لاتخاذ المساجد عليها كعكسه، وهذا بين به سبب لعنهم لما فيه من المغالاة في التعظيم. قال القاضي (يعني البيضاوي): لما كانت اليهود يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لشأنهم، ويجعلونها قبلة، ويتوجهون في الصلاة نحوها، فاتخذوها أوثاناً لعنهم الله، ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه ... ».
قلت: وهذا معنى قد جاء النهي الصريح عنه فقال ﵌: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» (١).
стр. 632
قال الشيخ علي القاري في «المرقاة» (٢/ ٣٧٢) معللا النهي: «لما فيه من التعظيم البالغ كأنه من مرتبة المعبود، ولو كان هذا التعظيمُ حقيقة للقبر أو لصاحبه لكفر المعظم، فالتشبه به مكروه، وينبغي أن تكون كراهة تحريم. وفي معناه بل أولى منه الجنازة الموضوعة (يعني قبلة المصلين) وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها».
قلت: يعني في صلاة الفريضة وهذا بلاءٌ عامٌ قد تعداه إلى بلاد الشام والأناضول وغيرها، وقد وقفنا منذ شهر على صورة شمسية قبيحة جداً تمثل صفاً من المصلين ساجدين تجاه نعوش مصفوفة أمامهم فيها جثث جماعة من الأتراك كانوا ماتوا غرقا في باخرة.
وبهذه المناسبة نلفت النظر إلى أن الغالب من هديه ﵌ هو الصلاة على الجنائز في «المصلى» خارج المسجد، ولعل من حكمة ذلك إبعادُ المصلين عن الوقوع في مثل هذه المخالفة التي نبه عليها العلامة القاري ﵀.
ونحو الحديث السابق ما روى ثابت البناني عن أنس ﵁ قال:
«كنت أصلي قريباً من قبر، فرآني عمر بن الخطاب فقال: القبر القبر. فرفعت بصري إلى السماء، وأنا أحسبه يقول: القمر!» (١).
وأما المعنى الثالث: فقد قال به الإمام البخاريُّ، فإنه ترجم للحديث الأول بقوله «باب ما يكره من اتخاذ القبور مسجدا على القبور».
стр. 633
فقد أشار بذلك إلى أن النهي عن اتخاذ القبور مسجداً يلزمُ منه النهي عن بناء المساجد عليها، وهذا أمر واضح، وقد صرح به المناوي آنفا وقال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: «قال الكرماني: مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجداً، ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر ومفهومها متغاير، ويجاب بأنهما متلازمان وإن تغاير المفهوم».
وهذا المعنى هو الذي أشارت إليه السيدة عائشة ﵂ بقولها في آخر الحديث الأول:
«فلولا ذاك أُبرِزَ قبره، غير انه خُشِيَ أن يُتَّخَذَ مسجداً».
إذ المعنى فلولا ذاك اللعن الذي استحقه اليهود والنصارى بسبب اتخاذهم القبور مساجد المستلزم البناء عليها، لجعل قبره ﵌ في أرضٍ بارزةٍ مكشوفةٍ، ولكن الصحابة ﵃ لم يفعلوا ذلك خشية أن بُيْنَى عليه مسجد من بعض من يأتي بعدهم، فتشملهم اللعنة.
ويؤيد هذا ما روى ابن سعد (٢/ ٢٤١) بسند صحيح عن الحسن- وهو: البصري- قال: ائتمروا (١) أن يدفنوه ﵌ في المسجد، فقالت عائشة: إن رسول الله ﵌ كان واضعاً رأسه في حجري، إذ قال: «قاتل الله أقواماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، واجتمع رأيهم أن يدفنوه حيث قبض في بيت عائشة.
قلت: هذه الرواية على إرسالها تدل على أمرين اثنين:
أحدهما: أن السيدة عائشة فهمت من الاتخاذ المذكور في الحديث انه يشمل
стр. 634
المسجد الذي قد يدخل فيه القبر فبالأحرى أن يشمل المسجد الذي بني
على القبر.
الثاني: أن الصحابة أقروها على هذا الفهم ولذلك رجعوا إلى رأيها فدفنوه ﵌ في بيتها.
فهذا يدل على أنه لا فرق بين بناء المسجد على القبر، أو إدخال القبر في المسجد، فالكل حرام لأن المحذور واحد ولذلك قال الحافظ العراقي: «فلو بنى مسجدا يقصد أن يدفن في بعضه دخل في اللعنة، بل يحرم الدفن في المسجد وإن شرط أن يدفن فيه لم يصح الشرط؛ لمخالفة وقفه مسجداً» (١).
قلت: وفي هذا إشارة إلى أن المسجد والقبر لا يجتمعان في دين الإسلام، كما تقدم ويأتي ويشهد لهذا المعنى الحديث الخامس المتقدم بلفظ:
«أولئك قوم إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً ... أولئك شرار الخلق ... ».
فهو نص صريح في تحريم بناء المسجد على قبور الأنبياء والصالحين؛ لأنه صرح أنه من أسباب كونهم من شرار الخلق عند الله تعالى.
ويؤيده حديث جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﵌ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه» (٢).
стр. 635
فإنه بعمومه يشمل بناء المسجد على القبر، كما يشمل بناء القبة عليه، بل الأول أولى بالنهي كما لا يخفى.
فثبت أن هذا المعنى صحيح أيضا يدل عليه لفظ (الاتخاذ) وتؤيده الأدلة الأخرى.
أما شمول الأحاديث للنهي عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور فدلالتها على ذلك أوضح وذلك لأن النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها، من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والتوسل بها إليه، مثاله إذا نهى الشارع عن بيع الخمر، فالنهي عن شربه داخل في ذلك كما لا يخفى بل النهي عنه من باب أولى.
ومن البين جداً أن النهي عن بناء المساجد على القبور ليس مقصوداً بالذات، كما أن الأمر ببناء المساجد في الدور والمحلات ليس مقصوداً بالذات، بل ذلك
стр. 636
كله من أجل الصلاة فيها، سلباً أو إيجاباً، يوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلاً بنى مسجداً في مكان قفر غير مأهول، ولا يأتيه أحدٌ للصلاة فيه، فليس لهذا الرجل أي أجر في بنائه لهذا المسجد، بل هو عندي آثم؛ لإضاعة المال، ووضعه الشيء في غير محله!
فإذا أمر الشارع ببناء المساجد فهو يأمر ضمناً بالصلاة فيها لأنها هي المقصودة بالبناء، وكذلك إذا نهى عن بناء المساجد على القبور فهو ينهى ضمناً عن الصلاة فيها، لأنها هي المقصودة بالبناء أيضاً، وهذا بين لا يخفى على العاقل إن شاء الله تعالى.
ترجيح شمول الحديث للمعاني كلها وقول الشافعي بذلك.
وجملة القول: أن الاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدمة يشمل كل هذه المعاني الثلاثة، فهو من جوامع كلمه ﵌، وقد قال بذلك الإمام الشافعيُّ ﵀، ففي كتابه «الأم» (١/ ٢٤٦) ما نصه:
«وأكره أن يبنى على القبر مسجد، وأن يسوى، أو يصلى عليه وهو غير مسوى (يعني أنه ظاهر معروف) أو يصلى إليه»، قال: «وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء، أخبرنا مالك، أن رسول الله ﵌ قال: «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».» قال: «وأكره هذا للسنة والآثار، وأنه كره- والله تعالى أعلم- أن يُعظم أحدٌ من المسلمين، يعني يُتخذ قبره مسجداً، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على ما يأتي بعده».
فقد استدل بالحديث على المعاني الثلاثة التي ذكرها في سياق كلامه فهو دليل واضح على أنه يفهم الحديث على عمومه وكذلك صنع المحقق الشيخ على
стр. 637
القارئ نقلاً عن بعض أئمة الحنفية فقال في «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» (١/ ٤٥٦):
«سبب لعنهم: إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لهم، وذلك هو الشرك الجلي، وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى في مدافن الأنبياء، والسجود على مقابرهم، والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة نظراً منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وذلك هو الشرك الخفي؛ لتضمنه ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له، فنهى النبي ﵌ أمته عن ذلك إما لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود، أو لتضمنه الشرك الخفي. كذا قاله بعض الشرَّاح من أئمتنا، ويؤيده ما جاء في رواية: يحذر ما صنعوا».
قلت: والسبب الأول الذي ذكره وهو السجود لقبور الأنبياء تعظيماً لهم، وإن كان غير مستبعد حصوله من اليهود والنصارى، فإنه غير متبادر من قوله ﵌: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، فإن ظاهره أنهم اتخذوها مساجد لعبادة الله فيها على المعاني السابقة تبركا بمن دفن فيها من الأنبياء، وإن كان هذا أدى بهم- كما يؤدي بغيرهم- إلى وقوعهم في الشرك الجلي ذكره الشيخ القارئ.
"تحذير الساجد" (ص٢١ - ٣٢)
стр. 638
[١٣٨] باب حكم اتخاذ القبور مساجد
[قال الإمام]:
إن كل من يتأمل في (أحاديث اتخاذ القبور مساجد) يظهر له بصورةٍ لا شك فيها أن الاتخاذ المذكور حرام، بل كبيرة من الكبائر، لأن اللعن الوارد فيها، ووصف المخالفين بأنهم من شرار الخلق عند الله ﵎، لا يمكن أن يكون في حق من يرتكب ما ليس كبيرة كما لا يخفى.
مذاهب العلماء في ذلك
وقد اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم ذلك، ومنهم من صرح بأنه كبيرة، وإليك تفاصيل المذاهب في ذلك:
مذهب الشافعية أنه كبيرة
قال الفقيه ابن حجر الهيتمي في «الزواجر عن اقتراف الكبائر» (١/ ١٢٠): «الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثاناً، والطواف بها، واستلامها، والصلاة إليها» ثم ساق بعض الأحاديث المتقدمة وغيرها ثم قال (ص ١١١):
«(تنبيه): عد هذه الستة من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية، وكأنه أخذ ذلك مما ذكرته من الأحاديث، ووجه اتخاذ القبر مسجدا منها واضح؛ لأنه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه، وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق عند الله تعالى يوم القيامة، ففيه تحذير لنا كما في رواية: «يحذر ما صنعوا» أي يحذر أمته بقوله لهم ذلك من أن يصنعوا كصنع أولئك، فيلعنوا كما لعنوا، ومن ثم قال
стр. 639
أصحابنا: تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركاً وإعظاماً، ومثلها الصلاة عليه للتبرك والإعظام، وكون هذا الفعل كبيرة ظاهرة من الأحاديث المذكورة لما علمت، فقال بعض الحنابلة:
«قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركاً به عين المحادة لله ولرسوله ﵌، وابتداع دين لم يأذن به الله، للنهي عنها ثم إجماعاً، فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد، أو بناؤها عليها، والقول بالكراهة محمول على غير ذلك، إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي ﵌ لعن فاعله، ويجب المبادرة لهدمها، وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار لأنها أسست على معصية رسول الله ﵌، لأنه نهى عن ذلك، وأمر رسول الله ﵌ بهدم القبور المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره. انتهى».
هذا كله كلام الفقيه ابن حجر الهيتمي وأقره عليه المحقق الآلوسي في «روح المعاني» (٥/ ٣١)، وهو كلام يدل على فهم وفقه في الدين، وقوله فيما نقله عن بعض الحنابلة:
«والقول بالكراهة محمول على غير ذلك».
كأنه يشير إلى قول الشافعي «وأكره أن يبنى على القبر مسجد .. » الخ كلامه الذي نقلته بتمامه فيما سبق (ص. . . .).
وعلى هذا أتباعه من الشافعية كما في «التهذيب» وشرحه «المجموع»، ومن الغريب أنهم يحتجون على ذلك ببعض الأحاديث المتقدمة، مع أنها صريحة في تحريم ذلك، ولعن فاعله، ولو أن الكراهة كانت عندهم للتحريم لقرب الأمر،
стр. 640
ولكنها لديهم للتنزيه، فكيف يتفق القول بـ (الكراهة) مع تلك الأحاديث التي يستدلون بها عليها؟!
أقول هذا وإن كنت لا أستبعد حمل الكراهة في عبارة الشافعي المتقدمة خاصة على الكراهة التحريمية؛ لأنه هو المعنى الشرعي المقصود في الاستعمال القرآني ولا شك أن الشافعي متأثر بأسلوب القرآن غاية التأثر، فإذا وقفنا في كلامه على لفظ له معنى خاص في القرآن الكريم وجب حمله عليه لا على المعنى المصطلح عليه عند المتأخرين، فقد قال تعالى ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (١) وهذه كلها محرمات، فهذا المعنى- والله اعلم- هو الذي أراده الشافعي ﵀ بقوله المتقدم «وأكره»، ويؤيده انه قال عقب ذلك: «وإن صلى إليه أجزأه، وقد أساء» فإن قوله «أساء» معناه ارتكب سيئة أي حراما فإنه هو المراد بالسيئة في أسلوب القرآن أيضا فقد قال تعالى في سورة (الإسراء) بعد أن نهى عن قتل الأولاد وقربان الزنا وقتل النفس وغير ذلك: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (٢) أي محرماً.
ويؤكد أن هذا المعنى هو المراد من الكراهة في كلام الشافعي في هذه المسألة أن مذهبه أن الأصل في النهي التحريم إلا ما دل الدليل على أنه لمعنى آخر، كما صرح بذلك في رسالته «جماع العلم» (ص ١٢٥) ونحوه في كتابه «الرسالة» (ص ٣٤٣).
ومن المعلوم لدى كل من درس هذه المسألة بأدلتها أنه لا يوجد أي دليل
стр. 641
يصرف النهي الوارد في بعض الأحاديث المتقدمة إلى غير التحريم كيف والأحاديث تؤكد أنه للتحريم كما سبق؟ ولذلك فإني أقطع بأن التحريم هو مذهب الشافعي، لا سيما وقد صرح بالكراهة بعد أن ذكر حديث «قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» كما تقدم فلا غرابة إذن إذا صرح الحافظ العراقي- وهو شافعي المذهب- بتحريم بناء المسجد على القبر كما تقدم (ص١٧٠) والله أعلم.
ولهذا نقول: لقد اخطأ من نسب إلى الإمام الشافعي القول بإباحة تزوج الرجل بنته من الزنا بحجة أنه صرح بكراهة ذلك، والكراهة لا تنافي الجواز إذا كانت للتنزيه! قال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (١/ ٤٧٤٨):
«نص الشافعي على كراهة تزوج الرجل بنته من ماء الزنا ولم يقل قط أنه مباح ولا جائز، والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أحله الله به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم وأطلق لفظ الكراهة لأن الحرام يكرهه الله ورسوله ﵌ وقد قال تعالى عقب ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ... ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ... ﴾ (٢) إلى قوله ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ... ﴾ (٣) إلى آخر الآيات ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (٤).
стр. 642
وفي الصحيح «إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال».
فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرين اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم وتركه أرجح من فعله ثم حمل من حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث فغلط في ذلك وأقبح غلطاً منه من حمل لفظ الكراهة أو لفظ لا ينبغي في كلام الله ورسوله ﵌ على المعنى الاصطلاحي الحادث!».
وبهذه المناسبة نقول:
إن من الواجب على أهل العلم أن ينتبهوا للمعاني الحديثة التي طرأت على الألفاظ العربية التي تحمل معاني خاصة معروفة عند العرب هي غير هذه المعاني الحديثة، لأن القرآن نزل بلغة العرب فيجب أن تفهم مفرداته وجمله في حدود ما كان يفهم العرب الذين أنزل عليهم القرآن ولا يجوز أن تفسر بهذه المعاني الاصطلاحية الطارئة التي اصطلح عليها المتأخرون، وإلا وقع المفسر بهذه المعاني في الخطأ والتقول على الله ورسوله من حيث لا يشعر وقد قدمت مثالاً على ذلك لفظ (الكراهة).
وإليك مثالا آخر لفظ (السنة):.فإنه في اللغة الطريقة وهذا يشمل كل ما كان عليه الرسول ﵌ من الهدى والنور فرضاً كان أو نفلاً وأما اصطلاحا فهو خاص بما ليس فرضاً من هديه ﵌ فلا يجوز أن يفسر بهذا المعنى الاصطلاحي لفظ (السنة) الذي ورد في بعض الأحاديث الكريمة كقوله ﵌: « ... وعليكم بسنتي ... » وقوله ﵌ « ... فمن رغب عن سنتي فليس مني».
стр. 643
ومثله الحديث الذي يورده بعض المشايخ المتأخرين في الحض على التمسك بالسنة بمعناها الاصطلاحي وهو: «من ترك سنتي لم تنله شفاعتي» فأخطأوا مرتين:
الأولى: نسبتهم الحديث إلى النبي ﵌ ولا أصل له فيما نعلم.
الثانية: تفسيرهم للسنة بالمعنى الاصطلاحي غفلة منهم عن معناها الشرعي، وما أكثر ما يخطئ الناس فيما نحن فيه بسبب مثل هذه الغفلة!
ولهذا أكثر ما نبه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ﵏ على ذلك، وأمروا في تفسير الألفاظ الشرعية بالرجوع إلى اللغة لا العرف وهذا في الحقيقة أصل لما يسمونه اليوم بـ «الدراسة التاريخية للألفاظ»
ويحسن بنا أن نشير إلى أن من أهم أغراض مجمع اللغة العربية في الجمهورية العربية المتحدة في مصر «وضع معجم تاريخي للغة العربية، ونشر بحوث دقيقة في تاريخ بعض الكلمات وما طرأ على مدلولاتها من تغيير» كما جاء في الفقرة الثانية من المادة الثانية من القانون ذي الرقم (٤٣٤)(١٩٥٥) الخاص بشأن تنظيم مجمع اللغة العربية (انظر «مجلة المجتمع» ج٨ ص٥).فعسى أن يقوم المجمع بهذا العمل العظيم ويعهد به إلى أيد عربية مسلمة فإن أهل مكة أدرى بشعابها وصاحب الدار أدرى بما فيها وبذلك يسلم هذا المشروع من كيد المستشرقين ومكر المستعمرين!
مذهب الحنفية الكراهة التحريمية
والكراهة بهذا المعنى الشرعي قد قال بها هنا الحنفية فقال الإمام محمد تلميذ أبي حنيفة في كتابه «الآثار» (ص ٤٥):
стр. 644
«لا نرى أن يزاد على ما خرج من القبر، ونكره أن يجصص أو يطين أو يجعل عنده مسجداً».
والكراهة عند الحنفية إذا أطلقت فهي للتحريم، كما هو معروف لديهم، وقد صرح بالتحريم في هذه المسألة ابن الملك منهم كما يأتي (ص٢١٤).
مذهب المالكية التحريم
وقال القرطبي في تفسيره (١٠/ ٣٨) بعد أن ذكر الحديث الخامس:
«قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء
والعلماء مساجد».
مذهب الحنابلة التحريم
ومذهب الحنابلة التحريم أيضا كما في «شرح المنتهى» (١/ ٣٥٣) وغيره، بل نص بعضهم على بطلان الصلاة في المساجد المبنية على القبور، ووجوب هدمها فقال ابن القيم في «زاد المعاد» (٣/ ٢٢) في صدد بيان ما تضمنته غزوة تبوك من الفقه والفوائد، وبعد أن ذكر قصة مسجد الضرار الذي نهى الله ﵎ نبيه أن يصلي فيه وكيف أنه ﵌ هدمه وحرقه قال:
«ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله ﵌ فيها، وهدمها، كما حرق رسول الله ﵌ مسجد الضرار، وأمر بهدمه وهو مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه لما كان بناؤه ضرراً وتفريقاً بين المؤمنين، ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام (١) تعطيله إما بهدم أو تحريق، وإما بتغيير
стр. 645
صورته وإخراجه عما وضع له، وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أنداداً من دون الله أحق بذلك، وأوجب، وكذلك محال المعاصي والفسوق، كالحانات وبيوت الخمارين وأرباب المنكرات، وقد حرق عمر بن الخطاب قرية بكاملها يباع فيها الخمر، وحرق حانوت رويشد الثقفي (١) وسماه فويسقاً، وحرق قصر (٢) سعد لما احتجب فيه عن الرعية، وهمَّ رسول الله ﵌ بتحريق بيوت تاركي حضور الجماعة والجمعة (٣)، وإنما منعه من فيها من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم كما أخبر هو عن ذلك (٤).ومنها أن الوقف لا يصح على غير برٍّ، ولا قربة، كما لم يصح وقف
هذا المسجد، وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بني على قبر كما ينبش الميت إذا
دفن في المسجد نص على ذلك الإمام أحمد وغيره، فلا يجتمع في دين
الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق فلو وضعا معاً لم يجز ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز ولا تصح الصلاة في هذا المسجد لنهي رسول الله ﵌ عن ذلك ولعنه من اتخذ القبر مسجداً أو أوقد عليه
стр. 646
سراجاً (١)
فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه وغربته بين الناس
كما ترى»
فتبين مما نقلناه عن العلماء أن المذاهب الأربعة متفقة على ما أفادته الأحاديث المتقدمة، من تحريم بناء المساجد على القبور. وقد نقل اتفاق العلماء على ذلك اعلم الناس بأقوالهم ومواضع اتفاقهم واختلافهم ألا وهو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد سئل ﵀ بما نصه:
стр. 647
«هل تصح الصلاة على المسجد إذا كان فيه قبر والناس تجتمع فيه لصلاتي الجماعة والجمعة أم لا؟ وهل يمهد القبر أو يعمل عليه حاجز أو حائط؟ فأجاب:
الحمد لله، اتفق الأئمة أنه لا يُبنى مسجد على قبرٍ؛ لأن النبي ﵌ قال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك».وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّر إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديداً وإن كان المسجد بُنيَ بعد القبر فإما أن يزال المسجد وإما تزال صورة القبر فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل، فإنه منهي عنه «كذا في الفتاوى له (١/ ١٠٧ و٢/ ١٩٢).
وقد تبنت دار الإفتاء في الديار المصرية فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية هذه فنقلتها عنه في فتوى لها أصدرتها تنص على عدم جواز الدفن في المسجد فليراجعها من شاء في» مجلة الأزهر «(ج ١١ ص ٥٠١ - ٥٠٣) (١).
وقال ابن تيمية في «الاختيارات العلمية» (ص ٥٢):
«ويحرم الإسراج على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وبينها، ويتعين إزالتها، ولا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين».
ونقله ابن عروة الحنبلي في «الكواكب الدراري» (٢/ ٢٤٤/١) وأقره وهكذا نرى أن العلماء كلهم اتفقوا على ما دلت عليه الأحاديث من تحريم اتخاذ المساجد على القبور، فنحذر المؤمنين من مخالفتهم، والخروج عن طريقتهم، خشية أن يشملهم وعيد قوله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ
стр. 648
الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١). و ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِي﴾ (٢).
"تحذير الساجد" (ص٣٣ - ٤٦)
[١٣٩] باب حكمة تحريم بناء المساجد على القبور
[قال الإمام]:
من الثابت في الشرع أن الناس منذ أول عهدهم كانوا أمة واحدة على التوحيد الخالص ثم طرأ عليهم الشرك، والأصل في هذا قول الله ﵎: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (٣).قال ابن عباس ﵁: «كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين» (٤).
قال ابن عروة الحنبلي في «الكوكب» (٦/ ٢١٢/١):
стр. 649
«وهذا يرد قول من زعم من أهل التاريخ من أهل الكتاب أن قابيل وبنيه عبدوا النار».
قلت: وفيه رد أيضا على بعض الفلاسفة والملاحدة الذين يزعمون أن الأصل في الإنسان الشرك وأن التوحيد هو الطارئ.
ويبطل هذا، ويؤيد الآية السابقة حديثان صحيحان:
الأول: قوله ﵌ فيما يرويه عن ربه: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم (١) عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» (٢).
الثاني: قوله ﵌: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟»
قال أبو هريرة: «واقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٣).الآية» (٤).
إذا تبين هذا فإن من المهم جداً أن يتعلم المسلم كيف طرأ الشرك على المؤمنين بعد أن كانوا موحدين؟
стр. 650
لقد ورد عن جماعة من السلف روايات كثيرة في تفسير قول الله سبحانه في قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (١) أن هؤلاء الخمسة ودًّا ومن ذكر معه كانوا عباداً صالحين، فلما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن يعكفوا على قبورهم، ثم أوحى إلى الذين جاؤوا من بعدهم أن يتخذوا لهم أصناماً،
وزين لهم ذلك بأنه أدعى لهم على أن يذكروهم فيقتدوا بأعمالهم الصالحة، ثم أوحى إلى الجيل الثالث أن يعبوهم من دون الله تعالى وأوهمهم أن آباءهم كانوا يفعلون ذلك فأرسل الله لهم نوحاً ﵇ آمراً لهم أن يعبدوا الله تعالى وحده، فلم يستجيبوا له إلا قليلاً منهم. وقد حكى الله قصته معهم في
سورة نوح.
جاء في صحيح البخاري (٨/ ٥٤٣) عن ابن عباس:
«أن هؤلاء الخمسة أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت». ونحوه في تفسير ابن جرير وغيره عن غير واحد من السلف ﵃.
وفي «الدر المنثور» (٦/ ٢٦٩):
«وأخرج عبد بن حميد عن أبي مطهر قال:
ذكروا عند أبي جعفر (وهو الباقر) يزيد بن الملهب، فقال: أما إنه قتل في أول
стр. 651
أرض عبد فيها غير الله ثم ذكر «ودًّا» قال:
«وكان ود رجلاً مسلماً، وكان محبباً في قومه، فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان، ثم قال: أرى جزعكم على هذا فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه به؟ قالوا:
نعم فصور لهم مثله فوضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل لكم في منزل كل رجلا منكم تمثالاً مثله فيكون في بيته فتذكرونه؟ قالوا: نعم، فصور لكل أهل بيت تمثالاً مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به، قال: وأدرك أبناؤهم، فجعلوا يرون ما يصنعون به، وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلهاً من دون الله (١) قال: وكان أول ما عبد غير الله في الأرض «ود» الصنم الذي سموه بود «(٢).
فاقتضت حكمة الإله ﵎ وقد أرسل محمداً ﵌ خاتم الرسل، وجعل شريعته خاتمه الشرائع أن ينهي عن كل الوسائل التي يخشى أن تكون ذريعة- ولو بعد حين- لوقوع الناس في الشرك الذي هو أكبرا الكبائر فلذلك نهى عن بناء المساجد على القبور كما نهى عن شد الرحال إليها واتخاذها أعياداً (٣)
стр. 652
والحلف بأصحابها، إذ كل ذلك يؤدي إلى الغلو بها وعبادتها من دون الله تعالى لاسيما عند انطفاء العلم وكثره الجهل وقله الناصحين وتعاون شياطين الجن والإنس على إضلال الناس وإخراجهم من عبادة الله ﵎.
ولا يخفى أنه إذا كان من المسلَّم عندنا معشر المسلمين أن من حكمة النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة هو سد الذريعة وعدم التشبه بالمشركين الذين يعبدون الشمس في تلك الأوقات، فالذريعة في التشبه بهم في بناء المساجد على القبور والصلاة فيها أقوى وأوضح، ألا ترى أننا حتى اليوم لم نجد أي أثر سيء لصلاة بعض الناس في هذه الأوقات المنهي عنها، بينما نرى أسوأ الآثار للصلاة في هذه المساجد والمشاهد المبنية على القبور من التمسح بها (١)،
والاستغاثة بأصحابها والنذر لها والحلف بل والسجود لها وغير ذلك من الضلال مما هو
стр. 653
مشاهد معروف فاقتضت حكمته ﵎ تحريم كل هذه الأمور حتى يعبد الله ﵎ وحده ولا يشرك به شيء فيتحقق بذلك أمر تعالى بدعائه وحده في قوله ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١).
وإن مما يأسف له كل مسلم طاهر القلب أن يجد كثيراً من المسلمين قد وقعوا في مخالفة شريعة سيد المرسلين ﵌ التي جاءت بالابتعاد عن كل ما يخدج بالتوحيد، ثم يزداد أسفاً حين يرى قليلاً أو كثيراً من المشايخ يقرونهم على تلك المخالفة، بدعوى أن نياتهم طيبه! ويشهد الله أن كثيراً منهم قد فسدت نياتهم، وران عليها الشرك بسبب سكوت أمثال هؤلاء المشايخ، بل تسويغهم كل ما يرونه من مظاهر الشرك بتلك الدعوى الباطلة (٢)؟
أين النية الطيبة يا قوم من أناس كلما وقعوا في ضيق جاءوا إلى ميت يرونه صالحاً فيدعونه من دون الله ويستغيثون به، ويطلبون منه العافية والشفاء وغير ذلك مما لا يُطلب إلا من الله وما لا يقدر عليه إلا الله؟! بل إذا زلت قدم دابتهم نادوا: يا الله يا باز! بينما هؤلاء المشايخ قد يعلمون أن النبي ﵌ سمع يوما بعض الصحابة
стр. 654
يقول له: ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني لله نداً (١)؟!
فإذا كان هذا إنكار رسول الله ﵌ على من آمن به ﵌ فراراً من الشرك، فلماذا لا ينكر هؤلاء المشايخ على الناس قولهم: يا الله يا باز! مع أنه في الدلالة على الشرك أوضح وأظهر من كلمة ما شاء الله وشئت؟ ولماذا نرى العامة يقولون دون أي تحرج: «توكلنا على الله وعليك» و «مالنا غير الله وأنت»؟ ذلك لأن هؤلاء المشايخ إما أنهم مثلهم في الضلال وفاقد الشيء لا يعطيه وإما أنهم يدارونهم، بل يداهنوهم كي لا يوصموا ببعض الوصمات التي تقضي على وظائفهم ومعاشاهم غير مبالين بقول الله تعالى ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يعلنهم الله ويعلنهم اللاعنون﴾ (٢).
يا حسرة على هؤلاء المسلمين لقد كان المفروض فيهم أن يكونوا دعاة لجميع الناس إلى دين التوحيد، وسبباً لإنقاذهم من الوثنية وأدرانها، ولكنهم سبب جهلهم بدينهم وإتباعهم أهواءهم عادوا مضرب مثل للوثنية من قبل المشركين أنفسهم فصاروا يصفونهم بأنهم كاليهود في بنائهم المساجد على القبور فقد
جاء في كتاب «دعوة الحق» للأستاذ عبد الرحمن الوكيل رحمه الله تعالى (ص١٧٦ - ١٧٧):
«وقد سجل على المسلمين هذه الوثنية المستشرق الانكليزي اللئيم «ادوارد لين» في كتابه «المصريون المحدثون» فقال (ص ١٦٧ - ١٨١):
стр. 655
«ويحمل المسلمون- وبخاصة المصريون- على اختلاف مذاهبهم- ما عدا الوهابيين- للأولياء المتوفين احتراماً وتقديساً لا سند لهما من القرآن أو الأحاديث أكثر مما يحملون للأحياء منهم، ويشيدون فوق أغلب قبور الأولياء المشهورين مساجد كبيرة وجميلة وينصبون فوق قبور من هم أقل شهرة منهم بناء صغيرا مبيضاً بالكلس ومتوجاً بقبة، ويقام فوق القبر مباشرةً نصب مستطيل من الحجر أو القرميد يسمى «تركيبة» أو من الخشب ويسمى تابوتاً، ويغطى النصب عادة بالحرير أو الكتان المطرز بالآيات القرآنية، ويحيط به قضبان أو ستر من الخشب يسمى مقصورة، وأكثر أضرحة الأولياء في مصر مدافن إلا أن أكثرها يحتوي على آثار قليلة لهم، وبعضها ليست إلا قبورا فارغة أقيمت تذكاراً للميت. إلى أن يقول: وقد جرت العادة أن يقوم المسلمون كما كان يفعل اليهودُ بتجديد بناء قبور أوليائهم، وتبيضها، وزخرفتها، تغطية التركيبة أو التابوت أحيانا بغطاء جديد، وأكثر هؤلاء يفعلون ذلك رياءً (١) كما يفعل اليهود».
علم الكفار الغربيون هذه الضلالة التي وقع فيها كثير من المسلمين لا سيما الشيعة منهم، فاستغلوها حتى في سبيل تحقيق مطامعهم الاستعمارية، فقد قال فضيلة الأستاذ الشيخ أحمد حسن الباقوري في فتوى له في النهي عن زخرفة القبور وبناء القباب والمساجد عليها:
«وبهذه المناسبة، أذكر أن أحد كبار الشرقيين حدثني عن بعض أساليب الاستعمار في آسيا أن الضرورة كانت تقضي بتحويل القوافل الآتية من الهند إلى بغداد عبر تلك المنطقة الواسعة إلى اتجاه جديدٍ للمستعمر فيه غاية، ولم تجد أية وسيلة من وسائل الدعاية في جعل القوافل تختاره.
стр. 656
وأخيراً اهتدوا إلى إقامة عدة أضرحةٍ وقباب على مسافات متقاربة في هذا الطريق.
ما هو إلا أن اهتزت الإشاعات بمن فيها من الأولياء وبما شُوهد من كراماتهم! حتى صارت تلك الطريق مأهولة مقصودة عامرة!
وأحب أن أرسلها كلمة خالصةً لوجه الله إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، أن يقلعوا عن تضخيم المقابر فإنها نُعَرَةٌ للفرد، ودعوةٌ إلى الأنانية، وإلى الارستقراطية الممقوتة التي قتلت روح الشرق.
وأن يعودوا إلى رحاب الدين التي تسوي بين الناس جميعاً أحياءً أو أمواتاً.
لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى وما قدمت يداه من أعمال خالصة
لوجه الله» (١).
وقال الكاتب القدير والمؤرخ الشهير الأستاذ المحقق رفيق بك العظم في خاتمة ترجمة أبي عبيدة ﵁ من كتابه «أشهر مشاهير الإسلام» (ص ٥٢١ - ٥٢٤) تحت عنوان «كلمة في القبور»:
«لا نريد بهذا العنوان البحث عن تاريخ القبور كالنواويس والأهرام وما شاكلها من معالم الوثنية الأولى وإنما نريد الوقوف بفكرة القارئ عند اختلاف المؤرخين في مكان قبر أبي عبيدة كاختلافهم في تعيين كثير من قبور جلة الصحابة الكرام الذين دوخوا هذا الملك العظيم وتحلوا بتلك الشيم الشماء وبلغوا من الفضل والتفضل والتقوى والصلاح غاية لم يبلغها أحد من الأولين والآخرين وقد بسط المؤرخون أخبار أولئك الرجال العظام وعنوا بتدوين آثارهم العظيمة في
стр. 657
فتوح الممالك والبلدان حتى لم يتركوا في النفوس حاجة للاستزادة ونعم ما خدموا به الأمة والدين.
إن القارئ إذا وقف بفكره عند هذا الأمر وقفة المتأمل، لا يلبث أن يأخذه العجب لأول وهلة من ضياع قبور أولئك الرجال العظام واختفاء أمكنتها عن نظر نقلة الأخبار، ومدوني الآثار على جلالة قدر أصحابها وشهرتهم التي طبقت الآفاق وملأت النفوس إعظاماً لقدرهم وإقراراً بفضيلة سبقهم للإيمان ونشرهم دعوة القرآن.
لا جرم أن القارئ أقل ما تحدثه به النفس عند التأمل في هذا الأمر: أن أولئك الرجال ينبغي أن تُعلم قبورهم بالتعيين، وتشاد عليها القباب العاليات ذات الأساطين، إذا لم يكن لشهرتهم بالصلاح والتقوى وصدق الإيمان وصحبتهم للنبي ﵊، فلما أتوه من كبار الأعمال التي تعجز عنها أعاظم الرجال فكيف غابت قبورهم عن نظر المؤرخين، ودرست أجداثهم التي تضم أكابر الصحابة والتابعين حتى اختلف في تعيين أمكنتها أرباب السير وعفي على أكثرها الأثر إلا ما علموه بعد بالحدس والتخمين، وأظهروا أثره بالبناء عليه بعد ذلك الحين، مع أن المشاهد عند المسلمين صرف العناية إلى قبور الأموات بما يبلغ الغاية بالتأنق في رفعها وتشييدها ورفع القباب عليها واتخاذ المساجد عندها لا سيما قبور الأمراء الظالمين الذين لم يظهر لهم أثرٌ يشكر في الإسلام، والمتمشيخة والدجالين الذين كان أكثرهم يجهل أحكام الإيمان، ولا نسبة بينهم وبين أولئك الرجال العظام كأبي عبيدة بن الجراح وإخوانه من كبار الصحابة الكرام، الذين نقلوا الدين غضاً طرياً، وبلغوا بالتقوى والفضيلة مكاناً قصياً؟
والجواب عن هذا: أن الصحابة والتابعين لم يكونوا في عصرهم بأقل تقديراً
стр. 658
لقدر الرجال، وتعظيماً لشأن من نبغ فيهم من مشاهير الأبطال وأخيار الأمة، إلا أنهم كانوا يأنفون من تشييد قبور الأموات، وتعظيم الرفات لتحققهم النهي الصريح عن ذلك من صاحب الشريعة الغراء، الحنيفية السمحة، التي جاءت لاستئصال شأفة الوثنية، ومحو آثار التعظيم للرفات، أو العكوف على قبور الأموات، ويرون أن خير القبور الدوارس (١)، وأن أشرف الذكر في أشرف الأعمال، لهذا اختفت عمن أتى بعد جيلهم ذلك قبور كبار الصحابة وجلة المجاهدين إلا ما ندر.
ثم اختلفت نقلة الأخبار في تعيين أمكنتها باختلاف الرواة وتضارب ظنون الناقلين.
ولو كان في صدر الإسلام أثر لتعظيم القبور والاحتفاظ على أماكن الأموات بتشييد القباب والمساجد عليها، لما كان شيء من هذا الاختلاف، ولما غابت عنها إلى الآن قبور أولئك الصحابة الكرام كما لم تغب قبور الدجاجلة والمتمشيخين، التي ابتدعها بعد العصور الأولى مبتدعة المسلمين، وخالفوا فعل الصحابة والتابعين، حتى باتت أكثر هذه القباب تمثل هياكل الأقدمين، وتعيد سيرة الوثنية بأقبح أنواعها وأبعد منازعها عن الحق وأقربها إلى الشرك، ولو اعتبر المسلمون بعد باختفاء قبور الصحابة الذين عنهم أخذوا هذا الدين وبهم نصر الله الإسلام، لما اجترؤوا على إقامة القباب على القبور وتعظيم الأموات تعظيماً يأباه العقل والشرع وخالفوا في هذا كله الصحابة والتابعين الذين أدوا إلينا أمانة نبيهم
стр. 659
فأضعناها، وأسرار الشريعة فعبثنا بها.
وإليك ما رواه في شأن القبور مسلم في «صحيحه» عن أبي الهياج الأسدي قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵌ ألا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفا إلا سويته. وفي «صحيحه» أيضاً عن ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم بـ «ردوس» فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي ثم قال سمعت رسول الله ﵌ يأمر بتسويتها (١).
هكذا بلغونا الذين أدوا إلينا أمانة رسول الله ﵌، ثم تأكيداً لعهد الأمانة بدؤوا بكل ما أمرهم به الرسول ﵌ بأنفسهم لنستن بسنتهم، ونهتدي بهدي نبيهم، ولكن قصرت عقولنا عن إدراك معنى تلك الجزئيات، وانحطت مداركنا عن مقام العلم بحكمة التشريع الإلهي والأمر النبوي القاضي بعدم تشييد القبور، اتقاء التدرج في مدارج الوثنية فلم نحفل بتلك الحكمة، وتحكمنا بعقولنا القاصرة بالشرع فحكمنا بجواز تشييد القبور استحباباً لمثل هذه الجزئيات، حتى أصبحت كليات وخرقاً في الدين، وإفساداً لعقيدة التوحيد، إذ ما زلنا نتدرج حتى جعلنا عليها المساجد وقصدنا رفاتها بالنذور والقربات، ووقعنا من ثم فيها لأجله أمرنا الشارع بطمس القبور (٢)، كل هذا ونحن لا نزال في غفلة عن حكمة الشرع نصادم الحق ويصادمنا، حتى نهلك مع الهالكين».
стр. 660
قلت: وقد يظن بعض الناس خاصة من كان منهم ذا ثقافة عصريةٍ أن الشرك قد زال وأنه لا رجعة له بسبب انتشار العلوم واستنارة العقول بها!
وهذا ظن باطل، فإن الواقع يخالفه، إذ أن المشاهد أن الشرك على اختلاف أنواعه ومظاهره لا يزال ضارباً أطنابه في أكثر بقاع الأرض، ولا سيما في بلاد الغرب عقر دار الكفر، وعبادة الأنبياء والقديسين، والأصنام والمادة، وعظماء الرجال والأبطال، ومن أبرز ما يظهر ذلك للعيان انتشار التماثيل بينهم.
وإن مما يُؤسَفُ له أن هذه الظاهرة قد أخذت تنتشر رويداً في بعض البلاد الإسلامية دون أي نكير من علماء المسلمين!
وما لنا نذهب بالقراء بعيداً؟ فهذه كثير من بلاد المسلمين وخاصة الشيعة منهم ففيها عديد من مظاهر الشرك والوثنية كالسجود للقبور، والطواف حولها، واستقبالها بالصلاة والسجود، ودعائهم من دون الله تعالى، وغير ذلك مما سبق ذكره على أننا لو فرضنا أن الأرض قد طهرت من أدران الشركيات والوثنيات على اختلاف أنواعها، فلا يجوز لنا أن نبيح اتخاذ الوسائل التي يخشى أن تؤدي إلى الشرك لأننا لا نأمن أن تؤدي هذه الوسائل ببعض المسلمين إلى الشرك بل نحن نقطع بأن الشرك، سيقع في هذه الأمة في آخر الزمان- إن لم يكن قد وقع حتى الآن! - وإليك بعض النصوص الواردة في ذلك عن النبي ﵌ حتى تكون على بينة من الأمر:
١ - «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات النساء دوس حول ذي الخلصة» (١)
стр. 661
وكانت صنماً تعبدها دوس في الجاهلية بتبالة (١).
٢ - «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى» فقالت عائشة: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٢) أن ذلك تاماً، قال: «إنه سيكون من ذلك ما شاء الله (٣)، ثم يبعث الله ريحاً طيبةً، فتوفى كل من في قلبه مثقال حبةِ
стр. 662
خردل إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم» (١).
٣ - «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد القبائل من أمتي الأوثان» (٢).
٤ - «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله، وفي رواية: لا إله
إلا الله» (٣).
ففي هذه الأحاديث دلالةٌ قاطعة على أن الشرك واقع في هذه الأمة، فإذا الأمر كذلك فيجب على المسلمين أن يبتعدوا عن كل الوسائل والأسباب التي قد تؤدي بأحدهم إلى الشرك، مثل ما نحن فيه من بناء المساجد على القبور ونحو ذلك مما سبق بيانه مما حرمه رسول الله ﵌ وحذر أمته منه.
стр. 663
ولا يغتر أحدٌ بالثقافة العصرية، فإنها لا تهدي ضالاً، ولا تزيد المؤمن هدى إلا ما شاء الله، وإنما الهدى والنور فيما جاء به الرسول ﵌ وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١).
"تحذير الساجد" (ص١٠١ - ١٢٠)
[١٤٠] باب حكم الصلاة في المساجد المبنية على القبور
[قال الإمام]:
إن النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن الغاية بالأولى وبالأحرى، فينتج من ذلك أن الصلاة في هذه المساجد منهي عنها، والنهي في مثل هذا الموضع يقتضي البطلان كما هو معروف عند العلماء (٢) وقد قال ببطلان الصلاة فيها الإمام أحمد وغيره ولكنا نرى أن المسألة تحتاج إلى تفصيل فأقول:
قصد الصلاة في المساجد المبنية على القبور يبطل الصلاة
الأولى: أن يقصد الصلاة فيها من أجل القبور والتبرك بها كما يفعله كثير من العامة، وغير قليل من الخاصة!
стр. 664
الثانية: أن يصلي فيها اتفاقا لا قصدا للقبر.
ففي الحالة الأولى لا شك في تحريم الصلاة فيها بل وبطلانها، لأنه إذا نهى ﵌ عن بناء المساجد على القبور، ولعن من فعل ذلك، فالنهي عن قصد الصلاة فيها أولى والنهي هنا يقتضي البطلان كما سبق قريباً.
كراهة الصلاة في المساجد المذكورة ولو لم تُقصد من أجل القبر
كراهة الصلاة في المساجد المذكورة ولو لم تقصد من أجل القبر كراهة الصلاة في المساجد المذكورة ولو لم تقصد من أجل القبر
وأما في الحالة الثانية، فلا يتبين لي الحكم ببطلان الصلاة فيها، وإنما الكراهة فقط، لأن القول بالبطلان في هذه الحالة لا بد له من دليل خاص، والدليل الذي أثبتنا به البطلان في الحالة السابقة إنما صح بناء على النهي عن بناء المسجد على القبر، فيصح القول بأن قصد الصلاة في هذا المسجد يبطلها، وأما القول ببطلان الصلاة فيه دون قصد، فليس عليه نهي خاص يكمن الاعتماد عليه فيه ولا يمكن أن يقاس عليه قياسا صحيحا بله أولوياً.
ولعل هذا هو السبب في ذهاب الجمهور إلى الكراهة دون البطلان، أقول هذا معترفا بأن الموضوع يحتاج إلى مزيد من التحقيق، وأن القول بالبطلان محتملٌ فمن كان عنده علم في شيءٍ من ذلك فليتفضل ببيانه مع الدليل مشكوراً مأجوراً.
وأما القول بكراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور، فهذا أقل ما يمكن أن يقوله الباحث وذلك لأمرين:
الأول: أن في الصلاة فيها تشبهاً باليهود والنصارى الذين كانوا ولا يزالون يقصدون التعبد في تلك المساجد المبنية على القبور! (١).
стр. 665
الثاني: أن الصلاة فيها ذريعة لتعظيم المقبور فيها تعظيماً خارجاً عن حد الشرع، فينهى عنها احتياطاً وسداً للذريعة، لا سيما ومفاسد المساجد المبنية على القبور ماثلة للعيان كما سبق مراراً، وقد نص العلماء على كل من العلتين، فقال العلامة ابن الملك من علماء الحنفية:
«إنما حرم اتخاذ المساجد عليها، لأن الصلاة فيها استنانا بسنة اليهود».
نقله الشيخ القاري في «المرقاة» (١/ ٤٧٠) وأقره، وكذلك قال بعض العلماء المتأخرين من الحنفية وغيرهم كما سيأتي.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «القاعدة الجليلة» (ص ٢٢):
«واتخاذ المكان مسجداً هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها، كما تبنى المساجد لذلك، والمكان المتخذ مسجدا إنما يقصد فيه عبادة الله ودعاؤه لا دعاء المخلوقين، فحرم ﵌ أن تتخذ قبورهم مساجد تقصد للصلوات فيها كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والدعاء عنده، فنهى رسول الله ﵌ عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك بالله.
والفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة، ينهى عنه كما ينهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، لما في ذلك من المفسدة الراجحة، وهو
стр. 666
التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك، وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة لإمكان التطوع في غير ذلك من الأوقات.
ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب (١) فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات، وهو أظهر قولي العلماء لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه فيه هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل فيها مصلحتها فأبيحت لما فيها من المصلحة، بخلاف ما لا سبب له فإنه يمكن فعله في غير هذا الوقت فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة وفيه مفسدة توجب النهي عنه.
فإذا كان نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات لسد ذريعة الشرك، لئلا يفضي ذلك إلى السجود للشمس ودعائها وسؤالها كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب الذين يدعونها ويسألونها، كان معلوماً أن دعوة الشمس والسجود لها هو محرم لنفسه، وأعظم تحريماً من الصلاة التي نهى عنها لئلا يفضي إلى دعاء الكواكب، كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، فنهى عن قصدها للصلاة عندها لئلا يفضي ذلك إلى دعائهم كان دعاؤهم والسجود أعظم تحريما من اتخاذ قبورهم مساجد».
واعلم أن كراهة الصلاة في هذه المساجد هو أمر متفق عليه من العلماء كما سبق بيانه (ص١٧٨) ويأتي، وإنما اختلفوا في بطلانها وظاهر مذهب الحنابلة أنها لا تصح، وبه جزم المحقق ابن القيم كما تقدم (ص١٧٧ - ١٧٨).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب
стр. 667
الجحيم» (ص ١٥٩):
«فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء المعروفين، وتُكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك، ولأجل أحاديث أخر وليس في هذه المسألة خلاف لكون المدفون فيها واحداً، وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد، هل حدها ثلاثة أقبر أو ينهى عن الصلاة عند القبر الفذ، وإن لم يكن عنده قبر آخر؟ على وجهين».
قلت: والوجه الثاني هو الذي رجحه في «الاختيارات العلمية» فقال (ص٢٥):
«وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب والمقبرة كل ما قبر فيه لا أنه جمع قبر، وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه فهذا يعين أن المنع يكون متناولا لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه، وذكر الآمدي وغيره، أنه لا تجوز الصلاة فيه (أي المسجد الذي قبلته إلى القبر) حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم أنه منصوص أحمد».
قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد يسأل عن الصلاة في المقبرة؟ فكره الصلاة في المقبرة قيل له: المسجد يكون بين القبور أيصلى فيه؟
стр. 668
فكره أن يصلى فيه الفرض، ورخص أن يصلى فيه على الجنائز.
وقال الإمام أحمد أيضا ً: «لا يصلى في مسجد بين المقابر إلا الجنائز، لأن الجنائز هذه سنتها».
قال الحافظ ابن رجب في «الفتح»:
«يشير إلى فعل الصحابة، قال ابن المنذر: قال نافع مولى ابن عمر: صلينا على عائشة وأم سلمة والإمام يومئذ أبو هريرة وحضر ذلك ابن عمر» (١).
انظر «الكواكب الدراري» (٦٥/ ٨١/١ و٢).
ولعل اقتصار الإمام أحمد في الرواية الأولى على ذكر الفرض فقط لا يدل على أن غيره من السنن جائز، فإن من المعلوم أن النوافل صلاتها في البيوت هو الأفضل، ولذلك لم يذكرها مع الفرض، ويؤيده عموم قوله في الرواية الثانية «لا يصلى في مسجد بين المقابر إلا الجنائز». فهذا نص فيما قلناه.
ويؤيده المنصوص عن أحمد ما تقدم عن أنس:
«كان يكره أن يبنى مسجد على القبور».
فإنه صريح على أن جدار المسجد لا يكفي حائلاً بينه وبين القبر، بل لعل هذا القول ينفي جواز بناء المسجد بين القبور مطلقاً وهذا هو الأقرب لأنه حسم
لمادة الشرك.
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الاقتضاء»:
стр. 669
«وقد كانت البُنْيَة التي على قبر إبراهيم ﵇ مسدودة لا يُدخل إليها إلى حدود المائة الرابعة فقيل إن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأت في ذلك مناماً فنقبت لذلك! وقيل: إن النصارى لما استولوا على هذه النواحي نقبوا ذلك، ثم ترك ذلك مسجداً بعد الفتوح المتأخرة، وكان أهل الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية، وينهون أصحابهم عن الصلاة فيها إتباعا لأمر الرسول ﵌ واتقاء لمعصيته كما تقدم».
هكذا كان شيوخهم فيما مضى، وأما شيوخنا اليوم فهم في غفلة من هذا الحكم الشرعي، فكثير منهم يقصدون الصلاة في مثل هذه المساجد، ولقد كنت أذهب مع بعضهم،- وأنا صغير لم أتفقه بالسنة بعد- إلى قبر الشيخ ابن عربي لأصلي معه عنده! فلما أن علمت حرمة ذلك باحثت الشيخ المشار إليه كثيراً في ذلك حتى هداه الله تعالى وامتنع من الصلاة هناك، وكان يعترف بذلك لي، ويشكرني على أن كنت سببا لهدايته رحمه الله تعالى وغفر له.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
стр. 670
كراهة الصلاة في المسجد المبني على القبر ولو دون استقباله
واعلم أن كراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور مضطردة في كل حال، سواء كان القبر أمامه أو خلفه يمينه أو يساره، فالصلاة فيها مكروهة على كل حال ولكن الكراهة تشتد إذا كانت الصلاة إلى القبر، لأنه في هذه الحالة ارتكب المصلي مخالفتين الأولى في الصلاة في هذه المساجد، والأخرى الصلاة إلى القبر وهي منهي عنها مطلقاً سواء كان المسجد أو غير المسجد بالنص الصحيح عن رسول الله ﵌ كما تقدم (ص١٦٨).
أقوال العلماء في ذلك
وقد أشار إلى هذا المعنى البخاري بقوله في «الصحيح»: «باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، ولما مات الحسن بن الحسين بن علي ﵁ ضربت امرأته القبة على قبره سنة ثم رفعت، فسمعوا صائحاً يقول: «ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا»»، ثم ساق بعض الأحاديث المتقدمة، فقال الحافظ ابن حجر الشافعي في شرحه:
«ومناسبة هذا الأثر للباب أن المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاة
هناك، فليزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة» (١).