قلت: وهو حديث حسن، وتجد بسط الكلام في تخريجه وتأكيد تحسينه والرد على من زعم من إخواننا أنني صححته وغير ذلك من الفوائد في " السلسلة الأخرى " (رقم ٢٦٥٤).
"الضعيفة" (١/ ٧٤ - ٧٦).
[١٢٦] باب جواز إطلاق لفظ المشرك على أهل الكتاب
[قال رسول الله ﵌]:
«أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم».
[قال الإمام]:
قلت: وفيه دلالة على جواز إطلاق لفظ " المشرك " على أهل الكتاب، فإنهم هم المعنيون بهذا الحديث كما يدل عليه الحديث السابق ومثله الحديث الآتي: " لئن عشت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أترك فيها إلا مسلما ".
"الصحيحة" (٣/ ١٢٥).
[١٢٧] باب هل الكتابيات مشركات ؟
سؤال: ... هل الكتابيات اللواتي كن في عهد النبي ﵌ كن ممن كان يقول بأن الله هو عيسى بن مريم.
الشيخ: إيه، لا شك، معلوم.
стр. 597
مداخلة: وعلى الرغم من ذلك أحل الزواج منهن ولم يكن هذا الزواج مشروطاً بتغيير دينهن إلى الإسلام.
الشيخ: نعم.
مداخلة: لما تحدثنا على .. أهل الكتاب أنه يفترض أن ذبحهم حلال أهل الكتاب، لأنهم كانوا يذبحون حلالاً ويذكون.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فالآن لا يذبحون إلا خنق فطعامهم ما عاد حلاً لنا.
الشيخ: هو هذا.
هن مشركات لكن زائد كتابيات، فكل كتابي مشرك ولكن ليس كل مشرك كتابي، فلتميز الكتابي على المشرك لكونه كتابياً أعطيت له خصوصيات يتميز بها عن المشركين والمشركات.
مداخلة: ويجوز أنه ليس كل كتابي مشرك.
الشيخ: يجوز هذا، لكن على التعبير الإسلامي الصحيح كل من كفر بالله فهو مشرك، لا تنسى هذه محاضرة كنا ألقيناها ربما أكثر من مرة، تتذكرون هذا؟ كل كافر مشرك، ولو كان هو ليس مشركاً لغة، هل الكلام مفهوم لديك أبو عبد الله.
مداخلة: إن شاء الله.
الشيخ: سمعت الكلمة في هذا.
مداخلة: لا ما سمعت.
стр. 598
الشيخ: إذاً لا يكون مفهوم لديك، يكون مفهوم هكذا يعني .. المسألة
تريد بحث.
الآن أنت تعلم بأن هناك مذهب الطبيعيين الذين يؤمنون بأن لهذا الكون خالقاً، فالضرورة أدتهم إلى أن يعتقدوا بأن لهذا الكون خالقاً، لو أن مسلماً حتى لا نبتعد بالأمثلة، لو أن مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلي ويصوم ما شاء الله عليه، لكن يقول هذه الآية لم تعجبني، هذا كفر، هل هناك شك؟
مداخلة: لا.
الشيخ: لكن أشرك، هذه ليس عندكم خبر بها، كونه كفر لا شك، لكن كونه أشرك تحتاج إلى بيان وتوضيح.
الشرك في اللغة أخف من الكفر، فكل مشرك كافر وليس كل كافر مشركاً، فالذي يشهد أن لا إله إلا الله وأنه لا يستحق العبادة سواه، هذا موحد ليس مشركاً، ويؤمن بكل ما جاء من عند الله، لكنه قال: الآية الفلانية لم تعجبني، أو الحديث النبوي ما أعجبني، هذا لغةً: كَفَرَ، لكنه ما أشرك، أما شرعاً فقد أشرك أيضاً، والسبب: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية: ٢٣)، إذاً: هنا صار شرك لأنه جعل هواه إلهاً.
إذاً: هو يقول لا إله إلا الله، لكن من حيث واقعه جعل مع الله إلهاً، وليس من الضروري يكون إلهه فرعون أو اللات أو مناة .. إلى آخره، يكفي أن يكون إلهه هواه، من هنا الآن الشرع يجعل كل من كفر بمكفر ما مشركاً، وإليك الآن النص الصريح من القرآن الكريم، قصة المؤمن والملحد الذي أنكر البعث والنشور في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ
стр. 599
وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ (الكهف: ٣٢ - ٣٥). هو كفر في هذه الآية، لكن في الآيات التي بعدها سيحكم عليه ربنا بأنه أشرك.
﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف: ٣٥ - ٣٨).
فهو قال له: ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾؛ لأنه اعتبره مشركاً حينما قال: ﴿ما أظن أن تبيد هذه أبداً .. وما أظن الساعة قائمة﴾.
﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (الكهف: ٣٩ - ٤٢).
إذاً شركه كان شكه في البعث والنشور، إذاً: الشرع-وقدمت آنفاً التعليل- يعتبر كل كفر شركاً، فهكذا أهل الكتاب هم مشركون، ولو وجد هناك موحدون يعتقدون بأن عيسى ليس ابناً لله، فهو مشرك؛ لأنه ما آمن بالله ورسوله، واضح أظن القصد.
مداخلة: هو مشرك لأنه كافر.
الشيخ: هذا هو، كل كافر مشرك.
"الهدى والنور" (٦٢٦/ ٢٩: ٠٣: ٠٠) و (٦٢٦/ ٣٤: ١٣: ٠٠)
стр. 600
(توحيد الربوبية)
[١٢٨] باب الرد على من حصر العقيدة في توحيد الربوبية
[سئل الإمام عمن يُعَرِّفُ «لا إله إلا الله» بـ «لا رب إلا الله» هل هذا التعريف ينفعه، فأجاب ﵀]:
كلا لا ينفعهم؛ لأن هذه العقيدة ليست كافية؛ لأن الكفار الذين عادوا الرسول ﵇، وقاتلوه، واضطروه للخروج من بلده والهجرة إلى المدينة المنورة كانوا يعتقدون هذه العقيدة، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥).
فآيات كثيرة في القرآن الكريم تبين أن المشركين كانوا أولاً يؤمنون بوجود الله، وثانياً لا يجعلون شريكاً لله في ذاته، فلا يعتقدون أن هناك خالقاً معه، نافعاً معه، ضاراً معه، بل كانوا يعتقدون أن الأمر كله بيده ﵎، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن الله لما أرسل الرسل وأنزل الكتب، لم يفعل ذلك لكي يدعو الناس إلى الاعتقاد بوجود الله وبأنه هو الضار النافع، وأنه لا شريك له في شيء من ذلك، ما بعثهم ولا أنزل الكتب من أجل هذا؛ لأن هذا أمر مفطور في الناس حتى المشركين، ولذلك صرحت الآية الكريمة أن المشركين إذا سئلوا: ﴿أإلهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، فرقوا بين الإله وبين الرب، فهم يشركون في الألوهية ولا يشركون في الربوبية، يعتقدون بأن الله هو رب العالمين وحده لا شريك له، وأنهم إذا وقعوا في مصيبة أو في بلية تضرعوا إلى الله والتجؤوا إليه؛ لما وقر في نفوسهم من أن الله
стр. 601
هو الضار وهو النافع، فهم كانوا يؤمنون بما كان يسمى عند العلماء بتوحيد الربوبية، لكن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لدعوة هؤلاء الناس جميعاً إلى عبادته وحده لا شريك له، ليس إلى اعتقاد أنه واحد في ذاته، وأنه لا خالق معه، لاحظ الاعتقاد كانوا يؤمنون به بصريح القرآن الكريم، وإنما الذين كانوا يكفرون به أن هناك أشخاصاً مخلوقين ويستحقون أن يعبدوا مع الله ﵎، وهذا صريح في القرآن، حيث قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأعراف: ١٩٤)، الذين تدعونهم في الشدة هم عباد أمثالكم.
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ (فاطر: ١٤)؛ لأنهم يعتقدون أنهم عبيد، ولذلك قال في الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣).
هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله أولياء إذا سئلوا: لماذا تعبدونهم من دون الله، قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
إذاً: هم يؤمنون بأن المعبود الحق هو واحد لا شريك له في العبادة، ولكنهم من ضلالهم أنهم اتخذوا من بعض الصالحين أولياء يعبدونهم، يتوجهون إليهم بالدعاء والاستغاثة والركوع والسجود، لماذا؟
هم أجابوا بأنفسهم وألسنتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
فإذاً: المشركون الذين كانوا في عهد الرسول ﵇ ما كان الخلاف بينهم وبين الرسول هو في أن الخالق واحد والرازق واحد، والمحيي واحد، والمميت واحد، هذا كانوا يؤمنون به، ولكن الخلاف كان في أنهم عبدوا غير الله ، خضعوا لغير الله ، فأشركوا مع الله في العبادة، وليس في
стр. 602
الربوبية، ولذلك وصل ضلال هؤلاء المشركين إلى أنهم كانوا إذا طافوا بالبيت وهذا الطواف ورثوه من أبيهم إبراهيم ﵊، ثم دخلهم الشرك، فكان قائلهم يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً تملكه أنت وما ملك.
لك شريك لكن هذا الشريك هو مملوك لك، وما معه أيضاً مملوك لك.
إذاً: فالمشركون كفروا بتوحيد الألوهية، بتوحيد العبادة وليس بتوحيد الربوبية، ولهذا في القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات: ٣٥)، أما الآية السابقة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥)، ... قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥).
الشاهد أن الآية الأولى صريحة بأن المشركين يؤمنون بربوبية الله وحده
لا شريك له، الآية الثانية صريحة بأنهم ينكرون أن يكون الإله واحد، ما معنى
الإله إذاً؟
الإله: هو المعبود، فلما كان الرسول يدعوهم إلى أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، كانوا ينكرون ذلك ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥).
وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات: ٣٥)، كيف يستكبرون وهم في الآية الأخرى ربنا يخبر عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥).
معنى ذلك أن الربوبية شيء، والألوهية شيء آخر.
стр. 603
الرب واحد باتفاق البشر جميعاً حتى المشركين الذين قاتلوا الرسول ﵇ وعادوه كما ذكرنا، أما الإله فمتعدد عندهم، ولذلك استنكروا على الرسول ﵇ حينما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والعبادة أنواع وأقسام، وأعظم عبادة تتجلى فيها حاجة الإنسان وعبوديته لله هو الدعاء، ولذلك قال ﵇ في الحديث الصحيح: «الدعاء هو العبادة، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: ٦٠).
إذاً: المشركون، هذه نقطة مع الأسف كثير من الخواص المسلمين اليوم لم يتنبهوا لها، وهو التفريق بين الربوبية وبين الألوهية، فالمشركون كانوا يؤمنون بوحدانية الله في الربوبية، ولكنهم كانوا يكفرون بوحدانية الله في العبادة والألوهية، ولذلك كانوا يقولون بأن لله شريكاً لكن هذا الشريك مملوك لله وما يملكه هذا الشريك، وعلى هذا فمعنى: لا إله إلا الله، لا يجوز تفسيره بمعنى: لا رب إلا الله، هذا اعتقاد المشركين لا يكفي، وإنما لا إله إلا الله، معنى هذه الكلمة التي جاءت في القرآن مأمور بها ﵇ والمقصودين أمته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: ١٩)، معنى هذا، فاعلم أنه لا معبود بحق في الوجود إلا الله.
ليس لا رب إلا الله، لا رب إلا الله، المشركون يؤمنون بهذا، يعني الخالق والرازق والمحيي والمميت، المشركون يعتقدون بأنه واحد لا شريك له، لكنهم يجعلون له شريكاً في العبادة.
من هنا لا يجوز للمسلم أولاً أن يفهم هذه الكلمة الطيبة (لا إله إلا الله) بمعنى لا رب إلا الله، لأنه تعطيل لمعنى الألوهية والعبادة لله وحده.
ثانياً: إذا فهم المسلم هذه الكلمة الطيبة أن المعنى لا إله إلا الله، أي: لا معبود
стр. 604
بحق في الوجود إلا الله، فلا يجوز له أن ينقض هذه العقيدة، عقيدة التوحيد في عبادة الله وحده لا شريك له عملياً، كثير من المسلمين اليوم يدعون في الشدائد غير الله، كما كان المشركون يفعلون تماماً، فهذا ينادي البدوي، وهذا ينادي عبد القادري الجيلاني، وهذا ينادي الشاذلي، ... إلى آخره.
كل هؤلاء الأشخاص يُعْبَدُون اليوم من كثير من المسلمين بسبب جهلهم معنى هذه الكلمة لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق في الوجود إلا الله، ولهذا كان أول ما دعا إليه الرسول ﵇ هو هذه الكلمة الطيبة، كما قال ﵌ في الحديث الصحيح: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم عند الله».
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله» لا يعني: أن لا رب، وإنما يعني أن لا معبود بحق إلا الله، فمن اعتقد أن لا معبود بحق إلا الله آمن بأن الرب واحد لا شريك له، لكن من آمن بأن الرب واحد لا شريك له بذاته، قد يكفر بالعبودية، بعبادة الله وحده لا شريك له، لأنه من عبادة الله الدعاء، فإذا دعا غير الله فقد اتخذه إلهاً من دون الله ﵎.
"الهدى والنور" (١٧٨/ ٥٠: ٠٢: ٠١)
[١٢٩] باب ذكر أخذ الميثاق
من ذرية بني آدم وهل كان على الحقيقة ؟
نقل الآلوسي في "الآيات البينات" عن البيضاوي أنه حمل آية الميثاق على التمثيل لا الحقيقة وذلك في "تفسيره"، [فعلق الألباني قائلاً]:
стр. 605
وهو [أي تفسير البيضاوي] المعروف بـ " أنوار التنزيل وأسرار التأويل " (٣/ ٣٣) قال في معنى الآية: " نَزَّل تمكين بني آدم من العلم بربوبيته بنصب الدلائل وخلق الاستعداد فيهم وتمكنهم من معرفتها والإقرار بها منزلة الإشهاد والاعتراف تمثيلاً وتخييلاً فلا قول ثَم ولا شهادة حقيقة ". وقد تعقبه جماعة منهم العلامة علي القاري في " المرقاة " فقال (١/ ١٤٠):
وفيه أن هذا يرجع إلى مذهب المعتزلة، ومنهم الخطيب الكازروني في حاشيته عليه رد عليه تأويله المذكور بكلام قوي، ومما قاله: " إن الواجب على المفسر المحقق أن لا يفسر القرآن برأيه إذا وجد نقلاً معتمداً عن السلف فكيف بالنص القاطع من النبي ﵌؟ "، فراجعه فإنه مهم.
ومنهم الإمام الشوكاني في " فتح القدير " (٢/ ٢٥٠ - ٢٥٢).وصديق حسن خان في " فتح البيان " (٣/ ٤٠٤ - ٤٠٩) وكتابه " الدين الخالص " (١/ ٣٩١).و" أضواء البيان " (٢/ ٣٣٥ - ٣٣٨) للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمهم الله تعالى.
[ثم ذكر الآلوسي في نفس السياق تفسير والده "روح المعاني"، فعلق الألباني قائلاً]:
ورَدَّ فيه [أي رَد َّالآلوسي الأب في تفسيره] تأويل البيضاوي المذكور وقال: " يأبى عنه كل الإباء حديث ابن عباس [هو حديث" إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بـ (نعمان) يوم عرفة وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلاً قال: «ألست بربكم قالوا: بلى» ". قال الألباني: وهو حديث صحيح بل هو متواتر المعنى كما بينته في " الصحيحة " (١٦٢٣)].
ثم ذكر أن المعتزلة ينكرون أخذ الميثاق التالي المشار إليه في الأخبار
стр. 606
ويقولون: إنه من جملة الآحاد فلا يلزمنا أن نترك ظاهر الكتاب، وطعنوا في صحتها بمقدمات عقلية مبنية على قواعد فلسفية على ما هو دأبهم في أمثال هذه المطالب، ثم سرد كلماتهم في ذلك وردها كلها.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٥٠ - ١٥١)
[١٣٠] باب منه
[قال الإمام معلقاً على قول صاحب الطحاوية: والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق]:
قلت: يشير إلى بعض الأحاديث المصرحة بأن الله تعالى استخرج الذرية من صلب آدم ﵊ وقد ذكر في الشرح أربعة منها وهي مخرجة في تعليقي عليه وفي " تخريج السنة " (رقم ١٩٥ - ٢٠٥) وقد كنت استثنيت في التعليق المشار إليه (ص ٢٦٦ - الطبعة الرابعة [شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٠٤]) من الصحة مسح الظهر الوارد في حديث عمر وكان ذلك سهواً مني أسأله تعالى أن يغفره لي فقد تنبهت إلى أن له شاهداً حسناً من حديث أبي هريرة وهو مذكور في " الشرح " وآخر من حديث ابن عباس بسند ضعيف خرجته في " السنة " (٢٠٣) فاقتضى التنبيه.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٣٨).
[١٣١] باب منه
[قال رسول الله ﵌]:
«أخذ الله ﵎ الميثاق من ظهر آدم بـ (نعمان) - يعني عرفة-فأخرج
стр. 607
من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً قال: ﴿ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أوتقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾».
[قال الإمام]:
أخرجه أحمد (١/ ٢٧٢) وابن جرير في " التفسير " (١٥٣٣٨) وابن أبي عاصم في " السنة " (١٧/ ١) والحاكم (٢/ ٥٤٤) والبيهقي في " الأسماء والصفات " (ص ٣٢٦ - ٣٢٧) كلهم من طريق الحسين بن محمد المروذي حدثنا جرير بن حازم عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﵌ قال: فذكره. قال الحاكم: " صحيح الإسناد ".ووافقه الذهبي.
قلت: وحقهما أن يقيداه بأنه على شرط مسلم، فإن كلثوم بن جبر من رجاله وسائرهم من رجال الشيخين. وتابعه وهب بن جرير حدثنا أبي به دون ذكر " نعمان" وقال أيضا: " صحيح الإسناد، وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر ".ووافقه الذهبي أيضا. وأما ابن كثير فتعقبه بقوله في " التفسير " (٢/ ٢٦٢): " هكذا قال، وقد رواه عبد الوارث عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فوقفه. وكذا رواه إسماعيل بن علية ووكيع عن ربيعة بن كلثوم بن جبر عن أبيه به، وكذا رواه عطاء بن السائب وحبيب بن أبي ثابت وعلي بن بذيمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وكذا رواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس، فهذا أكثر وأثبت. والله أعلم ".
قلت: هو كما قال رحمه الله تعالى، ولكن ذلك لا يعني أن الحديث لا يصح مرفوعا وذلك لأن الموقوف في حكم المرفوع، لسببين: الأول: أنه في تفسير القرآن، وما كان كذلك فهو في حكم المرفوع، ولذلك اشترط الحاكم في كتابه
стр. 608
" المستدرك " أن يخرج فيه التفاسير عن الصحابة كما ذكر ذلك فيه (١/ ٥٥).
الآخر: أن له شواهد مرفوعة عن النبي ﵌ عن جمع من الصحابة، وهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو وأبو هريرة وأبو أمامة وهشام بن حكيم أو عبد الرحمن بن قتادة السلمي على خلاف عنهما- ومعاوية بن أبي سفيان وأبو الدرداء وأبو موسى، وهي إن كان غالبها لا تخلوا أسانيدها من مقال، فإن بعضها يقوي بعضا، بل قال الشيخ صالح المقبلي في " الأبحاث المسددة ": " ولا يبعد دعوى التواتر المعنوي في الأحاديث والروايات في ذلك" (١)، ولاسيما وقد تلقاها أو تلقى ما اتفقت عليه من إخراج الذرية من ظهر آدم وإشهادهم على أنفسهم، السلف الصالح من الصحابة والتابعين دون اختلاف بينهم، منهم عبد الله ابن عمرو وعبد الله بن مسعود، وناس من الصحابة، وأبي بن كعب وسلمان الفارسي ومحمد بن كعب والضحاك بن مزاحم والحسن البصري وقتادة وفاطمة بنت الحسين وأبو جعفر الباقر وغيرهم، وقد أخرج هذه الآثار الموقوفة وتلك الأحاديث المرفوعة الحافظ السيوطي في " الدر المنثور " (٣/ ١٤١ - ١٤٥)، وأخرج بعضها الشوكاني في " فتح القدير " (٢/ ٢١٥ - ٢٥٢) ومن قبله الحافظ ابن كثير في " تفسيره (٢/ ٢٦١ - ١٦٤) وخرَّجت أنا حديث عمر في " الضعيفة " (٣٠٧٠) وصححته لغيره في " تخريج شرح الطحاوية " (٢٦٦) وحديث أبي هريرة في تخريج السنة لابن أبي عاصم (٢٠٤ و٢٠٥ - بتحقيقي) وصححته أيضا هناك (ص ٢٦٧) وفي الباب عن أبي الدرداء مرفوعا، وقد سبق برقم (٤٩) وعن أنس، وسبق برقم (١٧٢) وهو متفق عليه، فهو أصحها وفيه: " إن الله تعالى يقول للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا؟
стр. 609
فيقول: نعم. فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي ".
إذا عرف هذا فمن العجيب قول الحافظ ابن كثير عقب الأحاديث والآثار التي سبقت الإشارة إلى أنه أخرجها: " فهذه الأحاديث دالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه، وميز بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وفي حديث عبد الله بن عمرو، وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان كما تقدم ".
قلت: وليس الأمر كما نفى، بل الإشهاد وارد في كثير من تلك الأحاديث: الأول: حديث أنس هذا، ففيه كما رأيت قول الله تعالى: " قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا ".قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (٦/ ٢٨٤): " فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ... ﴾ الآية.
قلت: ولفظ حديث ابن عمرو الذي أعله ابن كثير بالوقف إنما هو: أخذ من ظهره ... "، فأي فرق بينه وبين لفظ حديث أنس الصحيح؟!
الثاني: حديث عمر بلفظ: «ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية ... ».
الثالث: حديث أبي هريرة الصحيح: « ... مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة ... ».
الرابع: حديث هشام بن حكيم: «إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم، ثم أشهدهم على أنفسهم ... »
стр. 610
الخامس: حديث أبي أمامة: «لما خلق الله الخلق وقضى القضية، أخذ أهل اليمين بيمينه، وأهل الشمال بشماله، فقال: ... ألست بربكم، قالوا: بلى ... ».
ففي ذلك رد على قول ابن القيم أيضا في كتاب " الروح " (ص ١٦١) بعد أن سرد طائفة من الأحاديث المتقدمة: " وأما مخاطبتهم واستنطاقهم وإقرارهم له بالربوبية وشهادتهم على أنفسهم بالعبودية- فمن قال من السلف فإنما هو بناء منه على فهم الآية، والآية لم تدل على هذا بل دلت على خلافه ".
وقد أفاض جداًّ في تفسير الآية وتأويلها تأويلا ينافي ظاهرها بل ويعطل دلالتها أشبه ما يكون بصنيع المعطلة لآيات وأحاديث الصفات حين يتأولونها، وهذا خلاف مذهب ابن القيم ﵀ الذي تعلمناه منه ومن شيخه ابن تيمية، فلا أدري لماذا خرج
عنه هنا لاسيما وقد نقل (ص ١٦٣) عن ابن الأنباري أنه قال: " مذهب أهل الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية أن الله أخرج ذرية آدم من صلبه وصلب أولاده وهم في صور الذر فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون، فاعترفوا بذلك وقبلوا، وذلك بعد أن ركب فيهم عقولا عرفوا بها ما عرض عليهم كما جعل للجبل عقلا حين خوطب، وكما فعل ذلك للبعير لما سجد، والنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت".كما نقل أيضا عن إسحاق بن راهويه: "وأجمع أهل العلم أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، وأنه استنطقهم وأشهدهم".
قلت: وفي كلام ابن الأنباري إشارة لطيفة إلى طريقة الجمع بين الآية والحديث وهو قوله: "إن الله أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولاده". وإليه
стр. 611
ذهب الفخر الرازي في " تفسيره " (٤/ ٣٢٣) وأيده العلامة ملا على القاري في " مرقاة المفاتيح " (١/ ١٤٠ - ١٤١) وقال عقب كلام الفخر: " قال بعض المحققين: إن بني آدم من ظهره، فكل ما أخرج من ظهورهم فيما لا يزال إلى يوم القيامة هم الذين أخرجهم الله تعالى في الأزل من صلب آدم، وأخذ منهم الميثاق الأزلي ليعرف منه أن النسل المخرج فيما لا يزال من أصلاب بنيه هو المخرج في الأزل من صلبه، وأخذ منهم الميثاق الأول، وهو المقالي الأزلي، كما أخذ منهم فيما لا يزال بالتدريج حين أخرجوا الميثاق الثاني، وهو الحالي الإنزالي.
والحاصل أن الله تعالى لما كان له ميثاقان مع بني آدم أحدهما تهتدي إليه العقول من نصب الأدلة الحاملة على الاعتراف الحالي، وثانيهما المقالي الذي لا يهتدي إليه العقل، بل يتوقف على توقيف واقف على أحوال العباد من الأزل إلى الأبد، كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أراد ﵊ أن يعلم الأمة ويخبرهم أن وراء الميثاق الذي يهتدون إليه بعقولهم ميثاقاً آخر أزلياًّ فقال (ما) قال من مسح ظهر آدم في الأزل وإخراج ذريته وأخذه الميثاق عليهم وبهذا يزول كثير من الإشكالات، فتأمل فيها حق التأمل ".
وجملة القول أن الحديث صحيح، بل هو متواتر المعنى كما سبق، وأنه لا تعارض بينه وبين آية أخذ الميثاق، فالواجب ضمه إليها، وأخذ الحقيقة من مجموعها وقد تجلت لك إن شاء الله مما نقلته لك من كلام العلماء، وبذلك ننجو من مشكلتين بل مفسدتين كبيرتين:
الأولى: رد الحديث بزعم معارضته للآية.
والأخرى: تأويلها تأويلاً يبطل معناها، أشبه ما يكون بتأويل المبتدعة.
стр. 612
والمعتزلة. كيف لا وهم أنفسهم الذين أنكروا حقيقة الأخذ والإشهاد والقول المذكور فيها بدعوى أنها خرجت مخرج التمثيل! وقد عز علي كثيراً أن يتبعهم في ذلك مثل ابن القيم وابن كثير، خلافاً للمعهود منهم من الرد على المبتدعة ما هو هو دون ذلك من التأويل. والعصمة لله وحده.
ثم إنه ليلوح لي أننا وإن كنا لا نتذكر جميعا ذلك الميثاق الرباني وقد بين العلماء سبب ذلك- فإن الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والتي تشهد فعلاً بأن الله هو الرب وحده لا شريك له، إنما هي أثر ذلك الميثاق، وكأن الحسن البصري ﵀ أشار إلى ذلك حين روى عن الأسود بن سريع مرفوعا: " ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة ...
" الحديث، قال الحسن عقبه: " ولقد قال الله ذلك في كتابه: [وإذ أخذ ربك ... ] الآية ".أخرجه ابن جرير (١٥٣٥٣)، ويؤيده أن الحسن من القائلين بأخذ الميثاق الوارد في الأحاديث، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وعليه فلا يصح أن يقال: إن الحسن البصري مع الخلف القائلين بأن المراد بالإشهاد المذكور في الآية إنما هو فطرهم على التوحيد، كما صنع ابن كثير. والله أعلم.
"الصحيحة" (٤/ ١٥٨، ١٦٣).
[١٣٢] باب حُكْم من لم يوف بالميثاق [قال رسول الله ﵌ -]:
«يقول الله لأهونِ أهل النار عذابا يوم القيامة: يا ابن آدم! كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع، فيقال له: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتدياً بها؟ فيقول: نعم، فيقول: كذبت قد أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب
стр. 613
" وفي رواية: ظهر " آدم أن لا تشرك بي شيئاً ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك، فيؤمر به إلى النار».
[قال الإمام]:
قوله (وأنت في صلب آدم).
قال القاضي عياض: " يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم .. ﴾ الآية، فهذا الميثاق الذي أُخذ عليهم في صلب آدم، فمن وفى به بعد وجوده في الدنيا فهو مؤمن، ومن لم يوف به فهو كافر، فمراد الحديث: أردت منك حين أخذت الميثاق، فأبيت إذ أخرجتك إلى الدنيا إلا الشرك ".ذكره في " الفتح ".
"الصحيحة" (١/ ١/٣٣١ - ٣٣٢، ٣٣٤).
[١٣٣] باب ضلالة عقيدة الأقطاب والأوتاد
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«إن لله في الخلق ثلاثمائة قلوبهم على قلب آدم ﵇، ولله تعالى في الخلق أربعون قلوبهم على قلب موسى ﵇، ولله تعالى في الخلق سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم ﵇، ولله تعالى في الخلق خمسة قلوبهم على قلب جبريل ﵇، ولله تعالى في الخلق ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل ﵇، ولله تعالى في الخلق واحد قلبه على قلب إسرافيل ﵇، فإذا مات الواحد أبدل الله مكانه من الثلاثة، وإذا مات الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة، وإذا مات الخمسة أبدل الله تعالى مكانه من السبعة، وإذا مات السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين، وإذا مات الأربعين أبدل الله مكانه من
стр. 614
الثلاثمائة، وإذا مات الثلاثمائة أبدل الله مكانه من العامة، فبهم يحيي ويميت ويمطر وينبت، ويدفع البلاء».
(موضوع)
[قال الإمام]:
أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (١/ ٨ - ٩) والذهبي في " الميزان " من طريق عبد الرحيم بن يحيى الأرمني: حدثنا عثمان بن عمارة: حدثنا المعافى بن عمران عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله قال: قال رسول الله ﵌: فذكره. وزاد أبو نعيم:
" قيل لعبد الله بن مسعود: كيف بهم يحيي ويميت؟ قال: لأنهم يسألون الله إكثار الأمم فيكثرون، ويدعون على الجبابرة فيقصمون، ويستقون فيسقون، ويسألون فتنبت لهم الأرض، ويدعون فيدفع بهم أنواع البلاء ".
أورده الذهبي في ترجمة عثمان بن عمارة وقال: " وهو كذب، فقاتل الله من وضع هذا الإفك".
وأقره الحافظ في " اللسان ".لكنه استدرك عليه فقال: " وسبق في ترجمة عبد الرحيم قوله: أتهمه به أو عثمان ".يعني أن التهمة في وضع هذا الحديث تتردد بين عبد الرحيم الأرمني وعثمان هذا، فإنهما مجهولان لا يعرفان إلا في هذا الحديث الباطل.
(تنبيه): (الأرمني) هكذا وقع في " الحلية " وفي " الحاوي " (٢/ ٤٦٤) نقلا عنه. ووقع في " الميزان ": " الأدمي ".فالله أعلم.
стр. 615
(فائدة) نقلت أكثر أسانيد الأحاديث المتقدمة من رسالة السيوطي " الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال ".وقد حشاها بالأحاديث الضعيفة، والآثار الواهية، وبعضها أشد ضعفاً من بعض كما يدلك هذا التخريج، ومن عجيب أمره أنه لم يذكر فيها ولا حديثاً واحداً في القطب المزعوم، ويسميه تبعاً للصوفية بالغوث أيضاً، وكذلك لم يذكر في الأوتاد والنجباء أي حديث مرفوع، وإنما هي كلها أسماء مخترعة عند الصوفية، لا تعرف عند السلف، اللهم إلا اسم البدل فهو مشهور عندهم كما تقدم. والله أعلم.
"الضعيفة" (٣/ ٦٧٠ - ٦٧١).
[١٣٤] باب جواب من خلق الله
[قال رسول الله ﵌]:
«إن أحدكم يأتيه الشيطان فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله، فيقول: فمن خلق الله؟! فإذا وجد ذلك أحدكم فليقرأ: آمنت بالله ورسله، فإن ذلك يذهب عنه».
«يأتي شيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟! فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته».
[وقال ﵌]:
- «يوشك الناس يتساءلون بينهم حتى يقول قائلهم: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله ؟ فإذا قالوا ذلك، فقولوا: ﴿الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد﴾ ثم ليتفل أحدكم عن يساره ثلاثا، وليستعذ من الشيطان».
فقه الحديث:
стр. 616
[قال الإمام]:
دلت هذه الأحاديث الصحيحة على أنه يجب على من وسوس إليه الشيطان بقوله: من خلق الله؟ أن ينصرف عن مجادلته إلى إجابته بما جاء في الأحاديث المذكورة، وخلاصتها أن يقول: " آمنت بالله ورسله، الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. ثم يتفل عن يساره ثلاثا، ويستعيذ بالله من الشيطان، ثم ينتهي عن الانسياق مع الوسوسة.
وأعتقد أن من فعل ذلك طاعة لله ورسوله، مخلصا في ذلك أنه لابد أن تذهب الوسوسة عنه، ويندحر شيطانه لقوله ﵌: " فإن ذلك يذهب عنه ".
وهذا التعليم النبوي الكريم أنفع وأقطع للوسوسة من المجادلة العقلية في هذه القضية، فإن المجادلة قلما تنفع في مثلها. ومن المؤسف أن أكثر الناس في غفلة عن هذا التعليم النبوي الكريم، فتنبهوا أيها المسلمون، وتعرفوا إلى سنة نبيكم، واعملوا بها، فإن فيها شفاءكم وعزكم.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٣٣ - ٢٣٦).
[١٣٥] باب ذكر بعض أهل الضلال ممن تلبس بشرك الربوبية
[سئل الشيخ عن فتواه الخاصة بالخميني، فأجاب]:
الفتوى خلاصتها: أنه وقفنا على عبارات للخميني أنه يقول: كذا وكذا، أربع خمس عبارات، فهذه العبارات هي الكفر بعينه، وكل من يقول بهذا الكلام فهو كافر أو يكفر، وشرحنا هنا في الأسباب المقتضية لهذا الحكم، وبلا شك أنه نفس الكلمات عندما يقرأها مسلم مهما كان الثقافة الإسلامية ضحلة فهو لا يشك في أن هذا الكلام كفر.
стр. 617
من ذلك مثلاً أنه يقول في بعض كتبه: بأن أئمة أهل البيت هم من المنزلة عند الله ﵎ فوق منزلة الملائكة والرسل والأنبياء، ومن ذلك أنه يقول: أن مصحف فاطمة أظن مذكور هذا في الأشياء .. مصحف فاطمة هو المصحف الكامل، أما المصحف المتداول اليوم بين الأئمة فهو جزء من ذاك المصحف، وهذا كفر لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) وهكذا أربع خمس عبارات نقلت من كتبه .. كتب الخميني نفسه، هذه الأشياء خطيرة جداً وكتابه الذي أصدره: «فوائد الثورة الإيرانية» هذه وهي: الكتاب المعروف: «بالحكومة الإسلامية»، لا أدري رأيتم هذا الكتيب الصغير؟
مداخلة: لا.
الشيخ: لم تروه،، في هذا الكتيب الصغير الذي سماه: الثورة الإسلامية أو: الحكومة الإسلامية مع أن هذا الكتاب هو كتاب دعاية، والمفروض عند كل الناس المسلمين والكافرين أن أي كتاب سياسي لا يحسن بالكاتب أن ينشر في هذا الكتاب العقائد التي يعلم أن الخصوم سوف ينكرونها ويبادرون إلى عدم الاستجابة لمضمون الكتاب بصورة عامة، ومع أن الشيعة يوجد عندهم عقيدة يساعدهم أوسع ما تكون المساعدة في سلوك هذا السبيل السياسي وهو: كتمان عقائدهم عن الناس؛ لأنه يوجد لديهم شيء يسمى: بالتقية، لا بد أنك سمعت عن التقية شيء، فالأمر عندهم في موضوع التقية خطير جداً بحيث أنه لا يمكن لإنسان يعرف أن عندهم التقية أن يركن إليهم؛ لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وهذا دين عندهم، فهو إذا قال لك عن شيء وهو يعلم أنه كاذب لا يستوحش من هذا الكلام إطلاقاً؛ لأن هكذا دينه الذي منه التقية يأمره بذلك.
فمع كون عندهم هذه التقية التي تسوغ لهم أن يقولوا ما شاؤوا، وعلى
стр. 618
العكس أكثر من ذلك أن يكتموا عن الناس عقائدهم، لكن الله لحكمته البالغة ألهم هذا الرجل الخميني في كتيبه المشار إليه آنفاً: الحكومة الإسلامية أن يبيح عن بعض العقائد مع أنه كتاب دعوة وسياسة، منها: ما ذكرته آنفاً من تعظيمه لأهل البيت أكثر من الملائكة والأنبياء والرسل.
ومن ذلك وهذه كفرية أخرى، وهي: أنهم يعني: أهل البيت يعلمون كل حركة تقع في الكون ما من ذرة تقع في الكون إلا وهم على علم بها، مع أن أهل البيت ماتوا وصاروا تراباً مهما كان شأنهم، فجعلوهم شركاء في العلم مع الله ، يعني: أشياء غريبة جداً، فربنا ﵎ ليقيم الحجة على من قد يغتر بدعايتهم يعني: سَخَّرَ هذا الإنسان أن يضع في هذا الكتيب الذي هو كتاب دعاية العقيدتين الوافدتين، واحدة منها تكفي لتحذير الناس من الاغترار بما سموه بالثورة الإسلامية.
ومع الأسف يعني: لما قامت هذه الثورة اغتر بها بعض الشخصيات الإسلامية ويمكن ذهبوا إليهم، فمنهم من رجع وقد تبين له الحق، ومنهم من لا يزال إلى الآن يدعو إلى دعوتهم ...
"الهدى والنور" (١٣٧/ ٠٠:٠٥:١٨)
стр. 619
جامع أحكام القبور
стр. 620
جماع أبواب الكلام
حول حكم اتخاذ القبور مساجد، وحكم الصلاة في المساجد المبنية على القبور، وما يتصل بذلك من مسائل
стр. 621
[١٣٦] باب أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد
١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت: فلولا ذاك أُبرِزَ (١).قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً» (٢).
ومثل قول عائشة هذا ما روي عن أبيها ﵄ فأخرج ابن زنجويه عن عمر مولى غفرة قال:
لما ائتمروا في دفن رسول الله ﵌ قال قائل: ندفنه حيث كان يصلي في مقامه! وقال أبو بكر: معاذ الله أن نجعله وثناً يعبد، وقال الآخرون: ندفنه في البقيع
стр. 622
حيث دفن إخوانه من المهاجرين، قال أبو بكر: إنا نكره أن يخرج قبر رسول الله ﵌ إلى البقيع، فيعوذ به من الناس من لله عليه حق، وحق الله فوق حق رسوله ﵌، فإن أخرجناه (الأصل: أخرناه) ضيّعنا حق الله، وإن أخفرناه (!) أخفرنا قبر رسول الله ﵌ قالوا: فما ترى أنت يا أبا بكر؟ قال سمعت رسول الله ﵌ يقول: «ما قبض الله نبياً قط إلا دفن حيث قبض روحه» قالوا: فأنت والله رضي مقنع، ثم خطوا حول الفراش خطاً، ثم احتمله عليّ والعباس والفضل وأهله، ووقع القوم في الحفر يحفرون حيث كان الفراش (١).
٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌:
«قاتلَ اللهُ اليهودَ؛ اتخذوا قُبُورَ أنبيائِهِمْ مَسَاجِد» (٢).
٣ و٤ - عن عائشة وابن عباس؛ أن رسول الله ﵌ لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة (٣) له فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه، وهو يقول: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائِهم مساجِد».تقول عائشةُ: يحذر مثل
стр. 623
الذي صنعوا (١).
قال الحافظ ابن حجر: «وكأنه ﵌ علم أنه مرتحل من ذلك المرض، فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى، فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم».
قلت: يعني من هذه الأمة وفي الحديث الآتي (٦) التصريح بنهيهم عن ذلك، فتنبه.
٥ - عن عائشة ﵂ قالت: لما كان مرض النبي ﵌ تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة، يقال لها: مارية- وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة- فذكرن من حسنها وتصاويرها، قالت: [فرفع النبي ﵌ رأسه] فقال: «أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، ثم صوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله [يوم القيامة]» (٢).
قال الحافظ ابن رجب في «فتح الباري»:
стр. 624
«هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها، كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كل واحد منهما محرم على انفراده؛ فتصوير صور الآدميين يحرم، وبناء القبور على المساجد بانفراده يحرم، كما دلت عليه نصوص أخر يأتي ذكر بعضها.» قال: «والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة كانت على الحيطان ونحوها ولم يكن لها ظل، فتصوير الصور على مثال صور الأنبياء والصالحين للتبرك بها والاستشفاع بها يحرم في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان وهو الذي أخبر النبي ﵌ أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة، وتصوير الصور للتأسي برؤيتها أو للتنزه بذلك والتلهي محرم، وهو من الكبائر، وفاعله من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله التي لا يقدر على فعلها غيره، وأنه تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله ».
ذكره في «الكواكب الدراري» (مجلد ٦٥/ ٨٢/٢).
قلت: ولا فرق في التحريم بين التصوير اليدوي والتصوير الآلي والفوتوغرافي، بل التفريق بينهما جمود وظاهرية عصرية كما بينته في كتابي «آداب الزفاف» ( ﷺ ١٠٦ - ١١٦ الطبعة الثانية طبع المكتب الإسلامي).
٦ - عن جندب بن عبد الله البجلي؛ أنه سمع النبي ﵌ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «قد كان لي فيكم إخوة وأصدقاء، وإني أبرأ (١) إلى الله أن يكون لي فيكم خليل، وإن الله قد اتخذني خليلاً كما تخذ إبراهيم خليلاً،
стр. 625
ولو كنت متخذا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا [وإن] من كان قبلكم [كانوا] يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (١).
٧ - عن الحارث النجراني قال: سمعت النبي ﵌ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك» (٢).
٨ - عن أسامة بن زيد؛ أن رسول الله ﵌ قال في مرضه الذي مات
فيه: «أدخلوا عليَّ أصحابي»، فدخلوا عليه وهو متقنع ببردة معافريّ (٣)،
[فكشف القناع] فقال: «لعن الله اليهود [والنصارى] اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد» (٤).
٩ - عن أبي عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلم به النبي ﵌:
«أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن
стр. 626
شرار الناس الذي اتخذوا (وفي رواية: يتخذون) (١) قبور أنبيائهم مساجد» (٢).
١٠ - عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﵌ قال: «لعن الله (وفي رواية: قاتل الله) اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣).
стр. 627
١١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «اللهم لا تجعل قبري وثناً (١)، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢).
١٢ - عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد» (٣).
стр. 628
١٣ - عن علي بن أبي طالب قال: لقيني العباس فقال: يا علي انطلق بنا إلى النبي ﵌ فإن كان لنا من الأمر شيء، وإلا أوصى بنا الناس، فدخلنا عليه وهو مغمى عليه، فرفع رأسه فقال: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور الأنبياء مساجد».زاد في رواية: «ثم قالها الثالثة».فلما رأينا ما به خرجنا ولم نسأله عن شيء (١).
١٤ - عن أمهات المؤمنين أن أصحاب رسول الله ﵌ قالوا: كيف نبني قبر رسول الله ﵌؟ أنجعله مسجدا؟ فقال أبو بكر الصديق: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢).
"تحذير الساجد" (ص٩ - ٢٠)
стр. 629
[١٣٧] باب معنى اتخاذ القبور مساجد
[قال الإمام]:
الذي يمكن أن يفهم من الاتخاذ إنما هو ثلاث معان:
الأول: الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها.
الثاني: السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء.
الثالث: بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها.
أقوال العلماء في معنى الاتخاذ المذكور:
وبكل واحد من هذه المعاني قال طائفة من العلماء، وجاءت بها نصوص صريحة عن سيد الأنبياء ﵌.
أما الأول، فقال ابن حجر الهيتمي في «الزواجر» (١/ ١٢١):
«واتخاذ القبر مسجداً معناه الصلاة عليه أو إليه».
فهذا نص منه على أنه يفهم الاتخاذ المذكور شاملا لمعنيين أحدهما الصلاة على القبر
وقال الصنعاني في «سبل السلام» (١/ ٢١٤): «واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها أو بمعنى الصلاة عليها».
قلت: يعني أنه يعم المعنيين كليهما ويحتمل انه أراد المعاني الثلاثة، وهو الذي فهمه الإمام الشافعيُّ ﵀، وسيأتي نص كلامه في ذلك ويشهد للمعنى الأول أحاديث:
стр. 630
الأول: عن أبي سعيد الخدري: «أن رسول الله ﵌ نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها» (١).
الثاني: قوله ﵌: «لا تصلوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر» (٢).
الثالث: عن أنس: أن النبي ﵌ نهى عن الصلاة إلى القبور (٣).
الرابع: عن عمروا بن دينار-وسئل عن الصلاة وسط القبور-قال: ذكر لي
أن النبي ﵌ قال: «كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فعلنهم
الله تعالى» (٤).
وأما المعنى الثاني: فقال المناوي في «فيض القدير» حيث شرح الحديث الثالث المتقدم:
«أي اتخذوها جهة قبلتهم مع اعتقادهم الباطل، وإن اتخاذها مساجد لازمٌ (٥)
стр. 631
لاتخاذ المساجد عليها كعكسه، وهذا بين به سبب لعنهم لما فيه من المغالاة في التعظيم. قال القاضي (يعني البيضاوي): لما كانت اليهود يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لشأنهم، ويجعلونها قبلة، ويتوجهون في الصلاة نحوها، فاتخذوها أوثاناً لعنهم الله، ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه ... ».
قلت: وهذا معنى قد جاء النهي الصريح عنه فقال ﵌: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» (١).
стр. 632
قال الشيخ علي القاري في «المرقاة» (٢/ ٣٧٢) معللا النهي: «لما فيه من التعظيم البالغ كأنه من مرتبة المعبود، ولو كان هذا التعظيمُ حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظم، فالتشبه به مكروه، وينبغي أن تكون كراهة تحريم. وفي معناه بل أولى منه الجنازة الموضوعة (يعني قبلة المصلين) وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها».
قلت: يعني في صلاة الفريضة وهذا بلاءٌ عامٌ قد تعداه إلى بلاد الشام والأناضول وغيرها، وقد وقفنا منذ شهر على صورة شمسية قبيحة جداً تمثل صفاً من المصلين ساجدين تجاه نعوش مصفوفة أمامهم فيها جثث جماعة من الأتراك كانوا ماتوا غرقا في باخرة.
وبهذه المناسبة نلفت النظر إلى أن الغالب من هديه ﵌ هو الصلاة على الجنائز في «المصلى» خارج المسجد، ولعل من حكمة ذلك إبعادُ المصلين عن الوقوع في مثل هذه المخالفة التي نبه عليها العلامة القاري ﵀.
ونحو الحديث السابق ما روى ثابت البناني عن أنس ﵁ قال:
«كنت أصلي قريباً من قبر، فرآني عمر بن الخطاب فقال: القبر القبر. فرفعت بصري إلى السماء، وأنا أحسبه يقول: القمر!» (١).
وأما المعنى الثالث: فقد قال به الإمام البخاريُّ، فإنه ترجم للحديث الأول بقوله «باب ما يكره من اتخاذ القبور مسجدا على القبور».
стр. 633
فقد أشار بذلك إلى أن النهي عن اتخاذ القبور مسجداً يلزمُ منه النهي عن بناء المساجد عليها، وهذا أمر واضح، وقد صرح به المناوي آنفا وقال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: «قال الكرماني: مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجداً، ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر ومفهومها متغاير، ويجاب بأنهما متلازمان وإن تغاير المفهوم».
وهذا المعنى هو الذي أشارت إليه السيدة عائشة ﵂ بقولها في آخر الحديث الأول:
«فلولا ذاك أُبرِزَ قبره، غير انه خُشِيَ أن يُتَّخَذَ مسجداً».
إذ المعنى فلولا ذاك اللعن الذي استحقه اليهود والنصارى بسبب اتخاذهم القبور مساجد المستلزم البناء عليها، لجعل قبره ﵌ في أرضٍ بارزةٍ مكشوفةٍ، ولكن الصحابة ﵃ لم يفعلوا ذلك خشية أن بُيْنَى عليه مسجد من بعض من يأتي بعدهم، فتشملهم اللعنة.
ويؤيد هذا ما روى ابن سعد (٢/ ٢٤١) بسند صحيح عن الحسن- وهو: البصري- قال: ائتمروا (١) أن يدفنوه ﵌ في المسجد، فقالت عائشة: إن رسول الله ﵌ كان واضعاً رأسه في حجري، إذ قال: «قاتل الله أقواماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، واجتمع رأيهم أن يدفنوه حيث قبض في بيت عائشة.
قلت: هذه الرواية على إرسالها تدل على أمرين اثنين:
أحدهما: أن السيدة عائشة فهمت من الاتخاذ المذكور في الحديث انه يشمل
стр. 634
المسجد الذي قد يدخل فيه القبر فبالأحرى أن يشمل المسجد الذي بني
على القبر.
الثاني: أن الصحابة أقروها على هذا الفهم ولذلك رجعوا إلى رأيها فدفنوه ﵌ في بيتها.
فهذا يدل على أنه لا فرق بين بناء المسجد على القبر، أو إدخال القبر في المسجد، فالكل حرام لأن المحذور واحد ولذلك قال الحافظ العراقي: «فلو بنى مسجدا يقصد أن يدفن في بعضه دخل في اللعنة، بل يحرم الدفن في المسجد وإن شرط أن يدفن فيه لم يصح الشرط؛ لمخالفة وقفه مسجداً» (١).
قلت: وفي هذا إشارة إلى أن المسجد والقبر لا يجتمعان في دين الإسلام، كما تقدم ويأتي ويشهد لهذا المعنى الحديث الخامس المتقدم بلفظ:
«أولئك قوم إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً ... أولئك شرار الخلق ... ».
فهو نص صريح في تحريم بناء المسجد على قبور الأنبياء والصالحين؛ لأنه صرح أنه من أسباب كونهم من شرار الخلق عند الله تعالى.
ويؤيده حديث جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﵌ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه» (٢).
стр. 635
فإنه بعمومه يشمل بناء المسجد على القبر، كما يشمل بناء القبة عليه، بل الأول أولى بالنهي كما لا يخفى.
فثبت أن هذا المعنى صحيح أيضا يدل عليه لفظ (الاتخاذ) وتؤيده الأدلة الأخرى.
أما شمول الأحاديث للنهي عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور فدلالتها على ذلك أوضح وذلك لأن النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها، من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والتوسل بها إليه، مثاله إذا نهى الشارع عن بيع الخمر، فالنهي عن شربه داخل في ذلك كما لا يخفى بل النهي عنه من باب أولى.
ومن البين جداً أن النهي عن بناء المساجد على القبور ليس مقصوداً بالذات، كما أن الأمر ببناء المساجد في الدور والمحلات ليس مقصوداً بالذات، بل ذلك