← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

مداخلة: ... الشيخ: أنا قلت لك سلفاً فلا تستعجل علي، قلت قصدك مفهوم، لكن السؤال خطأ، لو قلت مثلاً: سمعنا من بعض الناس أو بعض العلماء وبعض المشايخ أنهم يفسرون طول العمر هنا بغير ما يدل عليه ظاهر الحديث، كان أليق وآدب بالنسبة لكلام الرسول ﵌ الصريح، لا سيما وهناك حديث آخر وهو منه أشهر وأصح، ألا وهو قوله ﵊: «من أحب أن ينسأ له في أجله، ويوسع له في رزقه؛ فليصل رحمه»، من عجائب التأويلات التي لا يكاد ينقضي عجبي صدور ذلك من بعض أهل العلم، تأويلهم لهذا الحديث والذي قبله؛ لأنهم يقولون: ليس المقصود إطالة العمر حقيقة، وإنما المقصود المباركة في عمر هذا الإنسان، ولماذا يتأولون هذا التأويل؟ يتأولون هذا التأويل بحجة هي قائمة على تأويلهم؛ ذلك لأنهم يقولون: لأن العمر محدود، والرزق مقسوم، وهذا مصرح في الأحاديث التي فيها أن الجنين قبل أن ينفخ فيه الروح ويأتي الملك ينفخ فيه الروح يسأل ربه عن سعادته وشقاوته، وأجله ورزقه، فيكتب، يقول: فإذاً العمر محدود، والرزق مقسوم، فكيف يقال: إن العمر يطول والرزق يتوسع، يوسع عليه، لذلك تأولوه بذلك التأويل. وموضع تعجبي هو أنه لا يمكن لمسلم أن يقول فيه ما تأولوه به إلا ما يقوله فيما تأولوه. أي: البركة نفسها هي أيضاً محدودة ومقسومة معلقة في اللوح المحفوظ لا تتغير ولا تتبدل، فما هي الفائدة من قولنا أن المقصود هو البركة في العمر، والبركة في الرزق، والبركة في الرزق والعمر هذه حقيقة، وكثيراً من الناس كما تعلمون يأتيهم الرزق الواسع ولكن ما بين عشية وضحاها يصبحوا صفر اليدين.

стр. 4412

صحيح هذه قضية البركة، لكن نقول: لماذا تأويل طول العمر وسعة الرزق بالبركة، والبركة أيضاً محددة، أيضاً لم نستفد شيئًا من هذا التأويل فراراً من الإشكال الذي أوردوه على أنفسهم، أي في تأويلهم وهكذا يقال لهم: مكانك راوح ... لا نتقدم إطلاقاً. فما الجواب الصحيح؟ الجواب الصحيح هو ما جاء في الحديث صراحة، أي: الرزق يوسع على صاحبه بالخلق الحسن، والواصل لأقاربه، وعمره يطول، وكيف ذلك والعمر محدد؟ الجواب بسيط جداً لو كنتم تعلمون جواب السعادة والشقاوة، السعادة والشقاوة أليست محددة أيضاً؟ طبعاً، قد قيل للرسول ﵌: «أعمالنا هذه عن سابق؟ عن قدر ماضٍ أم الأمر أنف؟ قال: لا، بل عن قدر ماض. قالوا له: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، ومن كان من أهل الجنة فسيعمل بعمل أهل الجنة، ومن كان من أهل النار فسيعمل بعمل أهل النار، وتلا قوله ﵎:: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (الليل: ٥ - ١٠)» (١) ما معنى الحديث والآية؟

стр. 4413

معنى الحديث والآية أن السعادة والشقاوة كل منهما مرتبط في علم الله ، والذي سجل في اللوح المحفوظ العمل الصالح مع السعادة، والعمل الطالح مع الشقاوة. إذا عرفنا أن السعادة مرتبطة بالعمل الصالح، والشقاوة مرتبطة أيضاً بالعمل الطالح، وعرفنا أن كلاً من العمل الصالح والعمل الطالح سببان محققان للسعادة أو الشقاوة، هذه حقيقة لا خلاف فيها بين المسلمين أبداً. إذاً: إذا كان العمل الصالح هو سبب السعادة، والعمل الطالح سبب الشقاوة فصلة الرحم وحسن الخلق سبب في طول العمر والسعة في الرزق، أي: أن الحديثين السابقين ذكراً وهما: «حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويطيلان في الأعمار» والحديث الآخر: «من أحب أن ينسأ له في أجله ويوسع له في رزقه فليصل رحمه» يتحدثان في دائرة الأسباب، ما سبب السعادة؟ سبق، العمل الصالح. وما سبب الشقاوة؟ العمل الطالح. ... الحديثان يتحدثان عن سبب سعة الرزق وطيلة العمر، قال: حسن الجوار وصلة الأرحام. فنحن لا ندري ما الذي كتب على الإنسان أسعادة أم شقاوة؟! لكن العمل هو الذي يدرينا، ولذلك جاء في الحديث الصحيح أن رجلاً سأل النبي ﵌: «كيف بي أن أعلم أنني أنا مسلم أو مؤمن أو محسن؟ قال: سل جيرانك فإن أحسنوا الثناء عليك فأنت مسلم، وإن أساءوا الثناء عليك فأنت غير مسلم» (١) أو كما قال ﵇. إذاً: الأعمال هي مرتبطة مع القدر الغائب عنا، ولذلك قال تعالى في الآية

стр. 4414

السابقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ أي: الجنة. ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]، وكما أن رجلاً لا أقول مسلماً، وكما أن رجلاً عاقلاً لا يستطيع أن يقول: أنا أترك أسباب الصحة، وأترك أسباب القوة والسعادة الدنيوية بحجة أنه إن كان الله مقدر لي الصحة والسعادة الدنيوية ستأتيني هذه السعادة ولو أنا ما اتخذت سبب من الأسباب، لا أحد يقول بهذا. والآن تجد الناس الأشقياء الفاسدين سلوكاً وأخلاقاً يأخذون بأسباب السعادة الدنيوية والصحة البدنية؛ لأنهم يعلمون يقيناً أن هذه الصحة لا بد لها من اتخاذ الأسباب، كذلك يقال تماماً بالنسبة للسعادة الأخروية، إذا المسلم يريد أن يكون سعيداً فعلاً فعليه أن يضع نصب عينيه الآية السابقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]. إذاً: الحديث الأول والثاني على ظاهرهما تماماً. «من أحب أن ينسأ له في أجله ويوسع له في رزقه فليصل رحمه» أي: صلة الرحم سبب شرعي لسعة الرزق وطول العمر، لكن النتيجة مخبأة عنا وغير معلومة لدينا كالسعادة والشقاوة تماماً، لكن كما أن السعادة والشقاوة لها أسباب، كذلك طول العمر وسعة الرزق لها أسباب، لا فرق بين هذه الأسباب وبين تلك الأسباب، ويكفي في إثبات أثر السببية في السعادة الأخروية أن نتذكر قول الله ﵎: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل:٣٢) هذه الباء هنا سببية، يعني: بسبب عملكم الصالح وأعظم الأعمال الصالحة هي الإيمان كما جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﵌ سأله رجل قال: عن أفضل الأعمال؟ قال: الإيمان

стр. 4415

بالله ﵎. العمل بالإيمان عمل قلبي ليس كما يظن بعض الناس أنه لا علاقة له بالعمل، لا الإيمان أولاً، لا بد من أن يتحرك القلب بالإيمان بالله ورسوله، ثم لا بد أن يقترن مع هذا الإيمان الذي وقر في القلب أن يظهر .. على البدن والجوارح، لذلك فقوله ﵎: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل:٣٢)، نص قاطع صريح بأن دخول الجنة ليس بمجرد الأماني كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (النساء:١٢٣)، من يعمل خيراً يجز به، من يعمل سوءاً يجز به، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ (الزلزلة:٨). "الهدى والنور" (١١ب/ ٠٠:٠٧:٢٤) [١٧٧٦] باب كيف الجمع بين الأحاديث المصرحة بأن هناك أسباباً شرعية لإطالة العمر، وبين قوله تعالى: ﴿ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها﴾ [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «إن الله تعالى لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد، فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر». (منكر). [قال الإمام]: أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" من طريق الوليد بن عبد الملك ابن عبيد الله بن مسرح: حدثنا سليمان بن عطاء عن مسلمة بن عبد الله عن عمه أبي مشجعة

стр. 4416

بن ربعي عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا [زيادة العمر] عند رسول الله ﵌؟ فقال: ... فذكره. نقلته من "تفسير ابن كثير" (٧/ ٥٤)، ووقع فيه أخطاء كثيرة في رجال إسناده، صححتها من كتب الرجال، ويبدو لي أن في أول متنه سقطاً لعله قولهم: قوله تعالى: ﴿وما يعمر من معمر ... ﴾ الآية، أو نحوه. ثم تحققت من ذلك كما يأتي. وسكت عن إسناده ابن كثير، وهو إسناد ضعيف مظلم مسلسل بالمجهولين: ١ - أبو مشجعة هذا؛ لم يذكروا له راوياً غير ابن أخيه مسلمة بن عبد الله؛ وقال الحافظ: "مقبول"؛ يعني: عند المتابعة، وإلا؛ فهو لين الحديث. ٢ - مسلمة بن عبد الله الجهني؛ قال دحيم:"لم يرو عنه أحد نعرفه غير الشعيثي". وقال الحافظ أيضاً: "مقبول". ٣ - سليمان بن عطاء - وهو ابن قيس القرشي - متفق على تضعيفه، بل قال ابن حبان في "الضعفاء والمجروحين" (١/ ٣٢٩): "روى عن مسلمة بن عبد الله الجهني عن عمه أبي مشجعة بن ربعي أشياء موضوعة لا تشبه حديث الثقات، فلست أدري؛ التخليط فيها منه أو من مسلمة ابن عبد الله؟! ". وأما الوليد بن عبد الملك؛ فقال ابن أبي حاتم (٤/ ٢/ ١٠) عن أبيه:"صدوق". وذكر أنه روى عنه أبوه، وكذا أبو زرعة، ورواية هذا عنه توثيق منه له؛ كما هو معروف عنه.

стр. 4417

فآفة الحديث ممن فوقه. وقد أخرجه من طريقه أيضاً: ابن حبان، وابن عدي (ق ١٦٠/ ١)، والطبراني في "الأوسط" (١/ ١٩٠/ ٢ - مصورة الجامعة)؛ وفي روايتهم ما أشرت إليه من السقط في "تفسير ابن كثير". وهذا الحديث مما فات السيوطي؛ فلم يورده في "الجامع الكبير"، بل ولا في "الدر المنثور" في تفسير الآية: ﴿وما يعمر من معمر ... ﴾! وإنما أورد فيها الحديث الآتي بعده، ولم يورده أيضاً في آخر سورة (المنافقون) في قوله تعالى: ﴿ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون﴾ وهو بها أليق وألصق، وهي بمعنى الطرف الأول من الحديث. وأما سائره؛ فمنكر لا شاهد له، بل هو مخالف لبعض الأحاديث الصحيحة المصرحة بأن هناك أسباباً شرعية لإطالة العمر؛ كقوله ﵌: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره (وفي رواية: أجله)؛ فليصل رحمه»؛ أخرجه الشيخان من حديث أنس، وله شواهد خرجت بعضها في "صحيح أبي داود" (١٤٨٦). وكقوله ﵌: «حسن الخلق وحسن الجوار؛ يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار». أخرجه أحمد بسند صحيح؛ كما تراه مبيناً في "الصحيحة" (٥١٩). وقد يظن بعض الناس أن هذه الأحاديث تخالف الآية السابقة: ﴿ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها ... ﴾، وغيرها من الآيات والأحاديث التي في معناها! والحقيقة؛ أنه لا مخالفة؛ لأن الأحاديث المذكورة آنفاً إنما تتحدث عن مبدأ الأخذ بالأسباب، ولا تتحدث عما سبق في علم الله الأزلي من الآجال المحددة؛ فإن علم الله تعالى لا يتغير ولا يتبدل؛ تماماً كما هو الشأن في الأعمال الصالحة والطالحة، والسعادة والشقاوة، فالآيات والأحاديث التي تأمر بالإيمان

стр. 4418

والعمل الصالح، وتنهى عن نقيضهما لا تكاد تحصى، وفي بعضها يقول الله تعالى: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾، وقد ذكر العلماء المحققون أن الباء في هذه الآية؛ إنما هي باء السببية، فذلك كله لا ينافي ما سبق في علم الله تعالى من السعادة والشقاوة، بل إنما هما أمران متلازمان: السعادة مع العمل الصالح، والشقاوة مع العمل الطالح. وهذا صريح في قوله ﵌: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها». أخرجه الشيخان وغيرهما، وهو مخرج في "تخريج السنة" (١٧٥ - ١٧٦). فانظر كيف أن نهاية الأمر كان مقروناً بالعمل دخول الجنة والنار. فكما أنه لا يقال: إن العمل ليس سبباً للدخول؛ فكذلك لا يقال: إن صلة الرحم وغيرها ليست سبباً لطول العمر بحجة أن العمر محدود؛ فإن الدخول أيضاً محدود: ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾. وما أحسن وأجمل جواب النبي ﵌ لما حدث أصحابه بقوله: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة». فقالوا: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟! فقال ﵌: «اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له: أما من كان من أهل السعادة؛ فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة؛ فييسر لعمل أهل الشقاوة». ثم قرأ: ﴿فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى ... ﴾ إلى قوله: ﴿فسنيسره للعسرى﴾. أخرجه الشيخان. وجملة القول: أن الله ﵎ جعل لكل شيء سبباً، فالعمل الصالح سبب لدخول الجنة، والعمل السيئ لدخول النار، فكذلك جعل بعض الأخلاق

стр. 4419

الصالحة سبباً لطول العمر. فكما أنه لا منافاة بين العمل وما كتب لصاحبه عند ربه؛ فكذلك لا منافاة بين الأخلاق الصالحة وما كتب لصاحبها عند ربه، بل كل ميسر لما خلق له. وأنت إذا تأملت هذا؛ نجوت من الاضطراب الذي خاض فيه كثير من العلماء؛ مما لا يكاد الباحث يخلص منه بنتيجة ظاهرة سوى قيل وقال، والأمر واضح على ما شرحنا والحمد لله، وإن شئت أن تقف على كلماتهم في ذلك؛ فراجع "روح المعاني" للعلامة الآلوسي (٧/ ١٦٩ - ١٧٠). "الضعيفة" (١١/ ١/٥١٢ - ٥١٦). [١٧٧٧] باب الحسنة سبب في زيادة الرزق وطول العمر وبيان أنه لا منافاة بين ذلك وبين قوله تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «إن الرزق لا تنقصه المعصية ولا تزيده الحسنة، وترك الدعاء معصية». (موضوع). [قال الإمام]: ثم إن مما يدل على بطلان الحديث قوله ﵌: «من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه»، رواه الشيخان وغيرهما، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (١٤٨٦). فهذا يدل على أن الحسنة سبب في زيادة الرزق كما أنها سبب في إطالة

стр. 4420

العمر، ولا تعارض عند التحقيق بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ ولبسط هذا موضع آخر. "الضعيفة" (١/ ٣٣٠ - ٣٣١). [١٧٧٨] باب تأويل قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ وبيان علاقة ذلك بالقضاء والقدر [قال الإمام]: اعلم أن المفسرين اختلفوا اختلافاً كثيراً في تفسير آيتي (الرعد): ﴿لكل أجل كتاب. يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ على أقوال كثيرة، استوعبها الشوكاني في "الفتح"، وذكر بعضها ابن جرير، ثم ابن كثير، واختار هذا ما هو أقرب للسياق؛ فقال: "أي: لكل كتاب أجل، يعني: لكل كتاب أنزله الله من السماء مدة مضروبة عند الله، ومقدار معين، فلهذا: (يمحو الله ما يشاء): منها: (ويثبت)؛ يعني: حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله صلوات الله وسلامه عليه". فالمحو والإثبات فيهما خاص بالأحكام في الكتب المتقدمة أو في الشريعة المحمدية، ينسخ منها ما يشاء، ويثبت ما يشاء. وهو يلتقي مع ما رواه ابن جرير (١٦/ ٤٨٥) وغيره بسند فيه ضعف عن ابن عباس: ﴿يمحو الله ما يشاء﴾، قال: من القرآن؛ يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله. ﴿وعنده أم الكتاب﴾، يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ،

стр. 4421

وما يبدل، كل ذلك في كتاب. وقد وجدت ما يقويه من رواية عكرمة عن ابن عباس، من وجهين عن عكرمة: الأول: رواه يزيد النحوي عنه ابن عباس؛ في قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾، وقال: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل ... ﴾ الآية، وقال: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾؛ فأول ما نسخ من القرآن القِبلة ... الحديث. رواه النسائي أواخر "الطلاق"، وأبو داود مختصراً. وإسناده حسن؛ كما هو مبين في "الإرواء" (٧/ ١٦١/ ٢٠٨٠). والآخر: رواه سليمان التيمي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄؛ في قول الله : ﴿يمحو الله ما يشاء﴾، قال: من أحد الكتابين؛ هما كتابان يمحو الله ما يشاء من أحدهما ويثبت. ﴿وعنده أم الكتاب﴾؛ أي: جملة الكتاب. رواه ابن جرير (١٦/ ٤٨٠،٤٨١)، والحاكم (٢/ ٣٤٩). وقال: "صحيح غريب". ووافقه الذهبي. قلت: وفي رواية لابن جرير (١٦/ ٤٩١) من طريق علي عن ابن عباس: ﴿وعنده أم الكتاب﴾، يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب؛ الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب. وفي سنده انقطاع وضعف. ثم اعلم أنه - وإن كان المحو والإثبات في الآية خاصاً بالأحكام الشرعية؛

стр. 4422

كما تقدم -؛ فليس في الشرع ما ينفيهما في غيرها، بل إن ظواهر بعض النصوص تدل على خلاف ذلك؛ كمثل قوله ﵌: «لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر»؛ وهو حديث حسن مخرج في "الصحيحة" (١٥٤). وقوله ﵌: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره (وفي بعض الطرق: في آجله)؛ فليصل رحمه». متفق عليه، وهو مخرج في المصدر السابق برقم (٢٧٦). وقد صح عن ابن عباس أنه قال: لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر. أخرجه الحاكم (٢/ ٣٥٠). وقال: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. إذا عرفت ما تقدم؛ فاعلم أن المحو المذكور والزيادة في الرزق والعمر؛ إنما هو بالنسبة للقضاء أو القدر المعلق، وأما القضاء المبرم المطابق للعلم الإلهي؛ فلا محو ولا تغيير، كما كنت شرحت ذلك في تعليقي على "مختصر مسلم" للمنذري (ص ٤٧٠)؛ فراجعه فإنه هام! ثم رأيت القرطبي قد أشار إلى ذلك في تفسيره "الجامع"، فقال (٥/ ٣٣٢): "والعقيدة: أنه لا تبديل لقضاء الله، وهذا المحو والإثبات مما سبق به القضاء، وقد تقدم أن من القضاء ما يكون واقعاً محتوماً - وهو الثابت -، ومنه ما يكون مصروفاً بأسباب - وهو الممحو - والله أعلم. قال الغزنوي (١): وعندي: أن ما في اللوح خرج عن الغيب؛ لإحاطة بعض

стр. 4423

الملائكة، فيحتمل التبديل؛ لأن إحاطة الخلق بجميع علم الله محال، وما في علمه من تقدير الأشياء لا يبدل". وإذا عرفت هذا؛ سهل عليك فهم كثير من النصوص المرفوعة والآثار الموقوفة، وقد تقدم بعضها، وتخلصت من الوقوع في تأويلها. والله الهادي. ثم وقفت على كلام جيد لشيخ الإسلام ابن تيمية، يؤيد ما ذهبت إليه في "مجموع الفتاوى" (٨/ ٥١٦ - ٥١٨،٥٤٠،٥٤١) و (١٤/ ٤٨٨ - ٤٩٢)، فراجعه؛ فإنه مهم. "الضعيفة" (١١/ ٢/٧٦٤ - ٧٦٨). [١٧٧٩] باب هل آية ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ... ﴾ من آيات القدر ؟ - سؤال: الطلبة في كلية المجتمع بيسألوا سؤالاً على النحو الذي تفضلت به, الآن كتب عليّ في اللوح المحفوظ أمور أنا الجاني فيها خيراً أو شراً, ... الآن أنا جوابي أريد أن أعرضه عليك, فإن كنت على صواب أخذت منك, وإن كنت على ضلال رجعت عنه. أقول للطلبة بأن كل ما في اللوح المحفوظ أصلاً هو في علم الله, لكن أنا كإنسان لم أُخبر لأن أسير في هذا الطريق أو في هذا الطريق, إنما وضع لي العقل, العقل يقول لي هذا الطريق خير فسر به, ويؤدي بك إلى الخير, هذا الطريق هو الطريق الشر ويؤدي بك إلى النار, فابتعد عنه, فلو لو فرضنا جدلًا أن الله تعالى في علم الكتاب قد كتب عليّ أن أفعل شرًّا فعندما هممت بالشر اهتديت بعقلي أن هذا شر فتراجعت عنه وعملت خيراً واستندت إلى قوله تعالى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ

стр. 4424

وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، فما رأيك بهذا الجواب إذا سمحت لأني أنا قلق فيه؟ الشيخ: والله الجواب فيه شيء من الخطأ؛ لأنه لا نستطيع نتصور؛ نتقول أنه سبق في علم الله أنني أعمل شرًّا ثم أنا أحيد عنه, هذا مستحيل, نحن ننتهي إلى القدر, لكن انتهينا أن القدر ليس غصباً وليس رغماً وإنما هو كما شرحنا آنفاً, والآن نضرب مثلاً توضيحيّاً: مدير مدرسة -وأنت تتكلم عن الطلاب- كيس فطن, قائم بإشرافه الكامل على تلامذته, وعاش معهم بضع سنين, هو يستطيع أن يقول فلان التلميذ أو الطالب سينجح في آخر السنة, وفعلاً بينجح, لماذا؟ لأنه عرف من إشرافه عليهم وممارسته هو وإلى آخره إنه هذا كيس فطن مجتهد ما هو كسل ووإلى آخره, فبيعطي النتيجة قبل أن تظهر, وهذا إنسان عاجز بَشَر, وربنا الذي علمه ذاتي وليس كسبيًّا كعلمنا نحن, فهو بسابق علمه كما شرحت آنفاً يعلم فلان حينما يأتيه الأمر بالإيمان يؤمن أم يكفر, وكَتَبَهُ مؤمناً إن سبق في علمه أنه سيؤمن, وكَتَبَهُ كافراً إن سبق في علمه أنه يكفر, ... الشيء الحقيقة كما جاء في بعض الأغاني وقلما تنطق بالحق المكتوب على الجبين لا بد ما تشوفه العين, هذا الكلام صحيح ولو في أغنية؛ لأنه مثل ما قلنا ذاك اليوم مش كل ما يقوله الصوفي نقول باطل, هو بيقول: لا إله إلا الله محمداً رسول الله, فهو حق, فإذاً كل شيء مسجل على الإنسان لا بد أن يقع كما هو مسجل, لكن نحن درسنا موضوع التسجيل أنه لن يرغم على هذا التسجيل صاحبه, وإنما سجل عليه مسبقاً ما سيفعله, كهذا التلميذ الذي حكم أستاذه بأنه سينجح, وبالمقابل فلان سيسقط؛ لأنه يلهو ليلاً نهاراً ليس سينجح فهو ساقط, وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون, فهذا يجب أن يكون الجواب, مش على فرضية أنه كتب عليّ أن أعمل شرًّا فأنا حكمت عقلي أنه هذا شر ما لازم أعمله فرجعت عنه, لا بدك تفترض هالمناقشة هالمحاكمة

стр. 4425

هالمحاكمة هالي أنت ذكرتها أخيراً هذه مكتوبة في اللوح المحفوظ, يعني مثلاً مكتوب في اللوح المحفوظ: زيد من الناس يخطر في باله أنه يروح يحيى الليلة ليلة حمراء خطر في باله هكذا, ناقش القضية أيش الفائدة أنا أروح أحيي هالليلة الحمراء أنفق قوتي صحتي مالي أضيع أهلي وأولادي إلى آخره, لا والله هذا ما راح أفعلها, وبقي في بيته, هذا كله مكتوب في اللوح المحفوظ, أما يكون مكتوب في اللوح المحفوظ شيء ويقع شيء هذا مستحيل, أما الآية فليس لها علاقة بموضوعنا مطلقا "يمحو الله ما يشاء" من الشرائع والأحكام يمحوا منها ما يشاء "وعنده أم الكتاب" أي اللوح المحفوظ اللي فيه المحكم والمنسوخ الذي قُرِّرَ بقاءه واستمرار حكمه والذي رُفِعَ, فهذا له علاقة بالشرائع وليس له علاقة بأعمال القضاء والقدر. مداخلة: يصدق هذا على حديث: «إذا هم عبدي»؟ الشيخ: «إذا هم عبدي بسيئة فعملها فاكتبوها له سيئة, وإذا لم يعملها فلا تكتبوها شيء, وإذا هم عبدي بحسنة فعملها فاكتبوها عشر حسنات إلى مائة حسنة إلى سبعمائة إلى أضعاف -كثيرة والله- يضاعف لمن يشاء, وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة واحدة» (١) هذا كله ما يجري في النفس ويتحدث به الإنسان كله مسجل لكن الأمر كما قال ﵇: «إنما الأعمال بالخواتيم» (٢) فهمت هالمحاكمة الذي فرضتها أنت في نفس ذاك الإنسان شو النهاية بده يعمل الشر, عمله مكتوب في اللوح المحفوظ أنه بده يعمله، ما بده يعمله ما بيعمله؛ لأنه إنما الأعمال بالخواتيم. " الهدى والنور" (٣٤/ ١٠: ٢١: ٠٠ طريق الإسلام)

стр. 4426

[١٧٨٠] باب هل الإيمان بالقدر يستلزم التواكل ؟ عن سهل بن سعد ﵄ أن رسول الله ﵌ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها». (صحيح). [قال الإمام]: الرباط بكسر الراء وبالباء الموحدة الخفيفة: ملازمة المكان الذي بين الكفار والمسلمين لحراسة المسلمين منهم. قلت: وليس من ذلك ملازمة الصوفية للربط، وانقطاعهم فيها للتعبد، وتركهم الاكتساب، اكتفاء منهم - زعموا- بكفالة مسبب الأسباب ، كيف وهو القائل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا في الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ ولذلك قال عمر ﵁: "لا يقعدن أحدكم في المسجد يقول: الله يرزقني، فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة". وقوله: «خير من الدنيا وما عليها» أي: على الدنيا، وفائدة العدول عن قوله: (وما فيها) هو أن معنى الاستعلاء أعم من الظرفية وأقوى، فقصده زيادة لمبالغة، وبيان الحديث أن الدنيا فانية، والآخرة باقية، والدائم الباقي خير من المنقطع الكثير، والله أعلم. "التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٥١٩ - ٥٢٠).

стр. 4427

[١٧٨١] باب هل الإيمان بأن الله قد قدر الأرزاق يوجب التكاسل والتواكل ؟ [سئل الإمام]: فضيلة الشيخ، قرأت في كتاب صغير حديثاً يقول «خذ من القرآن ما شئت لما شئت» فهل هذا الحديث صحيح؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً. [فأجاب]: هذا الحديث: «خذ من القران ما شئت لما شئت» (١) حديث مشتهر على بعض الألسنة ولكنه -مع الأسف الشديد- من تلك الأحاديث التي لا أصل لها في السنة, ولذلك فلا يجوز روايته ونسبته إلى النبي ﵌. ثم هذا المعنى الواسع الشامل لا يصح ولا يثبت مطلقاً في شريعة الإسلام: «خذ من القران ما شئت لما شئت» فمثلاً إن أنا جلست في عقر داري, ولا أعمل في مهنتي وصنعتي, وأطلب الرزق من ربي أن ينزله علي من السماء لأني اخذ من القران لهذا! من يقول هذا؟! هذا كلام باطل, ولعله من وضع أولئك الصوفية الكسالى الذين طُبعوا على الجلوس والسكن فيما يسمونها بالرباطات, ينزلون فيها وينتظرون رزق الله ممن يأتيهم به من الناس, علماًً أن هذا ليس من طبيعة المسلم, لأن النبي ﵌ قد ربى المسلمين جميعاً على علو الهمة, وعلى عزة النفس, فقال ﵊ «اليدُ العليا خير من اليد السفلى, فاليد العليا هي المنفقة, واليد السفلى هي السائلة» (٢). ويُعجبني بهذه المناسبة مما كنت قرأته فيما يتعلق ببعض الزهاد من الصوفية

стр. 4428

- ولا أطيل في ذلك, فقصصهم كثيرة وعجيبة:- زعموا أن أحدهم خرج سائحاً ضارباً في الأرض بغير زاد, فوصل الأمر إلى أنه كاد أن يموت جوعاً, فبدت له من بعيد قرية, فأتى إليها, وكان اليوم يوم الجمعة, وهو بزعمه خرج متوكلاً على الله, فلكيلا ينقض بزعمه توكله المزعوم, لم يظهر شخصه للجمهور الذي في المسجد, وإنما انطوى على نفسه تحت المنبر, لكيلا يشعر به أحد, لكنه كان يحدث نفسه لعل أحداً يُحس به, وهكذا خطب الخطيب خطبته, وهو لم يُصل مع الجماعة! فبعد أن انتهى الإمام من الخطبة والصلاة, وبدأ الناس يخرجون زرافات ووحداناً من أبواب المسجد, حتى شعر الرجل بأن المسجد كاد يخلو من الناس, وحينئذٍ تُقفل الأبواب, ويبقى وحيداً في المسجد من غير طعام ولا شراب, فلم يسعه إلا أن يتنحنح ليثبت وجوده للحاضرين, فالتفت بعض الناس, فوجدوه قد تحول كأنه عظم من الجوع والعطش, فأخذوه وأغاثوه. وسألوه: من أنت يا رجل؟! قال: أنا زاهد متوكل على الله. قالوا: كيف تقول: متوكل على الله, وأنت كدت أن تموت؟! ولو كنت متوكلاً على الله لما سألت, ولما نبهت الناس إلى وجودك بالنحنحة, حتى تموت بذنبك؟! هذا مثال إلى ما يؤدي به مثلُ هذا الحديث «خذ من القرآن ما شئت لما شئت». والخلاصة: أن هذا الحديث لا أصل له. "كيف يجب علينا أن نفسر القرآن" (ص٥ - ٧).

стр. 4429

[١٧٨٢] باب هل التواكل تسليم بالقضاء والقدر سؤال: ... بالنسبة للزهد والتوكل، الفرق بينهما، مع الشرح، ... نحن نعرف أن الشخص إذا ذهب إلى الصحراء ثم مكث في الصحراء وقال: رب ارزقني، هذا تواكل، طيب ما الفرق؟ الشيخ: أنت تقول: الزهد والتواكل، أم التوكل؟ مداخلة: التواكل ... الشيخ: عفواً، أنت تلاحظ معي ما الفرق بين التوكل والتواكل؟ مداخلة: أي نعم. الشيخ: وهو؟ مداخلة: التوكل التوكل على الله يُعِدُّ الأسباب. الشيخ: والتواكل؟ مداخلة: والتواكل لا يُعِدُّ الأسباب. الشيخ: أجل؛ لماذا ذكرت التواكل مع الزهد معاً؟ مداخلة: لأن الزهد الإنسان أراد أن يزهد في الدنيا، هل يجب أن يعد الأسباب؟ ... الشيخ: هنا يأتي التفصيل، لكن هذا لا يستلزم أنك تذكر التواكل مع الزهد أبداً. التواكل أن يقعد الإنسان في بيته ويقول: الله يرزقني، فيأتي جواب عمر: لقد

стр. 4430

علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. هذا التواكل، لكن إنسان عنده قوة إيمان بالله ، وعنده كم دينار أو فلس أو قرش .. إلخ، فإيمانه بالله يحمله على أن يتصدق بهذه الأموال القليلة أو الكثيرة التي عنده، فهذا لا يلتقي أبداً مع التواكل، إنما هذا يلتقي مع التوكل على الله ﵎، وإلا هل تظن بأن الرسول كان متواكلاً؟ مداخلة: لا. الشيخ: فإذاً؟ مداخلة: متوكلاً. الشيخ: ما فيه ارتباط بين الزهد الصحيح وبين التواكل إطلاقاً، لكن هنا شيء لابد للإنسان من أن يلاحظه، هذا الزهد الذي ذكرت نوعاً منه عن نبينا ﵊، هذا يختلف باختلاف الأشخاص، فليس كل إنسان يجوز له ليس يستحب له أن يخرج عن كل ماله كما فعل الرسول ﵇، ... وإنما هذا له أناس بلغ بهم إيمانهم وتوكلهم على الله مبلغاً لا تناله الناس أو البشرية كلها، فنحن نعلم مثلاً في الحديث الصحيح لما أبو بكر الصديق تصدق بما عنده فقال ﵇: «ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله» (١) فهذه أيضاً المنقبة والفضيلة اختص بها الرجل الأول بعد رسول الله ﵌ من أصحابه. لكن انظر الآن ما يقابل هذا بالنسبة لقصة سعد بن أبي وقاص لما مرض في حجة الوداع، وخشي أن يكون وفاته هناك، فعاده الرسول ﵇ وقال له بأنه

стр. 4431

أريد أن أوصي بمالي، قال: «لا، قال: في النصف؟ قال: لا، قال: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون أيدي الناس» (١)، فإذاً: هنا يعطينا هذا الحديث فرق بين إنسان معيل وعائلته ليسوا من قوة الإيمان والتوكل بحيث أنه إذا تصدق بكل ماله كما فعل أبو بكر الصديق يقولوا: ماذا فعل أبونا، تركنا فقراء فيما بعد، ولن يقولوا: جزى الله أبانا خيراً، فلنا الله من بعده، كما يروى أيضاً وإن كان هذه لا تروي بالأسانيد الحديثية عن قصة عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة، كل المال الذي كان عند زوجته فاطمة أعاده إلى بيت مال المسلمين، لو أن فاطمة لم تكن كفاطمة بنت الرسول كانت وقعت الواقعة بين الزوجين، ولذلك باختصار الزهد ليس له حد أولاً، ثم يختلف باختلاف الأشخاص ثانياً، فإذا كان إنسان معيل وعنده عائلة، ويعلم بأنهم لم يؤتوا من الزهد نصيباً؛ فلا يجوز له أن يخرج عن كل ماله ويدعهم فقراء، وربما يصل بهم الأمر أن يقعوا فيما يشبه الكفر؛ لأن الرسول ﵇ كما نعلم من الأحاديث الصحيحة استعاذ من الكفر والفقر؛ لأن الفقر يكون أحياناً سبباً يؤدي إلى الكفر، وإن كان الحديث الوارد في هذا المعنى: «كاد الفقر أن يكون كفراً» (٢) لا يصح إسناداً. هذا ما يحضرني جواباً عن سؤال الزهد هذا. السؤال: عمر بن عبد العزيز عندما أراد أن يموت ما أدري هل القصة هذه صحيحة أم لا، حينما قال له أحد وزرائه أو أحد الرجال: لم لا تترك لأبنائك بعض

стр. 4432

المال؟ فقال: إن كان أبنائي صالحين فإن الله ﵎ يتولى الصالحين، وإن كان أبنائي غير صالحين فأنا لا أترك أموالي إلى غير صالحين. ترون هل هو تشبه بأبي بكر لم يترك شيئاً لأبنائه؟ الشيخ: تشبه بأبي بكر ولم يتشبه بمين، قلت: تشبه بأبي بكر ولم يتشبه؟ مداخلة: ولم يترك شيئاً من ماله. الشيخ: أولاً: هل عمر هو حجتنا؟ مداخلة: لا، ... الشيخ: هذا تصرف شخصي، وكما قلنا: واقعة عين أيضاً ليس لها عموم. فنحن نقول: هذا تصرف من عمر أصاب أم أخطأ لسنا مكلفين فيه، نحن أتينا بحديث سعد بن أبي وقاص، وحديث سعد خلاف ما فعل عمر بن عبد العزيز تماماً، لكن ممكن عمر بن عبد العزيز بدا له شيء، فكان ذلك المنطلق منه بناء على هذا الذي بدا له، فهذا ما يهمنا نحن بالنسبة للأحكام الشرعية أبداً. مداخلة: نستخلص أن الحكم الشرعي أن يترك الرجل الثلث. الشيخ: أي نعم. مداخلة: وهذا كثير. الشيخ: أي نعم. "الهدى والنور" (٢٧/ ٤٢: ١١: ٠٠)

стр. 4433

[١٧٨٣] باب هل قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ يعني ترك أسباب التعلم ؟ [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «من زهد في الدنيا؛ علمه الله تعالى بلا تعلم، وهداه الله بلا هداية، وجعله بصيراً، وكشف عنه العمى». (موضوع). [قال الإمام]: والحديث عندي موضوع؛ عليه لوائح الوضع بادية، وظني أنه من وضع بعض الصوفية؛ الذين يظنون أن لطلب العلم طريقاً غير طريق التلقي والطلب له من أهله الذين تلقوه خلفاً عن سلف، وهو طريق الخلوة والتقوى فقط بزعمهم! وربما استدل بعض جهالهم بمثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾! ولم يدر المسكين أن الآية لا تعني ترك الأخذ بأسباب التعلم؛ قال الإمام القرطبي في "تفسيره" (٣/ ٤٠٦): "وعد من الله تعالى بأن من اتقاه علمه، أي: يجعل في قلبه نوراً يفهم به ما يلقى إليه، وقد يجعل الله في قلبه ابتداءً فرقاناً، أي: فيصلاً يفصل به بين الحق والباطل، ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ ". "الضعيفة" (١٠/ ١/١١٤).

стр. 4434

[١٧٨٤] باب هل الدعاء قدح في الإيمان بالقدر ؟ عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﵌ قال: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها لنا وبارك لنا، في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة». [قال الإمام]: [الجحفة]: موضع بينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل ... قال الخطابي وغيره: «كان ساكنو الجحفة يهوداً في ذلك الوقت، ففيه دليل للدعاء على الكفار بالأمراض والأسقام والهلاك. وفيه الدعاء للمسلمين بالصحة وطيب بلادهم والبركة فيها، وكشف الضر والشدائد عنهم، وهذا مذهب العلماء كافة. قال القاضي عياض: وهذا خلاف قول بعض المتصوفة أن الدعاء قدح في التوكل والرضا، وأنه ينبغي تركه! وخلاف قول المعتزلة أنه لا فائدة في الدعاء مع سبق القدر. ومذهب العلماء كافة أن الدعاء عبادة مستقلة، ولا يستجاب منه إلا ما سبق به القدر، والله أعلم. "التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٥١٣). [١٧٨٥] باب هل فُضَّل آدم على الملائكة بأنه حر مختار ؟ سؤال: [يقول بعضهم] إن الله أسجد الملائكة لآدم بما فضله الله عليهم بأنه حر مختار، فهل هذا القول صحيح؟ الشيخ: ليس بصحيح، ليس هناك تعليل لمثل هذا الأمر الإلهي للملائكة بالسجود لآدم ﵇ أنه كان ذلك لأن الله خلق آدم مختاراً بشراً مختاراً،

стр. 4435

ولا يجوز للمسلم أن يعلل حكماً شرعياً تعليلاً عقلياً ليس له على ذلك برهان من الله ورسوله. والعلماء يقسمون الأوامر والعبادات الشرعية أو الأحكام الشرعية إلى قسمين اثنين: القسم الأول: أنها أمور تعبدية محضة، ويكنون عنها بقولهم: إنها غير معقولة المعنى، وكثير من الأحكام الدينية والعبادات الشرعية تعبدية غير معقولة المعنى. والقسم الآخر: يعبرون عنه: بأنها معقولة المعنى. والبحث في هذا يتحمل الطول والبسط والشرح، ولعلنا تكلمنا في بعض مجالسنا عن ذلك بشيء من البيان والتفصيل. والآن أقول: أمر الله الملائكة بأن يسجدوا لآدم، ليس عندنا علة منصوصة في الشرع لماذا، جواب: لماذا أمر الله الملائكة بالسجود لآدم؟ لكن لا شك أن السجود من شخص إلى آخر يدل على فضيلة المسجود له، فيمكن أن يقال: بأن الأمر للملائكة بالسجود لآدم هو لبيان أن هذا الإنسان الذي خلق بشراً من طين يستحق أن يقدر وأن يعظم بتطبيق الأمر الإلهي في السجود له، فإذاً: هذا أمر لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان كما يقال، أن السجود لشيء ما يدل على تعظيمه، هذا أمر لا خلاف فيه. فبإمكاننا أن نعلل أمر الله للملائكة بالسجود: إنما هو تعظيم لآدم ﵇؛ لأنه أبو البشر، ولأن الملائكة لا تعرف هذا الجنس من البشر، وبخاصة أن الله حكى عنهم حينما أمرهم بالسجود: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا

стр. 4436

تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:٣٠)، ذكر المفسرون: بأن الله كان خلق خلقاً آخر غير الإنس قبل خلق آدم وهم جن، ففسدوا في الأرض، فخشيت الملائكة أن يكون هذا الخلق الجديد من ذلك النوع القديم الذي أفسد في الأرض. فالله أمرهم ليسجدوا ليعرفوا أن هذا الإنسان الذي هو أبو البشر فيما سيأتي من الزمان يستحق مثل هذا التكريم الإلهي. وقلت آنفاً: إن السجود لشيء ما يدل على التعظيم، وأن هذه حقيقة لا شك ولا ريب فيها، فبإمكاننا أن نعلل الأمر الإلهي بما لا شك فيه، أما أن نأتي بتعليل لا برهان لنا عليه أنه خلقه مختاراً، فهذا يحتاج إلى [دليل] وإن كان فعلاً البشر مختار؛ ولذلك قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:٢٩)، ولكن هذا لا يعني أن الملائكة ليسوا مختارين، وإنما يعني: أن الملائكة مفطورون على طاعة الله ، كما قال ﵎: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم:٦). فكون السجود للشيء يدل على إكرامه وتعظيمه، لدينا أشياء كثيرة وكثيرة جداً، منها: سجود إخوة ليوسف ويوسف لأبيه، كما جاء في سورة يوسف ﵇، ومنها: أن هذا السجود الذي بدئ بتشريعه في قصة الأمر من الله للملائكة بالسجود لآدم واستمر هذا الحكم يمشي حتى كان السجود يعتبر إكراماً في الشرائع السابقة، ومنها سجود إخوة يوسف ﵇، لكن هذا الإكرام الذي استمر إلى عهد الرسول ﵇ نهى الرسول ﵌ عنه؛ لما فيه أولاً: من المبالغة في إكرام المسجود له، وثانياً: من باب سد الذريعة والإخلاص لله تعالى في عبادته.

стр. 4437

وأنهي جواب هذا السؤال بحديث معاذ بن جبل حينما سافر من مدينة إلى الشام ورجع إلى المدينة، فأول ما وقع بصره على النبي ﵌ فأراد أن يسجد له، فنهاه ﵌ عن ذلك وقال له: «ما هذا؟» قال: يا رسول الله! إني أتيت الشام فرأيت النصارى يسجدون لقسيسهم وعظمائهم، فرأيتك أنت أحق بالسجود منهم، فقال ﵇: «لا يصلح السجود إلا لله، ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها، ولكن لا ينبغي السجود إلا لله» (١). فأيضاً السجود إكرام، لكن هذا الإكرام ختم أمره بخاتمة الشرائع ... وهي شريعة الإسلام. خلاصة القول: أمر الله للملائكة بالسجود كان إكراماً لهذا الجنس، ولم يكن لتلك العلة: أنه جعله مختاراً؛ لأن هذه العلة لا دليل عليها، لا في الكتاب، ولا في السنة، ولا في الاستنباط من أدلة الشريعة كما ذكرت آنفاً. "الهدى والنور" (٧٢٩/ ٣٥: ١٢: ٠٠) [١٧٨٦] باب الرد على من ضعف حديث موسى مع ملك الموت بدعوى أنه يفيد أن موسى يكره قدر الله عليه بالموت [قال رسول الله]: «جاء ملكُ الموتِ إلى (وفي طريق: إنَّ ملكَ الموتِ كان يأتي الناسَ عياناً، حتّى أتى) موسى ﵇، فقال له: أجب ربَّك، قال: فلطَم موسى عليه

стр. 4438

السلام، عينَ مَلكِ الموتِ ففَقأها، فرجعَ الملكُ إلى اللهِ تعالى، فقالَ: [يا ربِّ!] إنَّك أرسلتني إلى عبدٍ لكَ لا يريدُ الموتَ، وقد فقأ عيني، [ولولا كرامتُه عليك لشققتُ عليه]. قال: فردَّ اللهُ إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدِي فقِل: الحياة تريدُ؟ فإن كنت تريدُ الحياةَ؛ فضع يدَك على متنِ ثورٍ، فما توارت يدُك من شعرة؛ فإنّك تعيشُ بها سنةً، قال: [أي ربِّ!] ثمَّ مَه؟ قالَ: ثم تموتُ، قال: فالآن من قريبٍ، ربِّ! أمتني من الأرضِ المقدّسةِ رميةً بحجرٍ! [قال: فشمَّه شمّةً فقبض روحَه، قال: فجاء بعد ذلك إلى النّاسِ خفياً». قال رسول الله ﵌: «والله! لو أني عنده لأريتُكم قبره إلى جانب الطريق عند (وفي طريق: تحت) الكثيبِ الأحمرِ». [قال الإمام]: قلت: هذا الحديث من الأحاديث الصحيحة المشهورة التي أخرجها الشيخان من طرق عن أبي هريرة- ﵁، وتلقته الأمة بالقبول، وقد جمعت ألفاظها والزيادات التي وقعت فيها، وسقتها لك سياقاً واحداً كما ترى؛ لتأخذ القصة كاملة بجميع فوائدها المتفرقة في بطون مصادرها، الأمر الذي يساعدك على فهمها فهماً صحيحاً، لا إشكال فيه ولا شبهة، فتسلِّم لقول رسول الله ﵌ تسليماً. واعلم أن هذا الحديث الصحيح جدّاً مما أنكره بعض ذوي القلوب المريضة من المبتدعة- فضلاً عن الزنادقة- قديماً وحديثاً، وقد رد عليهم العلماء- على مر العصور- بما يشفي ويكفي من كان راغباً السلامة في دينه وعقيدته؛ كابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي، والبغوي، والنووي، والعسقلاني، وغيرهم.

стр. 4439

وممن أنكره من المعاصرين: الشيخ الغزالي في كتابه "السنة .. " المذكور في الحديث الذي قبله، بل وطعن في الذين دافعوا عن الحديث " فقال (ص ٢٩): "وهو دفاع تافه لا يساغ "! وهكذا؛ فالرجل ماضٍ في غيّه، والطعن في السنة والذابين عنها بمجرد عقله (الكبير!). ولست أدري- والله- كيف يعقل هذا الرجل- إذا افترضنا فيه الإيمان والعقل-! كيف يدخل في عقله أن يكون هؤلاء الأئمة الأجلة من محدِّثين وفقهاء - من الإمام البخاري إلى الإمام العسقلاني- على خطأ في تصحيحهم هذا الحديث، ويكون هو وحده- صاحب العقل الكبير! - مصيباً في تضعيفه إياه ورده عليهم؟! ثم هو لا يكتفي بهذا! بل يخادع القراء ويدلس عليهم، ويوهمهم أنه مع الأئمة لا يخالفهم، فيقول بين يدي إنكاره لهذا الحديث وغيره كالذي قبله (ص٢٦): "لا خلاف بين المسلمين في العمل بما صحت نسبته لرسول الله ﵌ وفق أصول الاستدلال التي وضعها الأئمة، وانتهت إليها الأمة، إنما ينشأ الخلاف حول صدق هذه النسبة أو بطلانها، وهو خلاف لا بد من حسمه، ولا بد من رفض الافتعال أو التكلف فيه، فإذا استجمع الخبر المروي شروط الصحة المقررة بين العلماء فلا معنى لرفضه، وإذا وقع خلاف محترم في توفر هذه الشروط أصبح في الأمر سعة "! هذا كلامه، فهل تجاوب معه؟ كلا ثم كلا؛ فإن الحديث لا خلاف في صحته بين العلماء، وله ثلاثة طرق صحيحة كما تقدم، فكيف تملص من كلامه المذكور؟! لقد دلس على القراء وأوهم أن الحديث مختلف في صحته؛ فقال

стр. 4440

(ص٢٧): "وقد جادل البعض في صحته "! ويعني: أن الحديث صار من القسم الذي فيه سعة للخلاف! فنقول له: أولاً: هل الخلاف الذي توهمه "خلاف محترم " أم هو خلاف ساقط الاعتبار؟! لأن المخالف ليس من العلماء المحترمين!! ولذلك لم تتجرأ على تسميته! ولعله من الخوارج أو الشيعة الذين يطعنون في أصحاب النبي ﵌، وبخاصة راوي هذا الحديث (أبي هريرة) ﵁. وثانياً: يحتمل أن يكون المجادِل الذي أشرتَ إليه هو أنت، وحينئذٍ فبالأولى أن يكون خلافك ساقط الاعتبار، كما هو ظاهر كالشمس في رائعة النهار! ثم قال: "إن الحديث صحيح السند؛ لكن متنه يثير الريبة؛ إذ يفيد أن موسى يكره الموت ولا يحب لقاء الله ... " إلى آخر هرائه! فأقول: بمثل هذا الفهم المنكوس يرد هذا الرجل أحاديث النبي ﵌!! ولا يكتفي بذلك، بل ويرد على العلماء كافة الذين فهموه وشرحوه شرحاً صحيحاً، وردوا على أمثاله من أهل الأهواء الذين يسيئون فهم الأحاديث ثم يردونها، وإنما هم في الواقع يردون جهلهم، وهي سالمة منه والحمد لله، وها هو المثال؛ فإن الحديث صريح بخلاف ما نسب إلى موسى ﵇، ألا وهو قوله ﵇: "فالآن من قريب ". فتعامى الرجل عنه، وتشبث باللطم المذكور في أوله، ولم ينظر إلى نهاية القصة، فمثله كمثل من يَرُدُّ قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ بزعم أنه يخالف الآيات الآمرة بالصلاة، ولا ينظر إلى ما بعده: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾. هذا من جهة.

стр. 4441

ومن جهة أخرى؛ فإن الرجل بنى ردَّهُ للحديث على زعمه أن موسى ﵇ كان عارفاً بملك الموت حين لطمه! وهذا من تمام جهله وإعراضه عن كلام العلماء الذي نقله (ص ٢٨): "أن موسى لم يعلم أنه ملك من عند الله، وظن أنه رجل قصده يريد قتله، فدافعه عنه، فأدت المدافعة إلى فقءِ عينه ". ومع أن هذا الكلام يدل عليه تمام القصة كما قدمتُ، ويؤكده قوله في أول الحديث: "أن ملك الموت كان يأتي الناس عياناً"،أي: في صورة البشر، وفقءِ عينه وردها إليه مما يقوي ذلك. أقول: مع هذا كله، استكبر الرجل ولم يرد على علماء الأمة إلا بقوله الذي لا يعجزعن مثله أيُّ مُبطِلٍ غريق في الضلال: "نقول نحن (!): هذا الدفاع كله خفيف الوزن، وهو دفاع تافه لا يساغ "! وإن من ضلال الرجل وجهله قوله (ص ٢٧): "ثم، هل الملائكة تعرض لهم العاهات التي تعرض للبشر من عَمَى أو عَوَر؟! ذاك بعيد"! فأقول: وهذا من الحجة عليك، الدالة على قلة فهمك؛ فإن هذا الذي استبعدتهُ مما جعل العلماء يقولون في دفاعهم: إن موسى لم يعلم أنه ملك، أفما آن لك أن تعقل؟!! ثم ختم ضلاله في هذا الحديث وطعنه فيه بقوله: "والعلة في المتن يبصرها المحققون (!) وتخفى على أصحاب الفكر السطحي "! فيا له من مغرور أهلكه العجب! لقد جعل! نفسه من المحققين، وعلماء الأمة من "أصحاب الفكر السطحي "! والحقيقة أنه هو العلة؛ لجهله وقلة فهمه " إن لم يكن فيه ما هو أكثر من ذلك مما أشار إليه الكفار وهم يعذَّبون في النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾؛ نسأل الله حسن الخاتمة والوفاة على سبيل المؤمنين. وأرى من تمام الفائدة أن أنقل إلى القراء الكرام كلام إمامين من أئمة المسلمين وحفاظ الحديث، فيه بيان الحكمة من تحديثه ﵌ بهذا الحديث، قال

стр. 4442

ابن حبان عقب الحديث: "إن الله جل وعلا بعث رسول الله ﵌ معلماً لِخلقِهِِ، فأنزله موضع الإبانة عن مراده، فبلَّغ ﵌ رسالته، وبّين عن آياته بألفاظ مجملة ومفسرة، عقلها عنه أصحابه أو بعضهم، وهذا الخبر من الأخبار التي يدرك معناه من لم يُحرَمِ التوفيق لإصابة الحق، وذاك أن الله جل وعلا أرسل ملك الموت إلى موسى رسالة ابتلاء واختبار، وأمره أن يقول له: "أجب ربك ": أمر اختبار وابتلاء، لا أمراً يريد الله جل وعلا إمضاءه؛ كما أمر خليله صلى الله على نبينا وعليه بذبح ابنه أمر اختبار وابتلاء، دون الأمر الذي أراد الله جل وعلا إمضاءه، فلما عزم على ذبح ابنه ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾؛ فداه بالذِّبح العظيم. وقد بعث الله جل وعلا الملائكة إلى رسله في صور لا يعرفونها؛ كدخول الملائكة على رسوله إبراهيم ولم يعرفهم؛ حتى أوجس منهم خيفة، وكمجيء جبريل إلى رسول الله ﵌ وسؤاله إياه عن الإيمان والإسلام، فلم يعرفه المصطفى حتى ولَّى. فكان مجيء ملك الموت إلى موسى على غير الصورة التي كان يعرفه موسى ﵇ عليها، وكان موسى غيوراً، فرأى في داره رجلاً لم يعرفه، فشال يده فلطمه، فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصورة التي تصور بها، لا الصورة التي خلَقَهُ اللهُ عليها، ولما كان المصرح عن نبينا في خبر ابن عباس حيث قال: "أمَّني جبريلُ عند البيت مرتين ... " فذكر الخبر، وقال في آخره: "هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك " (١)، كان في هذا الخبر البيانُ الواضح: أن بعض شرائعنا قد تتفق

стр. 4443

ببعض شرائع من قبلنا مِن الأمم. ولما كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل دارهُ بغير إذنه، أو الناظر إلى بيته بغير أمره، من غير جناح على فاعله، ولا حرج على مرتكبه، للأخبار الواردة فيه، التي أمليناها في غير موضع من كتبنا (١)؛كان جائزاً اتفاق هذه الشريعة بشريعة موسى بإسقاط الحرج عمّن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحاً له، ولا حرج عليه في فعله. فلما رجع ملك الموت إلى ربه، وأخبره بما كان من موسى فيه؛ أمره ثانياً بأمر آخر أمر اختبار وابتلاء كما ذكرنا قبل، إذ قال الله له: "قل له: إن شئت، فضع يدك على متن ثور، فلك بكل ما غطت يدك بكل شعرة سنة"، فلما علم موسى كليم الله صلى الله على نبينا وعليه أنه ملك الموت، وأنه جاء بالرسالة من عند الله، طابت نفسه بالموت ولم يستمهل، وقال: "فالآن ". فلو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت، لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به، ضدَّ قول من زعم: "أن أصحاب الحديث حمَّالة الحطب ورعاة الليل، يجمعون ما لا ينتفعون به، ويروون ما لا يؤجرون عليه، ويقولون بما يبطله الإسلام "، جهلاً منه لمعاني الأخبار، وترك التفقه في الآثار، معتمداً على رأيه المنكوس، وقياسه المعكوس ". قلت: ما أشبه الليلة بالبارحة! فهذا الزاعم الطاعن في أصحاب الحديث هو سلف الغزالي في طعنه فيهم، وفي أحاديثهم الصحيحة، وما وصفه به ابن حبان من

стр. 4444

الجهل بمعاني الآثار، يشبه تماماً جهل الغزالي بها، وكتابه المتقدم ذكره والنقل عنه مشحون بطعنه في الأحاديث الصحيحة التي لا خلاف عند أهل العلم في صحتها، وقد ختم الكتاب بإنكاره عدة أحاديث صحيحة في إثبات القدر؛ لأنه فهم منها- بفهمه المعكوس والمنكوس- أنها تفيد الجبر، وتنفي عن الإنسان الاختيار الذي به كُلِّفَ، وترتب عليه الثواب والعقاب، مشاركاً في هذا الفهم العامة الجهلة، ولكنه فرَّ من فهمه الخاطىء إلى ما هو مثله أو أسوأ منه، ألا وهو إنكاره القدر والأحاديث الدالة عليها، وألحق نفسه بالمعتزلة!! وقد قام بواجب الرد عليه كثير من العلماء والكتَّاب، وكشفوا للناس ما فيه من زيغ وضلال في الحديث والعقيدة والفقه، وكان أطولهم نفساً، وأكثرهم إفادة، وأهدأهم بالاً: الأخ الفاضل سلمان العودة في كتابه "حوار هادئ مع محمد الغزالي"،فنِعمَ الردُّ هو؛ لولا تساهل وتسامح لا يستحقه الغزالي تجاه طعناته العديدة مع أئمة الحديث والفقه، وإن كان الأخ الفاضل قد كشف القناع عنها بأدبه الناعم! والحافظ الآخر الذي سبقت الإشارة إليه: هو الإمام البغوي؛ فإنه بعد أن ذكر أن الحديث: "متفق على صحته "؛ قال رحمه القه: "هذا الحديث يجب على المرء المسلم الإيمان به على ما جاء به من غير أن يعتبره بما جرى عليه عُرف البشرِ، -فيقع في الارتياب-؛ لأنه أمرٌ مصدره عن قدرة الله وحُكمه، وهو مجادلة بين ملك كريم، ونبي كليم، كلُّ واحد منهما مخصوص بصفة خرج بها عن حكم عوامِّ البشر، ومجاري عاداتهم في المعنى الذي خُصَّ به، فلا يعتبر حالهما بحال غيرهما، قد اصطفى الله موسى برسالاته وبكلامه، وأيده بالآيات الظاهرة، والمعجزات الباهرة، كاليد البيضاء، والعصا، وانفلاق البحر، وغيرهما مما نطق به القرآن، ودلّت عليه الآثار، وكل ذلك إكرام من الله أكرمه بها، فلما دنت وفاته- وهو بشرٌ يكره الموت طبعاً، ويجد

стр. 4445

ألمه حساً-؛ لطف له بأن لم يفاجئه به بغتة، ولم يأمر الملك الموكل به أن يأخذه به قهراً؛ لكن أرسله إليه منذراً بالموت، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشرٍ، فلما رآه موسى استنكر شأنه، واستوعر مكانه، فاحتجز منه دفعاً عن نفسه بما كان من صكه إياه، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشرية التي جاءه فيها، دون الصورة الملكية التي هو مجبول عليها، وقد كان في طبع موسى ﵌ حمِيَّةٌ وحِدّةٌ على ما قص الله علينا من أمره في كتابه من وكزه القبطي، وإلقائه الألواح، وأخذه برأس أخيه يجره إليه. وروي أنه كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً، وقد جرت سنة الدين بدفع من قصدك بسوء، كما جاء في الحديث:"من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم حلّ لهم أن يفقأوا عينه"، -فلما نظر موسى إلى شخص في صورة بشر هجم عليه يُريد نفسه-، ويقصد هلاكه، وهو لا يثبته، -ولا يعرفه أنه رسول ربه-؛ دفعه عن نفسه، فكان فيه ذهاب عينه، فلما عاد الملك إلى ربه، ردّ الله إليه عينه، وأعاده رسولاً إليه؛ -ليعلم نبي الله ﵇ إذا رأى صحة عينه المفقوءة- أنه رسول الله بعثه لقبض روحه، فاستسلم حينئذٍ لأمره، وطاب نفساً بقضائه، وكلُّ ذلك رفق من الله ، ولطف منه في تسهيل ما لم يكن بد من لقائه، والانقياد لمورد قضائه، قال: وما أشبه معنى قوله:"ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت ... " بترديده رسوله ملك الموت إلى نبيه موسى ﵇، فيما كرهه من نزول الموت به، وقد ذكر هذا المعنى أبو سليمان الخطابي في كتابه رداً على من طعن في هذا الحديث وأمثاله من أهل البدع والملحدين أبادهم الله، وكفى المسلمين شرهم ". "الصحيحة" (٧/ ٢/٨٢٦ - ٨٣٥).

стр. 4446

[١٧٨٧] باب كيف الجمع بين كون الحيوانات غير مكلفة وبين الاقتصاص للشاة الجماء من الشاة القرناء يوم القيامة سؤال: يقول: بعث معي فضيلة الشيخ محمد أحمد بن عبد القادر الشنقيطي القرشي التيمي مر بكم؟ هذا شيخ شنقيطي كبير في السن في المسجد النبوي ندرس عليه أشياء في الحديث منها علل ابن رجب ونقرأ عليه في مسلم وفي غيره، بعث معي هنا رسالة قال: لابد أن تبلغها للشيخ وفيها أشياء استشكل .. الشيخ: عفواً أعد علي اسمه؟ مداخلة: اسمه الشيخ محمد أحمد مركب ابن عبد القادر الشنقيطي القرشي. الشيخ: طيب، كم سنه؟ مداخلة: الآن تقريباً هو حدثني أنه يبلغ الثالثة والثمانين أو يقاربها، قال لي: أنا أكبر من الشيخ ابن باز بخمس سنين. الشيخ: هاه، هو في الثالثة والثمانين؟ مداخلة: تقريباً. الشيخ: هاه. عجيب أنا ما أذكره، كان في المدينة يوم كنت أنا هناك؟ مداخلة: هو يقول قديم أنا في المدينة بس ما حدد السنوات التي مكثها. الشيخ: طيب، ماذا يقول؟ مداخلة: يقول: بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 4447

الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. مداخلة: إنني ممن أخصك بالرأي والمعرفة وأبلغك السلام، ثم قال: إن الشيخ محمد أحمد يطلب منك أن تدعو له بحسن الخاتمة ويقول: الحديث الذي في مسلم: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء» (١)، فالمعلوم بالإجماع بأن البهائم لا تكليف عليها، فكيف يقاد لهذه من هذه، وأما قولكم: حتى يظهر عدل الله، أو ليظهر الله عدله، فهذا فيه بعد، وهل العدل لا يظهر إلا بذلك وليس هناك يظهر من مظاهر العدل إلا هذا؟ ... الشيخ: اللي ننشره في المقال أيش هو .. مداخلة: هو يقول: أنكم أنتم تقولون أن هذا الحديث .. الشيخ: معليش، أين مذكور كلامي حول هذا الحديث؟ مداخلة: .. لعله اطلع عليه، لكن ما سطر المصدر. الشيخ: ما ذكر لك؟ مداخلة: لا، هذه الورقة سلمها لي أحد الإخوان من إندونيسيا، قبل السفر (٢). الشيخ: يرد عليّ كلام الشيخ الفاضل أنه يتساءل مستنكراً ما يظهر عدل الله إلا

стр. 4448

بإجراء العدل بين القرناء الجماء، نحن ما قلنا هكذا ولا أحد يقول، لكن هذا من مظاهر ذلك، فأي إشكال في ذلك؟ ثم كون الحيوانات غير مكلفة، نعم هي غير مكلفة، لكن أليس هذا ظالم وهو حيوان على ذلك الحيوان الآخر وهو مظلوم، فما المانع من الناحية العقلية وبخاصة بعدما جاء نص في الشريعة المحمدية أن الله يقتص من القرناء للجماء، ما المانع أن يكون الأمر لإظهار .. مش لإظهار العدل الإلهي كمثال للعدل الإلهي، فهذا لا يفيد الحصر الذي هو يدندن حوله فيقول: ألا يظهر العدل الإلهي إلا .. ما أحد يقول هكذا، ولذلك أنا أحببت أن نرجع إلى الكلام الذي هو يشير إلى انتقاده حتى ننظر ما قبله وما بعده، هو ما في شيء من هذا الكلام الذي .. أنا خرجت الحديث وما قلت شيئاً من ذلك الكلام. هنا (١): «إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة» أخرجه فلان وفلان .. ، قلت بأسفل الصحيفة: والحديث صحيح؛ لأنه قد صح عن أبي هريرة مرفوعاً من طريقين، الأول: عن علاء بن عبد الرحمن عنه بلفظ: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء» أخرجه مسلم والبخاري في الأدب المفرد، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، والطريق الأخرى: «يقتص الخلق بعضه من بعض حتى الجماء من القرناء وحتى الذرة من الذرة»، أخرجه أحمد، قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم، ثم وجدت له طريقاً ثالثاً .. إلى آخره، وفي الباب عن أبي ذر وغيره، فراجع إن شئت المجمع: «رأى رسول الله شاتين تنطحان، فقال: يا أبا ذر أتدري فيما تنتطحان؟ قلت: لا، قال: ولكن ربك يدري وسيقضي بينهما يوم القيامة»، قلت: وهذا إسناده صحيح رجاله ثقات، وأخرجه ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو خيثمة حدثنا جرير عن الأعمش بالبحث، هو

стр. 4449

حديثي محض، فما تكلمت أنا، لكن الجواب عن الإشكال الذي ذكره الشيخ واضح جداً، هذا يعني مظهر من مظاهر عدل الله في خلقه حتى من القرناء يقتص منها للجمحاء، لكن ليس هذا لا يظهر إلا بهذه الصورة كما هو يقول لا. "الهدى والنور" (٧٣٤/ ٥٣: ٣٦: ٠٠). [١٧٨٨] باب هل يفهم من قوله تعالى على لسان عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أنه قد يغفر للكفار ؟ سؤال: بالنسبة لقول النبي ﵌ في حديث: «خمس صلوات كتبهن» ثم قال في آخره: «فأمره إلى الله» يعني قرنه بالمشيئة طبعاً، «إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» (١). قد يقول البعض بأن هذا مثل قول عيسى ابن مريم لربه : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة:١١٨). فما الجواب على هذا الإشكال؟ الشيخ: تريد أن تقول أن هذا القول يقوله الذين يكفرون تاركي الصلاة؟ (٢). مداخلة: أنا جاء الإشكال علي؟ الشيخ: سامحك الله، لا تحد تطول علينا الطريق، قل لي أريد هذا أو لا أريد؟ مداخلة: لا.

стр. 4450

الشيخ: من الذي يقول هذا الكلام إذاً. مداخلة: إشكال أتى علي. الشيخ: في الإشكال الذي عندك ولسه ما فهمناك، الذي قائم في ذهنك أن هذا الكلام يقوله قائل هو من الذين يقولون بتكفير تارك الصلاة مطلقاً؟ الشيخ: معليش، في الإشكال الذي عندك ولم نفهمه من بعد، فالذي قائم في ذهنك أن هذا الكلام يقوله قائل هو من الذين يقولون بتكفير تارك الصلاة مطلقاً. مداخلة: لا أعلم. الشيخ: أو العكس. مداخلة: لا أعلم. الشيخ: سنرى ما وراء الأكمة. ما هو الإشكال، هل هو الذي طرحته لا أكثر؟ طيب أوضح لنا الإشكال، ما هو الشبه بين الآية التي حكاها الله عن عيسى، وبين هذا الحديث الذي نطق به رسول الله ﵌؟ ما الشبه بين الأمرين؟ مداخلة: إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، .. الآية. الشيخ: لا نستفيد منك أن تؤيد الآية والحديث. مداخلة: الإشكال هنا المشيئة، أنه هناك قال بمشيئة الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، وهناك قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (المائدة:١١٨)، فقرنها يعني بما يشاء ربنا .
следующие страницы →