[١٧٨٧] باب كيف الجمع بين كون الحيوانات غير مكلفة وبين الاقتصاص للشاة الجماء من الشاة القرناء يوم القيامة
سؤال: يقول: بعث معي فضيلة الشيخ محمد أحمد بن عبد القادر الشنقيطي القرشي التيمي مر بكم؟ هذا شيخ شنقيطي كبير في السن في المسجد النبوي ندرس عليه أشياء في الحديث منها علل ابن رجب ونقرأ عليه في مسلم وفي غيره، بعث معي هنا رسالة قال: لابد أن تبلغها للشيخ وفيها أشياء استشكل ..
الشيخ: عفواً أعد علي اسمه؟
مداخلة: اسمه الشيخ محمد أحمد مركب ابن عبد القادر الشنقيطي القرشي.
الشيخ: طيب، كم سنه؟
مداخلة: الآن تقريباً هو حدثني أنه يبلغ الثالثة والثمانين أو يقاربها، قال لي: أنا أكبر من الشيخ ابن باز بخمس سنين.
الشيخ: هاه، هو في الثالثة والثمانين؟
مداخلة: تقريباً.
الشيخ: هاه. عجيب أنا ما أذكره، كان في المدينة يوم كنت أنا هناك؟
مداخلة: هو يقول قديم أنا في المدينة بس ما حدد السنوات التي مكثها.
الشيخ: طيب، ماذا يقول؟
مداخلة: يقول: بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 4447
الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
مداخلة: إنني ممن أخصك بالرأي والمعرفة وأبلغك السلام، ثم قال: إن الشيخ محمد أحمد يطلب منك أن تدعو له بحسن الخاتمة ويقول: الحديث الذي في مسلم: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء» (١)، فالمعلوم بالإجماع بأن البهائم لا تكليف عليها، فكيف يقاد لهذه من هذه، وأما قولكم: حتى يظهر عدل الله، أو ليظهر الله عدله، فهذا فيه بعد، وهل العدل لا يظهر إلا بذلك وليس هناك يظهر من مظاهر العدل إلا هذا؟ ...
الشيخ: اللي ننشره في المقال أيش هو ..
مداخلة: هو يقول: أنكم أنتم تقولون أن هذا الحديث ..
الشيخ: معليش، أين مذكور كلامي حول هذا الحديث؟
مداخلة: .. لعله اطلع عليه، لكن ما سطر المصدر.
الشيخ: ما ذكر لك؟
مداخلة: لا، هذه الورقة سلمها لي أحد الإخوان من إندونيسيا،
قبل السفر (٢).
الشيخ: يرد عليّ كلام الشيخ الفاضل أنه يتساءل مستنكراً ما يظهر عدل الله إلا
стр. 4448
بإجراء العدل بين القرناء الجماء، نحن ما قلنا هكذا ولا أحد يقول، لكن هذا من مظاهر ذلك، فأي إشكال في ذلك؟ ثم كون الحيوانات غير مكلفة، نعم هي غير مكلفة، لكن أليس هذا ظالم وهو حيوان على ذلك الحيوان الآخر وهو مظلوم، فما المانع من الناحية العقلية وبخاصة بعدما جاء نص في الشريعة المحمدية أن الله يقتص من القرناء للجماء، ما المانع أن يكون الأمر لإظهار .. مش لإظهار العدل الإلهي كمثال للعدل الإلهي، فهذا لا يفيد الحصر الذي هو يدندن حوله فيقول: ألا يظهر العدل الإلهي إلا .. ما أحد يقول هكذا، ولذلك أنا أحببت أن نرجع إلى الكلام الذي هو يشير إلى انتقاده حتى ننظر ما قبله وما بعده، هو ما في شيء من هذا الكلام الذي .. أنا خرجت الحديث وما قلت شيئاً من ذلك الكلام.
هنا (١): «إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة» أخرجه فلان وفلان .. ، قلت بأسفل الصحيفة: والحديث صحيح؛ لأنه قد صح عن أبي هريرة مرفوعاً من طريقين، الأول: عن علاء بن عبد الرحمن عنه بلفظ: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء» أخرجه مسلم والبخاري في الأدب المفرد، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، والطريق الأخرى: «يقتص الخلق بعضه من بعض حتى الجماء من القرناء وحتى الذرة من الذرة»، أخرجه أحمد، قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم، ثم وجدت له طريقاً ثالثاً .. إلى آخره، وفي الباب عن أبي ذر وغيره، فراجع إن شئت المجمع: «رأى رسول الله شاتين تنطحان، فقال: يا أبا ذر أتدري فيما تنتطحان؟ قلت: لا، قال: ولكن ربك يدري وسيقضي بينهما يوم القيامة»، قلت: وهذا إسناده صحيح رجاله ثقات، وأخرجه ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو خيثمة حدثنا جرير عن الأعمش بالبحث، هو
стр. 4449
حديثي محض، فما تكلمت أنا، لكن الجواب عن الإشكال الذي ذكره الشيخ واضح جداً، هذا يعني مظهر من مظاهر عدل الله في خلقه حتى من القرناء يقتص منها للجمحاء، لكن ليس هذا لا يظهر إلا بهذه الصورة كما هو يقول لا.
"الهدى والنور" (٧٣٤/ ٥٣: ٣٦: ٠٠).
[١٧٨٨] باب هل يفهم من قوله تعالى على لسان عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أنه قد يغفر للكفار ؟
سؤال: بالنسبة لقول النبي ﵌ في حديث: «خمس صلوات كتبهن» ثم قال في آخره: «فأمره إلى الله» يعني قرنه بالمشيئة طبعاً، «إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» (١).
قد يقول البعض بأن هذا مثل قول عيسى ابن مريم لربه : ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة:١١٨). فما الجواب على هذا الإشكال؟
الشيخ: تريد أن تقول أن هذا القول يقوله الذين يكفرون تاركي الصلاة؟ (٢).
مداخلة: أنا جاء الإشكال علي؟
الشيخ: سامحك الله، لا تحد تطول علينا الطريق، قل لي أريد هذا أو لا أريد؟
مداخلة: لا.
стр. 4450
الشيخ: من الذي يقول هذا الكلام إذاً.
مداخلة: إشكال أتى علي.
الشيخ: في الإشكال الذي عندك ولسه ما فهمناك، الذي قائم في ذهنك أن هذا الكلام يقوله قائل هو من الذين يقولون بتكفير تارك الصلاة مطلقاً؟
الشيخ: معليش، في الإشكال الذي عندك ولم نفهمه من بعد، فالذي قائم في ذهنك أن هذا الكلام يقوله قائل هو من الذين يقولون بتكفير تارك الصلاة مطلقاً.
مداخلة: لا أعلم.
الشيخ: أو العكس.
مداخلة: لا أعلم.
الشيخ: سنرى ما وراء الأكمة.
ما هو الإشكال، هل هو الذي طرحته لا أكثر؟
طيب أوضح لنا الإشكال، ما هو الشبه بين الآية التي حكاها الله عن عيسى، وبين هذا الحديث الذي نطق به رسول الله ﵌؟ ما الشبه بين الأمرين؟
مداخلة: إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، .. الآية.
الشيخ: لا نستفيد منك أن تؤيد الآية والحديث.
مداخلة: الإشكال هنا المشيئة، أنه هناك قال بمشيئة الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، وهناك قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ (المائدة:١١٨)، فقرنها يعني بما يشاء ربنا .
стр. 4451
الشيخ: طيب لو تركنا آية عيسى الآن جانباً الإشكال ألا يزال قائماً عندك؟
مداخلة: ما فهمت.
الشيخ: لو تركنا آية عيسى جانباً، هل الإشكال يطيح، أنا أظن لا؟ قل لي أنت: بلى.
مداخلة: السؤال مش واضح.
الشيخ: سؤال من؟
مداخلة: السؤال الآن أوضح.
الشيخ: سؤالي أنا، طيب ما هو الجواب ما دام هو واضح.
مداخلة: السؤال ...
الشيخ: ... ألا تتصور ليس في باله آية عيسى؟
مداخلة: ممكن.
الشيخ: افرض هو أنت، هل يطيح الإشكال؟
مداخلة: أنا أظن أنه يطيح.
الشيخ: أما أنا فأظن أنه لا يطيح، بالنسبة لإشكالك أنت لا يطيح، لماذا؟
لأنه سيرد الآن عليك سؤال، بغض النظر عن آية عيسى ﵇، أليس الله فعال لما يشاء.
مداخلة: بلا شك.
الشيخ: يدخل من يشاء، أو كما قال في صريح القرآن: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ
стр. 4452
وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (البقرة:٢٨٤)، هذا مش موجود في القرآن؟
مداخلة: نعم موجود.
الشيخ: هذا ألا يقوم مقام آية عيسى؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: فإذاً، سيظل إشكاله قائماً، ولو صرفت نظرك عن آية عيسى.
مداخلة: لكن هنا يختلف.
الشيخ: أكمل حديثي أنا ..
إلا إذا وجدت أن في آية عيسى معنى لا يوجد في مثل آية ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وآيات كثيرة بمعنى أن المشيئة بإذن الله ، فما هو الفرق إن كان عندك فرق بين هذه الآية التي أنا ذكرتك بها الآن، وبين آية عيسى ﵇.
مداخلة: الفرق ... أن الله خاطبه خاطبه بقوله: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ (المائدة:١١٦) .. إلى آخر الآيات، يسأله هل قال لهم أن يتخذوه إلهاً ..
مداخلة: يعني في متعين هنا، في قومه، الذين اتخذوه وأمه آلهة، هذا الفرق أظن هناك عامة تشمل المؤمنين والمسلمين الفاسقين وما إلى ذلك.
الشيخ: هذا هو، إذاً: هذا هو الفرق بين آية عيسى والآية الأخرى التي أتيت بها.
الآن من يذكر آية القائلين فيها .. لريثما [تأتي] هذه الآية .. ألفت النظر أن من الخطأ الاستدلال بشرائع من كانوا قبلنا، في الأمس القريب كنا نتكلم حول
стр. 4453
الانتخابات، وأنها ليست شرعية، وتورط بعض الجماعات الإسلامية في الدخول في البرلمانات القائمة على الحكم بغير ما أنزل الله، فأحد الجالسين طرح إشكال يشبه إشكالك، فيقول هذا يوسف ﵇ قال: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف:٥٥)، فإذاً هو كان حكاماً تحت سلطة حاكم وثني هو العزيز، فلماذا لا يجوز أن يدخل المسلمون البرلمانات هذه؟
أنا كان جوابي من ناحيتين أو أكثر:
الناحية الأولى: أن يوسف ﵇ لم يدخل ولم يصل إلى ذاك المقام السامي بطريقة انتخابات غير مشروعة، وإنما الله بحكمته البالغة ابتلاه بامرأة العزيز ووقع بينها وبينه ولا أقول بينه وبينها ما وقع، وكان من آثار ذلك أن ألقي في السجن، وكان من تفاصيل مكثه في السجن قصته مع الرجلين، أخيراً أحدهما قتل والآخر صار ساقياً للملك، وكما تعلمون رأى الملك تلك الرؤية، ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي في رُؤْيَايَ إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ، قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ، وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ، يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا في سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ (يوسف:٤٣ - ٤٦)، نقل فتوى هذه إلى الملك أعجبه وقال: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي، قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف:٥٥)، فيوسف ﵇ ما سلك طريقاً ليصل إلى هدف وإلى مكان رفيع، ولا خطر في باله هذا الشيء، وإنما ربنا قدر عليه هذه الحوادث المتعددة الأشكال حتى استطاع الملك بنفسه وجعله وزيراً على دولته فأخذ يحكم بشريعته بوحي ربه وليس بشريعة الكافر، هذا من جانب.
стр. 4454
أما نحن اليوم فنطرق أبواباً شركية، أبواباً وثنية كفرية، حاشا ليوسف ﵇ أن تخطر في باله أن يطرقها فضلاً عن أن يطرقها عملياً، الانتخابات كما تعلمون تتناسب مع النظم الكافرة التي ليس فيها مؤمن وكافر، الناس كلهم سواء عندهم، وليس فيهم رجل وامرأة، فللمرأة من الحق مثل ما للرجل إلى آخره، وعلى هذا فالانتخابات حينما تفتح أبوابها يدخل ويرشح نفسه فيها المؤمن والكافر، والرجل والمرأة، والصالح والطالح، وبالنتيجة ما ينتخب إلا شرار الخلق عادة، نحن هذا يناسبنا أن نسلك هذا الطريق الكافر، ونحتج على ذلك بمثل قصة يوسف ﵇ وشتان ما بينها وبين واقع حياتنا الانتخابية اليوم، هذا قلته ثم أضفت إلى ذلك أخيراً، هذه شريعة من قبلنا، والرسول ﵌ يقول: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة» (١).
فإذاً: ليس من العلم في شيء أن ينزع طالب العلم مستدلاً بآية تتعلق بشريعة من قبلنا، إذا عرفنا هذه الحقيقة نعود الآن لنقول:
نحن نحتج الآن بما قال عيسى ﵇، وبعد أن عرفنا منبع الشبهة عندك نقول: هل تعلم أنه كان في شرع عيسى ﵇ مثل ما في شرعنا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨)، بحيث أنه لا يجوز في شريعتنا أن نطلب من ربنا أن يغفر لكفار أمتنا، هل كان هذا موجوداً في شريعة عيسى فيما تعلم؟
إذاً: الشبهة تسقط من أصلها.
مداخلة: قد يقع هنا أصل وهو أننا نعلم أنه لا يدخل الجنة مشرك.
стр. 4455
الشيخ: هذا في شرعنا.
مداخلة: ونص الآية ..
الشيخ: هذا العلم من أين أخذته؟
مداخلة: من ديننا.
الشيخ: طيب، فهل كان هذا في دين من قبلنا.
مداخلة: سياق الآيات التي تتحدث عن الآخرة.
الشيخ: الآيات في ديننا، هذه ما فيها خلاف.
مداخلة: أقول هي تتحدث عن أمر سيحصل لكل الأمم.
الشيخ: أنا أسألك هل كانت الأمم تعلم هذا الحكم؟ بمعنى آخر، هل كل ما نعرفه في شرعنا كان معروفاً فيمن قبلنا.
مداخلة: لا.
الشيخ: أليس قد قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (البقرة:٢٨٦)، حمله إصراً وإغلالاً، ولذلك جاء هذا الإسلام ليضع الأغلال التي كانت موضوعة من قبل، فحتى الأحكام الثقيلة التي ربنا خففها عن هذه الأمة، كانت قائمة معروفة من قبل، فضلاً عن الأخبار الغيبية أنه ليس بعيد ... خطرت في بالهم، لأنهم لا يعلمون إلا ما أنزل على أنبيائهم، فكون هذه حقيقة علمية عندنا ليس يلزم منه أنه حقيقة علمية عندهم، فعلى كل حال خذها قاعدة، الأصول المقطوع بها لا تعطل لشبهة تعرض على
стр. 4456
الإنسان لمجرد نص حتى لو كان في شرعنا نحن، لأن هذا من باب ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران:٧)، يعني دائماً الإنسان يأخذ بالأصول الواضحة ويترك المتشابهات من الآيات أو الأحاديث النبوية، شو طلع عندك الآية هذه؟
مداخلة: ... شيخنا، تعلمنا من هذيك المرة، قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (هود:١٠٦ - ١٠٧).
الشيخ: أيوه، هنا هذه الآية، وعلى كل حال من تمام الفائدة انظر كيف النص يختلف بالنسبة لأهل الجنة.
مداخلة: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (هود:١٠٨).
الشيخ: فالآن هذا الاستثناء هل ينافي آية عيسى ﵇، ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة:١١٨)، فهنا بالنسبة للفريقين الذين سعدوا أهل الجنة والذين شقوا أهل النار، قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ اختلف علماء التفسير كثيراً في هذه الآية، لكن الظاهر والله أعلم أن ربط مصير الفريقين السعداء والأشقياء بمشيئة الله يلفت نظر عباد الله إلى أن كل ذلك ليس بحكم حاكم على الله، إنما هو بمشيئته وهو فعال لما يريد، فنستطيع أن نقول عيسى ﵇ لما قال هذه الكلمة انطلق من هذا الملحظ، أنه أنت تفعل ما تشاء، حتى ولو كان يعني الذين أشركوا بالله ، فأنت فعال لما تريد. والله أعلم.
"الهدى والنور" (٦٦٧/ ٠١: ٥٧: ٠٠) و (٦٦٨/ ٤٢: ٠٠: ٠٠)
стр. 4457
جماع أبواب
مباحث لفظية في القضاء والقدر
стр. 4458
[١٧٨٩] باب هل يصح قول القائل: الله على ما يشاء قدير ؟
[قال رسول الله ﵌]:
- «آخرُ مَن يدخلُ الجنةَ رجلٌ؛ فهو يمشي مرة، ويكبو مرةً، وتسفعُهُ النارُ مرةً، فإذا ما جاوزَها التفتَ إليها فقال: تباركَ الذي نجاني منكِ، لقدْ أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأولين والآخرين، فتُرفعُ لهُ شجرةٌ، فيقولُ: أيْ ربِّ! أدنني من هذه الشجرة، فلأستظلَّ بظلِّها، وأشربَ من مائها، فيقولُ الله : يا ابن أدم! لعلِّي إن أعطيتُكَها سألتني غيرها؟ فيقولُ: لا يا ربِّ! ويعاهدُه أن لا يسألَه غيرها، وربُّه يعذِرُه؛ لأنَّه يرى ما لا صبْرَ لَهُ عليه، فيدنيهِ منها، فيستَظلُّ بظلِّها، ويشربُ من مائها.
ثم ترفعُ له شجرةً هي أحسن من الأولى، فيقولُ: أيْ ربِّ! أدنني من هذه لأشربَ من مائها، وأستظلَّ بظلِّها، لا أسأَلُكَ غيرها، فيقولُ: يا ابن آدم! ألم تعاهدْني أن لا تسألنِي غيرها؟ فيقول: لعلِّي إن أدنيتُك منها تسألُني غيرها؟ فيعاهدهُ أن لا يسألَه غيرَها، وربُّه يعذرُه؛ لأنَّه يرى ما لا صَبْرَ له عليه، فيدنيهِ منها، فيستظلُّ بظلِّها، ويشربُ من مائها.
ثم ترفعُ له شجرةٌ عند باب الجنة هي أحسن من الأولَيَيْنِ، فيقولُ: أيْ ربِّ! أدنني من هذه لأستظلَّ بظلِّها، وأشربَ من مائها، لا أسألُكَ غيرها! فيقولُ: يا ابن آدمَ! ألمْ تعاهدني أن لا تسألَني غيرها؟ قال: بلى يا ربِّ! هذه لا أسألُك غيرها، وربُّه يعذرُه؛ لأنه يرى ما لا صَبْرَ له عليها، فيدنيه منها.
فيسمعُ أصوات أهل الجنة فيقولُ: أيْ ربِّ! أدخِلنِيها، فيقول: أيِ ابنَ أدمَ! ما يَصْرِيني منكَ؟ أيرضيك أن أعطيكَ الدنيا ومثلَها معَها؟ قال: يا ربِّ! أتستهزئ مني وأنت ربُّ العالمين؟.
стр. 4459
فضحكَ ابنُ مسعودٍ، فقالَ: ألا تسألوني ممَ أضحكُ؟ فقالوا: ممَ تضحكُ؟ قال: من ضَحِكِ ربِّ العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنتَ ربُّ العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئُ منكَ، ولكنِّي على ما أشاء قادر.- وفي رواية: قدير-».
[قال الإمام]:
(فائدة): قوله: "ولكني على ما أشاء قادر- أو قدير- ": فيه دليل على جواز استعمال هذه الكلمة: "إن الله تعالى على ما يشاء قدير"، وقد كنت توقفت عنها حين علقت على قول الطحاوي في "العقيدة" (ص ٢٠): "ذلك بأنه على كل شيء قدير" كلمة للشيخ ابن مانع- ﵀ أن ذلك ليس بصواب، وأن الصواب ما في الكتاب والسنة ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ لعموم مشيئة الله وقدرته .. إلخ كلامه.
ثم وقفت بعد ذلك على هذه الكلمة في هذا الحديث في "صحيح مسلم "، فخشيت- متأثراً بكلام الشيخ- أن تكون شاذة في الحديث؛ أو خطأ من بعض الرواة، فتريَّثت حتى يتسنى لي تخريجه والنظر في إسناده ورواته.
ثم كنت في ليلة من ليالي غرة شهر ذي الحجة في بعض مخيمات عمّان ألقي كلمة حول وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح؛ ووجوب قرن ذلك بالعمل، وبعد الفراغ منها فتحنا باب الأسئلة، فسأل أحد إخواننا الحاضرين- ويبدو أنه على شيء من العلم والثقافة- عن هذه الكلمة، مشيراً إلى تعليقي المذكور على "العقيدة الطحاوية "، وذكر- جزاه الله خيراً- بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ (الشورى:٢٩)، فأجبته بأن الحديث بحاجة إلى تخريج وتحقيق، مشيراً إلى أنه من الممكن أن يكون أصل الكلمة: "وأنا على كل شيء قدير" أو نحوها، فبادرت إلى تخريج الحديث، فوجدت أن
стр. 4460
الرواة عن حماد بن سلمة اتفقوا على اللفظ المتقدم.
ثم تابعت البحث والتحقيق فوجدت للحديث طريقاً أخرى عن ابن مسعود، يرويه يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني: ثنا المنهال بن عمرو عن أبي عُبيدة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً مطولاً جداً؛ لكن بلفظ:
"ولكني على ذلك قادر".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٩/ ٤١٦ - ٤٢١)، والحاكم (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧ و٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢) وقال في الموضع الأول:
"صحيح على شرط الشيخين "! ووافقه الذهبي!
وقال في الموضع الآخر: "رواة هذا الحديث- عن آخرهم- ثقات؛ غير أنهما لم يخرجا أبا خالد الدالاني في "الصحيحين "؛ لما ذكر من انحرافه عن السنة في ذكر الصحابة، فأمّا الأئمة المستقدمون؛ فكلهم شهدوا لأبي خالد بالصدق والإتقان، والحديث صحيح ولم يخرجاه، وأبو خالد الدالاني ممن يجمع حديثه في أئمة أهل الكوفة".
كذا قال! وما عرفت من شهد له بالإتقان، أما الصدق؛ فنعم، وفي حفظه ضعف كما يأتي، وأما الذهبي؛ فتعقبه هنا بقوله: "ما أنكره حديثاً على جودة إسناده، وأبو خالد شيعي منحرف"!
وأقول: لم أر من رماه بالتشيع، فلعله التبس عليه بغيره، ثم هو مختلف فيه، فقال الذهبي نفسه في "الكاشف ":
"وثقة أبو حاتم، وقال ابن عدي: في حديثه لين ".
стр. 4461
وقال في " المغني ":
"مشهور، حسن الحديث، قال أحمد: لا بأس به، وقال ابن حبان: فاحِشُ الوهم، لا يجوز الاحتجاج به ".
ولذلك قال الحافظ في "التقريب ":
"صدوق يخطئ كثيراً، وكان يدلس ".
قلت: وجزم الهيثمي بتوثيقه؛ كما يأتي، وهو من تساهله، وإن كان مسبوقاً إليه، ولكن لا ينبغي غض النظر عن الجرح المفسر، الذي تضمنه كلام ابن حبان وغيره، فيتقى من حديثه ما يخشى أن يكون وهم فيه، أو ينتقى من حديثه ما سلم من خطئه، كما هو الواقع هنا؛ فقد توبع عليه، فقال زيد بن أبي أنيسة: عن المنهال بن عمرو به مطولاً أيضاً، وباللفظ المذكور في رواية الدالاني.
أخرجه عبد الله بن أحمد في "السنة" (٢/ ٥٢٠ - ٥٢٤ - دار ابن القيم)، والطبراني أيضاً عنه وعن حافظين آخرين ثلاثتهم، والبيهقي في "البعث " (٢٣٩/ ٤٧٩)، كلهم عن إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحرَّاني: ثنا محمد بن سلمة الحراني عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة به.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير إسماعيل ابن عُبَيد الحراني، وهو ثقة كما قال الذهبي في "الكاشف "، والحافظ في " التقريب"؛ وزاد: " يغرب ".
وقال المنذري في "الترغيب " (٤/ ١٩٨ و٢٤٨):
"رواه ابن أبي الدنيا والطبراني من طرق أحدها صحيح، والحاكم وقال: صحيح الإسناد".
стр. 4462
وقال ابن القيم في "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح " (٢/ ٩٤ - طبعة الكردي):
"هذا حديث كبير حسن .. ".
وأما الهيثمي فقال (١٠/ ٣٤٣):
"رواه كله الطبرانى من طرق رجال أحدها رجال الصحيح؛ غير أبي خالد الدالاني؛ وهو ثقة"!
كذا قال: وفيه شيئان:
أحدهما: جزمه بتوثيق الدالاني، وقد عرفت ما فيه.
والآخر: أنه فاته أن الطريق الأخرى من رواية الحرانيين أصح من طريق الدالاني كما تبين لك مما ذكرنا، وهي التي جزم بصحتها المنذري، وحسنها ابن القيم، ولا أدري لِمَ لَمْ يصححها؟ على أنه أخرجها الطبراني أيضاً عقب روايته عن الدالاني.
وقد خالفهم في إسناد الطريقين: أبو طيبة فقال: عن كُرْز بن وبرة عن نُعَيْمٍ ابن أبي هند عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود به مطولاً بلفظ:
"يقوم الناس لرب العالمين أربعين سنة، شاخصة أبصارهم ". الحديث، وفيه اللفظ الثاني الذي في طريق الدالاني والحراني.
أخرجه السهمي في "تاريخ جرجان " (٣٥٠ - ٣٥٤) بطوله، والطبراني (٩٧٦٤) عقب حديث ابن أبي أنيسة، ولم يسق منه إلا طرفاً من أوله، وكذا ابن عدي في "الكامل " (٥/ ٢٥٨) في ترجمة أبي طيبة- واسمه عيسى بن سليمان
стр. 4463
الجرجاني- وقال الطبراني عقبه:
"ثم ذكر نحو حديث زيد بن أبي أنيسة".
قلت: وأبو طيبة هذا قال ابن عدي- وقد ساق له هذا الحديث مع أحاديث أخرى-: "وهذه الأحاديث كلها غير محفوظة، وأبو طيبة رجل صالح، ولا أظن أنه كان يتعمد الكذب، ولكن لعله كان يُشَبهُ عليه فيغلط ".
قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات " (٧/ ٢٣٤) وقال: "يخطئ ".
ومن الظاهر أنه هو الذي خالف في هذا الإسناد، فأسقط- من بين ابن مسعود وأبي عبيدة- مسروقاً؛ فإن رجاله ثقات غير كرز بن وبرة، وقد روى عنه جمع من الثقات، وقد ذكره ابن حبان فيهم، وقد تناقض فيه تناقضاً عجيباً، فأورده في "التابعين " (٥/ ٣٣٨) بروايته عن أنس! وما إخاله يصح، ثم ذكره (٩/ ٢٧) فيمن روى عن "أتباع التابعين "؛ بروايته عن الثوري (١)! ولعل الصواب أن يذكر في "أتباع التابعين "؛ لأنه روى عن نعيم بن أبي هند كما في هذه الرواية، وكما في "الجرح"، وقال (٣/ ٢/١٧٠):
"روى عنه الثوري وابن شبرمة وعبيد الله الوَصَّافي وفُضَيل بن غزوان وورقاء ابن عمر".
فإن هؤلاء أكثرهم من أتباع التابعين، غير ابن شبرمة- واسمه- عبد الله؛ فإنه تابعي كنعيم بن أبي هند، وعبيد الله الوصافي- وهو ابن الوليد-؛ فإنه من الرواة عن التابعين، فمن المحتمل أن يكون كُرْز هذا من صغار التابعين، وكان مشهوراً بالعبادة، بل وبالمبالغة فيها، وحكوا عنه في ذلك عجائب، له ترجمة واسعة في
стр. 4464
"تاريخ جرجان " (ص ٣٣٦ - ٣٤٤)، و"الحلية " (٥/ ٧٩ - ٨٣)، و"سير أعلام النبلاء" (٦/ ٨٤ - ٨٦)، ولقد عجبت منه- والله! وهو المحدث السلفي- كيف سكت عن بعض تلك المبالغات؟! مثل ختمه للقرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات، وهو يعلم أنه خلاف السنة، لقوله ﵌:
«لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث».
بل إنه سكت عما هو أدهى وأمرُّ، وهو أنه سأل ربَّه أن يعطيه الاسم الأعظم، فسأل أن يقوى على الختم المذكور! وهذا من الاعتداء في الدعاء المنهي عنه أيضاً في قوله ﵌:
«سيكون قوم يعتدون في الدعاء».
وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (١٣٣٠).
وجملة القول؛ أن هذه الجملة قد اختلف في ضبطها عن ابن مسعود ﵁ على اللفظين السابقين:
الأول: "ولكني على ما أشاء قادر".
والآخر: "ولكني على ذلك قادر".
واللفظ الأول أصح إسناداً كما هو ظاهر.
لكن الآخر- مع صحة إسناده- مطابق لنص الآية تمام المطابقة: (وهو على جمعهم إذا يشاء قدير). لأن المعنى: إذا يشاء ذلك الجمع، قال العلامة الآلوسي في "روح المعاني":
"و (إذا) متعلقة بما قبلها لا بـ (قدير)؛ لأن المقيّد بالمشيئة جمعُه تعالى، لا
стр. 4465
قدرته سبحانه ".
قلت: وعلى ضوء تفسيره للآية، نقول: إن اسم الإشارة في الحديث: "ذلك " يعود إلى ما أعطى الله عبده من النعم الكثيرة التي لا يستحقها؛ فضلاً منه تعالى عليه، فلما قال ما قال مستكثراً ذلك عليه؛ قال تعالى: "ولكني على ذلك قادر"، فإذا فُسِّرَ بهذا اللفظ الأول أيضاً ولم يوقف عند ما فيه من مفهوم المخالفة، المشعر بأنه تعالى غير قادر على ما لا يشاء؛ على حد قوله تعالى: ﴿لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ونحوه من المفاهيم التي قامت الأدلة القاطعة على أنها غير مرادة، إذا فسر هذا اللفظ الأول بهذا الذي دل عليه اللفظ الثاني؛ استقام المعنى، ولم يبق أي إشكال إن شاء الله تعالى.
هذا ما عندي من علم، فإن أصبت؛ فمن الله، وإن أخطأت، فمني، وأستغفره تعالى من كل ذنب لي، ومن كان عنده فضل علم؛ فليتفضل به شاكرين له.
"الصحيحة" (٧/ ١/٣٤٥ - ٣٥٣).
[١٧٩٠] باب منه
[قال رسول الله ﵌]:
«آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأولين والآخرين. فترفع له شجرة، فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول الله : يا ابن آدم! لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها؟ فيقول: لا يا رب، ويعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأشرب من مائها، وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ - فيقول -: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها. ثم ترفع
стр. 4466
له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب، هذه لا أسألك غيرها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها فيسمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب أدخلنيها! فيقول: يا ابن آدم! ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب! أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ - فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله ﵌، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ - فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر. (وفي رواية: قدير).
[قال الإمام]:
(تنبيه): دل قوله تعالى في آخر الحديث: " ولكني على ما أشاء قادر أو قدير " على خطأ ما جاء في التعليق على " العقيدة الطحاوية " (ص ٢٠) نقلا عن بعض الأفاضل: "يجيء في كلام بعض الناس: وهو على ما يشاء قدير، وليس بصواب .. ". فأقول: بل هو عين الصواب بعد ثبوت ذلك في هذا الحديث، لاسيما ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ (الشورى: ٢٩) وذلك لا ينافي عموم مشيئته وقدرته تعالى كما توهم المشار إليه، والله أعلم.
"الصحيحة" (٦/ ١/١٩٣ - ١٩٥).
стр. 4467
[١٧٩١] باب حكم قول أحدهم: صدفة
سؤال: قول أحدهم: صدفة.
الشيخ: هذه الكلمة في حد ذاتها ما فيها إشكال مثل كلمة الحظ، فالمتكلم بها هو ونيته، فإن كان يقصد صدفة بمعنى لا قدر فهو كفر، وإن كان يقصد لفظة حظ بمعنى لا قدر كذلك، أما إذا كان يقصد أنه هذا كله بأمر الله وتقديره فما في شيء.
"الهدى والنور" (٢١٦/ ٢٥: ١٩: ٠٠)
[١٧٩٢] باب متى تجوز قولة: لو ؟
سؤال: طيب! ما جاء عن النهي عن اللو يا شيخ، وقول النبي ﵌: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت» (١) إلى آخره.
الشيخ: نعم؟
مداخلة: كيف نوفق؟
الشيخ: قد كنت قرأت توفيقًا بين النهي عن أن يقول أحدنا لو فإن لو تفتح باب ماذا؟
مداخلة: عمل.
الشيخ: نعم، وبين ما جاء في مثل هذا الحديث، لكن الحقيقة أنني الآن لا أستحضر الجواب، فلا بد أنكم تستحضرون ذلك فأفيدوا السامعين.
ونصف العلم لا أدري، فأنا إذًا في امتناعي من الجواب صرت نصف
стр. 4468
عالم، فلا يضيق صدر أحدنا إذا كان لا يعلم الجواب أن يقول: لا أعلم.
مداخلة: ما يقال في هذا بأن النبي ﵌ قال ذلك؛ لأنه يشرع لأمته، فقال: هو حتى يدلهم على الأمر الأفضل أو الواجب كما يقول بعض أهل العلم.
الشيخ: لكن هذا ليس هو جواب الإشكال الذي طرحته؛ لأن بإمكان النبي ﵌ أن يأتي بعبارة ليس فيها: لو، لكن سبحان الله ذهب عن ذهني لأن مثل هذه القضية ليست قضية عملية يقرأها الإنسان، ثم مع الزمن والشيخوخة والطعن يصبح الأمر نسيًا منسيًا.
مداخلة: يا شيخ كأنك ذكرت في "حجة النبي ﵌ " ما إذا كان في التحسر لا تجوز، أما إذا كانت في تمني الخير كأن يقول: لو كان لي مال ...
الشيخ: ارفع صوتك.
مداخلة: الذي أستحضر الذي ذكرتموه في حجة النبي ﵌، أنه إذا كانت للتحسر فلا تجوز، أما إذا كانت لتمني الخير، كأن يقول مثلًا قائل: لو كان لي مثل مال فلان لتصدقت جاز هذا.
الشيخ: صحيح هذا هو، هذه البضاعة المنشودة.
"رحلة النور" (٣٢أ/٠٠:٢٧:٠٨)
[١٧٩٣] باب حكم مقولة: فلانة مكتوبة لفلان
سؤال: في العام الماضي جاء بعض المشايخ [تكلموا] ... في الثقافة الإسلامية على القضاء والقدر, ... ومشكلة الزواج, نسمع من العامة إنه فلانة مكتوبة لفلان, فلما سُئِلْتُ طبعاً, قلت: القضاء والقدر نؤمن به, ولا نستطيع أن
стр. 4469
نتعداه, ولكن الزواج أمر يدخله العقل, أمر يدخله العقل, الاستدلال اللي استدلت به أن النبي ﵊ يقول: «تنكح المرأة لأربع» وفي نهاية الحديث يقول: «فعليك بذات الدين تربت يداك» فالرسول ﵇ دعانا إلى الودود الولود, إذاً لو آمنا بنظرية الناس بأن الزواج أو الزوجة هي مكتوبة, إذاً
عليّ أنا في أول يعني جهة أذهب دون أن أسأل عن الدين والأخلاق, وكذا أقول هذه كتبت لي وآخذ بها, فأين مجال العقل في الزواج, وأين مجال القضاء والقدر في الزواج؟
الشيخ: كلام الناس يا أخي ما يخرج عما قلناه آنفاً وهم مع ذلك لا يعنون أن فلانة هي مكتوبة إليّ؛ لأنه قلنا إنما الأعمال بالخواتيم, هو فلانة بيزعم مكتوبة له, بيسعى وراءها بيخطبها, فقد يستجيب أهلها وقد لا يستجيبون, يا أستاذ يجب أن تستحضر قوله ﵇: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» (١) "كل شيء بقدر" يعني: أنا زوجتي, أنت زوجتك, هذا كله مقدر, لكن لا تنسى قولك القدر غيب, فما أحد يستطيع أن يقول: فلانة هي زوجتي, لكن فلانة لو كان الله مقدر تكون زوجتي ما أحد يستطيع أنه يمنعها عني, بدها تصير زوجتي, بدها تصير زوجتي شاء أو أبى, فقول العامة يمشي مع هذا الكلام ... العام كل شيء بقدر, لكن متى يقال فلانة كانت زوجته في الغيب لما صارت زوجته, أما قبل ذلك لا يمكن أن يقال, ولا هم يقولون هذا يعني ما يقصدون هذا.
مداخلة: كيف التوفيق العقلي يعني الله تعالى أمرني أو النبي ﵌ أمرني أن أفتش عن ذات الدين؟
стр. 4470
الشيخ: لا هذا من الأخذ الأسباب اللي مضى الكلام فيه, هذا من الأخذ بالأسباب التي أُمِرْنا بها, وقد قلت لك: فرق بين السعادة والشقاوة, الأسباب فيها مربوطة بمسبباتها حتماً بخلاف الأمور الدنيوية فقد تثمر وقد لا تثمر, فأنت مثلاً بلغك خبر امرأة صلاحها ودينها وجمالها وغناها وكل شيء فيها من أحسن ما يكون, فتسعى حثيثاً لخطبتها, لكن في النهاية لا سمح الله أو سمح الله وانتهى إن شاء الله ترجع بخفي حنين, ليه؟ لأن مو فرض إنك أتيت بالسبب لتكون سعيداً في الدنيا, هذا السبب مش قاطع, لا تنسى ذلك: من كان يريد العاجلة عجلنا له, فهذه عاجلة, أما السعادة الأبدية هذه ما تتخلف عن أسبابها أبداً, المهم الكلمة التي حكيتها عن العامة فهي كلمة حق, ولا يراد بها الكشف عن الغيب, إنه فلانه ستكون زوجة فلان, هذا ما أحد يقوله الحمد لله.
" الهدى والنور (٣٤/ ٣٩: ٢٨: ٠٠ طريق الإسلام)
[١٧٩٤] باب حكم قولهم الزواج قسمة ونصيب
سؤال: هل الزواج قسمة ونصيب أي: أنه يكون بمجرد الولادة الفتاة أو الرجل مكتوبة لهذا الزوج أو الزوجة؟ أو هي اختيار يعني؟
الشيخ: سامحك الله، ما هو الفرق بين هذا السؤال وبين سؤال واحد غني وآخر فقير، وواحد جميل وواحد قبيح، ... إلى آخر الأمثلة، بلا شك إنه المقدر على الإنسان هو أمر واقع ما له من دافع، لكن هو مكلف بسعيه، ثم هو لا يسأل عن عاقبة الأمر إذا ما وقع على خلاف اختياره، فهذا خطب امرأة كان حريصاً أن يخطبها وهي صالحة، وإذا بها مع الزمن تنكشف أنها طالحة طبعاً نصيب، لكن كل شيء بقدر كما قال ﵇: «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» لكن
стр. 4471
هذا لا يعني أن الإنسان في حدود قدرته وطاقته ما هو مكلف أن يسعى لاختيار الخير، لا هذا شيء آخر، فعلى الإنسان أن يسعى ثم البقية على الله ﵎، فالجواب طبعاً هو نصيب، لكن ما نريد أن نفهم من أنه نصيب؟ إذاً: الإنسان - مثلما بيقولوا الجماعة - يتوكل على الله وبس، لا؛ يتخذ الأسباب ثم يتوكل على رب الأرباب.
مداخلة: ... يا شيخ معنى هذا أنه الكلام المشهور بأنه نصيبك بإيدك؟
الشيخ: كيف؟
مداخلة: لما نقول مثلاً: والله هذه زوجتي ... ، هذا نصيبي.
الشيخ: أيش شو بيقولوا؟
مداخلة: نصيبك بأيدك.
الشيخ: لا باطل هذا الكلام.
"الهدى والنور" (١٣٤/ ٤٦: ١٨: ٠٠)
[١٧٩٥] باب هل تجوز نسبة الشيء إلى سببه الذي جعله الله سببًا له ؟
مداخلة: ما تقولون في هذا البيت من حيث العقيدة:
دع الأيام تفعل ما تشاء ... وطب نفساً إذا حكم القضاء
الشيخ: هذا من يقول بالمجاز وكان مسلمًا، فيستساغ منه على التأويل، كقولهم:
стр. 4472
أنبت البقلَ الربيعُ
أما من كان يساء الظن به فلا يتكلم به، ومن كان [ممن] يعلمون أن المؤمن إنما ينسب كل تصرف في الكون إلى الله، ولكن ذلك لا يمنع من نسبة الشيء إلى السبب الذي جعله الله سببًا كمن يقول: أشبعني هذا الخبز، وأرواني هذا الماء، فليس في هذا شيء ولكن ينبغي أن يلاحظ المكان الذي يقال فيه مثل هذا الكلام، فإذا كان [بين ناس لا يفهمون] فلا ينبغي أن ينطق به، ويكفي في هذا قوله ﵊: «إياك وما يعتذر منه» (١) فإذا تكلمت بمثل هذا الكلام الذي يحتاج إلى شيء من التأويل بين ناس لا يفهمون عليك ما تقول يأتي قول الرسول المذكور: «إياك وما يعتذر منه» أما إذا كان يعيش بين أناس من العرب لا يزالون على التوحيد وعلى الفهم لأصل لغتهم فما أحد يشك بأن هذه العبارة من باب المجاز المستعمل في اللغة وليس في الكتاب أو السنة, على ما هو مشروح في كتب ابن تيمية ﵀.
"رحلة النور" (٣١ أ/٠٠:٣٣:٠٤).
[١٧٩٦] باب منه
سؤال: طيب! في «لولا»، يقول: الضابط في «لولا»؟، فقد قال النبي ﵌: «ولولا البهائم لم يمطروا» (٢) وقال عن عمه أبا طالب: «ولولاي لكان في الدرك الأسفل من النار» (٣).
стр. 4473
الشيخ: ما فهمت السؤال
مداخلة: ضابط لولا؛ ما يجوز منها وما لا يجوز قول النبي ﵌: «ولولا البهائم لم يمطروا» وقوله عن عمه أبا طالب: «ولولاي لكان في الدرك الأسفل من النار».
الشيخ: هذا في اعتقادي يختلف عن ذاك
مداخلة: كأن يقول إنسان: لولا كذا لكان كذا، ألا يجب عليه أن يقول: لولا الله ثم ..
الشيخ: لا، هذا يرجع إلى الموضوع السابق: أنبت الربيع البقلة، وأشبعه الطعام ونحو ذلك، هذا أسلوب في العربية معروف، نعم، شرحنا هذا آنفًا.
"رحلة النور" (٣٢ أ/٠٠:٢٩:٢٧)
стр. 4474
جماع أبواب
الكلام على مخالفي أهل السنة في أبواب القضاء والقدر وبيان أسباب وقوعهم فيما وقعوا فيه والرد عليهم
стр. 4475
[١٧٩٧] باب تعريف القدرية
[قال الإمام]:
(القدرية) هم المنكرون للقدر، من المعتزلة قديماً، وأشباههم حديثاً!
"تحقيق الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام" (ص ٦٤)
[١٧٩٨] باب عرض المذاهب في القدر
مع بيان كيفية محاججة الجبرية
[قال الإمام]:
في مذاهب إسلامية قديمة، بل فرق إسلامية منهم من يقول: إن الإنسان مجبور ولا يملك شيء من الحرية والاختيار، ومنهم من يقول: لا، هو مختار ويخلق أفعال نفسه وهؤلاء المعتزلة وتلك الجبرية، منهم من يقول: أن الإنسان في أمور مختار فيها وفي أمور مسير فيها، والآن الفكرة الشائعة عند عامة الناس فكرة هي الجبر بعينه حيث يقولون: الإنسان مسير ليس مخير.
لما يتناقش سني وهو الذي يقول: أن الإنسان مخير في التكاليف الشرعية مع جبري، يدخلوا طبعاً في نقاشات حول آيات حول أحاديث إلى آخره، يقول أحد علماء السنين يقول: فإذا ما تجاوب معك هذا الجبري بكل هذه المناقشات والأدلة: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:٢٩) يعني: نص القرآن: أن الإنسان عنده مشيئة، لم يتجاوب معك اصفعه هنا الشاهد، هذا يصيح يقول: لماذا؟ قل له: مجبور.
"الهدى والنور" (١٣٧/ ٢١: ٤٦: ٠٠)
стр. 4476
[١٧٩٩] باب بيان نشأة مذهب المعتزلة
وضلال قول الجبرية والقدرية
سؤال: بالنسبة لو تعطينا نبذة عن فرقة المعتزلة، من هم الذين اتفق عليهم من قبل معتزلة؟
الشيخ: من هم أيش؟
مداخلة: من الذين أسسوا فرقة المعتزلة، هل هم من السلف الصالح؟
الشيخ: لا: حاشاهم، هو من هؤلاء الرؤوس واصل بن عطاء، منهم الجهم بن صفوان ...
مداخلة: الجهم بن صفوان على العكس.
الشيخ: المهم، عطني بالكم أنا بدي أرجع لكم شيء هو من الحقائق.
مداخلة: زين العابدين، أبو محمد النفس الزكية.
الشيخ: شو بهم هادول؟
مداخلة: هل هم هادول المعتزلة الأصلية؟
الشيخ: راح أقول لك يا أخي لا يجوز أن نقول إن مذهب المعتزلة أسسه فلان بعينه، مذهب الجبرية أسسه فلان بعينه، لا هي مذاهب، يأتي رجل برأي نفترض أن هذا الرأي موافق للسنة، فيتبعه الناس ويؤيدونه وينصرونه، لا يقال هو دعا إلى هذا المذهب، وإنما هو رأي تبناه وكان صواباً، ثم تبعه العلماء وطلاب العلم والناس جميعاً، وهذا يعود إلى ما ذكرناه آنفاً بالنسبة للأئمة الأربعة.
على العكس تماماً الآن لا يمكن أن يقال: أسس مذهب المعتزلة هو شخص
стр. 4477
واحد، أول من دعا مثلاً إلى القول بخلق القرآن هو شخص معروف حتى شو اسمه؟
مداخلة: الجهم.
الشيخ: الجهم وقتل وذبح، لكن هذا.
مداخلة: الجعد بن درهم.
مداخلة: نعم شيخنا.
الشيخ: هذا ضحي به.
مداخلة: خالد القسري.
الشيخ: أي نعم، فهذا أول من دعا إلي إيه؟ إلى أن كلام الله مخلوق، لكن هذا الرأي تبنته المعتزلة، لكن المعتزلة ما صاروا معتزلة لأنه تبنوا هذا الرأي، لا تبنوا آراء أخرى كثيرة، وكثيرة جداً، منها مثلاً: أنهم يقولون: الإنسان يخلق أفعال نفسه، منها مثلاً: أنهم يقولون إن الله لا يراه المؤمنون يوم القيامة خلافاً للآية الكريمة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٣).
القصد هذه المذاهب تتشكل وتتأسس على مضي الزمن، فلا يصح أن يقال أن المذهب الحنفي مثلاً هو أسسه أبو حنيفة، لا. أبو حنيفة كان له أصحاب أبو يوسف، محمد بن الحسن، زفر الخ.
كذلك المذاهب الأخرى، السؤال حينئذ يكون خطأ، وإن كان لا يترتب من ورائه يعني فائدة تذكر، وإنما الفائدة أن تعرف إنه مذهب المعتزلة صواب فنتبعه، أم ضلال فنجتنبه، هذا هو الصواب الصحيح من السؤال، والجواب يكون: المعتزلة هم بلا شك طائفة من المسلمين ولكنهم انحرفوا عن العقيدة الصحيحة السلفية في كثير من الجوانب، ومنها ما ذكرت آنفاً، وهم حينما قالوا: إن الإنسان
стр. 4478
يخلق أفعال نفسه أرادوا بذلك الرد على طائفة من الطوائف الأخرى وهم الجبرية، الجبرية يقولون: إن الإنسان مجبور على الخير والشر، وهذا ضلال، قابل هذا الضلال المعتزلة بضلال آخر: لا: الإنسان يخلق أفعال نفسه.
والصواب طبعاً: هو عقيدة أهل السنة الذين يرون أن الإنسان ليس مجبوراً في كل شيء، هو مختار في كثير من أعماله، مجبور في كثير من أفعاله، ولكن حيث وجد الاختيار وجد التكليف، وحيثما وجد الإجبار رفع عنه التكليف، لماذا؟ لوجود علة المؤاخذة أو لفقدانها، حيث يوجد الاختيار فهو علة المؤاخذة، وحيث يوجد الإجبار فلا مؤاخذة.
المعتزلة يقولون: الإنسان يخلق أفعال نفسه، هو كذب وافتراء على الله؛ لأن الله هو الخالق ولا شريك له، الجبرية عكس هؤلاء يقولون: كما قال شاعرهم يصف ربهم:
ألقاه في اليم مكتوفاً ثم قال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء
هكذا نحن معشر المسلمين اللي بنصلي وبنصوم غصباً عنا؟ لا والله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:٢٩).
مداخلة: ... لو سمحت والله مسألة مرتبطة في هذا الموضوع وهو أن المعتزلة جابوا آيات قرآنية، والجبرية جابوا آيات قرآنية، يعني يلتبس فيها الأمر، المعتزلة مثلاً قالوا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر:٣٨)، الجبرية قالوا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات:٩٦).
الشيخ: وما تعملون، نعم.
مداخلة: يعني ظاهر الآيات يؤيد رأي كل جهة يعني.
стр. 4479
الشيخ: يعني يؤيد التناقض؟
مداخلة: بدنا نحن توضيح لهذا الشيء.
الشيخ: ها هذا ليس مجاله بارك الله فيك، بس لازم أنت تحضر في بالك، لازم تحط في بالك قوله : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (النساء:٨٢). فوجود هذا الاختلاف في مذهبين رأساً يجب أن تحكم بأنه مستحيل أن يكون في الشرع الإسلامي خاصة في القرآن الكريم، لكن أرى أنني لا بد أن أجيب جواباً مختصراً جداً.
شو الآية اللي قلتها أنت: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر:٣٨).
مداخلة: يعني ظاهرها: التخيير.
الشيخ: معليش، ونحن قلنا آنفاً شو عقيدة أهل السنة؟
مداخلة: الاختيار, في اختيار وجبر.
الشيخ: طيب، أنت الآن هل تعتقد معنا أنه في اختيار وفي جبر، ولا ما تعتقد؟
مداخلة: بالتأكيد.
الشيخ: طيب، إذن فنحن لسنا معتزلة نحن عم بنقول بقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر:٣٨)، صدق الله، لكن الآن يأتي: هل هذا الإنسان الذي اكتسب خيراً فسيجزى خيراً، أو اكتسب شراً فيسيجزى شراً، هل هو فعل هذا [جبراً] ... ولَّا ربنا خلقه بشراً سوياً، ومكنه وقدره، وخلق فيه قدرة يتمكن بها من التصرف بما يريد من خير أو شر؟
كما قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ (الواقعة:٥٩)، لا، هو الخالق،
стр. 4480
فإذاً إذا رجعنا إلى ملاحظة أن هذا الإنسان الذي له هذا الكسب الاختياري أن الله هو الذي خلقه في هذه الصورة، وقدره على أن يفعل خيراً إن شاء، أو شراً إن شاء، كيف يقال: إن الإنسان يخلق فعله، سواء كان خيراً أو شراً بنفسه؟
هذا تحدي للخالق الأكبر، وهذا هو الكفر، ولذلك جاء في بعض الأحاديث: «القدرية مجوس هذه الأمة» (١)، القدرية مجوس هذه الأمة، لماذا؟ لأن المجوس يقولون: في خالقَين؛ خالق للخير وخالق للشر، وهؤلاء يقولون شر من قول المجوس: إن كل إنسان يخلق أفعاله بنفسه، فإذن إذا آمنا بالآية والآيات الأخرى التي في معناها: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر:٣٨). لا يلزمنا أن نقول: إن الإنسان يخلق أفعاله خلقاً؛ لأن شو معنى الخلق؟ هو الإيجاد من العدم، فهل نحن نوجد شيئاً من العدم؟
مداخلة: لا.
الشيخ: لا. فإذاً قولهم بأن الإنسان يخلق أفعاله بنفسه هذا من أبطل الباطل، كما أن طريقة الجبرية أيضاً هم مثل المعتزلة مبطلون حين يقولون: إن الإنسان مجبور، والأمثلة نشاهدها في كل ساعة من حياتنا، بل بكل حركة من حركاتنا.
أنا الآن أتكلم معكم، هل يستطيع أحد أن يقول: أنا مجبور؟
هلَّا بقى نتحدى؛ أنت مجبور على الكلام, هه ... [وسكت الشيخ] بلحظه الآن بيخرسني ما حد جبرني، إذن أنا مختار، لكن هذه الخيرة لو شاء الله لا سمح الله بلحظة الآن بيخرسني.
شو بيطلع بيدي، كيف يقول بقى المعتزلة: اخلق الكلام، لا، فكل شيء
стр. 4481
بقضاء وقدر، كما قال ﵇: «حتى العجز والكيس».
وهذا بحث طويل جداً، ونحن تكلمنا عنه مراراً وتكراراً، لكني أقول: كلمة قضاء الله وقدره عقيدة إسلامية، وإن عجز مسلم ما أن يجمع في ذهنه بين اعتقاده: إن الإنسان والله مخير؛ لأنه لو كان مسيراً مثل ما بيقولوا الجهلة ما يقال له:
افعل أو لا تفعل، مثل ما قال هاداك الشاعر:
ألقاه في اليم مكتوفاً ثم قال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء
لو وصف إنسان رجلاً بهذا الوصف الذي وصف هذا الشاعر به لنسبه إلى الظلم، إنسان لو وصف ملكاً أو رئيساً بهذا الوصف لوصفه ظالماً، ما بعده ظلم، فما باله وهو يصف رب العالمين: خلقه وألقاه في اليم مكتوفاً ثم قال له: إياك إياك أن تبتل بالماء، حاشا لله، وإنما قال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:٢٩)، وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد:١٠)، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس:١٠)، إلى آخره.
إذن كل من المذهبين: المعتزلة والجبرية باطل والحق بينهما.
الإنسان فيما كان مخيراً فيه هو مأجور أو مأزور، وفيما وقع منه رغم أنفه فهو غير مسؤول.
"الهدى والنور" (٥٢٩/ ١٨: ١١: ٠٠)
[١٨٠٠] باب بيان معتقد الجبرية والرد عليهم
سؤال: نرجو من فضيلتكم إيضاح معتقد الجبرية وكيفية الرد عليهم بشبهة أن الله قدر المقادير قبل خلق السموات والأرض بزمن بعيد، فكيف يقال بأن الإنسان مخير في أعماله كالطاعة والنسيان؟
стр. 4482
الشيخ: المسألة في الحقيقة سهلة عند من أحاط معرفةً بتقادير الله السابقة للحوادث، فإذا نحن درسنا أي حادثة من الحوادث وقعت فلا نشك أن هذا الواقع هو الذي سبق في اللوح المحفوظ وسجل قبل أن يقع، لنضرب على ذلك بعض الأمثلة: القاتل العمد والقاتل الخطأ، والمجتهد المصيب والمجتهد المخطئ، فلان قتل عامدًا، ترى! في اللوح المحفوظ ما الذي كتب؟ أنه سيقتل عامدًا، والآخر قتل خطأً، ترى! ما الذي كان مكتوبًا في اللوح المحفوظ؟ يقتل عامدًا أم يقتل خطأً؟ لا شك أن القدر الإلهي سابق للحوادث وهو بعلمه ﵎ الأزلي السابق يكتشف هذه الحوادث وسجلها في اللوح المحفوظ قبل وقوعها، فهي كما وقعت سجلت، وحينئذٍ نقول: القاتل العمد قتل باختياره أم باضطراره، وعلى العكس القاتل الخطأ قتل أيضًا باختياره أم رغم أنفه؟ سيأتي الجواب: القاتل الأول قتل باختياره، والقاتل الثاني قتل رغم أنفه ليس باختياره، فهل نحن لأنه ربنا ﵎ بالقدر الذي سبق أن سجل المخلوقات كلها؛ لأننا علمنا هذه الحقيقة، هل معرفتنا بهذه الحقيقة تضطرنا نحن أن نغير علمنا بهذا الواقع، قلنا: أن أحد القاتلين قتل باختياره، فهل نقول: إنه قتل رغم أنفه؛ لأننا اعتقدنا أنه سبق في كتاب الله أنه سيقتل؟ كان جوابنا: سبق في كتاب الله أنه سيقتل باختياره، فإذًا الاختيار ثابت في القدر كالاضطرار تمامًا، ولذلك كان كنتيجة بدهية جدًا أن الله يعذب القاتل العمد ولا يعذب القاتل الخطأ؛ لأن القاتل العمد قتل باختياره، فالاختيار لا يمكن إنكاره لمجرد اعتقاد أن هذا القتل سجل في اللوح المحفوظ، لكن ينبغي أن نتذكر أن الذي سجل في اللوح المحفوظ سيقع بكل دقة.
وقد قلنا أن الذي وقع وقع باختياره، فهذا مطابق القدر الإلهي أو مخالف؟
стр. 4483
كان مطابق للقدر الإلهي، ولهذا فالذين يقولون بالجبر هم يخالفون القدر الإلهي، ويريدون أن يسووا بين ما كان مكتوبًا في اللوح المحفوظ وفي القدر الإلهي بالاختيار أو بالاضطرار، من أجل هذا فرق الشرع والقانون والعقل بين من كان مختارًا في شيء، وبين من كان غير مختار، فمناط التكليف إنما هو بوجود الاختيار، فإذا انتفى الاختيار انتفى التكليف، فالقول بالجبر ينفي القدر، بينما هم يريدون من إثبات الجبر بأنه ثبت في القدر، القدر قسمان: مسجل بالاختيار أنه سيفعل كذا ومسجل بالاضطرار أنه سيفعل كذا، فإذًا يعود قولهم بالجبر مستميلين إلى القضاء والقدر تعود الحجة عليهم على خلاف ما يزعمون.
وهناك نكتة لبعض الظرفاء: إذا قال لك الجبري: كل شيء يفعله الإنسان فإنما هو مضطر؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ وأنه لا بد أن يقع، قل له: فهل المضطر مؤاخذ ومكلف؟ سيقول لك: لا، فما عليك بعد أن يقول هذه الدلالة إلا أن تصفعه صفعة في خده مثلًا، فهو سيقول: أخ لماذا ضربتني؟ قل له: مضطر، مضطر كلام من أسخف ما يكون والإنسان خلقه الله في أحسن تقويم.
أنا أقول مثلًا: أين الاضطرار؟ أنا الآن أتكلم معكم يا ترى! مختارًا أو مجبورًا؟ إذا قلت: مجبورًا هه .. [سكت الشيخ] هه مجبور عن السكوت هه سأتكلم معكم، أين الاضطرار المزعوم، فالله أحكم الحاكمين خلق الإنسان ومكنه من عمل الخير كما مكنه من عمل الشر، ولذلك قال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف:٢٩) فالمشيئة البشرية تحمل الخير والشر ..
[صوت مختلط لا يفهم]
ربنا قد فرق بين من كفر اختيارًا وبين من كفر اضطرارًا: ﴿إِلَّا مَنْ
стр. 4484
أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل:١٠٦) ولقد روى بعض علماء التفسير كابن حجر وكابن جرير الطبري وغيره أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر ﵁ حيث عذبه المشركون كما عذبوا بلالًا، ثم يظهر أنهم شعروا منهم شيئًا من الضعف والارتخاء فعرضوا عليه أن يكفر بمحمد ﵌ وأن يقول فيه: إنه كذاب .. إنه ساحر .. إنه شاعر، قالوا له: إن قلت هذا أطلقنا سراحك، .. فقال هذه الكلمات فأطلقوه، فجاء إلى الرسول ﵊ فبعد هذه الراحة التي وجدها عاد إليه رشده فأنبته نفسه كيف أنا قلت فيمن هداني الله بسببه: إنه كذاب .. إنه ساحر .. إنه شاعر، فشكا الأمر إلى النبي ﵌ لعله ترتاح نفسه مما بدر منه من الخطأ، فقال له ﵊: «كيف تجد قلبك؟» أي: هذه الكلمات التي هي الكفر بعينه هل أنت مطمئن إليها، ومنكر صدقي ونبوتي وإلى آخره؟ قال: أجد قلبي مطمئن بالإيمان، فقال ﵊: «فإن عادوا فعد» (١).
فالآن: مَن مِن العقلاء ممن أوتي ذرة من عقل ولب يسوي بين كفر عمار بن ياسر وكفر أبي لهب وأبي جهل، هل يستويان مثلًا؟ الجواب: لا، لكنهما كل من الكفرين مسجل في اللوح المحفوظ، لأن الله قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام:٣٨) لكن هذا المسجل هو الذي وقع، فلماذا هؤلاء الجبريون يتخذون إذًا الكتابة السابقة دليلًا على أن المقصود مجبور عليه صاحبه، والمكتوب فيه تفصيل تارةً قد يكتب مجبوراً، وتارًة قد يكتب مختارًا، فالقدر نفسه مطابق الواقع له، فما كان جبرًا فلا مؤاخذة كما في قصة عمار بن ياسر، وما كان اختيارًا كما في قصة أبي لهب وأبي جهل وأمثاله من الكفرة، فبهذا يمكن الرد على هؤلاء الجبرية، ويكفي أن تعرفوا خطورة مذهبهم وسخافة عقولهم ما قاله الشاعر
стр. 4485
في حقهم ممثلًا لهم كيف اعتقدوا في ربهم الظن الذي يترفع عنه أظلم الناس حيث وصفوا ربهم بقولهم كما قال الشاعر:
ألقاه في اليم مكتوفًا ثم قال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء
هل يغلله بالأغلال ثم يرميه في البحر ويقول له: إياك يصيبك رشاش الماء، أظلم الناس ما يفعل هذا، أما هم فقد وصفوا ربهم بما لا يليق بأظلم الناس وأفجر الناس:
ألقاه في اليم مكتوفًا ثم قال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء
أما الله فقد صرح بأنه لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وفي الحديث القدسي، قال الله ﵎: «يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! لو اجتمع أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم على صعيد واحد فسألني كل واحد مسألته فأعطيته إياها ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي! - وهنا الشاهد - إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم فمن وجد خيرًا فليحمد لله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (١).