التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك، وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة لإمكان التطوع في غير ذلك من الأوقات.
ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب (١) فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات، وهو أظهر قولي العلماء لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه فيه هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل فيها مصلحتها فأبيحت لما فيها من المصلحة، بخلاف ما لا سبب له فإنه يمكن فعله في غير هذا الوقت فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة وفيه مفسدة توجب النهي عنه.
فإذا كان نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات لسد ذريعة الشرك، لئلا يفضي ذلك إلى السجود للشمس ودعائها وسؤالها كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب الذين يدعونها ويسألونها، كان معلوماً أن دعوة الشمس والسجود لها هو محرم لنفسه، وأعظم تحريماً من الصلاة التي نهى عنها لئلا يفضي إلى دعاء الكواكب، كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، فنهى عن قصدها للصلاة عندها لئلا يفضي ذلك إلى دعائهم كان دعاؤهم والسجود أعظم تحريما من اتخاذ قبورهم مساجد».
واعلم أن كراهة الصلاة في هذه المساجد هو أمر متفق عليه من العلماء كما سبق بيانه (ص١٧٨) ويأتي، وإنما اختلفوا في بطلانها وظاهر مذهب الحنابلة أنها لا تصح، وبه جزم المحقق ابن القيم كما تقدم (ص١٧٧ - ١٧٨).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب
стр. 667
الجحيم» (ص ١٥٩):
«فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء المعروفين، وتُكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك، ولأجل أحاديث أخر وليس في هذه المسألة خلاف لكون المدفون فيها واحداً، وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد، هل حدها ثلاثة أقبر أو ينهى عن الصلاة عند القبر الفذ، وإن لم يكن عنده قبر آخر؟ على وجهين».
قلت: والوجه الثاني هو الذي رجحه في «الاختيارات العلمية» فقال (ص٢٥):
«وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب والمقبرة كل ما قبر فيه لا أنه جمع قبر، وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه فهذا يعين أن المنع يكون متناولا لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه، وذكر الآمدي وغيره، أنه لا تجوز الصلاة فيه (أي المسجد الذي قبلته إلى القبر) حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم أنه منصوص أحمد».
قال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله يعني أحمد يسأل عن الصلاة في المقبرة؟ فكره الصلاة في المقبرة قيل له: المسجد يكون بين القبور أيصلى فيه؟
стр. 668
فكره أن يصلى فيه الفرض، ورخص أن يصلى فيه على الجنائز.
وقال الإمام أحمد أيضا ً: «لا يصلى في مسجد بين المقابر إلا الجنائز، لأن الجنائز هذه سنتها».
قال الحافظ ابن رجب في «الفتح»:
«يشير إلى فعل الصحابة، قال ابن المنذر: قال نافع مولى ابن عمر: صلينا على عائشة وأم سلمة والإمام يومئذ أبو هريرة وحضر ذلك ابن عمر» (١).
انظر «الكواكب الدراري» (٦٥/ ٨١/١ و٢).
ولعل اقتصار الإمام أحمد في الرواية الأولى على ذكر الفرض فقط لا يدل على أن غيره من السنن جائز، فإن من المعلوم أن النوافل صلاتها في البيوت هو الأفضل، ولذلك لم يذكرها مع الفرض، ويؤيده عموم قوله في الرواية الثانية «لا يصلى في مسجد بين المقابر إلا الجنائز». فهذا نص فيما قلناه.
ويؤيده المنصوص عن أحمد ما تقدم عن أنس:
«كان يكره أن يبنى مسجد على القبور».
فإنه صريح على أن جدار المسجد لا يكفي حائلاً بينه وبين القبر، بل لعل هذا القول ينفي جواز بناء المسجد بين القبور مطلقاً وهذا هو الأقرب لأنه حسم
لمادة الشرك.
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الاقتضاء»:
стр. 669
«وقد كانت البُنْيَة التي على قبر إبراهيم ﵇ مسدودة لا يُدخل إليها إلى حدود المائة الرابعة فقيل إن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأت في ذلك مناماً فنقبت لذلك! وقيل: إن النصارى لما استولوا على هذه النواحي نقبوا ذلك، ثم ترك ذلك مسجداً بعد الفتوح المتأخرة، وكان أهل الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية، وينهون أصحابهم عن الصلاة فيها إتباعا لأمر الرسول ﵌ واتقاء لمعصيته كما تقدم».
هكذا كان شيوخهم فيما مضى، وأما شيوخنا اليوم فهم في غفلة من هذا الحكم الشرعي، فكثير منهم يقصدون الصلاة في مثل هذه المساجد، ولقد كنت أذهب مع بعضهم،- وأنا صغير لم أتفقه بالسنة بعد- إلى قبر الشيخ ابن عربي لأصلي معه عنده! فلما أن علمت حرمة ذلك باحثت الشيخ المشار إليه كثيراً في ذلك حتى هداه الله تعالى وامتنع من الصلاة هناك، وكان يعترف بذلك لي، ويشكرني على أن كنت سببا لهدايته رحمه الله تعالى وغفر له.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
стр. 670
كراهة الصلاة في المسجد المبني على القبر ولو دون استقباله
واعلم أن كراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور مضطردة في كل حال، سواء كان القبر أمامه أو خلفه يمينه أو يساره، فالصلاة فيها مكروهة على كل حال ولكن الكراهة تشتد إذا كانت الصلاة إلى القبر، لأنه في هذه الحالة ارتكب المصلي مخالفتين الأولى في الصلاة في هذه المساجد، والأخرى الصلاة إلى القبر وهي منهي عنها مطلقاً سواء كان المسجد أو غير المسجد بالنص الصحيح عن رسول الله ﵌ كما تقدم (ص١٦٨).
أقوال العلماء في ذلك
وقد أشار إلى هذا المعنى البخاري بقوله في «الصحيح»: «باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، ولما مات الحسن بن الحسين بن علي ﵁ ضربت امرأته القبة على قبره سنة ثم رفعت، فسمعوا صائحاً يقول: «ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا»»، ثم ساق بعض الأحاديث المتقدمة، فقال الحافظ ابن حجر الشافعي في شرحه:
«ومناسبة هذا الأثر للباب أن المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاة
هناك، فليزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة» (١).
стр. 671
وذكر نحوه العيني الحنفي في «عمدة القارئ» (٤/ ١٤٩) وفي «الكوكب الدري على جامع الترمذي» للشيخ المحقق محمد يحيى الكاندهلوي الحنفي ما نصه (ص ١٥٣):
«وأما اتخاذ المساجد عليها، فلما فيه من التشبيه باليهود واتخاذهم مساجد على قبور أنبيائهم وكبرائهم، ولما فيه من تعظيم الميت وشبه بعيدة الأصنام، لو كان القبر في جانب القبلة وكراهة كونه في جانب القبلة أكثر من كراهة كونه يميناً أو يساراً وإن كان خلف المصلي فهو أخف من كل ذلك لكن لا يخلو عن كراهة». وفي «شرعة الإسلام» من كتب الحنفية ما نصه (ص ٥٦٩):
«ويكره أن يبنى على القبر مسجد يصلى فيه».
فهذا بإطلاقه يؤيد ما ذكرنا من أقوال العلماء وتقدم نحوه عن الإمام محمد رحمه الله تعالى (ص١٧٦).
ففي هذه النقول ما يؤيد ما ذهبنا إليه في كراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور مطلقاً، سواء صلى إليها أو لا، فيجب التفريق بين هذه المسألة وبين الصلاة إلى القبر الذي ليس عليه مسجد، ففي هذه الصورة إنما تحقق الكراهة عند استقبال القبر على أن بعض العلماء لم يشترطوا أيضا الاستقبال في هذه الصورة فقال بالمنع من الصلاة حول القبر مطلقاً، كما تقدم قريباً عن الحنابلة، ونحوه في «حاشية الطحاوي» على «مراقي الفلاح» من كتب الحنفية (ص ٢٠٨)، وهذا هو
стр. 672
اللائق بباب سد الذرائع لقوله ﵌:
« ... فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ... ) الحديث (١).
"تحذير الساجد" (ص١٢١ - ١٣٢)
[١٤١] باب في أن الحكم السابق يشمل جميع المساجد إلا المسجد النبوي
[قال الإمام]:
ثم اعلم أن الحكم السابق يشمل كل المساجد كبيرها وصغيرها قديمها وحديثها لعموم الأدلة (٢)،
فلا يستثنى من ذلك مسجد فيه قبر إلا المسجد النبوي
стр. 673
الشريف لأن له فضيلة خاصة لا توجد في شيءٍ من المساجد على القبور (١)، وذلك لقوله ﵌:
«صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد
стр. 674
الحرام [فإنه أفضل]» (١) ولقوله ﵌ أيضا: «ما بين بيتي (٢) ومنبري روضة من رياض الجنة» (٣).
ولغير ذلك من الفضائل، فلو قيل بكراهة الصلاة فيه كان معنى ذلك تسويته مع غيره من المساجد، ورفع هذه الفضائل عنه، وهذا لا يجوز كما هو ظاهر وهذا المعنى استفدناه من كلام ابن تيمية السابق (ص ١٢٧ - ١٢٨) في بيان سبب إباحة صلاة ذوات الأسباب في الأوقات المنهي عنها، فكما أن الصلاة أبيحت في هذه الأوقات لأن في المنع منها تضييعاً لها بحيث لا يمكن استدراك فضلها لفوات وقتها، فكذلك يقال في الصلاة في مسجده ﵌.ثم وجدت ابن تيمية صرح بهذا فقال في كتابه «الجواب الباهر في زوار المقابر» (٤) (ص ٢٢/ ١ - ٢):
стр. 675
«والصلاة في المساجد المبنية على القبور منهي عنها مطلقاً بخلاف مسجده ﵌ فإن الصلاة فيه بألف صلاة، فإنه أسس على التقوى وكانت حرمته في حياته ﵌، وحياة خلفائه الراشدين قبل دخول الحجرة فيه، وإنما أدخلت بعد انقراض عصر الصحابة».ثم قال (٦٧/ ١٦٩/٢):
«وكان المسجد قبل دخول الحجرة فيه فاضلا وكان فضيلة المسجد بأن النبي ﵌ بناه لنفسه، وللمؤمنين يصلي لله هو والمؤمنون إلى يوم القيامة، ففضل بنيانه له، فكيف وقد قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (١). وقال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا» (٢).
وهذه الفضيلة ثابتة له قبل أن يدخل فيه الحجرة، فلا يجوز أن يظن أنه صار بدخول الحجرة فيه أفضل مما كان، وهم لم يقصدوا دخول الحجرة فيه، وإنما قصدوا توسيعه بإدخال حجر أزواج النبي ﵌ فدخلت الحجرة فيه ضرورة مع كراهة من كره ذلك من السلف» (٣).
ثم قال (٥٥/ ١ - ٢):
стр. 676
«ومن اعتقد أنه قبل القبر لم تكن له فضيلة إذ كان النبي ﵌ يصلي فيه والمهاجرون والأنصار، وإنما حدثت له الفضيلة في خلافة الوليد بن عبد الملك لما أدخل الحجرة في مسجده فهذا لا يقوله إلا جاهل مفرط في الجهل، أو كافر، فهو مكذب لما جاء عنه مستحق للقتل، وكان الصحابة يدعون في مسجده كما كانوا يدعون في حياته، لم تحدث لهم شريعة غير الشريعة التي علمهم إياها في حياته .. بل نهاهم أن يتخذوا قبره عيداً، أو قبر غيره مسجداً يصلون فيه لله ليسد ذريعة الشرك، فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً، وجزاه أفضل ما جزى نبيا عن أمته، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه».
"تحذير الساجد" (ص١٣٢ - ١٣٨)
стр. 677
[١٤٢] باب بناء المساجد على القبور مفضاة للشرك
[قال الإمام]:
[من أحكام المساجد]: أن لا يبنيه على قبر فإنه يحرم ذلك لما روته عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت: «فلولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» وقال ﵊: «اللهم لا تجعل قبري وثناً، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»
الحديث الأول من حديث عائشة والآخر من حديث أبي هريرة وكلاهما صحيح ....
وفي هذه الأحاديث تحريم بناء المساجد على القبور فإن البناء من معاني اتخاذ المساجد على القبور، ... وقد جاء في بعض الروايات مصرحاً بذلك بلفظ: «بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة». أخرجاه.
وقد ذهب إلى التحريم كثير من العلماء فقال الإمام محمد في كتابه «الآثار»:
«ولا نرى أن يزاد على ما خرج منه «القبر» ونكره أن يجصص أو يطين ويجعل عنده مسجداً»
والكراهة عنده للتحريم عند الإطلاق وأما الشافعي فقال في «الأم»:
«وأكره أن يبنى على القبر مسجد قال: أكره هذه للسنة والآثار وإنه كره- والله أعلم- أن يعظم أحد من المسلمين- يعني يتخذ قبره مسجداً- ولم تؤمن في ذلك
стр. 678
الفتنة والضلال على من يأتي بعده».
وفي «المجموع»:
«واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر، سواء كان الميت مشهوراً بالصلاح، أو غيره لعموم الأحاديث».
قلت: لكن الكراهة عندهم للتنزيه. ومن الدليل على ذلك أنهم قالوا: ويكره أن يصلي على قبر. فقال النووي:
«هكذا قالوا: (يكره) ولو قيل: يحرم لحديث أبي مرثد وغيره مما سبق لم يبعد» فلو أن النووي ﵀ قال مثل هذا في قول أصحابه بكراهة البناء لكان أحق وأولى؛ لأن النهي عن البناء أشد وأرهب منه عن الصلاة إلى القبر، كما لا يخفى على من وقف على الأحاديث الواردة في هذا الموضوع، ولذلك قال شيخ الإسلام في «الاقتضاء»:
«فأما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عنه متابعة للأحاديث، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما بتحريمه، ومن العلماء من أطلق فيه لفظ الكراهة (كأنه يشير إلى الشافعي) فما أدري عنى به التنزيه أو التحريم؟ ولا ريب في القطع بتحريمه».
ثم ساق الأحاديث الواردة في هذا الباب. وقال القرطبي في «تفسيره» ما ملخصه:
«فاتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهي عنه؛ ممنوع».
ثم ذكر حديث عائشة الأخير ثم قال:
стр. 679
«قال علماؤنا (المالكية): وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد».وقال شيخ الإسلام أيضاً في «تفسير سورة الإخلاص»:
«قال العلماء: يحرم بناء المساجد على القبور. ويجب هدم كل مسجد بني على قبر، وإن كان الميت قد قبر في مسجد، وقد طال مكثه؛ سوي القبر حتى لا تظهر صورته، فإن الشرك إنما يحصل إذا ظهرت صورته، ولهذا كان مسجد النبي ﵌ أولاً مقبرة للمشركين، وفيها نخل، وخرب، فأمر بالقبور فنبشت، وبالنخل فقطع، وبالخرب فسويت، فخرج عن أن يكون مقبرة فصار مسجداً، ولما كان اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها محرماً لم يكن شيء من ذلك على عهد الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يكن يعرف قط مسجد على قبر».
هذا وقد يتوهم أن المحذور إنما هو اتخاذ المساجد على القبور بعد الدفن لا لو بني المسجد أولاً، وجعل القبر في جانبه ليدفن فيه واقف المسجد أو غيره، قال الشوكاني:
«قال العراقي: والظاهر أنه لا فرق، وإنه إذا بني المسجد لقصد أن يدفن في بعضه أحد فهو داخل في اللعنة، بل يحرم الدفن في المسجد وإن شرطوا أن يدفن فيه لم يصح الشرط لمخالفته لمقتضى وقفه مسجداً، والله أعلم».
فإن قيل: فما قصة قبر النبي ﵌، فإنا نراه الآن في مسجده ﵌؟ قلت: الجواب في شرح مسلم للنووي حيث قال:
«قال العلماء: إنما نهى النبي ﵌ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجداً؛ خوفاً من المبالغة في التعظيم والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين والتابعون
стр. 680
إلى الزيادة في مسجد رسول الله ﵌ حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة ﵂ مدفن رسول الله ﵌، وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄ بنو على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر، ولهذا قالت في الحديث:
«ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا».
وفي ذكره الصحابة في هذه القصة نظر وإن تبعه على ذلك العيني في «العمدة» فإن ذلك لم يقع بحضور أي صحابي فقد قال ابن عبد الهادي في «الصارم المنكي»:
«وكان على عهد الخلفاء الراشدين والصحابة حجرته خارجة عن المسجد ولم يكن بينهم وبينه إلا الجدار، ثم إنه إنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان من آخرهم موتا جابر بن عبد الله، وتوفي في خلافة عبد الملك فإنه توفي سنة ثمان وسبعين، والوليد تولى سنة ست وثمانين، وتوفي سنة ست وتسعين، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك، وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب «أخبار المدينة» - مدينة الرسول ﵌ عن أشياخه وعمن حدثوا عنه: أن عمر بن عبد العزيز لما كان نائباً للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد، وبناه بالحجارة المنقوشة، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب، وهدم حجرات أزواج النبي ﵌ فأدخلها في المسجد وأدخل القبر فيه».
стр. 681
ثم ذكر ابن عبد الهادي عن شيخ الإسلام ابن تيمية:
«أن المسجد لما زاد فيه الوليد وأدخلت فيه الحجرة كان قد مات عامة الصحابة، ولم يبق إلا من أدرك النبي ﵌، ولم يبلغ سن التمييز الذي يؤمر فيه بالطهارة والصلاة، ومن المعلوم بالتواتر أن ذلك كان في خلافة الوليد بن عبد الملك، وقد ذكروا أن ذلك كان سنة إحدى وتسعين، وأن عمر بن عبد العزيز مكث في بنائه ثلاث سنين وسنة ثلاث وتسعين مات فيها خلق كثير من التابعين مثل سعيد بن المسيب وغيره من الفقهاء السبعة، ويقال لها: سنة الفقهاء».
وبالجملة فإنما أدخلوا قبر الرسول ﵊ إلى مسجده لحاجة توسيعه، والظاهر أنهم لم يجدوا فسحة من الجهات الأخرى ليزيدوا منها إلى المسجد وقد كان عمر وعثمان ﵄ قد زادا فيه من جهة القبلة فاضطروا إلى أخذ الزيادة من جهة الحجرات، فصار بذلك قبره في المسجد الشريف، ولكنهم- مع حاجتهم إلى هذا العمل- قد احتاطوا للأمر حيث فصلوا القبر عن المسجد فصلاً تاماً بالجدر المرفوعة حسماً للمحذور كما سبق ذكره عن النووي، والله تعالى أعلم.
"الثمر المستطاب" (١/ ٤٧٩ - ٤٨٦).
[١٤٣] باب حرمة الصلاة في المساجد المبنية على القبور
[قال الإمام]:
[لا تجوز الصلاة في] المساجد المبنية على القبور لما في الصلاة فيها من التشبه باليهود والنصارى وقد قال ﵌ فيهم:
«إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً،
стр. 682
وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» وقال:
«ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك».
الحديث الأول هو من حديث عائشة ﵂: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فذكرنا للنبي ﵌ فقال ... فذكره
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد وابن شيبة في «المصنف».
والحديث الثاني هو من رواية جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت النبي ﵌ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم ... » الحديث
تفرد بإخراجه مسلم، دون الستة، وقد نسبه الشوكاني للنسائي أيضاً، وكأنه يعني «سننه الكبرى» وإلا فإني لم أجده في «الصغرى» له، ولم ينسبه في (الذخائر) إلا لمسلم.
وفي الباب عن عائشة وابن عباس معاً، وعن أبي هريرة، وعن ابن مسعود، وقد مضت أحاديثهم قريباً وعن ابن عباس أيضا بلفظ:
«لعن رسول الله ﵌ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج».
أخرجه الأربعة إلا ابن ماجه والحاكم والبيهقي والطيالسي وأحمد، وهو بهذا اللفظ ضعيف إلا الجملة الأولى منه فهي صحيحة؛ لمجيئها من طريق أخرى عن أبي هريرة وحسان بن ثابت، وقد فصلت القول في ذلك في «التعليقات الجياد» بما لا يوجد في كتاب، والحمد لله.
стр. 683
واعلم أن الحديث الأول يفيد تحريم بناء المساجد على القبور، وذلك يستلزم تحريم الصلاة فيها من باب أولى؛ لأنه- كما لا يخفى- من قبيل النهي عن الوسيلة- وهو البناء- لكي لا تتحقق الغاية- وهي العبادة في هذا البناء الذي أقيم على معصية الله تعالى-؛ لما يترتب من وراء ذلك من المفاسد الاعتقادية كما هو الواقع.
وأما الحديث الثاني فهو أعم من الأول؛ لأنه بلفظه يشمل الوسيلة والغاية فاتخاذ المكان مسجداً معناه الصلاة فيه (١) ومعناه البناء عليه من أجل الصلاة والسجود فيه، فكل منهما مستلزم للآخر، كما أفاده المناوي في «الفيض» ومن المعلوم بالبداهة أن اليهود والنصارى الملعونين إنما بنوا تلك المساجد للصلاة فيها، فمن صلى في مسجد فيه قبر، ولو لم يقصد القبر، فقد شابه أولئك المغضوب عليهم والضالين، وقد نهينا عن التشبه بهم في نصوص عامة وخاصة، ولذلك قال العلامة ابن الملَك- وهو من علمائنا الحنفية- في شرح حديث ابن عباس المذكور آنفا:
«إنما حرم اتخاذ المساجد عليها لأن في الصلاة فيها استناناً بسنة اليهود».نقله الشيخ علي القاري في «المرقاة».
يضاف إلى ما تقدم أن الصلاة في المساجد المبنية على القبور قد تفضي بصاحبها أو بمن يقتدي به من العوام والجهال إلى تخصيص الميت ببعض
стр. 684
العبادات الخاصة بالله تعالى كالاستغاثة والسجود، كما هو واقع في أكثر المساجد المبنية على القبور، وهو مشاهد، فنهى عن ذلك سداًّ للذريعة، فهو كالنهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة المكروهة تحريماً، بل المفسدة في تلك المساجد أوضح وأظهر منها في هذه الأوقات كما يشهد به الواقع.
وهذا كله فيمن لم يقصد الصلاة في تلك المساجد، وأما قصدها لأجل صاحب القبر متبركاً به معتقداً أن الصلاة عنده أفضل من الصلاة في المساجد المجردة عن القبور فهو عين المشاقة والمحادة لله ولرسوله، وهذه الصلاة حقيق بها قول من قال ببطلانها، كما يأتي عن بعض العلماء.
وإن مما يتعجب منه المؤمن البصير في دينه تهاون أكثر الفقهاء بهذه المسألة الخطيرة، حيث إنهم لم يتعرضوا لها بذكر صريح في كتبهم وفتاويهم فيما علمت، ولذلك كان من العسير إقناع المقلدين بها على وضوح الحجة فيها، وأنى لهم أن يأخذوا بها وهم أو أكثرهم يقدمون قول الإمام- بل قول بعض أتباعه ولو من المتأخرين- على قول الله تعالى وقول رسوله ﵌، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولذلك سأُعنى بصورة خاصة بنقل بعض أقوال العلماء المحققين حول هذه المسألة ليعلم الواقف على كتابنا هذا أننا لم نأت بشيء من عندنا بدعة في الدين، ولم نسيء فهم أحاديث سيد المرسلين، بل هو الحق من ربك، فلا تكونن من الممترين.
وقد اعتنَى بهذه المسألة عناية خاصة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجزاه عن المسلمين خيراً، فقلما ترى كتاباً له لا يتعرض فيه لهذه المسألة بإسهاب أو اختصار، ولذلك فسأنقل عنه ما يناسب المقام من أقواله وفتاويه مع بعض اختصار وتلخيص.
стр. 685
قال ﵀ في «القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة»:
«واتخاذ المكان مسجداً هو أن يتخذه للصلوات الخمس وغيرها، كما تبنى المساجد لذلك، والمكان المتخذ مسجداً إنما يقصد فيه عبادة الله ودعاؤه لا دعاء المخلوقين، فحرم ﵌ أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلاة فيها، كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده؛ لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصد المسجد لأجل صاحب القبر، ودعائه، والدعاء به، والدعاء عنده، فنهى رسول الله ﵌ عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والفعل إذا كان يفضى إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة، وهو التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك، وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات، ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات، وهو أظهر قولي العلماء؛ لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات، ويفوت إذا لم يفعل فيها، فتفوت مصلحتها، فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة، بخلاف ما لا سبب له فإنه يمكن فعله في غير هذه الأوقات فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة، وفيه مفسدة توجب النهي عنه، فإذا كان نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات لسد ذريعة الشرك لئلاَّ يفضي ذلك إلى السجود للشمس ودعائها وسؤالها، كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب الذين يدعونها ويسألونها؛ كان معلوماً أن دعوة الشمس والسجود لها هو محرم في نفسه أعظم تحريماً من الصلاة التي نهى عنها لئلا يفضي ذلك إلى دعاء الكواكب.
стр. 686
كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد فنهى عن قصدها للصلاة عندها لئلا يفضي ذلك إلى دعائهم والسجود لهم- كان دعاؤهم والسجود لهم أعظم تحريماً من اتخاذ قبورهم مساجد».
وقال في «الاقتضاء»:
«فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، وهذا ما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء المعروفين، وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب، لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك، ولأحاديث أخرى، وليس في هذه المسألة خلاف لكون المدفون فيها واحداً، وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد هل حَدُّها ثلاثة أقبر، أو ينهى عن الصلاة عن القبر الفذ وإن لم يكن عنده قبر آخر؟ على وجهين (قلت: ورجح شيخ الإسلام في كتاب آخر النهي ولو عند القبر الواحد وقد سبق ذلك ثم قال:) وقد كانت البنية التي على قبر إبراهيم ﵇ مسدودة لا يدخل إليها إلى حدود المائة الرابعة، فقيل: إن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأت في ذلك مناماً فنقبت لذلك، وقيل: إن النصارى لما استولوا على هذه النواحي نقبوا ذلك ثم ترك مسجداً بعد الفتوح المتأخرة، وكان أهل الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية، وينهون أصحابهم عن الصلاة فيها اتباعاً لأمر رسول الله ﵌، واتقاءً لمعصيته كما تقدم».
ثم قال فيه:
«فإن نهيه عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها وعن قصد الصلاة عندها، وكلاهما منهي عنه باتفاق العلماء، فإنهم قد نهوا عن بناء المساجد على القبور، بل صرحوا بتحريم ذلك كما دل عليه النص، واتفقوا
стр. 687
أيضاً على أنه لا يشرع قصد الصلاة، والدعاء عند القبور
ولم يقل أحد من المسلمين: إن الصلاة عندها والدعاء عندها أفضل منه في المساجد الخالية عن القبور، بل اتفق علماء المسلمين على أن الصلاة والدعاء في المساجد التي لم تبن على القبور أفضل من الصلاة والدعاء في المساجد التي بنيت على القبور، بل الصلاة والدعاء في هذه منهي عنه مكروه باتفاقهم، وقد صرح كثير منهم بتحريم ذلك، بل وبإبطال الصلاة فيها، وإن كان في هذا نزاع، والمقصود هنا أن هذا ليس بواجب ولا مستحب باتفاقهم بل هو مكروه باتفاقهم».
وقال في «الجواب الباهر في زوار المقابر» (١):
«والصلاة في المساجد المبنية على القبور منهي عنها مطلقاً بخلاف مسجده ﵌؛ فإن الصلاة فيه بألف صلاة، فإنه أسس على التقوى، وكانت حرمته في حياته ﵌ وحياة خلفائه الراشدين قبل دخول الحجرة فيه».
ثم قال:
«ومن اعتقد أنه قبل القبر لم تكن فيه فضيلة، وإنما حدثت له الفضيلة في خلافة الوليد لما أدخلت الحجرة فيه، فهو جاهل مفرط في الجهل، أو كافر مكذب لما جاء به ﵇، مستحق للقتل» وقد أفتى ﵀ مراراً بكراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور، فقد جاء في الفتاوى له ما نصه:
«مسألة: في المسجد إذا كان فيه قبر والناس يجتمعون فيه لصلاة الجماعة فهل تجوز الصلاة فيه أم لا؟ وهل يمهد القبر أم لا؟
стр. 688
الجواب: اتفق الأئمة على أنه لا يبنى مسجد على قبر لأن النبي ﵌ قال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك»، وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّرَ: إما بتسوية القبر، وإما بنبشه إن كان جديداً، فإن كان المسجد بني بعد القبر، فإما أن يزال المسجد، وإما أن يزال صورة القبر، فالمسجد المبني على القبر لا يصلى فيه فرض، ولا نفل، فإنه منهي عنه. والله أعلم»
وله فتوى أخرى نحو هذه انظرها- إن شئت- في الجزء الثاني صفحة (١٩٢)(١).
وقال الشيخ محمد يحيى الكاندهلوي الهندي الحنفي في كتابه «الكوكب الدري على جامع الترمذي» ما نصه:
«وأما اتخاذ المساجد عليها فإنما فيه من الشبه باليهود في اتخاذهم مساجد على قبور أنبيائهم وكبرائهم، ولما فيه من تعظيم الميت، وشبه بعبدة الأصنام، لو كان القبر في جانب القبلة، وكراهة كونه في جانب القبلة أكثر من كراهة كونه يميناً أو يساراً، وإن كان خلف المصلي فهو أخف كراهة من كل ذلك، لكن لا يخلو عن كراهة» وقد ذكر الحافظ في «الفتح» والعيني في «العمدة»:
стр. 689
«أن القبر في المسجد إذا كان في جهة القبلة فإنه تزداد الكراهة» وهذا هو الحق في المسألة حسب التفصيل الذي ذكره الهندي، ومرجع ذلك إلى التشبه باليهود والنصارى في صلاتهم في المساجد المبنية على القبور، والمشابهة حاصلة في كل الصور التي قد ذكرها كما لا يخفى، وهذا لمن لا يقصد الصلاة فيها، وأما القاصد؛ فاسمع ما نقله الفقيه ابن حجر الهيتمي في كتابه «الزواجر»:
«قال بعض الحنابلة: قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركاً بها عين المحادة لله ورسوله، وابتداع دين لم يأذن به الله للنهي عنها، ثم إجماعاً، فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك: الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناؤها عليها، والقول بالكراهة محمول على غير ذلك، إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي ﵌ لعن فاعله، ويجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور، إذ هي أضر من مسجد الضرار، لأنها أسست على معصية رسول الله ﵌، لأنه نهى عن ذلك وأمر ﵌ بهدم القبور المشرفة».
هذا وقد أفادت الأحاديث السابقة تحريم بناء المساجد على القبور أيضاً وهي مسألة أخرى تكلمنا عليها في «التعليقات الجياد» وذكرنا فيه أقوال العلماء في النهي عن ذلك.
"الثمر المستطاب" (١/ ٣٧٣ - ٣٨٢).
[١٤٤] باب هل الصلاة في المساجد التي فيها قبور باطلة ؟
الملقي: أريد أن أسأل سؤالاً يعني بالنسبة للصلاة في المساجد التي فيها قبور يعني، يقول ناس أنها قد تبطل ولكن الكتاب الذي معي «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد»، أرى أنك ترى الكراهة ما أدري ما هو الرأي الصحيح؟
стр. 690
الشيخ: اقرأ علي العبارة التي فيها كراهة.
الملقي: أنت مقسمها قسمة يعني: الذي يصلي تعظيماً فهو باطلة.
الشيخ: الله يهديك، خوفتني، مادام قسمين انتهى الأمر.
الشيخ: طيب شو بقى سؤالك، طاح سؤالك. طاح سؤالك.
الملقي: إنها مكروهة أم باطلة؟
الشيخ: باطلة لمن يقصد الصلاة فيها.
الملقي: يقصد لكن يصلي لله- .
الشيخ: مكروهة كراهة تحريم، والكراهة تنتفي إذا لم يكن عنده مسجد آخر لصلاة الجماعة.
الملقي: إذاً ما تنتفي الكراهية أم الكراهة تحريمية.
الشيخ: كراهة تحريمية لمن يتمكن من الصلاة في غير هذا المسجد، ثم هو يصلي فيه، وإذا قصده فالصلاة باطلة.
الملقي: طيب في عندنا مسجد ولكن القبر خارج الجدار، ولكن في المسجد يعني ولكن في المسجد جدار.
الشيخ: ما في فرق إن كان في جدار ولا في الساحة ولا في الحرم كما يقولون هو من المسجد، إما خارج المسجد وإما في المسجد، هذا التفريق الجوهري، فهو خارج المسجد وإلا في المسجد؟
الملقي: في المسجد ولكن ...
стр. 691
الشيخ: ما في ولكن الله يهديك، ما في ولكن، أنا باقول لك: يا داخل المسجد يا خارجه؟
الملقي: هو في جاكورة خارج المسجد.
الشيخ: الله يهديك، جاكورة خارج المسجد.
الملقي: هو مسجد وفي جاكورة قدامه.
الشيخ: شو معنى جاكورة؟
الملقي: يعني حديقة هيك يعني.
الشيخ: طيب هذه الحديقة لها باب منها إلى المسجد؟
الملقي: في شباك.
الشيخ: أسألك: لها باب؟ أنت بتقول لي في شباك.
الملقي: الباب من ناحية أخرى، في المسجد لكن من ناحية أخرى، لكن من ناحية القبلة.
الشيخ: وهو من أي ناحية.
الملقي: تقريباً يعني مش من ناحية القبلة.
الملقي: نفس المكان لكن مش من ناحية القبلة.
الشيخ: أنا ما بقدر أحكم على وصفك؛ لأن وصفك ليس دقيقاً، المهم الصلاة في المسجد اللي فيه قبر، فيه قبر وليس خارج المسجد، فقد عرفت الحكم التفصيلي، أما كون هذا المسجد اللي أنت بتحكي عنه هذا القبر في المسجد ولا خارج المسجد أنا لا أكون معك ولا عليك، والسلام عليك.
"الهدى والنور" (٦٧٩/ ٠٤: ٣٦: ٠٠)
стр. 692
[١٤٥] باب حكم الصلاة في المساجد المبنية على قبور الأنبياء
سؤال: في مدينتنا مدينة الموصل تكون في شمال العراق مساجد مبنية على قبور يزعمون أنها قبور أنبياء هناك جامع النبي شيت، وجامع النبي يونس، وجامع النبي جرجيس وجامع الخضر وإبراهيم الخليل وجامع دانيال.
الشيخ: شاركتونا إبراهيم الخليل عندنا ...
مداخلة: الخليل تكون في أقصى الشمال يعني على الحدود العراقية التركية، فما حكم هذه المساجد وما حكم من صلى أو يصلي بها وهل يصلى في مسجد فيه قبر بارك الله فيك؟
الشيخ: الجواب طبعاً لا تجوز الصلاة في مسجد مبني على القبر ولا فرق بين أن يكون القبر في داخل مسجد مما يسمى بالحرم أو خارجه مما يسمى بصحن المسجد، كما أنه لا فرق بين أن يكون القبر شرقي أو غربي أو جنوب أو شمال المسجد لأن كون القبر في المسجد شيء، وكون الصلاة إلى القبر شيء آخر، وإذا كان هناك أرض ليست مسجداً وصلى فيها المصلي وهناك قبر عن يمينه وعن يساره بعيداً عنه فحين ذاك الصلاة في تلك الأرض جائزة ما دام أنه غير مستقبل للقبر؛ لأنه في هذه الحالة يصدق فيه: «وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة عنده مسجده، وطهوره» (١) الأرض كلها مسجد، لكن يستثنى من هذه الكلية ما ثبت النهي عنه بالسنة المحمدية، ففي الأرض التي لم تحول إلى مسجد أي لم يُبْنَ عليها مسجد فالصلاة في هذه الأرض جائزة ولو كان فيها قبر ما لم يكن متوجها للقبر؛ لأن هذا الاستثناء فيه حديث صحيح صريح بل أحاديث من أشهرها قوله ﵊: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» فهذا حكم الأرض
стр. 693
التي فيها قبر تجوز الصلاة في هذه الأرض، ما لم يستقبل القبر، أما الأرض التي بُني عليها مسجد وفيه قبر ففي أي جهة من المسجد كان هذا القبر فهو يجعل هذا المسجد مما يمنع الصلاة فيه لا فرق كما قلنا آنفا بين أن يكون قبلي المسجد أو شرقي أو جنوبه أو شماله؛ ذلك لأن الأحاديث التي جاءت تنهى عن اتخاذ المساجد على القبور هي مطلقة لم تفرق بين أن يكون القبر في جهة القبلة أو في دبر القبلة، أو في أي جهة أخرى.
ولعلكم اطلعتم على رسالة قديمة لي كنت سميتها بـ «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» ففيها ما تيسر لي يومئذ من الأحاديث الكثيرة في التحذير من بناء المساجد على القبور، وقفت عند وساوس بعض المبتدعة الذين كلما وجدوا حديثا يصدم بدعتهم حالوا التخلص والتملص منه بطريقة أو بأخرى فمثلاً يتخلصون من قوله ﵇: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» فيقولون هذا حكم خاص باليهود والنصارى نحن لسنا يهود ولا نصارى فيأتي الحديث الذي أردت أن أذكره؛ لأنه يتعلق بهذه الأمة حيث قال ﵊: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق وإلا على الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد»، هذا يتعلق بالأمة الإسلامية لكن هنا نقطة لا بد من بيانها ألا وهي أن النهي عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور كالنهي عن الصلاة في الأوقات المحرمة فهي من باب سد الذريعة، وكما أن الأوقات المنهي عن الصلاة فيها دخلها قليل أو كثير من التخصيص فأنا أرى استنباطاً واجتهاداً أن المسجد المبني على القبر أنه يمكن أن تجوز الصلاة فيه في بعض الطرق الاستثنائية مثلا بينما رجل يمشي في طريقه إلى داره إلى عمله، إذا به يسمع الآذان وهو يعلم أن في هذا المسجد فيه قبر وأنه يجب عليه ألا يقصد هذا المسجد للصلاة فيه، لكن
стр. 694
هو بين أن يدخل ويصلي فيه وبين أن تفوته صلاة الجماعة، فإذا دار الأمر بين هذين الأمرين تغلب وجوب فرضية صلاة الجماعة على تحريم الصلاة في المسجد المبني على القبر ذلك لأن النهي عن الصلاة في المسجد المبني على القبر من باب سد الذريعة كما أن الصلاة في الأوقات المكروهة من باب سد الذريعة، لكن إذا تداركه الوقت ولم يكن هناك إمكان إلا أن يدع الصلاة حتى يخرج الوقت كله أو أن يصلي في وقت الكراهة هذا أولى من أن يضيع الصلاة بالكلية.
كذلك إذا دار الأمر بين أن يضيع فريضة صلاة الجماعة وبين أن يصلي في مسجد الكراهة، فرجحت الصلاة في هذا المسجد على أن يصلي وحده في بيته أو في مكان آخر وهذا مثل قضية الحال معناه أو هذا الصورة إنما نعني بها: أنه إذا لم يكن في علمه أو لم يكن في استطاعته أن يدرك الصلاة مع الجماعة في مسجد آخر ليس فيه قبر، ولذلك كان البحث أنه بين أحد أمرين إما أن يصلي في هذا المسجد لإدراك صلاة الجماعة وإما أن تفوته صلاة الجماعة كلاهما شر، لكن المسلم إذا وقع بين شرين اختار أقلهما شراً، هذا يجب أن نلاحظه؛ لأنني أعرف بتجربتي الخاصة أن كثيرا من إخواننا السلفيين لا يلاحظون هذا التفريق فمجرد أن يعلموا أن مسجداً فيه قبر لا يصلون فيه ولو فاتتهم صلاة الجماعة، هذا خطأ.
"الهدى والنور" (٥٤٣/ ٢٢: ٤٧: ٠٠)
[١٤٦] باب حكم الصلاة في المساجد المبنية على قبور
سؤال: أستاذنا سألناك سابقاً بخصوص المسجد الذي بني على أرض كانت فيها مقبرة، يدعي البعض أن هذا المسجد لم يقع على مقبرة كان لا يوجد في هذا المكان قبور، ولكن هذا المسجد يوجد حوله قبور، أولاً: طبعاً مِنْ على القبلة، ومِنْ على أجنابه، وقال البعض من الإخوة: بأنه يجوز الصلاة في هذا المسجد، ولا
стр. 695
مانع لهذا، ولكن سألناه: ما حجتك في ذلك؟ قال: قد يكون يوجد قبور تحت هذا المسجد الموجودين نحن فيه، يعني: أو في أي مكان فما ردكم على ذلك؟
الشيخ: أقول وبالله التوفيق:
أولاً: يجب أن نعرف حكم المساجد المبنية على القبور، والجواب مفصل جداً في كتاب لي خاص بعنوان: «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» وخلاصة ذلك: أن المسجد المبني على القبور فيما يغلب على الظن فلا تجوز الصلاة فيه، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁، ولا شك أنه يجب التفريق بين مسجد بني على مقبرة معروف ولو بغلبة الظن أنها كانت تلك الأرض مقبرة ثم أقيم المسجد عليها، ثم ليس من الضروري أن تكون القبور، أو أن يكون القبر في هذا المسجد ظاهراً شاخصاً إذا ما كانت القبور هناك حقيقة في الأرض، فلا يجوز إقامة المسجد على المقبرة إطلاقاً، سواء كانت القبور شاخصة بارزة، أو لم تكن كذلك، أما أن يقال: أي مسجد بني على أرض فيمكن أن تكون تلك الأرض أصلها مقبرة أو فيها قبور، فنقول: هذا كلام صحيح، وقديماً قال بعضهم وأظنه المعري:
صاح هذه قبورنا تملأ الرحب ... فأين القبور من عهد عاد
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض ... إلا من هذه الأجساد
لكن ثمة فرق بين أرض معروف أنها كانت مقبرة، أو أنه يوجد فيها آثار قبور في أثناء الحفريات، وبين أرض لا يعرف شيء من ذلك فيها، فلا بد من هذا التفريق، ولذلك لا يجوز التوسع في فرض الاحتمالات التي جاء أحدها آنفاً، كما أنه لا يجوز تعطيل أحكام الشريعة بمثل هذه الافتراضات، فالمسألة تدور بين أن يكون هناك علم بأن هذا المسجد بني على قبر، ولو كان هذا العلم مبنياً على غلبة
стр. 696
الظن، وبين مسجد بني على أرض لا يخطر في بال إنسان أن هناك قبر أو قبور، فيجب التفريق بين الأمرين، وإلا اختلط الحابل بالنابل، والحرام بالحلال.
فإذا افترضنا أن المسجد المذكور في السؤال آنفاً حقيقة لم يبنى على قبرٍ أو على قبور، لكن ما دام القبور محيطة من جانبيه شرقاً وغرباً، وفي قبلته أيضاً، فهذا الوضع يشعر بأن المسجد بني على المقبرة، على أنني سمعت من بعضهم أنه وجد في بعض الأماكن من أساس هذا المسجد قبور، وعظام أموات، فهذا يشعر بأن أرض المسجد لا يمكن أن تكون سليمة من أن يكون فيها قبور.
وعلى كل حال إذا افترضنا يقيناً أنه ليس في المسجد هذا أي قبر وأنه لن يبنى على مقبرة، فيبقى الإشكال قائماً من حيث أنه محاط بالقبور، وبخاصة بالجهة القبلية، ففي هذه الصورة يقول الإمام أحمد: بأنه لا بد من بناء جدار أو سور يفصل المقبرة عن المسجد أي: في اجتهاد الإمام أحمد لا يكفي جدار المسجد القبلي فاصلاً بينه وبين المقبرة، بل لا بد من بناء جدار آخر يفصل المقبرة عن جدار المسجد القبلي.
وقد سأل بعضهم: كم تكون المسافة، طبعاً هذا ليس له تحديد، المهم أن يكون هناك هذا الفاصل من الجدار بين جدار المسجد وبين المقبرة، هذا جوابنا عن هذا السؤال، والحمد لله رب العالمين.
السؤال: أستاذنا يقول البعض من الإخوة: أنه لا يطبق هذا الكلام على أمثال اليهود، مثل القبور أو الحرمة؟
الشيخ: كيف يعني؟
السؤال: يعني: مثلاً اليهود اتخذوا ...
стр. 697
الشيخ: قبورهم مساجد.
السؤال: قبورهم مساجد فهذا لا يطبق في هذا؟
الشيخ: ليه؟
السؤال: هم يقولون يعني بعض إخوة، أما أنا ...
الشيخ: لا، أنا أقول هم يقولون هذا، لماذا لا يطبق؟
السؤال: إيه نعم، لأنهم هم قاصدين في هذا، قاصدين في القبور يعني، أما المساجد الموجودة هنا مش قاصدين فيها، ..
الشيخ: هاه فهمت الآن، الجواب: أن الصلاة في المسجد المبني على القبر أو على القبور كالصلاة في الأوقات المكروهة، ففي الأحاديث الصحيحة النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعلل الرسول ﵇ في بعض الروايات الصحيحة أن الشمس حينما تشرق وحينما تغرب، فإنما تشرق وتغرب بين قرني شيطان، وحينذاك يسجد لها عُبَّاد الشمس.
فالعلماء متفقون جميعاً على النهي عن الصلاة في هذين الوقتين، ولا يشترط في ارتكاب النهي أن يكون قاصداً الصلاة في وقت الكراهة، لأنه يكفي في ذلك أنه يتشبه بأولئك الذين يعبدون الشمس، كذلك يقال تماماً بالنسبة للمسجد المبني على القبر، هذا المسجد المبني على القبر أولاً هو كمسجد فيه مشابهة للكنائس، والبِيع التي يتَعبد فيها اليهود والنصارى.
صورة المشابهة واضحة في هذا البنيان الذي هو المسجد المبني على القبر من جهة، وأولئك الذين يصلون في ذلك المكان بغض النظر عن نواياهم
стр. 698
ومقاصدهم، فهم أيضاً يتشبهون باليهود والنصارى الذين يصلون في مساجدهم المبنية على قبور أنبيائهم وصالحيهم.
فإذاً: ليس من الشرط هنا ليكون الأمر محذوراً أن يقال بأنه قاصد؛ لأن الأمر يدور بين شخصين: أحدهما لا يقصد المسجد من أجل القبر، والآخر يقصد، فهذا الآخر شر من الأول، والأول لا ينجو من الشر؛ لأنه يصلي في مكان يتشبه فيه باليهود والنصارى، لهذا يجب على هؤلاء الإخوان أن يتفقهوا في الدين،
وأن لا يظنوا أن الأحكام الشرعية، وأن المحرمات في الشريعة الإسلامية لا تكون حراماً إلا بقصد الشر، فقد يرتكب الإنسان محرم وهو لا يقصد الشر، ويظل حكمه حراماً.
وحسبنا على ذلك مثالاً ما ذكرته آنفاً من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، هذا من عمل عبدة الأقمار والشموس، فالذي يصلي في هذا الوقت لا يخطر في باله أن يعظم الشمس، لكن مع ذلك ينهى؛ لكي لا تظهر المشابهة بين المسلم في ذلك الوقت وبين الكافر، هذا جواب السؤال السابق.
السائل: ... الآن بخصوص المسجد الذي أشرت إليه، لو بني جدار مقابل طبعاً القبلة، هل (تقول) كالسابق أنه عدم جواز الصلاة فيه أولى ... ؟
الشيخ: هذا يعود بارك الله فيك إلى اتخاذ المصلين أو إلى معرفتهم، وقناعتهم الشخصية ليس اتباعاً للهوى، أنه هذا المسجد الذي هو محاط بالقبور بالجهة الغربية، والجهة الشرقية، والجهة القبلية، كيف بنيت هذه المقبرة وترك هذا المكان فارغاً حتى جاء بعض الناس في آخر الزمان فبنوا في هذا المكان مسجداً ولم يَكُن هذا المكان مقبرة يوماً ما؟
стр. 699
هذا الأمر يعود إلى قناعة هؤلاء الذين يريدون أن يصلوا، هل هم مقتنعون فعلاً إنه هذا المسجد لم يقام على مقبرة، وإن قيل نعم اقتنعوا كيف تصور الموضوع؟ كيف بنيت المقبرة شرقاً وغرباً وجنوباً؟
السائل: لا. جنوباً وغرباً جهتين فقط؟
الشيخ: مش مهم، ... بجهة، جهتين: جهة الغربية وجهة الجنوبية، هذا الفراغ، هذه الأرض يعني كيف بقيت هكذا بدون أن يدفن فيها أي ميت، وهل هذه المقبرة هي ملك لإنسان أم هي وقف للمسلمين؟
السائل: ملك لإنسان أستاذنا؟
الشيخ: المقبرة؟
السائل: إيه نعم.
الشيخ: إيه.
السائل يعني: بيعت بالمدة الأخيرة أنها كانت في ملك لإنسان، وكان الدفن فيها عشوائي، يعني: مش أمثال مثل مقبرة السحاب، لو كان ... الأمر مثلاً في مقبرة السحاب، يكون الإنسان مطمئن أكثر؛ لأن الإنسان ...
الشيخ: ما عليش نحن بنمشي الآن إنه القبور بنيت في هذه الأرض عشوائياً كما تقول، ما الذي حدد هذه الجهة وهذه الجهة، ولم تَتَعَدَّ الخطوات العشوائية إلى هذا المكان الذي بني عليه المسجد، لو أن المسجد مبني قديماً قبل المقبرة، وجاء الناس فاضطروا أن يبنوا حولها المسجد؛ لأن المسجد محصور بالجدر، لكن القضية بالعكس، المقبرة من قبل ثم المسجد هو الذي بني في تلك الأرض.
стр. 700
كيف يمكن أن يتصور الإنسان هذا؟ ويضاف إلى ذلك أنني سمعت من بعض إخواننا هناك أنه في أثناء الحفريات في أساس المسجد وجدوا قبوراً.
السائل: طيب أستاذي! لو كانوا مخطئين يعني: تحت أساسات السور، مش تحت أساسات البناء القائم، هل نشك قد يكون في أساسات نفس المسجد؟
الشيخ: تحت أيش؟
السائل: أساسات السور التي هي التهوية؟
الشيخ: إيه.
السائل: يعني: كالسور هذا يعني.
الشيخ: إيه.
السائل: إيه نعم، مش تحت البناء مثلاً كأمثال هذا، تحت هذا؟
الشيخ: هذا السور، وهذا بجدار المسجد؟
السائل: إيه نعم، نفترض إنه وجدوا الأساسات ...
الشيخ: فاهم، فاهم، وهذا جدار المسجد؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: وهذا جدار المسجد؟
مداخلة: إيه نعم، هذا جدار المسجد، وهذا السور نعتبره.
السؤال: الذي هو يؤثر الذي يكون تحت المسجد مباشرة؟
الشيخ: إيه نعم.
مداخلة: جزاك الله خير.
الشيخ: وإياك.
"الهدى والنور" (٢٩/ ٢٦: ٢٥: ٠٠)
стр. 701
[١٤٧] باب حرمة اتخاذ القبور مساجد، وهل يلزم من ذلك حرمة الصلاة في مسجد الرسول ﵌ -؟!
السؤال: سيدي قرأت حديث يقول انه لا يجوز الصلاة في مسجد يكون فيه قبر أو أكثر من قبر.
فهذا الحديث صحيح أو غير صحيح؟
الشيخ: هذا [فيه] أحاديث.
مداخلة: علماً أن قبر النبي ﵌ داخل الحرم الشريف والمسجد الأموي فيه قبر كمان.
الشيخ: سؤالك فيه شُعب يعنى ممكن تقسيمه إلى أسئلة.
الجواب عن السؤال الأول أن الحديث الوارد في النهي عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور ليس فقط صحيحا بل هو صحيحاً متواتر, ولعلكم تعلمون المقصود بلفظة متواتر, الحديث الصحيح هو يأتي من طريق من إسناد واحد صحيح عند علماء الحديث هذا حديث صحيح, لكن الحديث إذا جاء من أسانيد متعددة وعن جماعة من الصحابة كُثُر يقال في هذا الحديث حديث صحيح متواتر, والحديث الصحيح المتواتر يعني من حيث الثبوت بيكون في قوة القرآن الكريم, فالحديث اللي بينهى عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور ليس حديثاً فرداً صحيحاً بل هو مجموع أحاديث أكثر من عشرة أحاديث.
وأنا كنت تتبعت في زماني هذه الأحاديث فجاوزت العشرة أحاديث عن عشرة من الصحابة وكل هذه الأحاديث تدندن وتدور حول النهي عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور, لا بأس من أن نذكر شيئا من هذه الأحاديث مما
стр. 702
يحضرنا, من ذلك مثلاً: ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: لما رجعت أم سلمة وأم حبيبة من الحبشة «كانوا من المهاجرات إلى الحبشة ورجعوا إلى المدينة» ذكرتا لرسول الله ﵌ كنيسة رأتاها في الحبشة وذكرتا من حسنٍ وتصاوير فيها فقال ﵊: «أولئك- يعنى النصارى- كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا على قبره تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» , انتبهت يا شيخ في آخر الحديث؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: يقول الرسول ﵇ في آخر الحديث «أولئك- يعني النصارى- كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا- يعني نقشوا فيه تلك النقوش يعني الزخارف- أولئك شرار الخلق عند الله
يوم القيامة»
الحديث الثاني أيضا في الصحيحين عن النبي ﵌ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت عائشة ﵂ «ولولا ذلك أبرز قبره ﵊ ولكن خُشي أن يتخذ مسجداً» , الجملة هذه أرجوا أن تبقى في ذاكرتكم لأن لها صلة وثقى بالجواب عن الشطر الثاني من السؤال حيث قُلْتَ (هذا) قبر الرسول في مسجد الرسول. هذا الحديث الثاني.
الحديث الثالث وهو في صحيح مسلم من حديث سمرة بن جندُب أو جندَب أن النبي ﵌ قال قبل أن يموت ﵇ بخمس ليال أو ثلاث ليال- الشك من عندي- «ألا إن من أَمَنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً,
стр. 703
ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائم مساجد ألا فلا تتخذوها مساجد إني أنهاكم عن ذلك» هذا الحديث الثالث يؤكد الحديثين الأولين وبيزيد عليهما بياناً لأن بعض الناس الذين اعتادوا وعاشوا على خلاف السنة الصحيحة بيقول لك يا أخي احنا شو دخلنا بالنصارى, هؤلاء النصارى والرسول بيحكي عنهم وبيقول أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة, وبيلعنهم لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد, نحن شو دخلنا في الموضوع, يأتي هذا الحديث ليؤكد معنىً معروفاً عند العلماء أن نبينا ﵊ لما يرينا أموراً وقعت قبل الرسول ﵇ وبيحذر من هذه الأمور فما بيحكيها
لنا للتسلية وإنما لنأخذ منها موعظة وعبرة, ولذلك جاء الحديث الأول وجاء الحديث الثاني.
ولكن قد يرد مثلاً إشكال قد يقول قائل كما قلنا آنفاً الحديث الأول والثاني ماله علاقة بالأمة المحمدية فيأتي الحديث الثالث وكما يقال اليوم يضع النقاط على الحروف, يقول بعد أن يحدث عمن قبلنا «ألا وإن من كان قبلكم- يعني اليهود والنصارى الذي ذكروا في الحديثين- كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا- أنتم معشر الأمة الإسلامية- ألا فلا تتخذوها مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» هذا حديث ثابت, وأحاديث كثيرة منها:
قوله ﵌: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد»، فهذا كمان بيشمل غير اليهود والنصارى؛ لأن الرسول ﵇ يقول في بعض الأحاديث الصحيحة: «لاتقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول لا إله إلا الله» معنى الحديث لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض موحدين لله لا يشركون به شيئاً, ولذلك جاء في الحديث الآخر قوله عليه
стр. 704
السلام: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق» فإذاً من شرار الخلق أولئك الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد, فهؤلاء سيكونون بعد الرسول ﵇.
بناءً على هذه الأحاديث وغيرها يحرم بناء المسجد على القبر ويحرم بالتالي اتخاذ ذلك المسجد مصلىً لماذا؟
الجواب مع الأسف معروف عملياً, لأن هذا القبر سيُدعى من دون الله ﵎, ومعنى يُدعى من دون الله أنه يُعبد من دون الله.
وهذا بحث طويل الآن نؤجله إلى مناسبة أخرى إن شاء الله لندخل في الجواب عن السؤال الثاني أو الشق الثاني من السؤال الواحد، فنقول: صحيح أن قبر الرسول اليوم في مسجد الرسول لكن هل حينما مات الرسول ﵇ دفن في مسجده؟ الجواب لا, وحديث عائشة الذي لفت نظركم إليه هو دليل صريح بذلك حيث قال: «لولا ذاك أبرز قبره ولكن خُشي أن يُتخذ مسجداً» أي: لولا تحدث الرسول ﵇ عن اليهود والنصارى وأنهم لعنوا بسبب اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد, لولا هذا كان قبر الرسول ﵇ يُدفن في أرض بارزة أرض مثل الأرض التي قدامكم هنا، لكن لم يُفعل بقبره ﵇ ذلك لماذا؟ خشية أن يُتخذ مسجداً, إذاً أين دُفن الرسول ﵌ , هنا قصة لما مات ﵊ ﴿وكل من عليها فان﴾ اختلف أصحابه في مكان دفنه، أكثرهم كان لا علم عنده بأين يدفن النبي ﵇ وهم في هذا التشاور أين يدفنوه ﵊ دخل عليهم أبو بكر الصديق، قال لهم: الجواب عندي سمعت رسول الله ﵌ يقول: «ما من نبي إلا دُفن في الموضع الذي مات فيه» أين مات الرسول ﵇؟ في بيته في بيت السيدة عائشة ... ما كادوا يسمعون هذا الحديث إلا سحبوا السرير الذي مات عليه الرسول وحفروا تحت منه وذلك في
стр. 705
بيت عائشة, وبيت عائشة كان بجنب مسجد الرسول ﵇, لذلك تواترت الأحاديث أن الرسول ﵇ كان يخرج من بيته إلى المسجد حتى يوم الجمعة كان إذا أذن بلال يوم الجمعة أو قبل ما يؤذن بلال يوم الجمعة كان الرسول يخرج من البيت إلى المنبر فوراً، وبس بلال يشوف الرسول صعد المنبر يؤذن الأذان، ثم يبدأ الرسول ﵌ الخطبة إلى آخره. فإذاً رسول الله دُفن في بيته لكن ماذا جرى بعد ذلك, وقع شيء مؤسف, في زمن أحد ملوك بني أمية أو خلفاء بني أمية رأوا من الضروري توسعة المسجد النبوي، علماً أنه كان عمر بن الخطاب قد أدخل توسعةً على المسجد النبوي، وكذلك من بعده عثمان بن عفان, انظر الآن الفرق بين الصحابة وعملهم وبين من جاؤوا بعدهم, توسعة عمر بن الخطاب وتوسعة عثمان لم تكن على حساب حجرات أم المؤمنين التي منها حجرة السيدة عائشة وإنما كانت في الجهة الجنوبية التي بيقولوا إلى اليوم زيادة عمر هناك, وزيادة عثمان في جهة أخرى لا تحضرني الآن, لكن في زمن بني أمية وجدوا حاجة بتوسعة المسجد فوسعوه من جهة قبر الرسول ﵌، فرفعوا الجدار الفاصل بين بيت عائشة وبيوت سائر أمهات المؤمنين وبين المسجد فصار القبر في المسجد حيث ترونه اليوم، فتظنون أن الرسول ﵇ دُفن في مسجده فيُشكل عليكم الأمر حينما تسمعون هذه الأحاديث وتسمعون ما يدل عليها من تحريم الصلاة في المساجد المبنية على القبور.
يبقى الجواب والثالث والأخير هل حكم الصلاة في المسجد النبوي كحكم الصلاة في المساجد كلها ومنها ما ذكرت أنت أو غيرك مثل بني أمية عندنا
في الشام؟
نقول مسجد الرسول ﵇ ليس كذلك؛ لماذا؟