← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

(كتاب القضاء والقدر)

стр. 4342

جماع أبواب عقيدة أهل السنة في القضاء والقدر

стр. 4343

[١٧٤٠] باب وجوب الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره [قال رسول الله ﵌]: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه». [ترجم له الإمام بما ترجمناه به]. "الصحيحة" (٥/ ٥٦٦). [١٧٤١] باب درجات الإيمان بالقدر [نقل الإمام كلاماً لشيخ الإسلام في ذلك مقرراً إياه فقال]: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في «مجموع الفتاوى» (١/ ١٤٨ - ١٥٠) باختصار بعض الفقرات: والإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين: فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلاً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال. ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأول ما خلق الله القلم قال له: اكتب قال: ما اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام، وطويت الصحف كما قال وتعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا في السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ في كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى

стр. 4344

اللَّهِ يَسِير﴾ (الحج:٧٠). وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملةً وتفصيلاً؛ فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكاً فيؤمر بأربع كلمات: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، ونحو ذلك فهذا القدر منكوره غلاة القدرية قديماً ومنكروه اليوم قليل. وأما الدرجة الثانية: فهو مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشية الله سبحانه، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات. ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد. والعباد فاعلون حقيقةً والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلى والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم كما قال تعالى: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيم، وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ (التكوير: ٢٨، ٢٩) وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي مجوس هذه الأمة، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره ويُخرِجون عن أفعال الله وأحكامه

стр. 4345

حِكَمَها ومصالحها. قلت [الكلام للإمام]: ويشير بكلامه الأخير إلى الأشاعرة فإنهم هم الذين غلوا وأنكروا الحكمة على ما فصله ابن القيم في «شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل». فراجعه فإنه هام جداً. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٤٢ - ٤٥). [١٧٤٢] باب الإيمان باللوح المحفوظ [قال الإمام معلقًا على قول صاحب الطحاوية:- «ونؤمن باللوح»]: قلت: وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيد، في لَوْحٍ مَّحْفُوظ﴾ (البروج:٢١، ٢٢) وهو من الغيب الذي يجب الإيمان به ولا يعرف حقيقته إلا الله. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٤٧). [١٧٤٣] باب إثبات المشيئة لله [قال الإمام معلقاً على قول صاحب الطحاوية:- وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن]: يعني أن مشيئته تعالى وإرادته شاملة لكل ما يقع في هذا الكون من خير أو شر وهدى أو ضلال والآيات الدالة على ذلك كثيرة معروفة يمكن مراجعتها في الشرح وغيره. . . والمقصود بهذه الفقرة الرد على المعتزلة النافين لعموم مشيئته تعالى.

стр. 4346

لكن يجب أن يعلم أنه لا يلزم من ذلك أن الله تعالى يحب كل ما يقع؛ فالحب غير الإرادة وإلا كان لا فرق عند الله تعالى بين الطائع والعاصي وهذا ما صرح به بعض كبار القائلين بوحدة الوجود من أن كلا من الطائع والعاصي مطيع لله في إرادته، ومذهب السلف والفقهاء وأكثر المثبتين للقدر من أهل السنة وغيرهم على التفريق بين الإرادة والمحبة وإلى ذلك أشار صاحب قصيدة «بدء الأمالي» بقوله: مريد الخير والشر القبيح ولكن ليس يرضى بالمحال. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ثم قالت القدرية: هو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يريد ذلك فيكون ما لم يشأ ويشاء ما لم يكن. وقالت طائفة من (المثبتة): ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وإذن قد أراد الكفر والفسوق والعصيان ولم يرده ديناً أو أراده من الكافر ولم يرده من المؤمن، فهو لذلك يحب الكفر والفسوق العصيان ولا يحبه دينا ويحبه من الكافر ولا يحبه من المؤمن؛ وكلا القولين خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها؛ فإنهم متفقون على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته ومجموعه على أنه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر وأن الكفار ﴿يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (النساء: ١٠٨). "التعليق على متن الطحاوية" (ص١٦ - ١٨).

стр. 4347

[١٧٤٤] باب إثبات الحكمة لله [قال الإمام]: ومن قول شيخ الإسلام في فصل له في إثبات حكمة أحكم الحاكمين وأن السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المشهورين يقرون بها لله في خلقه وأمره قال: «لكن قد يعرف أحدهم الحكمة وقد لا يعرفها، ويقرون بما جعله من الأسباب، وما في خلقه وأمره من المصالح التي جعلها رحمة بعباده. . . وأن كل ما وقع من خلقه وأمره فعدل وحكمة، سواء عرف العبد ذلك أو لم يعرفه». انظر (مجموع الفتاوى) (١٧/ ١٩٨ - ٢٠٥) " تحقيق رفع الأستار" (ص١٣٦). [١٧٤٥] باب اتفاق أهل السنة على أن الطاعات والمعاصي بإرادة الله تعالى [قال الإمام]: اتفق أهل السنة على أن كل شيء من الطاعات والمعاصي فبإرادة الله ﵎، لا يقع شيء من ذلك رغماً عنه ، لكنه يحب الطاعات ويكره المعاصي. "الصحيحة" (٤/ ١٩٦). "تحقيق رفع الأستار" (ص١٣٦).

стр. 4348

[١٧٤٦] باب لماذا طوى الله تعالى علم القدر عن أنامه ؟ [قال الإمام معلقاً على قول صاحب الطحاوية: «فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون﴾ (الأنبياء: ٢٣)]: أي لكمال حكمته ورحمته وعدله لا لمجرد قهره وقدرته كما يقول جهم وأتباعه. كذا في «الشرح» وراجع فيه تحقيق أن مبنى العبودية والإيمان على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع فإنه مهم جداً لولا ضيق المجال لنقلته برمته لنفاسته وعزته. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٤٢).

стр. 4349

أثر ضعف الإيمان بتقدير الله للرزق في حياة المسلمين

стр. 4350

[١٧٤٧] باب أثر ضعف الإيمان بتقدير الله للرزق في حياة المسلمين سؤال: [نحن في] الزمان الذي أختلط فيه الحابل بالنابل، والتبس فيه طريق الحرام بالحلال لا التباساً شرعياً، وإنما التباساً عرفياً، فأصبح من العسير جداً أنه نأتي نقول لهذا والله خطأ. وخاصة الآن يعني: عندما قَلَّت الأعمال وضعفت .. ، فمثلاً: يأتي واحد يسألك عن حكم العمل في البنك يقول لك بحثت بحثت ما وجدت عمل، واحد مثلاً يسألك عن حكم العمل في الشركة تعمل أو حسابات في البنوك. وواحد يسألك عن التأمين، .. وهذه السيرة طبعاً يعني: خاصة الآن في كل الشركات والمدارس معظمها أنه العمل الرجال مع النساء، يعني: الرجل يعمل إلى جانب المرأة، وبخاصة في الشركات وبعض المؤسسات الاقتصادية والمالية، فهذه طبعاً دوائر الحكومة كما عندك قديم، لكن هذه الحقيقة طبعاً نحن نجيبهم على هذا، ونقولهم يعني: ما نعلم من هذا الحكم، لكن النقطة التي يوردوها لك: إنه والله يا أخي نحن الآن ما في عمل مثلاً، ومتطلبات الحياة كثيرة، فماذا ترون يعني: بارك الله فيكم؟ الشيخ: أرى أن هذه لا تبرر ارتكاب ما نهى الله عنه، لكن المسألة في الحقيقة تدور بين من يعتقد أن هذه الأمور أو هذه الوظائف نهى الشارع الحكيم عنها، وبين من يجد من يفتيه بجوازها، ولذلك فالمسألة ليس من السهل أن نفتي الناس كل الناس بعدم جواز هذه الأمور؛ لأن كثيرين منهم قد أفتوا، وأبيح لهم وهذا أمر لا يخفى عليك، لكن نحن رأينا الشخصي لاشك أنه كل هذه الأمور ما دامت

стр. 4351

تقوم على التعاون على المنكر، فهو منكر بنص القرآن الكريم: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة:٢) هذا من جهة. ومن جهة أخرى: المجتمع اليوم كما تعلم، وكما تدندن في كثير من خطبك: ليس ملتزماً للأحكام الشرعية، ومن أهمها: تقوى الله ﵎، هذه التقوى التي تستلزم الإتيان بما أمر الله، والانتهاء عما نهى الله، فطلب الرزق أصبح اليوم جماهير المسلمين لا يفكرون مطلقاً فيما هو حلال، وفيما هو حرام، وإنما نحن بحاجة وكما قلت حكايةً عنهم أنه متطلبات العصر كثيرة وكثيرة، ولذلك نحن بدنا نكفي أنفسنا وأهلينا وذريتنا ونحو ذلك، لكن الواقع أن المبدأ القرآني الذي كان ينبغي أن يكون مسطوراً مغروزاً في القلوب فالشيطان أوحى إليهم بأن يعلقوها على الجدر، ويجعلوها لافتات جميلة الخط: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق:٢، ٣). أما القلب فلا يشعر بأن هناك آية تنص على هذا الأمر الإلهي، فَهْم القضية الإلهية، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق:٢، ٣). تجد هذه الظاهرة كما لا يخفى على الجميع منتشرة بين صدور جماهير المسلمين حتى المصلين منهم، وبصورة خاصة: الأغنياء منهم فما يسألك نعرف نحن أن الربا حرام، ووضع المال في البنك حرام، لكن أين نضع أموالنا؟ إذا وضعناها في بيوتنا كنا عرضةً في مالنا وفي ذواتنا للصوص والقتلة وسفاكي الدماء وو إلى آخره، هذا بلا شك كما لا يخفاك من تزيين الشيطان لعمل الإنسان المخالف لأوامر الرحمن. ولذلك أنا أريد أن ندندن دائماً وأبداً مع هؤلاء المسلمين أن نربطهم مع تقوى

стр. 4352

الله ، والخوف منه بكل تصرفاتهم وأن يتذكروا هذه الآية وما يتعلق بها من أحاديث تعتبر كالشرح لمضمون هذه الآية، فحين يقول قائلهم: وين نضع هذه الأموال؟ هو أبداً لا يتذكر: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (الطلاق:٢) وأنا أقول: أمر مضحك كأن الواحد منكم يتصور بأنه سيرفع الراية على الجماهير أنه أنا مليونير، وهذه الملايين التي عندي واضعها في داري وفي المكان الفلاني، ولذلك هو سَيُغزى وسيقصد، يا أخي افعل الوسائل المشروعة وخبي مالك في مكان لا يطلع عليه إلا الله ، ثم أنت ومن قد تثق به من أهلك، فهذا السبب مشروع، لكن لا؛ هو إذا فعل ذلك تعطلت أعماله التجارية، وضاقت عليه وسائل الكسب بينما البنك ييسر له ذلك، وهذا بلا شك أن البنك ييسر المعاملات، ولكن لا ينبغي للمسلم أن يتورط، وأن يتبنى كل وسيلة، ولو كانت ميسرة لبعض أعماله إذا كانت ماذا؟ محرمة شرعاً. فعلى هذا يجب أن نروي بهذه المناسبة، قصة ذلك الرجل الذي كان يمشي في الصحراء، فسمع صوتاً من السحاب اسق أرض فلان فوصل إلى أرض فلان، وإذا فيها رجل يعمل بالمسحات والأمطار تنزل في أرضه فقط، فعجب من ذلك، ولما سلم عليه والرجل عرف أنه ليس من أهل تلك البلاد، فما يدريك فيَّ؟ قال: سمعت في السحاب اسق أرض فلان، فعرفت أنك أنت الذي سخر لك السحاب، سخر لك السماء، فلمَ؟ قال كما هو شأن المتقين الخائفين من رب العالمين: هو ما يدري، ولكن عندي هذه الأرض أزرعها ثم أحصدها، وأجعلها ثلاثاً: ثلث أعيده للأرض، وثلث أنفقه على نفسي وأهلي، والثلث الآخر: أتصدق على الفقراء والمساكين قال له: بهذا (١).

стр. 4353

فهنا نجد أن تقوى الله سخرت له السماء، وذاك الآخر سخر الله له البحر حينما جاء الأجل بوفاء الدين، ولم يستطع الوفاء، فأخذ خشبة ودك فيها مائة دينار، وجاء إلى ساحل البحر وقال بكل بساطة وبكل دروشة وهو بلا شك نحن اليوم صحيح مسلمين لكن غلبت علينا المادة من جهة، وضعف الإيمان بالغيب من جهة أخرى، لا نكاد نصدق بمثل هذه القصة، وهي في صحيح البخاري ونعتبر أنه هذا الإنسان ما هو طبيعي عقله، وأنا أشهد أيضاً كذلك، بل هو نفسه يشهد بأنه حينما اتصل مع صاحبه الدائن له تجاهل ما فعل كما تعلمون، تجاهل لماذا؟ لأنه إنسان عاقل عقله معه، يأتي وقد حشا مائة دينار في شعفة خشبه وما ندري طريق الدك يمكن تجيء موجة تضربها ويروح الدنانير كله لقاع البحر، رمى الخشبة وقال: يا رب أنت كنت الكفيل وأنت كنت الشهيد ورماها، وربنا قادر على كل شيء، أمر الأمواج أن تأخذ هذه الخشبة إلى البلدة التي فيها الدائن، وقد خرج لاستقبال المدينة في اليوم الموعود ما جاء الرجل، لكن الخشبة تتقاذفها الأمواج بين يديه فمد يده إليها، وإذا هي ليست خشبة كالخشبات، أخذها إلى الدار ولما كسرها انهارت بين يديه مائة دينار ذهب أحمر، استغرب الرجل وسرعان ما عاد إليه المدين هنا يظهر للمدين عارف حاله أنه عامل دروشة عامل عمل غير منطقي، فمد يده ودفع له مائة دينار؛ لأنه افترض أن المائة الدينار تلك ما راح توصل، عمل غير طبيعي هنا كما يقولون اليوم ما وراء الطبيعة. في الحقيقة القصة تعطينا عبر عظيمة جداً إن الطيور على أشكالها تقع، كلاهما قلوبهم صافية سواءً الدائن أو المدين، كان باستطاعة الدائن أن يأكل المائة الدينار ولا رقيب ولا عتيد، ولم يقل له أعطيه لك بواسطة البريد المستعجل كلام فاضي هذا، من أين يشهد؟ لكن هو مضطر أن الله يعرف قال: والله أنا

стр. 4354

خرجت في اليوم الموعود لاستقبالك فلما تأخرت وجدت الخشبة تتلاعب بين يدي، فأخذتها كسرتها وإذا فيها مائة دينار قال: والله أنا فعلت هذا؛ لأنه لما جاء اليوم الموعود وعرفت أني لا أستطيع أن أفي بالوعد، فأخذت الخشبة ونقرتها ووضعت فيها مائة دينار، وجئت إلى ساحل البحر قلت: يا رب أنت كنت الكفيل وأنت الشهيد قال: قد وفى الله عنك بارك الله لك في مالك، ورد له المائة الدينار (١). بهذه التقوى نحن اليوم لا نجدها في صدور المسلمين، ولذلك تكثر الشكاوى من أين أعيش؟ ولا يستطيع أن يدبر حاله في هذا العصر وهم يعلمون جميعاً أن الكثير منهم كما أشرت في سؤالك بارك الله فيك أنه في عنده شيء من المال، لكن كيف ينميه ويجدده؟ "الهدى والنور" (٢٣٣/ ٠٧: ٣٥: ٠٠)

стр. 4355

جماع أبواب الإمساك عن التكلم في القدر

стр. 4356

[١٧٤٨] باب معنى قول النبي ﵌: «إذا ذكر القدر فأمسكوا» [قال الإمام معلقاً على قول صاحب الطحاوية:- «وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة»]: وهذا التعمق هو المراد - والله أعلم - بقوله ﵌: «. . . وإذا ذكر القدر فأمسكوا» وهو حديث صحيح روي عن جمع من الصحابة وقد خرجته في «الصحيحة» (٣٤). "التعليق على متن الطحاوية" (ص٤٢). [١٧٤٩] باب النهي عن التكلم في القدر [قال رسول الله ﵌]: «إن أمر هذه الأمة لا يزال مقارباً أو مواماً حتى يتكلموا في الوالدان والقدر». [ترجم له الإمام بقوله]: النهي عن التكلم في الولدان والقدر. "الصحيحة" (٤/ ٢٤١).

стр. 4357

جماع أبواب حكم الاحتجاج بالقدر

стр. 4358

[١٧٥٠] باب الاحتجاج على المصائب بالقدر [قال رسول الله ﵌]: - «إن موسى قال: يا رب أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فأراه الله آدم، فقال: أنت أبونا آدم؟ فقال له آدم: نعم، فقال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلمك الأسماء كلها، وأمر الملائكة فسجدوا لك، قال: نعم، قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: ومن أنت؟ قال: أنا موسى، قال: أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء حجاب، لم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه؟ قال: نعم، قال: أفما وجدت أن ذلك كان في كتاب الله قبل أن أخلق؟ قال: نعم، قال: فما تلومني في شيء سبق من الله تعالى فيه القضاء قبلي؟ قال رسول الله ﵌ عند ذلك: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى». [قال الإمام]: قوله: (فحج آدم موسى) أي غلبه بالحجة. واعلم أن العلماء قد اختلفوا في توجيه ذلك، وأحسن ما وقفت عليه ما أفاده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، إنما هو أن موسى لامه على ما فعل لأجل ما حصل لذريته من المصيبة بسبب أكله من الشجرة، لا لأجل حق الله في الذنب، فإن آدم كان قد تاب من الذنب، وموسى ﵇ يعلم أن بعد التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب، ولهذا قال: " فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ "، لم يقل: لماذا خالفت الأمر؟ والناس مأمورون عند المصائب التي تصيبهم بأفعال الناس أو بغير أفعالهم بالتسليم للقدر وشهود الربوبية ... فراجع

стр. 4359

كلامه في ذلك فإنه مهم جداً في الرسالة المذكورة وفي " كتاب القدر " من " الفتاوى " المجلد الثامن وكلام غيره في " مرقاة المفاتيح " (١/ ١٢٣ - ١٢٤). "الصحيحة" (٤/ ٢٧٧ - ٢٧٨). [١٧٥١] باب هل يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي ؟ السؤال: يا شيخ في حجاج آدم وموسى ﵇، قال آدم لموسى أخيراً: أفتلومني على أمر كتبه الله علي أو قدره علي ... [فهل هذا غير] علم الله السابق .. ؟ الشيخ: ليس هناك غيره أبداً، القدر هو ما سجله الله في اللوح المحفوظ، فما كتبه الله في اللوح المحفوظ مما هو موافق للعلم الإلهي، فهذا هو المقصود ولا يوجد شيء ثاني أبداً. مداخلة: إذاً: آدم هنا احتج بالقدر يعني ... الشيخ: نعم. مداخلة: هل يجوز الاحتجاج بالقدر؟ الشيخ: لا يجوز الاحتجاج بالقدر، لكن يجب أن تلاحظ بأن هناك فرقاً بين هذا الاحتجاج الذي حكاه نبينا ﵌ مما جرى بين آدم وموسى وبين احتجاج غير آدم مثل قول المشركين: ولو شاء الله ما عبدناه. الفرق واضح جداً وهو أن التحاجج الذي جاء في الحديث جرى في عالم غير عالم التكليف واضح؟ مداخلة: نعم. الشيخ: هذا أولاً.

стр. 4360

وثانياً: المؤاخذة جرت بعد أن تاب آدم ﵇ وأناب كما هو في صريح القرآن، بينما الاحتجاج بالقدر هو لتمرير وتسويغ المعصية بحجة أن الله هكذا كتب علينا، فشتان بين الأمرين. مداخلة: يا شيخ اليوم الناس إذا حدث لإنسان شئ بدون فعله، يقول: هذا قضاء وقدر، ليس هناك تعبير آخر بدل هذا التعبير؟ يعني مثلاً إنسان عمل حادث بدون قصد نقول له: قضاء وقدر ... الشيخ: كله قضاء وقدر. مداخلة: هو كله قضاء وقدر، لكن هل يوجد تعبير آخر نقوله؟ الشيخ: لا يوجد، لكن المهم أن المسلم إذا ارتكب فاحشة أن لا يحتج بالقدر، لكن كل شيء يقع فهو بقدر الله وقضائه ولا شك ولا ريب أبداً. مداخلة: الذي يقع علينا غصباً عنا كما يقولون. الشيخ: كله قدر، لكن بين قدر وقع على الإنسان ويؤاخذ به، وبين قدر يقع للإنسان ولا يؤاخذ به، كما نعلم جميعاً التفريق بين قتل العمد وقتل الخطأ، فقتل العمد يؤاخذ عليه الإنسان في الدنيا والآخرة، أما قتل الخطأ فلا يؤاخذ إلا في الدنيا دون الآخرة، وهكذا كل المعاصي إما أن تقع باختيار الإنسان فهو يؤاخذ وذلك مقدر عليه بلا شك، وإما أن يقع رغم أنفه وبدون اختياره فهو لا يؤاخذ على ذلك. "الهدى والنور" (٢٢١/ ٠٠:٥٣:٤١)

стр. 4361

[١٧٥٢] باب منه ؟ سؤال: أمامي الآن كتيب عقيدة أهل السنة والجماعة لشيخنا محمد بن صالح بن عثيمين. الشيخ: نعم. مداخلة: هناك فقرة .. الكتاب جيد, صحيح؟! الشيخ: أنا ما رأيته لكن هكذا نسمع. مداخلة: نعم، هنا أمامي فقرة لا أفهمها: أقرأه لك إن شاء الله جيد؟ الشيخ: نعم. مداخلة: يقول الشيخ: ونرى أنه لا حجة للعاصي على معصيته بقدر الله تعالى؛ لأن العاصي يقدم على المعصية باختياره من غير أن يعلم أن الله تعالى قدرها عليه، إذ لا يعلم أحد قدر الله تعالى إلا بعد وقوع مقدوره: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (لقمان:٣٤) فكيف يصح الاحتجاج بحجة لا يعلمها المحتج بها حين إقدامه عليها ... هذا الكلام لا أفهمه. الشيخ: الكلام واضح. مداخلة: كيف. الشيخ: الآن عندما الواحد يريد أن يسرق، هل علم قبل أن يسرق بأن الله قدر عليه السرقة؟ مداخلة: لا طبعاً. الشيخ: طيب! وعندما سرق عرف.

стр. 4362

مداخلة: نعم. الشيخ: فما فائدة هذا الاحتجاج؟! مداخلة: لكن هذا لا ينفي أنه قدر الله. الشيخ: لا ينفي، لكن نحن نضيف إلى كلام الشيخ عبارة قد تكون هي العبارة الموضحة والقاضية على الشبهة. مداخلة: نعم. الشيخ: لا شك أن عمل كل إنسان إما أن يكون فيه مختاراً وإما أن يكون فيه مجبوراً، وأنت لا تناقش في هذا التقسيم، أليس كذلك؟ مداخلة: نعم. الشيخ: يعني: الإنسان قد يفعل شيئاً باختياره، وقد يفعل الشيء نفسه رغم أنفه، واضح؟ مداخلة: نعم. الشيخ: طيب! يعني: من الأمثلة الواضحة قتل العمد وقتل الخطأ، طيب! مداخلة: نعم. الشيخ: فحينما يقتل القاتل عامداً متعمداً، أولاً: هو لا يدري أن هذا مسجلاً عليه أو لا؟ إلا بعد الوقوع، كذلك الذي يقتل خطأً لا يدري أن ذلك كان مسجلاً عليه إلا بعد الوقوع، فالذي يحتج بالقدر وهو عاصي، وهو القاتل العمد في مثالنا نقول له: ربنا قدر عليك بمعنى أنه علم أنك ستقتل عامداً متعمداً وهذا

стр. 4363

الذي علمه الله كَتَبَهُ في اللوح المحفوظ وذلك هو القدر، هذا العلم الإلهي والكتابة الإلهية والقدر الإلهي هو كاشف لما سيقع بكل تفاصيله، وبحثنا الآن: القاتل عمداً، فالله علم بأنه سيقتل باختياره؛ ولذلك يؤاخذه، والذي يقتل خطأً أيضاً كتب في اللوح أنه يقتل خطأً ولذلك فلا يؤاخذه، فالاحتجاج إذاً بالقدر باطل إلا إذا كان مكرهاً فحينئذ ما منه مانع. لعله وضح لك الأمر؟ مداخلة: فهمت جداً فهمت جداً، يعني: الآن القدر قدر الله يعني: علمه لا يتناقض مع قدره. الشيخ: أبداً هو كشاف للواقع قبل وقوعه. "الهدى والنور" (٣٣٩/ ٣٩: ٥٣: ٠٠)

стр. 4364

جماع أبواب الكلام على إرادة الله تعالى الشرعية وإرادته الكونية

стр. 4365

[١٧٥٣] باب بيان أقسام الإرادة الإلهية والقضاء الإلهي سؤال: مرتين، وردت آية في القرآن: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (البقرة:١١٧) مرتين، ربنا أراد وقضى، الإرادة سابقة لقضاء الله وأمر الله أم الأمر سابق للإرادة؟ نعرف من الآية من سياق الآية أن الإرادة سابقة لقضاء الله وأمره، ربنا قضى على إبليس ألا يسجد لآدم .. كان إبليس شيخ المسبحين، وكان في الجنة بإرادة الله، طبعاً بإرادة الله ربنا أراد لإبليس ألا يسجد في علمه، وعندما قضى له أن اسجد رفض السجود لم يطع أمر الله، لو أطاع إبليس أمر الله لخالف إرادة الله؟ ولو أطاع إرادة الله لخالف أمر الله؟ الشيخ: الله أكبر. إيه. مداخلة: هل ربنا ظالم جل وتعالى عن ذلك لإبليس؟ أو كيف يعذب وهو أراد له ذلك؟ الشيخ: طيب. أنت حصرت الآن الكلام على إبليس. مداخلة: نعم. الشيخ: هل المسألة تختلف عن إبليس وأتباع إبليس أو مخصوصة بإبليس؟ مداخلة: هي يعني خلينا نقول: يعني وجه الشر على إطلاقه. الشيخ: ما هوَّ هذا السؤال أنت قيدته، ولذلك قلت لك: خاص بإبليس أو هو بأتباع إبليس؟ مداخلة: إذا إحنا خصصنا نعرف العام.

стр. 4366

الشيخ: آه. مداخلة: إذا خصصنا نعرف العام. الشيخ: تعرف العام. إذاً من حيث الفكر غير المنطق، الفكر أنه ما في فرق بين إبليس وأتباعه. مداخلة: نعم. الشيخ: وأنت مؤمن بهذا معي. مداخلة: نعم. الشيخ: لا، شايفك أنت تكتب. مداخلة: لأن السؤال أيضاً لي وأنا يعني سُئلت. الشيخ: معليش، بس ... يقولون عندنا في الشام: العين مغرفة الكلام. مداخلة: نعم. الشيخ: فإذا أنا ماشي وأنت تكتب معنى هذا انْصَرَفْتَ عني. مداخلة: بارك الله فيك. الشيخ: ولست أعني لا تسجِّل لا، خذ رخصة وسَجِّل. مداخلة: بارك الله فيك. الشيخ: كيف تفهم قولَهُ تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (الإسراء:٢٣)؟

стр. 4367

مداخلة: إرادة الله السابقة لعلمه. الشيخ: هذه الفلسفة تبعك اتركلي إياها الآن. ما معنى: قضى ربك؟ مداخلة: أمر. الشيخ: أمر أمراً شرعياً أم كونياً؟ مداخلة: لعله شرعي. الشيخ: ولعله ليس شرعيًّا؟ مداخلة: طبعاً شرعي. في عندنا أثر عن ابن عمر نسيت القصة، بس قال له واحد من الجالسين قال له: لعل الأمر كذا قال له: اجعل لعل عند ذاك الكوكب. مداخلة: نعم. الشيخ: وأنت كذلك. طيب. إذاً نعيد السؤال. مداخلة: نعم. الشيخ: .. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ (الإسراء:٢٣) هل هو معنى قضى: أراد إرادة شرعية أم كونية؟ قلت: أنت لعل، وأنا أظن أن هذه رمية ولذلك خائف منها، تكون رمية من غير رام، أما إذا كنت قاصدها فيسهل علينا ماذا؟ المضي فيما نحن في صدده. مداخلة: نعم. الشيخ: [بعد تدخل بعض الحضور] اسمع يا أخي الله يهديك. إلا إذا كنت أنت عاملين اتفاق أنتم اثنين عليَّ واحد من جهة وواحد من الجهة معليش، أما أنا

стр. 4368

ما أحب أن واحد من هون وواحد من هون. مداخلة: ... يميز بين الشرعي. الشيخ: يا أخي هذا مش وارد، نسمع منه. راح يبين للأخير، ثم نحن يا أخي نكون صريحين في الموضوع. إذا أنا سألت هذا السؤال وبحلق عيونه وما عمره سمع هذا السؤال يقول: والله ما عندي علم، لازم هو يقول مش أنت تخليه براحته وتجاوب عنه، هيك ما تكون ساعدته ... ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (الإسراء:٢٣) قضى ربك بمعنى ماذا؟ أمر. مداخلة: نعم. الشيخ: طيب. الأمر هنا كوني أم شرعي؟ مداخلة: شرعي. الشيخ: شرعي. الأمر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس:٨٢) شرعي أم كوني؟ مداخلة: كوني. الشيخ: كوني، طيب. كفر إبليس وعدم سجوده لآدم ﵇ هو الذي كان بأمر إلهي كوني أو شرعي؟ مداخلة: شرعي. الشيخ: هنا وقف حمار الشيخ عند العقبة. كيف شرعي؟ إذاً كنا نقول: ما هو

стр. 4369

الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية؟ وهذا في الحقيقة من دقائق علم التفسير التي يدندن حولها شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله. إرادة الله في آياته تحمل معنيين: أحدهما معنى عام شامل لكل شيء والآخر معنى خاص ليس شاملاً لكل شيء. الأول العام يشمل الخير والشر، يشمل الإيمان والكفر، كل شيء. الثاني خاص بما يحبه الله، بما يرضاه، بما شرعه لعباده. فلما تساءلنا عن قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء:٢٣) كان الجواب قضى هنا بمعنى: أراد إرادة شرعية، أي: حكم كذا وكذا أن يعبد الله وحده وبالوالدين إحساناً، لكن كون الله حكم بشيء شيء، وكون هذا الحكم سيقوم به الناس كل الناس أو بعض الناس هذا شيء آخر. وكواقع هذا القضاء، هذا الحكم الإلهي في الآية: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (الإسراء:٢٣) مُشَاهَد ما يحتاج إلى شرح، منهم من حقق هذا الحكم الشرعي ومنهم من لم يحققه، فالناس إذاً تجاه هذه الآية كهم تماماً تجاه كل الآيات التشريعية قسمين، فمنهم من آمن ومنهم من كفر. هؤلاء القسمين داخلين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس:٨٢) بمعنى: أن كفر الكافر لا يقع رغم إرادة الله بل هذا من إرادة الله فضلاً عن إيمان المؤمن لا يقع رغم إرادة الله بل كل ذلك بإرادة الله، فهذا معنى كون الإرادة في قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس:٨٢) فهذه الإرادة تشمل كل شيء إطلاقاً وهي الإرادة الكونية وليست هي الإرادة الشرعية. أما الإرادة الشرعية فهي خاصة بما شرعه الله ورضيه لعباده. أي نعم.

стр. 4370

كيف تقول الآية ولا يريد لعباده الكفر. مداخلة: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (الزمر:٧). الشيخ: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (الزمر:٧) لا يرضى هو بمعنى: لا يريد، لكن لا يرضى أوضح وألصق بالإرادة الشرعية من كلمة «إرادة» المطلقة؛ لأنه وضح لنا أن الإرادة تنقسم إلى قسمين يدخل فيها الخير ويدخل فيها الشر، إذا دخل فيها الشر تكون إرادة كونية ما تكون إرادة شرعية. فإذاً؛ إذا رجعنا لإبليس والأبالسة كلهم هؤلاء عصوا الله ، ما أطاعوه من حيث إرادته الشرعية، لكن هم وقعوا وفعلوا ما فعلوا ضمن الإرادة ماذا؟ الكونية، أي: ما عصوا الله رغم إرادة الله لأن الله قادر أن يرغم أكثر الكفار أنه يؤمن وما ذلك على الله بعزيز، لكن سبقت مشيئة الله وحكمته أن يقرر ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:٢٩). إذاً ما في إشكال - يا أخي - بين الآية هذه والآية الأخرى التي فهمت منها التناقض، إنما استحضر في نفسك أن الإرادة والقضاء الإلهي يشمل نوعين من حيث ماذا؟ الإرادة الكونية، لكن من حيث الإرادة ومن حيث القضاء الشرعي فهو يشمل نوعاً واحداً. لعله زال الإشكال إن شاء الله. "الهدى والنور" (٢٣٤/ ٤٨: ٣٨: ٠٠) [١٧٥٤] باب هل هناك فرق بين الإرادة والمشيئة ؟ سؤال: فضيلة الوالد حفظك الله: هل هناك فرق بين الإرادة والمشيئة؟ الشيخ: لا فرق في ذلك فهما لفظان يؤديان إلى صفة واحدة: إرادة الله ومشيئته في معنى واحد بخلاف رضى الله ومحبة الله، فرضى الله ومحبة الله أيضًا

стр. 4371

بمعنى واحد ولكنهما يختلفان من ناحية عن الإرادة والمشيئة، فمشيئة الله وإرادته تشمل كل شيء يقع في هذا الكون من خير أو من شر، كما تقرؤون في كتابه ﵎ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس:٨٢) فقوله تعالى هذا يشمل كل شيء يقع في هذا الكون من كل أمر سواءً كان مشروعًا أو غير مشروع، لذلك قال أحد العلماء: مريد الخير والشر القبيح ولكن ليس يرضى بالمحال. إن مشيئة الله وإرادة الله لفظان مختلفان مترادفان في المعنى، كذلك قوله: رضا الله ومحبة الله أيضًا لفظان مختلفان مترادفان في المعنى، هذان لفظان يختلفان لفظًا ومعنًى عن اللفظين الأولين، فمحبة الله للشيء ورضى الله للشيء يدخل في عموم إرادته، وكذلك ما يكرهه كما ذكرنا آنفًا. أما ما يكرهه ربنا ﵎ فلا يدخل فيما يحبه ولا فيما لا يرضاه كما قال تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (الزمر:٧) من هنا قال أحد العلماء: مريد الخير والشر القبيح: جمع للإرادة الخير والشر كما ذكرنا، ولكن ليس يرضى بالمحال: الذي هو الشر، فالله يحب الخير .. يحب الإيمان ويكره الكفر والطغيان، كل من الإيمان والكفر بمشيئة الله وتقديره وإرادته. "رحلة النور" (٣٣أ/٠٠:١٥:٠٠) [١٧٥٥] باب الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية [قال رسول الله ﵌]: «يقول الله لأهون أهل النار عذاباً يوم القيامة: يا ابن آدم! كيف وجدت

стр. 4372

مضجعك؟ يقول: شر مضجع، فيقال له: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتدياً بها؟ فيقول: نعم، فيقول: كذبت قد أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب» وفي رواية: ظهر «آدم أن لا تشرك بي شيئا ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك، فيؤمر به إلى النار». [قال الإمام]: قوله: (قد أردت منك) أي أحببت منك، والإرادة في الشرع تطلق ويراد بها ما يعم الخير والشر والهدى والضلال كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ في السَّمَاءِ﴾.وهذه الإرادة لا تتخلف. وتطلق أحياناً ويراد بها ما يرادف الحب والرضا، كما في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾،وهذا المعنى هو المراد من قوله تعالى في هذا الحديث (أردت منك) أي أحببت والإرادة بهذا المعنى قد تتخلف، لأن الله ﵎ لا يجبر أحدا على طاعته وإن كان خلقهم من أجلها ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، وعليه فقد يريد الله ﵎ من عبده ما لا يحبه منه. ويحب منه ما لا يريده، وهذه الإرادة يسميها ابن القيم رحمه الله تعالى بالإرادة الكونية أخذاً من قوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ويسمى الإرادة الأخرى المرادفة للرضا بالإرادة الشرعية، وهذا التقسيم، من فهمه انحلت له كثير من مشكلات مسألة القضاء والقدر، ونجا من فتنة القول بالجبر أو الاعتزال وتفصيل ذلك في الكتاب الجليل " شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل " لابن القيم رحمه الله تعالى. "الصحيحة" (١/ ١/٣٣٠ - ٣٣٤).

стр. 4373

[١٧٥٦] باب منه السائل: شيخنا أكرمكم الله، سؤالي عن الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية لو مع التمثيل إذا تكرمتم؟ بارك الله فيكم. الشيخ: الإرادة الكونية مشتقة من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس:٨٢) وهذا واضح جداً، لكن قد يكون غائباً عن بعض الأذهان، هل الشر يكون بإرادة الله أم لا؟ جوابك؟ الملقي: بإرادة الله أولاً. الشيخ: طيب. فإذا كل شيء يكون في هذا الكون هو بإرادة الله ، سواءٌ كان خيراً أو كان شراً، فهذه الإرادة الشاملة للخير والشر هي الإرادة الكونية، أما الإرادة الشرعية فهي تتعلق فقط بأحد المكونين، ألا وهو الخير، ويجمع لك هذا قول أحد الفقهاء العلماء في قصيدة لها يقول فيها في الرب ﵎: مريد الخير والشر ... ولكن ليس يرضى بالمحال هو يريد الخير والشر ولكن لا يرضى بالشر، وهذا صريح في القرآن الكريم: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (الزمر:٧)، مع أنه الكفر كائن من الأكوان، وذلك بإرادة الله، فهو يريد هذا الكفر وهذا الكافر إرادة كونية، لكن لا يريد ذلك إرادة شرعية، لعل في هذا بيان. الملقي: جزاك الله خيراً. الشيخ: وإياك. "الهدى والنور" (٦٧٤/ ٣٠: ٤١: ٠٠)

стр. 4374

[١٧٥٧] باب منه سؤال: قرأت حديثاً يا شيخنا في تفسير الجلالين يقول: قال ﵌: «﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (الأنعام:١٥٩) إنما هم أهل البدع وأهل الأهواء والضلالة من هذه الأمة، يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع ليس لهم توبة، يا عائشة إني برئ منهم وهم منا براء» (١) فما مدى صحة هذا الحديث؟ وما معنى: غير أصحاب البدع والأهواء ليس لهم توبة؟ وجزاكم الله خيراً. الشيخ: طبعاً هذا الحديث ضعيف سنداً ومتناً كما يقول علماء الحديث سنداً ومتناً. أما السند فلأن فيه علة تمنع من الحكم عليه بالصحة طبعاً أنا الآن غير مستحضر لهذه العلة سوى أني أعرف أن الحديث لا يصح من حيث إسناده، أما أنه لا يصح من حيث متنه، فهذا واضح جداً؛ لأن صاحب البدعة مهما كانت بدعته فسوف لا تكون أشر عند الله من شرك الكافر المشرك، فإذا كان الأمر كذلك وكان معلوماً عند كل مسلم قوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨). فهذا النص صريح بأن الله من الممكن الجائز بالنسبة إليه ﵎ ليس فقط أن يقبل توبة المبتدع، بل وأن يغفر له بدعته، ولو لم يتب منها؛ لأن بدعته ليست شركاً، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨).

стр. 4375

هذا جواب على افتراض أن البدعة ليست كالشرك، وإنما هي دون ذلك. وإذا افترضنا أن البدعة التي أريد بهذا الحديث هي: نوع من أنواع الشرك حينئذ نستدل بقوله ﵎ في صفات الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الفرقان:٦٨ - ٧٠). لقد بدأ الله بذكر المذنبين المجرمين في هذه الآية بالمشركين فقال: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ... ﴾ (الفرقان:٦٨) إلى آخر الآية. ثم استثنى أي: بعد أن حكم لهؤلاء بالنار قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الفرقان:٧٠). إذاً: لنفترض أن هذا المبتدع بدعته بدعة شركية، فلماذا لا يتوب الله عليه إذا تاب؟ وقد قال تعالى في الآية السابقة: إلا من تاب. فهذا دليل على بطلان هذا المتن بعد أن لم يثبت هذا المتن على طريقة المحدثين أي: من جهة السند، فإذاً: هذا الحديث لا يصح لا إسناداً ولا متناً، لكن يمكن أن يقال: لو افترضنا أن لهذا الحديث أصلاً يمكن أن يقال: بأن راويه الذي بسببه ضعف إسناد الحديث هذا كان من أصحاب الأوهام والأخطاء في رواية الحديث. هناك حديث ثابت عن الرسول ﵇ قد يتوهم كثير من الناس أنه هذا

стр. 4376

الحديث هو بمعنى حديثك، ما هو الحديث؟ «أبى الله أن يجعل لصاحب بدعه توبة» (١). هذا حديث صحيح: «أبى الله أن يجعل لصاحب بدعة توبة». فربما فهم ذلك الراوي بسوء فهمه، أو سوء حفظه فروى هذه الجملة التي لها صحة بتلك الجملة أن الله لا يقبل توبة المبتدع لا، أبى الله أن يجعل لصاحب بدعة توبة لا تعني أنه لو تاب توبة نصوحاً لا يقبل الله توبته للسبب الذي ذكرته آنفاً. إذاً: ما معنى: «أبى الله» هذا إباء يسمى في لغة العلماء كوني إباء كوني وليس إباء شرعياً بمعنى: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس:٨٢) طيب. هذه الكفريات هذه الشركيات، وهذه المعاصي التي تقع في هذا الكون هي بإرادة الله أم لا؟ الجواب: تأملوا في الآية، إذا ما كان عندكم فكرة سابقة أن إرادة الله تشمل كل شيء، ولذلك جاء في عقيدة الإيمان بالله وملائكته في آخره وبالقدر خيره وشره إذاً: الخير والشر كلاهما بإرادة الله وتقديره، هذا هو الذي يعنونه بأنه هذه الإرادة كونية، فالحديث يعني: أبى الله أي: إرادة كونية أن يجعل لصاحب بدعة توبة، لكن ليس هذا إرادة شرعية أي: إذا تاب المشرك يقبل توبته؟ يقبل توبته بدليل ما سبق وغيرها، في إرادة يقابل الإرادة السابقة الإرادة الكونية إرادة شرعية. فهناك فرق كبير جداً بين الإرادة الشرعية وبين الإرادة الكونية: الإرادة الكونية تشمل الخير والشر، تشمل الهدى والضلال الإيمان والكفر،

стр. 4377

هذه ما اسمها؟ إرادة كونية يقابلها الإرادة الشرعية، الإرادة الشرعية خاصة بالخير خاصة بالإيمان، قال تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (الزمر:٧) هذه آية في القرآن صريحة، ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (الزمر:٧) هل يريد لعباده الكفر؟ مداخلة: نعم. الشيخ: هاه، أخطأ صاحبنا؛ لأننا نحن في صدد القول أنه الإرادة الكونية شاملة، الإرادة الكونية شاملة إبليس لما كفر مش رغم أنفه كما يقال رب العالمين حاشاه، إنما بإرادة الله ، لكن هذه إرادة كونية وليست شرعية؛ لأن الإرادة الشرعية لا تشمل الكفر. الإرادة يمكن الآن أن نجعل لها قسمين نقسم الإرادة إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية. الإرادة الكونية شاملة للخير والشر من إيمان وكفر ... إلى آخره. الإرادة الشرعية لا تتعلق إلا بالإيمان والعمل الصالح، وهنا تفسر الإرادة الشرعية بالرضا. أما الإرادة الكونية لا تفسر بالرضا، وقد ظهر لكم الفرق؟ إرادة كونية تشمل كل شيء سواءً كان خيراً أو شراً، كَفَرَ، وربنا قال: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (الزمر:٧). أما الإرادة الشرعية فهي خاصة بما أمر الله به، لذلك قال أحد العلماء: مريد الخير والشر القبيح ... ولكن ليس يرضى بالمحال هو يريد الخير والشر إرادة كونية، ولكن ليس يرضى به بحال، لا يرضى؛ لأنه

стр. 4378

قال: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (الزمر:٧). حينئذ يشيب ابن آدم على ما شب عليه، هذه قاعدة الإنسان الذي يشب على الخير في الغالب يموت على الخير، يشب على الإيمان يموت على الإيمان، والعكس بالعكس تماماً، فلا يجوز أن يقال: لا يقبل التوبة من المبتدع لا، الله يقبل التوبة من عباده ويعفو عن كثير. ولا يجوز أن نقول: لا يقبل التوبة من المشرك؛ لأنه صرح في القرآن الكريم أنه يقبل التوبة. فالمبتدع أسوأ أحواله أن يكون مشركاً، أسوأ أحواله أن يكون مشركاً، فإذا تاب تاب الله عليه، لكن أنا أريد أن أبين الفرق بين هذا الحديث الضعيف، وبين الحديث الصحيح: «أبى الله أن يجعل لصاحب بدعة توبة». هنا الجعل بمعنى: الإرادة الكونية، مش الإرادة الشرعية، فلو فرضنا أن مشركاً تاب، تاب الله عليه، لو فرضنا أن مبتدعاً تاب تاب الله عليه، إذاً: ما معنى: «أبى الله أن يجعل لصاحب بدعة توبة»؟ أي: المبتدع من أولئك الذين يقال لهم: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ (التوبة:٣٧) ولذلك فهل يتوب الإنسان الذي مثله كمثل أولئك الذين قال الله عنهم في القرآن: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف:١٠٣، ١٠٤). فإنسان كان مشركاً أو كان مبتدعاً يحسب أنه يحسن صنعاً هذا يتصور أن يتوب؟ لا يتصور أن يتوب. من هنا يقول العلماء: ضرر البدعة على صاحبها أخطر من ضرر المعصية؛

стр. 4379

لأن المعصية حينما يرتكبها العاصي يعرف أنه عاصي فيرجع أنه يوماً ما يتوب إلى الله من معصيته التي هو عارف بأنها معصية، لكن المبتدع الذي لسان حاله يقول: رب زدني؛ لأنه يتقرب ببدعته إلى الله ، فهذا لا يتصور أن يتوب إلى الله. فإذاً: حديثنا: «أبى الله أن يجعل لصاحب بدعة توبة» هذا إرادة كونية، أما لو تصورنا وهذا ممكن أن يقع ولو بندرة كالمشرك الذي يعيش دهره الطويل مشركاً صعب جداً أن يتوب إلى الله؛ لأنه شاب على ما شب عليه، لكن نادراً ممكن أن يقع. كذلك المبتدع ممكن أن يتوب إلى الله ، لكن هذا على طريقة نادرة جداً حينما يتبين له أنه كان عايشاً في الأوهام، أنه هو يعيش في طاعة الله في ظنه، وإذا هو يعيش في معصية الله من حيث أنه ابتدع في دين الله ما لم ينزل الله به سلطاناً. إذاً: الآن استفدنا ضعف الحديث المسؤول عنه أولاً، وصحة الحديث الثاني غير المسئول عنه ثانياً، واستفدنا الفرق الجوهري بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية. وثالثاً وأخيراً: استنتجنا من الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية الفرق بين الحديث الضعيف، وبين الحديث الصحيح. الحديث الضعيف حكم شرعي: «لا يقبل الله توبة مبتدع». هذا باطل؛ لأنه قلنا لو كان بدعته شركاً فالله يقبل، أما البدعة المذكورة في الحديث الصحيح فهي: إرادة ليست شرعية، وإنما إرادة كونية.

стр. 4380

فمن هنا ظهر الفرق واستفدنا من الجولة القصيرة هذه فوائد ثلاثة: ضعف الحديث الأول، صحة الحديث الثاني، الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية. ومن هنا: نفهم معنى قول ذلك العالم: مريد الخير والشر القبيح ... ولكن ليس يرضى بالمحال وبهذا ينتهي الجواب. مداخلة: جزاك الله خيراً. ولذلك الإمام الشاطبي في كتاب "الاعتصام" يذكر قولاً يقول يستحيل على كل صاحب بدعة أن يتوب من بدعته. الشيخ: هو هذا لذلك قلت لكم: العلماء يقولون: شر البدعة على صاحبها أشر من شر المعصية على صاحبها لماذا؟ العاصي يمكن أن يتوب؛ لأنه يعرف نفسه أنه عاصي. المبتدع لسان حاله يقول: رب زدني؛ لأنه يتقرب إلى الله ، والله لا يقبل، فهذا التقرب كما تعلمون: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) هكذا. مداخلة: كذلك حديث رسول الله ﵌ الذي هو المذكور في صحيح الترغيب والترهيب في كتاب التمسك بالسنة.
следующие страницы →