنة يروي عن مثل هؤلاء الأئمة في الحديث والسنة مثل سليمان بن حرب الذي هو من أجل علماء السنة والحديث، ومثل حجاج بن منهال كلاهما عن حماد بن سلمة - مع جلالته في العلم والسنة والدين -، يروي من وجهين من طريق ثابت ومن طريق حميد هذا عن الحسن البصري - الذي يقال: أنه أعلم من بقي من التابعين في زمانه - يروى عن عمر بن الخطاب، وإنما سمعه الحسن من بعض التابعين، سواء كان هذا قد حفظ هذا عن عمر أو لم يحفظه كان مثل هذا الحديث متداولاً بين هؤلاء العلماء الأئمة لا ينكرونه، وهؤلاء كانوا ينكرون على من خرج عن السنة من الخوارج والمعتزلة والمرجئة والجهمية، وكان أحمد بن حنبل يقول: أحاديث حماد بن سلمة هي الشجا في حلوق المبتدعة.
فهؤلاء من أعظم أعلام أهل السنة الذي ينكرون من البدع ما هو دون هذا لو كان هذا القول عندهم من البدع المخالفة للكتاب والسنة والإجماع كما يظنه طائفة من الناس، وعبد بن حميد ذكر هذا في تفسير قوله تعالى: [لابثين فيها أحقابا] ليبين قول من قال: إن الأحقاب لها أمد تنفد ليست كالرزق الذي ما له من
стр. 4287
نفاد، ولا ريب أن من قال هذا القول: عمر ومن نقله عنه إنما أراد بذاك جنس أهل النار الذين هم أهلها.
فأما قوم أصيبوا بذنوب فأولئك قد علم هؤلاء وغيرهم بخروجهم منها، وأنهم لا يلبثون فيها قدر عدد رمل عالج ولا قريبا من ذلك، والحسن كان يروي حديث الشفاعة في أهل التوحيد وقد ذكره البخاري ومسلم عنه وكذلك حماد بن سلمة كان يجمعها ويحدث الناس بها وكذلك سليمان بن حرب وأمثاله فهذا عندهم لا يقال فيه مثل هذا ولفظ أهل النار لا يختص بالموحدين بل يختص بمن عداهم كما قال النبي ﵌:
«أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون» (١) وقوله: "يخرجون فيه" أي يخرجون من جهنم بعد أن يفنى عذابها، وينفد وينقطع، فهم لا يخرجون منها بل هم خالدون في جهنم كما أخبر الله، لكن انقضى أجلها وفنيت كما تفنى الدنيا فلم يبق فيها عذاب، وذلك أن العالم لا يعدم، وجهنم في الأرض، والأرض لا تعدم بالكلية لكن فناؤها بتغير حالها واستحالتها من حال إلى حال قال تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ (٢) وهم لا يعدمون بل يموتون ويهلكون وكما قال تعالى ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾ (٣) فإذا أنفذه الرجل فقد نفد ما عنده وإن كان لم يعدم بل انتقل من حال إلى حال". انتهى. وقال فيها أيضاً:
" والفرق بين بقاء الجنة والنار عقلاً وشرعاً أما شرعاً فمن وجوه:
стр. 4288
أحدها: أن الله أخبر ببقاء نعيم الجنة ودوامه وأنه لا نفاد له ولا انقطاع في غير موضع من كتابه، كما أخبر أن أهل الجنة لا يخرجون منها، وأما أهل النار وعذابها فلم يخبر ببقاء ذلك بل أخبر أن أهلها لا يخرجون منها.
الثاني: أنه أخبر بما يدل على أنه ليس بمؤبد في عدة آيات.
الثالث: أن النار لم يذكر فيها شيء مما يدل على الدوام.
والرابع: أن النار قيدها بقولها: ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ (١) وقوله: ﴿خالدين فيها إلا ما شاء الله﴾ (٢) وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ (٣) فهذه ثلاث آيات تقتضي قضية مؤقتة، أو معلقة على شرط وذاك دائم مطلق ليس بمؤقت ولا معلق.
الخامس: قد ثبت أنه يدخل الجنة من ينشئه الله لها ويدخلها من دخل النار أولَّاً، ويدخلها الأولاد بعمل الآباء، فثبت أن الجنة يدخلها من لم يعمل خيراً، وأما النار فلا يعذب أحد إلا بذنوبه فلا يقاس هذه بهذه.
السادس: أن الجنة من مقتضى رحمته ومغفرته والنار من عذابه وقد قال: ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيم، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيم﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ (٦).
стр. 4289
فالنعيم من موجب أسمائه التي هي من لوازم ذاته فيجب دوامه بدوام معاني أسمائه وصفاته.
وأما العذاب فإنما هو من مخلوقاته والمخلوق قد يكون له انتهاء مثل الدنيا وغيرها، لا سيما مخلوق خلق لحكمة يتعلق بغيره.
الوجه السابع: أنه قد أخبر أن رحمته وسعت كل شيء وأنه ﴿كتب على نفسه الرحمة﴾ (١) وقال: «سبقت رحمتي غضبي» و «غلبت رحمتي غضبي» وهذا عموم وإطلاق، فإذا قدر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة البتة.
الثامن: أنه قد ثبت مع رحمته الواسعة أنه حكيم إنما يخلق لحكمة كما ذكر حكمته في غير موضع، فإذا قدر أنه يعذب من يعذب لحكمة كان هذا ممكناً كما يوجد في الدنيا العقوبات الشرعية فيها حكمة، وكذلك ما يقدره من المصائب فيه حكمة عظيمة فيها تطهير من الذنوب، وتزكية للنفوس، وزجر لها في المستقبل للفاعل ولغيره يجنبها غيره، والجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب ولهذا قال في الحديث الصحيح: «إنهم يحبسون بعد خلوصهم من الصراط على قنطرة بين الجنة والنار، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة» (٢). والنفوس الشريرة الظالمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه لا تصلح أن تسكن دار السلام التي تنافي الكذب والظلم والشر، فإذا عُذبوا بالنار عذاباً يخلص نفوسهم من ذلك الشر كان هذا معقولاً في الحكمة، كما يوجد في تعذيب الدنيا وخلق من فيه شر يزول بالتعذيب من تمام الحكمة.
стр. 4290
أما خلق نفوس تعمل الشر في الدنيا والآخرة لا يكون إلا في العذاب، فهذا تناقض يظهر فيه من مناقضة الحكمة والرحمة ما لا يظهر من غيره، ولهذا كان من الجهم (١) لما رأى ذلك ينكر أن يكون الله أرحم الراحمين وقال: بل يفعل ما يشاء. والذين سلكوا طريقته كالأشعري وغيره ليس عندهم في الحقيقة له حكمة ورحمة، لكن له علم وقدرة وإرادة لا ترجح أحد الجانبين، ولهذا لما طلب منهم أن يقروا بكونه حكيماً، فرده بأنه عليم، إذ قد يراد،: يريد وليس من الثلاثة ما يقتضي الحكمة، وإذا ثبت أنه حكيم رحيم وعلم بطلان قول الجهم تعين إثبات ما تقتضيه الحكمة والرحمة.
وما قاله المعتزلة أيضاً باطل، فقول القدرية المجبرة والنفاة في حكمته ورحمته باطل، ومن أعظم ما غلَّطهم اعتقادهم تأبيد جهنم فإن ذلك يستلزم ما قالوه، وفساد اللازم يستلزم فساد الملزوم" انتهى (٢).
وأنت ترى في هذه الصفحات المنقولة عن رسالة ابن تيمية شبهاً كبيراً فيما جاء فيها من الأمور بكلام ابن القيم في " الحادي " الذي نقل المؤلف خلاصات منه ورد عليها، مع فارق من حيث الإيجاز والبسط من جهة، وعدم تعرضه لكثير من المسائل والأحاديث والأدلة من جهة أخرى، وإن كان من الممكن أن يقال: أن من الجائز أن يكون ابن تيمية قد تعرض لذلك أيضاً في " رسالته " ولكن كاتب تلك الصفحات اختصرها كما يدل عليه قوله في أولها عن ابن تيمية: " وأما القول بفناء النار "، وقول الكاتب في آخر ثلث الصفحة الثانية من الثلاث: (انتهى) وكذا قال في آخر الثالثة أيضاً. والله أعلم، ولقد كان أملي كبيراً في أن أجد رسالة ابن
стр. 4291
تيمية هذه محفوظة في " مجموع الفتاوى " التي جمعها الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم في خمس وثلاثين مجلداً ولكني - مع الأسف - لم أجد لها أثرا في شيء منها بعد تقليبي لها كلها، والاستعانة على ذلك بالفهارس التفصيلية الموضوعة لها، وكان أقوى ظني أن يوردها تحت عنوان " التخليد " الموضوع في (الفهرس) (١/ ١٣٩) ولكن دون جدوى أو في " تفسير سورة هود " في آيتي الاستثناء فيها، لكني لم أرها مع أنه أشار إليهما في فهرس السورة (١/ ٢٩١) فلما رجعت إلى المكان الذي أشار إليه (١٥/ ١٠٤) لم أجد فيه سوى إشارة ابن تيمية إلى الآيتين بقوله: " ثم ذكر حال الذين سعدوا والذين شقوا ثم قال. . . " أو في آية (الأنعام ١٢٨) من تفسير هذه السورة، ولكنها مما لا وجود له فيه مطلقا، أو في تفسير (النبأ) آية [لابثين فيها أحقابا] والقول فيه كالقول في الذي قبله، إلا أنه قد أشار في (الفهرس) (١/ ٣٤٥) أنها في موضعين من " المجموع " الأول في (١٦/ ١٩٤ - ١٩٧) والآخر في (١٨/ ٣٠٧) ومع ذلك فليس للآية ذكر فيهما مطلقاً نعم في الموضع الأول (ص ١٩٧) ما يدل ظاهر كلامه أنه يقول بخلود الكفار في النار، ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى في (سورة الأعلى): ﴿ثم لا يموت فيها ولا يحيى﴾. ولكنه لا ينافي قوله بفناء النار؛ لأن له أن يقيده بقوله: ما لم تفن كما فعل بكثير من الآيات الصريحة بالخلود، بل والخلود الأبدي كما سترى ذلك مع رد المؤلف عليه في الرسالة إن شاء الله تعالى.
لكنه في الموضع الآخر قد صرح بخلاف ذلك وأن النار لا تفنى صراحة؛ فقد جاء في الصفحة المشار إليها منه ما نصه:
" وسئل عن حديث أنس بن مالك عن النبي ﵌ أنه قال: " سبعة لا تموت ولا تفنى ولا تذوق الفناء: النار، وسكانها، واللوح، والقلم، والكرسي، والعرش "
стр. 4292
فهل هذا الحديث صحيح أم لا؟
فأجاب: هذا الخبر بهذا اللفظ ليس من كلام النبي ﵌ وإنما هو من كلام بعض العلماء. وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية كالجنة والنار والعرض وغير ذلك ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين. . . ".
قلت: والظن بمن هو دون ابن تيمية علماً وديناً أن لا يخالف سلف الأمة وأئمتها، ولم لا وهو حامل راية الدعوة إلى اتباعهم، والسير على منهجهم، والتحذير من مخالفتهم، والخروج عن سبيلهم، كما لا يخفى ذلك على كل من اطلع على شيء من كتبه، وتغذى بطرف من علمه، لا سيما والنص في معنى ما ذكره محفوظ عن الإمام أحمد إمام السنة فقد ذكر في آخر كتابه " الرد على الزنادقة " (١) وقد حكى عن الجهمية قولهم بفناء الجنة والنار فرده عليهم بشطريه وذكر آيات كثيرة في بقاء الجنة ودوامها، ثم قال في رد قولهم بفناء النار:
" وذكر الله تعالى أهل النار فقال:
﴿لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها﴾ (فاطر:٣٦).
وقال: ﴿أولئك يئسوا من رحمتي﴾ (العنكبوت:٢٣). وقال: ﴿ولا ينالهم الله برحمته﴾ (الأعراف:٤٩) وقال: ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون﴾ (الزخرف:٧٧) وقال: ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من
стр. 4293
محيص﴾ (إبراهيم:٢١) وقال: ﴿خالدين فيها أولئك هم شر البرية﴾ (البينة:٦) وقال: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب﴾ (النساء:٥٦) وقال: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ (السجدة:٣٠) وقال: ﴿إنها عليهم مؤصدة﴾ (الهمزة:٨).
هذا كله مما احتج به الإمام أحمد رحمه الله تعالى على القائلين بفناء النار وعدم دوامه وقد نقل عنه شارح قصيدة الإمام ابن القيم: (الكافية الشافية) (١/ ٩٧) أنه قال: " والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ولم يكتب عليهن الموت فمن قال خلاف ذلك فهو مبتدع " ونحوه قول ابن حزم في " الملل والنحل " (٤/ ٨٣): " اتفقت فرق الأمة كلها على: أنه لا فناء للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لعذابها، إلا جهم بن صفوان. . . " وفي " العقيدة الطحاوية " (ص ٤٢٠ - بشرحها طبع المكتب الإسلامي): " والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان " ثم رأيت ابن حزم قد أورد المسألة أيضا في كتابه " مراتب الإجماع" فقال (ص ١٧٣): ". . . وأن النار حق وأنها دار عذاب أبداً، لا تفنى ولا يفني أهلها أبدا بلا نهاية" وأقره شيخ الإسلام أحمد بن تيمية خلافا لغيرها من المسائل التي تعقبه فيها ومن العجيب أن هذا القول بعدم فنائها هو مما ذهب إليه ابن القيم ﵀، كما يدل عليه ظاهر كلامه في كتابه " الروح " (ص ٣٤ - طبعة صبيح) بل ذلك ما صرح به في بعضه كتبه:
١ - قال في " الكافية الشافية ": "ثمانية حكم البقاء يعمها من ... الخلق والباقون في حيز العدم"هي: العرش والكرسي ونار وجنة ... وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم (١).
стр. 4294
٢ - وأصرح منه ما كنت نقلته عنه في " سلسلة الأحاديث الضعيفة " في كتابه " الوابل الصيب " (ص ٢٦) قال ما نصه: "وأما النار فإنها دار الخبث في الأقوال والأعمال والمآكل والمشارب، ودار الخبيثين، فالله تعالى يجمع الخبيث بعضه إلى بعض فيركمه كما يركم الشيء لتراكب بعضه على بعضه، ثم يجعله في جهنم مع أهله فليس فيها إلا خبيث، ولما كان الناس على ثلاث طبقات: طيب لا يشوبه خبث، وخبيث لا طيب فيه، وآخرون فيهم خبث وطيب، كانت دورهم ثلاثة:
دار الطيب المحض ودار الخبث المحض وهاتان الداران لا تفنيان ودار لمن معه خبث وطيب، وهي الدار التي تفنى وهي دار العصاة، فإنه لا يبقى في جهنم من عصاة الموحدين أحد، فإنهم إذا عذبوا بقدر جزائهم أخرجوا من النار فأدخلوا الجنة، ولا يبقى إلا دار الطيب المحض ودار الخبث المحض.
٣ - تصريحه في مقدمة كتابه العظيم: " زاد المعاد في هدى خير العباد " بأن المشرك لا تطهره النار، ولو أخرج منها عاد خبيثاً كما كان وقد حرم الله عليه الجنة.
وسيذكر المؤلف ﵀ نص كلامه في ذلك في أول الرسالة (ص ٦٣)
فإن قيل: إن بعض الآيات التي احتج بها الإمام أحمد ﵀ هي على الأقل قطعية الدلالة في ديمومة عذاب الكفار وعدم فناء النار كقوله تعالى: ﴿لا يخفف عنهم من عذابها﴾ وقوله: ﴿إنكم ماكثون﴾ وقوله: ﴿ما لنا من محيص﴾ وغير ذلك من الآيات التي تأولها ابن القيم وأخرجها عن دلالتها على عدم الفناء مما سيأتي ذكره في الرسالة ورد المصنف عليه، وكذلك بعض الأحاديث الصحيحة تدل دلالة قاطعة على ذلك، ولا بأس من أن أذكر الآن بعضها:
الأول: حديث أنس الطويل في شفاعة النبي ﵌ وفيه: «فأخرجهم فأدخلهم الجنة فما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن. أي وجب عليه الخلود». رواه
стр. 4295
الشيخان وغيرهما وهو مخرج في «ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم» (٨٠٤ - ٨١٠).
الثاني: حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌:
«أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس (١) أصابتهم النار بذنوبهم أو قال: بخطاياهم فأماتهم الله تعالى إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة. . .» الحديث أخرجه مسلم (١/ ١١٨) وغيره وهو مخرج في "سلسلة الأحاديث الصحيحة " (١٥٥١). وفي رواية عنه أن رسول الله ﵌ خطب فأتى على هذه الآية: ﴿لا يموت فيها ولا يحيى﴾ فقال النبي ﵌: فذكره نحوه إلا أنه قال: «وأما الذين ليسوا من أهل النار فإن النار تميتهم. . . .». ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية من رواية أبي حاتم كما في " مجموع الفتاوى " (١٦/ ١٩٥).
ووجه دلالة الحديث أنه صرح تبعا للقرآن أن الكافر لا يموت في النار ولا يحيى، فإذا قيل بأن النار تفنى؛ فإما أن يقال: تفنى بمن فيها كما هو المتبادر إن قيل بفنائها، أو تفنى لوحدها دون من فيها، وكلاهما باطل، لأن معنى الآية كما في "تفسير ابن كثير ": "أن الكافر لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه، بل
هي مضرة عليه "، فإن فني الكافر معها فقد مات واستراح، وإن حيي دونها فقد استراح منها أيضاً، وكل هذا باطل بداهة، فإذا انضم إلى ذلك القول بأنه يدخل الجنة فهو أبطل.
стр. 4296
الثالث: حديث ذبح الموت بين الجنة والنار وقد جاء عن جمع من الصحابة كابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم في " الصحيحين " وغيرهما فلنذكر حديثين منها:
أحدهما: عن ابن عمر أن النبي ﵌ قال: «يدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كل خالد فيما هو فيه» أخرجه الشيخان. والآخر: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «يؤتى بالموت يوم القيامة فيوقف على الصراط فيقال: يا أهل الجنة، فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، ثم يقال: يا أهل النار فيطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، فيقال: هل تعرفون هذا؟ قالوا: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر فيذبح على الصراط ثم يقال للفريقين كلاهما: خلود فيما تجدون لا موت فيها أبدا». أخرجه ابن ماجه بإسناد جيد كما قال المنذري وصححه ابن حبان (٢٦١٤) وأحمد (٢/ ٢٦١).
قلت: ففي الحديث دلالة قاطعة على بطلان دعوى فناء النار؛ لأنه جعلها كالجنة من حيث خلود أهلها فيما هم فيه من العذاب إلى الأبد، فكما أن الجنة لا تفنى أبداً فكذلك النار لا تفنى أبداً، وكل ذلك واضح بين إن شاء الله تعالى.
بعد هذا أعود فأقول: إن ما تقدم من الآيات والأحاديث صريحة في الدلالة على بطلان القول بفناء النار، فكيف ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وانتصر له تلميذه ابن قيم الجوزية؟ فأقول: إن أحسن ما أجد في نفسي من الجواب عنهما إنما هو أنه لما توهما أن بعض الصحابة قد ذهبوا إلى ذلك، وهم قدوتنا جميعاً لو صح ذلك عنهم روايةً ودرايةً ولم يصح كما سيأتي بيانه عند المؤلف الصنعاني ﵀، واقترن مع ذلك غلبة الخوف عليهما من الله ﴿ولمن خاف مقام ربه
стр. 4297
جنتان﴾ (١) والشفقة على عباده تعالى من عذابه، وغمرهما الشعور بسعة رحمته وشمولها حتى للكفار منهم، وساعدهما على ذلك ظواهر بعض النصوص ومفاهيمها، فأذهلهما ذلك عن تلك الدلالة القاطعة، وقالا ما لم يقل أحد قبلهما، وما أرى لهما شبهاً في هذا إلا ذلك المؤمن الذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ليضل عن ربه فلا يقدر على تعذيبه زعم كما قال ﵌: «قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم به، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت، أعلم فغفر الله له».
أخرجه الشيخان وغيرهما عن جمع من الصحابة منهم أبو هريرة وهذا لفظه عند مسلم (٨/ ٩٧) وسيأتي عن ابن يتيمة وغيره أنه متواتر في التعليق (٩٧)
فهذا الرجل أنساه خوفه من ربه قدرته تعالى على إعادة خلقه وهي معلومة يقيناً ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم. قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم﴾ (يس:٧٨ ٧٩) فما أشبه ابن تيمية به من حيث أنه غفل عن المعلوم يقيناً أيضاً، وهو أن النار باقية لا تفنى، إلا أن الحامل له على ذلك إنما كان ثقته البالغة في رحمة ربه وعفوه، وأنها وسعت كل شيء دون ما استثناء، ووافق ذلك منه خلقاً كريماً وطبعاً رحيماً جبله الله عليه عرف به بين أصحابه، ولا أدل على ذلك مما كتب به إليهم من سجنه الظالم في مصر: "فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه علي أو ظلمه وعدوانه، فإني قد أحللت كل مسلم وأنا أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسه،
стр. 4298
والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي. . . أسأل الله أن يتوب عليهم وأنتم تعلمون هذا من خلقي. . . ". انظر " مجموع الفتاوى " (٢٨/ ٥٥ - ٥٦).
وساعده على ذلك ظواهر بعض الآيات والأحاديث التي لم يمعن النظر فيها فلم يتبين له خطأ استدلاله بها، حتى استقر ذلك القول في نفسه، وأخذ بمجامع لبه، فصار يدافع عنه ويحتج له بكل دليل يتوهمه ويتكلف في الرد على الأدلة المخالفة له تكلفاً ظاهراً خلاف المعروف عنه، وتبعه في ذلك بل وزاد عليه تلميذه وماشطة كتبه - كما يقو ل البعض - ابن قيم الجوزية.
حتى ليبدو للباحث المتجرد المنصف أنهما قد سقطا فيما ينكرانه على أهل البدع والأهواء من الغلو في التأويل والابتعاد بالنصوص عن دلالتها الصريحة، وحملها على ما يؤيد ويتفق مع أهوائهم، كما سترى ذلك مفصلا في " الرسالة " هذه (ص ١١٦ - ١٢٢)، حتى بلغ الأمر بهما إلى تحكيم العقل فيما لا مجال له فيه كما يفعل المعتزلة تماماً، وقد تعلمنا من ابن تيمية وابن القيم - جزاهما الله خيراً - الرد عليهم في مثله؛ فزعما أن عذاب النار سبب لإزالة آثار الخبث والنجاسة من الكفار فإذا تطهروا منها عادوا إلى فطرتهم الأولى فيزول العذاب ويبقى مقتضى الرحمة. كما سيأتي (ص ١٢٢) نقلاً عن ابن القيم ومضى نحوه من كلام ابن تيمية. فتأمل معي في ذلك تجده كلاماً خطابياًّ خيالياًّ لا حقيقة تحته، فإنه يفترض ذهاب تلك الخبائث وتلاشيها، وزوال العذاب عن الكفار وهم في الدار الآخرة حيث لا تكليف فيها، فإن من المعلوم يقيناً أننا لو تخيلنا كافراً تاب إلى ربه وأناب إليه حينما رأى العذاب بأم عينيه أنه لا يفيده ذلك شيئاً بالإجماع، فكيف ينفعه شيء وهو لم يتب وهو في العذاب محترق؟ تالله إنها لإحدى الكبر أن يخفى مثل هذا على أحد من المسلمين، فكيف بشيخ الإسلام وتلميذه ابن
стр. 4299
القيم الهمام ونحن دائماً نغترف من بحر علومهما ونستضيء بنور أدلتهما في إزالة الشكوك والأوهام، في كثير مما اختلف فيه الناس قديماً وحديثاً، وعلى سبيل المثال المناسب للحال أذكر هنا ملخصاً فتوى لابن تيمية جاءت في " مجموع الفتاوى " (٤/ ٣٢٤): "سئل الشيخ رحمه الله تعالى: هل صح عن النبي ﵌ أن الله تعالى أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك؟ "
فأجاب: "لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث، بل أهل الحديث متفقون على أن ذلك كذب مختلق، وإن كان قد روي بإسناد فيه مجاهيل، وأمثال هذه المواضع فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذباً، كما نص عليه أهل العلم، فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله؛ فإنه من أعظم الأمور خرقا للعادة من وجهين:
١ - من جهة إحياء الموتى:
٢ - ومن جهة الإيمان بعد الموت، ثم هذا خلاف الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع قال الله تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما. وليس التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار﴾ (النساء:١٧ ١٨). فبين الله تعالى أنه لا توبة لمن مات كافراً. وقال تعالى: ﴿فلم يك ينفعهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون﴾ (غافر:٨٥) فأخبر أن سنته في عباده أنه لا ينفع الإيمان بعد رؤية البأس فكيف بعد الموت؟ "
قلت: فمن يفتي بهذا كيف يعقل أن يقول بنقيضه، لولا الذهول الذي نوهت
стр. 4300
عنه، بل إنه زاد على ذلك فقال ابن تيمية فيما تقدم من رسالته (ص ١٣):
"ولو قدر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة البتة "! ويا سبحان الله أين هو من مثل قوله تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ (الأعراف:١٥٦) وقوله ﵌: «إن لله مائة رحمة، سأنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس، والبهائم والهوام، فيها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة». أخرجه الشيخان، وكذا أحمد، والحاكم وصححه، من طرق عن أبي هريرة بلفظ: «فيكملها مائة رحمة لأوليائه يوم القيامة»، وله بعض الشواهد خرجتها معه في " سلسلة الأحاديث الصحيحة " (رقم ١٦٣٤) فالآية الكريمة والحديث الشريف صريحان في أن الرحمة إنما هي للذين يستحقونها من المؤمنين، كلما كان المؤمن لله أتقى كلما كان بها أحظى، وليس الأمر كما يرجو بعض المهابيل من الذين يترنمون بقول شاعرهم البوصيري: لعل رحمة ربي حين يقسمها ... تأتي على حسب العصيان في القسم كيف هذا وربنا يقول: [والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروق وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطعيون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم] (التوبة/٧١) ويقول: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم﴾ (البقرة:٢١٨) ولذلك كان من دعاء الملائكة الذين يحملون العرش: ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ (غافر:٧). فكل من وقاه الله ﵎ عذاب الجحيم فهو منغمس في رحمة الله يومئذ، كما هو صريح قوله : ﴿فأما الذين اسودت وجوههم أكفرت بعد إيمانكم فذقوا العذاب بما كنتن تكفرون. وأما الذين ابيضت
стр. 4301
وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون﴾ (آل عمران:١٠٦ و١٠٧).
فكيف يقول ابن تيمية: «ولو قدر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة البتة "، فكأن الرحمة عنده لا تتحقق إلا بشمولها للكفار المعاندين الطاغين، أليس هذا من أكبر الأدلة على خطأ ابن تيمية وبعده هو ومن تبعه عن الصواب في هذه المسألة الخطيرة؟ فغفرانك اللهم.
ولعل ذلك كان منه إبان طلبه للعلم، وقبل توسعه في دراسة الكتاب والسنة، وتضلعه بمعرفة الأدلة الشرعية في الوقت الذي كان يحسن الظن بابن عربي الصوفي القائل بأن عذاب الكفار في النار لا يستمر، بل ينقلب عليهم إلى عذوبة يتلذذون بها كما في " حادي الأرواح " (٢/ ١٦٨) فلما تبين له حاله رجع عنه كما تحدث بذلك هو نفسه فقال كما في " مجموع الفتاوى " (٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥):
"وإنما كنت قديماً ممن يحسن الظن بابن عربي ويعظمه لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من " الفتوحات " " والدرة الفاخرة " و" مطالع النجوم "ونحو ذلك، ولم نكن بعد اطلعنا على حقيقة مقصودة ولم نطالع " الفصوص" ونحوه. . .».
ومثله جزمه بحياة الخضر ﵊ مع إبطاله لحديث «لو كان الخضر حياًّ لزارني» وقوله: بل المروي في " مسند الشافعي وغيره أنه اجتمع بالنبي ﵌، ومن قال إنه لم يجتمع بالنبي ﵌ فقد قال ما لا علم له " (١). ذكر له ذلك في فتوى له تجد نصفها في (المجموع) (٤/ ٣٣٨ - ٣٤٠) انظر (١٠/ ٤٦).
стр. 4302
فإن المعروف عنه ﵀ أنه يقول بموت الخضر ﵇, كما هو قول كثير من الأئمة كالإمام البخاري، وقد صرح بذلك في كثير من رسائله وفتاويه فقال في " زيارة بيت المقدس " (٢٧/ ١٨):
" وكذلك الذي يرون الخضر أحياناً هو جني لبس على المسلمين الذي رأوه، وإلا فالخضر الذي كان مع موسى ﵇ مات، ولو كان حياًّ على عهده رسول الله ﵌ لوجب عليه أن يأتي إلى النبي ﵌ ويؤمن به ويجاهد معه. . . ولم يذكر أحد من الصحابة أنه رأى الخضر، ولا أنه أتى إلى النبي ﵌، فإن الصحابة كانوا أعلم وأجل قدراً من أن يلبس الشيطان عليهم، ولكن لبس على كثير ممن بعدهم. . . ".
وقال في موضع آخر (٢٧/ ١٠٠): "والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت، وأنه لم يدرك الإسلام، ولو كان موجوداً في زمن النبي ﵌ لوجب أن يؤمن به ويجاهد معه. . . وإذا كان الخضر حياً دائماً فكيف لم يذكر النبي ﵌ ذلك قط، ولا أخبر به أمته ولا خلفاؤه الراشدين؟ "
قلت: حتى ولا ذكر ذلك لأمين سره حذيفة بن اليمان ﵁، فمن ذا الذي يدعي بعد ذلك أنه علمه ما لم يعلم هؤلاء الأجلة العظماء ﵃.
وقد صرح ابن تيمية بموت الخضر في مواطن أخرى كثيرة فانظر مثلاً (١/ ٢٤٩) من " المجموع "، أليس في ذلك دليل واضح على أن فتواه الأولى بحياة الخضر كانت في أول أمره ولا سيما وقد احتج لها بحديث الشافعي وهو موضوع كما هو مبين في " سلسلة الأحاديث الضعيفة " برقم (٥٢٠٤) فيه القاسم بن عبد الله العمري قال أحمد: " كان يكذب ويضع الحديث ".
стр. 4303
ومن ذلك أنه كان يفتي بنجاسة الزيت ونحوه إذا وقعت فيه نجاسة مثل الفأرة الميتة، كما هو مذهب الشافعي وغيره، اعتماداً منه على حديث أبي داود: «إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم، وإن كان مائعا فلا تقربوه».
فلما تبين له أن قوله فيه: «وإن كان مائعا فلا تقربوه» ضعيف رجع عنه إلى القول: بعدم التفريق بين المائع والجامد، وأن العبرة في كل ذلك إنما هو التغير، فقال في فتوى له:
" وهذا هو الذي تبين لنا ولغيرنا ونحن جازمون بأن هذه الزيادة ليست من كلام النبي ﵌، فلذلك رجعنا عن الإفتاء بها بعد أن كنا نفتي بها أولاً، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل " " مجموع الفتاوى" (٢١/ ٥١٥ - ٥١٦) (١).
ونحوه رجوعه عن بعض أحكام المناسك التي كان قلد فيها من قبله من العلماء كما قال في "منسكه " (المجموع ٢٦/ ٩٨).
ولا غرابة في أن يكون لمثله أكثر من قول واحد في بعض المسائل، وأن يخطئ في بعض آخر؛ فإن ذلك من الأمور الطبيعية التي لا يخلو منها أحد من العلماء بعد رسول الله ﵌، فإن من المعلوم أن أحدهم كلما طال به الزمن في طلب العلم، وتقدم به في ذلك العمر، كلما ازداد به معرفةً ونضجاً، وهذا هو السبب في كثرة الأقوال التي تروى في المسألة الواحدة عن بعض الأئمة المتبوعين، وبخاصة منهم الإمامين أحمد وأبا حنيفة، وتميز الإمام الشافعي من
стр. 4304
بينهم بمذهبه القديم والجديد، وهذا أبو الحسن الأشعري - إمام الأشاعرة في العقيدة - نشأ في الاعتزال أربعين عاماً يناظر عليه، ثم رجع عن ذلك وصرح بتضليل المعتزلة، وبالغ في الرد عليهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " المجموع " (٤/ ٧٢).
وقد صرح بهذه الحقيقة الإمام أبو حنيفة ﵀ حين نهى أبا يوسف عن تقليده فقال له: "ويحك يا يعقوب، لا تكتب كل ما تسمع مني، فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غداً، وأرى الرأي غداً وأتركه بعد غد".
ولذلك تتابعت أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم في النهي عن تقليدهم، وجرى في ذلك على سننهم كل من جاء بعدهم من العلماء المحققين من أمثال ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، وجريت أنا على هذا الذي خططوه لنا في كل ما تبين من العلم كما تراه موضحاً في مقدمة "صفة صلاة النبي ﵌ ".
وهذا هو السبب الذي يحملني على أن لا أحابي في ذات الله أباً، أو أداري في دين الله أحداً، فترانا هنا نرد على شيخ الإسلام ابن تيمية قوله بفناء النار، ولا نداريه مع عظمته في نفوسنا، وجلالته في قلوبنا فضلاً عن أننا لا نقلده في ديننا، خلافاً لما عليه عامة المقلدة الذين يحملهم إجلالهم لإمامهم على تقليده، ونبذ قول كل من خالف، حتى ولو كان المخالف هو النبي محمداً ﷺ ، بديل أن يتخذوه وحده قدوةً ولا يشركوا معه في ذلك أحداً كما هو الواجب (١) بل إنهم ليصرحون بخلاف ذلك كما قال أحدهم اليوم في كتيب له:
стр. 4305
" أفلا يحق لنا أن نعتبر من واقع غيرنا (يعني السلفيين) فنثبت عند أقوال الإمام الذي يسر الله تعالى لنا الاقتداء به منذ أول نشأتنا " (١).
ونحن نقول بقول رب العالمين في القرآن الكريم: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير]؟ فأين أنت يا هذا من قوله ﵎: [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾؟ وغير ذلك من النصوص التي توجب على كل مسلم اتباعه ﵌ دون سواه ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ ولكن ﴿من لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾.
وإذا كان هذا موقف المقلدة من رسول الله ﵌، فماذا يكون موقفهم من المحبين له، المخلصين في الاقتداء به، لا سيما إذا كان من العلماء العاملين المعروفين بالرد على كل من خالف شرعة رب العالمين؛ كابن عربي وابن الفارض القائلين بوحدة الوجود، وأن الخالق هو عين المخلوق، وعلى غيرهم من علماء الكلام والمتصوفة والمقلدة، وسائر الهالكين من الأنام، ألا وهو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإننا نرى المقلدة في كل عصر ومصر يعادونه أشد العداء، لا سيما إذا عثروا له على قول خالف فيه العلماء كمسألتنا هذه، فهناك تراهم يصولون ويجولون، ومن عرضه ينالون، وفي دينه يطعنون، بل وبالكفر والضلال يصرحون، كما يفعل الكوثري والحبشي وغيرهما اليوم، وهم - مع الأسف -كثيرون، ولكنهم غثاء كغثاء السيل؛ لأنهم بالقرآن لا يعملون، بل هم عنه يعدلون، إلى تحكيم أهوائهم، وإلا فأين هم من قوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن
стр. 4306
لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾.
فهل من العدل في شيء أن يتخذوا شيخ الإسلام ﵀ غرضاً للتكفير والتضليل لقوله هذا ونحوه من الأقاويل، ولا ينبسون ببنت شفة في حق ابن عربي مثلاً الذي ملأ الدنيا بالكفريات والأضاليل، وهلك بسببه الألوف المؤلفة من خاصة المسلمين، فضلاً عن عامتهم المهابيل، فضلُّوا جميعا عن سواء السبيل، مع البون الشاسع والفرق اللامع بين الرجلين؛ فإن عربي ليس له ذكر ولا أثر في العلوم الإسلامية، كالتفسير والحديث والفقه كما لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، الذي شهد بفضله وغزارة علمه القريب والبعيد، والحبيب والبغيض فهم، جميعاً يغترفون من بحر علومه بأوفى نصيب، فهو بحق كما قال السيد محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى:
" رحم الله شيخ الإسلام وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، فوالله إنه ما وصل إلينا من علم أحد منهم ما وصل إلينا من علمه: في بيان حقيقة هذا الدين، وحقيقة عقائده، وموافقة العقل السليم وعلومه للنقل الصحيح من كتاب الله وسنة رسوله ﵌، بل لا نعرف أحداً منهم أوتي مثل ما أوتي من الحجج بين علوم النقل وعلوم العقل بأنواعها، مع الاستدلال والتحقيق دون محاكاة أو تقليد" (١).
وما لنا نذهب بعيداً، فهناك بعض الأئمة المتقدمين ممن يقلدهم اليوم جماهير المسلمين، ممن ذهب إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، مع مخالفة ذلك لأدلة الكتاب والسنة الصريحة وأقوال سلف هذه الأمة، مما هو معروف ومبسوط في
стр. 4307
محله، فلماذا مع ذلك يعتذر عنه بعض المقلدين وجمهورهم له يقلدون، وعن ابن تيمية يزورن، بل وله يعادون، والحكم واحد فهلاّ ساقوهما مساقاً واحداً، واعتذروا عنهما كليهما بجامع كونهما من أفاضل العلماء الأتقياء أم الأمر كما قال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
ولست بالذي يتبع عثرات العلماء، وإنما هي الأمثال نضربها للناس لعلهم يتذكرون، فينصفون ابن تيمية ولا يظلمون، وإلا فإن من فضائل ابن تيمية التي حرمها المقلدة علماً وعملاً تحذيره عن تتبع زلات العلماء، وعن التكلم فيهم؛ لأن الله عفا عما أخطؤوا فيه، فقال في آخر رسالته في تحريم الشطرنج في " المجموع " (٣٢/ ٢٣٩) ما نصه:
" وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم له أهل؛ فإن الله تعالى عفا عن المؤمنين عما أخطؤوا كما قال تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ قال الله: قد فعلت" (١). وأمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا، ولا نتبع من دونه أولياء، وأمرنا أن لا نطيع مخلوقاً في معصية الخالق، ونستغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان فنقول: ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ (٢).
وهذا أمر واجب على المسلمين في كل ما كان يشبه هذا من الأمور، ونعظم
стр. 4308
أمره تعالى بالطاعة لله ورسوله، ونرعى حقوق المسلمين لا سيما أهل العلم منهم كما أمر الله ورسوله، ومن عدل عن هذه الطريقة فقد عدل عن اتباع الحجة إلى اتباع الهوى في التقليد، وآذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فهو من الظالمين، ومن عظم حرمات الله وأحسن إلى عباد الله كان من أولياء الله المتقين ". ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾.
وإن مما يمنع توجيه الطعن في ابن تيمية لقوله بفناء النار علاوة على ما ذكرنا آنفاً؛ أن له قولاً آخر في المسألة، وهو عدم فنائها كما سبق بيانه بالنقل عنه، وإذا كنا لا نعلم أي القولين هو المتأخر فمن البدهي أن الطاعن لا بد له من الجزم بأنه هو الأول، ودون هذا خرط القتاد، وأما نحن فإن حسن الظن الذي أُمِرنا به يقتضينا بأن نقول: لعله القول الآخر؛ لأنه موافق للإجماع الذي نقله هو نفسه فضلاً عن غيره كما تقدم، وقد يؤيده هذا أن ابن القيم نقله أيضاً كما سبق في قصيدته " الكافية الشافية " فالظاهر أنه مات على ذلك؛ لأنها قرئت عليه في آخر حياته فقد ترجمه الحافظ ابن رجب الحنبلي في " طبقاته " وذكر في آخرها ما يشعرنا بذلك فقال: (٢/ ٤٤٨): " ولازمت مجالسه قبل موته أزيد من سنة وسمعت عليه قصيدته النونية الطويلة في السنة وأشياء من تصانيفه وغيرها ".
أقول فإذا صح ظننا هذا فالحمد لله، وإلا فأسوأ ما يمكن أن يقال: إنه خطأ مغفور لهما بإذن الله تعالى؛ لأنه صدر عن اجتهاد صادق منهما، ومعلوم أن المجتهد مأجور ولو أخطأ، كما جاء في الحديث الصحيح: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد». متفق عليه وقد تقرر في الأصول أن الخطأ مغفور ولو في المسائل العلمية كما حققه شيخ
стр. 4309
الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه وفتاويه (١).
هذا بالإضافة إلى ما لهما من الجهاد والبلاء الحسن في الدعوة إلى العمل بالكتاب والسنة والرد على المبتدعة والفرق الضالة، وتقديم الإسلام إلى المسلمين صافياً نقياًّ على منهج السلف الصالح، وإن ما نراه اليوم في العالم الإسلامي من نهضة فكرية وعلمية ودعوة سنية سلفية فهو ثمرة من ثمار جهادهما وصبرهما جزاهما اله تعالى عن الإسلام والمسلمين خيراً.
ولذلك رأينا المصنف رحمه الله تعالى مع أنه لم يقصِّر في الرد عليهما، فإنه لا يذكرهما إلا مقروناً بالإجلال والإكبار وبخاصة الشيخ ابن تيمية، فإنه وصفه في أول الكتاب بـ " العلامة شيخ الإسلام " أو يذكره بهذا اللقب كثيراً ووصفه في مكان آخر (ص ١٢٠): "بتبحره في العلوم، وسعة اطلاعه على أقوال السلف والخلف " وصدق من قال: " إنما يعرف الفضل لذوي الفضل أهل الفضل " (٢).
أقول هذا؛ لأن كثيراً من المقلدة المتعصبة تقزز نفوسهم من إطلاق لقب " شيخ الإسلام " على ابن تيمية رحمه الله تعالى، حتى أن العلاء البخاري الحنفي المتعصب كفر من يلقبه به، وقد رد عليه أحسن الرد الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي الشافعي في كتابه القيم " الرد الوافر على من زعم بأن من سمى ابن تيمية (شيخ الإسلام) كافر "، ذكر فيه نحو المائة من كبار العلماء المشهورين من مختلف المذاهب وكلهم يلقب ابن تيميه يلقبه: (شيخ الإسلام). وقد قام بتحقيقه والتعليق عليها أخونا الأستاذ زهير الشاويش صاحب المكتب الإسلامي جزاه الله
стр. 4310
خير الجزاء على جهده القيم.
أقول هذا بياناً للحقيقة، وإلا فأنا أعلم أن هذا اللقب وغيره مما هو مستعمل اليوم لم يكن معروفاً عند السلف، فالخير كله في الاتباع، ولا سيما وقد صار مبتذلاً في العصور المتأخرة، بحيث أنهم يطلقونه نفاقاً ورياء على من لا علم عنده، بل هو ممن يصدق عليه المثل الشهير:"لا في العير ولا في النفير".
ولعل من ألطاف الله تعالى بالشيخين رحمهما الله تعالى أننا لم نر أحداً - فيما اطلعنا - تبعهما على ذلك القول بالفناء، فهذا شارح العقيدة الطحاوية مثلا فإنه مع كونه لا يكاد يخرج فيه عما ذهب إليه ابن تيمية رحمه الله تعالى، فإنه ههنا ذكر أدلة هذا القول، ثم ذكر أدلة القول الآخر وهي ملخصة من كلام ابن القيم، ولم يرجح شيئاً منهما، ذكر ذلك تحت قول الطحاوي المتقدم: " والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان ".
وأما العلامة السفاريني فقد رأيته تعرض للموضوع في كتابه " شرح الدرة المضية في عقد الفرق المرضية " ونقل فيه طرفاً من بحث ابن القيم، ولكنه صرح بمخالفته، فإنه ذكر بعض الآيات المستلزمة لدوام العذاب وحديث ذبح الموت المتقدم ثم قال (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥):
"فثبت بما ذكرنا من الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة خلود أهل الدارين خلوداً مؤبداًّ، كل بما فيه من نعيم وعذاب أليم، وعلى هذا إجماع أهل السنة والجماعة، فأجمعوا أن عذاب الكفار لا ينقطع كما أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع، وقد ألف العلامة مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي رسالة سماها " توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين ".