← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الإقرار بالتوحيد، فلما فرضت الفرائض وحُدَّت الحدود نسخ ذلك، والدلائل على هذا كثيرة متظاهرة، وقد تقدم غير ما حديث يدل على ذلك في كتاب الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ويأتي أحاديث أخر متفرقة إن شاء الله. [فعلق الإمام قائلاً]: قلت: الأحاديث التي أشار إليها المؤلف ﵀ ليس فيها ما يدل على النسخ المُدَّعى، وإنما فيها وجوب أشياء لم تذكر في أحاديث الباب، وهذا لا يستلزم النسخ كما لا يخفى، كيف ومن رواتها أبو هريرة، وصحبته متأخرة عن أكثر الفرائض؟! فإنه أسلم قبل وفاته ﵌ بثلاث سنوات! وقصته مع عمر في منعه إياه أن يبلغ الناس فضل الشهادة، إنما كانت في المدينة حينما دخل حائطاً للأنصار يبتغي رسول الله ﵌ وهي معروفة في «صحيح مسلم» (١/ ٤٤) وغيره، وفي المسند نحوها بين أبي موسى الأشعري وعمر أيضاً، وكان قدومه في السنة التي قدم فيها أبو هريرة كما في الفتح، وقد خرجتها في «الصحيحة» (١٣١٤)، وفيه قصة أخرى بين جابر وعمر، من حديث جابر نفسه، وهو أنصاري مما يؤكد أن القصة وقعت في المدينة، وأن الحديث غير منسوخ، فراجع تمام هذا في المصدر المذكور آنفاً. "التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٦٢٣ - ٦٢٤). [١٠٥] باب هل هناك ممن يقول: «لا إله الله» من يدخل النار أولا ؟ سؤال: بالنسبة يا شيخ المسلم الذي يعني يدخل النار ثم يخرج بالشفاعة. الشيخ: نعم. مداخلة: يدخل النار ثم يخرج بالشفاعة.

стр. 562

الشيخ: أيوه. مداخلة: هل هذا محققاً لقول النبي ﵌: «من قال لا إله إلا الله صدقاً دخل الجنة»؟ الشيخ: طبعاً؛ لأنه ليس المقصود من الحديث يدخل الجنة ترانزيت. مداخلة: أي نعم. "الهدى والنور" (٧١٩/ ١٠: ٤٣: ٠٠) [١٠٦] باب محمد عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد [قال الإمام]: محمد عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد في الجزيرة. "الصحيحة" (٥/ ٣٠٥) [١٠٧] باب السلامة من الشرك أهم ما في العقيدة [تكلم الإمام على أنواع الشرك في تعليقه على متن الطحاوية ثم قال]: فاحفظ هذا فإنه أهم شيء في العقيدة. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٩). [١٠٨] باب التحذير من الشرك وبيان أنه أكبر الكبائر [قال الإمام]: إن مما يجب ذكرهُ وبيانه بهذه المناسبة: أن استحلال المحارم المهلك يكون على وجهين اثنين:

стр. 563

الأول: ارتكاب المحارم مع العلم بحرمتها، وهذا أمر مشاهد فاشٍ مع الأسف الشديد بين المسلمين اليوم بكل أشكاله وأنواعه حتى أكبر الكبائر ألا وهو الإشراك بالله ، الذي يتجلى واضحاً في بعض الجماعات أو الأفراد الذين ينادون في الشدائد، ويستغيثون بالله وينذرون ويذبحون لغير الله فضلاً عن أن أكثرهم يحلفون بغير الله كل هذه من الشرك .. من أنواع الشرك الفاشية اليوم بين المسلمين وأكثرهم لا أقول: أكثر عامتهم، بل أقول: أكثر خاصتهم لا يدندنون حول التحذير من هذه الأنواع من الشركيات والوثنيات، هذا أكبر الكبائر كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة، الإشراك بالله ، ومنها قتل النفس بغير حق، وعقوق الوالدين، وأكل الربا وما أدراكم ما أكل الربا فقد انتشر أيضاً في هذا الزمان بسبب قيام ما يسمونه بالبنوك، وكذلك من الكبائر شرب الخمر وتبرج النساء وبناء المساجد على القبور وغيرها كثير وكثير. والقسم الآخر من المحارم المحرمة: ارتكابها دون معرفة حكمها أو حرمتها؛ وذلك للجهل بها، وهذا بلا شك شر منتشر أيضاً بين كثير من المسلمين، وإما باستحلالها بطريق الاحتيال عليها على نحو احتيال اليهود على صيد السمك المذكور في القرآن كما هو معلوم مشهور، وكاحتيالهم على أكلهم الشحوم، كما في قوله ﵌ في الحديث الصحيح: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» (١) هذا الحديث من الأحاديث التي قلما نسمعها من ألسنة الخطباء والوعاظ وهو من الأحاديث المهمة جداً جداً التي تحذر المسلمين أن يقعوا فيما وقع فيه اليهود من قبلهم، وحذرهم رسول الله ﵌ من أن يقعوا في مثل ما وقعوا هم فيه في الحديث

стр. 564

الذي أخرجه البخاري وغيره في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن!» أو قال: «فمن الناس!» (١). وأقول محذراً: وهذا النوع من الارتكاب والاستحلال لما حرم الله بأدنى الحيل قد وقع أيضاً فيه كثير من المسلمين في بعض معاملاتهم وعقودهم: من أشهر ذلك نكاح التحليل الملعون فاعله، في السنة الصحيحة بقوله ﵌: «لعن الله المحلل والمحلل له» (٢) ومع ذلك فلا يزال في المسلمين اليوم بعض المتفقهة يجيزون نكاح التحليل رغم لعن النبي ﵌ فاعله كمثل ما سمعتم آنفاً. "الهدى والنور" (٦٩٠/ ٢٥: ٢١: ٠٠) [١٠٩] باب بيان خطر الشرك [قال رسول الله ﵌]: «من لقي الله لا يشرك به شيئاً، يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان غفر له». قلت: أفلا أبشرهم يا رسول الله؟ قال: «دعهم يعملوا». [قال الإمام]: قلت: وفي الحديث دلالة ظاهرة على أن المسلم لا يستحق مغفرة الله إلا إذا لقى الله ولم يشرك به شيئاً، ذلك لأن الشرك أكبر الكبائر كما هو معروف

стр. 565

في الأحاديث الصحيحة. ومن هنا يظهر لنا ضلال أولئك الذين يعيشون معنا ويصلون صلاتنا ويصومون صيامنا، و .... ولكنهم يواقعون أنواعاً من الشركيات والوثنيات كالاستغاثة بالموتى من الأولياء والصالحين ودعائهم في الشدائد من دون الله والذبح لهم والنذر لهم ويظنون أنهم بذلك يقربونهم إلى الله زلفى، هيهات هيهات. ﴿ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار﴾! فعلى كل من كان مبتلى بشيء من ذلك من إخواننا المسلمين أن يبادروا فيتوبوا إلى رب العالمين ولا سبيل إلى ذلك إلا بالعلم النافع المستقى من الكتاب والسنة. وهو مبثوث في كتب علمائنا رحمهم الله تعالى، وبخاصة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية ومن نحا نحوهم وسار سبيلهم، ولا يصدنهم عن ذلك بعض من يوحي إليهم من الموسوسين بأن هذه الشركيات إنما هي قربات وتوسلات، فإن شأنهم في ذلك شأن من أخبر عنهم النبي ﵌ ممن يستحلون بعض المحرمات بقوله " يسمونها بغير اسمها ". هذه نصيحة أوجهها إلى من يهمه أمر آخرته من إخواننا المسلمين المضللَّين، قبل أن يأتي يوم يحق فيه قول رب العالمين في بعض عباده الأبعدين: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾. "الصحيحة" (٣/ ٣٠٠ - ٣٠٢). [١١٠] باب عظم خطر الكفر والشرك [قال رسول الله ﵌]: «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار».

стр. 566

[قال الإمام]: في هذا الحديث فائدة هامة أغفلتها عامة كتب الفقه، ألا وهي مشروعية تبشير الكافر بالنار إذا مُرَّ بقبره، ولا يخفى ما في هذا التشريع من إيقاظ المؤمن وتذكيره بخطورة جرم هذا الكافر حيث ارتكب ذنباً عظيماً تهون ذنوب الدنيا كلها تجاهه ولو اجتمعت، وهو الكفر بالله والإشراك به، الذي أبان الله تعالى عن شدة مقته إياه حين استثناه من المغفرة فقال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، ولهذا قال ﵌: «أكبر الكبائر أن تجعل لله ندا وقد خلقك» متفق عليه. وإن الجهل بهذه الفائدة مما أودى ببعض المسلمين إلى الوقوع في خلاف ما أراد الشارع الحكيم منها، فإننا نعلم أن كثيراً من المسلمين يأتون بلاد الكفر لقضاء بعض المصالح الخاصة أو العامة، فلا يكتفون بذلك حتى يقصدوا زيارة بعض قبور من يسمونهم بعظماء الرجال من الكفار ويضعون على قبورهم الأزهار والأكاليل ويقفون أمامها خاشعين محزونين، مما يشعر برضاهم عنهم وعدم مقتهم إياهم، مع أن الأسوة الحسنة بالأنبياء ﵈ تقضي خلاف ذلك كما في هذا الحديث الصحيح واسمع قول الله : ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤ منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا .. ﴾ الآية، هذا موقفهم منهم وهم أحياء فكيف وهم أموات؟! "الصحيحة" (١/ ١/٥٥، ٥٧ - ٥٨)

стр. 567

[١١١] باب بيان خطورة الشرك بالله، وأثر ذلك على العبادات كالحج [قال الإمام في مقدمة «حجة النبي ﵌»]: لابد لي من أن أحذر من بعض المعاصي التي يكثر ابتلاء الناس بها، ويُحرِمون بالحج ولا يشعرون إطلاقًا بأن عليهم الاقلاع عنها، ذلك لجهلهم وغلبة الغفلة عليهم، وتقليدهم لآبائهم. ١ - الشرك بالله : فإن من أكبر المصائب التي أصيب بها بعض المسلمين جهلهم بحقيقة الشرك الذي هو أكبر الكبائر، ومن صفته أنه يحبط الأعمال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (محمد: ٦٥). فقد رأينا كثيراً من الحجاج يقعون في الشرك وهم في بيت الله الحرام، وفي مسجد النبي ﵊، يتركون دعاء الله والاستغاثة به، إلى الاستعانة بالأنبياء والصالحين ويحلفون بهم، ويدعونهم من دون الله ، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر:١٤). والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً، وفي هذه كفاية لمن فتح قلبه للهداية. إذ ليس الغرض الآن البحث العلمي في هذه المسألة, وإنما هو التذكير فقط. فليت شعري ماذا يستفيد هؤلاء من حجهم إلى بيت الله الحرام، إذا كانوا يصرّون على مثل هذا الشرك، ويغيرون اسمه، فيسمونه: توسلاً، وشفعاً، وواسطة!

стр. 568

أليست هذه الوساطة هي التي ادعاها المشركون من قبل يبررون بها شركهم وعبادتهم لغيره ﵎: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ (الزُّمر: ٣). فيا أيها الحاج، قبل أن تعزم على الحج، يجب عليك وجوباً عينياً أن تبادر إلى معرفة التوحيد الخالص وما ينافيه من الشرك، وذلك بدراسة كتاب الله وسنة نبيه ﵌، فإن من تمسك بهما نجا، ومن حاد عنهما ضل. والله المستعان. "حجة النبي ﵌ " (ص ٦ - ٨). [١١٢] باب الشرك هو الكفر [قال الإمام]: الشرك .. هو الكفر ولا فرق بينهما شرعاً، فكل كفر شرك، وكل شرك كفر، كما يدل عليه محاورة المؤمن صاحب الجنتين المذكورة في سورة (الكهف).فتنبه لهذا فإنه به يزول عنك كثير من الإشكالات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٧٣). [١١٣] باب كل كفر شرك [روي عن النبي ﵌]: «إنَّا جِئْنَاكُمْ لِخَيْرٍ، (يعني: اليهودَ) إنَّا أَهْلُ الْكِتَابِ، وَأَنْتُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَإِنَّ لِأَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ النَّصْرَ، وَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَدْ أَقْبَلَ إلَيْنَا بِجَمْعٍ مِنْ النَّاسِ، فَإِمَّا قَاتَلْتُمْ مَعَنَا، وَإِمَّا أَعَرْتُمُونَا سِلَاحاً». (منكر).

стр. 569

[قال الإمام]: أخرجه أبو جعفر الطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠) عن عبد الرحمن بن شريح: أنه سمع الحارث بن يزيد الحضرمي يحدث عن ثابت بن الحارث الأنصاري عن بعض من كان مع رسول الله ﵌ قال: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّه ِ ﵌ جَمْعُ أَبِي سُفْيَانَ لِيَخْرُجَ إلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ؛ فَانْطَلَقَ إلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بالنَّضِيرِ، فَوَجَدَ مِنْهُمْ نَفَراً عِنْدَ مَنْزِلِهِمْ فَرَحَّبُوا، فَقَالَ لهم: ... فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات غير ثابت بن الحارث الأنصاري؛ فإنه غير معروف بعدالة أو جرح، ولم يورده أحد من أئمة الجرح والتعديل غير ابن أبي حاتم برواية الحارث بن يزيد هذا فقط عنه، وبيَّض له. وقد ذكر ابن هشام في "السيرة" (٣/ ٨) عن محمد بن إسحاق عن الزهري: أن الأنصار يوم أحد قالوا لرسول الله: يا رسول الله! ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ فقال: "لا حاجة لنا فيهم ". وذكر نحوه ابن كثير في "البداية" (٤/ ١٤)، ومن قبله ابن القيم في "زاد المعاد"، وهو الموافق لحديث عائشة الصحيح: " إنا لا نستعين بمشرك أو بالمشركين ". وهو مخرج في "الصحيحة " (١١٠١) كما تقدم قريباً. وعليه فإني أقول: إذا تبين لك ضعف حديث الترجمة، وما فيه من عرضه ﵌ على اليهود أن يقاتلوا معه؛ فلا حاجة حينئذٍ إلى التوفيق بينه وبين حديث عائشة الصحيح كما فعل الطحاوي حين قال: "لأن اليهود الذين دعاهم النبي ﵌ إلى قتال أبي سفيان معه؛ ليسوا من المشركين الذين قال رسول اللَّهِ ﵌ في الآثار الأُوَل: فإنه لا يستعين بهم؛

стр. 570

أولئك عبدة الأوثان، وهؤلاء أهل الكتاب الذين قد ذكرنا مباينة ما هم عليه مما عبدة الأوثان عليه في الباب الذي تقدم قبل هذا ... ". قلت: يشير إلى بعض الأحكام التي خص بها أهل الكتاب دون المشركين كحل ذبائحهم، ونكاح نسائهم، وغيرها مما بعضه موضع نظر، وبنى على ذلك قوله (ص ٢٣٤): "فكان كل شرك بالله كفراً، وليس كل كفر بالله شركاً"! فأقول: لو سلمنا جدلاً بقوله هذا؛ فلا حاجة للتأويل المذكور لأمرين اثنين: الأول: أن التأويل فرع التصحيح كما هو معلوم، وما دام أن الحديث غير صحيح كما بينا؛ فلا مسوغ لتأويل الحديث الصحيح من أجله كما هو ظاهر لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى. والآخر: كيف يصح أن يقال في اليهود والنصارى: إنهم ليسوا من المشركين، والله قال في سورة التوبة بعد آية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ... ﴾: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. فمن جعل لله ابناً؛ كيف لا يكون من المشركين؟! هذه زَلَّة عجيبة من مثل هذا الإمام الطحاوي. ولا ينافي ذلك أن لهم تلك الأحكام التي لا يشاركهم فيها غير أهل الكتاب من المشركين؛ فإنهم يشتركون جميعاً في أحكام أخرى-كما لا يخفى على أولي النُّهى-. وقد لا يعدم الباحث الفقيه- الذي نجَّاه الله من التقليد- في الكتاب والسنة ما

стр. 571

يؤكد ما تقدم، ويبطل قول الطحاوي السابق: " ... وليس كل كفر بالله شركاً"من ذلك تلك المحاورة بين المؤمن والكافر الذي افتخر بماله وجنَّتيه؛ كما قال في سورة الكهف؛ ﴿ ... وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً. وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً﴾؛ فهذا كفر ولم يشرك في رأي الطحاوي! ولكن السِّياق يردّه؛ فتابع معي قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً. لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾؛ فتأمل كيف وصف صاحبَه الكافر بالكفر، ثم نره نفسه منه معبِّراً عنه بمرادِفِه وهو الشرك؛ فقال: ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾. وهذا الشرك مما وصَف به الكافرُ نفسَه فيما يأتي؛ فتابع قوله تعالى- بعد أن ذكر ما وعظه به صاحبه المؤمن-: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾. قلت: فهذا القول منه- مع سباق القصة- صريح جداً في أن شركه إنما هو شَكُّه في الآخرة، وهذا كفر وليس بشرك في رأي الطحاوي! فهو باطل ظاهر البطلان. وإن مما يؤكد ذلك من السنة قوله ﵌: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» رواه الشيخان وغيرهما عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ، وهو مخرج في "الصحيحة" برقم (١١٣٣)، فإن المراد بهم اليهود والنصارى؛ كما دلت على ذلك أحاديث أخر، منها قوله ﵌: «لئن عشت؛ لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أترك فيها إلا مسلماً». رواه مسلم وغيره وهو مخرج هناك (١١٣٤).

стр. 572

ولما كان حديث ابن عباس حجة قاطعة في الموضوع؛ غمز في صحته الطحاوي تعصباً لمذهبه- مع الأسف-! وزعم أنه وهم من ابن عيينة قال (٤/ ١٦): "لأنه كان يحدث من حفظه؛ فيحتمل أن يكون جعل مكان (اليهود والنصارى): (المشركين) (!) ولم يكن معه من الفقه ما يميزبه بين ذلك "! كذا قال سامحه الله! فإنه يعلم أن تحديث الحافظ الثقة- كابن عيينة-من حفظه ليس بعلة؛ بل هو فخر له، وأن تخطئة الثقة بمجرد الاحتمال ليس من شأن العلماء المنصفين، ولكنها العصبية المذهبية؛ نسأل الله السلامة! وعلى مذهب الطحاوي هذا يمكن أن يغفر الله الكفر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾!! وبهذه الآية احتج ابن حزم ﵀ على أبي حنيفة الذي هو مَتبوعُ الطحاويُ في التفريق المزعوم؛ فقال عقبها (٤/ ٢٤٤): "فلو كان ههنا كفر ليس شركاً؛ لكان مغفوراً لمن شاء الله تعالى بخلاف الشرك، وهذا لا يقوله مسلم ".ثم أتبع ذلك بأدلة أخرى قوية جداً، ثم قال: "فصح أن كل كفر شرك، وكل شرك كفر، وأنهما اسمان شرعيان، أوقعهما الله تعالى على معنى واحد".ولولا خشية الإطالة؛ لنقلت كلامه كله لنفاسته وعزته، فليراجعه من شاء المزيد من العلم والفقه. والخلاصة أن الحديث ضعيف الإسناد، منكر المتن، وأن الاستعانة بأهل الكتاب في جهاد الكفار يشملها قوله ﵌: «إنا لا نستعين بمشرك». ولفظ مسلم (٥/ ٢٠١): «فارجع فلن أستعين بمشرك». "الضعيفة" (١٣/ ١/٢٠٩ - ٢١٣).

стр. 573

[١١٤] باب هل بين الكفر والشرك فرق ؟ الشيخ: الحقيقة شأن كل طالب مبتدئ في العلم وأنا كنت كذلك وربما لا أزال كذلك، كنت أقرأ هذا الحديث ويصير فيه إشكال؛ لأن في بعض الروايات: «ليس بين الكفر والرجل إلا ترك الصلاة فمن ترك الصلاة فقد كفر» (١) في بعض الروايات: «فقد أشرك». مداخلة: سبحان الله العظيم. الشيخ: أتساءل أنا كيف فقد أشرك؟! يا أخي! هذا تارك الصلاة- خاصة الذي يتركها كسلاً- كيف يعني أشرك؟ كنت أظن أنه لعله في وهم من الراوي، أنا طالب علم، بعد ذلك ربنا فتح ولو على سن والحمد لله فعرفت أنه شرعاً خلاف اللغة، لا فرق بين الكفر والشرك، ... (فكل) كفر شرك وكل شرك كفر ولا فرق بينهما شرعاً، أما لغةً فيوجد فرق؛ لأن الكفر في اللغة هو التغطية، أما الشرك فهو جعل الشيء شريكاً لآخر، كالمشركين الذي يجعلون لله أنداداً؛ لكن فيما بعد عرفت أن كل كافر ولو كان غير مشرك لغةً فهو مشرك واقعياً لا يخلو أي كافر إلا أن يكون مشركاً ربنا يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية: ٢٣) اتخذ إلهه هواه، إذاً فكل من يتبع هواه فقد جعله شريكاً مع الله، فإذاً: أي كفر لو واحد أنكر حرف من آية من قرآن كريم هذا معناه أنه حكم عقله، واتخذ عقله إلهاً من هنا جاء الشرك، فإذاً: صدق من قال: كل كفر شرك وكل شرك كفر، ليس كمن يقول ليس كل كفر شرك، كما سمعت من الطحاوي، هذا في الواقع من العلوم النادرة جداً، والتي تحل بها مشاكل كثيرة وكثيرة منها: آية: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ

стр. 574

ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨) أنا قرأت إشكالاً حول هذه الآية في مجلة المنار الذي كان يصدرها السيد: رشيد رضا، جاء عليه اعتراض قال: إن الآية معناها: أن هؤلاء الكفار الأوروبيون الذين يؤمنون بالديانة الطبيعية يسمونها طبيعية يعني أن لهذا الكون خالقاً، وما يعرفون أكثر من ذلك، فيمكن أن هؤلاء الله يغفر لهم؛ لأنهم غير مشركين وما استطاع السيد رشيد رضا يومئذ أن يجيب بجواب كمثل هذا الجواب الذي لو كان يحضره يومئذ كان فصل الخطاب، كل كفر شرك وكل شرك كفر، نعم. "الهدى والنور" (٣٤١/ ٠٥: ٤٩: ٠٠) [١١٥] باب كلمة حول الفرق بين الكفر والشرك سؤال: ... هل الكتابيات اللواتي كُنّ في عهد النبي ﵌ كن ممن كان يقول بأن الله هو عيسى بن مريم. الشيخ: إيه، لا شك، معلوم. مداخلة: وعلى الرغم من ذلك أُحِلَ الزواجُ منهن ولم يكن هذا الزواج مشروطاً بتغيير دينهن إلى الإسلام. الشيخ: نعم. مداخلة: لما تحدثنا على .. أهل الكتاب أنه يفترض أن ذبحهم حلال أهل الكتاب، لأنهم كانوا يذبحون حلالاً ويذكون. الشيخ: نعم. مداخلة: فالآن لا يذبحون إلا خنق فطعامهم ما عاد حلاً لنا.

стр. 575

الشيخ: هو هذا. هن مشركات لكن زائد كتابيات، فكل كتابي مشرك ولكن ليس كل مشرك كتابي، فلتميز الكتابي على المشرك لكونه كتابياً أعطيت له خصوصيات يتميز بها عن المشركين والمشركات. مداخلة: ويجوز أنه ليس كل كتابي مشرك. الشيخ: يجوز هذا، لكن على التعبير الإسلامي الصحيح كل من كفر بالله فهو مشرك، لا تنسى هذه محاضرة كنا ألقيناها ربما أكثر من مرة، تتذكرون هذا؟ كل كافر مشرك، ولو كان هو ليس مشركاً لغة، هل الكلام مفهوم لديك أبو عبد الله. مداخلة: إن شاء الله. الشيخ: سمعت الكلمة في هذا. مداخلة: لا ما سمعت. الشيخ: إذاً لا يكون مفهوم لديك، يكون مفهوم هكذا يعني .. المسألة تريد بحث. الآن أنت تعلم بأن هناك مذهب الطبيعيين الذين يؤمنون بأن لهذا الكون خالقاً، فالضرورة أدتهم إلى أن يعتقدوا بأن لهذا الكون خالقاً، لو أن مسلماً حتى لا نبتعد بالأمثلة، لو أن مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلي ويصوم ما شاء الله عليه، لكن يقول هذه الآية لم تعجبني، هذا كفر، هل هناك شك؟ مداخلة: لا.

стр. 576

الشيخ: لكن أشرك، هذه ليس عندكم خبر بها، كونه كفر لا شك، لكن كونه أشرك تحتاج إلى بيان وتوضيح. الشرك في اللغة أخص من الكفر، فكل مشرك كافر وليس كل كافر مشركاً، فالذي يشهد أن لا إله إلا الله وأنه لا يستحق العبادة سواه، هذا موحد ليس مشركاً، ويؤمن بكل ما جاء من عند الله، لكنه قال: الآية الفلانية لم تعجبني، أو الحديث النبوي ما أعجبني، هذا لغةً: كَفَرَ، لكنه ما أشرك، أما شرعاً فقد أشرك أيضاً، والسبب: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية: ٢٣)، إذاً: هنا صار شرك لأنه جعل هواه إلهاً. إذاً: هو يقول لا إله إلا الله، لكن من حيث واقعه جعل مع الله إلهاً، وليس من الضروري يكون إلهه فرعون أو اللات أو مناة .. إلى آخره، يكفي أن يكون إلهه هواه، من هنا الآن الشرع يجعل كل من كفر بمكفر ما مشركاً، وإليك الآن النص الصريح من القرآن الكريم، قصة المؤمن والملحد الذي أنكر البعث والنشور في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ (الكهف: ٣٢ - ٣٥). هو كفر في هذه الآية، لكن في الآيات التي بعدها سيحكم عليه ربنا بأنه أشرك. ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ

стр. 577

ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف: ٣٥ - ٣٨). فهو قال له: ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾؛ لأنه اعتبره مشركاً حينما قال: ﴿ما أظن أن تبيد هذه أبداً .. وما أظن الساعة قائمة﴾. ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف: ٣٩ - ٤٢). إذاً شركه كان شكه في البعث والنشور، إذاً: الشرع-وقدمت آنفاً التعليل- يعتبر كل كفر شركاً، فهكذا أهل الكتاب هم مشركون، ولو وجد هناك موحدون يعتقدون بأن عيسى ليس ابناً لله، فهو مشرك؛ لأنه ما آمن بالله ورسوله، واضح أظن القصد. مداخلة: هو مشرك لأنه كافر. الشيخ: هذا هو، كل كافر مشرك. "الهدى والنور" (٦٢٦/ ٢٩: ٠٣: ٠٠) و (٦٢٦/ ٣٤: ١٣: ٠٠) [١١٦] باب بيان خطأ مقولة: الخطأ مغفور في الفروع دون الأصول، والتعرض لمسألة التفريق بين الكفر أو الشرك سؤال: يا شيخنا طبعاً ذكرتم أن المنهج الصحيح موجود في القرآن والسنة، وقواعد المنهج معلومة لدينا فهما الكتاب والسنة على فهم الصحابة وما إلى ذلك،

стр. 578

وكُلُّنا يعلم أنكم قد بذلتم جهدكم في سبيل إقامة قواعد هذا المنهج، ولست أنا أشهد أو غيري، ولكن السلسلة الصحيحة تشهد والسلسلة الضعيفة وإرواء الغليل .. وما إلى ذلك من الكتب التي كان هدفها تصفية الدين مما علق به من الشوائب من بدع ومنكرات وأحاديث ضعيفة ومنكرة، فالسؤال يا شيخنا يعني طبعاً على سبيل ضرب المثل الإمام ابن حجر في كتابه «فتح الباري في شرح أحاديث صحيح البخاري» كانت له بعض الزلات في مجال العقيدة، ونبه عليها شيخنا عبد العزيز بن باز في تعليقاته، فالسؤال: طبعاً هو في زلاته هذه يعني خفق في فهم الصحابة، فكانت له زلات في مجال العقيدة، فسؤالي: هل يخرج من المنهج أو زلاته في الاعتقاد تنفي عنه كونه على المنهج الصحيح. هذا السؤال يا شيخ؟ الشيخ: إذا كنا متذكرين جميعاً أن كل بني آدم خطاء، وأن خير الخطائين التوابون، وأن العصمة ليست لأحد بعد رسول الله ﵌، فلا غرابة في أن يخطئ من كان إماماً في دعوة الحق، فإذا أخطأ في مسألة أو أخرى في مسألتين أو ثلاث أو أكثر، فذلك لا يخرجه عن دعوة الحق إذا تبناها، فالحافظ ابن حجر كالإمام النووي وغيره ممن أخطؤوا في بعض المسائل العقدية، كما يقولون اليوم، فذلك لا يخرجهم عن كونهم من أهل السنة والجماعة؛ لأن العبرة بما يغلب على الإنسان من فكر صحيح أو عمل صالح، متى يكون المسلم صالحاً؟ هل يشترط في أن يكون صالحاً: ألا يقع منه أي ذنب أو معصية؟ الجواب: لا، بل من طبيعة الإنسان أن يقع منه الذنب والمعصية مراراً وتكراراً، فمتى يكون العبد صالحاً؟ إذا غلب خيره شره، وصلاحه على ضلاله .. وهكذا، كذلك تماماً يقال في

стр. 579

المسائل العلمية سواء كانت هذه المسائل العلمية مسائل عقدية أو فقهية، فإذا كان هذا العالم يغلب عليه العلم الصحيح فهو الناجي، أما أن له زلة أو زلات في الفقه أو في العقيدة فهذا لا يخرجه عن ما غلب عليه من العقيدة الصحيحة، فابن حجر ما ذكرت من له تلك الزلات فلا يعني ذلك أنه لا ينبغي أن نستفيد من كتابه، وألا نترحم عليه، وألا نحشره في زمرة علماء المسلمين المتمسكين بالكتاب والسنة. كل إنسان يخطئ، ولا مجال [للبراءة] من الخطأ؛ لأن الله حينما خلق ملائكة وخلق بشراً فقد قدر على هؤلاء البشر أن يخطئوا رغم أنوفهم، كما قال ﵊، حديثان مهمان جداً، ولكن حذاري أن يفهم فهماً خاطئاً: الحديث الأول: قال ﵊: «كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدركه لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه» (١)، الشاهد من هذا الحديث: «فهو مدركه لا محالة»، أي: لا يمكن أن يتخلص، لماذا؟ لأنه إنسان ليس مَلَكاً. الحديث الآخر وهو الأهم، قال ﵊: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» (٢)، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يحلون محلكم ويذنبون بخلافكم، فهل أنتم لا تذنبون؟ فهذا قضاء الله قدره، لا بد لجنس البشر من أن يقع في الخطأ الذي لا يحبه الله، لكن هذا

стр. 580

الخطأ قد يكون من الصغائر من اللمم وقد يكون من الكبائر، فسواء كان هذا أو هذا، هذا أمر لا بد منه، ولكن هل معنى الحديث: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»، هل معنى الحديث ومغزى الحديث: الحض على الذنوب وارتكاب المعاصي؟ الجواب: لا، المقصود من الحديث تماماً عاقبته، يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم، ومعنى هذا حينئذ: يا معشر البشر .. كما قال تعالى في الحديث القدسي: «كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم .. » (١) إلى آخر الحديث، الشاهد: أن حديث: «لو لم تذنبوا»، الهدف منه: أيها البشر ما دام أنكم فطرتم على المعصية فلا تتكلوا عليها، وإنما أتبعوها بالمغفرة بالاستغفار؛ حتى تعقبها المغفرة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود: ١١٤)، إذا كان إذاً هذه طبيعة البشر أن يخطئوا في مخالفة النص قصداً وهي الذنوب، وأن يخطئوا في مخالفة النص لا قصداً وإنما لسوء فهم فلا مؤاخذة في ذلك، المؤاخذة متى تكون؟ إذا أقيمت الحجة على إنسان، سواء كانت الحجة في مسألة عقدية فكرية أو كانت الحجة في مسألة فقهية، ثم عاند وأصر على خطئه فهنا تكون المؤاخذة، والعكس لا، أي: إذا إنسان وقع في خطأ عقدي لكنه هو كان حريصاً على معرفة الصواب في تلك العقيدة لكنه لم يوفق إلى ذلك، ولو أقيمت الحجة عليه لرجع إلى الصواب فلا مؤاخذة عليه. لذلك هذا الكلام في الحقيقة يجرنا إلى مسألة من تلك المسائل المنهجية التي يجب أن نعرفها، فإن بعض العلماء، وبخاصة الكُتاب اليوم، يخطئون في هذه

стр. 581

المسألة، كثيراً ما تقرءون أو تسمعون: أن الخطأ في الفهم يغتفر في الفروع وليس في الأصول، هذا خطأ، الخطأ يغتفر مطلقاً، سواء كان في الفروع أو كان في الأصول؛ لأنه عدم المؤاخذة من الله لعباده هو لعدم وجود قصد المخالفة من هذا العبد لربه، فإذا وجدت المخالفة، سواء كانت المخالفة في العقيدة أو في الحكم في الفقه ولم يكن القصد هو العناد والمكابرة والجحد فلا مؤاخذة في ذلك، فالتفريق بين الأصول والفروع، بين العقيدة والفقه في مسألة عدم المؤاخذة بالخطأ في الفروع والمؤاخذة في الأصول، هذا التفريق لا أصل له، فهذا التفريق يشبه تماماً التفريق البدعي الآخر وهو: أنه يجب الأخذ بحديث الآحاد في الفروع ولا يؤخذ بحديث الآحاد في الأصول، هذا خطأ وهذا خطأ. أروي لكم الآن حديثاً من الأحاديث الصحيحة التي أخرجها الشيخان في صحيحهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه ومن حديث حذيفة بن اليمان أيضاً رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﵌ قال: «كان في من قبلكم رجل لم يعمل خيراً قط، فلما حضره الموت جمع بنيه حوله فقال لهم: أي أب لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني مذنب مع ربي، ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً» هل ترونه مؤمناً وهو يقول: (إن قدر الله علي)؟ هذا شك في قدرة الله ، إذاً نستطيع أن نقول: هل أخطأ في الفرع أم أخطأ في أصل الأصول في الله الذي ذكر في خاتمة سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس: ٧٨)؟ هذا الإنسان هو هذا الذي عناه الله في هذا المثال، قال هذا الرجل: «ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً» يعترف بأنه كان مخطئاً مع ربه، وأن الله إذا عذبه يكون عادلاً؛ لأنه كان مخطئاً معه، فللخلاص من عذابه دار في ذهنه مخرج مخلص، فأوصى بوصية في علمه وفي اعتقاده لم

стр. 582

يقع مثلها في الدنيا من غير هذا الإنسان، «قال: فإذا أنا مت فحرقوني بالنار، ثم خذوا رمادي فذروا نصفه في البحر ونصفه في الريح» أحرقوه بالنار وأخذوا رماده والريح يهوج فذروه في الريح، والنصف الثاني في البحر، لماذا فعل هذا الرجل هذه الفعلة؟ ظن أنه يضل عن ربه، وأن الله ليس بقادر على أن يقول له: كن بشراً سوياً، لكن الله فعل ذلك به، فلما مات وذروا رماده في الريح وفي البحر قال الله له: كن فلاناً، فكان بشراً سوياً، قال له .. هنا الشاهد: «قال له: أي عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رب خشيتك-أنا خفت منك- قال: اذهب فقد غفرت لك». هذا الحديث وقد عرفتم أنه من صحاح الأحاديث في البخاري ومسلم وعن صحابيين جليلين: أبي سعيد الخدري وحذيفة بن اليمان، هذا الحديث من مخصصات عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨)، في هذا الحديث قد غفر الله لهذا الجاني على نفسه بوصيته الجائرة. لكن هنا لا بد لي من وقفة، وهذا من العلم الذي نحن بحاجة إليه باعتبارنا أننا ندعو الناس إلى الكتاب والسنة: هذا الذي أوصى بهذه الوصية الجائرة هل هو كافر أم مشرك؟ الآن أنا أوجه هذا السؤال وما أريد أن أسمع صوتاً، لكن أرى يداً رفعت، من كان عنده الجواب عن هذا السؤال يرفع يده، هذا الذي أوصى بهذه الوصية الجائرة هل هو كافر أم مشرك؟ تفضل. مداخلة: كافر. الشيخ: كافر، تفضل.

стр. 583

مداخلة: لا كافر ولا مشرك. الشيخ: تفضل. مداخلة: ليس بكافر ولا مشرك؛ لأن الله لا يغفر الشرك، والله غفر له. الشيخ: هاه، مع الأسف ما سمعنا جواباً صحيحاً، الذي أنكر قدرة الله على إعادته بشراً كما كان هذا كافر بلا شك؛ لأن هذا هو الذي ذكرناكم بخاتمة سورة يس: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس: ٧٨)، هو جعل نفسه رميماً سلفاً، يعني: ما صبر حتى يدفن ويصير جسمه رميماً تراباً، وإنما عجل على نفسه بتلك الوصية الجائرة فجعل نفسه رماداً، لا شك أن هذا كفر. لكن كنت أتمنى أن أسمع الجواب الصحيح، ومن أجل هذا أنا وقفت هذه الوقفة معكم من باب التذكير أو التعليم: هذا الرجل كفر وهذا الرجل أشرك، ولولا أنه أشرك ما جاز لي أن أقول: إن آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (النساء:٤٨]، قلنا: إن هذه الآية مخصصة بمثل هذه الحادثة، أي: أن بعض الشرك يغفر، هذا معنى الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (النساء: ٤٨) ليست الآية على عمومها وشمولها، فبعض الشرك يغفر، وأنا الآن ذكرت لكم نوعاً، أذكر لكم نوعاً آخر، وهذا ستعرفونه، لأنكم تسمعون بأن أهل الفترة غير معذبين، أليس كذلك؟ طيب، هل تقولون: أنهم كانوا غير مشركين؟ كانوا مشركين، لكنهم لا يعذبون، لماذا؟ لأن حجة الله لم تقم عليهم، أي: لم تبلغهم دعوة الرسول، وأنا أتكلم بصورة عامة عن أهل الفترة لا أعني الذين بعث إليهم الرسول لكن بقاعدة عامة:

стр. 584

أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ولو كانوا مشركين فهم لا يعذبون على شركهم، لماذا؟ لأن الحجة لم تصلهم. فهنا في هذه القصة هذا الرجل بالنسبة للفكرة القائمة: أن الشرك أخص من الكفر، والكفر أعم من الشرك، بمعنى: كل من أشرك فقد كفر، وليس كل من كفر أشرك، هذا هو الفقه القائم في أذهان الناس إلا قليلاً منهم. أُوضح ذلك بمثال: رجل يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلي ويصوم .. إلى آخره، لكنه أنكر آية من القرآن، هذا كفر أم لم يكفر؟ مداخلة: كفر. الشيخ: كفر، هل أشرك؟ مداخلة: ما أشرك. الشيخ: ما أشرك، لا الصواب أشرك، كل كافر مشرك وكل مشرك كافر، لا فرق بين اللفظين إطلاقاً، هذه الحقيقة التي جرني إلى بيانها حديث ذلك الجائر في وصيته، إنه أشرك، كل من كفر فقد أشرك، ومن أشرك فقد كفر، لا إشكال في ذلك، والدليل على ذلك: لو تذكرنا محاورة المؤمن والكافر في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ .. ﴾ انتبهوا الآن: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ (الكهف:٣٢ - ٣٦) بمفهومكم السابق هذا كفر أم أشرك؟

стр. 585

مداخلة: أشرك. الشيخ: كفر. مداخلة: أشرك. مداخلة: كفر. الشيخ: مفهومكم السابق مفهومكم الخطأ هذا كفر وما أشرك، أنكر البعث والنشور، ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف:٣٥ - ٤٢)، إذاً: هو لما أنكر البعث والنشور أشرك مع الله، فكل من كفر بشيء جاء في الكتاب أو في السنة فهو في حالة كفره مشرك، هذا هو من ناحية النص القرآني، فما هو الوجه الفكري والعقلي؟ الجواب: قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية: ٢٣)، فإذاً كل من كفر بكفرية ما يكون مشركاً مع الله؛ لأنه جعل عقل نفسه شريكاً مع ربه ﵎؛ ولذلك لا تفرقوا بين الكفر والشرك، إذا عرفتم هذه الحقيقة فيزول إشكال قد يعرج أحياناً في البال لبعض من يسمع حديث الرسول ﵇ بروايته: «من ترك الصلاة فقد كفر»، «من ترك الصلاة فقد أشرك»، كيف هذا؟ الذي يفرق بين الكفر والشرك يشكل عليه لفظة: (أشرك)، لا، الصواب أن يقال: كفر، كذلك الحديث الآخر: «من حلف بغير الله فقد كفر»، «من حلف بغير الله فقد أشرك»، كفر أشرك، أشرك كفر، لا فرق بين اللفظين من حيث الاصطلاح

стр. 586

الشرعي، من حيث الاصطلاح اللغوي في فرق بلا شك، لكن الشرع فتح بصائرنا وأفكارنا وأفهمنا لماذا كل من كفر بالله أي نوع من الكفر يكون مشركاً؛ لأنه شرَّك عقله مع ربه عزوجل فجعله شريك فيما يصدر منه من قرار ومن حكم. إذا عرفنا هذا نعود إلى وصية ذلك الرجل: «غفر الله له»، لماذا؟ هنا كان بيت القصيد من الاستدلال بالحديث؛ لأن الكفر لم يعقد في قلبه، إنما عرض له لشبهة طرأت له من هول تصوره لعذاب ربه له فيما إذا تمكن منه، فليتخلص من هذا العذاب الذي هو يستحقه أوصى بتلك الوصية الجائرة، فإذا أصابت مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله محمداً رسول الله يؤمن بكتاب الله وبحديث رسول الله فتأول نصاً من كتاب الله، إن كان تأوله وهو يعلم أنه مبطل فهو كافر، أما إن كان شُبِّه له فلا مؤاخذة عليه. وهذا هو نهاية الجواب عن ذلك السؤال. "الهدى والنور" (٧٢٤/ ٥٥: ٠٠: ٠٠) [١١٧] باب أركان نفي الشرك بالله [قال الإمام]: إن نفي الشريك عن الله تعالى لا يتم إلا بنفي ثلاثة أنواع من الشرك: الأول: الشرك في الربوبية وذلك بأن يعتقد أن مع الله خالقا آخر- كما هو اعتقاد المجوس القائلين بأن للشر خالقا غير الله سبحانه، وهذا النوع في هذه الأمة قليل والحمد لله وإن كان قريبا منه قول المعتزلة: إن الشر إنما هو من خلق الإنسان، وإلى ذلك الإشارة بقوله ﵌:

стр. 587

«القدرية مجوس هذه الأمة ... » الحديث، وهو مخرج في مصادر عدة عندي أشرت إليها في «صحيح الجامع الصغير وزيادته» رقم (٤٣١٨). الثاني: الشرك في الألوهية أو العبودية، وهو أن يعبد مع الله غيره من الأنبياء والصالحين، كالاستغاثة بهم، وندائهم عند الشدائد، ونحو ذلك، وهذا مع الأسف في هذه الأمة كثير، ويحمل وزره الأكبر أولئك المشايخ الذين يؤيدون هذا النوع من الشرك باسم التوسل «يسمونها بغير اسمها». الثالث: الشرك في الصفات، وذلك بأن يصف بعض خلقه تعالى ببعض الصفات الخاصة به ، كعلم الغيب مثلاً، وهذا النوع منتشر في كثير من الصوفية ومن تأثر بهم مثل قول بعضهم في مدحه النبي ﵌: فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم ومن هنا جاء ضلال بعض الدجالين، يزعمون أنهم يرون رسول الله ﵌ اليوم يقظة، ويسألونه عما خفي عليهم من بواطن نفوس من يخالطونهم، ويريدون تأميرهم في بعض شؤونهم، ورسول الله ﵌ ما كان ليعلم مثل ذلك في حال حياته ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء﴾ (الأعراف:١٨٨) فكيف يعلم ذلك بعد وفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى؟ هذه الأنواع الثلاثة من الشرك؛ من نفاها عن الله في توحيده إياه، فوحده في ذاته، وفي عبادته، وفي صفاته، فهو الموحد الذي تشمله كل الفضائل الخاصة بالموحدين. ومن أخل بشيء منه، فهو الذي يتوجه إليه مثل قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ (الزمر: ٦٥).

стр. 588

فاحفظ هذا فإنه أهم شيء في العقيدة، فلا جرم أن المصنف [أي الطحاوي في عقيدته] ﵀ بدأ به، ومن شاء التفصيل فعليه بشرح هذا الكتاب [أي الطحاوية] وكتب شيوخ الإسلام ابن تيمة، وابن القيم، وابن عبد الوهاب، وغيرهم ممن حذا حذوهم واتبع سبيلهم ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ (الحشر:١٠). "التعليق على متن الطحاوية" (ص٧ - ١٠). [١١٨] باب تعريف المشرك [قال الإمام]: المشرك: من أشرك مع الله شيئًا في ذاته تعالى، أو في صفاته، أو في عبادته. "الصحيحة" (٤/ ٨٧). [١١٩] باب ضوابط التفرقة بين الشرك الأكبر والأصغر سؤال: ما هي الضوابط الدقيقة في التفرقة بين الشركين الأكبر والأصغر؟ الشيخ: لا يحضرني جواب عن هذا السؤال لأن فيه دقة. "رحلة النور" (٣٠أ/٠٠:٣٦:٣٦) [١٢٠] باب شرك الطاعة [قال رسول الله ﵌]: «أما إنّهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئاً استحلّوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه، [فتلك عِبادتهم]»

стр. 589

[قال الإمام]: عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي ﵌ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي! اطرح هذا الوثن». وسمعته يقرأ في سورة (براءة): ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾، [فقلت: إنا لسنا نعبدهم]؟! قال: ... فذكره. وقال العلامة الآلوسي في "روح المعاني " عقب الحديث ... : "ونظير ذلك قولهم: فلان يعبد فلاناً؛ إذا أفرط في طاعته، فهو استعارة بتشبيه الإطاعة بالعبادة، أو مجاز مرسل بإطلاق العبادة، وهي طاعة مخصوصة على مطلقها، والأول أبلغ، وقيل: اتخاذهم أرباباً بالسجود لهم، ونحوه مما لا يصلح إلا للرب ، وحينئذ فلا مجاز، إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن رسول الله ﵌. والآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵊ لكلام علمائهم ورؤسائهم، والحق أحق بالاتباع، فمتى ظهر وجب على المسلم اتباعه، وإن أخطأه اجتهاد مقلِّدِه ". "الصحيحة" (٧/ ٢/٨٦١، ٨٦٥ - ٨٦٦). [١٢١] باب أول من عبد الأصنام وغيَّر دين إسماعيل ﵇ [قال رسول الله ﵌]: «إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر وإني رأيته يجر أمعاءه في النار». [ترجم له الإمام بما ترجمناه به] "الصحيحة" (٤/ ٢٤٢)

стр. 590

[١٢٢] باب ردّ شبهةٍ لمن جوَّز صناعة التماثيل سؤال: في رأي يعني يقولوا: إن الشيء المحرم تحريم لذاته .. يكون محرم في جميع الأديان يقولوا كذلك، والشيء المحرم لعلة يكون محرم لأجل هذه العلة، وإذا فقدت هذه العلة فيحلل لهذا الشيء أو يصير يعني ما في كراهة، ضرب مثلاً على ذلك: أن عمل التماثيل كان يعني: محلل لسيدنا سليمان بينما الزنا وقتل النفس الذي حرمها الإسلام، فهذا محرم في جميع الأديان، فهذا يحرم. فيقولون: الآن يجوز نصنع التماثيل لأن العلة لتحريمها قد زالت، ولا يوجد الآن من يعبد إنساناً أو يعبد صوراً؟ الشيخ: ما شاء الله. يقال لمن يقول ما حكيت عنه: كما تعلَّمنا من بعض العلماء الأفاضل ومن شيوخنا الأكارم الذي لم نلقهم، وإنما على قاعدة: لنا جلساء لا نمل سماعهم ... مأمونون غيباً ومشهداً فإن قلت أموات فما أنت بكاذب ... وإن قلت أحياء فما أنت بمفند فبعض هؤلاء الشيوخ يقول لمثل هذا المدعي: أثبت العرش ثم انقش، ما هو الدليل على أن علة تحريم الأصنام- صنع الأصنام والصور- هو خوف أن تعبد من دون الله ؟!. ثم ما هو الدليل على أن هذه العبادة قد أمنا أن يقع فيها المسلمون؟! سأعود إلى الدعوى الأولى: أي: أن نطالبهم بالدليل على العلم المدعَى،

стр. 591

لكن نحن نسبق الأمر فنقول: لو ثبت أن العلة هو كذلك: خشية أن تعبد الأصنام، لكن من أين لنا أننا خلاص انتهينا وأمنا، ... أنه واحد يقع في الشيء، كيف هذا؟ والرسول ﵌ يقول كما في صحيح البخاري (١): «لا تقوم الساعة حتى تضطرب آليات نساء دوس حول صنم لهم يقال له: ذو الخليصة» هذا خبر عن الرسول في أصح الكتب بعد القرآن! فإذاً: الذي أشرت إليه من القائلين يقول ما لا يعلم، بل يقولوا: ما يخالف فيه كلام الرسول ﵌، أعود إلى العلة ما هو الدليل على أن العلة هو خشية أن يعبد المسلمون الأصنام؟ ممكن أن تكون هذه حكمة أو بعض علة، أما أن تكون هي علة فأولاً: لا دليل لهم على ذلك إلا مجرد الظن وصدق الله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (يونس: ٣٦). ثانياً: لقد نص الحديث على خلاف ما يزعمون، لقد قال ﵊ يقول ربنا ﵎: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة، فليخلقوا حبة، فليخلقوا شعيرة» (٢) أو قدَّم أو أخر فربما يكون الأمر كذلك، المهم: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة، فليخلقوا شعيرة، فليخلقوا ذرة». إذاً: هذا ينص أن التحريم سببه: المضاهاة، وهذا جاء أيضاً في حديث عائشة: «إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله» (٣) هذه العلة الأساسية التي جاءت منصوصة في السنة الصحيحة، أما الخشية التي ذكرتها أو حكيتها آنفاً فهي علة اجتهادية مأخوذة من تاريخ بعض الأمم المتقدمة كقوم نوح ﵇

стр. 592

حيث حكى ربنا في القرآن أنه قال: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ (نوح:٢٣، ٢٤). يقول ابن عباس كما في البخاري وتفسير ابن جرير وغيرهما: أن هؤلاء الخمسة كانوا عباداً لله صالحين فلما ماتوا أوحى الشيطان إليهم أن يجعلوا قبورهم داخل دورهم، فلا يدفنوهم في مقابرهم كعامة الناس، وذلك تمجيداً وتقديساً، وتذكراً لمناقبهم-زعموا- كما يقول اليوم الذين بدءوا ينشرون الأصنام وينصبونها في الأماكن العامة والمنتزهات ونحو ذلك، وتركهم الشيطان جيلاً من الزمان، ثم جاءهم فأوحى إليهم أن بقاء هؤلاء في هذه القبور كما هم قد تأتي عاصفة من السماء أو سيول أو وتذهب بقبورهم فتنسونهم ماذا نفعل؟ قال: اتخذوا لهم أصناماً، فجعلوا أصناماً خمسة فوضعوها في أماكن أوحى للجيل الذي بعدهم أن يضعوها في أماكن تليق بذكراهم، وما جاء الجيل الذي بعدهم إلا وأخذوا يعبدونهم من دون الله، وكان من أولئك قوم نوح ﵇ ودعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكان جوابهم ما سمعت، ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ (نوح: ٢٣) فنهي الإسلام عن الصور وعن التماثيل وبخاصة: المجسمة منها. يمكن أن يقال: أن هذا من باب سد الذريعة أن تعظم هذه الأصنام لكن لا نقول: أن العلة هو هذا، العلة ذكرت في الحديثين السابقين، فخلاصة الجواب: أن التصوير محرم بأحاديث قاطعة في الإسلام، وليس هناك ما يدل إطلاقاً أنه يأتي زمن تستباح هذه الأصنام (١)؛لأن الناس يعرفون التوحيد ولا يقعون في الشرك، وماذا نقول اليوم ولا نزال نحن نشكوا من الألوف المؤلفة بل الملايين المملينة من المسلمين فهم يطوفون حول القبور وحول زيارة الصالحين والأولياء، ومناداتهم

стр. 593

من دون الله وهؤلاء يشهدون معنا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، فماذا نقول عن الكفار وعن الشيوعيين الذين يطوفون حول لينين قبر لينين، أين عقول هؤلاء الناس إن الناس ﴿الذين يقولون﴾ أصبحوا عارفين بالشرك مجتنبين إياه؟! وجماهير المسلمين يصدق فيهم مع الأسف الشديد قول رب العالمين: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف: ١٠٦). فهذا يأتي من الجهل بالتوحيد حقيقة؛ لأن أكثر هؤلاء المسلمين يتوهمون أن التوحيد هو أن تعتقد بأن الله خالق واحد لا ند له ولا شريك له، أما أن تعبد غيره، فهذا ليس له علاقة بالشرك ومنافاة التوحيد، هذا شيء مؤسف جداً جداً، فالصور لا تزال محرمة إلى يوم القيامة. " الهدى والنور" (٩١/ ٥٨: ١٥: ٠٠) [١٢٣] باب الترهيب من الرياء [روي عن النبي ﵌]: «من عمل عملاً رياءً؛ لم يكتب لا له ولا عليه». (موضوع). [قال الإمام]: ثم إن حديث الترجمة باطل ظاهر البطلان؛ فإنه مع مخالفته لصراحة الآية: ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾؛ فهو معارض للأحاديث الصحيحة في الترهيب من الرياء في العبادة والموافقة لصراحة الآية، كقوله ﵌: «قال الله ﵎: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري؛ تركته وشِركه». رواه مسلم (٨/ ٢٢٣).

стр. 594

بل هو معارض لقوله في الحديث نفسه: "من صام رياءً؛ فقد أشرك ... " إلخ؛ إذ كيف يقال فيمن أشرك: " ... لا عليه"؟! "الضعيفة" (١١/ ١/٤٠٢ - ٤٠٣). [١٢٤] باب الاستكبار عن عبادته تعالى ودعائه يوجب غضبه تعالى، والرد على من ادعى أن دعاء الله سوء أدب مع الله [قال رسول الله ﵌]: «من لم يدع الله يغضب عليه». [قال الإمام]: وإن مما لا شك فيه أن الاستكبار عن عبادته تعالى ودعائه يستلزم غضب الله تعالى على من لا يدعوه ... وقد غفل عن هذه الأحاديث بعض جهلة الصوفية أو تجاهلوها، بزعمهم أن دعاء الله سوء أدب مع الله، متأثرين في ذلك بالأثر الإسرائيلي: " علمه بحالي يغني عن سؤاله "! فجهلوا أن دعاء العبد لربه تعالى ليس من باب إعلامه بحاجته إليه ﴿يعلم السر وأخفى﴾، وإنما من باب إظهار عبوديته وحاجته إليه وفقره. "الصحيحة" (٦/ ١/٣٢٣، ٣٢٦). [١٢٥] باب سؤال الله، والرد على من حرَّمه [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «حسبي من سؤالي علمه بحالي». (لا أصل له).

стр. 595

[قال الإمام]: أورده بعضهم من قول إبراهيم ﵊، وهو من الإسرائيليات ولا أصل له في المرفوع، وقد ذكره البغوي في تفسير سورة الأنبياء مشيرا لضعفه فقال: روي عن كعب الأحبار: " أن إبراهيم ﵊ ... لما رموا به في المنجنيق إلى النار استقبله جبريل فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال جبريل: فسل ربك، فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي " وقد أخذ هذا المعنى بعض من صنف في الحكمة على طريقة الصوفية فقال: سؤالك منه-يعني الله تعالى- اتهام له، وهذه ضلالة كبري! فهل كان الأنبياء صلوات الله عليهم متهمين لربهم حين سألوه مختلف الأسئلة؟ فهذا إبراهيم ﵊ يقول: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهو ي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون، ربنا ... ﴾ إلى آخر الآيات وكلها أدعية، وأدعية الأنبياء في الكتاب والسنة لا تكاد تحصى، والقائل المشار إليه قد غفل عن كون الدعاء الذي هو تضرع والتجاء إلى الله تعالى عبادة عظيمة بغض النظر عن ماهية الحاجة المسؤولة، ولهذا قال ﵌: «الدعاء هو العبادة»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ " ذلك لأن الدعاء يظهر عبودية العبد لربه وحاجته إليه ومسكنته بين يديه، فمن رغب عن دعائه، فكأنه رغب عن عبادته ، فلا جرم جاءت الأحاديث متضافرة في الأمر به والحض عليه حتى قال ﵌: " من لا يدع الله يغضب عليه ". أخرجه الحاكم (١/ ٤٩١) وصححه ووافقه الذهبي.

стр. 596

قلت: وهو حديث حسن، وتجد بسط الكلام في تخريجه وتأكيد تحسينه والرد على من زعم من إخواننا أنني صححته وغير ذلك من الفوائد في " السلسلة الأخرى " (رقم ٢٦٥٤). "الضعيفة" (١/ ٧٤ - ٧٦). [١٢٦] باب جواز إطلاق لفظ المشرك على أهل الكتاب [قال رسول الله ﵌]: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم». [قال الإمام]: قلت: وفيه دلالة على جواز إطلاق لفظ " المشرك " على أهل الكتاب، فإنهم هم المعنيون بهذا الحديث كما يدل عليه الحديث السابق ومثله الحديث الآتي: " لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أترك فيها إلا مسلما ". "الصحيحة" (٣/ ١٢٥). [١٢٧] باب هل الكتابيات مشركات ؟ سؤال: ... هل الكتابيات اللواتي كن في عهد النبي ﵌ كن ممن كان يقول بأن الله هو عيسى بن مريم. الشيخ: إيه، لا شك، معلوم.

стр. 597

مداخلة: وعلى الرغم من ذلك أحل الزواج منهن ولم يكن هذا الزواج مشروطاً بتغيير دينهن إلى الإسلام. الشيخ: نعم. مداخلة: لما تحدثنا على .. أهل الكتاب أنه يفترض أن ذبحهم حلال أهل الكتاب، لأنهم كانوا يذبحون حلالاً ويذكون. الشيخ: نعم. مداخلة: فالآن لا يذبحون إلا خنق فطعامهم ما عاد حلاً لنا. الشيخ: هو هذا. هن مشركات لكن زائد كتابيات، فكل كتابي مشرك ولكن ليس كل مشرك كتابي، فلتميز الكتابي على المشرك لكونه كتابياً أعطيت له خصوصيات يتميز بها عن المشركين والمشركات. مداخلة: ويجوز أنه ليس كل كتابي مشرك. الشيخ: يجوز هذا، لكن على التعبير الإسلامي الصحيح كل من كفر بالله فهو مشرك، لا تنسى هذه محاضرة كنا ألقيناها ربما أكثر من مرة، تتذكرون هذا؟ كل كافر مشرك، ولو كان هو ليس مشركاً لغة، هل الكلام مفهوم لديك أبو عبد الله. مداخلة: إن شاء الله. الشيخ: سمعت الكلمة في هذا. مداخلة: لا ما سمعت.

стр. 598

الشيخ: إذاً لا يكون مفهوم لديك، يكون مفهوم هكذا يعني .. المسألة تريد بحث. الآن أنت تعلم بأن هناك مذهب الطبيعيين الذين يؤمنون بأن لهذا الكون خالقاً، فالضرورة أدتهم إلى أن يعتقدوا بأن لهذا الكون خالقاً، لو أن مسلماً حتى لا نبتعد بالأمثلة، لو أن مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلي ويصوم ما شاء الله عليه، لكن يقول هذه الآية لم تعجبني، هذا كفر، هل هناك شك؟ مداخلة: لا. الشيخ: لكن أشرك، هذه ليس عندكم خبر بها، كونه كفر لا شك، لكن كونه أشرك تحتاج إلى بيان وتوضيح. الشرك في اللغة أخف من الكفر، فكل مشرك كافر وليس كل كافر مشركاً، فالذي يشهد أن لا إله إلا الله وأنه لا يستحق العبادة سواه، هذا موحد ليس مشركاً، ويؤمن بكل ما جاء من عند الله، لكنه قال: الآية الفلانية لم تعجبني، أو الحديث النبوي ما أعجبني، هذا لغةً: كَفَرَ، لكنه ما أشرك، أما شرعاً فقد أشرك أيضاً، والسبب: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية: ٢٣)، إذاً: هنا صار شرك لأنه جعل هواه إلهاً. إذاً: هو يقول لا إله إلا الله، لكن من حيث واقعه جعل مع الله إلهاً، وليس من الضروري يكون إلهه فرعون أو اللات أو مناة .. إلى آخره، يكفي أن يكون إلهه هواه، من هنا الآن الشرع يجعل كل من كفر بمكفر ما مشركاً، وإليك الآن النص الصريح من القرآن الكريم، قصة المؤمن والملحد الذي أنكر البعث والنشور في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ

стр. 599

وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ (الكهف: ٣٢ - ٣٥). هو كفر في هذه الآية، لكن في الآيات التي بعدها سيحكم عليه ربنا بأنه أشرك. ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف: ٣٥ - ٣٨). فهو قال له: ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾؛ لأنه اعتبره مشركاً حينما قال: ﴿ما أظن أن تبيد هذه أبداً .. وما أظن الساعة قائمة﴾. ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف: ٣٩ - ٤٢). إذاً شركه كان شكه في البعث والنشور، إذاً: الشرع-وقدمت آنفاً التعليل- يعتبر كل كفر شركاً، فهكذا أهل الكتاب هم مشركون، ولو وجد هناك موحدون يعتقدون بأن عيسى ليس ابناً لله، فهو مشرك؛ لأنه ما آمن بالله ورسوله، واضح أظن القصد. مداخلة: هو مشرك لأنه كافر. الشيخ: هذا هو، كل كافر مشرك. "الهدى والنور" (٦٢٦/ ٢٩: ٠٣: ٠٠) و (٦٢٦/ ٣٤: ١٣: ٠٠)

стр. 600

(توحيد الربوبية) [١٢٨] باب الرد على من حصر العقيدة في توحيد الربوبية [سئل الإمام عمن يُعَرِّفُ «لا إله إلا الله» بـ «لا رب إلا الله» هل هذا التعريف ينفعه، فأجاب ﵀]: كلا لا ينفعهم؛ لأن هذه العقيدة ليست كافية؛ لأن الكفار الذين عادوا الرسول ﵇، وقاتلوه، واضطروه للخروج من بلده والهجرة إلى المدينة المنورة كانوا يعتقدون هذه العقيدة، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥). فآيات كثيرة في القرآن الكريم تبين أن المشركين كانوا أولاً يؤمنون بوجود الله، وثانياً لا يجعلون شريكاً لله في ذاته، فلا يعتقدون أن هناك خالقاً معه، نافعاً معه، ضاراً معه، بل كانوا يعتقدون أن الأمر كله بيده ﵎، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن الله لما أرسل الرسل وأنزل الكتب، لم يفعل ذلك لكي يدعو الناس إلى الاعتقاد بوجود الله وبأنه هو الضار النافع، وأنه لا شريك له في شيء من ذلك، ما بعثهم ولا أنزل الكتب من أجل هذا؛ لأن هذا أمر مفطور في الناس حتى المشركين، ولذلك صرحت الآية الكريمة أن المشركين إذا سئلوا: ﴿أإلهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، فرقوا بين الإله وبين الرب، فهم يشركون في الألوهية ولا يشركون في الربوبية، يعتقدون بأن الله هو رب العالمين وحده لا شريك له، وأنهم إذا وقعوا في مصيبة أو في بلية تضرعوا إلى الله والتجؤوا إليه؛ لما وقر في نفوسهم من أن الله
следующие страницы →