المسلمين-يعني: يتخذ-قبره مسجداً, ولم تُؤْمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي من بعد. انتهى.
والحديث الذي ذكره عن مالك مُعضَلاً حديث صحيح جداً؛ جاء في «الصحيحين» وغيرهما عن جمع من الصحابة؛ منهم: عائشة, وابن عباس, وأبو هريرة, وزيد بن ثابت, وأبو عبيدة بن الجراح, وأسامة بن زيد.
وفي الباب: عائشة أيضاً, وجندب بن عبد الله البجلي, وابن مسعود, وأبي سعيد الخدري, وعطاء بن يسار مرسلاً.
وقد خرجتُ أحاديثهم وسقت ألفاظهم في «التعليقات الجياد» وبينت فيه ما يستفاد منها من المسائل المهمة التي غفل عنها أكثر المسلمين؛ فوقعوا في الغلو في الأولياء والصالحين, وتعظيمهم تعظيماً خارجاً عن حدود الشرع والدين, وقد قال ابن حجر الهيتمي الفقيه في «الزواجر عن اقتراف الكبائر» (ص ١٢١):
قال بعض الحنابلة: قَصد الرجل الصلاة عند القبر متبركاً بها عَيْنُ المحاداة لله ولرسوله, وإبداع دين لم يأذن به الله؛ للنهي عنها, ثم إجماعاً؛ فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها, واتخاذها مساجد, أو بناؤها عليها. والقول بالكراهة محمول على غير ذلك؛ إذ لا يُظَنُّ بالعلماء تجويزُ فعلٍ تواتر عن النبي ﵌ لَعْنُ فاعِلِهِ, ويجب المبادرة لهدمها, وهدم القباب التي على القبور, إذ هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أُسست على معصية رسول الله ﵌؛ لأنه نهى عن ذلك, وأمر ﵌ بهدم القبور المشرفة, وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر, ولا يصح وقفه ونذره. انتهى ما في «الزواجر».
فأفاد كلام المناوي والحنبلي أن قصد الصلاة إلى القبر وعنده محرم, وأنه
стр. 877
تشريع لم يأذن به الله, ومع ذلك ترى كثيراً من الناس-حتى بعض المشايخ-يقصدون مقامات الأولياء والصالحين للصلاة عندها, والتبرك بها, وإذا قيل لهم في ذلك؛ قالوا: إنما الأعمال بالنيات, ونياتنا طيبة, وعقائدنا سليمة! ولئن صدقوا في ذلك؛ فما هو بمنجيهم من المؤاخذة عند الشارع الحكيم؛ لأنه إنما بنى الأحكام على الظواهر, والله يتولى السرائر.
ولقد أنكر رسول الله ﵌ على من خاطبه بقوله: ما شاء الله وشئت يا
رسول الله!
فقال ﵊:
«جعلتني لله نداً؟! قل: ما شاء الله وحده».
ولقد كان رسول الله ﵌ يعلم أن ذلك الرجل ما قصد أن يجعله شريكاً مع الله, وهو-﵁-ما آمن به ﵌ إلا فراراً من الشرك؛ فكيف يجعله شريكاً لله؟! كان ﵌ يعلم ذلك منه, وإنما أنكر عليه ما سمعه من لسانه حتى يُقَوِّمَهُ مرة؛ فلا يتكلم مرة أخرى بما يوهم الشرك والضلال.
فمال هؤلاء الناس يأتون أعمالاً منكرة, ظاهرها شرك وضلال, ثم يبررون ذلك بقصدهم الحسن في زعمهم؟! والله يعلم أن كثيراً من هؤلاء قد فسدت عقائدهم, وداخَلَها الشرك من حيث يشعرون أو لا يشعرون؛ ذلك جزاؤهم بما كسبوا, وجعلوا أحاديثه ﵊ وراءهم ظهرياً.
"أصل صفة الصلاة" (١/ ١٤٠ - ١٤٤).
стр. 878
[١٨٢] باب التمسح بالقبور من الشرك
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
«لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله».
(ضعيف).
[قال الإمام]:
أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٢) والحاكم (٤/ ٥١٥) من طريق عبد الملك بن عمرو العقدي عن كثير بن زيد عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعاً وجهه على القبر، فقال: أتدري ما تصنع؟! فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب، فقال: نعم جئت رسول الله ﵌ ولم آت الحجر، سمعت رسول الله ﵌ ... " فذكره، وقد شاع عند المتأخرين الاستدلال بهذا الحديث على جواز التمسح بالقبر لوضع أبي أيوب وجهه على القبر، وهذا مع أنه ليس صريحاً في الدلالة على أن تمسحه كان للتبرك- كما يفعل الجهال- فالسند إليه بذلك ضعيف كما علمت فلا حجة فيه، وقد أنكر المحققون من العلماء كالنووى وغيره، التمسح بالقبور وقالوا: إنه من عمل النصارى وقد ذكرت بعض النقول في ذلك في " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " وهي الرسالة الخامسة من رسائل كتابنا " تسديد الإصابة إلى من زعم نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة " وهي مطبوعة والحمد لله فانظر (ص ١٠٨) منه.
"الضعيفة" (١/ ٥٥٢ - ٥٥٤).
стр. 879
[١٨٣] باب هل في حديث: «الله الله تربة أرضنا وريقة بعضنا يشفي سقيمنا بإذن ربنا» دليل على جواز التمسح بالقبور ؟
السائل: حديث في البخاري: «الله الله تربة أرضنا وريقة بعضنا يشفي سقيمنا بإذن ربنا» بعض الصوفية يستدل [به على] جواز التسمح ..
الشيخ: هذا مع وضوح بطلان هذا الاستدلال؛ لأن التسمح المذكور في هذا الحديث كما ترون دائرته ضيقة جدًا، ومناسبته الاستشفاء بالريق وبالدعاء وبالتراب البسيط الذي يتعلق بالإبهام أو بالإصبع، فأين هذا من التسمح بقبور الأموات وعدم قراءة ذكر وارد عن الرسول ﵇، وأنا أقول وقد قلت قريبًا: لو كان هناك حديث عام، وهذا حديث خاص، وله قيوده كما تسمع ونسمع .. لو كان هناك حديث عام وطبق على صورة خاصة ولم يطبق بالصورة العامة لا يجوز لنا أن نطبقه في الصورة العامة؛ لأن الذي تحدث بالحديث، والذين تلقوا الحديث عن الرسول ﵇ مباشرةً لم يطبقوه بالصورة التي تدخل في النص العام، وضربت على ذلك مثلًا أذكره الآن ليتضح المراد من هذا الكلام، فقوله ﵌: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الثلاثة أزكى من صلاة الرجلين» إلى آخر الحديث، فلو صلى جماعة السنة القبلية قبل الظهر جماعةً واحتج بهذا الحديث كان مردودًا عليه احتجاجه، لماذا؟ لأن الذي قال هذا الحديث، والذين سمعوا هذا الحديث من فم الرسول ﵇ غضًا طريًا لم يطبقوه بهذا المعنى العام حيث أدخلوا فيه الجماعة في السنن الرواتب، فكيف يستدل بحديث خاص على موضوع عام ونحن نرد الاستدلال بالحديث العام على موضوع خاص لم يجر العمل عليه في العهد الأول؟ وهذا من الفقه الذي
стр. 880
ينبغي على طلاب العلم أن يعضوا عليه بالنواجذ؛ لأنه يفتح لهم بابًا من العلم قد لا يتنبه له كبار العلماء خاصة إذا كانوا من أهل الجمود والتقليد.
(فتاوى جدة -الأثر-" (٦/ ٠٠:٥٤:٤٣)
[١٨٤] باب حكم قراءة القرآن عند القبور
[روي عن النبي ﵌]:
«من زار قبر والديه كل جمعة، فقرأ عندهما أو عنده «يس» غفر له بعدد كل آية أو حرف».
(موضوع).
[قال الإمام]:
والحديث يدل على استحباب قراءة القرآن عند القبور، وليس في السنة الصحيحة ما يشهد لذلك، بل هي تدل على أن المشروع عند زيارة القبور إنما هو السلام عليهم وتذكر الآخرة فقط، وعلى ذلك جرى عمل السلف الصالح ﵃، فقراءة القرآن عندها بدعة مكروهة كما صرح به جماعة من العلماء المتقدمين، منهم أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية كما في " شرح الإحياء " للزبيدي (٢/ ٢٨٥) قال: لأنه لم ترد به سنة، وقال محمد بن الحسن وأحمد في رواية: لا تكره، لما روى عن ابن عمر أنه أو صى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتمها.
قلت: هذا الأثر عن ابن عمر لا يصح سنده إليه، ولوصح فلا يدل إلا على القراءة عند الدفن لا مطلقاً كما هو ظاهر.
стр. 881
فعليك أيها المسلم بالسنة، وإياك والبدعة، وإن رآها الناس حسنة، فإن " كل بدعة ضلالة " كما قال ﵌.
"الضعيفة" (١/ ١٢٦ - ١٢٨).
[١٨٥] باب حكم القراءة على القبر
[نقل الآلوسي في الآيات البينات عن الغزالي قوله]:
إن مسألة القراءة على القبر ذات خلاف؛ قال الإمام [يعني أبا حنيفة]: تكره لأن أهلها جيفة، ولم يصح فيها شيء عنده عنه ﵌.
[فعلق الألباني قائلاً]:
قلت: وهذا التعليل الثاني هو المعتمد، بخلاف الأول فإنه مما لا دليل عليه.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٣٠).
[١٨٦] باب حكم زراعة أشجار على القبور
سؤال: الموضوع يا شيخنا بعض الناس يا شيخنا يزرعون شجرة على القبر، ويترددون على هذا القبر بحجة أنهم يسقون هذه الشجرة، فما رأيكم في هذا، هل تقطع هذه الشجرة، وممكن يكون نساء أيضاً يفعلن هذا الفعل، حتى كثرت أشجار الزيتون والتين والفواكه على المقابر؟
الشيخ: نعم، هذا أسلوب لا شك ليس إسلامياً من جهات عديدة، أهمها أنه أسلوب الكفار الذين ينزعجون من زيارة القبور، ولذلك فمن سافر إلى بلاد الكفر يجد المقابر أشبه ما تكون بالحدائق الغناء، مزروعة بالأشجار الكثيرة والورود والزهور ونحو ذلك، حتى إذا مر المار من تلك المنطقة لا ينزعج بذكر
стр. 882
الموت، فالمسلمون الآن يسلكون سنن من قبلهم كما تنبأ بذلك النبي ﵊ في الحديث الصحيح: «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» .. إلى آخر الحديث، فهذه الظاهرة هو
تقليد للكفار.
ومن تمام التقليد ما ابتلي به بعض البلاد الإسلامية وبلدنا هذا مع الأسف منها وهو إخراج المقابر خارج البلد، وبذلك يقطعون الصلة بين الأحياء والأموات، أي: يعطلون زيارة القبور؛ لأنه ليس من الممكن عادة أن المسلم الذي مات أبوه أنه يشد الرحل ويخرج خارج البلد من أجل أن يرى أباه، لا والله لن يسأل عن أبيه ولا عن أمه ولا عن أخته، هذا هدف لقطع الصلة بين الأحياء والأموات بطريق تحقيق الغاية الشرعية التي سبق ذكرها آنفاً، ولذلك فلو أن هناك دولة إسلامية حقاً فهذه المسألة مع أنها-كما يقول بعضهم: ثانوية- ولا نقول من باب القشور، لكنها ثانوية، لكن مع ذلك سوف تضع المخطط البلد أو المدينة أو العاصمة لا تكون القبور فيها إلا في داخلها، لكيلا يقطعوا الصلة بين المسلمين وبين قوله ﵇: «ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة».
مداخلة: .. يا شيخنا يعني: يستدل بعض المسلمين بأن الرسول ﵌ مر على قبر فأخذ غصناً رطباً أو كذا ما أذكر النص، فوضعه على القبر، فيستدلون بهذا الحديث أنهم يجوز لهم أن يضعوا شجر أو غيره، فما أدري إذا كان هذا الحديث يكون ..
الشيخ: هذا الحديث بلا شك هو حديث صحيح، ولكن لا يدل الحديث على الغاية التي يستند إليها هؤلاء الذين يضعون الورود والزهور ويزرعون
стр. 883
الأشجار على مقابرهم أو قبورهم بزعم أنها تخفف العذاب عن أولئك الأموات بسبب أن هذا الشجر الأخضر يسبح الله ، وبهذا التسبيح يخفف العذاب عن أهل القبور، هذا الحديث الصحيح لا يدل على هذا التعليل الذي لا أصل له في الشرع أولاً، بل الحديث الذي سألت عنه يدل على أن هذا الغصن الرطب الذي وضعه الرسول ﵇ لم يكن سبباً لتخفيف العذاب حتى يصح أن يتخذ هذا السبب نظاماً ويطبق في مقابر المسلمين، وإنما يدل على أن رطابة هذا الغصن إنما كان علامة وتحديداً لزمن تخفيف العذاب عن أولئك المقبورين؛ ذلك لأن النبي ﵌ لما سئل عما فعل من وضع الغصنين على القبرين، قال: «لعل الله أن يخفف عنهما ماداما رطبين»، هذا حديث البخاري ومسلم، وهناك رواية من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ أن النبي ﵌ لما سئل أجاب: بأن الله قبل شفاعته ﵇ أن يخفف العذاب مادام الغصن رطباً، إذاً ما هو السبب في التخفيف؟ شفاعة الرسول أي: دعاء الرسول، إذاً: الرطابة هذه ليست هي السبب، إنما هي علامة، ماداما رطبين فالعذاب مخفف، هذا صريح في الحديث، لكن هناك أشياء استنباطية نظرية سليمة تؤكد هذا المنصوص في الحديث، أول ذلك: لو كان مجرد وضع الغصن الأخضر على القبر سبباً لتخفيف العذاب لجرى السلف الأول على اتخاذ هذه الوسيلة تخفيفاً للعذاب، وإذ لم يفعلوا، فهذا دليل أنهم لم يفهموا ذلك الفهم الخلفي أن سبب التخفيف هو رطابة الغصن هذا شيء، وشيء ثانٍ: لو أن ذلك يكون سبباً شرعياً لتخفيف العذاب فهنيئاً للكفار الذين أصبحت مقابرهم حدائق غناء، فإذاً يخفف عنهم العذاب بسبب هذه العلة المبتدعة المختلقة التي لا أصل لها في السنة، وثالثاً وأخيراً: ربنا يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ
стр. 884
تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء: ٤٤)، كل شيء حول الميت، بل الميت نفسه سواء كان لا يزال لحماً على عظم، أو ذاب اللحم وبقي العظم، أو صار العظم رميماً، كل هذا وهذا وهذا، داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء: ٤٤)، إذاً: لا فرق بين الأخضر وبين اليابس، لا فرق بين الشجر وبين الحجر، بين الحجر وبين المدر، كله داخل في عموم الآية الكريمة، لذلك: إن هذا الذي يقولونه إلا اختلاق.
"الهدى والنور" (٦٠٣/ ٣١: ٤٦: ٠٠) و (٦٠٣/ ٣٣: ٤٩: ٠٠)
[١٨٧] باب لا حج إلا لبيت الله الحرام
أما الحج إلى القبور فمن الشرك
[روي عن النبي ﵌]:
«يا أبا هريرة، علم الناس القرآن وتعلمه، فإنك إن مت وأنت كذلك زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق، وعلِّم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت أن لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدث في دين الله حدثا برأيك».
(موضوع).
[قال الإمام]:
أخرجه الخطيب (٤/ ٣٨٠) وأبو الفرج بن المسلمة في "مجلس من الأمالي" (١٢٠/ ٢) من طريق عبد الله بن صالح اليماني، حدثني أبوهمام القرشي، عن سليمان ابن المغيرة، عن قيس بن مسلم عن طاووس عن أبي هريرة
стр. 885
مرفوعاً، ومن هذا الوجه ذكره ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٢٦٤) وقال: لا يصح، وأبوهمام: محمد بن مجيب (الأصل محبب وهو تصحيف).
قال يحيى: كذاب، وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث، وتعقبه السيوطي في " اللآليء " (١/ ٢٢٢) بقوله: قلت له طريق آخر قال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن شبيب عن محمد بن قدامة المصيصي عن جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً.
قلت: فذكره نحوه إلا أنه قال: «فإن أتاك الموت وأنت كذلك حجت الملائكة إلى قبرك كما يحج المؤمنون إلى بيت الله الحرام».
وسكت عليه السيوطي، وهو بهذا اللفظ أشد نكارة عندي من الأول لما فيه من ذكر الحج إلى القبر فإنه تعبير مبتدع لا أصل له في الشرع ولم يرد فيه إطلاق الحج إلى شيء مما يزار إلا إلى بيت الله الحرام، وإنما يطلق الحج إلى القبور، المبتدعة الذين يغالون في تعظيم القبور مثل شد الرحال إليها والبيات عندها والطواف حولها، والدعاء والتضرع لديها ونحوذلك مما هو من شعائر الحج حتى لقد ألف بعضهم كتاباً سماه " مناسك حج المشاهد والقبور "! على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، وهذا ضلال كبير لا يشك مسلم شم رائحة التوحيد الخالص في كونه أكره شيء إليه ﵌، فكيف يعقل إذن أن ينطق ﵇ بهذه الكلمة: " حجت الملائكة إلى قبرك كما يحج المؤمنون إلى بيت الله الحرام "؟! اللهم إن القلب يشهد أن النبي ﵌ ما صدر منه حرف من هذا، فقبح الله من وضعه.
"الضعيفة" (١/ ٤٣٠ - ٤٣١).
стр. 886
[١٨٨] باب حكم الطواف بالقبور وهل يعذر بالجهل في مثل ذلك وهل أخذ الميثاق يكفي كحجة؟ وحكم أهل الفترة
السؤال: ... ما حكم الطواف بالقبور؟
الشيخ: الطواف في القبور شرك لا شك في ذلك ولا ريب، إذا كان النبي ﵌ قد قال كما في صحيح مسلم: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» وهذا نص صريح أنه لا يجوز اتخاذ القبر قبلة؛ لأن قبلة المسلم إنما هي بيت الله الحرام أو الكعبة المشرفة، فإذا طاف الطائف حول القبر فمعنى ذلك أنه نقل عبادة هي لله وحده لا شريك له إلى ذاك المقبور الذي يعتقد بأنه من الأنبياء أو الاولياء أو الصالحين، ولا شك أن مثل هذا الارتكاب هو إخلال بحق لا إله إلا الله؛ لأن معنى هذه الكلمة الطيبة: لا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎، فربنا يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: ٥) فأي عبادة توجه لغير الله فهو شرك بالله في توحيد العبادة لأنكم تعلمون فيما أعتقد أن العلماء المحققين قسموا التوحيد الذي ينجي يوم القيامة .. يوم رب العالمين ينقسم إلى ثلاثة أقسام فإذا أخل المسلم بواحد منها لم يكن موحداً حقاً:
القسم الأول: توحيد الربوبية.
والقسم الثاني: توحيد الألوهية، أي: توحيد العبادة.
والقسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات.
فمن وجه عبادة من العبادات التي تعبد الله بها عباده إلى غيره فقد اتخذه معه إلهاً؛ ولذلك نجد في القرآن الكريم أن النبي ﵌ لما كان يدعو المشركين من قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له بالكلمة الطيبة: ﴿إِذَا قِيلَ
стр. 887
لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات: ٣٥) وأيضاً حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥) المشركون لم يكونوا ينكرون التوحيد الأول وهو توحيد الربوبية وتوحيد الخالقية وإنما كانوا يعترفون بذلك تماماً وإنما أنكروا توحيد العبادة لذلك قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥) فأنكروا على النبي ﵌ حينما أمرهم بأن لا يذبحوا إلا لله، وأن لا يحلفوا إلا بالله، وأن لا ينذروا إلا لله .. أنكروا ذلك عليه وجعلوا ذلك علامة منهم على كفرهم وشركهم للألوهية وتوحيد الله في العبادة، فقول المسلم أي مسلم كان: لا إله إلا الله محمد رسول الله هذا بلا شك ينجيه من عذاب الدنيا ألا وهو القتل كما قال ﵇: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإذا قالواها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» فمن قال: لا إله إلا الله نجا بنفسه من الموت لكن لا ينجو أمام الله من الخلود في النار إلا إذا قام بحق هذه الكلمة وأول حقها هو عبادة الله وحده لا شريك له.
من طاف إذاً حول القبور فمعنى هذا أن ما عظمه بعبادة جعلها الله عبادة له فنقلها هذا الضال من عبادته لله إلى عبادة مقبور وهو شرك لا شك ولا ريب فيه.
الشيخ: هل هناك شيء آخر؟
مداخلة: [متى يقام الحد على مثل هذا؟]
الشيخ: نعم، هذا السؤال حينما يراد إقامة الحد عليه؛ لأن هذا بهذا العمل يرتد، فإذا كان هناك من يقيم الحد، أي: القتل على المرتد حينذاك هذا الإنسان يؤتى به فيستتاب، لا يسأل: تعتقد أو لا تعتقد؛ لأن عمله برهان عن عقيدته، إنما
стр. 888
يستتاب بعد أن تقام عليه الحجة، أن هذا الطواف هو لبيت الله فقط عبادة وخضوع لله كالسجود لا فرق، فلو أن إنساناً سجد لشيخ له أو أمير له فهذا لا يسأل لماذا أنت تسجد، وهل تعتقد أن هذا يستحق التعظيم؛ لأن عمله يدل على التعظيم لكنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فالرسول ﵇ قال كما على العموم: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها» (١) فالسجود بعد هذا التعظيم ليس من حاجة أن يسأل: لماذا أنت تسجد؟ لكن نحن بحاجة أن نفهمه أن هذا السجود إشراك مع الله لمن تعظمه بنفس الوسيلة التي تعظم بها ربك، فإما أن ترتدع وإما أمامك لا سمح الله القتل.
وسبب هذا الحديث الأخير أن معاذاً ﵁ أتى الشام في زمن النبي عليه الصلاة السلام وغاب ما غاب عنه ﵌، ثم لما جاء إلى المدينة ووقع بصره على النبي ﵌ أراد أن يسجد له، فقال له: «مه يا معاذ! قال: يا رسول الله!
إني أتيت الشام فوجدت النصارى يسجدون لقسيسيهم وعلمائهم فرأيتك أنت أحق بالسجود منهم، فقال ﵇: لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها» لكن لا يصلح السجود إلا لله ﵎.
إذاً: سواء من سجد لغير الله أو طاف بغير بيت الله لا حاجة بنا أن نسأله ماذا تعني .. أتعتقد أن هذا يستحق العبادة؟ سيقول لك: لا، ما أعتقد؛ لأنه لا يفهم ما هي العبادة، لكن نحن نقيم الحجة عليه ونفهمه أن هذا إشراك في قسم من التوحيد، ... الأول: قلنا الربوبية، والثاني: العبادة أو الألوهية، فإن استجاب وذلك
стр. 889
ما نبغي فبها ونعمت وإلا قتل كفراً ولا يدفن في مقابر المسلمين.
مداخلة: هل يعذر الجاهل في أمور العقيدة مثل هذه الأمور؟
الشيخ: هذه أيضاً لنا فيها أكثر من شريط فيما أعتقد، والسؤال يحتاج إلى تفصيل، ... فالشاهد: يختلف الجاهل باختلاف المجتمع الذي يعيش فيه، فإذا كان مجتمعاً جاهلياً فهو يعذر؛ لأن ما في من يقيم الحجة عليه ويبين له التوحيد، وإذا كان مجتمعاً إسلامياً محضاً موحداً فلا يعذر، وبين هذا وهذا طبعاً وجوه كثيرة وربنا هو الذي يعلم ما في الصدور، فمن علم الله منه أنه لم تبلغه حجة الله فيما كان جاهلاً به فهذا معذور عند الله لقوله ﵎: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥) ولقوله ﵌: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» (١) يسمع بي، يعني: يسمع بدعوتي على حقيقتها ثم هو مع ذلك لا يؤمن فهو خالد في النار أبداً.
هذا هو مجمل القول في هذه المسألة: المحيط والبيئة له أثر كبير جداً في تقويم الإنسان أو إفساده؛ ولذلك نهى عليه الصلاة السلام أن يسافر المسلم إلى بلاد الكفر ويساكنهم ويعاشرهم.
مداخلة: ذهب القائلون يا شيخ بارك الله فيك: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (الأعراف: ١٧٢) ذهب القائلون في هذا إلى أنه لا يعذر الإنسان بجهله وقد أخذ الله العهد عليه من ظهور .. فما رأيكم في هذا الدليل يا شيخ جزاك الله خيرًا؟
الشيخ: هذا بارك الله فيك استدلال هزيل جداً، وإنما معنى الآية السابقة:
стр. 890
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥) هذا الاستدلال معناه: تعطيل حكمة بعث الرسل وإنزال الكتب، فلو كان ما وقع في عالم الأرواح كما يقولون يكفي لإقامة الحجة كان لم يقل ربنا : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥) ولم يكن هناك حاجة قصوى لإرسال الرسل وإنزال الكتب، وهذا استدلال خاطئ اعتزالي؛ لأن المعتزلة يفسرون الآية التي ذكرتها آنفاً: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥) أي: العقل، وهذا انحراف طبعاً عن السنة؛ لأن السنة توضح أن أربعة أجناس يوم القيامة يدلون بحجتهم:
الطفل الذي لم يبلغ سن التكليف، والمجنون، والشيخ ... ، والرابع لا أذكره الآن .. المهم هؤلاء يحاسبون يوم القيامة حساباً غير حساب الناس .. يرسل الله ﵎ إليهم رسولاً فمن أطاع هذا الرسول دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، فلذلك الآية السابقة وهذا الحديث وما جاء في كتب التفاسير من السلف تبطل الاستدلال بالآية التي ذكرتها آنفاً.
فضلاً عن الحديث الذي ذكرته أيضاً آنفاً وهو من الحجج: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل» فلو كانت الحجة السابقة صحيحة لم يكن لهذا الحديث معنى أبداً؛ لأن الحجة السابقة تسوي بين من سمع عن الرسول وبين من لم يسمع به إطلاقاً، وهذا لا يقول به
عالم أبداً.
مداخلة: معنى سمع بي؟
الشيخ: شرحته آنفاً .. سمع بدعوتي وعلى حقيقتها، وبأوصافه وشمائله المعروفة، وهذا أيضاً لنا بعض تسجيلات في هذه الفترة عندكم، نعم.
стр. 891
مداخلة: أهل الفترة يا شيخ [ما حكمهم]؟
الشيخ: إذا كان المقصود باهل الفترة جماعة بخصوصهم فينبغي تعيينهم، وإذا كان المقصود بأهل الفترة ليس جماعة بخصوصهم وإنما هم أقوام لم تبلغهم دعوة نبي ورسول فقد سبق الجواب، فيا ترى! ما هو المقصود بأهل الفترة في سؤالك؟
مداخلة: يقول: هم الذين ما بلغتهم رسالة نبي
الشيخ: سبق البحث: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥).
رحلة النور" (٢ب/١٠: ٠٥: ٠٠)
[١٨٩] باب الطواف حول القبور وثنية لا يرضاها الإسلام
[ذكر المعلمي في ترجمة أحمد بن عبد الله أبوعبد الرحمن العكي من «التنكيل» أن الرجل كان له شهرة وصيت .. ،فعلق الإمام قائلاً]:
ولذلك كان زوار قبره يدورون حوله، وهذه وثنية لا يرضاها الإسلام،
والله المستعان.
"التعليق على التنكيل" (١/ ١٢٣).
[١٩٠] باب لا تستقبل القبور حين الدعاء
[قال الإمام]:
لا (تُستقبل) القبور حين الدعاء لها، بل الكعبة؛ لنهيه ﵌ عن الصلاة إلى القبور كما سيأتي، والدعاء مخ الصلاة ولبها كما هو معروف فله حكمها، وقد قال ﵌: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾
стр. 892
أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٠/ ١٥١) والبخاري في «الادب المفرد» رقم (٧١٤) وأبو داود (١/ ٥٥١ - بشرح العون) والترمذي (٤/ ١٧٨،٢٢٣) وابن ماجه (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩) وابن حبان (٢٣٩٦) والحاكم (١/ ٤٩١) وابن منده في «التوحيد» (ق ٦٩/ ١) وأحمد (٤/ ١٦٧،٢٧١،٢٧٦،٢٧٧) وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
ورواه أبو يعلى من حديث البراءة بن عازب كما في «الجامع الصغير»،
وفي الباب عن أنس بن مالك مرفوعاً بلفظ: «الدعاء مخ العبادة»، أخرجه
الترمذي (٢٢٣٤) وقال: «حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة».
قلت: وهو ضعيف لسوء حفظه، فيستشهد به إلا ما كان من رواية أحد العبادلة عنه فيحتج به حينئذ، وليس هذا منها، لكن معناه صحيح بدليل حديث النعمان، قال الطيبي في شرحه:
«أتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام «هو العبادة» ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء.
وقال غيره: «المعنى هو من أعظم العبادة فهو كخبر «الحج عرفة» أي ركنه الأكبر، وذلك لدلالته على أن فاعله يقبل بوجهه إلى الله، مُعْرضاً عما سواه؛ لأنه مأمور به، وفعل المأمور عبادة، وسماه عبادة ليخضع الداعي، ويظهر ذلته، ومسكنته، وافتفاره؛ إذ العبادة ذل وخضوع ومسكنة» ذكره المناوي في «الفيض».
قلت: فإذا كان الدعاء من أعظم العبادة، فكيف يتوجه به إلى غير الجهة التي
стр. 893
أمر باستقبالها في الصلاة، ولذلك كان من المقرر عند العلماء المحققين أن «لا يستقبل بالدعاء إلا ما يستقبل بالصلاة».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في «اقتضاء الصراط المستقيم، مخالفة أصحاب الجحيم» (ص ١٧٥):
«وهذا أصل مستمر أنه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه، ألا ترى أن الرجل لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها فإنه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء، ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها الرجل الصالح، سواء كانت في المشرق أو غيره، وهذا ضلال بين، وشر واضح، كما أن بعض الناس يمتنع من استدبار الجهة التي فيها بعض الصالحين، وهو يستدبر الجهة التي فيها بيت الله، وقبر رسول الله ﵌! وكل هذه الاشياء من البدع التي تضارع دين النصارى».
وذكر قبل ذلك بسطور عن الإمام أحمد وأصحاب مالك أن المشروع استقبال القبلة بالدعاء حتى عند قبر النبي ﵌ بعد السلام عليه، وهو مذهب الشافعية أيضاً، فقال النووي في «المجموع» (٥/ ٣١١):
وقال الإمام أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني- وكان من الفقهاء المحققين- في كتابه في «الجنائز»: «ولا يستلم القبر بيده: ولا يقبله»، قال: «وعلى هذا مضت السنة».قال: «واستلام القبور وتقبيلها الذي يفعله العوام الآن من المبتدعات المنكرة شرعاً، ينبغي تجنب فعله، وينهى فاعله» قال: «فمن قصد السلام على ميت سلم عليه من قبل وجهه، وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه، واستقبل القبلة»، وهو مذهب أبي حنيفة أيضاً، فقال شيخ الاسلام في «القاعدة
стр. 894
الجليلة في التوسل والوسيلة» (ص ١٢٥):
«ومذهب الأئمة الأربعة: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الاسلام أن الرجل إذا سلم على النبي ﵌، وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة، واختلفوا في وقت السلام عليه، فقال الثلاثة مالك والشافعي وأحمد: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه، وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم، ثم في مذهبه قولان: قيل: يستدبر الحجرة، وقيل يجعلها عن يساره، فهذا نزاعهم في وقت السلام.
وأما في وقت الدعاء فلم يتنازعوا في أنه إنما يستقبل القبلة، لا الحجرة، وسبب الاختلاف المذكور إنما هو من قبل أن الحجرة المكرمة لما كانت خارجة عن المسجد، وكان الصحابة يسلمون عليه لم يكن يمكن أحداً أن يستقبل وجهه ﵌ ويستدبر القبلة (١)، كما صار ذلك ممكناً بعد دخولها في المسجد بعد الصحابة، فالمسلم منهم إن استقبل القبلة صارت الحجرة عن يساره، وإن استقبلوا الحجرة، كانت القبلة عن يمينهم وجهة الغرب من خلفهم، قال شيخ الاسلام في «الجواب الباهر» (ص ١٤) بعد أن ذكر هذا المعنى:
«وحينئذ فإن كانوا يستتقبلونه ويستدبرون الغرب فقول الأكثرين أرجح،
وإن كانوا يستقبلون القبلة حينئذ ويجعلون الحجرة عن يسارهم فقول أبي
حنيفة أرجح».
стр. 895
قلت: لقد ترك الشيخ ﵀ المسألة معلقة، فلم يبت في أنهم كانوا يستقبلونها، أو يستقبلون القبر، وكأن ذلك لعدم وجود رواية ثابتة عنهم في ذلك، ولكن لو فرض أنهم كانوا يستقبلونه، فقد علمت أنهم في هذه الحالة كانوا يستدبرون الغرب لا القبلة، لعدم إمكان ذلك في زمانهم، وسبق أن الاكثرين يقولون باستقبال وجهه ﵌ أيضا عند السلام عليه، وهذا يستلزم استدبار القبلة، الأمر الذي نقطع أنه لم يقع في عهد الصحابة كما سلف، فهذا أمر زائد على استقبال الحجرة، ولا بد له من دليل لإثباته، فهل له من وجود؟ ذلك مما لا أعرفه، ولا رأيت أحداً من العلماء تعرض لهذا، سواء في خصوص قبر الرسول ﵌ أو في القبور عامة. نعم، استدل بعضهم على ذلك بحديث ابن عباس قال:
«مر رسول الله ﵌ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن على الأثر».أخرجه الترمذي (٢/ ١٥٦) والضياء في «المختارة» (٥٨/ ١٩٢/١) من طريق الطبراني وقال الترمذي: «حسن غريب».
قلت: في سنده قابوس بن أبي ظبيان قال النسائي: «ليس بالقوي».وقال ابن حبان: «ردئ الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له».
قلت: وهذا من روايته عن أبيه، فلا يحتج به، ولعل تحسين الترمذي لحديثه هذا إنما هو باعتبار شواهده، فإن معناه ثابت في الأحاديث الصحيحة وقد مضى قريباً ذكر قسم طيب منها، إلا أن قوله: «فأقبل عليهم بوجهه» منكر لتفرد هذا الضعيف به.
إذا عرفت هذا، فقد قال الشيخ علي القاري في «مرقاة المفاتيح» (٢/ ٤٠٧):
«فيه دلالة على أن المستحب في حال السلام على الميت أن يكون وجهه
стр. 896
لوجه الميت، وأن يستمر كذلك في الدعاء أيضاً، وعليه عمل عامة المسلمين، خلافاً لما قاله ابن حجر من أن السنة عندنا أنه في حالة الدعاء يستقبل القبلة كما علم من أحاديث أخر في مطلق الدعاء».
قلت: وفي هذا الاستدلال نظر ظاهر، إذ ليس في الحديث إلا إقباله ﵌ بوجهه على القبور، وأما الاقبال على وجوه الموتى، فشئ آخر وهو يحتاج إلى نص آخر غير هذا، وهو مما لا أعرفه.
فالحق أن الحديث لو ثبت سنده لكان دليلاً واضحاً على أن المار بالقبور يستقبلها بوجهه حين السلام عليها والدعاء لها، كيفما كان الاستقبال، وحسبما يتفق دون قصد لوجوه الموتى، أما والسند ضعيف كما سبق بيانه فلا يصلح للاستدلال به أصلاً.
ولا ينافي ما تقدم عن الإمام مالك من عدم مشروعية استقبال الحجرة عند الدعاء الحكاية التي جاء فيها أن مالكاً لما سأله المنصور العباسي عن استقبال الحجرة، أمره بذلك، وقال: هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم؛ لأنها حكاية باطلة، مكذوبة على مالك، وليس لها إسناد معروف، ثم هي خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه كما ذكره إسماعيل بن إسحاق القاضي وغيره.
ومثلها ما ذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلي الحجرة يدعون لأنفسهم، فأنكر مالك ذلك، وذكر أنه فمن البدع التي لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وقال: «لا يصلح آخر هذه الامة إلا ما أصلح أولها» (١).
"أحكام الجنائز" (ص٢٤٦ - ٢٥١)
стр. 897
[١٩١] باب حكم قصد القبر للدعاء عنده تبركاً
[قال الإمام]:
(قصد) القبر للدعاء عنده تبركاً به لا يشرع، بل هو من الشركيات والوثنيات التي ابتلي بها كثير من المسلمين، كما شرحه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٢٨).
[١٩٢] باب منه
[قال الإمام]:
[جاء] في " حاشية الباجوري على ابن قاسم " [ما] نصه (١/ ٢٧٧): " ويكره تقبيل القبر واستلامه، ومثله التابوت الذي يجعل فوقه وكذلك الأعتاب عند الدخول لزيارة الأولياء ".ثم استثنى مخرِّباً بيده لما بنى فقال: " إلا إن قصد به التبرك بهم فلا يكره "
قلت [القائل الألباني]: وهل البلاء كله إلا من مثل هذا التبرك الموصل إلى الشرك؟.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٢٩).
[١٩٣] باب حكم استقبال القبور بالدعاء
[قال الإمام]:
يستقبل كثير من الناس الهلال عند الدعاء، كما يستقبلون بمثله القبور، وكل ذلك لا يجوز؛ لما تقرر في الشرع أنه «لا يستقبل بالدعاء إلا ما يستقبل بالصلاة» وما أحسن ما روى ابن أبي شيبة (١٢/ ٨/١١) عن علي قال: «إذا رأى الهلال فلا
стр. 898
يرفع إليه رأسه، إنما يكفي من أحدكم أن يقول: ربي وربك الله».وعن ابن عباس: أنه كره أن ينتصب للهلال، ولكن يعترض ويقول: «الله أكبر ... ».
"تحقيق الكلم الطيب" (ص ١٣٩).
[١٩٤] باب هل يشرع تقصد القبر بالسلام والدعاء ؟
سؤال: بالنسبة لبعض الناس الذين يصلون في الحرم، الملاحظ بعض الناس يقفون في مكانهم بعد التسليم، ثم بعد ذلك يتجه باتجاه القبر .. الذي يقول: أنا أصلي وأسلم على قبر ..
الشيخ: ... هذا لا يجوز في الإسلام، لا يجوز استقبال القبور في أثناء السلام والدعاء إلا ما يتيسر، أما أن يتقصد من بعيد أن يتوجه إلى قبر النبي ﵇ أو الولي أو الصالح فهذا ليس من الإسلام في شيء.
"لقاءات المدينة" (١/ ٠٠: ٣٩: ٠٣)
[١٩٥] باب وضع المال عند القبر غير مشروع
[قال صديق حسن في «الروضة الندية» (٢/ ٥١٦):
«ومن وضع مالا في مسجد أو مشهد لا ينتفع به أحد؛ جاز صرفه في أهل الحاجات ومصالح المسلمين».
[فعلق الإمام قائلاً]:
«ليس يريد المؤلف به [أي بالمشهد] المعنى المتعارف عليه؛ وهو المكان الذي دُفن فيه أحد الصالحين؛ فإن هذا غير مشروع».
«التعليقات الرضية» (٢/ ٥١٦).
стр. 899
[١٩٦] باب هل يجوز تعليم القبر وزيارته بعينه ؟
سؤال: بالنسبة لزيارة القبور: هل يجوز تعريف قبر معين والذهاب إليه لزيارته خصيصاً قبر صديق، يعني: صديق دفن في البقيع هل يجوز تعريف قبره والذهاب إليه الوقوف عليه والدعاء له فيه.
الشيخ: يجوز؛ لأن الرسول قال: «وعلموا به قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي» لكن لا ينبغي أن يترتب من وراء ذلك شيء من الغلو.
"الهدى والنور" (٨٠/ ٤٢: ٣٩: ٠٠ (
[١٩٧] باب حكم البناء على القبر للضرورة والكتابة عليه
[سئل الإمام سؤالاً مفاده أنه إذا كان الحجر الذي يوضع على القبر كعلامة له يضيع بسبب كثرة الزائرين وكثرة من يمشي على القبور، فهل يجوز في هذه الحالة إقامة بناء صغير على القبر يقوم بالغرض؟]
الشيخ: عرفت الحكم الشرعي، يعني الأصل هو تحريم البناء على القبر، لكن إذا الله يقول بعدما حرم اللحوم المحرمة كلحم الخنزير يقول: «إلا ما اضطررتم إليه»، فمعناها الضرورات تبيح المحظورات، لكن مش على كيفنا، الضرورة تقدر بقدرها في حدود القاعدة هذه تقدر تتصرف بالإضافة إلى القبر بغرض صيانتة وعدم إهانته، أما نقعد نشتغل بالبنى والتزيين والزخرفة ... فإذاً عرفت فالزم.
مداخلة: عندما دفنا الميت جبنا حجر وضعناه كشاهد لأجل التراب
والهواء والغبرة لو أجينا صبينا صبة باطون على نفس الأرض ووضعنا الشاهد بدون كتابة.
стр. 900
الشيخ: هذا نفس البحث في حدود الحاجة بس.
مداخلة: أما يعمل حجرة حجرة هذا مكروه.
الشيخ: نعم.
مداخلة: ... قبل سنتين تقريبا [قرأت] فتوى في الجريدة ذكروا بالنسبة للكتابة على الشاهد جواز ذلك واستشفوا ذلك من حديث: « ... قبر أخي»، قال الآن الكتابة من وسائل التعلم أو من وسائل معرفة القبر هذا لمن صاحبه فما رأيكم؟
-رأيي يعرف بالجواب السابق الضرورة تقدر بقدرها، فأنا أقول إذا كان ليس هناك وسيلة لتعليم القبر إلا بالكتابة فيجوز بحكم الضرورة إذا كان لا يوجد هناك وسيلة أخرى، أنا الآن راح أضرب لك مثل، أدخل المقبرة هذه التي ممكن تكون أوسع مقبرة في هذا البلد ستجد شواهد كثيرة وكل شاهد مكتوب عليها اسم صاحب القبر، أولاً ستجد الكتابات ما هي واقفة في حدود الحاجة مش مكتوب فقط الاسم مكتوب سنة وفاته ﵀ والفاتحة وإلخ هذا نحن بحاجة له؟
مداخلة: لا.
الشيخ: الذين أعطوا هذه الفتوى ما أعطوا هذه القيود.
هذه واحدة، ثاني واحدة إذا مثل أبو عزت الله يرحمه وضعنا شاهدين وخطينا خط هيك أسود صار علامة ولّا لا.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب من شان إيش الكتابه.
هذا مثال لتحديد الكلام الذي قلناه آنفا أن الضرورات تبيح المحظورات،
стр. 901
لكن أيش؟ تقدر بقدرها، ما دام في نهي عن الكتابة نبتعد عن الكتابة النهي، إذا كان في بديل عنها وهاي أنا جبتلك بديل، هلا عندك إشكال شو إشكالك
حول الخط؟
مداخلة: الإشكال على الخط أنه هذه العلامة التي أراها لا يعرفها إلا واضعها.
الشيخ: وهذا المقصود.
مداخلة: لكن مثلاً بعض الأقارب.
الشيخ: شو المقصود بالكتابة التي أبيحت وهي منهي عنها أليس أن أصحابه يعرفون القبر.
مداخلة: نعم لكن في مثلاً أقارب مثلا بدهم يجوا يزوروا القبر ما بيعرفوا هذه العلامة.
الشيخ: يعرفوا من الأقارب، يعرفوا من الأقارب.
"الهدى والنور" (١٧٤/ ٠٦: ١٧: ٠٠ (
[١٩٨] باب حكم إحياء قبور الصحابة والعناية بها
سؤال: شيخنا قلت أن عائشة ﵂ بعد وفاة النبي ﵌ زارت القبور، هل هناك نص في هذا؟
الشيخ: أي نعم، جاء في سنن الترمذي أن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق أخاها، مات بعيداً عن المدينة.
زارت قبره، وأظن بهذه المناسبة ذكرت بيتين من الشعر وقالت:
стр. 902
من يذكر منكم البيتين؟ هم بيتين حلوين، المهم أنها زارت قبر أخيها
عبد الرحمن.
مداخلة: يعني الأثر هذا في سنن الترمذي.
الشيخ: أي نعم، وفي هذا الأثر فائدة بالنسبة لنا نحن الدمشقيين؛ لأن هناك في منتصف شارع بغداد مسجد يسمى بمسجد عبد الرحمن، ويعنون به مكتوب لوحة هناك: مسجد عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وفيه قبر بالداخل، وأنا بطبيعة الحال عمري ما صليت هناك، نريد أن نقول لهم: يا جماعة! ما الذي أتى بعبد الرحمن بن أبي بكر هنا في دمشق، وهو مات قريب من المدينة، وذهبت أخته السيدة عائشة وزارته، وقالت هذا الشعر الذي يحزن ويذكر، كيف كانت عائشة في هناء وسرور، ثم جاء الموت الذي لا نجاة منه ففرق بينهما.
وهكذا تساعد الروايات الصحيحة بإبطال كثير من الأفكار والآراء القائمة على التقاليد التي ما أنزل الله بها من سلطان.
وبهذه المناسبة جاءني منذ ليلتين أظن على موعد سابق بيني وبين الأخ عبد الفتاح عمر، قال في مهندس ما أذكر إيش قال بالجامعة له علاقة بالأوقاف، نسيت ...
المهم، كان يريد موعد لأجل مناسبة سمعتم أنه هناك مشروع لإحياء قبور الصحابة والعناية بها، و ... إلى آخره من هذا الكلام، فهو يريد أن يعرف رأيك بالموضوع.
المهم، حصل اللقاء، جاؤوا هم الثلاثة، عبد الفتاح وهذا المهندس ومهندس آخر، فهو نقل الفكرة التي يتذرعون بها لتجديد مقامات الصحابة، وبعض الأنبياء
стр. 903
الذين يزعمون أن لهم قبور هنا، مثل شعيب وغيره ويوشع ...
[وذكروا] أن هذا الغرض منه إبقاء وتخليد ذكراهم وتذكير الناس؛ من هذه الفلسفة المادية التي لا قيمة لها إطلاقاً.
وكانت جلسة مفيدة في اعتقادي، لأن هذا المهندس لأول مرة يسمع رأي الشرع الصحيح في مسألة مقامات، لأنه هو سأل السؤال، وأنا استلمت الجواب من بعد صلاة المغرب إلى أذان العشاء على سؤال واحد، وقلنا له: يا أخي الشرع .. لخصنا له الموضوع ...
وأنا ذكرت له المصدرين كمرجع له: «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد»، «وأحكام الجنائز وبدعها».
الشيخ: أي نعم، فقلت له: يا أخي! هذه النغمة التي تذاع الآن وتشاع، أن هذا لأجل التذكير بأعمال هؤلاء الصالحين .. وإلى آخره. هذه أولاً وَهْمٌ لا حقيقة لها.
ثانياً: يترتب على المفاسد المتعلقة بالتوحيد ما لا قيمة تذكر لذلك الوهم لو كان حقيقة، تجاه هذه المفاسد.
وذكرت له حكمة التشريع، وكيف أن الرسول نهى في أول الأمر الحديث السابق، ثم أذن لما تمكن الناس من معرفة حق الله على عباده، وأنه يجب عليهم ألا يشركوا به شيئاً إطلاقاً، فقال لهم: «ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة».
وفي نهاية الجلسة قلت: إذا كان الأخ أخذ الجواب بتمامه فالحمد لله، وإلا نتواعد بجلسة أخرى إن شاء الله، ننظر فيما إذا كان هناك بعض الأسئلة.
"الهدى والنور" (١٦٤/ ٥٤: ٤٣: ٠٠).
стр. 904
جماع أبواب الكلام
حول حكم شد الرحال للقبور والمواطن الفاضلة
وحكم تتبع آثار الأنبياء والصالحين وتَقَصُّدَها
стр. 905
[١٩٩] باب بدعية تتبع آثار الأنبياء والصالحين
[ذكر الإمام من بدع الحج]:
«قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك، مثل المواضع التي يقال: إن فيها أثر النبي ﵌ كما يقال في صخرة بيت المقدس، ومسجد القدم قبلي دمشق، وكذلك مشاهد الأنبياء والصالحين».
[ثم علق في الحاشية قائلاً]:
وقد صح عن عمر ﵁ انه رأى الناس في حجته يبتدرون إلى مكان، فقالوا: ما هذا، فقال مسجد صلى فيه رسول الله ﵌، فقال: «هكذا هلك أصحاب الكتاب، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً من عرضت له منكم فيها الصلاة فليصل وإلا فلا يصل». انظر كتابنا «تحذير الساجد» (ص ٩٧) ثم قابل ذلك بما في «الإحياء» (١/ ٢٣٥ طبع الحلبي) تر عجباً.
"حجة النبي ﵌ " (ص١٠٩ - ١١٠).
[٢٠٠] باب حكم تتبع آثار الأنبياء ؟
مداخلة: هناك أثر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه رأى أناسًا يتبادرون إلى مكان، فسأل عن هذا المكان فقالوا: ورسول الله ﵌ صلى فيه، فنهاهم عنه فقال: «ما أدركتم فصلوا ولم تدركوا فليمض» فما هو وجه التناقض مع عبد الله بن عمر ... وكان يتابع النبي ﵌ في جميع أفعاله، فكيف نوفق بين القولين؟
الشيخ: لا شك أن عمر بن الخطاب ﵁ كان أفقه من ابنه عبد الله، وإن كان ابنه عبد الله كان فيما يبدو أعبد من كثير من الصحابة، فعمر بن الخطاب
стр. 906
في القصة التي أنت أشرت إليها، قال: ما أدركته الصلاة في موطن من هذه المواطن التي كان قد صلى فيها النبي ﵌ فليصل، ومن لا فلا تفعلوا، فإنما أهلك من كان قبلكم اتباعهم آثار أنبيائهم، فهو ﵁ نهى الناس عن تتبع آثار الرسول ﵇ خشية أن يقعوا في نوع من الغلو الذي نهى عنه الرسول ﵌ في مثل قوله: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك الذين من قبلكم غلوهم في دينهم» (١) فعمر خشي على الناس خاصة الناس الذين يأتون من بعد أن يقعوا في شيء من هذا الغلو فنهاهم عن تتبع الآثار.
أما ابن عمر عبد الله فهو كان يتتع آثار الرسول ﵇، وهذا من حبه لنبيه كان يغالي في التتبع غلوًا لا يراه والده عمر ولا غيره من الصحابة، فكان موقف عمر أقرب إلى باب سد الذريعة من موقف ابنه عبد الله بن عمر، فالصواب الذي ينبغي أن يكون عليه سائر الناس: هو ما نصح به عمر الناس يومئٍذ وليس ما كان عليه ابنه عبد الله بن عمر؛ لأن هذا يحتاج إلى إنسان فقيه دقيق الفقه حتى يقف عند الحدود ولا يغالي في محبة الرسول ﵇، هذه المحبة التي قد تدفع بعض المحبين إلى أن يغالوا في محبوبهم كما فعلت النصارى في عيسى ﵊، فما فعله عمر هو الصواب في هذه المسألة، فلا يجوز تتبع آثار الأنبياء وكأن من أدلة ذلك قوله ﵊: «لا تشد الرحال إلا
إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» فلم يحض الرسول ﵇ على أن يتتبع المسلم شيئًا من آثار الأنبياء إلا هذه المساجد الثلاثة.
"فتاوى جدة -الأثر-" (٢٤/ ٠١: ٠٨: ٠٦)
стр. 907
[٢٠١] باب تَقَصًد آثار الأنبياء للصلاة عندها وسيلة للشرك
[قال الإمام]:
بالغ ابن حزم فقال:
«ولا تجزئ الصلاة في مسجد أحدث مباهاة أو ضراراً على مسجد آخر إذا كان أهله يسمعون نداء المسجد الأول، ولا حرج عليهم في قصده، والواجب هدمه، وهدم كل مسجد أحدث لينفرد فيه الناس كالرهبان أو يقصدها أهل الجهل طلباً لفضلها، وليست عندها آثار لنبي من الأنبياء ﵈».
وفي كلامه الأخير إشارة إلى جواز قصد آثار الأنبياء للصلاة عندها، وهذه مسألة اختلف فيها العلماء قديماً، والذي يترجح عندنا المنع من قصدها؛ لأنه لا دليل من الكتاب والسنة على جوازه، ولأنه قد يؤدي إلى الغلو وهو منهي عنه، ولنهي عمر ﵁، فقد روى سعيد بن منصور في (سننه): ثنا أبو معاوية: ثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن عمر ﵁ قال:
خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ (الفيل: ١) و ﴿لإيلاف قريش﴾ (قريش: ١) في الثانية، فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى رسول الله ﵌ فيه، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً، من عرضت له منكم الصلاة فيه فليصل، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض» وهذا إسناد صحيح على شرط الستة.
فقد كره ﵁ اتخاذ مصلًّى النبي عيداً، وبين أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا، وهذا مذهب مالك وغيره من أهل المدينة، فقد كانوا يكرهون
стр. 908
إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي في المدينة ما عدا قباء وأُحداً.
وتفصيل القول في هذا المقام راجعه في «اقتضاء الصراط المستقيم».
وما رجحناه من المنع إنما هو في المواضع التي صلى فيها رسول الله ﵌ اتفاقاً، وأما الأماكن التي كان ﵊ يقصدها للصلاة والدعاء عندها فقصدها من أجل ذلك سنة اقتداءً به ﵇، ثم إن ذلك المنع إذ لم يقترن به شد رحل، وأما إذا اقترن به ذلك فهو ممنوع قطعاً لقوله ﵊: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... » الحديث.
"الثمر المستطاب" (١/ ٤٧١ - ٤٧٢).
[٢٠٢] باب من وسائل الشرك: تتبع آثار الأنبياء والصاحين
عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «اجتمع الكفار يتشاورون في أمري فقال النبي ﵌: «ياليتني بالغوطة بمدينة يقال لها دمشق، حتى آتي الموضع مستغاث الأنبياء حيث قَتَلَ ابن آدم أخاه، فأسال الله أن يهلك قومي فإنهم ظالمون، فأتاه جبريل فقال يا محمد ائت بعض جبال مكة فأوإلى بعض غاراتها، فإنها معقلك من قومك، قال: فخرج النبي ﵌ وأبو بكر ﵁ معه حتى أتيا الجبل، فوجدا غاراً كثير الدواب، فجعل أبو بكر
﵁ يمزق رداءه، وسد الثغور، والثقب، والنبي ﵌ يقول اللهم لاتنساها
لأبي بكر».
[قال الإمام]:
حديث منكر ... وحديث هجرة النبي ﵌ مشهور مستفيض من وجوه شتى، وليس في شيء منهما ما في هذا الحديث من تمنية ﵌ أن يكون بالغوطة ليأتي
стр. 909
مستغاث الأنبياء فيدعو على قومه! ولست أشك أن هذا القدر منه مكذوب موضوع على رسول الله ﵌، فقد علم كل مطلع على السنّة أن لم يكن من هديه ﵇ تتبع آثار الأنبياء والدعاء عندها، بل هذا مما نهى عنه الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ وغيره، وقد ورد عنه في ذلك ثلاث قصص:
القصة الأولى:
عن ابن سويد قال: خرجت مع أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب من مكة إلى المدينة، فلما أصبحنا صلى بنا الغداة، ثم رأى الناس يذهبون مذهباً فقال: «أين يذهب هؤلاء؟» قيل: «يا أمير المؤمنين مسجد صلّى فيه رسول الله ﵌ هم يأتون يصلّون فيه».فقال: «إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعاً، من أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصلّ، ومن لا فليمضِ ولا يتعمدها».
رواه سعيد بن منصور في «سننه»، وابن وضاح القرطبي في «البدع والنهي عنها» (ص٤١ و٤٢) بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
القصة الثانية:
عن نافع: أن الناس كانوا يأتون الشجرة. فقطعها عمر. (رواه ابن وضاح ص: ٤٢ - ٤٣، ورجال إسناده ثقات، وروى عن شيخه عيسى بن يونس مفتي أهل طرطوس: «قطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحت فخاف عليهم الفتنة».وراجع لي كتابي «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد».
القصة الثالثة:
ما وقع في عهده ﵁ من تعمية قبر دانيال، فيما رواه أبو خلدة خالد
стр. 910
بن دينار، قال ما مختصره: حدثنا أبو العالية قال: «لما فتحنا تستر، وجدنا في بيت مال الهرمزان سريراً عليه رجل ميت، قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة، فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه، قلت: وما يرجون منه؟ قالت: من كنت تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال» (رواه ابن إسحاق في مغازيه، ورواه غيره على وجوه أخر وفي بعضها أن الدفن كان بأمر عمر).
ومن هذا الباب ما ورد عن علي بن الحسين ﵂ أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﵌ فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، فقال: «ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﵌ قال: «لا تتخذوا عند قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم».
(رواه الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» , ورواه أبو يعلي في مسنده، وفي إسناده رجل من أهل البيت مستور، وبقية رجاله ثقات).
ففي هذه الآثار النهي عن قصد قبور الأنبياء وتتبع آثارهم للصلاة والدعاء عندها، وذلك سداً للذريعة وخشية الغلو فيهم المؤدي إلى الشرك بالله تعالى.
ولذا لم يكن ذلك من فعل السلف الصالح ﵃، بل قال شيخ الإسلام في «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» ما ملخصه (ص١٨٦ - ١٨٧):
كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجاً وعمَّاراً ومسافرين ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرَّى الصلاة في مصليات النبي ﵌، ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحباً لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنته، وأتبع لها من غيرهم، وأيضاً
стр. 911
فإن تحرَّي الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والشارع قد حسم هذه المادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وبالنهي عن اتخاذ القبور مساجد.
فإذا كان قد نهى عن الصلاة المشروعة في هذا المكان وهذا الزمان سداً للذريعة فكيف يستحب قصد الصلاة والدعاء في مكان اتفق قيامهم فيه أو صلاتهم فيه من غير أن يكون قصدوه للصلاة فيه؟.ولو ساغ هذا لاستحب قصد جبل حراء والصلاة فيه، وقصد جبل ثور والصلاة فيه، وقصد الأماكن التي يقال أن الأنبياء قاموا فيها كالمقامين اللذين بجبل قاسيون بدمشق اللذين يقال أنهما مقام إبراهيم ﵇، والمقام الذي يقال إنه مغارة دم قابيل، وأمثال ذلك من البقع التي بالحجاز والشام وغيرها. ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور، فإنه يقال: أن هذا مقام نبي أو قبر نبي أو ولي، بخبر لا يعرف قائله، أو نمام لا تعرف حقيقته!.
ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجداً فيصير وثناً يعبد من دون الله تعالى؛ شرك مبني على إفك، والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب، كما يقرن بين الصدق والإخلاص. ولهذا قال النبي ﵌ في الحديث الصحيح: «عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله (مرتين)».
ثم قرأ: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور، حنفاء لله غير مشركين﴾ (١).
ثم قال مثل هذا القول في الكتاب المذكور (ص٢٠٣ - ٢٠٤) ثم قال:
стр. 912
(ص٢٠٨ - ٢٠٩): وقد صنف طائفة من الناس مصنفات في فضائل بيت المقدس وغيره من البقاع التي بالشام، وذكروا فيها من الآثار المنقولة عن أهل الكتاب وعمن أخذ عنهم ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم، وأمثل من ينقل عنه تلك الإسرائيليات كعب الأحبار. وكان الشاميون قد أخذوا عنه كثيراً من الإسرائيليات، وقد قال معاوية ﵁:
وما رأينا في هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب أمثل من كعب، وإن كنا لنبلو عليه الكذب أحياناً. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﵌ أنه قال:
«إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم باطل فتصدقوه، وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه».
ومن العجب أن هذه الشريعة المحفوظة مع هذه الأمة المعصومة التي لا تجتمع على ضلالة، إذا حدث بعض أعيان التابعين عن النبي ﵌ بحديث كعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأبي العالية ونحوهم، وهم من خيار علماء المسلمين وأكابر أئمة الدين، توقف أهل العلم في مراسيلهم وليس بين أحدهم وبين النبي ﵌ إلا رجل أو رجلان أو ثلاثة مثلاً، فكيف بما ينقله كعب الأحبار وأمثاله عن الأنبياء، وبين كعب وبين النبي الذي ينقل عنه ألف سنة أو أكثر أو أقل، وهو لم يسند ذلك عن ثقة بعد ثقة بل غايته أن ينقل عن بعض الكتب التي كتبها شيوخ اليهود، وقد أخبر الله عن تبديلهم وتحريفهم، فكيف يحل للمسلم أن يصدق شيئاً بمجرد هذا النقل؟ بل الواجب أن لا يصدق ذلك ولا يكذبه إلا بدليل يدل على كذبه، وهكذا أمرنا النبي ﵌، وفي هذه الإسرائيليات مما هو كذب على الأنبياء أو منسوخ في شريعتنا ما لا يعلمه إلا الله، ومعلوم أن أصحاب النبي ﵌ من السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان قد فتحوا البلاد بعد موت النبي
стр. 913
وسكنوا بالشام والعراق ومصر، وغير هذه الامصار، وهم كانوا أعلم بالدين وأتبع له ممن بعدهم وليس لأحد أن يخالفهم فيما كانوا عليه، فما كان من هذه البقاع لم يعظموه أو لم يقصدوا تخصيصه بصلاة أو دعاء أو نحو ذلك، لم يكن لنا أن نخالفهم في ذلك. وإن كان بعض من جاء بعدهم من أهل الفضل والدين فعل ذلك لأن اتّباع سبيلهم أولى من أتباع سبيل من خالف سبيلهم، وما من أحد نقل عنه ما يخالف سبيلهم إلا وقد نقل عن غيره ممن هو أعلم وأفضل انه خالف سبيل هذا المخالف، وهذه جملة جامعة لا يتسع هذا الموضع لتفصيلها. وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﵌ «لما أتى بيت المقدس ليلة الإسراء صلى فيه ركعتين، ولم يصل بمكان غيره ولا زار».
"تخريج أحاديث فضائل الشام" (ص ٤٨ - ٥٦).
[٢٠٣] باب هل شد الرحال يحرم لغير
المساجد الثلاثة من المساجد فقط أم أن ذلك عام ؟
سؤال: [قوله ﵌]: تشد الرحال هذا يا شيخ: يقصد في المساجد أو عام لكل .. لكل الأسفار. لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد يعني: لا تشد إلا إلى هذه من بين المساجد؟
الشيخ: هذه مسألة كما لا يخفاك خلافية منذ القديم، لكن الصحيح أن النص عام والمستثنى خاص لا تشد الرحال إلى الموضع من المواضع لقصد تفضيل ذلك المكان إلا هذه المساجد الثلاثة، وأذكر أنني كنت عالجت هذه المسألة بالذات في كتاب: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، وذكرت هناك أقوال العلماء في تأويل الحديث ودعمت هذا القول الذي ذكرته آنفاً بخبر صحيح
стр. 914
الإسناد في مسند الإمام أحمد أن أبا بصرة الغفاري ﵁ لقي أبا هريرة قادماً من سفر، فلما سأله من أين؟ قال: من الطور، قال: لو علمت لما ذهبت سمعت رسول الله ﵌ وذكر الحديث في لفظ آخر لا تعمل المطي إلى مسجد من المساجد إلا المساجد الثلاثة.
فاستفدنا من هذه الرواية أن الصحابي راوي الحديث الذي سمعه من النبي ﵌ يفهم أن الحديث على عمومه، هذا بالإضافة إلى أنه لا يوجد من يعارض هذا الفهم العام.
"الهدى والنور" (٧٢٣/ ٥٨: ٤٧: ٠٠) و (٧٢٣/ ٠٠: ٤٩: ٠٠)
[٢٠٤] باب حديث: «لا تشد الرِّحال» يشمل المواطن الفاضلة
عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه قال: لقي أبو بصرة الغفاري أبا هريرة وهو جاء من الطور فقال: من أين أقبلت؟ قال: من الطور صليت فيه قال: أما لو أدركتك قبل أن ترحل إليه ما رحلت؛ إنى سمعت رسول الله ﵌ يقول: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الاقصى.
(صحيح).
[قال الإمام]:
الحديث عام يشمل المساجد وغيرها من المواطن التي تقصد لذاتها أو لفضل يدعى فيها، ألا ترى أن أبا بصرة ﵁ قد أنكر على أبى هريرة سفره إلى الطور وليس هو مسجدًا يصلى فيه، وإنما هو جبل كلم الله فيه موسى عليه
стр. 915
السلام فهو جبل مبارك ومع ذلك أنكر أبو بصرة السفر إليه وقد ثبت مثله عن عبد الله بن عمر ﵁ كما بينته في غير هذا الموضع.
"إرواء الغليل" (٤/ ١٤٣).
[٢٠٥] باب بدعية شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين
[ذكر الإمام مِن بدع ما قبل الإحرام في الحج]:
«السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين»
[ثم علق في الحاشية قائلاً]:
وأما الزيارة التي ليس معها سفر فهي مشروعة باتفاق العلماء ومنهم أبن تيمية، وكل من يتهمه بانكارها فهو جاهل أو مغرض.
"حجة النبي ﵌ " (ص١٠٨).
[٢٠٦] باب ما هو الحكم الشرعي في شد الرحال إلى القبور ؟
سؤال: ما هو الحكم الشرعي في شد الرحال إلى القبور؟
الشيخ: ... (إذا) كان النبي ﵌ نهى عن شد الرحال إلى مسجد من المساجد الثلاثة، فمن باب أولى ينهى عن السفر إلى قبر من القبور الذي لا فضيلة له ولا مزية من حيث أنه لا شبه له بالمساجد التي هي خير البقاع لعموم قوله ﵊، فإذا نهى عن شد الرحال إلى المساجد وهي خير البقاع، إلا ما سوى المساجد الثلاثة، فلأن ينهى عن شد الرحال إلى أي مزار أو قبر هذا من باب أولى، وهنا نستطيع أن نقول: يلتقي صحة النظر مع صحة الأثر وليس بعد ذلك لأحد من أمر.
" الهدى والنور" (٦/ ٤٦: ٢٤: ٠٠)