الحديث هو بمعنى حديثك، ما هو الحديث؟ «أبى الله أن يجعل لصاحب بدعه توبة» (١).
هذا حديث صحيح: «أبى الله أن يجعل لصاحب بدعة توبة».
فربما فهم ذلك الراوي بسوء فهمه، أو سوء حفظه فروى هذه الجملة التي لها صحة بتلك الجملة أن الله لا يقبل توبة المبتدع لا، أبى الله أن يجعل لصاحب بدعة توبة لا تعني أنه لو تاب توبة نصوحاً لا يقبل الله توبته للسبب الذي ذكرته آنفاً.
إذاً: ما معنى: «أبى الله» هذا إباء يسمى في لغة العلماء كوني إباء كوني وليس إباء شرعياً بمعنى: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس:٨٢) طيب.
هذه الكفريات هذه الشركيات، وهذه المعاصي التي تقع في هذا الكون هي بإرادة الله أم لا؟ الجواب: تأملوا في الآية، إذا ما كان عندكم فكرة سابقة أن إرادة الله تشمل كل شيء، ولذلك جاء في عقيدة الإيمان بالله وملائكته في آخره وبالقدر خيره وشره إذاً: الخير والشر كلاهما بإرادة الله وتقديره، هذا هو الذي يعنونه بأنه هذه الإرادة كونية، فالحديث يعني: أبى الله أي: إرادة كونية أن يجعل لصاحب بدعة توبة، لكن ليس هذا إرادة شرعية أي: إذا تاب المشرك يقبل توبته؟ يقبل توبته بدليل ما سبق وغيرها، في إرادة يقابل الإرادة السابقة الإرادة الكونية إرادة شرعية.
فهناك فرق كبير جداً بين الإرادة الشرعية وبين الإرادة الكونية:
الإرادة الكونية تشمل الخير والشر، تشمل الهدى والضلال الإيمان والكفر،
стр. 4377
هذه ما اسمها؟ إرادة كونية يقابلها الإرادة الشرعية، الإرادة الشرعية خاصة بالخير خاصة بالإيمان، قال تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (الزمر:٧) هذه آية في القرآن صريحة، ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (الزمر:٧) هل يريد لعباده الكفر؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: هاه، أخطأ صاحبنا؛ لأننا نحن في صدد القول أنه الإرادة الكونية شاملة، الإرادة الكونية شاملة إبليس لما كفر مش رغم أنفه كما يقال رب العالمين حاشاه، إنما بإرادة الله ، لكن هذه إرادة كونية وليست شرعية؛ لأن الإرادة الشرعية لا تشمل الكفر.
الإرادة يمكن الآن أن نجعل لها قسمين نقسم الإرادة إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية.
الإرادة الكونية شاملة للخير والشر من إيمان وكفر ... إلى آخره.
الإرادة الشرعية لا تتعلق إلا بالإيمان والعمل الصالح، وهنا تفسر الإرادة الشرعية بالرضا.
أما الإرادة الكونية لا تفسر بالرضا، وقد ظهر لكم الفرق؟ إرادة كونية تشمل كل شيء سواءً كان خيراً أو شراً، كَفَرَ، وربنا قال: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (الزمر:٧).
أما الإرادة الشرعية فهي خاصة بما أمر الله به، لذلك قال أحد العلماء:
مريد الخير والشر القبيح ... ولكن ليس يرضى بالمحال
هو يريد الخير والشر إرادة كونية، ولكن ليس يرضى به بحال، لا يرضى؛ لأنه
стр. 4378
قال: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (الزمر:٧).
حينئذ يشيب ابن آدم على ما شب عليه، هذه قاعدة الإنسان الذي يشب على الخير في الغالب يموت على الخير، يشب على الإيمان يموت على الإيمان، والعكس بالعكس تماماً، فلا يجوز أن يقال: لا يقبل التوبة من المبتدع لا، الله يقبل التوبة من عباده ويعفو عن كثير.
ولا يجوز أن نقول: لا يقبل التوبة من المشرك؛ لأنه صرح في القرآن الكريم أنه يقبل التوبة.
فالمبتدع أسوأ أحواله أن يكون مشركاً، أسوأ أحواله أن يكون مشركاً، فإذا تاب تاب الله عليه، لكن أنا أريد أن أبين الفرق بين هذا الحديث الضعيف، وبين الحديث الصحيح: «أبى الله أن يجعل لصاحب بدعة توبة».
هنا الجعل بمعنى: الإرادة الكونية، مش الإرادة الشرعية، فلو فرضنا أن مشركاً تاب، تاب الله عليه، لو فرضنا أن مبتدعاً تاب تاب الله عليه، إذاً: ما معنى: «أبى الله أن يجعل لصاحب بدعة توبة»؟ أي: المبتدع من أولئك الذين يقال لهم: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ (التوبة:٣٧) ولذلك فهل يتوب الإنسان الذي مثله كمثل أولئك الذين قال الله عنهم في القرآن: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف:١٠٣، ١٠٤).
فإنسان كان مشركاً أو كان مبتدعاً يحسب أنه يحسن صنعاً هذا يتصور أن يتوب؟ لا يتصور أن يتوب.
من هنا يقول العلماء: ضرر البدعة على صاحبها أخطر من ضرر المعصية؛
стр. 4379
لأن المعصية حينما يرتكبها العاصي يعرف أنه عاصي فيرجع أنه يوماً ما يتوب إلى الله من معصيته التي هو عارف بأنها معصية، لكن المبتدع الذي لسان حاله يقول: رب زدني؛ لأنه يتقرب ببدعته إلى الله ، فهذا لا يتصور أن يتوب إلى الله.
فإذاً: حديثنا: «أبى الله أن يجعل لصاحب بدعة توبة» هذا إرادة كونية، أما لو تصورنا وهذا ممكن أن يقع ولو بندرة كالمشرك الذي يعيش دهره الطويل مشركاً صعب جداً أن يتوب إلى الله؛ لأنه شاب على ما شب عليه، لكن نادراً ممكن أن يقع.
كذلك المبتدع ممكن أن يتوب إلى الله ، لكن هذا على طريقة نادرة جداً حينما يتبين له أنه كان عايشاً في الأوهام، أنه هو يعيش في طاعة الله في ظنه، وإذا هو يعيش في معصية الله من حيث أنه ابتدع في دين الله ما لم ينزل الله به سلطاناً.
إذاً: الآن استفدنا ضعف الحديث المسؤول عنه أولاً، وصحة الحديث الثاني غير المسئول عنه ثانياً، واستفدنا الفرق الجوهري بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية.
وثالثاً وأخيراً: استنتجنا من الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية الفرق بين الحديث الضعيف، وبين الحديث الصحيح.
الحديث الضعيف حكم شرعي: «لا يقبل الله توبة مبتدع».
هذا باطل؛ لأنه قلنا لو كان بدعته شركاً فالله يقبل، أما البدعة المذكورة في الحديث الصحيح فهي: إرادة ليست شرعية، وإنما إرادة كونية.
стр. 4380
فمن هنا ظهر الفرق واستفدنا من الجولة القصيرة هذه فوائد ثلاثة:
ضعف الحديث الأول، صحة الحديث الثاني، الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية.
ومن هنا: نفهم معنى قول ذلك العالم:
مريد الخير والشر القبيح ... ولكن ليس يرضى بالمحال
وبهذا ينتهي الجواب.
مداخلة: جزاك الله خيراً.
ولذلك الإمام الشاطبي في كتاب "الاعتصام" يذكر قولاً يقول يستحيل على كل صاحب بدعة أن يتوب من بدعته.
الشيخ: هو هذا لذلك قلت لكم: العلماء يقولون: شر البدعة على صاحبها أشر من شر المعصية على صاحبها لماذا؟ العاصي يمكن أن يتوب؛ لأنه يعرف نفسه أنه عاصي.
المبتدع لسان حاله يقول: رب زدني؛ لأنه يتقرب إلى الله ، والله لا يقبل، فهذا التقرب كما تعلمون: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) هكذا.
مداخلة: كذلك حديث رسول الله ﵌ الذي هو المذكور في صحيح الترغيب والترهيب في كتاب التمسك بالسنة.
стр. 4381
والحديث فيما معناه يقول ﵌: «أبى الله أن يقبل من كل صاحب بدعة عمل حتى يدع بدعته» (١) ومن ذلك هذا.
الشيخ: هو هذا، نعم.
مداخلة: جزاكم الله خيراً.
الشيخ: أي نعم.
"الهدى والنور" (/٧٠٤/ ١٨: ١٨: ٠٠)
[١٧٥٨] باب هل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ يُشَم منه رائحة الجبر؟ والكلام على الإرادة الشرعية والإرادة الكونية
[سئل الإمام]:
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (الأنعام٢٥) , يَشُم البعض من هذه الآية رائحة الجبر, فما رأيكم في ذلك؟
[فأجاب]:
هذا الجعل هو جعلٌ كوني, ولفهم هذا لابد من شرح معنى الإرادة الإلهية, فالإرادة الإلهية تنقسم إلى قسمين: «إرادة شرعية, وإرادة كونية».
والإرادة الشرعية: هي كل ما شرعه الله عزوجل لعباده, وحضهم على القيام به من طاعات وعبادات على اختلاف أحكامها, من فرائض إلى مندوبات, فهذه
стр. 4382
الطاعات والعبادات يريدها ﵎ ويُحبها.
وأما الإرادة الكونية: فهي قد تكون تارة مما لم يشرعها الله, ولكنه قدرها وهذه الإرادة إنما سُميت بالإرادة الكونية اشتقاقاً من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس٨٢) , فـ ﴿شَيْئًا﴾ اسم نكرة يشمل كل شيء, سواء أكان طاعة أو معصية, وإنما يكون ذلك بقوله تعالى: ﴿كُنْ﴾ , أي بمشيئته وقضائه وقدره, فإذا عرفنا هذه الإرادة الكونية - وهي أنها تشمل كل شيء, سواء أكان طاعة أو كان معصية - فلا بد من الرجوع بنا إلى موضوع القضاء والقدر, لأن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ , معناه أن هذا الذي قال له ﴿كُنْ﴾ جعله أمراً مُقدراً كائناً لابد منه, فكل شيء عند الله عزوجل بقدر, وهذا أيضاً يشمل الخير والشر, ولكن ما يتعلق منه بنا نحن الثقلين -الإنس والجن المكلفين المأمورين من الله عزوجل- أن ننظر فيما نقوم نحن به, إما أن يكون بمحض إرادتنا واختيارنا, وإما أن يكون رغماً عنا, وهذا القسم الثاني لا يتعلق به طاعة ولا معصية, ولا يكون عاقبة ذلك جنة ولا ناراً, وإنما القسم الأول هو الذي عليه تدور الأحكام الشرعية, وعلى ذلك يكون جزاء الإنسان الجنة أو النار, أي: ما يفعله الإنسان بإرادته, ويسعى إليه بكسبه واختياره هو الذي يحاسب عليه, إنْ كان خيراً فخير, وإن كان شراً فشر.
وكون الإنسان مختاراً في قسم كبير من أعماله, فهذه حقيقة لا يمكن المجادلة فيها شرعاً ولا عقلاً.
أما شرعاً: فنصوص الكتاب والسنة متواترة في أمر الإنسان بأن يفعل ما أمر به, وفي أن يترك ما نُهي عنه, وهذه النصوص أكثر من أن تذكر.
أما عقلاً: فواضح لكل إنسان متجرد عن الهوى والغرض بأنه حينما يتكلم,
стр. 4383
حينما يمشي, حينما يأكل, حينما يشرب, حينما يفعل أي شيء, مما يدخل في اختياره, فهو مختار في ذلك غير مضطر إطلاقاً, وأنا شئتُ أنْ أتكلم الآن, فليس هناك أحد يجبرني على ذلك بطبيعة الحال, ولكنه مقدر, ومعنى كلامي هذا مع كونه مقدراً, أي أنه مقدر مع اختياري لهذا الذي أقوله وأتكلم به, ولكن باستطاعتي أن أصمت لأبين لمن كان في شك مما أقول أني مختار في هذا الكلام.
إذاً, فاختيار الإنسان -من حيث الواقع- أمر لا يقبل المناقشة والمجادلة, وإلا فالذي يجادل في مثل هذا إنما هو يسفسط ويشكك في البدهيات, وإذا وصل الإنسان إلى هذه المرحلة انقطع معه الكلام.
إذاً فأعمال الإنسان قسمان: اختيارية, واضطرارية.
والاضطرارية: ليس فيها كلام, لا من الناحية الشرعية ولا من الناحية الواقعية, والشرع يتعلق بالأمور الاختيارية, فهذه هي الحقيقة, وإذا ركزناها في أذهاننا, استطعنا أن نفهم الآية السابقة ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ وهذا الجعل كوني, ويجب أن نتذكر الآية السابقة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أن الإرادة ههنا إرادة كونية, ولكن ليس رغما عن هذا الذي جعل الله على قلبه أكنة.
مثال من الناحية المادية: أن الإنسان حينما يُخلق إنما يُخلق ولحمه غض طري, ثم إذا كبر وكبر يقسو لحمه ويشتد عظمه ولكن الناس ليسوا كلهم سواءً, فهذا مثلاً إنسان منكب على نوع من الدراسة والعلم, فهذا ماذا يقوى فيه؟ يقوى عقله؟ ويقوى دماغه من الناحية التي هو ينشغل بها, ويَنصب بكل جهده عليها, ولكن من الناحية البدنية جسده لا يقوى, وعضلاته لا تنمو.
стр. 4384
والعكس بالعكس تماماً: فهذا شخص منصب على الناحية المادية, فهو في كل يوم يتعاطى تمارين رياضية -كما يقولون اليوم- فهذا تشتد عضلاته, ويقوى جسده, ويصبح له صورة كما نرى ذلك أحياناً في الواقع, وأحياناً في الصور, فهؤلاء الأبطال مثلاً تصبح أجسادهم كلها عضلات, فهل هو خُلق هكذا, أم هو اكتسب هذه البنية القوية ذات العضلات الكثيرة؟ هذا شيء وصل إليه هو بكسبه واختياره.
ذلك هو مثل الإنسان الذي يضل في ضلاله وفي عناده, وفي كفره وجحوده, فيصل الران إلى هذه الأكنة التي يجعلها الله عزوجل على قلوبهم؟ لا بفرض من الله واضطرار من الله لهم, وإنما بسبب كسبهم واختيارهم, فهذا هو الجعل الكوني الذي يكسبه هؤلاء الكفار, فيصلون إلى هذه النقطة التي يتوهم الجُهال أنها فُرضت عليهم, والحقيقة أن ذلك لم يُفرض عليهم وإنما ذلك بما كسبت أيديهم, وأن الله ليس بظلامٍ للعبيد.
"كيف يجب علينا أن نفسر القرآن" (ص٢٣ - ٢٨).
[١٧٥٩] باب التطهير كوني وشرعي، وبيان أن تطهيرَ أهل البيت شرعيٌّ
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«إن الله خلق الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسماً، وذلك قول الله : ﴿وأصحاب اليمين﴾، ﴿وأصحاب الشمال﴾؛ فأنا من أصحاب اليمين؛ وأنا خير أصحاب اليمين، ثم جعل القسمين أثلاثاً، فجعلني في خيرها ثلثاً، فذلك قوله: ﴿وأصحاب الميمنة﴾، ﴿والسابقون السابقون﴾؛ فأنا خير السابقين،
стр. 4385
ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة، وذلك قوله: ﴿وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾، وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ، ثم جعل القبائل بيوتاً؛ فجعلني في خيرها بيتاً، وذلك قوله: ﴿إنما يريد ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً﴾، وأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب».
(موضوع بهذا التمام).
[قال الإمام]:
قلت: وآثار الوضع والغلو في المتن ظاهرة؛ لا سيما في الجملة الأخيرة منه:" .. مطهرون من الذنوب".
فإنه يشعر بأن التطهير في الآية تطهير كوني! وليس كذلك؛ بل هو تطهير شرعي؛ كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية - في رده على الرافضي - في كتابه العظيم: "منهاج السنة".
"الضعيفة" (١١/ ٢/٨٥٥ - ٨٥٦).
стр. 4386
جماع أبواب:
- إثبات قدرة العبد
- والكلام على استطاعة العبد وأقسامها
- والكلام على مسألة تكليف ما لا يطاق
стр. 4387
[١٧٦٠] باب الجزاء يكون على ما للإنسان فيه كسب لا غيره
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«إن الله تعالى لا يعذب حسان الوجوه سود الحدق».
(موضوع).
[قال الإمام]:
لست أشك في بطلان هذا الحديث لأنه يتعارض مع ما ورد في الشريعة، من أن الجزاء إنما يكون على الكسب والعمل ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ لا على ما لا صنع ولا يد للإنسان فيه كالحسن أو القبح، وإلى هذا أشار ﵌ بقوله: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» رواه مسلم (٨/ ١١)، وغيره وهو مخرج في " غاية المرام " (٤١٥)، وراجع التعليق عليه في مقدمتي على " رياض الصالحين " للنووي (ص: ل ـ ن)، فإنه مهم جدّاً، ومثل هذا الحديث الموضوع في البطلان الحديث الآتي وهو: «عليكم بالوجوه الملاح والحدق السود فإن الله يستحي أن يعذب وجهاً مليحاً بالنار».
(موضوع).
"الضعيفة" (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦٩).
стр. 4388
[١٧٦١] باب الجمع بين قول النبي ﵌: «لن يُدخل أحدًا منكن عملُه الجنة» وبين قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[قال رسول الله ﵌]:
" لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة [ولا ينجيه من النار]، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا -[وأشار بيده هكذا على رأسه:]- إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة، [مرتين أو ثلاثا] [فسددوا وقاربوا] [وأبشروا] [واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا] [واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل] ".
[قال الإمام]:
اعلم أن هذا الحديث قد يشكل على بعض الناس، ويتوهم أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ونحوها من الآيات والأحاديث الدالة على أن دخول الجنة بالعمل، وقد أجيب بأجوبة أقربها إلى الصواب: أن الباء في قوله في الحديث: " بعمله " (١) هي باء الثمنية، والباء في الآية باء السببية، أي أن العمل الصالح سبب لابد منه لدخول الجنة، ولكنه ليس ثمناً لدخول الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والدرجات.
стр. 4389
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في بعض فتاويه: " ولهذا قال بعضهم: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون سببا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافياً في حصول النبات، بل لابد من ريح مربية بإذن الله، ولابد من صرف الانتفاء عنه، فلابد من تمام الشروط وزوال الموانع، وكل ذلك بقضاء الله وقدره. وكذلك الولد لا يولد بمجرد إنزال الماء في الفرج، بل كم ممن أنزل ولم يولد له، بل لابد من أن الله شاء خلقه فتحبل المرأة وتربيه في الرحم وسائر ما سيتم به خلقه من الشروط وزوال الموانع.
وكذلك أمر الآخرة ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة، بل هي سبب، ولهذا قال النبي ﵌: (فذكر الحديث)، وقد قال تعالى: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾. فهذه باء السبب، أي بسبب أعمالكم، والذي نفاه النبي ﵌ باء المقابلة، كما يقال: اشتريت هذا بهذا.
أي ليس العمل عوضاً وثمناً كافياً في دخول الجنة، بل لابد من عفو الله وفضله ورحمته، فبعفوه يمحو السيئات، وبرحمته يأتي بالخيرات، وبفضله يضاعف الدرجات. وفي هذا الموضع ضل طائفتان من الناس:
١ - فريق آمنوا بالقدر, وظنوا أن ذلك كاف في حصول المقصود فأعرضوا عن الأسباب الشرعية والأعمال الصالحة. وهؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يكفروا بكتب الله ورسله ودينه.
٢ - وفريق أخذوا يطلبون الجزاء من الله كما يطلبه الأجير من المستأجر،
стр. 4390
متكلين على حولهم وقوتهم وعملهم، وكما يطلبه المماليك. وهؤلاء جهال ضلال: فإن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به حاجةً إليه، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلاً به، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم. وهو سبحانه كما قال: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني". فالملك إذا أمر مملوكيه بأمر أمرهم لحاجته إليهم، وهم فعلوه بقوتهم التي لم يخلقها لهم فيطالبون بجزاء ذلك، والله تعالى غني عن العالمين، فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم، وإن أساءوا فلها. لهم ما كسبوا، وعليهم ما اكتسبوا، ﴿من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد﴾ ". انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ منقولا من " مجموعة الفتاوى " (٨/ ٧٠ - ٧١) ومثله في " مفتاح دار السعادة " لتلميذه المحقق العلامة ابن قيم الجوزية (ص ٩ - ١٠) و"تجريد التوحيد المفيد " (ص ٣٦ - ٤٣) للمقريزي.
"الصحيحة" (٦/ ١/١٩٥، ١٩٨ - ٢٠٠).
[١٧٦٢] باب هل استطاعة العبد مقرونة بفعله أم سابقة له ؟
[قال الإمام معلقا على قول صاحب الطحاوية: «والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب وهو كما قال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (البقرة: ٢٨٦)»]:
[قال الإمام]:
والأُولى قال بها الأشاعرة والأخرى قال بها المعتزلة، والصواب القول بهما معاً على التفصيل الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى وقد بين ذلك شيخ الإسلام
стр. 4391
ابن تيمية ﵀ بياناً شافياً لا بأس من نقله بتمامه لأهميته؛ قال رحمة الله عليه في «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٧١ - ٣٧٦): قد تكلم الناس من أصحابنا وغيرهم في استطاعة العبد هل هي مع فعله أم قبله؟ وجعلوها قولين متناقضين؛ فقوم جعلوا الاستطاعة مع الفعل فقط وهذا هو الغالب على مثبتة القدر المتكلمين من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من أصحابنا وغيرهم.
وقوم جعلوا الاستطاعة قبل الفعل وهو الغالب على النفاة من المعتزلة والشيعة، وجعل الأولون القدرة لا تصلح إلا لفعل واحد إذ هي مقارنة له لا تنفك عنه، وجعل الآخرون الاستطاعة لا تكون إلا صالحة للضدين ولا تقارن الفعل أبداً، والقدرية أكثر انحرافاً فإنهم يمنعون أن يكون مع الفعل قدرة بحال، فإن عندهم أن المؤثر لا بد أن يتقدم على الأثر لا يقارنه بحال سواء في ذلك القدرة والإرادة والأمر. والصواب الذي دل عليه الكتاب والسنة أن الاستطاعة متقدمة على الفعل ومقارنة له أيضا وتقارنه أيضاً استطاعة أخرى لا تصلح لغيره، فالاستطاعة نوعان: متقدمة صالحة للضدين، ومقارنة لا تكون إلا مع الفعل، فتلك هي المصححة للفعل المجوزة له وهذه هي الموجبة للفعل المحققة له؛ قال الله تعالى في الأولى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ (آل عمران:٩٧) ولو كانت هذه الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل لما وجب الحج إلا على من حج، ولما عصى أحد بترك الحج، ولا كان الحج واجباً على أحد قبل الإحرام به، بل قبل فراغه وقال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (التغابن: ١٦) فأمر بالتقوى بمقدار الاستطاعة ولو أراد الاستطاعة المقارنة لما وجب على أحد من التقوى إلا ما فعل فقط؛ إذ هو الذي قارنته تلك الاستطاعة وقال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (البقرة: ٢٨٦) و (الوسع): الموسوع وهو الذي تسعه
стр. 4392
وتطيقه فلو أريد به المقارن لما كلف أحد إلا الفعل الذي أتى به فقط دون ما تركه من الواجبات. . . ونظائر هذا متعددة فإن كل أمر علق في الكتاب والسنة وجوبه بالاستطاعة وعدمه بعدمها لم يرد به المقارنة وإلا لما كان الله قد أوجب الواجبات إلا على من فعلها وقد أسقطها عمن لم يفعلها فلا يأثم أحد بترك الواجب المذكور.
وأما الاستطاعة المقارنة الموجبة فمثل قوله تعالى: ﴿ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون﴾ (هود: ٢٠) فهذه الاستطاعة هي المقارنة الموجبة إذ الأخرى لابد منها في التكليف؛
فالأولى: هي الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي والثواب والعقاب، وعليها يتكلم الفقهاء وهي الغالبة في عرف الناس.
والثانية: هي الكونية التي هي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل، فالأولى للكلمات الأمريات الشرعيات، والثانية للكلمات الخلقيات الكونيات كما قال: ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه﴾ (التحريم: ١٢).
وقد اختلف الناس في قدرة العبد على خلاف معلوم الحق أو مراده، والتحقيق أنه قد يكون قادراً بالقدرة الأولى الشرعية المتقدمة على الفعل فإن الله قادر أيضاً على خلاف المعلوم والمراد وإلا لم يكن قادراً إلا على ما فعله، وليس العبد قادراً على ذلك بالقدرة المقارنة للفعل فإنه لا يكون إلا ما علم الله كونه وأراد كونه فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكذلك قول الحواريين: ﴿هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾ (المائدة: ١١٢) إنما استفهموا عن هذه القدرة. وكذلك ظن يونس ﴿أن لن نقدر عليه﴾ (الأنبياء: ٨٧) أي فسر بالقدرة كما يقال للرجل هل تقدر أن تفعل كذا؟ أي هل تفعله؟ وهو مشهور في كلام الناس.
стр. 4393
ولما اعتقدت القدرية أن الأولى (الاستطاعة قبل الفعل) كافية في حصول الفعل وأن العبد يحدث مشيئته جعله مستغنياً عن الله حين الفعل، كما أن الجبرية لما اعتقدت أن الثانية موجبة للفعل وهي من غيره رأوه مجبوراً على الفعل وكلاهما خطأ قبيح؛ فإن العبد له مشيئة وهي تابعة لمشيئة الله كما ذكر الله ذلك في عدة مواضع من كتابه.
فإذا كان الله قد جعل العبد مريداً مختاراً شائياً امتنع أن يقال: هو مجبور مقهور مع كونه قد جعله مريداً، وامتنع أن يكون هو الذي ابتدع لنفسه المشيئة فإذا قيل: هو مجبور على أن يختار، مضطر إلى أن يشاء، فهذا لا نظير له وليس هو المفهوم من الجبر بالاضطرار ولا يقدر على ذلك إلا الله.
ولهذا افترق القدرية والجبرية على طرفي نقيض وكلاهما مصيب فيما أثبته دون ما نفاه.
وابن الخطيب ونحوه من الجبرية يزعمون أن العلم بافتقار رجحان فعل العبد على تركه إلى مرجح من غير العبد ضروري؛ لأن الممكن المتساوي الطرفين لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح ما، وكلا القولين صحيح، ولكن دعوى استلزام أحدهما نفي الآخر ليس بصحيح؛ فإن العبد محدث لأفعاله كاسب لها وهذا الإحداث مفتقر إلى محدث فالعبد فاعل صانع محدث، وكونه فاعلاً صانعاً محدثاً بعد أن لم يكن لابد له من فاعل كما قال: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ (التكوير: ٢٨) فإذا شاء الاستقامة صار مستقيماً ثم قال: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ (التكوير: ٢٩).
فما علم بالاضطرار وما دلت عليه الأدلة السمعية والعقلية كله حق، ولهذا كان لا حول ولا قوة إلا بالله والعبد فقير إلى الله فقراً ذاتياً له في ذاته وصفاته
стр. 4394
وأفعاله مع أن له ذاتاً وصفات وأفعالاً، فنفي أفعاله كنفي صفاته وذاته، وهو جحد للحق شبيه بغلو غالية الصوفية الذين يجعلونه هو الحق، وجعل شيء منه مستغنياً عن الله أو كائناً بدونه جحد للحق شبيه بغلو الذي قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ (النازعات:٢٤) وقال: إنه خلق نفسه وإنما الحق ما عليه أهل السنة والجماعة.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٨٨ - ٩٥).
[١٧٦٣] باب لم يكلف الله العباد إلا ما يطيقون
[قال الإمام معلقاً على قول صاحب الطحاوية: «ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون ولا يطيقون إلا ما كلفهم»]:
أي ولا يطيقون إلا ما أقدرهم عليه، وهذه الطاقة هي التي من نحو التوفيق لا التي من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات ولكن في كلام المؤلف إشكالاً بينه الشيخ الشارح بقوله: فإن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي وهو قد قال: «لا يكلفهم إلا ما يطيقون ولا يطيقون إلا ما كلفهم». وظاهره أنه يرجع إلى معنى واحد ولا يصح ذلك؛ لأنهم يطيقون فوق ما كلفهم به لكنه سبحانه يريد بعباده اليسر والتخفيف كما قال تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (البقرة: ١٨٥)، وقال تعالى: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾ (النساء: ٢٨) وقال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (الحج:٧٨).
فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه، ولكنه تفضل علينا ورحمنا وخفف عنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج، ويجاب عن هذا الإشكال بما تقدم: أن المراد الطاقة التي من نحو التوفيق لا من جهة التمكن وسلامة الآلات ففي العبارة قلق فتأمله».
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٩٥ - ٩٦).
стр. 4395
جماع أبواب
الكلام على حُكْمِ نسبة الشر والظلم لله تعالى
стр. 4396
[١٧٦٤] باب هل ينسب الشر لله تعالى ؟
[علق الإمام على قول النبي ﵌ في دعاء الاستفتاح:"والشر ليس إليك"قائلاً]:
أي: لا ينسب الشر إلى الله تعالى؛ لأنه ليس في فعله تعالى شر؛ بل أفعاله كلها خير؛ لأنها دائرة بين العدل والفضل والحكمة, وهو كله خير لا شر فيه, والشر إنما صار شراً لانقطاع نسبته وإضافته إليه تعالى. قال ابن القيم ﵀:
هو سبحانه خالق الخير والشر, فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله, ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير محله, فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها؛ وذلك خير كله, والشر وضع الشيء في غير محله, فإذا وضع في محله لم يكن شراً, فعلم أن الشر ليس إليه ... (قال:) فإن قلت: فلم خلقه وهو شر؟ قلت: خلقه له, وفعله خير لا شر, فإن الخلق والفعل قائم به سبحانه, والشر يستحيل قيامه واتصافه به, وما كان في المخلوق من شر فلعدم إضافته ونسبته إليه والفعل والخلق يضاف إليه فكان خيراً.
وتمام هذا البحث الخطير وتحقيقه في كتابه "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل"؛ فراجعه (ص ١٧٨ - ٢٠٦).
"أصل صفة الصلاة" (١/ ١٤٨ - ٢٤٩).
[١٧٦٥] باب منه
عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان النبي ﵌ إذا قام إلى الصلاة وفي رواية: كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال: «وجهت وجهي للذي فطر
стр. 4397
السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت، ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك ... » رواه مسلم.
[قال الإمام]:
أي لا ينسب الشر إِليه تعالى؛ لأنه ليس من فعله , بل أفعاله كلها خير؛ لأنها دائرة بين العدل والفضل والحكمة. وتمام هذا البحث الهام, راجعة في كتاب: «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل» لابن القيم رحمه الله تعالى.
" تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٢٥٧).
[١٧٦٦] باب منه
[نقل الإمام كلاما في تفسير هذه العبارة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية مقرراً إياه؛ يقول ابن تيمية]:
"اعْلَمْ أَنَّ مذْهَبَ أَهل الحقِّ من المحدثين والفقهاء من الصحابة والتابعين ومَن بَعْدَهم من عُلماء المسلمين: أّن جميع الكائناتِ خَيْرها وشرها، نفْعَها وضرَّها، كُلُّها مِنَ الله تعالى وبإرادَته وتَقْديرِه، فلا بُدّ منْ تأويل الحديث، فَذَكَر العلماء فيه أَجْوبَة:
стр. 4398
أَحدها: - وهو أَشْهَرُها؛ قاله النَّضْر بن شُمَيْل والأئِمَّة بعْدَهُ - أَن معناه: والشر لا يُتَقَرّبُ ﴿بِهِ﴾ إٍلَيْكَ.
والثاني: لا يَصْعَدُ إليْك، إنما يصْعدُ الكَلِمُ الطّيّبُ.
والثالث: لا يُضاف إِلَيْك أَدباً، فلا يُقال: يا خالِق الشرِّ، وإِن كان خالقه، كما لا يقال: يا خالِق الخنازير، وإِن كان خالِقها.
والرابع: ليس شراً بالنِّسبة إِلى حكْمَتكَ، فإنك لا تَخْلُقُ شَيْئاً عبثاً".
"تحقيق الكلم الطيب" (ص ١٠٠).
[١٧٦٧] باب منه والكلام على بطلان مذهبي القدرية والجبرية
سؤال: ما أدري يا شيخ كيف التوفيق يا شيخ بين حديث: «أركان الإيمان ستة: الإيمان بالقدر خيره وشره»، وبين قول الرسول ﵌: «والشر ليس إليك»، كيف يفهم هذا الشر يا شيخ؟
الشيخ: نسبي، الشر بالنسبة إلينا لا بالنسبة لربنا؛ لأن أفعال الله كلها خير، ويمكن تقريب المسألة بمثال مع التذكير بأن لله المثل الأعلى هذا أولاً، وثانياً: التذكير بمبدأ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١)، فتقدير الله هو خلق وتصرف منه ، يتوافق تماماً مع كل الصفات التي منها: القدرة والإرادة والعدالة والحكمة، فحينما نحن نرى شراً يقع، فهذا كما قال: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (الأنعام:٩٦).
فالمثال الذي أريد أن أقرب به هذه المسألة الإيمانية: إذا رأيت طبيباً يقطع
стр. 4399
عضواً من مريضٍ ما فلا شك أنك تستنكر عمله إذا كنت لا تعرف أن هذا الطبيب أولاً ماهر في طبابته، وثانياً: عادل في تنفيذه لطبه، كذلك إذا رأيت حاكماً يضرب إنساناً أو يجلده، فستقول: بأن هذا شر، لكن إذا عرفت أنه يضربه بحق انقلب المفهوم السابق الذي كان في ذهنك وهو أنه شر إلى أنه ليس بشر، وهذا نحن بين بعضنا البعض فما بالك بالنسبة للخالق الذي لا يقاس به شيء إطلاقاً؟!
ولذلك فنحن نقول في موضوع القضاء والقدر: الأصل فيه الإيمان الصادق الصحيح، وحينما يجري نقاش بين المعتزلة والجبرية، حيث إن كلاً من الفريقين يقف بعيداً جداً عن الآخر، وكلاهما على طرفي نقيض؛ لأنهم يحكمون عقولهم دون أن يلاحظوا دون ما ذكرت آنفاً من أن الله لا يضرب له الأمثال، وأنه ﵎ ليس كمثله شيء، فالمعتزلة يلتقون مع الجبرية في رأي واحد، لكن الفرق بين الفريقين: أن المعتزلة حينما يعملون عقلهم في ذلك الرأي يجدونه لا يلتقي مع العدالة الإلهية، فيفرون منه، أما الجبرية فيستقرون عليه ويطمئنون إليه، ما هو؟
إذا قيل: بأن الإنسان مقدر عليه كل عمل يأتيه، سواء كان خيراً أو شراً، التقى الفريقان: أن هذا يعني أنه جبر للإنسان على أن يفعل الخير أو الشر، فالتقيا في هذا كلاهما، لكن المعتزلة فروا قالوا: لو كان الأمر كذلك لم يبق هناك حكمة لله أولاً في أن يأمر بالخير وينهى عن الشر، وثانياً: أن يجزي على الخير خيراً وعلى الشر شراً، أن يجزي على الخير جنة وعلى الشر ناراً، يقول المعتزلة: التقدير مع التكليف لا يلتقيان، إذاً فروا إلى قولهم: لا قدر، الجبرية ظلوا على رأيهم: أن معنى كون لله قدر على الإنسان الخير أو الشر أنه مجبور، وظلوا عليه.
فأخذ كلاً من الفريقين يرد الباطل الذي في كل منهما: الباطل في المعتزلة
стр. 4400
إنكارهم للقدر، الباطل في الجبرية تشبثهم بالقدر وإثبات الجبر، وهو إيمان باطل؛ ولذلك الأمر كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: يؤخذ الصواب من كل من الفريقين ويترك لهم الضلال، يؤخذ من الجبرية إيمانهم بالقدر؛ لأنه حق، ويترك لهم القول بالجبر؛ لأنه باطل، ويؤخذ من المعتزلة قولهم: أن الجبر باطل، وينكر عليهم إنكارهم للقضاء والقدر.
فالشاهد: فكل من الفريقين تمسك بحق ورد باطلاً؛ والسبب: أنهم أرادوا أن يعقدوا هذه الصفة الإلهية التقدير الإلهي: وكل شيء بقدر، ما قال ﵇: «كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس» (١)، أرادوا أن يفهموا التصرف الإلهي بعقولهم المحدودة فوقعوا في الضلال، أولئك أنكروا القدر؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يوفقوا بين الإيمان بالقدر وبين الإيمان بأن الإنسان مختار، وهؤلاء أنكروا اختيار الإنسان؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يوفقوا بين اختيار الإنسان وبين القدر الإلهي.
فلذلك القصد من هذا الكلام: أن المؤمن يستعمل عقله وفكره إلى حد، وبخاصة فيما يتعلق بالصفات الإلهية، ومن ذلك القدر، فهو لا يستطيع أن يحل مشكلة القدر أو بالمعنى الصحيح: عقيدة القدر، بحيث أنه يفهمه ويخضعه لعقله، لا بد من إجمال، ولا بد من التسليم.
فالاختيار الذي أنكره الجبرية هذا إنكار للأمور البدهية، وكما أقول أنا في مثل هذا البحث، أنا الآن أتكلم معكم: من الذي يشك بأني أتكلم مختاراً؟ وإذا عاند أحدهم وقال لي: أنت تتكلم غير مختار، أصمت، إذن أنا أتكلم باختياري
стр. 4401
وأصمت باختياري هذه مكابرة وجحد للحقائق البدهية، لماذا ينكرون هذه الحقائق البدهية؟
يا أخي مكتوب هذا مسجل، نعم مسجل ولا شك ولا ريب، ومسجل بعلم وعدل وحكمة.
وأنا أضرب مثلاً لقتل الخطأ وقتل العمد، فهذا القتل وذاك كلاهما مقدر مكتوب في اللوح المحفوظ ولا شك، ولا يقبل تأويلاً ولا تحويلاً، ولكن كيف كتب؟ كيف قدر؟
حينما نقول: قتل العمد وقتل الخطأ بلا شك نذكر مع قتل الخطأ عدم وجود الإرادة البشرية، قتل ولكنه ما أراد القتل، أما قتل العمد كما يقولون اليوم في لغة القانون: قتل عن سابق عزم وتصميم وتخطيط، فأنا أضرب مثلاً لهذين النوعين من القتل: رجل خطط لقتل رجل من ذويه على رأس الجبل، ووضع الخطة الدقيقة للغدر به وقتله، فصعد الجبل في ليلة لا قمر فيها -كما يقال- فقتله، آخر صعد الجبل لأمر ما للنزهة، فزلت به القدم، وهناك شخص فصدمه فانقلب يتدحرج حتى وصل قتيلاً إلى سفح الجبل، ذاك قاتل وهذا قاتل، فمن الذي يقول هذا كهذا؟! كلاهما مقدر.
إذاً: يجب أن نفكر أن القدر الإلهي كما ألمحت في أول كلامي مقرون بالصفات الإلهية الأخرى، منها العلم ومنها الحكمة، فإذا انكشف الغطاء لنا وكنا من قبل لا نعلم شيئاً عن صفة هذين القتلين، لكن بعد أن وقعت الواقعة عرفنا أن الأول قتل عن سابق علم وتصميم وتخطيط، أما الآخر فزلت به القدم صدم شخصاً فانقلب هذا الشخص يتدحرج ميتاً، انكشف الأمر أن القتل الأول عمد
стр. 4402
والقتل الآخر خطأ، فالآن تحليل الكتابة الإلهية: كتب الله أن الأول سيتعمد ويخطط وسيعزم على قتل الرجل باختياره، فكتبه في اللوح المحفوظ قاتلاً عمداً، وادخر له عذاب جهنم، أما الآخر فقد كتب: بأنه سيقتل بغير قصد وبغير إرادة منه؛ ولذلك ما كتب عليه جهنم.
إذاً: الأمر الأول يمثل ما يستحق عليه العذاب، والآخر ما لا يستحق عليه العذاب.
"الهدى والنور" (٧٢٤/ ٣٩: ٠١: ٠٠)
[١٧٦٨] باب الإيمان بالقدر خيره وشره
لا ينافي قوله ﵌: «والشر ليس إليك»
[قال الإمام معلقًا على قول صاحب الطحاوية:- «والإيمان هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وحلوه ومره من الله تعالى»]:
اعلم أنه لا ينافي هذا قوله ﵌ في دعاء الاستفتاح: «والخير كله بيديك والشر ليس إليك» رواه مسلم؛ لأن المعنى: فإنك لا تخلق شرًّا محضاً بل كل ما تخلقه فيه حكمة هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس فهذا الشر جزئي إضافي، فأما شر كلي أو شر مطلق فالرب منزه عنه، أفاده في «الشرح» وراجع التفصيل إن شئت في «شفاء العليل» لابن القيم رحمه الله تعالى، ومنه تعلم كذب من نسب إلى أن للشر خالقاً غير الله تعالى في مقال نشر مع الأسف في مجلة «الحضارة» (ص ٥٠ - ٥٢، العدد ٥ السنة ١٨).
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٧١ - ٧٢).
стр. 4403
[١٧٦٩] باب خطأ من قال بأن الشر ليس من خلقه تعالى [قال رسول الله ﵌ -]:
«إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادما [فليأخذ بناصيتها] [وليسم الله ] [وليدع بالبركة] وليقل: اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه».
رواه البخاري.
[قال الإمام]:
في الحديث دليل على أن الله خالق الخير والشر خلافًا لمن يقول - من المعتزلة وغيرهم - بأن الشر ليس من خلقه ﵎، وليس في كون الله خالقًا للشر ما ينافي كماله تعالى، بل هو من كماله ﵎، وتفصيل ذلك في المطولات ومن أحسنها كتاب " شفاء العليل في القضاء والقدر والتعليل " لابن القيم فليراجعه من شاء.
"آداب الزفاف" (ص٩٣).
[١٧٧٠] باب هل ينسب الظلم إلى الله تعالى ؟
[نقل الإمام كلام شارح الطحاوية على قول الماتن: «وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئة المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبد» مقرراً إياه فقال]:
قال الشارح (ص ٤٤٨): «الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله نفسه عن ظلم العباد يقتضي قولاً وسطاً بين قولي القدرية والجبرية، فليس ما كان من بني آدم
стр. 4404
ظلماً وقبيحاً يكون منه ظلماً وقبيحاً، كما تقوله القدرية والمعتزلة ونحوهم؛ فإن ذلك تمثيل لله بخلقه وقياس له عليهم، هو الرب الغني القادر وهم العباد الفقراء المقهورون، وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة كما يقوله من يقوله من المتكلمين وغيرهم؛ يقولون: إنه يمتنع أن يكون في الممكن المقدور ظلم، بل كل ما كان ممكناً فهو منه -لو فعله- عدل؛ إذ الظلم لا يكون إلا من مأمور من غيره منهي، والله ليس كذلك! فإن قوله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما﴾ (طه: ١١٢) وقوله تعالى: ﴿ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد﴾ (ق: ٧٦) وقوله تعالى: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين﴾ (الزخرف: ٧٦) وقوله تعالى: ﴿ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا﴾ (الكهف: ٤٩) وقوله تعالى: ﴿اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب﴾ (غافر: ١٧) يدل على نقيض هذا القول.
ومنه قوله الذي رواه عنه رسوله: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» فهذا دل على شيئين: أحدهما أنه حرم على نفسه الظلم والممتنع لا يوصف بذلك. الثاني: أنه أخبر أنه حرمه على نفسه كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة وهذا يبطل احتجاجهم بأن الظلم لا يكون إلا من مأمور منهي والله ليس كذلك، فيقال لهم: هو سبحانه كتب على نفسه الرحمة وحرم على نفسه الظلم، وإنما كتب على نفسه وحرم على نفسه ما هو قادر عليه لا ما هو ممتنع عليه».
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٩٧ - ٩٩).
стр. 4405
جماع أبواب
جواب إشكالات حول الإيمان بالقضاء والقدر
стр. 4406
[١٧٧١] باب صلة الرحم سبب في زيادة الرزق والعمر، وبيان أن ذلك لا ينافي قضاء الله وقدره
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ في أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». (صحيح مسلم).
[قال الإمام]:
هذا الحديث نص في أن صلة الرحم سبب للزيادة في الرزق وطول العمر, ولا ينافيه أن الرزق والعمر مقدران,, فإنهما مقدران بأسبابهما. ألا ترى أن دخول الجنة أو النار مقدر أيضاً, ومع ذلك فدخولهما مربوط بالسبب من الإيمان أو الكفر.
فكما أن قوله تعالى ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ وقوله تعالى في الحديث القدسي «هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي, وهؤلاء إلى النار ولا أبالي» لا ينافي الأخذ بأسباب النجاة ودخول الجنة, بل ذلك أمر لا بد منه كما قال تعالى: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ وقال ﵌ في الحديث المعروف: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له, فمن كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة» الحديث. فكذلك أقول: من كان طويل العمر عند الله, فسييسر للأخذ بأسباب طول العمر, والعكس بالعكس, فإذاً ليس معنى كون صلة الرحم سبباً لطول العمر أن ذلك يغير ما سبق في علم الله من العمر المحدود, كما أن كون الإيمان سبباً لدخول الجنة ليس معناه أنه يغير مما سبق في علم الله من السعادة أو الشقاوة, بل الحقيقة أن الكل سبق في علم الله, من السبب والمسبب, فمن سبق في علمه تعالى أنه من أهل الجنة فقد سبق في علمه أنه يأخذ بسببه وهو الإيمان, ومن سبق في علمه
стр. 4407
تعالى أنه من أهل النار فقد سبق في علمه أيضاً أنه يأخذ بسببه وهو الكفر. فكذلك نقول: من سبق في علمه تعالى أنه طويل العمر فقد سبق في علمه أنه يأخذ بالسبب وهو هنا صلة الرحم والعكس بالعكس. فإذا قلنا طال عمره حقيقة بصلته للرحم كما لو قلنا: دخل الجنة بإيمانه ولا فرق. فتأمل هذا فإنه يريحك عن تكلف تأويل الحديث بما لا طائل تحته ولا مبرر له سوى البعد عن الفهم السليم لبحث القضاء والقدر, والتوفيق من الله .
"مختصر صحيح مسلم" (ص ٤٦٥ - ٤٦٦).
[١٧٧٢] باب منه
[قال البخاري في الأدب المفرد]:
عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله ﵌ قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه».
[قال الإمام]:
(صحيح)
[وعلق قائلاً]:
«ينسأ له في أثره» قال الترمذي: «يعني به: الزيادة في العمر».
قلت: فالحديث على ظاهره، أي: أن الله جعل بحكمته صلة الرحم سبباً شرعياً لطول العمر وكذلك حسن الخلق وحسن الجوار كما في بعض الأحاديث الصحيحة، ولا ينافي ذلك ما هو معلوم من الدين بالضرورة أن العمر مقطوع به؛ لأن هذا بالنظر للخاتمة، تماماً كالسعادة والشقاوة، فهما مقطوعتان بالنسبة للأفراد
стр. 4408
فشقي أو سعيد، فمن المقطوع به أن السعادة والشقاوة منوطتان بالأسباب شرعاً كما قال ﵌: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، فمن كان من أهل السعادة فسيُيسر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة».
ثم قرأ ﵌: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (الأعلى:٥ - ١٠)، فكما أن الإيمان يزيد وينقص، وزيادته الطاعة ونقصانه المعصية، وأن ذلك لا ينافي ما كتب في اللوح المحفوظ، فكذلك العمر يزيد وينقص بالنظر إلى الأسباب فهو لا ينافي ما كتب في اللوح أيضاً، فتأمل هذا فإنه مهم جداً في حل مشاكل كثيرة؛ ولهذا جاء في الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة الدعاء بطول العمر، كما سيأتي في الكتاب برقم (٥٠٩/ ٦٥٣ و٨٥١/ ١١١٢).
"صحيح الأدب المفرد" (ص٤٠).
[١٧٧٣] باب منه
عن أنس بن مالك ﵁ قال سمعت رسول الله ﵌ يقول: «من سره أن يبسط له في رزقه أو ينسأ له في أثره فليصل رحمه».
(رواه البخاري)
[قال الإمام]:
اعلم أن كلاًّ من البسط في الرزق والإطالة في العمر؛ إنما هو على ظاهره، من باب ربط المسبب بالسبب: كالإيمان ودخول الجنة، والكفر ودخول النار، وكل ذلك ينتهي إلى علم الله وقدره، كما قال ﵌: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»،
стр. 4409
فكما أن دخول الجنة بالإيمان؛ فكذلك السعة في الرزق والإطالة في العمر، فكما أن الإيمان سبب لدخولها، ولا ينافي ما سبق في علم الله؛ فكذلك صلة الرحم سبب للبسط والإطالة، ولا تنافي ما سبق في علمه تعالى، فلا داعي لتأويل الحديث وحمله على المجاز.
"مختصر صحيح البخاري" (٢/ ٢١).
[١٧٧٤] باب منه
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«اشتروا الرقيق وشاركوهم في أرزاقهم يعني كسبهم، وإياكم والزنج، فإنهم قصيرة أعمارهم، قليلة أرزاقهم».
(موضوع).
[قال الإمام]:
هذا حال إسناد الحديث، وأما متنه فإني أرى عليه لوائح الوضع ظاهرة، فإن قصر الأعمار وقلة الأرزاق لا علاقة لها بالأمم، بل بالأفراد، فمن أخذ منهم بأسباب طول العمر وكثرة الرزق التي جعلها الله ﵎ أسباباً طال عمره وكثرة رزقه، والعكس بالعكس، وسواء كانت هذه الأسباب طبيعية أو شرعية، أما الطبيعية فهي معروفة، وأما الشرعية فمثل قوله ﵌: «من أحب أن ينسأ له في أجله، ويوسع له في رزقه، فليصل رحمه». رواه البخاري. وقوله: «حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويطيلان الأعمار».
رواه أحمد وغيره وهو مخرج في " الصحيحة " (٥١٩).
стр. 4410
والله ﵎ سهل لكل أمة لأخذ بأسباب الحياة من الرزق وطول العمر وغير ذلك ولم يخصها بقوم دون قوم، ولذلك نجد كثيراً من الأمم التي كانت متأخرة في مضمار الرقي أصبحت في مقدمة الأمم رقياً وثروةً كاليابان، وغيرها، فليس من المعقول أن يحكم الشارع الحكيم على أمة كالزنج بالفقر ويطبعهم بطابع قصر العمر، مع أنهم بشر مثلنا وهو يقول: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.
وقصر العمر وقلة الرزق ليسا من التقوى في شيء كما يشير إلى ذلك الحديثان المذكوران، بل إنهما ليصرحان أن خلافهما وهما الغنى وطول العمر من ثمار التقوى، فإذن أي أمة أخذت بأسباب طول العمر وسعة الرزق لاسيما إذا كانت من النوع الشرعي فلا شك أن الله ﵎ يبارك لها في عمرها ورزقها، لا فرق في ذلك بين أمة وأمة، للآية السابقة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
وخلاصة القول: إن هذا الحديث موضوع متناً لعدم اتفاقه مع القواعد الشرعية العادلة التي لا تفرق بين أمة وأمة أو قوم وقوم. ولذلك ما كنت أو د للسيوطي أن يورده في " الجامع الصغير " وإن كان ليس في إسناده من هو معروف بالكذب أو الوضع، ما دام أن الحديث يحمل في طياته ما يشهد أنه موضوع والله أعلم.
"الضعيفة" (٢/ ١٥٥ - ١٥٦).
[١٧٧٥] باب منه
السؤال: بالنسبة لإطالة العمر .. ، هل يعني يطول عمر الإنسان إذا كان وصل الرحم ...
الشيخ: .. سؤالك مفهوم لكن هو خطأ؛ لأنه ما دام الرسول ﵌ يقول: يطيل العمر، فلماذا معنى السؤال: هل يطيل العمر؟
стр. 4411
مداخلة: ...
الشيخ: أنا قلت لك سلفاً فلا تستعجل علي، قلت قصدك مفهوم، لكن السؤال خطأ، لو قلت مثلاً: سمعنا من بعض الناس أو بعض العلماء وبعض المشايخ أنهم يفسرون طول العمر هنا بغير ما يدل عليه ظاهر الحديث، كان أليق وآدب بالنسبة لكلام الرسول ﵌ الصريح، لا سيما وهناك حديث آخر وهو منه أشهر وأصح، ألا وهو قوله ﵊: «من أحب أن ينسأ له في أجله، ويوسع له في رزقه؛ فليصل رحمه»، من عجائب التأويلات التي لا يكاد ينقضي عجبي صدور ذلك من بعض أهل العلم، تأويلهم لهذا الحديث والذي قبله؛ لأنهم يقولون: ليس المقصود إطالة العمر حقيقة، وإنما المقصود المباركة في عمر هذا الإنسان، ولماذا يتأولون هذا التأويل؟ يتأولون هذا التأويل بحجة هي قائمة على تأويلهم؛ ذلك لأنهم يقولون: لأن العمر محدود، والرزق مقسوم، وهذا مصرح في الأحاديث التي فيها أن الجنين قبل أن ينفخ فيه الروح ويأتي الملك ينفخ فيه الروح يسأل ربه عن سعادته وشقاوته، وأجله ورزقه، فيكتب، يقول: فإذاً العمر محدود، والرزق مقسوم، فكيف يقال: إن العمر يطول والرزق يتوسع، يوسع عليه، لذلك تأولوه بذلك التأويل.
وموضع تعجبي هو أنه لا يمكن لمسلم أن يقول فيه ما تأولوه به إلا ما يقوله فيما تأولوه.
أي: البركة نفسها هي أيضاً محدودة ومقسومة معلقة في اللوح المحفوظ لا تتغير ولا تتبدل، فما هي الفائدة من قولنا أن المقصود هو البركة في العمر، والبركة في الرزق، والبركة في الرزق والعمر هذه حقيقة، وكثيراً من الناس كما تعلمون يأتيهم الرزق الواسع ولكن ما بين عشية وضحاها يصبحوا صفر اليدين.
стр. 4412
صحيح هذه قضية البركة، لكن نقول: لماذا تأويل طول العمر وسعة الرزق بالبركة، والبركة أيضاً محددة، أيضاً لم نستفد شيئًا من هذا التأويل فراراً من الإشكال الذي أوردوه على أنفسهم، أي في تأويلهم وهكذا يقال لهم: مكانك راوح ... لا نتقدم إطلاقاً.
فما الجواب الصحيح؟
الجواب الصحيح هو ما جاء في الحديث صراحة، أي: الرزق يوسع على صاحبه بالخلق الحسن، والواصل لأقاربه، وعمره يطول، وكيف ذلك والعمر محدد؟
الجواب بسيط جداً لو كنتم تعلمون جواب السعادة والشقاوة، السعادة والشقاوة أليست محددة أيضاً؟
طبعاً، قد قيل للرسول ﵌: «أعمالنا هذه عن سابق؟ عن قدر ماضٍ أم الأمر أنف؟ قال: لا، بل عن قدر ماض. قالوا له: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، ومن كان من أهل الجنة فسيعمل بعمل أهل الجنة، ومن كان من أهل النار فسيعمل بعمل أهل النار، وتلا قوله ﵎:: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (الليل: ٥ - ١٠)» (١) ما معنى الحديث والآية؟
стр. 4413
معنى الحديث والآية أن السعادة والشقاوة كل منهما مرتبط في علم الله ، والذي سجل في اللوح المحفوظ العمل الصالح مع السعادة، والعمل الطالح مع الشقاوة.
إذا عرفنا أن السعادة مرتبطة بالعمل الصالح، والشقاوة مرتبطة أيضاً بالعمل الطالح، وعرفنا أن كلاً من العمل الصالح والعمل الطالح سببان محققان للسعادة أو الشقاوة، هذه حقيقة لا خلاف فيها بين المسلمين أبداً.
إذاً: إذا كان العمل الصالح هو سبب السعادة، والعمل الطالح سبب الشقاوة فصلة الرحم وحسن الخلق سبب في طول العمر والسعة في الرزق، أي: أن الحديثين السابقين ذكراً وهما: «حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويطيلان في الأعمار» والحديث الآخر: «من أحب أن ينسأ له في أجله ويوسع له في رزقه فليصل رحمه» يتحدثان في دائرة الأسباب، ما سبب السعادة؟ سبق، العمل الصالح. وما سبب الشقاوة؟ العمل الطالح. ... الحديثان يتحدثان عن سبب سعة الرزق وطيلة العمر، قال: حسن الجوار وصلة الأرحام.
فنحن لا ندري ما الذي كتب على الإنسان أسعادة أم شقاوة؟! لكن العمل هو الذي يدرينا، ولذلك جاء في الحديث الصحيح أن رجلاً سأل النبي ﵌: «كيف بي أن أعلم أنني أنا مسلم أو مؤمن أو محسن؟ قال: سل جيرانك فإن أحسنوا الثناء عليك فأنت مسلم، وإن أساءوا الثناء عليك فأنت غير مسلم» (١) أو كما قال ﵇.
إذاً: الأعمال هي مرتبطة مع القدر الغائب عنا، ولذلك قال تعالى في الآية
стр. 4414
السابقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ أي: الجنة. ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]، وكما أن رجلاً لا أقول مسلماً، وكما أن رجلاً عاقلاً لا يستطيع أن يقول: أنا أترك أسباب الصحة، وأترك أسباب القوة والسعادة الدنيوية بحجة أنه إن كان الله مقدر لي الصحة والسعادة الدنيوية ستأتيني هذه السعادة ولو أنا ما اتخذت سبب من الأسباب، لا أحد يقول بهذا.
والآن تجد الناس الأشقياء الفاسدين سلوكاً وأخلاقاً يأخذون بأسباب السعادة الدنيوية والصحة البدنية؛ لأنهم يعلمون يقيناً أن هذه الصحة لا بد لها من اتخاذ الأسباب، كذلك يقال تماماً بالنسبة للسعادة الأخروية، إذا المسلم يريد أن يكون سعيداً فعلاً فعليه أن يضع نصب عينيه الآية السابقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠].
إذاً: الحديث الأول والثاني على ظاهرهما تماماً.
«من أحب أن ينسأ له في أجله ويوسع له في رزقه فليصل رحمه» أي: صلة الرحم سبب شرعي لسعة الرزق وطول العمر، لكن النتيجة مخبأة عنا وغير معلومة لدينا كالسعادة والشقاوة تماماً، لكن كما أن السعادة والشقاوة لها أسباب، كذلك طول العمر وسعة الرزق لها أسباب، لا فرق بين هذه الأسباب وبين تلك الأسباب، ويكفي في إثبات أثر السببية في السعادة الأخروية أن نتذكر قول الله ﵎: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل:٣٢) هذه الباء هنا سببية، يعني: بسبب عملكم الصالح وأعظم الأعمال الصالحة هي الإيمان كما جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﵌ سأله رجل قال: عن أفضل الأعمال؟ قال: الإيمان
стр. 4415
بالله ﵎.
العمل بالإيمان عمل قلبي ليس كما يظن بعض الناس أنه لا علاقة له بالعمل، لا الإيمان أولاً، لا بد من أن يتحرك القلب بالإيمان بالله ورسوله، ثم لا بد أن يقترن مع هذا الإيمان الذي وقر في القلب أن يظهر .. على البدن والجوارح، لذلك فقوله ﵎: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل:٣٢)، نص قاطع صريح بأن دخول الجنة ليس بمجرد الأماني كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (النساء:١٢٣)، من يعمل خيراً يجز به، من يعمل سوءاً يجز به، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ (الزلزلة:٨).
"الهدى والنور" (١١ب/ ٠٠:٠٧:٢٤)
[١٧٧٦] باب كيف الجمع بين الأحاديث المصرحة بأن هناك أسباباً شرعية لإطالة العمر، وبين قوله تعالى: ﴿ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها﴾
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«إن الله تعالى لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد، فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر».
(منكر).
[قال الإمام]:
أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" من طريق الوليد بن عبد الملك ابن عبيد الله بن مسرح: حدثنا سليمان بن عطاء عن مسلمة بن عبد الله عن عمه أبي مشجعة