صلى الله عليه وسلم فاستاك به) ولا شك أن التليين أخص من التسوك إذ في التسوك قد يتعلق بالسواك آثار مما يكون على اللثة واللسان وبين الأسنان بخلاف التليين. أضف إلى أنها نفضته أي حركته ليزول عنه ما علق به، وأما قولها: (وطيبته) فيحتمل أنها طيبته بإزالة آثاره عند قضمه فلا يكون فيه دلالة فيه على مسالة الباب على هذا الاحتمال، ويحتمل أنها طيبته بأن جعلت فيه طيباً، كماء الورد ونحوه والاحتمال الثاني أقوى لما ورد في رواية عند البخاري أنها قالت: فمات في اليوم الذي كان يدور علي فيه، في بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري، وخالط ريقه ريقي، ثم قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن، فأعطانيه، فقضمته، ثم مضغته، فأعطيته رسول الله ﷺ فاستن به، وهو مستند إلى صدري) فقولها (وخالط ريقه ريقي) هو الشاهد الحقيقي في الحديث وكان الأولى الاستدلال به بداية وهو يدل على أن نفضها للسواك وتطيبيها له لم يزل عنه أثر القضم إلا أنه كما ذكرت أخص من محل النزاع. وعلى كلٍ فلابد من تقييد الجواز بأمرين:
الأول - قال ابن حجر في "الفتح" (٢/ ٣٧٧): (ينبغي تقييد الغير بأن يكون ممن لا يعاف أثر فمه إذ لولا ذلك ما غيرته عائشة).
الثاني - ألا يترتب على ذلك ضرر لكون أحدهما مريضا ويخشى من انتقال العدوى.
ـ [فصل
يسن حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظافر والنظر في المرآة والتطيب بالطيب والاكتحال كل ليلة في كل عين ثلاثا وحف الشارب وإعفاء اللحية وحرم حلقها ولا بأس بأخذ ما زاد على القبضة منها والختان واجب على الذكر والأنثى عند البلوغ وقبله أفضل .. ]ـ
مسألة - يسن حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظافر .
والدليل علي سنيتهم ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁، عن النبي
стр. 72
صلى الله عليه وسلم قال: " الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار ".
الاستحداد هو حلق العانة سمي استحدادا لاستعمال آلة الحديد فيه وهي الموسَى ونحوها.
والسنة أن يقلع شعر الإبط قلعا، فإن قدر على ذلك فإنه المتسحب، وإن لم يقدر على ذلك فلا حرج في أن يزيله بالموسى أو بالنُّورَة.
فائدة:
وهذه الثلاثة المذكورة ومعها قص الشارب السنة أخذها كلما طالت واحتيج إلى ذلك لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً وهذا يختلف من شخص إلى آخر، وقد وقت النبي ﷺ أكثر مدة تترك فيها هذه الأشياء بلا أخذ وهي أربعين ليلة فقد روى مسلم في "صحيحه" عن أنس بن مالك ﵁، قال: «وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة».
ولذا يتجه القول بتحريم ترك هذه الأشياء إن تركت أكثر من أربعين ليلة.
مسالة - يسن النظر في المرآة .
قال البهوتي في "كشاف القناع" (١/ ٧٧): ((ويسن النظر في المرآة وقوله: «اللهم كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي وحرم وجهي على النار») لخبر أبي هريرة رواه أبو بكر بن مردويه والخلق الأول بفتح الخاء الصورة الظاهرة، والثاني: بضمها الصورة الباطنة).
والحديث ورد عن عائشة وابن مسعود عند أحمد، ولكن الزيادة ضعيفة، وقد ورد الحديث من طرق ضعيفة جدا عن ابن عباس وعائشة وعلي وأنس وفيه زيادة أنه كان يقول هذا الذكر عند النظر في المرآة.
وعليه فالدعاء صح عنه ﷺ مطلقا دو تقييده بالنظر في المرآة.
والقول بالسنية هنا غير متجه والنظر في المرآة من الوسائل ويكون له حكم المقاصد ويدور مع الأحكام التكليفية الخمسة فقد يكون مباحا إن كان لتصفيف الشعر أو إصلاح الثياب ونحو ذلك فقد يصلحهما بدون النظر في المرآة.
стр. 73
وقد يكون مستحبا كاستعمالها في تزين المرآة لزوجها مثلا أو لتجمل الرجل لزوجته ونحو ذلك.
وقد يكون واجبا كاستعمالها في إزالة أذي وقع في العين مثلا.
وقد يكون مكروها إن كان لغير علة من إصلاح ثياب أو تصفيف شعر ونحو ذلك فهذا يفتح بال العجب والاغترار بالنفس.
وقد يكون محرما إن بالغ وغالى في ذلك وشُغل به عن المهمات والواجبات.
فائدة:
حكم الماتن بالسنية لمجرد فعل النبي صلى الله عليه فيه نظر وقد قسم العلماء أفعال النبي إلى عدة أقسام منها الجبلي والخاص والبياني والعادي الذي يطهر فيه قصد القربة والذي لا يظهر فيه قصد القربة، والأخير هو المقصود هنا، وقد اختلف العلماء فيه هل هو للندب، أو الإباحة، أو الوجوب، وقيل بالوقف، والراجح أنه للإباحة.
قال مجد الدين في "المسودة" (ص/٧٧): (فعل النبي ﷺ يفيد الإباحة إذا لم يكن فيه معنى القربة في قول الجمهور) وليس هذا محل بسط الكلام في هذه المسألة.
مسألة - يسن التطيب بالطيب .
والأصل في التطيب أنه من العادات والأصل فيها أنها للإباحة، وقد يكون التطيب مندوبا إليه كالتطيب في حق الرجال لصلاة الجمعة فقد ورى البخاري في "صحيحه" عن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله ﷺ : «من اغتسل يوم الجمعة، وتطهر بما استطاع من طهر، ثم ادهن أو مس من طيب، ثم راح فلم يفرق بين اثنين، فصلى ما كتب له، ثم إذا خرج الإمام أنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى».
فائدة:
أما ما رواه أحمد وغيره عن أبي أيوب ﵁ مرفوعا: " أربع من سنن المرسلين: التعطر، والنكاح، والسواك، والحياء " فهو ضعيف.
стр. 74
مسألة - يسن الاكتحال كل ليلة في كل عين ثلاثا .
قد يوضع الكحل للتداوي كالإثمد وقد رغب فيه النبي ﷺ فروى ابن ماجه عن ابن عمر ﵄ مرفوعا: «عليكم بالإثمد، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر» والأمر هنا إرشادي للإباحة.
وقد يوضع للزينة وتزين المرأة لزوجها مندوب إليه، وأما تزين الرجل به ففيه خلاف وقد ورد استعمال النبي ﷺ له بدون تقييد بحال النوم فروى أبو الشيخ في "أخلاف النبي" عن أنس قال: " كان رسول الله ﷺ يكتحل في عينه اليمنى ثلاث مرات واليسرى مرتين " وصححه الشيخ الألباني في "الصحيحة" (٦٣٣)، وروى أبو داود عن أنس بن مالك، «أنه كان يكتحل وهو صائم» حسنه موقوفا الشيخ الألباني، وهو صريح في أنه كان بالنهار، وعليه فالأقوى أن الكحل مباح للرجل إلا أنه عليه أن يراعي موافقة عادة قومه إن كانت عادتهم عدم استعماله للرجال.
مسألة - يسن حف الشارب وإعفاء اللحية ويحرم حلق اللحية .
روى الشيخان عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: " خالفوا المشركين: وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب ".
وهذا الأمر مع تعليله بمخالفة المشركين يدل على وجوب إعفائها، والأصل في التشبه التحريم، وقد قال ﷺ :: (من تشبه بقوم فهو منهم)، وقد صرح بتحريم حلقها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
وروى أحمد وغيره عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: " من لم يأخذ من شاربه، فليس منا " وهو يؤكد أن الأمر للوجوب.
قال الخطابي في معالم السنن (٤/ ٢١١): (إحفاء الشارب أن يوخذ منه حتى يحفى ويرق، وقد يكون أيضاً معناه الاستقصاء في أخذه من قولك أحفيت في المسألة إذا استقصيت فيها واعفاء اللحية توفيرها من قولك عفا النبت إذا طال ويقال عفا الشيء بمعنى كثر قال الله تعالى ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥] أي كثروا).
ولابد من الأخذ من الشارب ولا يتركه أكثر من أربعين يوما كما سبق، وقد اختلف العلماء في هيئة الأخذ هل هي بأن يأخذ ما تدلى على الشفة مما قد يعلق به
стр. 75
الطعام، أو يأخذ من جميعه حتى يبدو بياض الجلد، والأولى ألا يبالغ في القص جدا كأنه استأصله، والدليل على ذلك ما رواه أحمد وغيره عن المغير ﵁ قال: وكان شاربي وفى فقصه لي رسول الله ﷺ على سواك، أو قال: " أقصه لك على سواك "، والمسألة تحتاج لبسط أكثر من ذلك وليس هذا محله.
تنبيه:
في جمع الماتن بين سنية الإعفاء لللحية مع تصريحه بحرمة حلقها إشكال، وهناك احتمالان: أن يكون مقصوده بالسنة هنا بمعنى الطريقة وهذا بعيد.
والثاني أنه يرى أن الإعفاء سنة وأنه يجوز له أن يأخذ منها ما زاد على القبضة وقد صرح بذلك وهي المسالة التالية.
مسألة - لا بأس بأخذ ما زاد على القبضة من اللحية .
وهذه المسألة كثر فيها الكلام وقد رأيت فيها بعض الرسائل وقد نقل أخذ ما زاد عن القبضة عن بعض الصحابة، وخلاصة القول أنه يجوز له الأخذ مما زاد على القبضة ولا يجب وإن كان الأولى أن يتركها.
مسألة - الختان واجب على الذكر والأنثى .
الختان في حق الرجل قطع جلدة غاشية حَشَفَة الذّكَرِ، ومن المرأة قطع بعض جلدة عالية مشرفة على الفَرْج (١).
وهذا الإطلاق في أحوال وجوب الختان فيه نظر، والمذهب أنه مقيد بما لم يخف على نفسه تلفا أو ضررا فيسقط وجوبه، وهذا شرط في جميع الواجبات؛ فلا تجب مع العجز، أو مع خوف التلف، أو الضرر.
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٢٣): (ويجب الختان ما لم يَخَفْهُ على نفسه) هذا المذهب، قال أحمد: إن خاف على نفسه لا بأس أن لا يختتن. وقاله الأصحاب ... فإن خيف، فنقل حنبل: يختن. فظاهره: يجب لأنه أقل من يتلف منه. قال أبو بكر: والعمل على ما نقله الجماعة، وأنه متى خشى عليه لم يختن.).
стр. 76
والأقوى التفريق بين الرجل والمرأة في حكم الختان، فهو واجب في حق الرجل سنة في حق النساء.
قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (١/ ١٦٤): (وأقرب الأقوال: أنه واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء. ووجه التفريق بينهما: أنه في حق الرجال فيه مصلحة تعود إلى شرط من شروط الصلاة وهي الطهارة؛ لأنه إذا بقيت هذه الجلدة، فإن البول إذا خرج من ثقب الحشفة بقي وتجمع، وصار سببا في الاحتراق والالتهاب، وكذلك كلما تحرك، أو عصر هذه الجلدة خرج البول وتنجس بذلك).
وأما في حق المرأة فغاية فائدته: أنه يقلل من غلمتها، أي: شهوتها، وهذا طلب كمال، وليس من باب إزالة الأذى).
قال ابن ضويان في "المنار" (١/ ٢٣): (لأنه من ملة إبراهيم ﵇، وفي الحديث "اختتن إبراهيم بعد ما أتت عليه ثمانون سنة" متفق عليه وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وقال ﷺ لرجل أسلم: "ألق عنك شعر الكفر واختتن" رواه أبو داود. وفي قوله صلى الله عليه
وسلم "إذا التقى الختانان وجب الغسل" دليل على أن النساء كن يختتن. وقال أحمد: كان ابن عباس يشدد في أمره حتى قد روي عنه أنه لا حج له ولا صلاة).
مسألة - الختان يكون عند البلوغ .
وهذا هو وقت الوجوب؛ لأنه قبله لم يكن مكلفا، روى البخاري في "صحيحه" سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض النبي ﷺ ؟ قال: «أنا يومئذ مختون» قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك) البعض يفسره بمناهزة البلوغ والبعض يفسره بالبلوغ نفسه.
مسألة - الختان قبل البلوغ أفضل .
والختان قبل أن يبلغ الصبي أفضل؛ لأن الجلد بعد البلوغ يغلظ ويخشن كما أن الاختتان في الصغر فيه تسهيل الأمر على الصغير لضعف عضوه وقلة فهمه فمن ثم جوز الأئمة الختان قبل ذلك، ويجوز أن يكون في اليوم السابع وقد ورد فيه حديثان ضعيفان وقواهما الشيخ الألباني الأول: عن جابر أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام، الثاني: عن ابن عباس
стр. 77
قال: سبعة من السنة في الصبي يوم السابع: يسمى ويختن ... الحديث.
فائدة:
ومما يؤكد استحبابه قبل سن السابعة تقليل المفاسد من ناحية رؤية العورة قال المرداوي في "الإنصاف" (٨/ ٢٣): (لا يحرم النظر إلى عورة الطفل والطفلة قبل السبع، ولا لمسها. نص عليه) وأما بعد السبع فلا، قال المرداوي (١/ ٤٥١): (قال أبو المعالي ابن المنجا: الصغير بعد العشر كالبالغ. ومن السبع إلى العشر عورته الفرجان فقط).
وفي جواز كشف العورة لمن لم يختن حتى البلوغ أو بعده دليل على وجوبه فلا يجوز كشفها إلا إذا كان الفعل واجباً.
وقت ختان الإناث:
وأما بالنسبة لوقت ختان الإناث فلابد من تأخره لسن يمكن فيه تمييز نواة البظر ببروزها ولعل ذلك لا يكون
قبل السادسة أو السابعة من عمرها في الغالب والأولى أن يعجل به في أول هذا السن تقليلا للمفاسد من رؤية العورة.
باب الوضوء
ـ[تجب فيه التسمية وتسقط سهوا وإن ذكرها في أثنائه ابتداء .. ]ـ
مسألة - تجب التسمية في الوضوء وتسقط سهوا .
والتسمية أن يقول باسم الله وتكون في أوله بعد النية، روى أحمد وأبو داود وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: (لا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه) وقد ورد عن عدة من الصحابة وطرقه ضعيفة وقد حسنة بمجموع الطرق الشيخ الألباني، وظاهر الحديث يدل على الشرطية فالنفي يتجه أولا لنفي الذات الشرعية (نفي الصحة) فإن كان ثم دليل على عدم نفي الصحة فنتجه لنفي الكمال والأقوى أن النفي يتجه لنفي الكمال يعني لا وضوء كامل لمن لم يذكر اسم الله عليه، وهو قول كافة أهل العلم بأن التسمية مستحبة حتى ابن حزم، إلا داود الظاهري
стр. 78
، ورواية عن أحمد اختارها أبو الخطاب وغيره أنها فرض لا تسقط سهوا. وقال إسحاق بن راهويه: (إذا نسي أجزأه وإذا تعمد أعاد) وقول إسحاق لا يدل على الشرطية وغايته يدل على الوجوب فالشرط من الأحكام الوضعية لا يسقط بالنسيان، وعلى ذلك فالحديث متروك الظاهر والنهي يتجه للكمال بقرينة أن غالب ما نقل عن النبي وعن أصحابه في الوضوء ليس فيه ذكرا للتسمية ويبعد أن يكون حكم متكرر كهذا متعلق بعبادة كالوضوء ولا تثبت شروطه إلا بحديث متنازع فيه ثبوته تنازعا شديدا.
قال المردازي في "الإنصاف" (١/ ١٢٨): (قال الخلال: الذي استقرت عليه الروايات عنه أنه: لا بأس إذا ترك التسمية. قال ابن رزين في شرحه: هذا المذهب الذي استقر عليه قول أحمد. واختارها الخرقي، وابن أبي موسى، والمصنف، والشارح، وابن عبدوس في تذكرته، وابن رزين وغيرهم، وقدمها في الرعايتين، والنظم، وجزم به في المنتخب).
وعليه فالتسمية مستحبة في الوضوء ولا يأثم تاركها عمدا ولا سهوا.
مسألة - إن ذكر التسمية في أثناء الوضوء ابتداء .
قال الرُّحيباني في "مطالب أولى النهى" (١/ ٩٩): ((إن ذكرها) - أي: التسمية - (في الأثناء)، أي: أثناء الوضوء أو الغسل أو التيمم، (ابتدأ ولا يبني) على ما غسله قبل التسمية لأنه أمكنه أن يأتي بها على جميعه فوجب كما لو ذكرها في أوله، صححه في الإنصاف وقدمه في " الفروع " وجزم به في المنتهى " (خلافا له) - أي لصاحب الإقناع - حيث قال: وإن ذكرها في أثنائه سمى وبنى (ويتجه) وجوب استيثاقه وعدم بنائه (إلا مع ضيق وقت) عن فعل مكتوبة، (أو قلة ماء) فإن كان كذلك فلا مانع من بنائه على ما مضى من طهوره، لأنه لما عفي عنها مع السهو في جملة الطهارة ففي بعضها مع سهو انضم إليه ضيق الوقت، أو قلة الماء أولى، وهو متجه).
وظاهر الحديث أنه لا يبتدئ؛ لأنه لو سمى في أثنائه فقد ذكر اسم الله عليه، قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٢٩): (وقال أبو الفرج المقدسي: إن ترك
стр. 79
التسمية عمدا حتى غسل بعض أعضائه. فإنه يسمي ويبني؛ لأنه قد ذكر اسم الله على وضوئه) ويتأكد ذلك عند اختيارنا للقول بالاستحباب فلا يبتدئ.
ـ[وفروضه ستة: غسل الوجه ومنه المضمضة والاستنشاق وغسل اليدين مع المرفقين ومسح الرأس كله ومنه الأذنان وغسل الرجلين مع الكعبين والترتيب والموالاة .. ]ـ
فروض الوضوء:
القول بعدم التفريق بين الفرض والواجب عند الحنابلة هو أحد الأقوال الثلاثة المنقولة عن الإمام أحمد في هذه المسألة.
قال مجد الدين في المسودة (ص/ ٤٤): مسألة: الفرض والواجب سواء وهو الذي ذكره في مقدمة المجرد وبه قالت الشافعية وعنه الفرض آكد ونصرها الحلواني وبه قالت الحنفية وهو على قولهم وروايتنا هذه ما ثبت بدليل مقطوع به وقيل هو ما لا يسقط في عمد ولا سهو وحكى ابن عقيل رواية ثالثة أن الفرض ما لزم بالقرآن والواجب ما كان بالسنة وهذه هي ظاهر كلام أحمد في أكثر نصوصه وقد حكاها ابن شاقلا وهذا القول في الجملة اختيار القاضي وغيره).
مسألة - من فروض الوضوء غسل الوجه .
قال الزركشي في"شرح مختصر الخرقي" (١/ ١٨٢): (هذا بالإجماع، وبنص كتاب الله ، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. حد الوجه طولا من منابت شعر الرأس غالبا - فلا عبرة بالأجلح، الذي انحسر شعره عن مقدم رأسه - إلى ما انحدر من اللحيين والذقن، وعرضا ما بين أصول الأذنين، لأن جميع ذلك تحصل به المواجهة، فدخل تحت الآية الكريمة).
مسألة - المضمضة والاستنشاق من الوجه .
أي أن حكمهما حكم الوجه وهذا بناء على الرواية أن الفرض هو الواجب. قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٥٢): (قوله ﴿وهما واجبان في الطهارتين﴾ يعني
стр. 80
المضمضة والاستنشاق. وهذا المذهب مطلقا. وعليه الأصحاب، ونصروه وهو من مفردات المذهب.
ثم قال: (هل يسميان فرضا أم لا؟ وهل يسقطان سهوا أم لا؟ على روايتين ... وقال المصنف، وتبعه الشارح: هذا الخلاف مبني على اختلاف الروايتين في الواجب، هل يسمى فرضا أم لا؟ والصحيح: أنه يسمى فرضا. فيسميان فرضا).
والصحيح أنهما واجبان ولكن ليس لكون باطن الأنف والفم من الوجه، وإنما لثبوت الأمر بهما عن النبي ﷺ .
قال الشيخ الحمد في "شرح الزاد": (المضمضة والاستنشاق فرض؛ لأنهما من الوجه، فالوجه ما يواجه به وهذه الأعضاء تتم بها المواجهة كما تتم المواجهة ببقية أجزاء الوجه. وهذا الكلام فيه نظر، فالأظهر: أن الفم والأنف ليسا من الوجه حقيقة، وذلك لأنهما وإن كانا في الظاهر من الوجه لكن الذي يتم تغسيله إنما هو باطنهما ولا شك أن الباطن ليس مما يواجه به.
كما أنهم لم يوجبوا تخليل اللحية الكثيفة وأوجبوا غسل ظاهرها، مع أن اللحية مما يواجه به، فأوجبوا غسل ظاهرها؛ لأنه من الوجه ولم يوجبوا غسل باطنها وكذلك هنا: فالأنف والفم غسل ظاهرهما يجب بالإجماع.
أما باطنهما، فالراجح هو ما ذهب إليه الحنابلة من وجوب المضمضة والاستنشاق لكن ليس للتعليل الذي ذكره وإنما للأدلة الشرعية الدالة على ذلك منها: ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر) فهو فيه إيجاب الاستنشاق لأمر النبي ﷺ والأصل في الأمر الوجوب.
وأما المضمضة فدليلها: ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (إذا توضأت فمضمض) فهذا أمر والأمر للوجوب ... ).
مسألة - من فروض الوضوء غسل اليدين مع المرفقين .
قال في "الإنصاف" (١/ ١٥٧): (قوله ﴿ويدخل المرفقين في الغسل﴾ هذا المذهب: وعليه الأصحاب، وقطع به أكثرهم).
стр. 81
قال ابن قدامة في "المغني" (١/ ٩٠): (يدخل المرفقين في الغسل. لا خلاف بين علماء الأمة في وجوب غسل اليدين في الطهارة، وقد نص الله تعالى عليه بقوله سبحانه: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]. وأكثر العلماء على أنه يجب إدخال المرفقين في الغسل ... ولنا ما روى جابر، قال: «كان النبي ﷺ إذا توضأ أدار الماء إلى مرفقيه.» وهذا بيان للغسل المأمور به في الآية، فإن " إلى " تستعمل بمعنى مع، قال الله تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]. أي مع قوتكم، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]. فكان فعله مبينا. وقولهم: إن " إلى " للغاية. قلنا: وقد تكون بمعنى مع، قال المُبَرِّدُ: إذا كان الحد من جنس المحدود دخل فيه، كقولهم: بعت هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف) والراجح دخولها لأنها من جنس المحدود فتغسل مع اليدين.
مسألة - من فروض الوضوء مسح الرأس كله .
روى أبو داود وغيره عن المقدام بن معدي كرب ﵁، قال: «رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فلما بلغ مسح رأسه، وضع كفيه على مقدم رأسه، فأمرهما حتى بلغ القفا، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه».
قال موفق الدين في "المغني" (١/ ٩٢): (لا خلاف في وجوب مسح الرأس، وقد نص الله تعالى عليه بقوله ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]).
وقد اختلف العلماء في الباء في الآية فمن قال أنها للتبعيض جوز الاقتصار على مسح بعض الرأس، وقد حقق تقي الدين في "الفتاوى" كونها للإلصاق بمعنى أن المسح هو إمرار الماسح وهو اليد على الممسوح وهي الرأس على أن يكونا متلاصقين بواسطة بينهما وهو الممسوح به بحيث يترك جزءا منه على الرأس وهو الماء في الوضوء والتراب في التيمم.
قال ابن القيم في "الزاد" (١/ ١٨٦): (ولم يصح عنه في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة.
فأما حديث أنس الذي رواه أبو داود: «رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة» فهذا مقصود أنس به أن النبي ﷺ لم ينقض
стр. 82
عمامته حتى يستوعب مسح الشعر كله، ولم ينف التكميل على العمامة، وقد أثبته المغيرة بن شعبة وغيره، فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه). وحديث أنس اختلف فيه فضعفه الألباني وقواه ابن حجر في الفتح، وهو محتمل للتحسين.
وروى ابن أبي شيبة بسند رواته ثقات: عن أيوب، عن نافع، «أن ابن عمر كان يمسح رأسه هكذا»، ووضع أيوب كفه وسط رأسه، ثم أمرها إلى مقدم رأسه)، وعن يزيد، قال: «كان سلمة، يمسح مقدم رأسه».
الترجيح:
لا شك أن القول بوجوب مسح جميع الرأس أو التكميل على العمامة له أدلة ظاهرة قوية وهو أحوط بكل حال، ولكن بالنظر إلى فعل ابن عمر وسلمة بن الأكوع ﵄ والاحتمال الوارد في حديث أنس على فرض ثبوته يقوى القول بجواز الاقتصار على بعض الرأس ويكون القول بالتعميم على سبيل الاستحباب لا الوجوب.
مسألة - الأذنان من الرأس .
وهذا نص حديث ورد عن عدة من الصحابة بطرق ضعيفة وقد اختلف العلماء في ثبوته والراجح أنه ثبت عن بعض الصحابة موقوفا، وله حكم الرفع.
وكون الأذنان من الرأس يستفاد منه فائدتان:
الأولى - حكمهما مثل حكم الرأس في المسح وهو الوجوب وهو المذهب وهناك رواية أخرى بالاستحباب اختارها وصححها جماعة من الأصحاب.
قال موفق الدين في "المغني" (١/ ٩٧): (الأذنان من الرأس، فقياس المذهب وجوب مسحهما مع مسحه. وقال الخلال كلهم حكوا عن أبي عبد الله فيمن ترك مسحهما عامدا أو ناسيا، أنه يجزئه؛ وذلك لأنهما تبع للرأس، لا يفهم من إطلاق اسم الرأس دخولهما فيه، ولا يشبهان بقية أجزاء الرأس، ولذلك لم يجزه مسحهما عن مسحه عند من اجتزأ بمسح بعضه، والأولى مسحهما معه).
الثانية - أنه لا يجدد لهما ماء جديد بل يمسحان بفضل ماء الرأس. والصحيح من المذهب أنه يستحب تجديد الماء لهما.
стр. 83
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٣٥): (قوله ﴿وأخذ ماء جديد للأذنين﴾ إن قلنا: هما من الرأس وهو المذهب، فالصحيح: استحباب أخذ ماء جديد لهما).
قال ابن القيم في "الزاد" (١/ ١٨٧): (ولم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماء جديدا، وإنما صح ذلك عن ابن عمر).
وأثر ابن عمر رواه عبد الرزاق في "المصنف" أن ابن عمر كان يغسل ظهور أذنيه وبطونهما إلا الصِّمَاخِ مع الوجه مرة - أو مرتين - ويدخل بإصبعيه بعدما يمسح برأسه في الماء، ثم يدخلهما في الصِّمَاخِ مرة). فهو يرى أن ظهورهما وبطونهما إلا الصماخ من الوجه فيغسلا معه، والصماخ من الرأس فيمسح معه وهذا جاء مصرحا به في رواية ابن المقرئ في "معجمه" أن رجلا قال لابن عمر: أخبرني عن الأذنين، أهما من الرأس قال: «مقدمهما من الوجه ومؤخرهما من الرأس، وإذا توضأت فاغسل مقدمهما، وإذا مسحت رأسك، فامسح مؤخرهما» وفعله من الجمع بين الغسل والمسح في الأذنين انفرد به، وهو مخالف لعموم الحديث السابق.
الترجيح:
الراجح أن الحديث المرفوع حكما (الأذنان من الرأس) وهو يدل على أن الأذنين ظاهرهما وباطنهما من الرأس وتابعان له فيمسحان بماء الرأس وحكمهما كحكمه في الوجوب وإن قلنا بتجديد الماء لهما لفعل ابن عمر لم يبعد.
مسألة - من فروض الوضوء غسل الرجلين مع الكعبين .
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] والأرجل منصوبة فهي معطوفة على المغسول، والكعبان يغسلان مع الرجل، وهما العظمان الناتئان من جانبي القدم، وهما مجمع مفصل الساق والقدم.
مسألة - من فروض الوضوء الترتيب .
قال موفق الدين في "المغني" (١/ ١٠١): (في الآية قرينة تدل على أنه أريد بها الترتيب؛ فإنه أدخل ممسوحا بين مغسولين، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، والفائدة هاهنا الترتيب. فإن قيل: فائدته استحباب الترتيب. قلنا: الآية ما
стр. 84
سيقت إلا لبيان الواجب؛ ولهذا لم يذكر فيها شيئا من السنن؛ ولأنه متى اقتضى اللفظ الترتيب كان مأمورا به، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن كل من حكى وضوء رسول الله ﷺ حكاه مرتبا، وهو مفسر لما في كتاب الله تعالى).
وقد ورد عند أحمد في المسند عن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ في وصفها لوضوء النبي وتأخيره للمضمضة والاستنشاق بعد غسل الوجه، وأيضا حديث المقدام في وصفه لوضوء النبي ﷺ وتأخيره المضمضة والاستنشاق بعد غسله لذراعيه.
وقد أعل الأرناؤوط هذين الحديثين فضعف إسناد الأول لضعف عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، وقد انفرد به، واضطرب في متنه وحكم بنكارة الثاني لمخالفته الأحاديث الكثيرة التي تفيد أن المضمضة والاستنشاق عقب غسل اليدين، وحسن الشيخ الألباني الأول وصحح إسناد الثاني.
والمتأمل لهذين الحديثين يرى أن المخالفة فقط في المضمضة والاستنشاق فقط دون باقي الأعضاء وقال بعض العلماء بالاقتصار على هذه الحالة فقط وتحمل على النسيان والتذكر في أثناء الوضوء فمن نسيهما فليعاود فعلهما وقت تذكره، وذهب البعض الآخر إلى قياس غيرهما عليهما وقال بعدم وجوب الترتيب مطلقا وقولهم متجه. وعلى ذلك فالترتيب هو الأولى وهو غالب حال النبي ﷺ وقد كنت أميل للحكم بنكارة حديث المقدام ولكن بضميمة حديث الربيع له ينتفي القول بنكارته أو شذوذه، وعلى ذلك فمن نسى عضوا من أعضاء الوضوء وهو على وضوئه أتي به في وقت تذكره والله أعلم.
مسألة - من فروض الوضوء الموالاة .
مصدر والى الشيء يواليه إذا تابعه، فالموالاة هي تتابع غسل أو مسح الأعضاء بالماء بعضها إثر بعض.
قال ابن ضويان في "المنار" (١/ ٢٥): (لحديث خالد بن معدان أن النبي صلى
стр. 85
الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه (١) لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء
فأمره أن يعيد الوضوء رواه أحمد وأبو داود وزاد والصلاة ولو لم تجب الموالاة لأمره بغسل اللمعة فقط) والحديث إسناده ضعيف فيه بقية بن الوليد وهو يدلس ويسوى ولم يصرح بالتحديث في كل طبقات السند إلا أنه يتقوى بحديث عمر بن الخطاب عند مسلم، ولفظه: أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ ، فقال: "ارجع فأحسن وضوءك" فرجع ثم صلى. ونحوه حديث أنس عند أحمد والأمر بإحسان الوضوء يحتمل التعميم والاستئناف، ومما يقوي الاستئناف ما ورد في بعض طرق الحديث أنه أعاد الوضوء.
فائدة:
قال موفق الدين في "المغني" (١/ ١٠٢): (الموالاة الواجبة أن لا يترك غسل عضو حتى يمضي زمن يجف فيه العضو الذي قبله في الزمان المعتدل) والمقصود بالزمن المعتدل هو الزمن الذي لا يتأخر فيه الجفاف كما يتأخر في زمن الشتاء والرطوبة، ولا الذي يسرع فيه الجفاف كما في يحدث في زمن الحر والريح، والمقصود أنهم يقدرون هذا الزمن مثلا بخمس دقائق ويكون هذا هو حد الموالاة والمسألة تقريبية وتختلف من بيئة لأخرى ومن شخص لآخر.
قال الشيخ العثيمين في "الشرح الممتع" (١/ ١٩٣): (ويستثنى من ذلك ما إذا فاتت الموالاة لأمر يتعلق بالطهارة.
مثل: أن يكون بأحد أعضائه حائل يمنع وصول الماء «كالبوية» مثلا، فاشتغل بإزالته فإنه لا يضر، وكذا لو نفد الماء وجعل يستخرجه من البئر، أو انتقل من صنبور إلى آخر ونشفت الأعضاء فإنه لا يضر.
أما إذا فاتت الموالاة لأمر لا يتعلق بالطهارة؛ كأن يجد على ثوبه دما فيشتغل بإزالته حتى نشفت أعضاؤه؛ فيجب عليه إعادة الوضوء؛ لأن هذا لا يتعلق بطهارته).
стр. 86
شروط الوضوء:
ـ[وشروطه ثمانية: انقطاع ما يوجبه والنية والإسلام والعقل والتمييز والماء الطهور المباح وإزالة ما يمنع وصوله والاستجمار .. ]ـ
مسألة - من شروط الوضوء انقطاع ما يوجبه .
أي انقطاع موجب الوضوء فلا يصح الوضوء مع ملابسة الحدث ونحوه، مثلا: ينتظر عند قضاء حاجته حتى انقطاع ما يخرج من السبيلين فلا يشرع في الوضوء قبل الانقطاع، ولا يتوضأ مثلا وهو يأكل لحم الإبل لابد وأن يفرغ ثم يشرع في الوضوء لمنافاة الموجب للوضوء فلا يصح مع وجوده.
مسألة - من شروط الوضوء النية .
لحديث: (إنما الأعمال بالنيات) وسوف يأتي مزيد بيان لبعض أحكام النية قريبا بإذن الله.
مسألة - من شروط الوضوء الإسلام .
الإسلام شرط في كل عبادة، حتى وإن كان الوضوء مستحب فلا يصح من كافر قال تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأولئك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) وقال: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) والآيات الدالة على أن الإيمان شرط في قبول الأعمال كثيرة وقال تعالى: (وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً)، وقال: (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ).
فائدة - الكفار مخاطبون بفروع الشريعة:
ومما يدل على ذلك قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) (فصلت: ٦، ٧) سواء قلنا إن الزكاة في الآية هي زكاة المال المعروفة، أو زكاة الأبدان بفعل الطاعات واجتناب المعاصي، وقوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) وقوله: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاْسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
стр. 87
الْعَظِيمِ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ). وليس معنى خطابهم بها أنهم ملزمون بها في حال الكفر؛ لأننا ندعوهم أولاً إلى الإسلام فهو شرط في قبول الأعمال، ثم نلزمهم بأحكامه؛ وليس أيضا معنى كونهم مخاطبين بها أنهم يؤمرون بقضائها إذا أسلموا، وإنما الفائدة من قولنا: إنهم مخاطبون بها زيادة عقوبتهم في الآخرة على ما تركوه من أعمال واقترفوه من خطايا مع الكفر.
مسألة - من شروط الوضوء العقل .
العقل شرط في قبول جميع العبادات فلا وضوء لمن لا عقل له، كالمجنون ونحوه؛ وذلك لأن من لا عقل له لا نية له.
والمجنون غير مكلف حتى يعقل لما رواه أصحاب السنن عن علي مرفوعا: " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل ".
مسألة - من شروط الوضوء التمييز .
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٤٤): (فلا وضوء لمن لا تمييز له، كمن له دون سبع، وقيل: ست، أو من لا يفهم الخطاب ولا يرد الجواب) وقد أفاد ابن ضويان أن التمييز شرط في كل عبادة إلا في الحج فيصح الحج من غير المميز ولو كان ابن ساعة ويحرم عنه وليه لحديث مسلم: (ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر).
مسألة - من شروط الوضوء الماء الطهور المباح .
قال ابن ضويان في "المنار" (١/ ٢٥): (لما تقدم في المياه فلا يصح بنحو مغصوب لحديث "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد").
واشتراطه الطهورية بناء على اختياره أن قسمة الماء ثلاثية، وقد سبق بيان أن الراجح أن القسمة ثنائية وعليه فلا يشترط طهورية الماء، ويجوز رفع الحدث بالماء الطاهر، وأما بالنسبة لاشتراط إباحة الماء فقد سبق بيان أن الراجح أنه يرتفع الحدث بالماء الغير مباح مع الإثم إن كان عالما ذاكر.
стр. 88
مسألة - من شروط الوضوء إزالة ما يمنع وصول الماء للأعضاء .
قال ابن قاسم في "حاشيته" (١/ ١٩٤): (من طين أو عجين أو شمع أو دهن جامد أو وسخ على أعضاء الوضوء، أو على بدن في غسل، ليحصل الإسباغ، وأما الحناء ونحوه فعرض ليس له جرم يمنع وصول الماء إلى العضو).
فائدة - يعفى عن اليسير:
قال تقي الدين في "الفتاوى الكبرى" (٥/ ٣٠٣): (وإن منع يسير وسخ ظفر ونحوه وصول الماء صحت الطهارة، وهو وجه لأصحابنا، ومثله كل يسير منع وصول الماء حيث كان: كدم، وعجين).
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٥٨): (وقيل: يصح ممن يشق تحرزه منه، كأرباب الصنائع والأعمال الشاقة من الزراعة وغيرها، واختاره في التلخيص).
وحد اليسير كما نص عليه الإمام أحمد في غير هذه المسألة ما فحش في قلبك، قال الخلال الذي استقرت الرواية عن أبي عبد الله أن الفاحش ما يستفحشه كل إنسان في نفسه لقول النبي ﷺ " دع ما يريبك إلى مالا يريبك " وقال ابن عقيل إنما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس لا المتبذلين ولا الموسوسين (١).
ويجمع بين القولين بأن يحد الفاحش في كل أحد بحسبه ما لم يكن موسوسا، ولا متبذلا؛ وذلك لأن اعتبار حال الإنسان بما يستفحشه غيره حرج، فيكون منفيا (٢).
مسألة - من شروط الوضوء الاستجمار .
نلاحظ الفرق بين هذه المسألة ومسألة أن من شروط الوضوء انقطاع ما يوجبه، فخروج البول أو الغائط هو الحدث الموجب للوضوء فلا يصح الوضوء قبل انقطاع خروجهما؛ لاستمرار الحدث، ولكن مسألتنا هي ما حكم الوضوء في حالة ما إذا انقطع خروجهما ولم يزالا بعد سواء بالاستنجاء أو الاستجمار؟.
الرواية المصححة في المذهب والتي عليها جماهير الأصحاب عدم صحة الوضوء في هذه الحالة واشتراط تقديم إزالة النجاسة قبل الوضوء.
стр. 89
لا شك أن إزالة النجاسة واجب ولكنه متعلق بالصلاة لا بالوضوء، من شروط الصلاة في المذهب طهارة الثوب والبدن.
لابد وأن نفرق بين حالتين، فخروج الحدث إما أن يكون من المخرج المعتاد، وإما أن يكون من غير المخرج المعتاد.
فإن كان من المخرج المعتاد فإن كانت إزالته تؤدي إلى نقض الوضوء فلا بد من تقديمه على الوضوء، وإنما يكون ذلك عن مباشرة لمس الفرج باليد لإزالة الخارج وغالبا ما يكون ذلك بالماء، فأما إن لم يصاحبه مباشرة لمس الفرج بأن يكون إزالتها بشيء غير اليد كالأحجار أو الورق ونحو ذلك فيجوز له الوضوء قبل إزالة الخارج (١).
قال موفق الدين في "المغني" (١/ ٨٢): (وظاهر كلام الخرقي اشتراط الاستنجاء لصحة الوضوء، فلو توضأ قبل الاستنجاء لم يصح كالتيمم. والرواية الثانية: يصح الوضوء قبل الاستنجاء، ويستجمر بعد ذلك بالأحجار، أو يغسل فرجه بحائل بينه وبين يديه ولا يمس الفرج. وهذه الرواية أصح، وهي مذهب الشافعي لأنها إزالة نجاسة، فلم تشترط لصحة الطهارة، كما لو كانت على غير الفرج).
وأما إن لم يكن من المخرج المعتاد فالقول بجواز تقدم الوضوء يقوى لعدم وجود المانع من خوف مس الفرج. قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١١٥): (فائدة: لو كانت النجاسة على غير السبيلين، أو على السبيلين غير خارجة منهما: صح الوضوء قبل زوالها على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به أكثرهم).
فائدتان:
الأولى: ظن البعض من هذا التعميم الذي في المذهب أنه يشترط الاستنجاء أو الاستجمار قبل الوضوء حتى وإن كان من الريح، وهذا ليس بشيء وقد سبق بيان أنه ليس في الريح استنجاء.
стр. 90
الثانية - إن كانت النجاسة على أحد أعضاء الوضوء عدنا إلى مسألة أن من شروط الوضوء إزالة ما يمنع وصول الماء للأعضاء.
قال الشوكاني في "السيل الجرار" (١/ ٥٢): (فالنجاسة إذا كانت في أعضاء الوضوء وجب تقديم غسلها حتى تزول عينها ولونها وطعمها وعَرْفها فإذا فرغ من ذلك غسل العضو غسل الوضوء ولا يصح أن يكون الغسل لرفع الحدث والنجس جميعا وبعد زوال النجاسة لا معنى لتشريكها).
ـ[فصل
فالنية هنا قصد رفع الحدث أو قصد ما تجب له الطهارة كصلاة وطواف ومس مصحف، أو قصد ما تسن له كقراءة وذكر وأذان ونوم ورفع شك وغضب وكلام محرم وجلوس بمسجد وتدريس علم وأكل، فمتى نوى شيئا من ذلك ارتفع حدثه، ولا يضر سبق لسانه بغير ما نوى ولا شكه في النية أو في فرض بعد فراغ كل عبادة، وإن شك فيها في الأثناء استأنف .. ]ـ
قال موفق الدين في "المغني" (١/ ٨٢): (النية من شرائط الطهارة للأحداث كلها، لا يصح وضوء ولا غسل ولا تيمم، إلا بها).
الطهارة عبادة يشترط لها النية:
قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص/٢٠): (وأما الطهارة فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور وهو يرجع إلى أن الطهارة للصلاة هل هي عبادة مستقلة أم هي شرط من شروط الصلاة كإزالة النجاسة وستر العورة فمن لم يشترط لها النية جعلها كسائر شروط الصلاة ومن اشترط لها النية جعلها عبادة مستقلة فإذا كانت عبادة في نفسها لم تصح بدون النية وهذا قول جمهور العلماء ويدل على صحة ذلك تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي ﷺ أن الوضوء يكفر الذنوب والخطايا وأن من توضأ كما أمر كان كفارة لذنوبه وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادة مستقلة بنفسها حيث رتب عليه تكفير الذنوب والوضوء الخالي من النية لا يكفر شيئا من الذنوب بالاتفاق فلا يكون مأمورا به ولا تصح به الصلاة ولهذا لم يرد في شيء من بقية شرائط الصلاة كإزالة النجاسة
стр. 91
وستر العورة ما ورد في الوضوء من الثواب). روى مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا توضأ العبد المسلم - أو المؤمن - فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء -، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء -، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - حتى يخرج نقيا من الذنوب».
مسألة - النية في الوضوء هي قصد رفع الحدث أو قصد ما تجب أو تسن له الطهارة .
النية في الوضوء هي قصد رفع الحدث أي إزالة المانع من كل فعل يفتقر إلى الطهارة، أو قصد استباحة ما تجب له الطهارة كالصلاة والطواف ومس المصحف، أو قصد استباحة ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن أي بدون مس للمصحف والذكر والآذان والنوم ورفع شك في الحدث الأصغر ما لم يكن موسوسا وعند الغضب وجلوس بمسجد وتدريس علم، ونحو ذلك ممن نوى شيئا من ذلك مما يسن أو يجب له الوضوء ارتفع حدثه.
مسألة - يسن الوضوء للكلام المحرم .
والكلام المحرم كالغيبة والنميمة والكذب، ونحو ذلك.
وعن ابن عباس ﵄ مرفوعا: (الحدث حدثان حدث اللسان وحدث الفرج وحدث اللسان أشد من حدث الفرج وفيهما الوضوء) وقد ورد مرفوعا وموقوفا وكلاهما لا يصح.
وقد حمل تقس الدين وغيره حدث الفم على الردة وأوجب منها الوضوء وسوف يأتي الكلام عليها في باب نواقض الوضوء.
وحمله ابن المنذر على القيء ولفظ الحديث عنده: (الحدث حدثان حدث من فيك وحدث من أسفل منك) وعليه فيكون ذكر اللسان في بعض طرقه من باب أن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يقتضي التخصيص إلا أن الحديث لا يصح.
وقد روى عن ابن عبد الله بن مسعود ﵄ أنه قال: " لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إلي من أتوضأ من الطعام الطيب " وهذا الأثر رواه عبد
стр. 92
الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهما ومداره على إبراهيم التيمي وهو ثقة إلا أنه كان يرسل ويدلس وقد عنعنه فإسناده ضعيف، وقالت عائشة ﵂: " يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب ولا يتوضأ من الكلمة العوراء " رواه عبد الرزاق وغيره وإسناده حسن.
وقد نقل ابن المنذر الإجماع على عدم وجوب الوضوء من الكلام الفاحش فقال في "الأوسط" (١/ ٢٣٠): (وأجمع كل من نحفظ قوله من علماء الأمصار على أن القذف وقول الكذب والغيبة لا تنقض طهارة ولا توجب وضوءا).
وقد اختلف العلماء في المراد بالوضوء هنا البعض على غسل الفم، وحمله البعض على الوضوء الشرعي، قال النووي في "المجموع" (٢/ ٦٢): (قال ابن الصباغ الأشبه أنهم أرادوا غسل الفم وكذا حملها المتولي على غسل الفم وحكى الشاشي في المعتمد كلام ابن الصباغ ثم قال وهذا بعيد بل ظاهر كلام الشافعي أنه أراد الوضوء الشرعي قال والمعنى يدل عليه لأن غسل الفم لا يؤثر فيما جرى من الكلام وإنما يؤثر فيه الوضوء الشرعي والغرض منه تكفير الخطايا) ولكنهم لإجماع ابن المنذر لم يقولوا بالوجوب وحملوه على الاستحباب.
قال موفق الدين في "المغني" (١/ ١٣١): (ولا ينقض الوضوء ما عدا الردة من الكلام من الكذب، والغيبة، والرفث والقذف وغيرها. نص عليه أحمد، وقال ابن المنذر: أجمع من نحفظ قوله من علماء الأمصار على أن القذف، وقول الزور، والكذب، والغيبة لا توجب طهارة، ولا تنقض وضوءا، وقد روينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث، وذلك استحباب عندنا ممن أمر به، ولا نعلم حجة توجب وضوءا في شيء من الكلام، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف باللاتي والعزى فليقل: لا إله إلا الله». ولم يأمر في ذلك بوضوء).
مسألة - يسن الوضوء للأكل .
الراجح أنه لا يستحب الوضوء للأكل، وقد ذكر الأكل ضمن ما يسن الوضوء له جماعة منهم ابن مفلح والمرداوي وغيرهما واتفقوا على نسبته لموفق الدين في المغني، وبمراجعة كلامه في المغني وجدت أنه يقول بأن الأكل لا تشرع له
стр. 93
الطهارة قال في "المغني" (١/ ٨٣): (فإن نوى بالطهارة ما لا تشرع له الطهارة؛ كالتبرد والأكل والبيع والنكاح ونحوه، ولم ينو الطهارة الشرعية، لم يرتفع حدثه؛ لأنه لم ينو الطهارة، ولا ما يتضمن نيتها، فلم يحصل له شيء، كالذي لم يقصد شيئا).
قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٣١٩): (في الصحيح عن ابن عباس قال: ﴿كنا عند النبي ﷺ فجاء من الغائط فأتى بطعام فقيل له: ألا تتوضأ؟ قال: لم أصل فأتوضأ﴾ فإن هذا ينفي وجوب الوضوء وينفي أن يكون مأمورا بالوضوء لأجل مجرد الأكل ولم نعلم أحدا استحب الوضوء للأكل إلا إذا كان جنبا وتنازع العلماء في غسل اليدين قبل الأكل هل يكره أو يستحب على قولين هما روايتان عن أحمد. فمن استحب ذلك احتج ﴿بحديث سلمان أنه قال للنبي ﷺ قرأت في التوراة أن من بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده﴾ ومن كرهه قال: لأن هذا خلاف سنة المسلمين فإنهم لم يكونوا يتوضئون قبل الأكل وإنما كان هذا من فعل اليهود فيكره التشبه بهم. وأما حديث سلمان فقد ضعفه بعضهم وقد يقال: كان هذا في أول الإسلام لما كان النبي ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء) وحديث سلمان ضعفه أبو داود والترمذي وغيرهما ولو صح لحمل على الوضوء الشرعي لا غسل اليدين، فظهر من ذلك عدم استحباب الوضوء الشرعي لمجرد الأكل ما لم يكون جنبا.
مسألة - فمتى نوى شيئا مما يسن له الطهارة ارتفع حدثه .
وكون الحدث يرتفع هنا هي الرواية الصحيحة في المذهب وهي الراجحة لأنه نوى رفع الحدث وفرق بين أن ينوي التجديد أو التبرد وأن ينوي رفع الحدث لفعل يستحب له الطهارة وإن كان البعض سوى بين من نوى التجديد وهو محدث ومن نوى التطهر لما تسن له الطهارة إلا أنني أرى أن مسألتنا يرتفع فيها الحدث لأنه نوى رفعه بخلاف من نوى التجديد فلا يرتفع الحدث لأنه لم ينوه والأعمال بالنيات.
وعليه فلا يشترط للمحدث عند رفعه الحدث أن يعين نية رفع الحدث وأنه مثلا لصلاة فرض أو طواف أو غيرهما مما تجب له الطهارة، ولا أنه لما يسن له الطهارة كالذكر والنوم مثلا بل ينوي نية مطلقة لرفع الحدث.
стр. 94
مسألة - لا يضر سبق لسانه بغير ما نوى:
قال موفق الدين في "المغني" (١/ ٨٣): (محل النية القلب؛ إذ هي عبارة عن القصد، ومحل القصد القلب، فمتى اعتقد بقلبه أجزأه، وإن لم يلفظ بلسانه وإن لم تخطر النية بقلبه لم يجزه. ولو سبق لسانه إلى غير ما اعتقده لم يمنع ذلك صحة ما اعتقده بقلبه) وقد نص العلماء على أن التلفظ بالنية بدعة إلا في الحج.
مسألة - ولا يضر شكه في النية أو في فرض بعد فراغه من الوضوء وأما في أثنائه فيستأنف (١).
بداية الكلام هنا لا يدخل فيه الموسوس؛ لأن شكه غالبا ما يكون وهما فلا يلتفت له ولقطع علائق الشيطان من استدراجه.
فرق الماتن هنا بين حالتين:
الأولى: أن يشك في أنه نوى رفع الحدث أو في غسل عضو في أثناء الوضوء فهنا يستأنف ويكون كمن لم يأت بما شك فيه؛ لأن الأصل العدم فيبني عليه.
الثانية: أن يكون الشك بعد الفراغ من الطهارة فلا يلتفت إلى شكه؛ لأنه شك في العبادة بعد فراغه منها، وهي محكوم بصحتها قبل شكه، فلا يزول ذلك بالشك، كما لو شك في وجود الحدث المبطل.
ـ[فصل في صفة الوضوء:
وهى أن ينوي ثم يسمي ويغسل كفيه ثم يتمضمض ويستنشق ثم يغسل وجهه من منابت شعر الرأس المعتاد ولا يجزئ غسل ظاهر شعر اللحية إلا أن لا يصف البشرة ثم يغسل يديه مع مرفقيه ولا يضر وسخ يسير تحت ظفر ونحوه ثم يمسح جميع ظاهر رأسه من حد الوجه إلى ما يسمى قفا والبياض فوق الأذنين منه ويدخل سبابتيه في صماخي أذنيه ويمسح بإبهاميه ظاهرهما ثم يغسل رجليه مع كعبيه وهما العظمان الناتئان .. ]ـ
مسألة - صفة الوضوء يبدأ المتوضئ بالنية ثم يسمي ويغسل كفيه ثم
стр. 95
يتمضمض ويستنشق ثم يغسل وجهه ثم يغسل يديه مع مرفقيه ثم يمسح رأسه وأذنيه ثم يغسل رجليه مع كعبيه.
وقد سبق الكلام على النية والتسمية، وباقي صفة الوضوء دل عليها ما رواه الشيخان عن عثمان بن عفان ﵁: «دعا بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك». ثم قال: «رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا» ثم قال رسول الله ﷺ : «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه» واللفظ لمسلم.
وقد سبق وأن تكلمنا على كثير من الأحكام المتعلقة بصفة الوضوء، ومن المسائل المتعلقة التي لم نطرحها بعد:
مسألة - غسل الكفين مستحب .
يبدأ المتوضئ بغسل كفيه من أطراف الأصابع إلى الرُّسْغِ، ويبدأ بهما قبل باقي الأعضاء؛ لأنهما آلة الغسل فإن بهما يُنقل الماء، وتُدلك الأعضاء.
وغسلهما في أول الوضوء مستحب وهو الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب ونص عليه أحمد، وقال موفق الدين بغير خلاف نعلمه.
مسألة - يستحب أن يُجمع بين المضمضة والاستنشاق .
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٥٢): (قوله " ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثا " بلا نزاع. ويكون ذلك بيمينه على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. قوله ﴿من غُرْفَةٍ، وإن شاء من ثلاث، وإن شاء من ست﴾ هذه الصفات كلها جائزة. والأفضل جمعها بماء واحد على الصحيح من المذهب، نص عليه: يتمضمض ثم يستنشق من الغرفة).
وردت أحاديث صحيحة في الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحدة يبدأ بالمضمضة ثم يستنشق من نفس الكف، يفعل ذلك ثلاث مرات من كف واحد أو من ثلاثة أكف، وأما أحاديث إفراد المضمضة عن الاستنشاق فلا تصح.
стр. 96
مسألة - البياض فوق الأذنين من الرأس .
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٦٣): (البياض الذي فوق الأذنين دون الشعر من الرأس على الصحيح من المذهب، اختاره القاضي، وابن عقيل، وجماعة) والبياض الذي بين العذار والأذن من الوجه.
مسألة - يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه ويمسح بإبهاميه ظاهرهما .
ويدل على ذلك حديث ابن عباس ﵄ عند النسائي في وصف وضوء النبي ﷺ : (ثم مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسباحتين وظاهرهما بإبهاميه).
ـ[فصل:
وسننه ثمان عشرة: استقبال القبلة والسواك وغسل الكفين ثلاثا والبداءة قبل غسل الوجه بالمضمضة والاستنشاق والمبالغة فيهما لغير الصائم والمبالغة في سائر الأعضاء مطلقا والزيادة في ماء الوجه وتخليل اللحية الكثيفة وتخليل الأصابع وأخذ ماء جديد للأذنين وتقديم اليمنى على اليسرى ومجاوزة محل الفرض والغسلة الثانية والثالثة واستصحاب ذكر النية إلى آخر الوضوء والإتيان بها عند غسل الكفين والنطق بها سرا، وقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله مع رفع بصره إلى السماء: بعد فراغه، وأن يتولى وضوءه بنفسه من غير معاونه .. ]ـ
مسألة - من سنن الوضوء استقبال القبلة .
استحب الجمهور استقبال القبلة عند الوضوء، قال ابن مفلح في "الفروع" (١/ ١٨٥): (وظاهر ما ذكره بعضهم يستقبل القبلة، ولا تصريح بخلافه، وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل). قلت: والراجح عدم جواز تحري استقبال القبلة عند الوضوء فإنه لم ينقل عن النبي ولا عن صحابته تحرى استقبالها عند الوضوء ومن تقصد فعل ذلك فلا يبعد الحكم على فعله بالبدعية.
مسألة - من سنن الوضوء السواك .
وقد سبق الكلام عن هذه المسألة.
стр. 97
مسألة - من سنن الوضوء غسل الكفين ثلاثا .
وقد سبق أيضا الكلام عن هذه المسألة.
مسألة - من سنن الوضوء البداءة قبل غسل الوجه بالمضمضة والاستنشاق .
وقد سبق ذكر أن المضمضة والاستنشاق من الوجه، فجعل الترتيب بين أجزاء العضو الواحد مستحب كنحو تقديم اليمنى على اليسرى.
مسألة - من سنن الوضوء المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم .
والدليل على المبالغة في الاستنشاق ما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : ««أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما»» والدليل على المبالغة في المضمضة الأمر بالإسباغ كما سيأتي في المسألة التالية.
قال موفق الدين في "المغني" (١/ ٨٩): (المضمضة: إدارة الماء في الفم. والاستنشاق: اجتذاب الماء بالنفس إلى باطن الأنف. والاستنثار: إخراج الماء من أنفه. ولا يجب إدارة الماء في جميع الفم، ولا إيصال الماء إلى جميع باطن الأنف، وإنما ذلك مبالغة مستحبة في حق غير الصائم).
وقال في (١/ ٧٧): (المبالغة في الاستنشاق: اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف، وذلك سنة مستحبة في الوضوء، إلا أن يكون صائما فلا يستحب، لا نعلم في ذلك خلافا ... المبالغة في المضمضة إدارة الماء في أعماق الفم وأقاصيه وأشداقه).
مسألة - من سنن الوضوء المبالغة في غسل سائر الأعضاء مطلقا .
قال موفق الدين في "المغني" (١/ ٧٨): (المبالغة مستحبة في سائر أعضاء الوضوء؛ لقوله ﵇: «أسبغ الوضوء». والمبالغة في سائر الأعضاء بالتخليل، وبتتبع المواضع التي ينبو عنها الماء بالدلك والعرك ومجاوزة موضع الوجوب بالغسل. وقد روى نُعَيْمِ بْنِ عبد الله، «أنه رأى أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه ويديه حتى كاد أن يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أمتي يأتون يوم القيامة
стр. 98
غرا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». متفق عليه) وله لفظ آخر صريح في نسبته هذا الفعل للنبي ﷺ وسيأتي.
مسألة - من سنن الوضوء الزيادة في ماء الوجه .
قال موفق الدين في "الكافي" (١/ ٦٢): (ويستحب أن يزيد في ماء الوجه؛ لأن فيه غضوناً وشعوراً، ودواخل وخوارج، ويمسح مآقيه (١)، ويتعاهد المفصل وهو البياض الذي بين اللحية والأذن، فيغسله).
مسألة - من سنن الوضوء تخليل اللحية الكثيفة .
روى أبو داود وغيره عن أنس بن مالك ﵁ قال، «أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ، أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته»، وقال: «هكذا أمرني ربي ».
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٣٣): (إن كانت اللحية خفيفة وجب غسلها، وإن كانت كثيفة فالصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم: استحباب تخليلها).
مسألة - من سنن الوضوء تخليل الأصابع .
لحديث لقيط السابق. والتخليل معناه إدخال شيء في شيء وهو عام يشمل أصابع اليدين والرجلين، وتخليل أصابع اليد بأن يشبكهما بعضهما في البعض، وأما أصابع الرجلين فروى أبو داود وغيره عن الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بِخِنْصَرِهِ» وقد اختار الزركشي أنه خنصر اليد اليسرى، وعلله بأنها المعدة لإزالة الوسخ والدرن.
قال البغوي في "شرح السنة" (١/ ٤١٩): (وتخليل أصابع الرجل سنة في الوضوء مع وصول الماء إلى باطنها من غير التخليل، فإن انضمت الأصابع بعضها إلى بعض بحيث لا يصل الماء إلى باطنها إلا بالتخليل، فيجب التخليل).
стр. 99
مسألة - من سنن الوضوء أخذ ماءا جديدا للأذنين .
وقد سبق الكلام عن هذه المسألة.
مسألة - من سنن الوضوء تقديم اليمنى على اليسرى .
روى الشيخان عن أم المؤمنين عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ «يعجبه التيمن، في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله». وقال ابن المنذر في "الإجماع" (ص/٣٥): (وأجمعوا على أن لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه في الوضوء).
مسألة - من سنن الوضوء مجاوزة محل الفرض .
روى مسلم في "صحيحه" عن نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ،، قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في الْعَضُدِ، ثم يده اليسرى حتى أشرع في الْعَضُدِ، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق "، ثم قال: " هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ. وقال: قال رسول الله ﷺ : «أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله» وآخره مدرج من كلام أبي هريرة ﵁.
وروى أبو عبيد وابن أبي شيبة بإسناد حسنه ابن حجر في "الفتح" (١/ ٢٣٦) عن ابن عمر أنه كان يتوضأ في الصيف فربما بلغ في الوضوء إبطيه.
وأما حديث: (مسح الرقبة أمان من الغل) فهو حديث موضوع كما حقق ذلك الألباني في "الضعيفة" (٦٩).
مسألة - من سنن الوضوء الغسلة الثانية والثالثة .
روى البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس، قال: «توضأ النبي ﷺ مرة مرة» وعن عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ «توضأ مرتين مرتين» وفي حديث عثمان ﵁ المتفق عليه أنه تؤضأ ثلاثا ثلاثا وهذا أكمل الحالات وغالب حاله ﷺ .
والمرة الواحدة تجزئ وترفع الحدث وهي الواجبة والثانية والثالثة سنة والأفضل
стр. 100
أن يتنقل بين هذه الحالات فيتوضا مرة: مرة مرة، ومرة: اثنتين اثنتين، ومرة: ثلاثا ثلاثا.
وله أن يخالف ففي صحيح البخاري أن رجلا، قال لعبد الله بن زيد ﵁، أتستطيع أن تريني، كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغ على يديه فغسل مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه ".
مسألة - من سنن الوضوء استصحاب ذكر النية إلى آخر الوضوء .
سبق وأن ذكرنا أن النية شرط لصحة العبادات عموما وأنها وهي عمل قلبي.
ومقصود الماتن هنا أنه يسن استصحاب ذكرها، والمراد ذكرها بالقلب، أي يسن للإنسان تذكر النية بقلبه في جميع الطهارة، فإن غابت عن خاطره فإنه لا يضر، لأن استصحاب ذكرها سنة وهذا لا دليل عليه والتشدد في النية يفتح على العبد أبواب الوساوس كما هو حاصل عند جملة من المتوضئين فلا ينبغي للعبد أن يفتح على نفسه هذا الباب.
وعليما أن ننتبه للفرق بين تذكر النية واستصحاب حكمها فالمتوضئ يجب عليه استصحاب حكمها بمعنى ألا ينوي قطعها فينوي مثلا تنظيف الوجه أو التبرد وليس رفع الحدث فإن قطع حكم النية لم يرتفع حدثه فلابد وأن يستصحب حكم نية رفع الحدث حتى يفرغ من وضوئه.
مسألة - من سنن الوضوء الإتيان بها عند غسل الكفين .
أي يستحب أن يأتي بالنية عند غسل الكفين وهو أول الشروع في العبادة ينوي ثم يسمي ويبدأ في أول أفعال الوضوء، فوقت النية المستحب عند غسل اليدين، والواجب ألا يؤخرها عن أول الواجبات وهو المضمضة والاستنشاق.
стр. 101
مسألة - من سنن الوضوء النطق بها سرا .
ولا دليل على هذا والتلفظ بالنية لم يكن من هدي النبي ﷺ ولا صحابته ﵃ إلا في الحج فلا يشرع التلفظ بالنية باللسان سرا ولا جهرا في غير الحج.
مسألة - من سنن الوضوء قول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله مع رفع بصره إلى السماء: بعد فراغه.
وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: (ما منكم من أحد يتوضأ فيبالغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) زاد الترمذي بعد التشهد: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) وهي زيادة ضعيفة - أخرجها الترمذي في "سننه" كتاب الطهارة، باب فيما يقال بعد الوضوء (١/ ٧٨) حديث رقم (٥٥) من طريق جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي الكوفي حدثنا زيد بن حباب عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عمر بن الخطاب ﵁ به، وقال: " .... هذا حديث في إسناده اضطراب ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء قال محمد وأبو إدريس لم يسمع من عمر شيئا" وقال ابن حجر في "نتائج الأفكار" (١/ ٢٤٣):" لم تثبت هذه الزيادة في هذا الحديث فإن جعفر بن محمد شيخ الترمذى تفرد بها ولم يضبط الإسناد فإنه أسقط بين أبى إدريس وبين عمر جبير ابن نفير، وعقبة فصار منقطعا بل معضلا وخالفه كل من رواه عن معاوية بن صالح ثم عون زيد بن الحباب ". ولهذه الزيادة شواهد ضعيفة منها: عن ثوبان ﵁ عند ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص/٣٥) حديث رقم (٣٢) وغيره وفيه سعيد بن المرزبان قال عنه الذهبي في "الكاشف": "قال أحمد: منكر الحديث"، وقال ابن حجر: "ضعيف مدلس"، وله شاهد أيضا عن ابن عمر وأنس ﵃ عند البيهقي في "السنن الصغرى" (ص/٩٤) حديث رقم (١١٢) بإسناد ضعيف جدا فيه عبدالرحيم بن زيد العمي قال عنه الذهبي في "الكاشف": "تركوه"، وقال عنه ابن
стр. 102
حجر في"التقريب": "متروك كذبه ابن معين"، وشيخه أيضا ضعيف قال عنه الذهبي: " فيه ضعف، قال ابن عدى: لعل شعبة لم يرو عن أضعف منه "، وقال عنه ابن حجر: "ضعيف". وروي أيضا موقوفا عن علي بأسانيد ضعيفة، وانظر شرح الترمذي لأحمد شاكر (١/ ٧٩: ٨٣)، وقد قوى هذه الزيادة الشيخ الألباني وراجع "الإرواء" (١/ ١٣٥).
• زاد أبو داود والإمام أحمد: (ثم رفع نظره إلى السماء) وهي زيادة منكرة - أخرجها أبو داود في "سننه" كتاب الوضوء، باب مل يقول الرجل إذا توضأ (١/ ٤٤) حديث رقم (١٧٠)، وأحمد في "مسنده" (١/ ١٩)، والدارمي في "مسنده" (١/ ١٩٦) حديث رقم (٧١٦)، والبزار في "مسنده" (١/ ٣٦١) حديث رقم (٢٤٢)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (ص/١٧٤) حديث رقم (٨٤)، وأبو يعلى في "مسنده" (١/ ٢١٣) حديث رقم (٢٤٩)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص/٣٢) حديث رقم (٣١) واللالكائي في "اعتقاد أهل السنة" (٣/ ٣٩٣) حديث رقم (٦٥٤) من طريق أبي عقيل زهرة بن معبد عن ابن عنه عن عقبة عن عمر ﵄ مطولا به، وهذا إسناد ضعيف ابن عم زهرة بن معبد لم يسم في أي من الطرق فهو مجهول.
مسألة - من سنن الوضوء أن يتولى وضوءه بنفسه من غير معاونه (١).
هذا هو الأولى لأنه أغلب هدي رسول الله ﷺ .
وما روى ابن ماجة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لاَ يَكِلُ طُهُورَهُ إِلَى أَحَدٍ، وَلاَ صَدَقَتَهُ الَّتِي يَتَصَدَّقُ بِهَا، يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلاَّهَا بِنَفْسِهِ.) لا يصح وضعفه البوصيري والألباني.
وأما معاونة غيره له فلا تخلو من حالات ثلاث:
الأولى: الاستعانة بالغير في إحضار الماء فهذا جائز بلا كراهة وقد دلت السنة عليه كما في حديث المغيرة وابن عباس وأنس وعثمان ﵃ وأجمع العلماء عليه.
стр. 103
الثانية: الاستعانة بمن يصب عليه الماء فهذا جائز أيضاً بلا كراهة كما فعله المغيرة مع رسول الله ﷺ .
الثالثة: الاستعانة بمن يباشر أعضاءه بالغسل، فهذا إن كان لحاجة فلا بأس به وإن كان لغير حاجة فإنه خلاف السنة ويدل على التكبر والغرور والترفع ولم يكن الصحابة والسلف يفعلونه ولذا ينهى عنه.
ـ [باب مسح الخفين
يجوز بشروط سبعة لبسهما بعد كمال الطهارة بالماء وسترهما لمحل الفرض ولو بربطهما وإمكان المشي بهما عرفا وثبوتهما بنفسهما وإباحتهما وطهارة عينهما وعدم وصفهما البشرة .. ]ـ
مسألة - من شروط المسح على الخفين لبسهما بعد كمال الطهارة بالماء .
قال تقي الدين في "المغني" (١/ ٢٠٧): (لا نعلم في اشتراط تقدم الطهارة لجواز المسح خلافا).
روى الشيخان عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين». فمسح عليهما) وقد علل النبي ﷺ أمره للمغيرة بتركهما، ثم مسحه عليهما بإدخالهما طاهرتين، ويقتضي أن إدخالهما غير طاهرتين مقتض للنزع وعدم المسح.
• متى تكمل الطهارة وتتم ؟
بمعنى هل يرتفع الحدث عن كل عضو من أعضاء الوضوء بمجرد غسله، أو لا يرتفع الحدث عن شيء منها إلا بتمام الوضوء؟
والأولى أن نقول أن الحدث يتعلق بكل عضو وجب غسله في الوضوء (١) وأنه يرتفع عن كل عضو بمجرد غسله، إلا أنه لا يتم رفعه بالكلية إلا بتمامه لحديث
стр. 104
صاحب اللمعة. وعلى ذلك فلا تتم الطهارة ولا يرتفع الحدث بالكلية إلا بالانتهاء من غسل آخر أعضاء الوضوء.
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ٢٢٥): (اعلم أن في رفع الحدث عن العضو قبل إتمام الوضوء وجهان. وأطلقهما في الفروع. قلت: الذي يظهر أن يكون ذلك مراعى. فإن كمله ارتفع وإلا فلا. قال المصنف في المغني، والشارح: لأنه لا يكون متطهرا إلا بعمل الجميع).
ومن هنا نعلم أن من غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها الخف: لم يجز له المسح؛ لأنه لم تتم وتكمل طهارته، ويدل على ذلك ما ورد في بعض طرق حديث المغيرة ﵁: (دعهما فإني أدخلتهما وهما طاهرتان).
• قوله (بالماء) يخرج الطهارة بالتيمم فمن كانت طهارته بالتيمم فلا يجوز له المسح على الخف عند وجدان الماء؛ لأن التيمم مبيح ورافع حكمي للحدث، فلا يتحقق قوله: (أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ)، قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٧٦): (لا يمسح على خف لبسه على طهارة تيمم على الصحيح من المذهب، نص عليه ... ).
مسألة - من شروط المسح سترهما لمحل الفرض ولو بربطهما .
والمقصود أن يكون ساتراً للمفروض غسله من الرجل من أطراف الأصابع إلي الكعبين. فلا يظهر شيء من المفروض من وراء الخف؛ سواء كان ذلك من أجل صفائه، أو خفته، أو من أجل خروق فيه، وألا يكون تحت القدمين.
وهذه الشروط لا دليل عليها وفيها تضييق للرخصة.
ومما عللوا به هذا الشرط أن عدم ستره لمحل الفرض، يؤدي إلى الجمع بين الغسل للجزء المكشوف والمسح للجزء المستور ولا يمكن الجمع بين الغسل والمسح.
وقد رد تقي الدين (١) هذا التعليل ومثل بأمثلة رُخِصَ فيها بين الجمع بين الغسل
стр. 105
والمسح كما هو الحال في الجبيرة التي لا تستر محل المسح فيمسح عليها ويغسل الباقي كما أنه يجمع بين التيمم والغسل فيما إذا أمكن غسل بعض البدن دون البعض لكون الباقي جريحا، أو لكون الماء قليلا كما إن مسح ظهر الخف ولو خطَّا بالأصابع يجزئ عن جميع القدم فلا يجب غسل شيء منه لا ما ظهر ولا ما بطن، وعلى ذلك فأي خف كان على أرجلهم دخل في مطلق النص.
وقال تقي الدين (٢١/ ١٧٤): (ومعلوم أن الخفاف في العادة لا يخلو كثير منها عن فتق أو خرق لا سيما مع تقادم عهدها وكان كثير من الصحابة فقراء لم يكن يمكنهم تجديد ذلك ... والعادة في الفتق اليسير في الثوب والخف أنه لا يرقع وإنما يرقع الكثير ... فلما أطلق الرسول ﷺ الأمر بالمسح على الخفاف مع علمه بما هي عليه في العادة؛ ولم يشترط أن تكون سليمة من العيوب: وجب حمل أمره على الإطلاق ولم يجز أن يقيد كلامه إلا بدليل شرعي ... ). وعليه فيجوز المسح على الخف المخرق ما دام يسمى خفا.
• أما ما إذا كان الخف غير ساتر للكعبين فهذا يطلق عليه النعل، وقال الشيخ الألباني في "تمام المنة" (ص/١١٣): (صح عنه ﷺ المسح على النعلين استقلالا دون ذكر الجوربين من حديث علي بن أبي طالب وأوس بن أبي أوس الثقفي وابن عمر وصححه ابن القطان. فهذه الأحاديث تدل على جواز المسح على النعلين أيضا وقد ثبت ذلك عن بعض السلف أيضا، ففيه دليل واضح على عدم اشتراط كون الخف ساترا لمحل الفرض كما نقله المؤلف عن شيخ الإسلام).
مسألة - من شروط المسح إمكان المشي بهما عرفا .
قال الزركشي في "شرح الخرقي" (١/ ٣٩٦): (فلو تعذر لضيقه، أو ثقل حديده، أو تكسيره كرقيق الزجاج ونحو ذلك، لم يجز المسح، إذ ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص).
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٨١): (" إمكان المشي فيه " قال في الرعاية الكبرى: يمكن المشي فيه قدر ما يتردد إليه المسافر في حاجته في وجه. وقيل: ثلاثة أيام أو أقل).
стр. 106
وهذا الشرط أيضا لا دليل عليه وذهب شيخ الإسلام إلى جواز المسح عليهما ما داما على القدم لإطلاق النصوص.
مسألة - من شروط المسح ثبوتهما بنفسهما .
المقصود أنه لابد للخف أن يثبت بنفسه فلو ثبت بغيره كبعض أنواع الجوارب التي لا يثبت إلا بالنعلين، أو الزربول الطويل المشقوق الذي لا يثبت إلا بالسيور، أو كالخف الواسع الذي يحتاج لسيور ونحوها لشده على الرجل فلا يجوز المسح علي ما لا يثبت إلا بنفسه.
ولابد أن نفرق بين أمرين الأول حكم المسح عليه في حال عدم ثبوته في الرجل، والثانية جواز المسح عليه بعد أن ثبت في الرجل بغيره كالسيور.
أما الأول فالصحيح في المذهب أن المسح رخصة فإن كان يسهل نزع الخف لكونه غير ثابت في الرجل فهنا لا يمسح عليه لعدم المشقة.
وأما إن كان ثابتا في الرجل بغيره فالصحيح جواز المسح عليه، قال تقي الدين في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ١٨٤): (الشرط الثاني: أن يكون الخف يثبت بنفسه. وقد اشترط ذلك الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد فلو لم يثبت إلا بشده بشيء يسير أو خيط متصل به أو منفصل عنه ونحو ذلك: لم يمسح، وإن ثبت بنفسه لكنه لا يستر جميع المحل إلا بالشد - كالزربول الطويل المشقوق: يثبت بنفسه لكن لا يستر إلى الكعبين إلا بالشد - ففيه وجهان أصحهما أنه يمسح عليه. وهذا الشرط لا أصل له في كلام أحمد بل المنصوص عنه في غير موضع أنه يجوز المسح على الجوربين وإن لم يثبتا بأنفسهما بل بنعلين تحتهما وأنه يمسح على الجوربين ما لم يخلع النعلين. فإذا كان أحمد لا يشترط في الجوربين أن يثبتا بأنفسهما بل إذا ثبتا بالنعلين جاز المسح عليهما: فغيرهما بطريق الأولى وهنا قد ثبتا بالنعلين وهما منفصلان عن الجوربين. فإذا ثبت الجوربان بشدهما بخيوطهما كان المسح عليهما أولى بالجواز. وإذا كان هذا في الجوربين: فالزربول الذي لا يثبت إلا بسير يشده به متصلا به أو منفصلا عنه أولى بالمسح عليه من الجوربين. وهكذا ما يلبس على الرجل من فرو وقطن وغيرهما: إذا ثبت ذلك بشدهما بخيط متصل أو منفصل مسح عليهما بطريق الأولى ... ).
стр. 107
مسألة - من شروط المسح إباحتهما .
والخف المباح مقابل للخف المحرم، والمحرم نوعان: تارة يكون التحريم لحق الله كلبس الرجل لخف من حرير. وتارة يكون التحريم لحق الآدمي كالخف المغصوب والمسروق.
قال موفق الدين في "المغني" (١/ ٢١٤): (فإن كان الخف محرما؛ كالغصب والحرير، لم يستبح المسح عليه في الصحيح من المذهب، وإن مسح عليه وصلى، أعاد الطهارة والصلاة ... ).
والصحيح التفريق بين المحرم لحق الله والمحرم لحق الآدمي وهو قول عند المالكية، فلا يجوز المسح على خف الحرير للرجل فالحرير محرم على الرجال فالنهي هنا يعود للذات فيكون باطلا، وأما من غصب خفا أو سرقه فيصح مسحه عليه ويأثم بالغصب والنهي هنا للفساد، والفرق أن الجهة غير منفكة في الأولى دون الثانية.
قال السيوطي في "الأشباه والنظائر" (ص/١٤٠): (يجوز المسح على، الخف المغصوب، بخلاف المحرم ; لأن الرخصة منوطة باللبس، وهو للمحرم معصية ; وفي المغصوب ليس معصية لذاته، أي لكونه لبسا، بل للاستيلاء على حق الغير، ولذا لو ترك اللبس، لم تزل المعصية، بخلاف المحرم).
مسألة - من شروط المسح طهارة عينهما .
فلا يصح المسح على جلد الكلب والخنزير والميتة قبل الدبغ لنجاسة عينها.
• فائدة - يجوز المسح على الخف النجس حكما كأن يكون أصله طاهرا، لكنه وقع عليه بول، فيصح المسح عليه، ويمكنه أن يقرأ القرآن ويمس المصحف، لكنه لا يصلي حتى يزيل النجاسة من خفه بناء على اشتراط طهارة الثوب والبدن، وسوف يأتي مناقشة هذه المسألة في محلها بإذن الله.
مسألة - من شروط المسح عدم وصفهما البشرة .
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٨١): (ومنها - أي شروط الخف -: أن لا
стр. 108
يصف القدم لصفائه. فلو وصفه لم يصح على الصحيح من المذهب كالزجاج الرقيق ونحوه. وقيل: يجوز المسح عليه).
وهذه المسألة قد سبقت ضمنا في شرط أن يكون ساترا.
ويدخل في هذا الشرط أن يكون الخف رقيقا بصف لون البشرة فلا يمسح عليه، وقد منع من المسح عليه الشيخ ابن باز، وجوزه الشيخ العثيمين - رحمهما الله تعالى - قال الشيخ العثيمين في "مجموع الفتاوى" (١١/ ١٦٧): (القول الراجح أنه يجوز المسح على الجورب المخرق والجورب الخفيف الذي تُرى من ورائه البشرة، لأنه ليس المقصود من جواز المسح على الجورب ونحوه ان يكون ساتراً، فإن الرِّجل ليست عورة يجب سترها، وإنما المقصود الرخصة على المُكلَّف والتسهيل عليه، بحيث لا نُلزمه بخلع هذا الجورب أو الخف عند الوضوء، بل نقول: يكفيك أن تمسح عليه، هذه هي العلة التي من أجلها شُرع المسح على الخفين، وهذه العلة - كما ترى - يستوي فيها الخف أو الجورب المخرق والسليم والخفيف والثقيل).
وأرى أن أتوسط بين القولين فالمسح على الخف، وما كان في معناه رخصة وشرع تيسيرا على العباد، وأرى أن الجورب الرقيق إن كان من الرقة بحيث أنه لا يقي البرد فلا يكون هناك مشقة في نزعه بل وجوده كعدمه فلا يمسح عليه لعدم تحقق العلة فيه، وأما إن كان مع خفته يمنع الرد فيمسح عليه.
ـ[فيمسح المقيم والعاصي بسفره من الحدث بعد اللبس يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن. فلو مسح في السفر ثم أقام أو في الحضر ثم سافر أو شك في ابتداء المسح لم يزد على مسح المقيم .. ]ـ
مسألة - يمسح المقيم من الحدث بعد اللبس يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن .
قرر الماتن هنا مسألتين:
الأولى - ذكر الماتن أن المسح له مدة محددة وهي يوم وليلة للمقيم، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن والأدلة على ذلك كثيرة ومنها ما رواه مسلم في "صحيحه" عن علي ﵁ أنه قال «جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام
стр. 109
ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم»، وروى عبدالرزاق في "مصنفه" بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن أبي عثمان النهدي قال: حضرت سعدا وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين، فقال عمر: «يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته».
الثانية - وذكر أن مدة المسح تبدأ من الحدث، وهذا هو المذهب والمشهور من الروايتين، وعليه الأصحاب، وفي رواية أن ابتداء المدة من المسح بعد الحدث، وهي من المفردات، وهذه الرواية الثانية هي الراجحة، وعليه فمن جَمَعَ جَمْع تقديم بين الظهر والعصر ثم أحدث بعد الظهر ولم يمسح إلا بعد دخول العشاء لجمعه تأخيراً فمتى يحسب بداية المدة؟
على القول الأول: يحسبه بعد الظهر.
وعلى القول الثاني: من حين يتوضأ فلو لم يتوضأ إلا بعد دخول وقت العشاء لا يحسب إلا من هذا الوقت.
وقد دلت الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ أنه أمر بالمسح، وفي بعضها رخص في المسح، وأيضا جعل المسح، فمن الواضح جدا أن الحكم متعلق بالمسح لا بالحدث.
مسألة - يمسح العاصي بسفره من الحدث بعد اللبس يوما وليلة .
العاصي بسفره هو الذي أنشأ سفرا لقصد محرم كارتكاب فاحشة، أو إبرام عقدٍ ربوي، أو لقطع طريق ونحو ذلك.
قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٧٦): (العاصي بسفره: حكمه حكم المقيم على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب. وقال في الفروع: ويحتمل أن يمسح عاص بسفره كغيره، ذكره ابن شهاب. وقيل: لا يمسح مطلقا عقوبة له).
الترجيح:
والراجح أنه يمسح مسح مسافر ويأثم بسفره للمعصية وذلك للوجوه التالية:
أولا أن قاعدة الرخص لا تناط بالمعاصي قاعدة مختلف فيها بين علماء المذاهب فلم يقل بها الحنفية ولا المالكية في قول لهم، وبعضهم يفصل فيها وقد اختار تقي الدين عدم إعمال هذه القاعدة في بعض الحالات.
стр. 110
ثانيا - أن هذه القاعدة لا يدل على دليل بخصوصها وإنما هي عمومات متنازع في الاستدلال بها كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وإعمال العمومات التي تبيح الترخص للمسافر في نحو الفطر، والمسح أولى.
ثالثا - وعلى فرض إعمال هذه القاعدة فكان الأولى اختيار القول بمنع المسافر سفر معصية من المسح مطلقا وذلك لأن المسح نفسه رخصة - على القول الصحيح في المذهب - فاجتمع للمسافر رخصتان الأولى المسح نفسه والثانية الزيادة في المدة عن المقيم، ومنع المسافر سفر معصية من الترخص مطلقا بالمسح أو بالزيادة في المدة أولى من منعه من بعض الرخص دون بعض إعمالا لعموم القاعدة.
مسألة - لو مسح المسافر في السفر ثم أقام لم يزد على مسح المقيم .
هذا القول هو الراجح؛ لأن العلة تدور مع المعلول وجودا وعدما فعلة زيادة مدة المسح هي السفر وقد زال، فلا يزيد في مدة المسح، ويدل على هذا القول أيضا القاعدة المتفق عليها وهي (ما جاز لعذر بطل بزواله) والعذر هنا السفر فبزواله يزول ما ترتب عليه من الزيادة في مدة المسح.
قال البهوتي في "الروض المربع" (ص/٣٤): ((ومن مسح في سفر ثم أقام) أتم مسح مقيم إن بقي منه شيء وإلا خلع (أو عكس) أي مسح مقيما ثم سافر لم يزد على مسح مقيم تغليبا لجانب الحضر) وهو يشير إلى أن قاعدة (إذا اجتمع في العبادة جانب الحضر وجانب السفر غُلِّب جانب الحضر) وهذه القاعدة تدخل في قاعدة "إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام " وسوف يأتي الكلام عنها في المسألة التالية بإذن الله.
مسألة - لو مسح في الحضر ثم سافر لم يزد على مسح المقيم .
والقاعدة السابقة خالف فيها الحنفية وهي غير مطردة في المذهب، قال المرداوي في "الإنصاف" (١/ ١٧٩): (قوله ﴿ومن أحدث، ثم سافر قبل المسح: أتم مسح مسافر﴾ هذا المذهب، وعليه الأصحاب وقطع به كثير منهم).