← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

أما الأخرى فكثير من الناس لا يعلمونها وهي بعد أن قلنا في الكلمة الأولى: ألا نعبد إلا الله، أما الكلمة الأخرى: ألا نعبده إلا بما شرع الله، ألا نعبد إلا الله وألا نعبده إلا بما شرع الله. إذاً هما حقيقتان شرعيتان هامتان جداً جداً، لا يكون المسلم مؤمناً إلا بعد أن يحقِّق معنى هاتين الكلمتين في نفسه وقلبه وإيمانه، هما: ألا نعبد إلا الله. هذه الأولى. والأخرى: ألا نعبده إلا بما شرع الله. فهاتان الكلمتان هما خلاصة الشهادتين اللتين قال فيهما رسول الله ﵌: «أمرت أن أقاتل الناس-كل الناس من الكفار-حتى يشهدوا ألا إله إلا الله» هي الكلمة الأولى. «وأن محمداً رسول الله» هي الكلمة الأخرى «إلا بحسابها، إلا بحقها وحسابهم عند الله ﵎». كثير من الناس لا يعلمون حقيقة هاتين الشهادتين اللتين لا يمكن لكافر أن يُقبل إسلامُه إلا بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كلنا يعلم هذه الحقيقة أن الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكن الكثير من المسلمين لا يعلمون ما تتطلبه هاتان الشهادتان، الأولى لا إله إلا الله، والأخرى محمد رسول الله. أريد أن أدير كلمتي هذه في هذه الليلة حول الشهادة الثانية: وأن محمداً رسول الله، مع الإيجاز من البيان في الشهادة الأولى لا بد منه. فقوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» تعني أول ما تعني: ألاَ معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎، تعني: أن يخلص المسلم

стр. 527

عبادته لله فلا يشرك في عبادة الله مع الله أحداً. وهذا له بحثه الطويل، ولعلنا تعرضنا له أكثر من مرة، لكن أردت إيجاز الكلام في هذه الكلمة الطيبة أن معناها: لا معبود بحق إلا الله، ليس معناها كما قد يتوهم البعض: لا إله أي: لا رب، هذا معنىً قاصر، الإله هو المعبود، أما الرب فقد يطلق على الخالق الذي هو رب البيت وهو رب العالمين ورب العرش العظيم ونحو ذلك، وقد يطلق على رب المال صاحب المال وصاحب الدار ونحو ذلك. فليس المقصود من الكلمة الطيبة هذه: لا إله إلا الله بمعنى: لا رب إلا الله فقط، لا. وإنما المقصود: لا معبود بحق في الوجود إلا الله، ولذلك فكلمة التوحيد هذه لا تفيد صاحبها شيئاً مما يرجى لقائلها يوم لقاء الله من النجاة في الخلود في النار إلا إذا فهم معنى الإله في هذه الشهادة، في هذه الكلمة الطيبة الإله هو المعبود الحق، فلا يعبد مع الله غيره ﵎. هكذا معنى كلمة التوحيد، ذلك لأن المشركين كانوا بنص القرآن الكريم، كانوا بنص القرآن الكريم يشهدون أن خالق السماوات والأرضين هو الله، قال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (الزمر: ٣٨). فلا يكفي المسلم إذاً أن يقول: إن الله هو الخالق هو الرازق وهذا لا بد منه، لكن يجب أن يضم إلى اعتقاده بأنه لا رب إلا الله، ولا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا معبود في الوجود بحق إلا الله ﵎، وبذلك يقوم بحق هذه الكلمة الطيبة. قلت آنفاً: أُوجز الكلام في هذه الكلمة الطيبة لأنني تعرضت لذلك أكثر من مرة، أريد أن أخصص قليلاً من جلستنا هذه حول الشهادة الثانية وهي: وأن محمداً رسول الله.

стр. 528

قلت: هما كلمتان: لا نعبد إلا الله هذا معنى لا إله إلا الله. والكلمة الثانية: لا نعبد الله إلا بما شرع الله، فإذا عبدنا الله بما شرع الله فقط يكون صدقنا وآمنا حقيقة حينما نقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. أما إذا وسعنا دائرة العبادة فعبدنا الله بما لم يشرع ربنا في القرآن ولا في السنة فلا نكون قد آمنا حقيقة بالشهادة الثانية: وأن محمداً رسول الله. لم؟ لأن إيماننا بأن محمداً رسول الله يعني أمرين اثنين: الأمر الأول: أنه مبعوث رسولاً من رب العالمين لكافة الناس بشيراً ونذيراً، رسولاً يعني برسالة هي رسالة الإسلام. والأمر الآخر: أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ولم يدع لأحد شيئاً يستدركه عليه ﵌، ولذلك قال ربنا ﵎ مؤكداً لقيامه ﵌ بحق كونه رسولاً وبذلك نشهد فنقول: وأن محمداً رسول الله. وقد نزلت آية عظيمة جداً جداً ورسول الله ﵌ على عرفة وفي حجة الوداع تأكيداً لهذا المعنى أن النبي ﵌ أدى الرسالة كاملة غير منقوصة، فقال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣). نزلت هذه الآية الكريمة ورسول الله ﵌ على عرفة ويوم جمعة، ولقد عرف قيمة هذه الآية الكريمة، هذه النعمة العظيمة الذي امتن الله ﵎ بها على عباده بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣) إلى آخر الآية. وقد عرف هذه الحقيقة حبر من أحبار اليهود كان قد أسلم هداه الله عز وجل

стр. 529

إلى الإيمان بالله ورسوله ألا وهو كعب الأحبار على قلة من أسلم من اليهود، فلما عرف مما درس من كتاب الله هذه الآية الكريمة جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين! آية في كتاب الله لو علينا معشر يهود نزلت لاتخذنا يوم نزولها عيداً. قال عمر: ما هي؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣) إلى آخر الآية. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لقد نزلت في يوم عيد يوم الجمعة ورسول الله ﵌ على عرفة. لقد صدق ظن كعب الأحبار حينما أحس بعظمة هذه الآية حينما قال: لو نزلت على اليهود لاتخذوا يوم نزولها عيداً، فأخبره عمر بأن المسلمين يعيدون في هذا اليوم فعلاً ألا وهو يوم الجمعة ويوم عرفة أيضاً. الغرض من تقديم هذه الرواية الصحيحة- وهي في صحيح البخاري- هو تذكير المؤمنين بالله ورسوله حقاً، بعظمة هذه النعمة التي امتن الله بها على عباده حينما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣) لكن المسلمين إلا قليلاً منهم لم يعرفوا قيمة هذه النعمة، ولم يقدروها حق قدرها، لم؟ لسببين اثنين، أحدهما يعود إلى الفكر والآخر يعود إلى العمل الذي هم عليه. أما الفكر فإننا إلى اليوم نعيش في مشكلة فقهية مخالفة لما تنص عليه هذه الآية الكريمة من أن الدين أكمله الله على رسوله ﵌، نعيش في مشكلة، مشكلة أن العبادات التي يتعبدها المسلمون اليوم كثير منها ليس من الدين بشيء، ليس من الإسلام بسبيل مع أننا سمعنا آنفاً أولاً الآية وأنها نزلت في يوم عيد ورسول الله ﵌ على جبل عرفات وفي حجة الوداع. هذه النعمة عظيمة ما قدرها كثير من المسلمين حق قدرها، ولو أنهم قدروها

стр. 530

حق قدرها لوقفوا عند ما شرع الله على لسان رسول الله ﵌، لست أعني فقط أن هناك قوانين ودساتير وضعت لم توضع على كتاب الله وعلى حديث رسول الله ﵌، لأن هذه الدساتير والقوانين لم يضعها علماء المسلمين وفقهاء المسلمين المتعبدون المخلصون لدينهم، وإنما هي فرضت عليهم، وإنما أعني أفراد المسلمين الصالحين منهم الذين يقومون الليل ويصومون النهار ومع ذلك فهم لا يقفون عند هذه النعمة من كمال الدين، فيتعبدون الله بما لم يأتِ في الدين ولم يبينه رسول رب العالمين. هذا الذي أردت توضيحه بعد ذلك الإجمال حينما قلنا: أصلان لا بد لكل مسلم أن يدين الله بهما، الأصل الأول: ألا يعبد إلا الله. والأصل الثاني: ألا يعبده إلا بما شرع الله، لم؟ لأن الدين قد أكمله الله ﵎. هذه الحقيقة-مع الأسف-غائبة عن أذهان كثير من المسلمين المتعبدين والمتفقهين، ذلك لأن الإسلام اليوم وقد مضى عليه أربعة عشر قرناً قد دخل فيه مع الزمن ما ليس منه، ولذلك جاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﵌ والآثار السلفية تحذر من الإدخال لشيء ما في الدين باسم التقرب إلى الله ﵎، ذلك لأن الله قد كفانا مؤنة الإحداث والإدخال في الدين ما لم يكن منه كما سمعتم آنفاً من الآية التي نزلت في عرفة. وأكد النبي ﵌ هذا المعنى الذي تضمنته الآية الكريمة في بعض الأحاديث الصحيحة التي منها قوله ﵌: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله ويبعدكم عن النار إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه» إذاً انتهى باب العبادة، فلا سبيل لأن يتعبد المسلم إلا بما جاءنا به

стр. 531

رسول الله ﵌. من أجل هذا جاءت الأحاديث الكثيرة والكثيرة جداً وكذلك الآثار عن الصحابة والسلف الصالح، تنهى المسلمين من الإحداث في الدين، تنهاهم نهياً مطلقاً دون أن يدخل هذا النهي شيء من التخصيص أو التقييد، وبعض هذه الأحاديث معروفة ولكن قل من يقف عند دلالتها العامة. فآنفاً افتتحت كلمتي هذه بخطبة الحاجة التي كان رسول الله ﵌ يفتتح بها خطبه، وفيها: خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. هذه الكلية كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار؛ لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ورسوله حقاً أن يعارض هذه الكلية وأن يقول: لا، ليست كل بدعة ضلالة أو ليس كل بدعة ضلالة، كيف يقول هذا مسلم يؤمن بالله ورسوله حقاً يعارضه ويشاققه ويشاكسه ويقول: كل بدعة ضلالة هكذا يقول رسول الله، ثم هناك من يقول: لا، البدعة تنقسم إلى قسمين: بدعة حسنة وبدعة سيئة. هذه قسمة ضيزى يجب على كل مسلم ألا يؤمن بها، لأنها تنافي إيمانه بقول نبينا صلوات الله وسلامه عليه: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». عجيب جداً أن يوجد في بعض المسلمين من يشاقق الرسول في هذه الكلمة، هو يقول: «كل بدعة ضلالة» وذاك المسلم يقول: هناك البدعة تنقسم إلى قسمين: حسنة وسيئة. ماذا يقال في من يقول في حديث الرسول ﵇ آخر فيه مثل هذه الكلية.

стр. 532

قال ﵌: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» (١) هل يعقل أن يقول مسلم: هذا الكلام مقسوم إلى قسمين؟ ليس كل مسكر خمر، بل منه ما هو خمر ومنه ما ليس بخمر. هذا لا يتصور أن يصدر من مسلم إلا سهواً، إلا خطأً هذا ممكن. أما أن يصبح شريعة مستمرة في أذهان المسلمين بل وأكثر المسلمين بسبب زلة وقع فيها عالم فهنا تكمن المشكلة، ممكن أن يقول قائل خطأً وسهواً ما يخالف القرآن والسنة، ولكن لا يمكن أن تصبح هذه المخالفة شريعة وعبادة مستمرة طيلة هذه السنين الطويلة. فمن يقول في قوله ﵇: «كل بدعة ضلالة» ليس كل بدعة ضلالة وإنما هي بدعة حسنة وبدعة سيئة مثله من يقول في قوله ﵇ الآخر: «كل مسكر خمر» فيقول ذلك الذي قسم البدعة إلى قسمين أيضاً يقول: ليس كل مسكر خمر، وإنما منه ما هو خمر ومنه ما ليس بخمر. سبحان الله! كيف يتجرأ المسلم أن يقول بهذه القسمة الضيزى؟ والله يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥). الأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﵌ تحذر من كل عبادة لم يشرعها الله على لسان رسول الله أكثر من أن تحصر. ذكرت لكم آنفاً الحديث الذي يعم كل بدعة بأنها ضلالة، والآن أذكركم بحديث آخر هي وصية الحبيب ﵌ لأصحابه في موعظة وعظ بها أصحابه عليه

стр. 533

الصلاة والسلام، كما قال العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه وهو كان من فقراء الصحابة الذين كانوا يأوون إلى الصُّفَّة لا همَّ لهم إلا صحبة النبي ﵌ والاستفادة من علمه ﵊، قال: «وعظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها وصية مودع فأوصنا وصية لا نحتاج إلى أحد بعدك أبداً. قال ﵊: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة» هذه أيضاً كلية. «فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» ثم جاءت أحاديث النبي ﵌ الأخرى بألفاظ تختلف عن لفظ الكل لكنها تؤيد معنى الكل المذكور في هذا الحديث وفي ما قبله، من ذلك مثلاً قوله ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) هذا أيضاً يعني تلك الكلية التي جاءت في الحديثين المذكورين آنفاً، لأنكم علمتم من آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣) أن الدين قد كمل، فمن أحدث في هذا الدين شيئاً [فهورد] يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أي: مردود على الذي أحدث تلك المحدثة لأن الدين كمل والحمد لله كما في آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣). فإذاً كلما ذكرنا حديثاً ولو لم يكن فيه لفظ: «كل بدعة»، لكنه يؤيد هذه الكلية

стр. 534

كل التأييد، من ذلك مثلاً حديث الرهط (١) الذين جاءوا إلى النبي ﵌ وهم ثلاثة رجال فلم يجدوه فسألوا أهله ﵊ عن عبادته، عن قيامه وصيامه وقربانه لنسائه، فذكرن ما يعلمن من ذلك عن النبي ﵌، فقلن: إنه ﵊ يصوم ويفطر، ويقوم الليل وينام، ويتزوج النساء. فلما سمع الرهط كلام نساء النبي ﵌ تقول أو يقول راوي الحديث وهو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: لما سمعوا ذلك تقالوها، أي: وجدوا عبادة الرسول قليلة. سبحان الله! رسول الله الذي قام حتى تفطرت وفي لفظ: تشققت قدماه، يقول هذا الرهط أن عبادة الرسول ﵇ قليلة، لماذا؟ هنا الشاهد وهنا النكتة يا إخواننا فانتبهوا. إنهم كانوا يتوهمون أن التقرب إلى الله ﵎ إنما يكون بالترهب أي: بأن ينذر المسلم نفسه لعبادة الله فقط ولا يهتم بشيء من أمور الدنيا، لا يهتم بشيء يتعلق بنسائه وأولاده، هكذا هم تصوروا. وهذا بلا شك تصور مخالف للإسلام الذي من أقواله ﵊: «لا رهبانية في الإسلام» (٢). من أجل هذا التوهم الخاطئ وجدوا عبادة الرسول ﵇ قليلة، ومن ذلك رجعوا إلى أنفسهم يقولون: هذا رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لسان حالهم يقول: لماذا لا يتمتع الرسول بنسائه؟ لماذا لا يتمتع النبي ﵇ بنومه؟ لماذا لا يتمتع الرسول بطعامه وشرابه؟ إذاً هو كان يصوم ويفطر، ويقوم الليل وينام، ويتزوج النساء أي: يغتسل منهن. هم تصوروه ﵇ حسب تصورهم الخاطئ أنه قائم الليل كل الليل،

стр. 535

أنه صائم الدهر كل الدهر وأنه لا يقرب النساء، كما قال بعض القدامى: ضاع العلم بين أفخاذ النساء، فتصوروا الرسول ﵇ أنه لا علاقة له بهذه الدنيا، ثم عادوا يعللون تلك القلة من رسول الله ﵌ بعلة لو أنهم صمموا عليها وأصروا عليها ولم يعودوا إلى سنته ﵇ لضلوا ضلالاً بعيداً، لأنهم قالوا: ولماذا رسول الله يتعب نفسه فيصلي الليل كله ويصوم الدهر؟ ما في حاجة، الله غفر له وكما يقال في بعض البلاد: حَط رجليه بالماء البارد واستراح. هذا طعن في عبادة الرسول ﵇، وهو الذي جاء في صحيح البخاري من حديث جماعة من أصحاب النبي ﵌ ومنهم المغيرة بن شعبة، قال: «قام رسول الله ﵌ حتى تفطرت قدماه. قالوا: يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر» كأنهم يقولون له: ارفق بنفسك، اشفق عليها، لماذا تقوم هكذا حتى تشققت قدماه؟ فكان جوابه ﵇ كما هو المفروض في سيد البشر وأفضل البشر وأكمل البشر قاطبة، قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً، أفلا أكون عبداً شكوراً» (١). إذاً رسول الله ﵌ حينما نسبه ذلك الرهط إلى الإقلال في العبادة كانوا مخطئين كل الخطأ، كانوا متوهمين لأنهم كانوا أو لأنهم كانوا يحمدون في فكرهم الرهبانية التي ليست من الإسلام، بناءً على ذلك الوهم القائم في أذهانهم وبعد أن علَّلوا قلة عبادة نبيهم أن الله غفر له وانتهى الأمر، قالوا: أما نحن فنحن لا نعلم أن الله قد غفر لنا فما هو السبيل لنحصل مغفرة ربنا ؟ تعاهد الثلاثة بعضهم مع بعض على ما يأتي.

стр. 536

أما أحدهم فقال ناذراً قال: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر. قال الثاني: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام. أما الثالث قال: أما أنا فلا أتزوج النساء، وانصرفوا متعاهدين على أن يقوم كل واحد منهم بما عاهد الله عليه من قيام الليل كله، من صيام الدهر كله، من اجتناب النساء بالكلية وانصرفوا هكذا. ولما جاء رسول الله ﵌ إلى نسائه وأخبرنه الخبر دخل المسجد وجمع الناس وخطبهم وقال. قال ﵊: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا» يعني: .. أقوال عرفتموها فلا حاجة لإعادتها، لكن الشاهد في ما يأتي. «أما إني أتقاكم لله وأخشاكم لله، أما إني أصوم وأفطر، وأقوم الليل وأنام، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» الشاهد من هذا الحديث كله الجملة الأخيرة بعد أن عرفتم سبب ورودها، هذه الجملة الأخيرة مع الأسف أكثر المسلمين المتعبدين لا أعني الزاهدين في عبادة الرسول ﵇ والمعرضين عنها بالكلية، إنما أعني الزاهدين المتعبدين الراغبين في الآخرة، قال في خاتمة الحديث: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» انتهى الحديث، وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما. أريد أن أقف قليلاً معكم عند قوله: «سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني» لعل الكثيرين منكم قرؤوا شيئاً من الفقه على أي مذهب من المذاهب الأربعة المتبعة من جماهير المسلمين أهل السنة والجماعة، ويقرؤون في هذه الكتب تقسيم العبادات إلى أقسام منها فرض ومنها سنة، ولا أزيد على هذا-لأن هنا الشاهد-.ويعرفون السنة من حيث ثوابها ومن حيث حكم تاركها بأن من فعلها أثيب عليها دون ثواب الفريضة، ومن تركها لا يعاقب عليها، بعضهم يزيد-

стр. 537

والزيادة لا أصل لها- لا يعاقب عليها لكن يزيد فيقول: لكنه يعاتب من رسول الله ﵌. هذه الزيادة وهي قول بعضهم: أن من ترك سنة من سنن النبي ﵌ التي هي ليست بفريضة ولا هي أيضاً بواجبة بالنسبة لرأي الحنفية الذين يفرقون بين الفرض والواجب فهي دون الفرض ودون الواجب يقولون قولة الحق: لا يعاقب تاركها، لكن يزيدون فيقولون: يعاتب تاركها. هذا العتاب ليس له أصل لا في كتاب الله ولا في حديث رسول الله ﵌ ولا في أثر من الآثار الواردة عن السلف الصالح ﵃ أجمعين، وإنما على العكس من ذلك أذكركم بحديث ذلك الأعرابي الذي سأل النبي ﵌ عن ما فرض الله عليه في كل يوم وليلة، فقال: «خمس صلوات. فلما قال له: هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع. فقال ﵊: أفلح الرجل إن صدق، دخل الجنة إن صدق» (١) فأين هذا العتاب المُدَّعى؟ هذه كلمة كما يقال على الماشي، لكن الذي أريد أن أدندن حوله هو: هل السنة في هذا الحديث المتفق عليه هو بمعنى السنة التي ليست بفريضة ولا واجبة؟ الجواب: لا. هذا اصطلاح اصطلح الفقهاء ولا مشاحة كما يقول العلماء في الاصطلاح، اصطلحوا في سبيل بيان الأحكام وتوضيحها للناس فقسموا الأحكام إلى خمسة، قسموا العبادات أو الأحكام إلى خمسة فقالوا فرض وقالوا سنة وقالوا مستحب ونحو ذلك. ليس المقصود في قوله ﵇: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» ليس المقصود بالسنة في هذا الحديث الصحيح هي السنة المصطلح عليها وهي التي

стр. 538

دون الفرض، وإنما المقصود بهذه السنة في الحديث الصحيح: الطريق والمنهج والشريعة التي سار عليها الرسول ﵊ بما فيها من أحكام حتى المباح، آخر حكم من الأحكام الخمسة المباح، فكما لا يجوز لمسلم أن يحرم ما أباح الله كذلك لا يجوز لمسلم أن يحلل ما حرم الله، كذلك لا يجوز لمسلم أن يشرع للناس فيقول لهم: هذه سنة، أو أن يقول لهم وهنا بيت القصيد: هذه سنة أو بدعة حسنة، لا يجوز أن يقول هذا الكلام لما سبق بيانه أن النبي ﵌ ذم البدعة الدينية، وأرجو أن تنتبهوا لهذا القيد، لأن كثيراً من الناس الغافلين أو الجاهلين حينما يقال لهم: هذه بدعة فلا تفعلها يقول: الذي لابسه أنت كله بدعة، الذي راكب السيارة هي بدعة، هذا من جهلهم أتوا لأنكم عرفتم آنفاً أن البدعة التي ذمها النبي ﵌ ذماً مطلقاً وحكم على صاحبها بأنه على ضلالة إنما عنى البدعة في الدين بدليل قوله في الحديث المتفق عليه بين الشيخين: «من أحدث في أمرنا هذا، في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد». إذاً قوله ﵌: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» ما دلالة هذا الحديث على العموم الذي ذكرناه آنفاً صريحاً في بعض الأحاديث التي تذم البدعة ذماً عاماً شاملاً بحيث يسد على كل من كان قاصداً أن يعرف الحق في ما اختلف فيه الناس يسد عليه الطريق أن يقول: لا، هناك بدعة حسنة. قلنا: هذا أمر مستحيل أن يصدر من مسلم مؤمن يؤمن بالله ورسوله حقاً، لأنه يعتبر مشاقاة لله ولرسوله، رسولك أيها المسلم يقول لك: «كل بدعة ضلالة» وأنت بكل جرأة تقول: لا، ليس كل بدعة ضلالة إنما هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة. هذا لا يقوله إلا أحد رجلين: إما جاهل وإما غافل لا يدري ما يخرج من فمه.

стр. 539

فأقول: قوله ﵇: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» سنته أي: شريعة الله التي أنزلها الله على قلب محمد ﵇، وشريعة الله قد علمتم مما سبق من البيان أنها قد كملت والحمد لله بشهادة تلك الآية الصريحة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) ما بعد الكمال إلا النقصان، أما الزيادة فلا مجال للزيادة في الدين أبداً. قلت لكم: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» هل هناك مسلم مهما تصورناه عالماً, زاهداً، صالحاً أن يكون مثل رسول الله ﵌ في العبادة؟ هذا مستحيل، لأنه لا مثله ﵊ لا في علمه ولا في خلقه ولا في عبادته. إذاً ما هو الشيء الذي يمكن أن نتصوره في بعض عباد الله الصالحين الذين يأتون في المرتبة في الصلاح والعبادة والتقرب إلى الله بعد رسول الله ﵌؟ سنقول: لا بد أن يكون هؤلاء دون رسول الله ﵌ في العبادة كما قيل: فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح يعني حسب المسلم الصالح والعالم بشريعة الله أن يتشبه برسول الله ﵌، وبالكاد أن يقترب من عبادته، بالكاد. أما أن يكون مثله فهذا أمر مستحيل. إذاً رجعنا إلى حديث من تلك الأحاديث: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به» إذاً يا مسلمون! لقد أُغلق باب التشريع وباب الاستحسان في الدين بأن الدين قد كَمُل نصاً في الآية ونصاً في حديث الرسول ﵊، لذلك قال تلك الكلمة العظيمة جداً: «فمن رغب عن سنتي فليس مني». لنتأمل الآن لمن قال: «فمن رغب عن سنتي فليس مني»؟ لمن أراد أن يبتدع في الإسلام بدعة لا أصل لها، لأن هناك شبهة يقول بعضهم: أن البدعة الضلالة

стр. 540

هي التي ليس لها أصل مطلقاً لا في الكتاب ولا في السنة. لننظر الآن في حق من قال ﵊: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» من أراد أن يقوم الليل كل الليل فهل قيام الليل بدعة؟ لا أحد والحمد لله يقول إلا أنها عبادة عظيمة جداً، وبخاصة أن هناك أحاديث صحيحة تأمر بقيام الليل مثل قوله ﵌: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين من قبلكم» (١) لا أحد يقول: أن قيام الليل بدعة. الآخرون ماذا قالوا؟ أن يصوموا الدهر، الصيام أيضاً خير عمل، الصيام خير عمل، وقد عرفتم أن الرسول ﵇ كان يصوم. كذلك الثالث الذي قال: أنا لا أتزوج النساء. فعدم تزوج النساء إذا كان من باب الرهبنة فقد عرفتم أن ذلك لا رهبانية في الإسلام. الآن نقول بالنسبة للذي أراد أن يصوم الدهر وأن يقوم الليل كله: إنما أراد كل من هذين الزيادة في التقرب إلى الله بالصيام والقيام، الزيادة في التقرب إلى الله بالصيام وبالقيام، الصيام والقيام عبادة. إذاً هو أراد أو هما أرادا زيادة التقرب إلى الله بما أصله مشروع وهو الصيام والقيام، فهل قَبِلَ ذلك الرسول ﵇ من ذينك الرجلين؟ لا، رد ذلك عليهما بكلام فيه تشديد عليهما، قال: «أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم لله» كأنه يقول ﵇ لهما: أنتم الآن أخشى لله مني؟ أنتما أو أنتم أتقى لله مني؟ أنا أقوم الليل وأنام، وأصوم وأفطر. أنتم الآن تريدون أن تصوموا الدهر وأن تقوموا الليل كله؟ يعني معناه انعكست القضية، أنتم أخشى وأنتم أتقى فهذا أمر مستحيل، فلا أفضل بعد رسول الله ﵌[منه].

стр. 541

إذاً خذوا من هذا الحديث دليلاً واضحاً أن الزيادة في الدين ولو كانت عبادة في الأصل فهذه الزيادة منكرة أنكرها رسول الله ﵌. فالمقصود إذاً من هذا الحديث كأمثلة بدأت في عهد الرسول ﵇ باسم الزيادة في الدين وباسم زيادة التقرب إلى رب العالمين، مع ذلك رفضها رسول الله ﵌ رفضاً باتاً ولفت نظرهم أن من يصر على التقرب إلى الله بهذه العبادة الزائدة على ما جاء به ﵇ فمعنى ذلك: أن الزائد هو أتقى لربه وأخشى من ربه من نبيه ﵊. ولا شك أن من تصور هذه الأفضلية لا يكون مسلماً، لأن النبي ﵌ هو أفضل البشر قاطبة في كل شيء لا سيما أنه قد اصطفاه ربه بخاتمة الشرائع والأديان. على هذا النموذج وعلى هذا النهج جاءت أقوال السلف الصالح تلتقي في ذم البدعة التي يراد بها زيادة التقرب إلى الله ﵎، من ذلك مثلاً ما روي عن حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله ﵌ أنه قال: «كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﵌ فلا تعبدوها» أي: فلا تتعبدوها. انظروا هذه الكلية من هذا الصحابي الجليل صاحب سر رسول الله ﵌. «كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﵌ فلا تتعبدوها» الله أكبر. كم مِن عبادة اليوم نراها في المساجد وفي البيوت يريدون أن يزدادوا بها قربى إلى الله وهم يعلمون أن النبي ﵌ لم يفعلها، أن السلف الصالح لم يفعلها، أن الأئمة كل الأئمة وعلى رأسهم الأربعة لم يفعلوها. ما هو جوابهم؟ يا أخي أيش فيها؟ هذه زيادة خير خير، كلمة عامية يقولونها زيادة خير خير. "الهدى والنور" (٧١٠/ ٣٥: ٠٢: ٠٠)

стр. 542

[٩٦] باب معنى شهادة أن لا إله إلا الله وبيان مقتضياتها [قال الإمام]: أشهد أن لا إله إلا الله .. أي: لا معبود بحق في الوجود إلا الله الواجب الوجود لذاته تعالى. ذكره القاري وغيره. هذا هو معنى هذه الشهادة التي تحقن دم قائلها, وتنجيه يوم لقائه الله تعالى؛ إذا عمل بمقتضاها, ولم يقتصر على التلفظ بها. ولقد ضل كثير من المسلمين حين فهموا منها: أنه لا رب ولا خالق إلا الله تعالى. وبنو على ذلك: أن من عَبَدَ غيره تعالى بنوع من أنواع العبادات؛ كالاستغاثة بغيره سبحانه, والذبح لغيره, وما شابه ذلك أنه صحيح الاعتقاد, سليم الإيمان! مع أن حقيقة هذه الشهادة: توحيد الإله في هذه العبادات, وغيرها؛ فإنه هو الفارق بين المؤمن الموحد, وبين الكافر المشرك؛ ذلك لأن المشركين الذي بعث إليهم رسول الله ﵌ كانوا يعتقدون هذا المعنى الخاطئ لهذه الشهادة, ولكنهم كانوا يقتصرون على ذلك؛ فلا يؤمنون بأن لا معبود بحق في الوجود إلا الله تعالى. فهم موحدون من ناحية, مشركون من ناحية أخرى؛ موحدون في توحيد الربوبية, كافرون بتوحيد الألوهية. هذا هو الذي دل عليه القرآن الكريم بنصوصه الصريحة. أما إيمانهم بتوحيد الربوبية وأنه: المتفرد بالخلق والرزق؛ فقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وقال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا

стр. 543

إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٨٤ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨٥ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ٨٦ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٨٨ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (المؤمنون:٨٤ - ٨٩) وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾. وأما كفرهم بتوحيد الألوهية-الذي هو المراد من هذه الشهادة-؛ فأقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وكانوا إذا دعاهم ﵌ إلى الإيمان بهذه الشهادة؛ يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص:٥). وكذلك كان كفر من قبلهم من المشركين؛ كانوا يكفرون بتوحيد الألوهية, وإلى هذا التوحيد كان يدعوهم أنبياؤهم ﵌؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف:٦٥). ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ (الأعراف:٧٠) وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ... ﴾ الآية (هود:٦١). ﴿قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (هود: ٦٢). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ﴾. أي قائلين لأممهم: أن اعبدوا الله وحده. فأفاد بقوله: في كل أمة: أن جميع الأمم لم تُرسل إليهم الرسلُ إلا لطلب توحيد العبادة, لا للتعريف بأنه هو الخالق للعالَم, وأنه رب السماوات والأرض؛ فإنهم كانوا مُقِرّين بهذا بباعث الفطرة-كما سبق عن الجاهليين-؛ ولهذا لم ترد الآيات في ذلك في الغالب؛ إلا

стр. 544

بصيغة استفهام التقرير؛ نحو: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾. ومما سبق تعلم أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان شركاء لله تعالى في الربوبية؛ أي: أنهم [ما] اعتقدوا فيهم أنهم شركاء لله في الخلق, والرزق, والإحياء, والإماتة, كلا؛ فإنهم نفوا ذلك بأنفسهم, وإنما اتخذوهم شركاء لله سبحانه في العبودية والألوهية؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣). فهم مُقِرّون بأن المقصود بالذات هو الله تعالى, وأنهم إنما عبدوا أوثانهم؛ وسيلة توصلهم إلى الله. وفي «صحيح مسلم» (٤/ ٨) ,و «المختارة» للضياء المقدسي عن ابن عباس: «كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك».قال: فيقول رسول الله ﵌: «ويلكم قَدْ قَدْ».فيقولون: إلا شريكاً هو لك, تملكه, وما ملك. يقولون هذا, وهم يطوفون بالبيت! ومعنى عبادة المشركين لأوليائهم وأصنامهم هو: أنهم خَصُّوهم بنوع من العبادات: كالاستغاثة بهم, والنذر, والنحر لهم, وغيرها؛ مما يدل على منتهى الخشوع والخضوع, وهم لم يفعلوا ذلك إلا لاعتقادهم أنها تقربهم إلى الله تعالى, وتشفع لهم لديه. فأرسل الله الرسل تأمر بترك عبادة كل ما سواه، وأن هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطل, والتقرب إليهم باطل, وأن ذلك لا يكون إلا لله وحده, وهو توحيد العبادة. وقد كان المشركون, منهم: من يعبد الملائكة, وينادونهم عند الشدائد, ومنهم: من يعبد تماثيل لبعض الصالحين, ويهتف بها عند الشدائد, فبعث الله

стр. 545

إليهم محمداً ﵌؛ يدعوهم إلى الله وحده بأن يفردوه بالعبادة-كما أفردوه بالربوبية-وأن لا يدعوا مع الله أحداً؛ قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ﴾. وأمر عباده أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ولا يُصدق قائل هذا إلا إذا أفرد العبادة لله تعالى؛ وإلا كان كاذباً, منهياً عن أن يقول هذه الكلمة؛ إذ معناها: نخصك بالعبادة ونفردك بها, وهو معنى قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾. ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾. كما عرف من علم البيان: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر؛ أي: اعبدوا الله, ولا تعبدوا غيره، واتقوه ولا تتقوا غيره. فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له, والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده, والاستعانة بالله وحده, واللجوء إلى الله, والنذر والنحر له تعالى, وجميع أنواع العبادات من الخضوع, والقيام لله تعالى, والركوع, والسجود, والطواف, والتجرد عن الثياب, والحلق, والقصر كله لا يكون إلا لله , ومن فعل ذلك لمخلوق حي, أو ميت, أو جماد, أو غيره؛ فهذا شرك في العبادة والألوهية, وفي النهي عن ذلك نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. وصار من يُفعل له هذه الأمور إلهاً لعابده سواء كان ملكاً, أو نبياً, أو ولياً, أو قبراً, أو غير ذلك, وصار بهذه العبادة, أو بأي نوع منها عابداً لذلك المخلوق, وإن أقر بالله وحده وعبده؛ فإن إقرار المشركين بالله, وتقربهم إليه؛ لم يخرجهم عن الشرك؛ قال الله في الحديث القدسي:

стр. 546

«أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من عمل عملاً, وأشرك فيه معي غيري؛ تركته وشركه». أخرجه مسلم وغيره. فمن علم ما ذُكِرَ من الفرق بين توحيد الربوبية, وتوحيد الألوهية, وجمع بينهما في اعتقاده وعمله؛ فهو الذي تحقق بمعنى لا إله إلا الله, وهو الذي يستحق أجر قائلها, وتنفعه من دهره يوماً ما-كما جاء في الأحاديث النبوية-. وهذا بحث عظيم قد أُلِّفَت فيه كتب, ورسائل شتى؛ لأهميته, وخطورة شأنه, فمن شاء التوسع في ذلك، فليراجع «تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد» للإمام الصنعاني- وغالب ما كتبناه مأخوذ عنه-, و «تجريد التوحيد» , للمقريزي, و «حجة الله البالغة» , وكتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم. "أصل صفة الصلاة" (٣/ ٨٧٧ - ٨٨١) [٩٧] باب لوازم الشهادة لله بالوحدانية [قال الإمام]: الشهادة لله بالوحدانية يجب أن تفهم جيداً، بحيث تمنع قائلها من عبادة غير الله بأي نوع من أنواع العبادات المعروفة. وأن من شهد بها وقصر بالقيام ببعض الأحكام الشرعية، أو ارتكب بعض المعاصي؛ فذلك لا يعني أنه لا يستحق أن يعذب عليها؛ إلا أن يغفر الله له. "الصحيحة" (٧/ ٣/١٧١٠).

стр. 547

[٩٨] باب تلقين المحتضر شهادة التوحيد [قال رسول الله ﵌]: «أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله، قبل أن يحال بينكم وبينها ولقنوها موتاكم». [قال الإمام]: من فقه الحديث: فيه مشروعية تلقين المحتضر شهادة التوحيد، رجاء أن يقولها فيفلح. والمراد بـ (موتاكم) من حضره الموت، لأنه لا يزال في دار التكليف، ومن الممكن أن يستفيد من تلقينه فيتذكر الشهادة ويقولها، فيكون من أهل الجنة. وأما تلقينه بعد الموت، فمع أنه بدعة لم ترد في السنة فلا فائدة منه لأنه خرج من دار التكليف إلى دار الجزاء، ولأنه غير قابل للتذكر، ﴿لتنذر من كان حيا﴾. وصورة التلقين أن يؤمر بالشهادة، وما يذكر في بعض الكتب أنها تذكر عنده ولا يؤمر بها خلاف سنه النبي ﵌ كما حققته في " كتاب الجنائز " (ص١٠ - ١١) فراجعه. "الصحيحة" (١/ ٢/٨٣٦ - ٨٣٨). [٩٩] باب معنى شهادة أن محمدًا عبد الله ورسوله وبيان مقتضياتها [قال الإمام]: اعلم أن هذه الشهادة "أي شهادة أن محمداً عبد الله ورسوله" قد جمعت

стр. 548

له ﵌ صفتين لا يتم إيمان المرء به ﵌ إلا إذا تحقق بمعناهما. الأولى: كونه ﵌ عبداً لله تعالى, كغيره من عباده تعالى, فهو مثلهم من هذه الناحية, كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. وقال ﵌: «إنما أنا بشر مثلكم؛ أنسى كما تنسون, فإذا نسيت فذكروني». وقال ﵌: «لا تطروني كما أَطْرَتِ النصارى عيسى ابن مريم, إنما أنا عبد. فقولوا: عبد الله ورسوله». ولذلك فلا يجوز لمسلم يشهد هذه الشهادة أن ينزله ﵌ منزلة فوق التي أنزله الله تعالى فيها؛ فإن ذلك مما لا يرضاه ﵌ , كما قال في الحديث: «أنا محمد بن عبد الله, عبد الله ورسوله, والله! ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ».ولا أن يمدحه إلا بما مدحه الله به, أو بما صحت به الأحاديث والأخبار, فَمَدْحُهُ ﵌ بمثل قول بعضهم: فإن من جودك الدنيا وضَرّتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم فهذا القول مما يتنافى مع الشهادة بالعبودية لمحمد ﵌ , وهو القائل-كما حكاه الله تعالى في القرآن الكريم-: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. وهو القائل للجارية التي كنت تندب من قتل يوم [بدر] , ثم قالت: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال النبي ﵌: «لا تقولي هكذا, وقولي كما كنت تقولين». ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديث لها في «الصحيحين»: «ومن حدثكم أن محمداً ﵌ كان يعلم ما في غد؛ فقد أعظم على الله الفرية».

стр. 549

فإذا كان هذا شأن من قال عنه ﵌: إنه يعلم ما في غد؛ فما بال من يقول: إنَّ من بعض علومه علمَ اللوح والقلم؟! فلا جَرَم أن حَذَّرَنا ﵌ من الغلو في مدحه وتعظيمه؛ فإنه سبب هلاك الأمم قبلنا كما قال ﵌: «إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم غلوهم في دينهم». وأما الصفة الأخرى: فهي كونه ﵌ رسولا ً اصطفاه الله تعالى, وخصه بالوحي وأطلعه على بعض المغيبات, وذلك يستلزم الإيمان بكل ما قاله ﵌ , وصح عنه من التشريعات والأخبار بالمغيبات, سواء كان ذلك موافقاً لعقلك, أو بعيداً عن فهمك وعقلك, يجب الإيمان بذلك كله, فمن لم يكن هذا موقفه معه ﵌؛ فهو لم يؤمن حق الإيمان بأن محمدا ً رسول الله, فما تنفعه هذه الشهادة, وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم, وذلك ما يفيد قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ولا شك أن إيمانك وتصديقك بما جاء به محمد ﵌ من الأمور التشريعية والغيبية-ولو كانت بعيدة عن متناول عقلك-؛ إنما هو من الإيمان بالغيب الذي هو من صفات المتقين في القرآن: ﴿ألم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة:١ - ٣). فقف أيها المؤمن عند نص الشارع الحكيم, ولا تُغالِ فيه, ولا تفرط؛ بل وسطاً بين ذلك, لتكون من الناجين عند رب العالمين. "أصل صفة الصلاة" (٣/ ٨٨١ - ٨٨٣).

стр. 550

[١٠٠] باب لوازم الإيمان برسالة محمد ﵌ - [قال الإمام]: "الإيمان بكونه" ﵌ رسولاً اصطفاه الله تعالى, وخصه بالوحي وأطلعه على بعض المغيبات, .. ذلك يستلزم الإيمان بكل ما قاله ﵌ , وصح عنه من التشريعات والأخبار بالمغيبات, سواء كان ذلك موافقاً لعقلك, أو بعيداً عن فهمك وعقلك, يجب الإيمان بذلك كله, فمن لم يكن هذا موقفه معه ﵌؛ فهو لم يؤمن حق الإيمان بأن محمدا ً رسول الله, فما تنفعه هذه الشهادة, وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم, وذلك ما يفيده قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ولا شك أن إيمانك وتصديقك بما جاء به محمد ﵌ من الأمور التشريعية والغيبية-ولو كانت بعيدة عن متناول عقلك-؛ إنما هو من الإيمان بالغيب الذي هو من صفات المتقين في القرآن: ﴿ألم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة:١ - ٣). فقف أيها المؤمن عند نص الشارع الحكيم, ولا تُغالِ فيه, ولا تفرط؛ بل وسطاً بين ذلك, لتكون من الناجين عند رب العالمين. "أصل صفة الصلاة" (٣/ ٨٨٢ - ٨٨٣). [١٠١] باب هل هناك فرق بين تفسير لا إله إلا الله، بلا معبود إلا الله أو بلا معبود بحق "في الوجود" إلا الله ؟ سؤال: يا شيخ! هل في فرق كبير بين: لا معبود بحق إلا الله، ولا معبود بحق

стр. 551

"في الوجود إلا الله"؟ الشيخ: ما في فرق؛ لأن الوجود هو هذا الخلق الذي خلقه الله بقدرته، لا فرق لكن الفرق البعيد هو بين عبارة: لا معبود بحق إلا الله، وبين: لا معبود إلا الله، هذا الفرق، أما قضية ذكرنا: "في الوجود" أو ما ذكرناها فهذا لا يترتب من ورائه شيء، لكن بعض المؤلفين .. أنا قرأت رسالة هناك في دمشق لأحد مشايخ الطريقة الشاذلية واسمه: الشيخ محمد المغربي، كما قرأت رسالة أخرى لبعض جماعة التبليغ فسر هذه الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله: بلا معبود إلا الله، وهذا هو القول بوحدة الوجود؛ لأن كل المعبودات اليوم تعبد من دون الله ﵎، فإذا أطلق عليها: لا معبود إلا الله، فمعنى ذلك: أن هذه المعبودات هي الله، أما حينما يقول المسلم كما قال أهل العلم: لا معبود بحق إلا الله فحينئذٍ نفى الآلهة التي تعبد من دون الله وهذا معنى قوله: لا إله إلا الله، فأثبتوا بكلمة التوحيد توحيد الربوبية، هذا التوحيد الذي لا بد منه لكل مؤمن حقًّا لكنه وحده لا ينجي من الشرك والكفر؛ لأن المشركين كانوا يعتقدون أنه لا خالق إلا الله .. لا رازق إلا الله، ولذلك حكى الله عنهم قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥) لكن في آية أخرى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات: ٣٥) لماذا؟ لأن في هذه الكلمة الطيبة نفي كل معبوداتهم إلا الله ﵎، ولذلك أنكروا توحيد الألوهية فكفروا بالله . "فتاوى رابغ" (٢/ ٠٠:٣٨:١٧)

стр. 552

[١٠٢] باب هل قيد «في الوجود» في قولنا: لا معبود بحق في الوجود إلا الله؛ مهم ؟ سؤال: يا شيخ بارك الله فيك، بالنسبة إلى تعريف لا إله إلا الله، أو شرح معنى: لا إله إلا الله قلت فضيلتك أنه ما معبود بحق في الوجود إلا هو، ما أدري يعني بالأمس كنت أراجع في هذا المعنى، قول علماء أهل السنة في معنى لا إله إلا الله، لم يتطرق أحد منهم إلى كلمة في الوجود يعني: ... فكم من آلهة عُبدت فيما مضى ولا وجود لها الآن ... يعني: ليست موجودة الآن، فكلمة في الوجود هذه الكلمة الآن ... يعني الآن ... شيخ الإسلام وابن القيم ... السنة الذين عرفوا معنى لا إله إلا الله لا لم يتطرق احد منهم إلى كلمة في الوجود ... ، هل يعني هذا أن ما .. يعني كلمة الوجود من أين جاءت بارك الله فيك فبين لنا؟ الشيخ: البيان واقع بارك الله فيك، ألست تفرق كما يترشح من كلامك، ولو كنت تدندن على خلاف ذلك، ألا تفرق بين قول من يقول في الوجود الآن، وبين من يقول في الوجود مطلقاً دون أن يقيده بالآن، ألا تفرق معي بين الأمرين؟ قل: بلى أفرق. مداخلة: أفرق بارك الله فيك. الشيخ: اصبر للتتمة: الوجود هو موجود الآن أو منذ خلق الله الكون فهو الموجود وهو الوجود، أليس كذلك، فإذا إشكالك بارك الله فيك لفظي وليس معنوياً، كان يكون معنوياً لو قال القائل في الوجود الآن، فيكون قوله باطلاً، أما في الوجود والوجود هو منذ قال الله: كن فكان الوجود، فالله هو معبود بحق دائماً وأبداً، فكلمة الوجود لا تعني التقييد الذي ألقي في بالك ودفعك انتماؤك

стр. 553

للمعنى أن أيده بلفظ الآن، وهذا اللفظ صحيح لو كان مقيداً في البال وليس باللفظ يكون باطلاً المعنى، لكن كلمة الوجود ليست مقيدة لا ذهناً بالآن ولا لفظاً، ولذلك فلا إشكال في الموضوع. مداخل آخر: بارك الله فيك لفظ موجود وارد. الشيخ: اسمح لي بارك الله فيك، أرجو أن ما تكون المناقشة في الألفاظ، لو قلت لك: لا غبار، فأنت إذا قيل لك نفس الكلام، هل هناك غبار لمن قال: لا معبود بحق في الوجود هل هناك غبار؟ بعد أن عرفت أن الوجود لا يعني الآن، لا غبار إذاً. إذاً: هذه مناقشة في اللفظ ويترتب من ورائها الآن أن بعض إخوانا المطلعين والذين نرجو أن يزيدنا الله وإياه علماً يقول: هذه العبارة موجودة، أنت الذي نفيته وغيرك الآن يثبته، فما حصيلة هذا وهذا؟ لا شيء، على النظام العسكري: مكانك راوح، ما في فائدة، لا معبود في الوجود إلا الله. "الهدى والنور" (٦٥٥/ ٥٠: ٥٥: ٠٠) [١٠٣] باب معنى قوله ﵌: «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة» الشيخ: حديث: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة». أولاً: «من قال» هل يعني مجرد قول، ولا عقيدة؟ عقيدة. أي: إذاً: معنى الحديث: «من قال» معتقداً ليس من قال متلفظاً، هذه ما أظن فيها إشكال عند عامة الناس، لكن انظروا ما يأتي: «من قال لا إله إلا الله» إذاً: المعنى معتقداً، طيب. ولا إله إلا الله فاهماً وإلا بدون فهم؟

стр. 554

مداخلة: فهم. الشيخ: بفهم، هنا هي المشكلة الكبرى: أكثر المسلمين إلى اليوم لا يفهمون معنى لا إله إلا الله، وأنا أعتقد من تقصير الجماعات الإسلامية، التي تكلمنا اليوم بكلام عام حينما تكلمنا عن حديث الفرق الثلاث والستين، الثلاث والسبعين، والفرقة الواحدة هي الناجية أنا أقول الآن: كل الجماعات الإسلامية لا تدندن حول هذه الشهادة الطيبة الكلمة الطيبة، لا تتكلم حولها أبداً وبخاصة أن الله أمر نبيه فقال له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩) ترى فاعلم: هذا أمر بأمر مستحب؟ هذا أمر بأصل الإسلام أصل الإسلام الذي ما بعده قام عليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩) المسلمون اليوم لا يعلمون كما أمرهم الله معنى هذه الشهادة التي قال الرسول «دخل الجنة»، والآن نمضي ولا نقف هنا، نفترض الآن أن زيداً من الناس علم معنى لا إله إلا الله والمعنى الملخص هو: أنه لا معبود بحق في الوجود وفي الكون كله إلا الله أي: كما جاء في بعض الأحاديث: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما سواه» ما عد يفكر أنه يعتقد أن الله واحد في ذاته وواحد في عبادته وواحد في أسمائه وصفاته، يجب أن يكفر بكل ما على الأرض قديماً وحديثاً من المعبودات بالباطل حينئذ هذا يكون قد علم معنى لا إله إلا الله. الآن نفترض زيد من الناس فهم المعنى الصحيح لـ «فعلم أنه لا إله إلا الله» والرسول ﵌ يقول: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة». لاشك دخل الجنة إذا مات على ذلك، فمن يضمن أن يموت على ذلك؟ إذاً: مجرد القول بالشهادة والاعتقاد بالشهادة مع الفهم للشهادة ليس معناها: دخل الجنة يقيناً إلا بشرط أن يموت على ذلك، ولذلك قال ﵇: «من مات» في

стр. 555

حديث آخر: «وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة». وفي أحاديث أخرى: «مخلصاً من قلبه» هذا يعني: المعاني التي أشرنا إليها آنفاً طيب, ولو فعل تسعاً وتسعين معصية جمع كل هذه الشروط، فهل يدخل الجنة ولو فعل كل هذه المعاصي؟ الجواب: نعم. أيضاً: الجواب: نعم. لأنه هذا وقع كان رسول الله ﵌ يوماً خارج المدينة ومعه أبو ذر فأوقفه في المكان، وابتعد قليلاً فسمع صوتاً أبو ذر سمع صوتاً وهو في المكان الذي أوقفه الرسول ﵇ فيه أو عليه، ثم رجع الرسول ﵌ إليه فقال ﵇: «آتاني جبريل آنفاً فبشرني وقال لي: بشر أمتك أن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، قال الرسول ﵌ قلت: يا جبريل؟ وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق». لما روى الحديث رسول الله إلى أبي ذر عن جبريل مع أن الرسول سأل وإن زنى وإن سرق وأجابه جبريل: وإن زنى وإن سرق يعني: هذا هو الأمر فقال أبو ذر بدوره للرسول ﵇: «وإن زنى وإن سرق» ماذا يسع الرسول أن يقول بعد أن الرسول مرسل من الله جبريل إلى محمد ويقول له: بشر ويسأل الرسول ﵌ جبريل يقول له: وإن زنى وإن سرق؟ يعطي الجواب: وإن زنى وإن سرق، ماذا يسعه إذا قال أبو ذر للرسول مثلما قال الرسول لجبريل يقول له: «وإن زنى وإن سرق» لكن لا يزال في شيء قال له: «وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق رغم أنفك يا أبا ذر» هذا شيء عظيم جداً، ما معنى إذاً الحديث في النهاية؟ تفصيل الحديث إذا توفرت الشروط الذي ذكرناها كلها وفيها هذا السؤال والجواب: وإن زنى وإن سرق. إذاً: مصير هذا الموحِّد مصيره أي: عاقبة أمره: أن يدخل الجنة، لكن هذا لا

стр. 556

يعني أنه لا يحاسب، ولا يعني أنه لا يعزر إلا أن يشمله الله بمغفرته ورحمته. إذاً: فتأكيد الرسول ﵇ تبعاً لجبريل بقوله: «وإن زنى وإن سرق» يعني: أن هذه الشهادة تنفع قائلها والمعتقد بها يوم القيامة حتى لو فعل ما فعل، لكن كونه يحاسب أو كونه يعذب على ما اجترح من المعاصي هذا أمر ثاني، هذا يبقى مطوياً لماذا؟ لأن الله هو وحده الذي يعلم حقيقة كل من يشهد أن لا إله إلا الله هل يا تُرى! قام بحقها قام بواجبها، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» وحسابهم على الله إلا بحقها. ترى! هل هؤلاء الذين يقولون: لا إله إلا الله بعد الشروط والأوصاف التي قلناها آنفاً على التسلسل السابق قاموا بحق هذه الكلمة الطيبة أم لا؟ فإن كانوا قاموا بحق هذه الكلمة فهم الذين يدخلون الجنة بدون عذاب، لكن لا نقول: بدون حساب. والرسول ﵇ يقول في الحديث الصحيح في البخاري: «من نوقش الحساب عذب» (١). إذاً: هؤلاء المسلمون الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وتحققت الأوصاف

стр. 557

التي ذكرناها كلها وقاموا بحقها حقها طبعاً: القيام بما فرض الله والاجتناب عما نهى الله، وهذا باب واسع جداً جداً، فإذا قاموا بالحق دخلوا الجنة بدون عذاب، لكن ليس معنى ذلك: بدون حساب لماذا؟ لأن دخول الجنة بدون حساب يتطلب القيام ببعض الفضائل من الأعمال، وتصوروا لا يمكن لحاسوب لكمبيوتر مهما كان ضخماً مهما كان دقيقاً أن يعطينا عدد أهل الجنة، سيكون عددهم من يوم خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة ملايين البلايين إلى آخره لا يعلم عددهم إلا الله منها البلايين البلايين الذين يدخلون الجنة فكم عدد الذين يدخلون الجنة بدون حساب؟ سبعون ألفاً سبعون ألف فقط يدخلون الجنة بدون حساب طبعاً ولا عذاب، قال ﵊ ذات وهو في المسجد: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب وجوههم كالقمر ليلة البدر» (١) ودخل إلى الحجرة وترك الناس بعد أن ألقى فيهم هذا الحديث فأخذوا يتحزرون حزيرة مَنْ هؤلاء؟ هنيئاً لهم من يكون هؤلاء؟ واحد يقول هؤلاء .. الذي تركوا بلادهم وأموالهم وعيالهم، وهاجروا من مكة إلى المدينة. آخر يقول: لا. هؤلاء الأنصار الذين نصروا رسول الله ﵌ في ساعة العسرة. القول الثالث يقول: لا، لا أنت ولا أنت هؤلاء أولادنا الذي يأتوا من بعدنا الذين آمنوا بنبينا ما شافوه، وهم عم يتحزروا من التحازير دخل عليهم الرسول ﵇، حكمة بالغة أسلوب عظيم جداً في وعظ الناس قال لهم: «هم الذين» هنا الشاهد: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون».

стр. 558

هم الذين لا يسترقون ما معنى لا يسترقون ما يأتي الواحد إلى عند الشيخ يا شيخ من فضلك كَبِّسْني ارقيني لا، إنما هو يدعو الله بنفسه، والله يستجيب دعوة المضطر إذا دعاه، أما يلجأ للشيخ حط واسطة بينه وبين ربه مع أن الواسطة هذه ما هي شرك، ولا هي منكرة، لكن ما هي فاضلة هي مرذولة لا تطلب من الشيخ أنه يرقيك، «هم الذين لا يسترقون». لا يطلبون الرقية من أحد أبداً، يتوكل على الله بعد أن يتخذ الأسباب المشروعة من التعويذات الواردة في السنة الصحيحة وهكذا. «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون» الكي؛ عرف العرب بطب الكي منذ قديم إلى اليوم، والحقيقة: أن النبي ﵌ مدح الكي كوسيلة طبية عربية، وذكر في بعض الأحاديث. الخلاصة: أن الرسول ﵇ أحسن الثناء كعلاج على الكي، لكنه قال في آخر الحديث: «وأنهى أمتي عن الكي» (١) لماذا؟ لأنه تعذيب بالنار، ولا يعذب بالنار إلا رب النار، ولذلك روى في زمن علي رضي الله تعالى عنه أن بعض الشيعة غلوا فيه واعتقدوا فيه نوع من الإلوهية فارتدوا بذلك عن دينهم فأمر بحرقهم بالنار، ولما بلغ خبره إلى عبد الله بن عباس قال: «لو علمت ذلك لمنعته من أن يعذبهم بالنار؛ لأني سمعت رسول الله ﵌ يقول: لا يعذب بالنار إلا رب النار». فمن أجل أن الكي فيه تعذيب بالنار نهى مع أنه فيه فائدة للمعالجة لبعض

стр. 559

الأمراض. قال: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». التطير معروف عندكم وهو: التشاؤم، وهذا مع الأسف يعني: منتشر بين المسلمين بسبب جهلهم بدينهم، ورجوعهم إلى الجاهلية القديمة بسبب أنهم ما تثقفوا بثقافة الإسلام الصحيحة. ومثل هذا التطير مثله تماماً: الطيرة، الطيرة واستعمال بعض الأمور لدفع الشر العين زعموا، فأنتم تشوفون اليوم كثيراً من أصحاب السيارات الجديدة الفارهة يعلقون في دبرها: نعلاً، والنعل هذه كلما كانت عتيقة ومهرية كلما كانت تدفع الأثر أثر العين عن هذه السيارة الجديدة هذا منتهى الجهل. الطيرة في الإسلام: محرمة وهي مشتقة من الطير، وكانت من عادات الجاهلية، الجاهلية الحقيقة: .. وفيهم بلاهة متناهية، من هذه البلاهة المتناهية: أنه الواحد منهم إذا عزم على السفر وتهيأ للسفر، وحَضَّرَ الزاد والمزاد وكل شيء ما بقي إلا يركب الناقة أو الجمل ويركب ومشي شوية ويطار طيراً منه، هذا الطير إذا أخذ يميناً خلاص هذه سفرة مباركة، وإذا أخذ يساراً هذه سفرة مشئومة، من هنا سميت الطيرة؛ لأن لها علاقة بالطير الذي كان يتشاءم به الجاهلي يا ترى عقل هذا الإنسان! وإلا إذا صح التعبير عُقيل هذا الحوين الصغير وهو الطير لاشك في ذلك، الله كما قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: ٧٠). لاشك أن هذا الإنسان خير من هذا الطير، كيف صار الطير الصغير قائد لهذا

стр. 560

الإنسان الكبير! هذا من عجائب ما وصل به انحطاط العقل الجاهلي. طيب. ما بالكم اليوم يا معشر المسلمين رجعتم إلى الجاهلية فبتعلقوا هذا النعل من أجل المحافظة على السيارة ما تأثير هذا؟ قال: يرد العين ... النعل الذي ترد العين؟! ما يرد العين إلا الله، وإلا ما شرع الله، وهكذا. "الهدى والنور" (٢٠٦/ ٢٤: ٢٧: ٠٠) [١٠٤] باب هل نسخت الأحاديث الواردة فيمن قال لا إله إلا الله وأنه يدخل الجنة ؟ عن أنس ﵁ أن النبي ﵌ ومعاذ رديفه على الرحل قال: يا معاذ بن جبل. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثاً. قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار قال يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذاً يتكلوا، وأخبر بها معاذ عند موته تأثماً. رواه البخاري ومسلم. [قال المنذري]: تأثما أي تحرجاً من الإثم، وخوفاً منه أن يلحقه إن كتمه. قال المملي عبد العظيم: وقد ذهب طوائف من أساطين أهل العلم إلى أن مثل هذه الإطلاقات التي وردت فيمن قال لا إله إلا الله دخل الجنة أو حرم الله عليه النار ونحو ذلك، إنما كان في ابتداء الإسلام حين كانت الدعوة إلى مجرد

стр. 561

الإقرار بالتوحيد، فلما فرضت الفرائض وحُدَّت الحدود نسخ ذلك، والدلائل على هذا كثيرة متظاهرة، وقد تقدم غير ما حديث يدل على ذلك في كتاب الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ويأتي أحاديث أخر متفرقة إن شاء الله. [فعلق الإمام قائلاً]: قلت: الأحاديث التي أشار إليها المؤلف ﵀ ليس فيها ما يدل على النسخ المُدَّعى، وإنما فيها وجوب أشياء لم تذكر في أحاديث الباب، وهذا لا يستلزم النسخ كما لا يخفى، كيف ومن رواتها أبو هريرة، وصحبته متأخرة عن أكثر الفرائض؟! فإنه أسلم قبل وفاته ﵌ بثلاث سنوات! وقصته مع عمر في منعه إياه أن يبلغ الناس فضل الشهادة، إنما كانت في المدينة حينما دخل حائطاً للأنصار يبتغي رسول الله ﵌ وهي معروفة في «صحيح مسلم» (١/ ٤٤) وغيره، وفي المسند نحوها بين أبي موسى الأشعري وعمر أيضاً، وكان قدومه في السنة التي قدم فيها أبو هريرة كما في الفتح، وقد خرجتها في «الصحيحة» (١٣١٤)، وفيه قصة أخرى بين جابر وعمر، من حديث جابر نفسه، وهو أنصاري مما يؤكد أن القصة وقعت في المدينة، وأن الحديث غير منسوخ، فراجع تمام هذا في المصدر المذكور آنفاً. "التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٦٢٣ - ٦٢٤). [١٠٥] باب هل هناك ممن يقول: «لا إله الله» من يدخل النار أولا ؟ سؤال: بالنسبة يا شيخ المسلم الذي يعني يدخل النار ثم يخرج بالشفاعة. الشيخ: نعم. مداخلة: يدخل النار ثم يخرج بالشفاعة.

стр. 562

الشيخ: أيوه. مداخلة: هل هذا محققاً لقول النبي ﵌: «من قال لا إله إلا الله صدقاً دخل الجنة»؟ الشيخ: طبعاً؛ لأنه ليس المقصود من الحديث يدخل الجنة ترانزيت. مداخلة: أي نعم. "الهدى والنور" (٧١٩/ ١٠: ٤٣: ٠٠) [١٠٦] باب محمد عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد [قال الإمام]: محمد عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد في الجزيرة. "الصحيحة" (٥/ ٣٠٥) [١٠٧] باب السلامة من الشرك أهم ما في العقيدة [تكلم الإمام على أنواع الشرك في تعليقه على متن الطحاوية ثم قال]: فاحفظ هذا فإنه أهم شيء في العقيدة. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٩). [١٠٨] باب التحذير من الشرك وبيان أنه أكبر الكبائر [قال الإمام]: إن مما يجب ذكرهُ وبيانه بهذه المناسبة: أن استحلال المحارم المهلك يكون على وجهين اثنين:

стр. 563

الأول: ارتكاب المحارم مع العلم بحرمتها، وهذا أمر مشاهد فاشٍ مع الأسف الشديد بين المسلمين اليوم بكل أشكاله وأنواعه حتى أكبر الكبائر ألا وهو الإشراك بالله ، الذي يتجلى واضحاً في بعض الجماعات أو الأفراد الذين ينادون في الشدائد، ويستغيثون بالله وينذرون ويذبحون لغير الله فضلاً عن أن أكثرهم يحلفون بغير الله كل هذه من الشرك .. من أنواع الشرك الفاشية اليوم بين المسلمين وأكثرهم لا أقول: أكثر عامتهم، بل أقول: أكثر خاصتهم لا يدندنون حول التحذير من هذه الأنواع من الشركيات والوثنيات، هذا أكبر الكبائر كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة، الإشراك بالله ، ومنها قتل النفس بغير حق، وعقوق الوالدين، وأكل الربا وما أدراكم ما أكل الربا فقد انتشر أيضاً في هذا الزمان بسبب قيام ما يسمونه بالبنوك، وكذلك من الكبائر شرب الخمر وتبرج النساء وبناء المساجد على القبور وغيرها كثير وكثير. والقسم الآخر من المحارم المحرمة: ارتكابها دون معرفة حكمها أو حرمتها؛ وذلك للجهل بها، وهذا بلا شك شر منتشر أيضاً بين كثير من المسلمين، وإما باستحلالها بطريق الاحتيال عليها على نحو احتيال اليهود على صيد السمك المذكور في القرآن كما هو معلوم مشهور، وكاحتيالهم على أكلهم الشحوم، كما في قوله ﵌ في الحديث الصحيح: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» (١) هذا الحديث من الأحاديث التي قلما نسمعها من ألسنة الخطباء والوعاظ وهو من الأحاديث المهمة جداً جداً التي تحذر المسلمين أن يقعوا فيما وقع فيه اليهود من قبلهم، وحذرهم رسول الله ﵌ من أن يقعوا في مثل ما وقعوا هم فيه في الحديث

стр. 564

الذي أخرجه البخاري وغيره في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن!» أو قال: «فمن الناس!» (١). وأقول محذراً: وهذا النوع من الارتكاب والاستحلال لما حرم الله بأدنى الحيل قد وقع أيضاً فيه كثير من المسلمين في بعض معاملاتهم وعقودهم: من أشهر ذلك نكاح التحليل الملعون فاعله، في السنة الصحيحة بقوله ﵌: «لعن الله المحلل والمحلل له» (٢) ومع ذلك فلا يزال في المسلمين اليوم بعض المتفقهة يجيزون نكاح التحليل رغم لعن النبي ﵌ فاعله كمثل ما سمعتم آنفاً. "الهدى والنور" (٦٩٠/ ٢٥: ٢١: ٠٠) [١٠٩] باب بيان خطر الشرك [قال رسول الله ﵌]: «من لقي الله لا يشرك به شيئاً، يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان غفر له». قلت: أفلا أبشرهم يا رسول الله؟ قال: «دعهم يعملوا». [قال الإمام]: قلت: وفي الحديث دلالة ظاهرة على أن المسلم لا يستحق مغفرة الله إلا إذا لقى الله ولم يشرك به شيئاً، ذلك لأن الشرك أكبر الكبائر كما هو معروف

стр. 565

في الأحاديث الصحيحة. ومن هنا يظهر لنا ضلال أولئك الذين يعيشون معنا ويصلون صلاتنا ويصومون صيامنا، و .... ولكنهم يواقعون أنواعاً من الشركيات والوثنيات كالاستغاثة بالموتى من الأولياء والصالحين ودعائهم في الشدائد من دون الله والذبح لهم والنذر لهم ويظنون أنهم بذلك يقربونهم إلى الله زلفى، هيهات هيهات. ﴿ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار﴾! فعلى كل من كان مبتلى بشيء من ذلك من إخواننا المسلمين أن يبادروا فيتوبوا إلى رب العالمين ولا سبيل إلى ذلك إلا بالعلم النافع المستقى من الكتاب والسنة. وهو مبثوث في كتب علمائنا رحمهم الله تعالى، وبخاصة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية ومن نحا نحوهم وسار سبيلهم، ولا يصدنهم عن ذلك بعض من يوحي إليهم من الموسوسين بأن هذه الشركيات إنما هي قربات وتوسلات، فإن شأنهم في ذلك شأن من أخبر عنهم النبي ﵌ ممن يستحلون بعض المحرمات بقوله " يسمونها بغير اسمها ". هذه نصيحة أوجهها إلى من يهمه أمر آخرته من إخواننا المسلمين المضللَّين، قبل أن يأتي يوم يحق فيه قول رب العالمين في بعض عباده الأبعدين: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾. "الصحيحة" (٣/ ٣٠٠ - ٣٠٢). [١١٠] باب عظم خطر الكفر والشرك [قال رسول الله ﵌]: «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار».
следующие страницы →