← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. فهل من العدل في شيء أن يتخذوا شيخ الإسلام ﵀ غرضاً للتكفير والتضليل لقوله هذا ونحوه من الأقاويل، ولا ينبسون ببنت شفة في حق ابن عربي مثلاً الذي ملأ الدنيا بالكفريات والأضاليل، وهلك بسببه الألوف المؤلفة من خاصة المسلمين، فضلاً عن عامتهم المهابيل، فضلُّوا جميعا عن سواء السبيل، مع البون الشاسع والفرق اللامع بين الرجلين؛ فإن عربي ليس له ذكر ولا أثر في العلوم الإسلامية، كالتفسير والحديث والفقه كما لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، الذي شهد بفضله وغزارة علمه القريب والبعيد، والحبيب والبغيض فهم، جميعاً يغترفون من بحر علومه بأوفى نصيب، فهو بحق كما قال السيد محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى: " رحم الله شيخ الإسلام وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، فوالله إنه ما وصل إلينا من علم أحد منهم ما وصل إلينا من علمه: في بيان حقيقة هذا الدين، وحقيقة عقائده، وموافقة العقل السليم وعلومه للنقل الصحيح من كتاب الله وسنة رسوله ﵌، بل لا نعرف أحداً منهم أوتي مثل ما أوتي من الحجج بين علوم النقل وعلوم العقل بأنواعها، مع الاستدلال والتحقيق دون محاكاة أو تقليد" (١). وما لنا نذهب بعيداً، فهناك بعض الأئمة المتقدمين ممن يقلدهم اليوم جماهير المسلمين، ممن ذهب إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، مع مخالفة ذلك لأدلة الكتاب والسنة الصريحة وأقوال سلف هذه الأمة، مما هو معروف ومبسوط في

стр. 4307

محله، فلماذا مع ذلك يعتذر عنه بعض المقلدين وجمهورهم له يقلدون، وعن ابن تيمية يزورن، بل وله يعادون، والحكم واحد فهلاّ ساقوهما مساقاً واحداً، واعتذروا عنهما كليهما بجامع كونهما من أفاضل العلماء الأتقياء أم الأمر كما قال الشاعر: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا ولست بالذي يتبع عثرات العلماء، وإنما هي الأمثال نضربها للناس لعلهم يتذكرون، فينصفون ابن تيمية ولا يظلمون، وإلا فإن من فضائل ابن تيمية التي حرمها المقلدة علماً وعملاً تحذيره عن تتبع زلات العلماء، وعن التكلم فيهم؛ لأن الله عفا عما أخطؤوا فيه، فقال في آخر رسالته في تحريم الشطرنج في " المجموع " (٣٢/ ٢٣٩) ما نصه: " وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم له أهل؛ فإن الله تعالى عفا عن المؤمنين عما أخطؤوا كما قال تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ قال الله: قد فعلت" (١). وأمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا، ولا نتبع من دونه أولياء، وأمرنا أن لا نطيع مخلوقاً في معصية الخالق، ونستغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان فنقول: ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ (٢). وهذا أمر واجب على المسلمين في كل ما كان يشبه هذا من الأمور، ونعظم

стр. 4308

أمره تعالى بالطاعة لله ورسوله، ونرعى حقوق المسلمين لا سيما أهل العلم منهم كما أمر الله ورسوله، ومن عدل عن هذه الطريقة فقد عدل عن اتباع الحجة إلى اتباع الهوى في التقليد، وآذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فهو من الظالمين، ومن عظم حرمات الله وأحسن إلى عباد الله كان من أولياء الله المتقين ". ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾. وإن مما يمنع توجيه الطعن في ابن تيمية لقوله بفناء النار علاوة على ما ذكرنا آنفاً؛ أن له قولاً آخر في المسألة، وهو عدم فنائها كما سبق بيانه بالنقل عنه، وإذا كنا لا نعلم أي القولين هو المتأخر فمن البدهي أن الطاعن لا بد له من الجزم بأنه هو الأول، ودون هذا خرط القتاد، وأما نحن فإن حسن الظن الذي أُمِرنا به يقتضينا بأن نقول: لعله القول الآخر؛ لأنه موافق للإجماع الذي نقله هو نفسه فضلاً عن غيره كما تقدم، وقد يؤيده هذا أن ابن القيم نقله أيضاً كما سبق في قصيدته " الكافية الشافية " فالظاهر أنه مات على ذلك؛ لأنها قرئت عليه في آخر حياته فقد ترجمه الحافظ ابن رجب الحنبلي في " طبقاته " وذكر في آخرها ما يشعرنا بذلك فقال: (٢/ ٤٤٨): " ولازمت مجالسه قبل موته أزيد من سنة وسمعت عليه قصيدته النونية الطويلة في السنة وأشياء من تصانيفه وغيرها ". أقول فإذا صح ظننا هذا فالحمد لله، وإلا فأسوأ ما يمكن أن يقال: إنه خطأ مغفور لهما بإذن الله تعالى؛ لأنه صدر عن اجتهاد صادق منهما، ومعلوم أن المجتهد مأجور ولو أخطأ، كما جاء في الحديث الصحيح: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد». متفق عليه وقد تقرر في الأصول أن الخطأ مغفور ولو في المسائل العلمية كما حققه شيخ

стр. 4309

الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه وفتاويه (١). هذا بالإضافة إلى ما لهما من الجهاد والبلاء الحسن في الدعوة إلى العمل بالكتاب والسنة والرد على المبتدعة والفرق الضالة، وتقديم الإسلام إلى المسلمين صافياً نقياًّ على منهج السلف الصالح، وإن ما نراه اليوم في العالم الإسلامي من نهضة فكرية وعلمية ودعوة سنية سلفية فهو ثمرة من ثمار جهادهما وصبرهما جزاهما اله تعالى عن الإسلام والمسلمين خيراً. ولذلك رأينا المصنف رحمه الله تعالى مع أنه لم يقصِّر في الرد عليهما، فإنه لا يذكرهما إلا مقروناً بالإجلال والإكبار وبخاصة الشيخ ابن تيمية، فإنه وصفه في أول الكتاب بـ " العلامة شيخ الإسلام " أو يذكره بهذا اللقب كثيراً ووصفه في مكان آخر (ص ١٢٠): "بتبحره في العلوم، وسعة اطلاعه على أقوال السلف والخلف " وصدق من قال: " إنما يعرف الفضل لذوي الفضل أهل الفضل " (٢). أقول هذا؛ لأن كثيراً من المقلدة المتعصبة تقزز نفوسهم من إطلاق لقب " شيخ الإسلام " على ابن تيمية رحمه الله تعالى، حتى أن العلاء البخاري الحنفي المتعصب كفر من يلقبه به، وقد رد عليه أحسن الرد الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي الشافعي في كتابه القيم " الرد الوافر على من زعم بأن من سمى ابن تيمية (شيخ الإسلام) كافر "، ذكر فيه نحو المائة من كبار العلماء المشهورين من مختلف المذاهب وكلهم يلقب ابن تيميه يلقبه: (شيخ الإسلام). وقد قام بتحقيقه والتعليق عليها أخونا الأستاذ زهير الشاويش صاحب المكتب الإسلامي جزاه الله

стр. 4310

خير الجزاء على جهده القيم. أقول هذا بياناً للحقيقة، وإلا فأنا أعلم أن هذا اللقب وغيره مما هو مستعمل اليوم لم يكن معروفاً عند السلف، فالخير كله في الاتباع، ولا سيما وقد صار مبتذلاً في العصور المتأخرة، بحيث أنهم يطلقونه نفاقاً ورياء على من لا علم عنده، بل هو ممن يصدق عليه المثل الشهير:"لا في العير ولا في النفير". ولعل من ألطاف الله تعالى بالشيخين رحمهما الله تعالى أننا لم نر أحداً - فيما اطلعنا - تبعهما على ذلك القول بالفناء، فهذا شارح العقيدة الطحاوية مثلا فإنه مع كونه لا يكاد يخرج فيه عما ذهب إليه ابن تيمية رحمه الله تعالى، فإنه ههنا ذكر أدلة هذا القول، ثم ذكر أدلة القول الآخر وهي ملخصة من كلام ابن القيم، ولم يرجح شيئاً منهما، ذكر ذلك تحت قول الطحاوي المتقدم: " والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان ". وأما العلامة السفاريني فقد رأيته تعرض للموضوع في كتابه " شرح الدرة المضية في عقد الفرق المرضية " ونقل فيه طرفاً من بحث ابن القيم، ولكنه صرح بمخالفته، فإنه ذكر بعض الآيات المستلزمة لدوام العذاب وحديث ذبح الموت المتقدم ثم قال (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥): "فثبت بما ذكرنا من الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة خلود أهل الدارين خلوداً مؤبداًّ، كل بما فيه من نعيم وعذاب أليم، وعلى هذا إجماع أهل السنة والجماعة، فأجمعوا أن عذاب الكفار لا ينقطع كما أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع، وقد ألف العلامة مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي رسالة سماها " توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين ".

стр. 4311

وهذا ما ذهب إليه الشيخ نعمان الآلوسي فإنه تعرض للمسألة في كتابه " جلاء العينين في محاكمة الأحمدين " (ص ٤٢٠ - ٤٢٤) نقل فيه الأقوال السبعة في عذاب أهل النار وقال: " وأما بداية النار ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف والأصح عدم فنائها أيضا ". ثم قال في قول ابن تيمية: "واعلم أن الإمام ابن القيم قدس الله تعالى روحه انتصر لهذا القول انتصاراً عظيماً، ومال إليه ميلاً جسيماً، وذكر خمسة وعشرين دليلاً، ثم رجع القهقرى وقال: إن قيل: إلى أين انتهى قدمك في هذه المسألة العظيمة؟ قيل: إلى قوله تعالى ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ وإلى هنا انتهى قدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ (١) فيها حيث ذكر دخول أهل الجنة وأهل النار وما يلقاه هؤلاء وهؤلاء قال: ثم يفعل لك بعد ذلك ما يشاء. ثم قال: وما ذكرناه في هذه المسألة من صواب فمن الله سبحانه وهو المنان، وما كان من خطأ فهو مني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه ". قلت: وقوله (٢) في ابن القيم: " ثم رجع القهقرى وقال. . . " نظر عندي؛ لأنه ليس صريحاً في ذلك، وغاية ما يمكن أن يؤخذ منه أنه لم يجزم بما دندن حوله من الانتصار للقول بفناء النار، ومناقشة أدلة المخالفين ورده عليها مما سترى الرد

стр. 4312

عليه فيها في الكتاب إن شاء الله تعالى، ولكن ذلك لا ينفي ميله إلى ترجيحه إياه، وإلا كانت دندنته ﴿كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا﴾ وهذا مما لا يليق أن يقال في مثله كما لا يخفى، ويؤيد هذا أن خاتمته للبحث في " شفاء العليل " التي أشرت إليها آنفا أقوى في الدلالة على ما ذكرت فإنه قال ما خلاصته (ص ٢٦٤): "وأنا في هذه المسألة على قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فإنه ذكر دخول أهل الجنة. . . والقول بأن النار وعذابها دائم بدوام الله خبر عن الله بما يفعله، فإن لم يكن مطابقا لخبره عن نفسه بذلك، وإلا كان قولا عليه بغير علم، والنصوص لا تفهم ذلك. والله أعلم ". قلت: فقوله: " والنصوص لا تفهم ذلك " صريح منه بأنه لا يختار القول ببقاء النار، فهو إذن يميل إلى القول بفنائها، غير أنه لا يقطع بذلك لأنه يشعر أنه ليس لديه دليل قاطع فيه، وإنما هو فهمه واستنباطه، ولذلك ترك فيها مجالاً للأخذ والرد كما هو شأن العلماء المنصفين الذين لا يفرضون رأيهم على الآخرين، لا سيما في مثل هذا الفهم الذي أجمع العلماء على خلافه ومما يؤكد ذلك قوله في خاتمة بحثه في " الصواعق ": ". . . فتأمل هذا الوجه حق التأمل، وأعطه حقه من النظر، واجمع بين ذلك وبين معاني أسمائه وصفاته، وما دل عليه كلام الله وكلام رسوله، وما قاله الصحابة ومن بعدهم، ولا تبادر إلى القول بلا علم، ولا إلى الإنكار، فإن أسفر لك صبح الصواب، وإلا فرد الحكم إلى ما رده الله إليه بقوله ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ وتمسك بقول علي ابن أبي طالب ﵁، وقد ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ووصف حالهما ثم قال: ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء". ولكني ألاحظ في هذا النص أنه يأمر فيه من لم يتبين الصواب أن ينهي إلى

стр. 4313

قوله تعالى: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ وقول علي المذكور وذلك ما انتهى هو إليه في خاتمة " الحادي ". فهل يعني ذلك أن ابن القيم نفسه بعد تلك المناقشة الطويلة لم يتبين له الصواب فانتهى إلى ما أمر به من لم يتبين له الصواب، أم هو التردد في مثل هذه المسألة الخطيرة التي كان الأولى به أن يقف فيها حيث وقف العلماء، ولا يدخل نفسه في مضايق لا قبل للعقل البشري أن يدخلها؟ ويؤسفني والله جدا قوله المتقدم: " والنصوص لا تفهم ذلك " كيف يتجرأ على مثل هذا القول، والنصوص قاطعة في ذلك من الكتاب والسنة كما تقدم، فلا جرم أجمعت على مدلولها الأمة، فالحق والحق أقول: لقد أصيب ابن القيم في هذه المسألة مع الأسف الشديد بآفة التأويل التي ابتلي بها أهل البدع والأهواء في مقالتهم التي خرجوا بها عن نصوص الكتاب والسنة، فرد عليهم ذلك هو وشيخه ابن تيمية أحسن الرد في كتبهما الكثيرة المعروفة، فما باله وقع في مثل ما وقعوا من التأويل. ولقد كان أوله (١) في تأويلهما قول عمر على انقطاعه: " لو لبث أهل النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه ". فاستدلا به على الفناء المزعوم، وهو صريح في الخروج من النار، وهما لا يقولان به، وهكذا تأولوا كثيرا من الآثار بالفناء وهي في الخروج كما ستراه مفصلا في الكتاب بإذن الله تعالى. ثم قال الشيخ نعمان الآلوسي في " محاكمة الأحمدين " ص (٤٢٤): " ونقل الوالد قدس الله تعالى روحه في " تفسيره " عن الفهامة ابن الجوزي: أنه ضعف

стр. 4314

بعض الآثار الواردة في ذلك. " ثم ذكر خبر ابن عمرو الآتي (ص ٨١) ثم قال: وأول البعض أيضاً بعضها قال: "وأنت تعلم أن خلود الكفار مما أجمع عليه المسلمون لا عبرة بالمخالف، والقواطع أكثر من أن تحصى، ولا يقاوم واحداً منها كثير من هذه الأخبار". قلت: ولو كان العلم بالتمني لتمنيت أن يكون ما عزاه العلامة الشيخ جمال الدين القاسمي لابن القيم صحيحاً، ولكنها من أوهام العلماء فقد قال في تفسيره "محاسن التأويل" (٦/ ٢٥٠٣ - ٢٥٠٤): "وقد بسط البحث وَجَوَّدَ الإمام ابن القيم في كتابه " حادي الأرواح " ومع كونه انتصر لهذا القول انتصاراً عظيماً وذكر له خمسة وعشرين دليلاً؛ لم يصححه حيث قال: وأما أبدية النار ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف، والأصح عدم فنائها. أيضاً." انتهى. فقوله: " وأما أبدية النار. . . " إلخ. إنما هو من كلام الشيخ نعمان الآلوسي كما تقدم نقله عنه توهمه الشيخ القاسمي - على ما كان عليه من الوعي - أنه من كلام ابن القيم وبناء عليه قال: " لم يصححه ". فهو وهم آخر نشأ من الوهم الأول، فسبحان من لا يسهو ولا يهم. هذا - ثم إن ابن القيم - عفا الله عنا وعنه لم يقنع بميله إلى القول بفناء نار الكفار، وتخلصهم به من العذاب الأبدي في تلك الدار، حتى طمع لهم في رحمة الله أن ينزلهم منازل الأبرار، جنات تجري من تحتها الأنهار، ذلك ما يظهر لنا من بعض الأدلة التي ساقها تأييداً للقول بفناء النار، وهو مما نبه عليه المؤلف ﵀ معقبا على قول ابن القيم: " ثم تفنى ويزول عذابها " فقال (ص ٦٤):

стр. 4315

" يريد: ويدخل الله من كان فيها من الكفار الجنة، كما ستعرفه من الأدلة التي ذكرها ". وأعاد هذا المعنى في مكان آخر (ص ١٢٠). وإن مما لا شك فيه أن هذا الذي استظهرناه هو في الخطورة والإغراق كقوله بالفناء إن لم يكن أخطر منه؛ لأنه كالثمرة له، ولأنه لا قائل به مطلقاً من المسلمين بل هو من المعلوم من الدين بالضرورة للأدلة القاطعة بأن الجنة محرمة على الكفار كقوله تعالى: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾ (المائدة:٧٢) وقوله: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ (الأعراف:٤٠) وكقوله ﵌ الذي أمر الذي أمر بالمناداة به يوم حنين: «إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة». أخرجه البخاري ومسلم (٠١/ ٧٤) عن أبي هريرة وله مثله عن عمر بلفظ «. . . إلا المؤمنون» وله شواهد فانظر «إرواء الغليل» (٩٦٣) إن شئت. ويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء:٤٨). فإننا نعلم بالضرورة أن من دخل الجنة فقد غفر الله له وعلى العكس. ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بحث له في " المجموع " (١٤/ ٤٧٦ - ٤٧٧) " "ولا يدخل الجنة إلا أهل التوحيد وهم أهل ﴿لا إله إلا الله﴾ ". ثم قال: "ولكن لا يعذب الله أحدا حتى يبعث إليه رسولاً، وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة، ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه".

стр. 4316

قلت: ومثل هذا مما لا يخفى على ابن القيم، بل هو ممن صرح بذلك في غير ما موضع من كتبه، فهو يقول مثلاً في " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ". (ص ٨٩): "إن الله حرم الجنة على كل مشرك". بل إنه لما حكى في " الحادي " (٢/ ١٦٩ - ١٧٠) قول من يقولك أن أهل النار يعذبون فيها إلى وقت محدود، ثم يخرجون منها، ويخلفهم آخرون، أبطله بعدة آيات ساقها كلها صريحة في عدم خروج أهل النار منها، وكان آخرها آية الأعراف المتقدمة: ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾. قال عقبها: "وهذا أبلغ ما يكون في الإخبار عن استحالة دخولهم الجنة " وحينئذ كيف يصح ما سبق من استظهارنا أن ابن القيم يميل إلى القول بأن الكفار يدخلون الجنة بعد العذاب؟ والذي يدور في ذهني من الجواب على وجهين: الأول: إما أن يقال: أن صريح كلامه ينافي ما وصل إليه باستنباطه فهو الذي ينبغي الاعتماد عليه ونسبته إليه وهو الأحب إلي. والآخر: أن يجمع بين الصريح والمستنبط فيقال: الصريح يريد به دخول الكافر الجنة بعد خروجه من النار، فهذا هو المستحيل، وأما المستنبط فإنما يريد به دخول الجنة بعد فناء النار. وهذا الجمع وإن بدا غريباً، فليس بأغرب من تفريقه بين انتهاء عذاب الكفار بخروجهم من النار، فهذا مستحيل أيضاً وفقاً لجميع العلماء، وبين انتهاء عذابهم بفناء النار فهذا أمر جائز، بل واقع عنده، ويجادل فيه، ويصول ويجول ويتأول النصوص الصريحة المخالفة له، مما لا نعرفه عنه وإنما عن أهل البدع والأهواء

стр. 4317

الذين قضى حياته هو وشيخه في الرد عليهم، والكشف عن ضلالتهم، وبغير هذا الجمع لا يمكن أن يفهم كلامه في رده على مخالفيه، فانظر إلى قوله في " الحادي " (٢/ ١٨٥): " وأما الطريق الثاني وهو دلالة القرآن على بقاء النار وعدم فنائها، فإن في القرآن دليل واحد يدل على ذلك؟ نعم الذي دل عليه القرآن: أن الكفار خالدين في النار إلى الأبد وأنهم غير خارجين منها و. . . و. . . و. . . وليس هذا مورد النزاع وإنما النزاع في أمر آخر وهو أنه هل النار أبدية أو مما كتب عليه الفناء. قال: "وأما كون الكفار لا يخرجون منها و ﴿لا يفتر عنهم﴾ من عذابها ﴿ولا يقضى عليهم فيموتوا﴾ ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجميل في سم الخياط﴾ فلم يختلف في ذلك الصحابة والتابعون ولا أهل السنة فهذه النصوص وأمثالها تقتضي خلودهم في دار العذاب ما دامت باقية ولا يخرجون منها ... مع بقائها البتة" (١). فتأمل نقله اتفاق الصحابة ومن بعدهم على أنهم لا يدخلون الجنة كما في الآية الكريمة، فإنه لا يتفق مع ميله إلى أنهم يدخلون الجنة يوماً ما إلا يحمل (٢) الدخول المنفي على دخول مقرون بخروجهم من النار، والدخول المثبت على دخولهم بعد فناء النار، كما ذكرنا، وهذا المعنى يكاد يكون صريحاً في سياق كلامه على هذه الطريق في كتابه " شفاء العليل "، فإنه قال بعد الآيات النافية المتقدمة بما فيها الآية النافية لدخولهم الجنة قال (ص ٢٦٠): "وهذه الطريق لا

стр. 4318

تدل على ما ذكروه، وإنما يدل على أنها ما دامت باقية فهم فيها، فأين فيها ما يدل على عدم فنائها؟ " قلت: فكأنه يريد أن يقول: وأين الدليل أيضا في الآية المذكورة على نفي دخولهم الجنة بعد فناء النار؟ فيا سبحان الله ما يفعل التأويل بأهله، وإلى حضيض سحيق يهوون به فيه، وإلا فقل لي بربك: كيف يمكن لابن القيم أن ينكر أبدية النار ببقاء أهلها فيها وعدم دخولهم الجنة مطلقاً لولا تشبثه بذاك التأويل البشع، وهو المعروف بمحاربته لعلماء الكلام من المعتزلة والأشاعرة لتأولهم كثيراً من آيات وأحاديث الصفات، كاستواء الله على عرشه، ونزوله إلى السماء، ومجيئه يوم القيامة، وغير ذلك من التأويل الذي هو أيسر من تأويله، فقد قال به كثير من المتأخرين خلافا للسلف، وأما تأويله فلم يقل به أحد منهم، لا من السلف، ولا من الخلف إلا تقليداً لشيخه، ولقد كان من الواجب عليه أن يلتزم بقول إمامه الذي قال ناصحاً لكل سلفي: " إياك أن تتلكم في مسألة ليس لك فيها إمام ". وكان في المحنة يقول: "كيف أقول ما لم يقل؟ " (١). وإن مما يتنبه له الباحث المتأمل أن يرى موقفين متباينين أشد التباين لابن تيمية رحمه الله تعالى؛ فإنه في الوقت الذي مال إلى القول بفناء النار وانتصر له ابن القيم ذاك الانتصار الغريب المتكلف، نرى ابن القيم نفسه قد عقد في " الحادي " ستة أبواب في مسألة أخرى هي أهون من هذه بكثير من حيث موضوعها، ومن حيث اختلاف العلماء فيها ألا وهي: جنة آدم ﵇ التي أهبط منها هل هي

стр. 4319

جنة الخلد التي وعد بها المتقون أم غيرها؟ على قولين للعلماء أطال النفس فيها جداً (ص ٤٣ - ٨٠) وذكر حجة كل منهما، وما له وما عليه، وعلى الرغم من أن من القائلين بأنها ليست جنة الخلد أبا حنيفة وأصحابه، وابن عيينة، كما حكاه ابن القيم، ومال إليه هو في آخر الباب الرابع (ص ٦٨ - ٦٩): على الرغم من ذلك نرى شيخ الإسلام ابن تيمية يرده بكل صراحة وشدة يقول في بعض فتاويه: "والجنة التي أسكنها آدم وزوجته عند سلف الأمة وأهل السنة والجماعة هي جنة الخلد، ومن قال إنها في الأرض بأرض الهند أو بأرض جدة أو غير ذلك فهو من المتفلسفة والملحدين، أو من إخوانهم المبتدعين، فإن هذا يقوله من يقوله من المتفلسفة والمعتزلة ". فأقول: أليس كان الأحق بمثل هذا الرد الأشد من قال بفناء النار أيا كان القائل؛ لأنه لم يقل به أحد حتى ولا المعتزلة، ولأن أدلته وهمية لا حقيقة لها، كما سيفصل المؤلف القول في ذلك تفصيلاً، ويبين بطلانها تبياناً بحيث لا يدع شبهة إلا أطاح بها، ولا متأثراً بها إلا أعاده إلى الصراط المستقيم يمشي عليه سوياًّ. غير أن هناك شبهة أخرى أوردها ابن القيم ﵀ لم أر المؤلف جزاه الله خيرا تعرض لها فلا بد لي أن أذكرها لأرد عليها بما يبدو لي، راجياً منه تعالى أن يلهمني الصواب ويعصمني من الخطأ. قال في "الحادي " (٢/ ٢٢١): " لو جاء الخبر منه سبحانه صريحاً بأن عذاب النار لا انتهاء له وأنه أبدي لا انقطاع له؛ لكان ذلك وعيداً منه سبحانه، والله تعالى لا يخلف وعده، وأما الوعيد فمذهب أهل السنة كلهم: أن إخلافه كرم وعفو، وتجاوز بمدح الرب ﵎ عليه، فإنه حق له إن شاء تركه وإن شاء استوفاه، والكريم لا يستوفي حقه، فيكف بأكرم الأكرمين، وقد صرح سبحانه في كتابه في غير موضع بأنه لا يخلف

стр. 4320

وعده ولم يقل في موضع واحد لا يخلف وعيده وقد روى أبو يعلى. . . . عن أنس ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: " من وعده الله على عمل ثواباًَ فهو منجزه، ومن أوعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار ". وأقول وبالله المستعان: أولاً: قد جاءت الأخبار كتاباً وسنةً بأبدية النار وعذابها كما تقدم فلا داعي للإعادة، وما تشبث به ابن القيم ﵀ في خلاف ذلك مردود بل باطل، كما يأتي شرحه من المؤلف رحمه الله تعالى. ثانياً: ما ذكره: أن مذهب أهل السنة كلهم جواز إخلاف الله لوعيده، لا أعلمه بهذا الإطلاق، وقد بحث شيخ الإسلام الخلاف المعروف بين المرجئة والمعتزلة في الوعد والوعيد في مناسبات شتى فلم يذكر هذا (١) بل صرح بخلافه في بعض المواطن، فإنه بعد أن ذكر حديث الشفاعة وغيره في دخول بعض الموحدين النار وخروجهم منها قال: (١٦/ ١٩٦): " وفيه رد على من يقول: " يجوز أن لا يدخل الله من أهل التوحيد أحداً النار " كما يقوله طائفة من المرجئة والشيعة. . . ". فإذا لم يجز هذا الإخلاف في حق الموحدين، فكيف يجوز الإخلاف الأكبر الذي هو في حق المشركين؟ ثالثاً: " ولم يقل في موضع واحد: لا يخلف وعيده ".

стр. 4321

أقول: قد فاته - عفا الله عنا وعنه - قوله تعالى في (ق: ٢٧ - ٢٩) ﴿قال قرينة ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد. قال لا تختصموا لذي وقد قدمت إليكم بالوعيد. ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد﴾. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عقبه (١٤/ ٤٩٨): " وهذا يقتضي أنه صادق في وعيده أيضاً، وأن وعيده لا يبدل، وهذا مما احتج به القائلون بأن فساق الملة لا يخرجون من النار، وقد تكلمنا عليهم في غير هذا الموضع، لكن هذه (١) الآية يضعف جواب من يقول: أن إخلاف الوعيد جائز فإن قوله: ﴿ما يبدل القول لدي﴾ بعد قوله: ﴿وقد قدمت إليكم بالوعيد﴾ دليل على أن وعيده لا يبدل كما لا يبدل وعده". رابعًا: حديث أنس المذكور إسناده ضعيف كما كنت بنيته في " الأحاديث الصحيحة " (٢٤٦٣) وعلى فرض ثبوته فهو بمعنى قوله تعالى: [إن الله لا يفغر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء] وما في معناها من الأحاديث، أي: أن الحديث في الموحدين وليس في المشركين، فهؤلاء مستثنون من المغفرة بهذه الآية وغيرها. وإلى هذا أشار العلامة المرتضى اليماني بقوله في " إيثار الحق على الخلق " (ص ٣٨٩): "والحق أن الله لا يخلف الوعيد إلا أن يكون استثنى فيه ". وهذا مما يشعر به قول ابن تيمية نفسه في " مجموع الفتاوى " (٢٤/ ٣٧٥) فإنه قال: "وأحاديث الوعيد يذكر فيها السبب، وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك إما بتوبة مقبولة، وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفرة، وإما بشفاعة شفيع

стр. 4322

مطاع، وإما بفضل الله ورحمته ومغفرته فإنه ﴿لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. فهذا منه ﵀ كالتفصيل لكلام ابن القيم، وهو يقيده ويبين أن الإخلاف للوعيد إنما يكون لمانع، من تلك الموانع وليس منها الشرك بداهةً، فإن الله لا يغفره. فتأمل في هذا يتبين لك خطأ ابن القيم في بعض مما يدعيه ويعزوه لأهل السنة دون قيد أو شرط، فيكون ذلك مثار شبهة عنده، تحمله على أن يتأول النصوص القاطعة الدلالة، فيخرج بذلك عما عليه أهل السنة والجماعة، فيقع في الخطأ من حيث لا يدري ولا يشعر. وإن من العجيب حقا أن ينفرد بالاغترار بكلامه في هذه المسألة الخطيرة العلامة السيد محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى؛ لما تعلم عنه من استقلاله في الفهم، وبعده عن الجمود والتقليد، فإنه مع ذلك تابعه عليه دون كل من وقفنا على كلامه من المحققين الذين وقفوا عليه ولم يتابعوه أمثال الآلوسي أباًّ وابناً وغيرهما ممن سبق ذكره، فقد نقل السيد رشيد كلام ابن القيم على طوله من " حادي الأرواح " في تفسير سورة (الأنعام) (ج ٨ ص ٦٩ - ٩٩) تحت " فصل في الخلاف في أبدية النار وعذابها " وختمه مفصحاً عن إعجابه به بقوله: "وإنما أوردناه بنصه على طوله لما تضمنه من الحقائق التي نوهنا بها، ولأمر آخر أهم وهو أننا نعلم أن أقوى شبهات الناس من جميع الأمم على الدين قول أهل كل دين من الأديان المشهورة أنهم هم الناجون وحدهم وأكثر البشر يعذبون عذاباً شديداً دائماً لا ينتهي أبداً، بل تمر ألوف الألوف المكررة من الأحقاب والقرون ولا يزداد إلا شدة وقوة وامتدادا، مع قولهم ولا سيما المسلمين منهم: إن الله تعالى

стр. 4323

أرحم الراحمين، وإن رحمة الأم العطوف الرؤوم بولدها الوحيد ليست إلا جزاءً صغيراً من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وهذا البحث جدير بأن يزيل شبهة هؤلاء، فيرجع المستعدون منهم إلى دين الله تعالى مذعنين لأمره ونهيه، راجين رحمته خائفين عقابه الذي تقتضيه حكمته؛ لأنهم لا يعلمون قدره " (١). قلت: هذا الكلام خيال لا حقيقة له في الواقع، لأن الأصل في هذه المسألة وغيرها من المسائل الاعتقادية الغيبية إنما هو الإيمان بما جاءنا عن الرحمن الرحيم العليم الحكيم، كما قال في القرآن الكريم: ﴿هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب﴾. وهو الإيمان بكل ما غاب عن عقلك، فمن لم يؤمن بما أخبر به تعالى من خلود الكافرين في النار أبد العابدين (٢)؛ لأن عقله لم يقبله فلن يؤمن بعقاب يبلغ مئات السنين أخبر به رب العالمين في مثل آية ﴿لابثين فيها أحقابا﴾، ولو على افتراض أن له أمد (٣) منتهياً " لا يعلمون قدره"! إذ أن لبثهم هذه المدة الطويلة التي تزيد على مدة عمرهم الذي قضوه كافرين أضعافاً مضاعفة، فلو أراد أحد أن يقنعهم بها وأنها عدل من الله فلن يصل إلى نتيجة معهم أبداً، اللهم إلا من طريق الإيمان بالله ورسوله. وإذا كان الأمر كذلك فمن العبث بل من الضلال؛ أن يحاول أحد إقناع

стр. 4324

المشركين في أصل الدين ببعض ما جاء فيه من العقائد من طريق العقل المجرد عن الإيمان، فإن هذا مع كونه لا يثمر معهم إلا الخسران، فإنه ليس من سبيل المؤمنين، بل هو سبيل المتأثرين بالفلسفة وعلم الكلام، الذي حملهم إلى تأول آيات وأحاديث الصفات، وتفسيرها بما يتناسب مع عقولهم، وأهواء أمثالهم من ضعفاء الإيمان، وربما فعل ذلك بعضهم لإقناع الآخرين، وإن كان هو في قرارة نفسه لا يؤمن بذلك التأويل، فهل يمكن أن يكون كلام السيد رشيد رضا من هذا القبيل، بغية إرشاد من ضل عن سواء السبيل؟ فقد كنت لقيت رجلا فاضلاً في بعض أسفاري إلى المغرب منذ بعض سنين يظهر أنه سلفي العقيدة فزرته في داره، ودار البحث في الدعوة السلفية هناك، وإذا به يصرح بأنه لا يرى مانعاً في سبيل تقريب الناس إليها من تأويل آيات الصفات وأحاديثها لإقناع المخالفين. فقلت له: عجباً كيف يمكن أن يكون هذا؟ إذ كيف تقدم إليهم معنى للنص أنت تؤمن بخلافه أولاً، ثم كيف تكون قد دعوته إلى مذهبك السلفي وقد قدمت إليه المعني الخلفي؟ إن أخشى ما أخشاه أن يكون هذا من باب قول من قال: "وداوني بالتي كانت هي الداء". وختامًا أقول: لقد خرجت من دراستي لهذه الرسالة النافعة للأمير الصنعاني رحمه الله تعالى بالعبر الآتية: الأولى: أنني ازددت إيماناً ويقيناً بالقول المأثور عن جمع من الأئمة: " ما منا من أحد إلا رد ورد عليه إلا النبي ﵌ " (١). فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية زلت به

стр. 4325

القدم فقال قولاً لم يسبق إليه ولا قام الدليل عليه ومن هنا قالوا: " زلة العالم زلة العالمَ " فلو أننا كنا مبتلين بتقليده كما ابتلي كل مقلد بتقليد إمامه، لزللنا بزلته ولذلك قالوا: " الحق لا يعرف بالرجل، اعرف الحق تعرف الرجال ". فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. الثانية: بطلان الخرافة التي يطلقها اليوم كثير من الكتاب الإسلاميين المعاصرين وفيهم بعض من يُجِلُّون شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الخلاف في الفروع وليس في الأصول. وقد يسارع بعض الجاحدين لعلم شيخ الإسلام وفضله، الحاقدين عليه لرده على أهل الأهواء والمبتدعة المبغضين له لإخلاصه في الدعوة لاتباع الكتاب والسنة، فيقول: إنما الخلاف في الأصول من ابن تيمية وأمثاله المخالفين للجمهور، والمثال أمامك. فأقول: كذبت والله؛ فإن الخلاف المذموم إنما يكون من المصرين عليه بعدما تبين لهم الحق كما في قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾. والشيخ ﵀ لم يُعرف يوماً بالإصرار على الخطأ مهما كان نوعه، بدليل رجوعه عن كثير من آرائه التي كان عليها بعدما تبين له الحق، وقد ذكرنا فيما سبق نماذج منها، وأما خلافه في هذه المسألة فهي زلة منه بلا شك يغفرها الله له إن شاء الله تعالى، كفاه جهاده في سبيل الله إلى آخر رمق من حياته، حتى توفي في سجن دمشق مظلوماً بعيداً عن أهله وتلامذته وكتبه، ولغير ذلك من الأسباب التي سبق التحدث عنها.

стр. 4326

والخلاف المذموم حقاً: إنما هو من أولئك المقلدين، الذين يصرون على التدين بالتقليد، والإعراض عن الاهتداء بهدي رسول الله ﵌ مباشرة، والإخلاص له في اتباعه وحده دون سواه، الذي هو من لوازم الشهادة له بأنه رسول الله ﵌، وقد أمرنا بطاعته استقلالاً لا يشاركه في ذلك أحد من البشر في غير ما آية من آيات الله ﵎، فأي خلاف شر من هذا الذي عليه المقلد هذا الذي يظل ﴿يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشرها بعذاب أليم﴾ (الجاثية:٨) فالخلاف حقيقة واقعة - مع الأسف - أصولاً وفروعاً، فلا يجوز تجاهلها أو الرضا بها، وإنما يجب على أهل العلم أن يحاولوا في كل قطر ومصر تقليله قدر الاستطاعة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بشيء واحد وهو تحكيم الكتاب والسنة في كل خلاف كما هو صريح قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾. الثالثة: لقد وجدت في هذه الدراسة مثلا جديدا يضاف إلى الأمثلة العديدة التي كنت ولا أزال أشير إليها في كتابي " سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها الشيء في الأمة " نصحاً وتحذيراً؛ لأن من آثارها السيئة أنها تصرف كثيراً من العلماء والفقهاء فضلاً عن غيرهم عن تبني الحكم الصحيح فيما هم فيه مختلفون من العقائد والأحكام، وقد تكون معارضته لنص أو نصوص في الكتاب والسنة الصحيحة، فقد وجدت أن الذي فتح لابن تيمية وابن القيم باب التورط في القول بفناء النار إنما هو بعض الآثار المروية عن بعض الصحابة والأحاديث المرفوعة جلها لا تصح أسانيدها ... "مقدمة تحقيق رفع الأستار" (ص٧ - ٤٩).

стр. 4327

[١٧٢٥] باب فناء نار العصاة وبقاء نار الكفار [قال الإمام]: اعلم أن النار في الآخرة ناران: نار تفنى ونار تبقى أبداً لا تفنى، فالأولى هي نار العصاة المذنبين من المسلمين، والأخرى نار الكفار والمشركين، هذا خلاصة ما حرره ابن القيم في " الوابل الصيب " وهو الحق الذي لا ريب فيه، وبه تجتمع الأدلة، فلا تغتر بما ذكره الشارح هنا [أي شارح الطحاوية]، وابن القيم في " شفاء العليل " و" حادي الأرواح " مما قد ينافي هذا الذي لخصته؛ فإنهما لم يتبنيا ذلك، وليس فيه أي دليل صريح صحيح يدل على فناء نار الكافرين، والله تعالى كما قال في أهل الجنة: ﴿لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين﴾ (الحجر: ٤٨) قال مثله في الكافرين: ﴿وما هم بخارجين من النار﴾ (البقرة: ١٦٧). وما روي عن عمر وغيره لا يصح إسناده كما بينته في تعليقي على " الشرح " [أي شرح الطحاوية] ثم في " الأحاديث الضعيفة " المجلد الثاني (٦٠٦ - ٦٠٧).فتنبه. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٨٥ - ٨٧). [١٧٢٦] باب هل يقول ابن تيمية وابن القيم بفناء النار ؟ سؤال: السؤال هو أننا نعلم أن شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى يعني أَجَلّ من أن يسقطوا في مسألة يعني انتشرت لاسيما مسألة فناء النار، فهل صحيح هذه الدعوى صحت في كتبهم أم تراجع عنها أم كيف؟ أريد جواب في هذا الأمر؟ الشيخ: القول بفناء النار زلة من زلات ابن تيمية، وأظنك إذا كنت مقدراً لعلم ابن تيمية بل لشخصه وعلمه وصلاحه، أنك سوف لا تكفر به إذا ما قلنا لك بأنه

стр. 4328

ليس بنبي معصوم، أليس كذلك؟ مداخلة: نعم. الشيخ: حسناً، قوله بفناء النار قد قال ذلك، وهذه زلة لا ينبغي أن يتابع بل ولا أن يقلد فيها، وظني أنه رجع عنها، ظني -انتبه! - وإنما جاءني هذا الظن من كلام لتلميذه ابن القيم الجوزية؛ لأني أظن من متابعتي لأقوال الشيخ وآرائه وأحكامه، ومتابعتي لهذه الأشياء من تلميذه أيضاً أن التلميذ أتبع كما يقال لشيخه من ظله، مفهوم إلى هنا؟ فقلما نجد ابن القيم يخالف ابن تيمية، وحق له ذلك؛ لأن ابن تيمية رجل يعني جمع من العلم والصواب ما لا يحيط به كثير من كبار العلماء. فلما رأيت ابن القيم الجوزية ذكر في كتابه «الوابل الصيب في الكلم الطيب» أو «شرح الكلم الطيب» وهذا مشكوك فيه، يقول: النار ناران فنار تفنى ونار تبقى، النار التي تفنى هي نار الفساق من المؤمنين المسلمين، والنار التي لا تفنى هي نار الكفار، فإذاً ممكن أن يكون هذا الذي صرح به ابن القيم هو رأي ابن تيمية الذي انتهى إليه، لكن ما وقفنا على رأي ابن تيمية هذا الأخير من كلامه أو من قلمه إنما وجدنا بقلم تلميذه ابن القيم الجوزية ﵀. وهذا له يعني أمثلة كثيرة وكثيرة جداً، ... حديث: «من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار» (١). ابن تيمية في فتاواه «مجموعة الفتاوى» له كلام جيد بمناسبة هذا الحديث من جهة وله كلام غير جيد من جهة أخرى، الكلام الجيد هو يقول: أنه لم يكن من عادة السلف الصالح ولا من عادة الخلفاء الراشدين أن يقوم بعضهم للقادم قيام

стр. 4329

إكرام وتعظيم، لم يكن هذا من عادتهم ولذلك فهو يقول: ينبغي على الخلف أن يقتدي بالسلف في كل شيء ومن ذلك هذه المسألة. ثم يستثني وهذا من فقهه وحكمته يقول: لكن إذا كان المسلم يعيش في جو اعتاد الناس هذا القيام وفهمتم أي قيام أعني بهذا الكلام، رجل دخل شيخ مثلاً، لو دخل علينا الآن شيخ كبير لا شك أن بعضكم سيقوم له إكراماً وتعظيماً، وهذا موجود في أكثر البلاد الشامية. فيقول ابن تيمية: السنة عدم القيام، لكن إذا كان المسلم في جو اعتادوا مثل هذا القيام وإذا لم يقم يخشى أن يقع في نفس الحاضرين أو الداخل شيء من البغض والحقد ضد هذا الجالس الذي لم يقم، هنا يرى ابن تيمية القيام، وهذا داخل في باب دفع المفسدة الكبرى بالصغرى، قاعدة هذه فقهية عظيمة، الخطأ أين؟ يقول: هو ليس هذا القيام هو المقصود بقوله ﵇: «من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار»، قال: لأن المقصود بهذا الحديث هو القيام للقاعد يعني الملك جالس والوزراء والحاشية كلهم قيام على طريقة ما جاء في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري لما أصيب ﵇ في عضده ولم يستطع صلاة الظهر قائماً فصلى قاعداً، فصلى الناس خلفه قياماً فأشار إليهم أن اجلسوا، فجلسوا، بعد الصلاة قال لهم: «كدتم آنفاً أن تفعلوا فعل فارس بعظمائها يقومون على رؤوس ملوكهم»، الملك قاعد وهم قائمون. قال ابن تيمية حديث: «من سره أن يتمثل الناس له قياماً»، إلى آخر الحديث قال: المقصود به أن يقوموا وهو جالس، هذا خطأ، والدليل على هذا الخطأ إذا تذكرتم معي القصة التي ذكرتها آنفاً دخل معاوية على رجلين عبد الله بن عامر

стр. 4330

وعبد الله بن الزبير قام الأول ولم يقم الآخر فنهى القائم، معاوية ما كان جالساً قاعداً فعلى العكس تماماً، هو دخل وهم كانوا قاعدين فقام أحدهما فأنكر عليه بهذا الحديث. فوجدت ابن القيم الجوزية يقول هذا الكلام نفسه يرد يعني ما قاله ابن تيمية نفسه، فأنا أظن الحالة هذه أن ابن تيمية كتب هذا الكتاب في الفتاوى لأن هذه الفتاوى ليست تأليفه، جمعها الجامع وقد أحسن بذلك من مختلف المخطوطات والرسائل وإلى آخره، فممكن أن يكون هذا الجواب من ابن تيمية أو هذا البيان من ابن تيمية كان في أول نشأته العلمية يعني. لكن تلميذه ابن القيم صاحبه إلى آخر رمق من حياته بين أن هذا المعنى خطأ وليس هو ابن تيمية الذي وقع في هذا، سبقه إلى ذلك مثلاً غيره من الشراح للحديث، والذين يتكلمون على غريب الحديث منهم ابن الأثير مثلاً في النهاية، فسره وهو قاعد، هذا خلاف الحديث، فحملوا حديث معاوية على حديث جابر بينما لكل منهما محله يختلفان تماماً. فيمكن إذاً كما هو المثال في هذا الحديث أن ابن تيمية فسر هذا التفسير الخطأ تلميذه ابن القيم فسره التفسير الصواب، أنا في غلبة ظني أنه أخذه من شيخه متى؟ بعد أن فسر الشيخ الحديث بخلاف التفسير الصواب، كذلك في مسألة فناء النار، فابن القيم يُفَصِّلُ ويبين أن النار التي تفنى هي نار المسلمين الفساق، أما نار الكفار فخالدين فيها أبداً كما جاء في كثير من الآيات الكريمة. "الهدى والنور" (٥٩١/ ٣٨: ٠٢: ٠٠)

стр. 4331

[١٧٢٧] باب تحقيق قول ابن القيم في فناء النار سؤال: ذكر ابن القيم في "الوابل الصيب"فناء النار، فما قولكم؟ الشيخ: ابن القيم له قولان: الذي ينبغي الاعتماد عليه هو التفصيل الذي ذكره في الوابل الصيب، النار ناران: فنار للكفار ونار يعذب فيها فساق المسلمين، فالنار الأولى لا تفنى، والنار الأخرى هي التي تفنى، وما يوجد في بعض كتبه وكتب شيخه ابن تيمية مما ظاهر كلامهما القول بفناء النار مطلقًا ينبغي حمل ذلك على فناء النار التي يدخلها فساق المسلمين؛ لأنهم سينجون يومًا ما كما قال ﵊: «من قال: لا إله إلا الله نفعته يومًا من دهره» وبخاصة أنني قد وضعت لهذا الكتاب (١) مقدمة تبلغ نحو الخمسين صفحة، أكدت ما ذهب إليه الصنعاني ﵀ من أن فناء نار الكفار هذا قول يخالف الكتاب والسنة، والظن بشيخ الإسلام بن تيمية ثم بتلميذه ابن قيم الجوزية ألا يقعا في مثل هذه المخالفة الصريحة فينبغي حمل النار التي قالا بفنائها على نار الفساق من هذه الأمة وليس على نار الكفار. "فتاوى جدة" (٤/ ٠٠:٢٩:٥٤) [١٧٢٨] باب هل ثبت القول بفناء النار عن شيخ الإسلام ؟ سؤال: يا شيخ! هل القول بفناء النار ثبت عن شيخ الإسلام أم لم يثبت عنه؟ الشيخ: لا، ثبت عنه ولعله تراجع عنه كما فعل تلميذه ابن القيم الجوزية. "لقاءات المدينة" (١/ ٠٠:٥٠:٠١)

стр. 4332

[١٧٢٩] باب حول قول ابن القيم في فناء النار [قال الإمام]: ابن القيم له كلام في الوابل الصيب من الكلم الطيب يقول: النار ناران نار تفنى ونار تبقى، النار التي تفنى هي لعصاة المسلمين، التي لا تفنى هي للكفار، وهذا يحل المشكلة. مداخلة: يعني نقول: المقصود في كلام ابن القيم هو نار العصاة ليست نار الكفار؟ الشيخ: نعم، على أن هذا الكلام جزاك الله خيرًا يعني: وإن كان صريحًا في الشق الثاني أن نار الكفار لا تفنى فبالنسبة للشق الأول ما هو دقيق يعني؛ لأنه سيقال له: ما يدريك أنها تفنى؟ فيجوز أن تبقى لكن ليس مهم التحدث عن النار بالتفصيل أن هذه النار تفنى، المهم: الذين يدخلونها ما مصيرهم؟ فبعضهم يخرجون وبعضهم لا يخرجون، أما قضية النار الذي كان فيها أنها تفنى، هذا يحتاج لنص لكن نحن الذي يهمنا من كلامه قوله في نار المشركين: أنها لا تفنى، لأن هذا صريح القرآن: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ (الحج:٢٢) فإذًا هي لا تفنى و ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (النساء:١٦٩) إلى آخر النصوص، وحديث ذبح الموت في صورة كبش، فبعد أن يذبح يناد مناد «يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» هذه نصوص قاطعة تمنع القول بفناء النار وفناء أهلها. أما أن يقال: أن نار المؤمنين تفنى فهذا ككلام يعني ... من الكلام، نار المشركين لا تفنى ونار المؤمنين تفنى، وإلا فالحق أن يقال: الذين يدخلونها فإن كانوا كفارًا كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا، ثُمَّ

стр. 4333

نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (مريم: ٧١ - ٧٢) النار هي هي، لكن منهم من يدخلها ويبقى فيها، ومنهم من يدخلها ويخرج منها، والخروج هذا يتفاوت ما بين إنسان مثلًا يعذب يومًا أو بعض يوم، شهر أو أقل أو أكثر وهكذا. "رحلة النور" (٣٠ب/٠٠:٣٤:١٣) [١٧٣٠] باب هل يقول ابن القيم ومحمد رشيد رضا بفناء النار ؟ السائل: باب هل يقول ابن القيم ومحمد رشيد رضا بفناء النار؟ الشيخ: أما محمد رشيد رضا فلا أعلم، أما ابن القيم فله قولان: أحدهما هذا، والآخر: هو الذي فصله في كتابه: "الوابل الصيب"، فقد ذكر أن النار ناران: نار تفنى، ونار تبقى: فالنار التي تفنى هي نار المذنبين من المؤمنين، والنار التي تبقى ولا تفنى هي نار الكافرين، وهذا هو الحق. "فتاوى جدة -الأثر-" (٢٨/ ٠١:٢٣:٤٣) [١٧٣١] باب تحرير قول ابن القيم في فناء النار، وهل تفنى نار الموحدين ؟ السؤال: ابن القيم في "الوابل الصيب" يقرر فناء نار عصاة الموحدين وبقاء نار المشركين، فهل له قولان في المسألة؟ الجواب: نعم، ذلك مما كنت فصلته في مقدمتي لكتاب "رفع الأستار عن بطلان قول من قال بفناء النار" هو في كتابه "حادي الأرواح" فهو هناك يبحث هذا البحث بصورة مفصلة، وشيخ الإسلام ابن تيمية كذلك وقد نشرنا بعض المصورات يقولان بفناء النار مطلقاً، لكن قول ابن القيم في الوابل الصيب هو كأنه

стр. 4334

ارتداد من ذاك القول إلى ما هو صواب، فنار المشركين لا تفنى؛ لأن الله يقول: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ (الحج:٢٢) فنار المشركين وعذابهم فيها إلى أبد الآبدين ولا نهاية لذلك، وهذه كلمة لا ينبغي أن يغتر بها المسلمون الذين يقدرون علم الشيخ أو الشيخين ابن تيمية وابن القيم الجوزية، وبخاصة حينما وجدنا هذه الكلمة التي تدفع الإشكال أو الشبهة من أنه يفرق بين نار العصاة وبين نار المشركين فنار العصاة هي التي تفنى، أما نار المشركين فهي تبقى كما يبقى نعيم المؤمنين. مداخلة: إذاً هذا القول الصواب إن نار الموحدين تفنى. الشيخ: طبعاً؛ لا بد لأنه لا يخلد في النار موحد أبداً. نعم. "الهدى والنور" (١٨٨/ ٠٠:٥٣:٢٩) [١٧٣٢] باب بيان خطأ نسبة عمر ﵁ للقول بفناء النار عن عمر ﵁، أنه قال: «لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه». [ضعفه الإمام وذكر تصحيح ابن القيم له مبينًا خطأه ثم قال]: سامح الله ابن القيم وغفر له, فإنه بتصحيحه لمثل هذا الأثر عن عمر ﵁ يفتح باباً كبيراً لبعض الفرق الضالة يلجؤون فيه إلى تأييد ضلالهم, كالقاديانية, فإن من خِلَالهم (١) القول بفناء النار, وانتهاء عذاب الكفار. "تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٤٢٩).

стр. 4335

[١٧٣٣] باب من الأدلة على بقاء النار [قال ابن أبي العز في شرح الطحاوية]: ومن أدلة القائلين ببقائها [أي النار] وعدم فنائها: قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾. ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾. ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ في سَمِّ الْخِيَاطِ﴾. ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾. ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾، أي مقيماً لازماً. وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: " لا إله إلا الله "، وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان، وبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما، بل بإبقاء الله لهما. [فعلق الإمام قائلاً]: قلت: وهذه الأدلة قاطعة في بقاء النار وأهلها فيها من الكفار, بخلاف أدلة القول الذي قبله [أي القول بفنائها] , فليس فيها شيء صريح, كما بسطه الإمام الصنعاني في "رفع الأستار", فكن رجلاً يعرف الحق بدليله وليس بالرجال, فكل أحدٍ يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي ﵌. "تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٤٣٠).

стр. 4336

[١٧٣٤] باب خطأ الاستدلال على خلود النار بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِين﴾ [ساق الصنعاني في "رفع الأستار" بعض الأدلة من القرآن على خلود النار وأورد منها قوله تعالى "وما هم منها بمخرجين" فعلق الإمام قائلاً]: حشر هذه الجملة هنا سهو من المؤلف تبعاً لابن القيم رحمهما الله تعالى؛ فإنها في أهل الجنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَعُيُون، ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِين، وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِين، لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِين﴾ (سورة الحجر:٤٥ - ٤٨). وقد وقع هذا السهو من ابن القيم في كتابه " الصواعق المرسلة " أيضاً، ولم يتنبه له مختصره الشيخ محمد ابن الموصلي رحمه الله تعالى، وفي " شفاء العليل " أيضاً (ص ٢٥٨ و٢٥٩) على الرغم من وقوع ذلك منه في موضعين آخرين (ص ٢٢٥ و٢٢٨) من " المختصر " مطبعة الإمام بمصر. "تحقيق رفع الأستار" (ص١١٨، ١٠٩ - ١١٠). [١٧٣٥] باب أبدية النار بمن فيها من كفار [قال رسول الله ﵌]: «أما أهل النار الذين هم أهلها (وفي رواية: الذين لا يريد الله إخراجهم) فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (يريد الله إخراجهم) فأماتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل».

стр. 4337

[ترجم له الإمام بما ترجمناه به ثم قال]: وفي الحديث دليل صريح على خلود الكفار في النار، وعدم فنائها بمن فيها، خلافاً لقول بعضهم؛ لأنه لو فنيت بمن فيها لماتوا واستراحوا، وهذا خلاف الحديث ولم يتنبه لهذا ولا لغيره من نصوص الكتاب والسنة المؤيد له من ذهب من أفاضل علمائنا إلى القول بفنائها، وقد رده الإمام الصنعاني ردًّا علميّاً متيناً في كتابه " رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار ". "الصحيحة" (٤/ ٦٧ - ٦٩). [١٧٣٦] باب منه [روي عن النبي ﵌]: «لو قيل لأهل النار: إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا سنة لفرحوا بها، ولوقيل لأهل الجنة: إنكم ماكثون في الجنة عدد كل حصاة في الدنيا سنة لحزنوا، ولكنهم خلقوا للأبد والأمد» (موضوع). [قال الإمام]: والحديث يدل على أبدية الخلود في النار، والآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة تغني عنه من هذه الناحية. "الضعيفة" (٢/ ٧٠ - ٧١).

стр. 4338

[١٧٣٧] باب ضلال من ادعى انتهاء عذاب الكفار وأن مصيرهم إلى الجنة [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «ليأتين على جهنم يوم كأنها زرع هاج، وآخر تخفق أبوابها». (باطل). [قال الإمام]: [قال الزمخشري] في " تفسيره " (٢/ ٢٣٦): " وقد بلغني أن من الضُّلال من اغتر بهذا الحديث فاعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار، وهذا والعياذ بالله من الخذلان المبين، ولئن صح هذا عن ابن عمرو فمعناه أنهم يخرجون من النار إلى برد الزمهرير، فذلك خلوجهنم وصفق أبوابها ". وهذا تأويل بعيد. والأقرب ما سبق عن الحافظ، إلا أنني أرى أن الصواب عدم الاشتغال بالتأويل ما دام أن الحديث لم يصح. والله أعلم. واعلم أن من أذناب هؤلاء الضلال في القول بانتهاء عذاب الكفار الطائفة القاديانية، بل هم قد زادوا في ذلك على إخوانهم الضلال، فذهبوا إلى أن مصير الكفار إلى الجنة! نص على ذلك ابن دجالهم الأكبر محمود بشير بن غلام أحمد في كتاب " الدعوة الأحمدية ". "الضعيفة" (٢/ ٧٢ - ٧٣)

стр. 4339

[١٧٣٨] باب منه [قال الإمام]: ويؤسفني أن أقول: إن القاديانية في ضلالهم [أي بقولهم بانتهاء عذاب الكفار] يجدون متكئاً لهم في بعض ما ذهبوا إليه في بعض كتب أئمتنا من أهل السنة، فقد عقد العلامة ابن القيم في كتابه " الحادي " فصلاً خاصا في أبدية النار، أطال الكلام فيه جدًّا، وحكى في ذلك سبعة أقوال، أبطلها كلها سوى قولين منها: الأول: أن النار لا يخرج منها أحد من الكفار، ولكن الله ينفيها، ويزول عذابها. والآخر: أنها لا تفنى، أن عذابها أبدي دائم. وقد ساق فيه أدلة الفريقين وحججهم من المنقول والمعقول، مع مناقشتها، وبيان ما لها وما عليها. والذي يتأمل في طريقة عرضه للأدلة ومناقشته إياها، يستشعر من ذلك أنه يميل إلى القول الأول، ولكنه لم يجزم بذلك، فراجع إن شئت الوقوف على كلامه مفصلا الكتاب المذكور (٢/ ١٦٧ - ٢٢٨ طبع الكردي). ولكنني وجدته يصرح في بعض كتبه الأخرى بأن نار الكفار لا تفنى وهذا هو الظن به، فقال ﵀ في " الوابل الصيب " (ص ٢٦) ما نصه: " وأما النار فإنها دار الخبث في الأقوال والأعمال والمآكل والمشارب ودار الخبيثين، فالله تعالى يجمع الخبيث بعضه إلى بعض فيركمه كما يركم الشيء لتراكب بعضه على بعض، ثم يجعله في جهنم مع أهله. فليس فيها إلا خبيث، ولما كان الناس على ثلاث طبقات: طيب لا يشوبه خبث، وخبيث لا طيب فيه، وآخرون فيهم خبث وطيب - كانت دورهم ثلاثة: دار الطيب المحض، ودار الخبث المحض، وهاتان

стр. 4340

الداران لا تفنيان. ودار لمن معه خبث وطيب وهي الدار التي تفنى، وهي دار العصاة فإنه لا يبقى في جهنم من عصاة الموحدين أحد، فإنهم إذا عذبوا بقدر جزائهم أخرجوا من النار فأدخلوا الجنة، ولا يبقى إلا دار الطيب المحض، ودار الخبث المحض ". ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قاعدة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار، لم نقف عليها، وإنما ذكرها الشيخ يوسف بن عبد الهادي في " فهرسته " (ق/٢٦/ ١). "الضعيفة" (٢/ ٧٤ - ٧٥). [١٧٣٩] باب منه [قال الإمام]: ولهم [أي للقاديانية] عقائد ... كثيرة باطلة، خالفوا فيها إجماع الأمة يقينا منها: أن العذاب بالنسبة للكفار منقطع. . "الصحيحة" (٤/ ٢٥٢).

стр. 4341

(كتاب القضاء والقدر)

стр. 4342

جماع أبواب عقيدة أهل السنة في القضاء والقدر

стр. 4343

[١٧٤٠] باب وجوب الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره [قال رسول الله ﵌]: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه». [ترجم له الإمام بما ترجمناه به]. "الصحيحة" (٥/ ٥٦٦). [١٧٤١] باب درجات الإيمان بالقدر [نقل الإمام كلاماً لشيخ الإسلام في ذلك مقرراً إياه فقال]: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في «مجموع الفتاوى» (١/ ١٤٨ - ١٥٠) باختصار بعض الفقرات: والإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين: فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلاً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال. ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب قال: ما اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام، وطويت الصحف كما قال وتعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا في السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ في كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى

стр. 4344

اللَّهِ يَسِير﴾ (الحج:٧٠). وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملةً وتفصيلاً؛ فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكاً فيؤمر بأربع كلمات: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، ونحو ذلك فهذا القدر منكوره غلاة القدرية قديماً ومنكروه اليوم قليل. وأما الدرجة الثانية: فهو مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشية الله سبحانه، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات. ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد. والعباد فاعلون حقيقةً والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلى والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم كما قال تعالى: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيم، وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ (التكوير: ٢٨، ٢٩) وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره ويُخرِجون عن أفعال الله وأحكامه

стр. 4345

حِكَمَها ومصالحها. قلت [الكلام للإمام]: ويشير بكلامه الأخير إلى الأشاعرة فإنهم هم الذين غلوا وأنكروا الحكمة على ما فصله ابن القيم في «شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل». فراجعه فإنه هام جداً. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٤٢ - ٤٥). [١٧٤٢] باب الإيمان باللوح المحفوظ [قال الإمام معلقًا على قول صاحب الطحاوية:- «ونؤمن باللوح»]: قلت: وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيد، في لَوْحٍ مَّحْفُوظ﴾ (البروج:٢١، ٢٢) وهو من الغيب الذي يجب الإيمان به ولا يعرف حقيقته إلا الله. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٤٧). [١٧٤٣] باب إثبات المشيئة لله [قال الإمام معلقاً على قول صاحب الطحاوية:- وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن]: يعني أن مشيئته تعالى وإرادته شاملة لكل ما يقع في هذا الكون من خير أو شر وهدى أو ضلال والآيات الدالة على ذلك كثيرة معروفة يمكن مراجعتها في الشرح وغيره. . . والمقصود بهذه الفقرة الرد على المعتزلة النافين لعموم مشيئته تعالى.
следующие страницы →