← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 36195

شرح الموقظة للذهبي

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (154 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تفرد الثقة مطلقا والثالث تفرد الراوي مطلقا ورد الأخيرين فالظاهر أنه أراد هنا الأول، قال شيخ الإسلام: وهو مشكل لأن الإسناد إذا كان متصلا ورواته كلهم عدولا ضابطين فقد انتفت عنه العلل الظاهرة ثم إذا انتفى كونه معلولا فما المانع من الحكم بصحته فمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه أو أكثر عددا لا يستلزم الضعف بل يكون من باب صحيح وأصح. قال: ولم يرو مع ذلك عن أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبر عنه بالمخالفة وإنما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة وأمثلة ذلك موجودة في الصحيحين وغيرهما فمن ذلك أنهما أخرجا قصة جمل جابر من طرق وفيها اختلاف كثير في مقدار الثمن وفي اشتراط ركوبه وقد رجح البخاري الطرق التي فيها الاشتراط على غيرها مع تخريج الأمرين ورجح أيضا كون الثمن أوقية مع تخريجه ما يخالف ذلك ومن ذلك أن مسلما أخرج فيه حديث مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة في الاضطجاع قبل ركعتي الفجر (١) وقد خالفه عامة أصحاب الزهري كمعمر ويونس وعمرو ابن الحارث والأوزاعي وابن أبي ذئب وشعيب وغيرهم عن الزهري فذكروا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح ورجح جمع من الحفاظ روايتهم على رواية مالك ومع ذلك فلم يتأخر أصحاب الصحيح عن إخراج حديث مالك في كتبهم وأمثلة ذلك كثيرة. ثم قال: فإن قيل يلزم أن يسمى الحديث صحيحا ولا يعمل به قلت لا مانع من ذلك ليس كل صحيح يعمل به بدليل المنسوخ قال وعلى تقدير التسليم إن المخالف المرجوح لا يسمى صحيحا ففي جعل انتفائه شرطا في الحكم للحديث بالصحة نظر بل إذا وجدت الشروط المذكورة أولا حكم للحديث بالصحة ما لم يظهر بعد ذلك أن فيه شذوذا لأن الأصل عدم الشذوذ وكون ذلك أصلا مأخوذ من عدالة الراوي وضبطه فإذا ثبت عدالته وضبطه كان الأصل أنه حفظ ما روي حتى يتبين خلافه]. وسوف يأتي - بمشيئة الله - الكلام على الشاذ في موضعه من الرسالة، وإنما الغرض هنا التنبيه. والله أعلم.،

стр. 107

الوجه الثالث: ظاهر عبارة الإمام الذهبي أن المحدثين يشترطون في الحديث الصحيح خلوه من العلة مطلقاً، بمعنى أنهم يعللون الحديث بمطلق العلة، مع أنه قد قال في الموقظة: (فإن كانت العلة غير مؤثرة، بأن يرويه الثبت على وجه، ويخالفه واه، فليس بمعلول. وقد ساق الدارقطني كثيراً من هذا النمط في كتاب العلل فلم يصب، لأن الحكم للثبت) فهذا صريح منه في أن بعض العلل غير مؤثرة وأن الحديث مع وجود مثل هذه العلل ليس بمعلول. وقال ابن حجر في النكت (١/ ٢٣٦): [ويحتمل إنه - أي ابن الصلاح - إنما لم يقيد العلة بالقدح في نفس الحد ليكون الحد جامعاً للحديث الصحيح المتفق على قبوله عند الجميع، لأن بعض المحدثين يرد الحديث بكل علة سواء كانت قادحة أو غير قادحة]. فقوله: (بعض المحدثين) صريح في بيان أن البعض الآخر من المحدثين لا يشترطون خلو الحديث الصحيح إلا من العلة القادحة. وقد أطلق الخليلي أيضاً العلة على غير القادح وقسم الصحيح إلى معلول، وغير معلول حيث قال في الإرشاد (١/ ١٥٧ وما بعدها): [اعلموا رحمكم الله أن الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ على أقسام كثيرة: صحيح متفق عليه، وصحيح معلول، وصحيح مختلف فيه، وشواذ، وأفراد، وما أخطأ فيه إمام، وما أخطأ فيه سيئ الحفظ يضعف من أجله، وموضوع وضعه من لا دين له ... فأما الحديث الصحيح المعلول فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى لا يمكن حصرها فمنها أن يروي الثقات حديثا مرسلا وينفرد به ثقة مسندا فالمسند صحيح وحجة ولا تضره علة الإرسال ومثاله حديث رواه أصحاب مالك في الموطأ عن مالك قال بلغنا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال للملوك طعامه وشرابه ولا يكلف من العمل ما لا يطيق ورواه إبراهيم بن طهمان الخراساني والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ... فقد صار الحديث بتبيين الإسناد صحيحا يعتمد عليه وهذا من الصحيح المبين بحجة ظهرت وكان مالك ﵀ يرسل أحاديث لا يبين إسنادها وإذا استقصى عليه من يتجاسر أن يسأله ربما أجابه إلى الإسناد ... إلى آخر ما ذكر من أمثلة]. وراجع هنا أيضاً ما سبق ذكره

стр. 108

في تعريف العلة بالمعنى العام. ملاحظة: مناقشة كلام الشيخ المليباري في التلازم بين العلة وبين القدح في الصحة: قال المليباري في رسالته " الحديث المعلول قواعد وضوابط " تحت عنوان: التلازم بين العلة وبين القدح في الصحة: [ما ينبغي ذكره هنا أنه يمكن أن نستخلص مما سبق أن العلة كلها قادحة، لأنها دالة على وهم الراوي وخطئه، ويكون الخطأ قادحا في صحة ما وقع فيه الخطأ، وقد يكون ذلك في الإسناد أو في المتن أو في كليهما، ولا تخرج العلة عن أن تكون قادحة، ولهذا جاء تعريف العلة متضمنا ذلك حين قالوا: ''إن العلة عبارة عن سبب غامض يقدح في صحة الحديث''. وعلى الرغم من اتفاق المتأخرين على ذكر القدح في تعريف العلة كقيد وشرط، فإنهم في الوقت ذاته يقسمونها إلى قادحة وغير قادحة!! ولعل هذا التقسيم لخلفيتهم العلمية المزدوجة، التي لا تتفق مع منهج المحدثين في نقد الحديث، كما سيتضح لنا من المثال الآتي. روى مخلد ويعلى بن عبيد عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عيه وسلم حديثا في خيار البَيِّعين (١). يقول النقاد: هذا وهم من مخلد ويعلى إذ أضافا الحديث إلى عمرو بن دينار، وهو لم يحدث به، والصواب: أن هذا الحديث إنما رواه عبد الله بن دينار، وليس عمرو بن دينار. وهذه العلة في الإسناد غير قادحة في صحة المتن، لأنه صح عن سفيان من طرق أخرى. وبهذا وغيره قالوا: العلة قد تكون غير قادحة، أي لا تقدح في صحة المتن، والواقع أن ذلك لا ينفي كون تلك العلة قادحة، إذ لا يختلف اثنان على عدم صحة روايتهما، وأن العلة هنا أصبحت قادحة في صحة الحديث عن عمرو بن دينار، وإن كان المتن صحيحا. كما أن الاضطراب حول اسم الصحابي الذي روى الحديث، أو راويه الثقة لا يعدونه علة قادحة أيضا، لأنه أيا كان هذا الراوي

стр. 109

فالحديث لا يخرج من رواية الثقة، سواء أكان هو هذا الثقة أم ذاك الثقة، أو هذا الصحابي أو ذاك الصحابي، بخلاف الاضطراب الذي يكون حول الراوي الثقة والضعيف؛ فإنه يضر حينئذ في صحة الحديث. وهذا أيضا لا ينفي كون العلة قادحة لتأثيرها في ثبوت الراوي الثقة بعينه، ويكون السؤال مطروحا: من صاحب هذا الحديث؟ فهذا النوع من الاضطراب أصبح علة قادحة، وإن لم تقدح في صحة الحديث عموما ... والواقع هو أن العلة كلها قادحة تقدح في صحة ما وقعت فيه العلة، قد يكون ذلك في الإسناد أو فيما يخص راويا من رواته، أو في المتن، أو زيادة كلمة فيه، أو تغيير سياقه أو في الحديث سندا ومتنا، أعني بذلك أن القدحية قد تكون نسبية أو مطلقة، لأن العلة عند نقاد الحديث عبارة عن خطأ الراوي. والله أعلم]. لاحظ أن نظر المقسمين للعلة إلى قادحة وغير قادحة إنما هو بالنظر إلى الطريق الصحيح، فالعلة والمخالفة هنا لم تقدح في صحة هذا الحديث من هذه الطريق الصحيحة، وأما كلام المليباري في هذا المبحث فإنما هو بالنظر لعموم الطرق فمطلق العلة قادح سواء كان ذلك في الطريق الصحيح أو الطريق الخطأ، فأصبح الخلاف بينهما لفظي فالمليباري بمقتضى كلامه لا ينكر أن العلة القادحة في الطريق الخطأ تكون غير قادحة في الطريق الصحيح. قوله: (فالمجُمْعُ على صِحَّتِه إذاً: المتصلُ السالمُ من الشذوذِ والعِلَّة، وأنْ يكون رُواتُه ذوي ضَبْطٍ وعدالةٍ وعدمِ تدليس) . فيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: (المجُمْعُ على صِحَّتِه) أي بين المحدثين والفقهاء، قال ابن دقيق العيد في الاقتراح: [الصحيح: ومداره بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين على صفة عدالة الراوي في الأفعال مع التَّيقُظ، العدالة المشترطة في قبول الشهادة، على ما قُرِّر في الفقه، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن يكون مسنداً. وزاد أصحاب الحديث أن لا يكون شاذاً ولا معلَّلاً. وفي هذين الشرطين نَظَرٌ على مقتضى مذهب الفقهاء، فإن كثيراً من العلل (التي) يعلِّل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء. وبمقتضى ذلك حُدَّ الحديث

стр. 110

الصحيح، بأَنه: الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً ولا معلّلاً. ولو قيل في هذا الحدِّ: الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره لكان حسناً، لأَنَّ من لا يشترط بعض هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف. ومن شَرْطِ الحدِّ أن يكون جامعاً مانعاً]. ... (ولابد هنا من التنبيه على بعض الشروط الأخرى التي ذكرها العلماء في الحديث الصحيح والتي منها الشروط الثبوتية والسلبية، والتي تجعل الحد غير جامع ولا مانع. وإليك هذه الشروط وتوجيهات العلماء لها. ١ - اشتراط نفي النكارة: قال ابن حجر في النكت (١/ ٢٣٧): [إنما لم يشترط نفي النكارة - أي ابن الصلاح -، لأن المنكر على قسميه عند من يخرج الشاذ هو أشد ضعفاً من الشاذ. فنسبة الشاذ من المنكر نسبه الحسن من الصحيح فكما يلزم من انتفاء الحسن عن الإسناد انتفاء الصحة. كذا يلزم من انتفاء الشذوذ عنه انتفاء النكارة. ولم يتفطن الشيخ تاج الدين التبريزي لهذا وزاد في حد الصحيح، أن لا يكون شاذاً ولا منكراً]. ٢ - عدم شموله للصحيح لغيره: قال السيوطي في التدريب (١/ ٦٧ - ٦٨): [أورد على هذا التعريف ما سيأتي إن الحسن إذا روى من غير وجه ارتقى من درجة الحسن إلى منزلة الصحة وهو غير داخل في هذا الحد وكذا ما اعتضد بتلقي العلماء له بالقبول قال بعضهم يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول وإن لم يكن له إسناد صحيح قال ابن عبد البر في الاستذكار لما حكى عن الترمذي أن البخاري صحح حديث البحر هو الطهور ماؤه وأهل الحديث لا يصححون مثل إسناده لكن الحديث عندي صحيح لأن العلماء تلقوه بالقبول وقال في التمهيد روى جابر عن النبي ﷺ الدينار أربعة وعشرون قيراطا قال وفي قول جماعة العلماء وإجماع الناس على معناه غنى عن الإسناد فيه وقال الأستاذ أبو اسحق الإسفرايني تعرف صحة الحديث إذا اشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم، وقال نحوه ابن فورك وزاد بأن مثل

стр. 111

ذلك بحديث في الرقة ربع العشر وفي مائتي درهم خمسة دراهم وقال أبو الحسن ابن الحصار في تقريب المدارك على موطأ مالك قد يعلم الفقيه صحة الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب بموافقة آية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة فيحمله ذلك على قبوله والعمل به وأجيب عن ذلك بأن المراد بالحد الصحيح لذاته لا لغيره وما أورد من قبيل الثاني]. وهذا الجواب سبق التنبيه عليه في صدر شرح تعريف الحديث الصحيح، حيث قلت: أي لذاته لا لغيره؛ لأنه المقصود عند الإطلاق. ٣ - اشتراط أن يكون راويه مشهورا بالطلب: قال السيوطي في التدريب (١/ ٦٩ - ٧٠): [بقي للصحيح شروط مختلف فيها منها ما ذكره الحاكم من علوم الحديث أن يكون راويه مشهورا بالطلب وليس مراده الشهرة المخرجة عن الجهالة بل قدر زائد على ذلك، قال عبد الله بن عون: لا يؤخذ العلم إلا على من شهد له بالطلب، وعن مالك نحوه، وفي مقدمة مسلم عن أبي الزناد: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث يقال ليس من أهله، قال شيخ الإسلام: والظاهر من تصرف صاحبي الصحيح اعتبار ذلك إلا إذا كثرت مخارج الحديث فيستغنيان عن اعتبار ذلك كما يستغنى بكثرة الطرق عن اعتبار الضبط التام، قال شيخ الإسلام: ويمكن أن يقال اشتراط الضبط يغني عن ذلك إذ المقصود بالشهرة بالطلب أن يكون له مزيد اعتناء بالرواية لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روي (١)]. ٤ - اشتراط الفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة: وقال أيضاً في نفس الموضع: [ومنها ما ذكره السمعاني في القواطع أن الصحيح لا يعرف برواية الثقات فقط وإنما يعرف بالفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة قال شيخ الإسلام هذا يؤخذ من اشتراط انتفاء كونه معلولا لأن الاطلاع على ذلك إنما يحصل بما ذكر من الفهم والمذاكرة وغيرهما].

стр. 112

٥ - اشتراط علمه بمعاني الحديث حيث يروي بالمعنى: وقال أيضاً: [ومنها أن بعضهم اشترط علمه بمعاني الحديث حيث يروي بالمعنى وهو شرط لا بد منه لكنه داخل في الضبط]. ٦ - اشتراط فقه الراوي: وقال أيضاً: [ومنها أن أبا حنيفة اشترط فقه الراوي قال شيخ الإسلام والظاهر أن ذلك إنما يشترط عند المخالفة أو عند التفرد بما تعم به البلوى]. وعزو هذا الشرط للإمام أبي حنيفة فيه نظر، كما أن عزوه بهذا الإطلاق للأحناف فيه أيضاً نظر، وإنما هو عندهم مقيد بمخالفة القياس؛ قال الزركشي في البحر المحيط (٦/ ٢١٢ - ٢١٣): [ولا يشترط أن يكون - أي الراوي - فقيها عند الأكثرين سواء خالفت روايته القياس أم لا. وشرط عيسى بن أبان فقه الراوي لتقديم الخبر على القياس , ولهذا رد حديث المصراة , وتابعه أكثر متأخري الحنفية , ومنهم الدبوسي , وأما الكرخي وأتباعه فلم يشترطوا ذلك , بل قبلوا خبر كل عدل إذا لم يكن مخالفا للكتاب أو السنة المشهورة , ويقدم على القياس. قال أبو اليسر منهم: وإليه مال أكثر العلماء. قال صاحب " التحقيق ": وقد عمل أصحابنا بحديث أبي هريرة: ﴿إذا أكل أو شرب ناسيا﴾ , وإن كان مخالفا للقياس , حتى قال أبو حنيفة: لولا الرواية لقلت بالقياس , وقد ثبت عن أبي حنيفة أنه قال: ما جاءنا عن الله وعن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين. واحتج أبو حنيفة في مواضع كثيرة على تقدير الحيض وغيره بمذهب أنس بن مالك مقلدا له , فما ظنك بأبي هريرة مع أنه أفقه من أنس. قال: ولم ينقل عن أحد من السلف اشتراط الفقه في الراوي , فثبت أنه قول محدث. اهـ]. ... وقول النبي ﷺ : (نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه) (١) صريح في رد هذا الشرط كما قال السخاوي في فتح المغيث (٢). ...

стр. 113

٧ - اشتراط ثبوت السماع: قال السيوطي (١/ ٧٠): [ومنها اشتراط البخاري ثبوت السماع لكل راو من شيخه ولم يكتف بإمكان اللقاء والمعاصرة كما سيأتي وقيل إن ذلك لم يذهب أحد إلى أنه شرط الصحيح بل للأصحية] والكلام على شرط البخاري سيأتي - إن شاء الله - في محله من الرسالة. ٨ - اشتراط العدد: قال ابن حجر في النكت: (١/ ٢٣٨: ٢٤٧): في مبحث " اشتراط العدد لقبول الحديث لم يصرح به أحد من المحدثين ": [١ - قوله - أي العراقي -: " وكأن البيهقي رآه في كلام أبي محمد الجويني فنبه على أنه لا يعرف عن أهل الحديث ". يعني اشتراط العدد في الحديث المقبول بأن يرويه عدلان عن عدلين حتى يتصل مثنى مثنى برسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ انتهى. وهذا إن كان الشيخ أراد بأنه لا يعرف التصريح به من أحد أهل الحديث فصحيح، وإلا فذلك موجود في كلام الحاكم أبي عبد الله الحافظ في المدخل. وقد نقله عنه الحازمي لما ذكر أن الحديث الصحيح ينقسم أقساماً وأعلاماً شرط البخاري ومسلم، وهي الدرجة الأولى من الصحيح، وهو أن يرويه عن رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ صحابي زائل عنه اسم الجهالة. بأن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين، حافظ متقن، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظاً مشهوراً بالعدالة في روايته. (وله رواة ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا كالشهادة على الشهادة) (١). وقال في كتاب علوم الحديث له ((وصفة الحديث الصحيح أن يرويه)) ثم ساق نحو ذلك لكن لم يتعرض لعدد معين فيمن بعد التابعين.

стр. 114

وقد فهم الحافظ أبو بكر الحازمي من كلام الحاكم أن ادعى أن الشيخين لا يخرجان الحديث إذا انفرد به أحد الرواة فنقض عليه بغرائب الصحيحين. والظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك وإنما أراد كل راو في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه عنه، إلا أن قوله في آخر الكلام. ثم يتداوله أهل الحديث كالشهادة على الشهادة. إن أراد به تشبيه الرواية بالشهادة من كل وجه فيقوى اعتراض الحازمي وإن أراد به تشبيهها بها في الاتصال والمشافهة، فقد ينتقض عليه بالإجازة والحاكم قائل بصحتها. وأظنه إنما أراد بهذا التشبيه أصل الاتصال (والإجازة عند المحدثين لها حكم الاتصال) والله أعلم. ولا شك أن الاعتراض عليه في علوم الحديث أشد من الاعتراض عليه بما في المدخل، لأنه جعل في المدخل هذا شرطاً لأحاديث الصحيحين. وفي العلوم جعله شرطاً للصحيح في الجملة. وقد جزم أبو حفص الميانجي بزيادة على ما فهمه الحازمي من كلام الحاكم. " زعم الميانجي أن الشيخين يشترطان العدد في صحة الحديث في كتابيهما: " فقال في (كتاب ما لا يسع المحدث جهله) إن شرط الشيخين في صحيحهما ـ أن لا يدخلا فيه إلا ما صح عندهما، وذلك ما رواه عن رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ اثنان فصاعداً وما نقله عن كل واحد من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر، وأن يكون عن كل واحد من التابعين أكثر من أربعة". فهذا الذي قاله الميانجي مستغن بحكايته عن الرد عليه فإنهما لم يشترطا ذلك ولا واحد منهما. وكم في الصحيحين من حديث لم يروه إلا صحابي واحد، وكم فيهما من حديث لم يروه إلا تابعي واحد. وقد صرح مسلم في صحيحه ببعض ذلك. وإنما حكيت كلام الميانجي هنا، لأتعقبه لئلا يغتر به. " اشتراط ابن علية وغيره العدد في صحة الحديث: " وأما اشتراط العدد في الحديث الصحيح، فقد قال به قديماً إبراهيم بن إسماعيل بن علية وغيره.

стр. 115

وعقد الشافعي في ((الرسالة)) باباً محكماً لوجوب العمل بخبر الواحد، وخبر الواحد عندهم هو: ما لم يبلغ درجة المشهور سواء رواه شخص واحد أو أكثر. ورأيت في بعض تصانيف الجاحظ أحد المعتزلة أن الخبر لا يصح عندهم إلا إن رواه أربعة. وعن أبي علي الجبائي أحد المعتزلة ـ أيضاً ـ فيما حكاه أبو الحسين البصري في المعتمد ((أن الخبر لا يقبل إذا رواه العدل الواحد إلا إذا انضم إليه خبر عدل آخر. أو عضده موافقة ظاهر الكتاب، أو ظاهر خبر آخر. أو يكون منتشراً بين الصحابة، أو عمل به بعضهم)). وأطلق الأستاذ أبو منصور التميمي عنه أنه اشترط الاثنين عن الاثنين والحق عنه التفصيل الذي حكيناه. واحتج على ذلك: ١ - بقصة ذي اليدين وكون النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ توقف في خبره حتى تابعه أبو بكر وعمر ﵄ وغيرهما. ٢ - وقصة أبي بكر ﵁ حين توقف في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ في ميراث الجدة حتى تابعه محمد بن مسلمة. ٣ - وقصة عمر ﵁ في توقفه في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ في الاستئذان حتى تابعه أبو سعيد الخدري ﵁ وغير ذلك. ٤ - وقول على بن أبي طالب ﵁ ((كنت إذا حدثني رجل استحلفته فإن حلف لي صدقته)). والجواب: عن ذلك كله واضح. أما قصة ذي اليدين: فإن النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ إنما توقف فيه للريبة الظاهرة، لأنه أخبر النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ عن فعل نفسه وكان ثم جماعة من أكابر الصحابة ﵃ ولم يذكره أحد منهم سواء، فكان موجب التوقف قوياً. وقد قبل خبر غيره على انفراده عند انتفاء الريبة في جملة من الوقائع. وأما قصة المغيرة ﵁ فإن أبا بكر الصديق ـ رضي الله

стр. 116

عنه ـ إنما توقف فيه، لأنه أمر مشهور فأراد أن يثبت فيه، وقد قبل أبو بكر ﵁ حديث عائشة ﵂ وحدها في القدر الذي كفن فهي رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ إلى غير ذلك من الأخبار. وأما عمر ﵁ فإن أبا موسى ﵁ أخبره بذلك الحديث عقب إنكاره عليه رجوعه، فأراد عمر ﵁ الاستثبات في خبره لهذه القرينة. وقد قبل عمر ﵁ حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ وحده في أن النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ أخذ الجزية من مجوس هجر. وحديثه وحده ﵁ في النهي عن الفرار من الطاعون وعن دخول البلد التي وقع بها. وحديث الضحاك بن سفيان في توريث امرأة أشيم من دية زوجها. وعدة أخبار من أخبار الآحاد في عدة من الوقائع. وأما صنيع علي ﵁ في الاستحلاف فقد أنكر البخاري صحته وعلى تقدير ثبوته، فهو مذهب تفرد به والحامل له على ذلك المبالغة في الاحتياط، والله أعلم.]. المسألة الثانية: قوله: [وعدمِ تدليس] زاد الإمام الذهبي هذا القيد، ولم أراه لغيره، ولم يذكره شيخه في الاقتراح، ولم يلتزمه فقد ذكر في الأسانيد التي وصفها بأنها أعلى مراتب المجمع عليه كما سيأتي رواة قد وصفوا بالتدليس، إلا أن يكون مقصوده اشتراط التصريح بالسماع ليتحقق شرط عدم التدليس عند الرواة الموصوفين بالتدليس، إلا أن هذا المقصود فيه نظر وسيأتي - إن شاء الله - بيان هذا النظر عن الكلام على الاتصال. وهذا القيد داخل في اشتراط العدالة، والاتصال، ولذا فلعل الصواب حذف هذا القيد والاستغناء عنه من الحد. وسوف يأتي الكلام تفصيلياً بمشيئة الله على التدليس وأنواعه في محله من الرسالة.

стр. 117

الكلام على بعض الأسانيد: ـ[قال الإمام الذهبي: [فأعلى مراتبِ المجمَع عليه: مالكُ، عن نافع، عن ابن عُمَر. أو: منصورٌ، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله. أو: الزهريٌّ، عن سالم، عن أبيه. أو: أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. ثم بعدَهُ: مَعْمَر، عن هَمَّام، عن أبي هريرة. أو: ابنُ أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أنس. أو: ابنُ جُرَيج، عن عطاء، عن جابر، وأمثالُه. ثم بعدَهُ في المرتبةِ: الليثُ، وزهير، عن أبي الزُّبير، عن جابر. أو: سِماَكٌ، عن عكرمة، عن ابن عباس. أو: أبو بكر بن عَيّاش، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء. أو: العلاءُ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة. ونحوُ ذلك من أفراد البخاري أو مسلم.].]ـ فيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: [فأعلى مراتبِ المجمَع عليه] . وهنا يعرض إشكالان على هذه العبارة: الإشكال الأول: أن ظاهر هذه العبارة أن الإمام الذهبي يريد هنا ذكر أعلى المراتب المتحقق فيها ما ذكر من شروط للحديث الصحيح المجمع عليه بين الفقهاء والمحدثين من: اتصال، وسلامة من الشذوذ، والعلة، وأن يكون رواته ذوي ضبط، وعدالة، وعدم تدليس، كما سبق ذكر عبارته آنفاً، بمعنى أنه يريد ذكر أعلى مراتب الحديث الصحيح، مع أنه لم يسق إلا بعض الأسانيد، وكما هو معلوم

стр. 118

أنه لا تلازم بين صحة الإسناد وصحة المتن، وعليه فكان الأحرى بالإمام الذهبي أن يقيد إطلاق عبارته بالأسانيد، وألا يخالف نص عبارة شيخه في الاقتراح حيث قال: [وقد اختلف أئمة الحديث في أَصحِّ الأسانيد: ... ]. قال ابن حجر في النكت (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨): (قوله - أي ابن الصلاح -: ((ولهذا نرى الإمساك عن الحكم لإسناد أو حديث بأنه الأصح على الإطلاق. على أن جماعة من أئمة الحديث خاضوا غمرة ذلك)). (انتهى). إما الإسناد فهو كما قال قد صرح جماعة من أئمة الحديث بأن إسناد كذا أًصح الأسانيد. وأما الحديث فلا يحفظ عن أحد من أئمة الحديث أنه قال: حديث كذا أصح الأحاديث على الإطلاق، لأنه لا يلزم من كون الإسناد أصح من غيره أن يكون المتن المروي به أصح من المتن المروي بالإسناد المرجوح، لاحتمال انتفاء العلة عن الثاني ووجودها في الأول. أو كثرة المتابعات وتوافرها على الثاني دون الأول. فلأجل هذا ما خاض الأئمة إلا في الحكم على الإسناد خاصة. وليس الخوض فيه يمتنع، لأن الرواة قد ضبطوا، وعرفت أحوالهم وتفاريق مراتبهم، فأمكن الاطلاع على الترجيح بينهم. وسبب الاختلاف في ذلك إنما هو من جهة أن كل من رجح إسناداً كانت أوصاف رجال ذلك الإسناد عنده أقوى من غيره بحسب اطلاعه، فاختلفت أقوالهم، لاختلاف اجتهادهم.]. وقال طاهر الجزائري في توجيه النظر إلى أصول الأثر (١/ ٥٠١): [ولما كان لا يلزم من كون الإسناد أصح من غيره أن يكون المتن كذلك قصر الأئمة الحكم على الإسناد فقط ولا يحفظ عن أحد منهم أنه قال إن الأحاديث المروية بإسناد كذا من الأسانيد التي حكم لها بأنها أصح من غيرها هي أصح الأحاديث]. الإشكال الثاني: وهو جزمه هنا بأن ما ذكر هو أعلى مراتب الصحيح المجمع عليه، مخالفاً لشيخه الذي قد ذكر هذه الأسانيد كمذاهب في المسألة، ولم يجزم بشيء منها. قال طاهر الجزائري في توجيه النظر إلى أصول الأثر (١/ ٥٠٠ - ٥٠١): [وقد اختلف في أصح الأسانيد فقال البخاري أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع

стр. 119

عن ابن عمر ... والمختار أنه لا يحكم لإسناد بأنه أصح الأسانيد كلها إذ لا يمكن أن يحكم لكل راو ذكر فيه بأنه قد حاز أعلى صفات القبول من العدالة والضبط ونحوهما عل وجه لا يوازيه فيه أحد من الرواة الموجودين في عصره ولذلك اضطربت أقوال من خاض في ذلك إذ ليس لديهم دليل مقنع واكثر الأقوال المذكورة في ذلك متكافئة يعسر ترجيح بعضها على بعض في الأكثر فالحكم حينئذ على إسناد معين بأنه أصح الأسانيد على الإطلاق مع عدم اتفاقهم فيه ترجيح بلا مرجح. قال بعض الحفاظ ومع ذلك يمكن للناظر المتقن ترجيح بعضها على بعض من حيث حفظ الإمام الذي رجح وإتقانه وإن لم يتهيأ ذلك على الإطلاق فلا يخلو النظر فيه من فائدة لأن مجموع ما نقل عن الأئمة من ذلك يفيد ترجيح التراجم التي حكموا لها بالأصحية على ما لم يقع له حكم من أحدهم وهذا حيث لم يكن مانع؛ ولذلك قال أبو بكر البرديجي: أجمع أهل النقل صحة أحاديث الزهري عن سالم عن أبيه وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة من رواية مالك وابن عيينة ومعمر ما لم يختلفوا فإذا اختلفوا توقف فيها ... فإن كان ولا بد من الحكم فينبغي تقييد كل ترجمة بصحابيها أو بالبلدة التي منها أصحاب تلك الترجمة بأن يقال أصح أسانيد فلان كذا وأصح أسانيد أهل بلدة كذا وكذا فإنه أقل انتشارا وأقرب إلى الحصر بخلاف الأول فإنه في أمر واسع شديد الانتشار والحاكم فيه على خطر من الخطأ والخطأ فيه أكثر من الخطأ في مثل قولهم ليس في الرواة من اسمه كذا سوى فلان. وعلى ذلك يقال أصح أسانيد ابن عمر مالك عن نافع عن ابن عمر وأصح أسانيد ابن مسعود سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود وأصح أسانيد أنس بن مالك مالك عن الزهري ولهما من الرواة جماعة فأثبت أصحاب ثابت حماد بن زيد وقيل حماد بن سلمة وأثبت أصحاب قتادة شعبة وقيل هشام الدستوائي. وأصح أسانيد المكيين سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر وأصح أسانيد اليمانيين معمر عن همام عن أبي هريرة وأثبت أسانيد المصريين الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر وأصح أسانيد الكوفيين يحيى

стр. 120

بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن الحارث بن سويد عن علي. ومن الرتبة العليا ما اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحهما وذلك لجلالة شأنهما في هذا العلم وتقديمها على غيرهما فيه وفرط عنايتهما بتمييز الصحيح]. المسألة الثانية: ذكر الإمام الذهبي ثلاث مراتب للصحيح ورتبها من الأعلى إلى الأدنى، ولكل مرتبة خصائص لرجالها، سوف أتكلم - بمشيئة الله - على هذه الخصائص من ناحية الإجمال، ثم أتكلم عليها من ناحية التفصيل. قال د. عبد العزيز بن محمد السعيد في شرحه للموقظة: [فمراتب الصحيح، أو الصحيح يختلف فيما بينها، بحسب ضبط الرواة، وهذه المراتب التي ذكرها الإمام الذهبي ﵀ ثلاث مراتب: فالمرتبة الأولى: هذه مرتبة عليا، الرواة فيها ثقات متقنون، وهي سلاسل معروفة ومشهورة ... وتمتاز هذه المرتبة أو أهل هذه المرتبة، بأن الرجال المذكورين فيها لم يمس أحد منهم بما يقدح في عدالته أو ضبطه، فصارت هذه المرتبة التي أوردها المؤلف، أو أهل هذه المرتبة التي أوردها المؤلف ﵀ وهي المرتبة الأولى من مراتب الصحيح -يجمع أهلها ثلاثة أوصاف: الوصف الأول: أنهم قد خرج لهم في الصحيحين بجميعهم، على هذا النسق الذي ذكره المؤلف ﵀. والثاني: أن هذه السلسلة، أو هذه السلاسل المذكورة وصفت بأنها أصح الأسانيد. الثالث: أن ما ذكر من هؤلاء الرجال، لم يمس أحد منهم بجرح يقدح في ضبطه، فضلا عن عدالته. وأما المرتبة الثانية التي ذكرها المؤلف: فهي أقل من هذه المرتبة، وتمتاز بأن رجالها مخرج لهم في الصحيحين، جميع الرجال المذكورين في المرتبة الثانية،

стр. 121

هؤلاء مخرج لهم في الصحيحين، والرجل الذي يُخرج له في الصحيحين، يختلف حاله عمن لم يُخرج له في الصحيحين؛ لأن وجوده في الصحيحين دليل على علو منزلته وأنه من الحفاظ؛ ولهذا بعض أهل العلم ذكروا أن من خرج له في الصحيح على سبيل الاحتجاج -فهو قد اجتاز القنطرة، فلا يتكلم في حفظه، فأقل أحواله أن يكون حسن الحديث، وإن لم يوثقه أحد من أئمة العلم ... وهذه الصفة أو الوصف الأول الذي فازت به هذه المرتبة: إن الحديث من أهلها، إن أهلها مخرج لهم في الصحيحين، والصفة الثانية: إن أهلها لم يمس أحد منهم بقادح ظاهر، وإن كان على بعضهم ملحظ في الرواية، فمثلا: سعيد بن أبي عروبة ثقة فذ، لكن كان يدلس واختلط في آخر عمره، معمر ثقة فذ، لكن كان إذا حدث في البصرة وهِم، وإذا حدث عن بعض شيوخه: كالأعمش وهشام وثابت يخطئ، ليسوا كالرجال المتقدمين في المرتبة الأولى. والصفة الثالثة وهي صفة سلب عنهم: أن هذه السلاسل لم يوصف أحد منها بأنه أصح الأسانيد، كما وصف في المرتبة الأولى، اللهم إلا حديث معمر عن همام عن أبي هريرة، هذا وصف بأنه أصح أسانيد اليمانيين، وهذا وصف مقيد ليس مطلقا، وأما الأولون فكان الوصف لروايتهم وصفا مطلقا ... أما أهل المرتبة الثالثة: فهؤلاء فيما ذكره المؤلف في التمثيل لأهل هذه المرتبة، هذا فيه محل نظر، وكونه يدخل في الصحيح أيضا محل نظر، فضلا عن كونه من مراتب الصحيح. هذه الأسانيد المذكورة في هذه المرتبة، تبين أن كلام المؤلف في رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس، وجعلها من الصحيح، هذا مما لا يوافقه عليه الحفاظ، فرواية سماك عن عكرمة أعلها العلماء بالاضطراب، فهي من ضعيف حديث سماك وليست من صحيحه، كما أعلها شعبة وعلي بن المديني، ويعقوب بن شيبة، وآخرون ... وإن كان سماك على الصحيح، حسن الحديث في روايته عن غير عكرمة، ولكن كونه يدخل في الصحيح بروايته عن عكرمة، هذا مما لا يوافق الحفاظ عليه الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- اللهم إلا أن يكون مراد الإمام الذهبي: أن يكون هذا الحديث الذي يرويه سماك عن عكرمة عن ابن عباس، من رواية الثوري أو شعبة عن سماك، فإن العلماء ذكروا: "إن الثوري وشعبة، إذا رويا

стр. 122

عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس فهذا صحيح، وأما إذا روى غيرهم عن سماك فالرواية مضطربة". فيكون على ذلك كلام المؤلف: إما أن يقيد، يقال: "رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس، فيما رواه عن سماك الثوري وشعبة"، وإما أن يقال: "إدخال هذه السلسلة في هذه المراتب، مخالفة من الذهبي لما اعتمده الحفاظ". وهذه المرتبة، لو لاحظنا الأوصاف التي تميز بها أهلها لوجدنا أن الوصف الأول: أنهم مخرج لهم في الصحيح، سواء في الصحيحين، أو في صحيح البخاري، أو في صحيح مسلم، فهم من رجال الصحيح. الثاني: أن كل سلسلة من هذه السلاسل المذكورة، قد قدح في راو منها، لكن هذا القادح، يعني ليس مؤثرا يضعف الراوي، وإنما يحط من رتبته نوعا ما، وهذه -أيضا- فيها وصف سلبي: وهو أنه ليس في هذه السلاسل ما وُصف بأنه أصح الأسانيد ... ... المسألة الثالثة: الكلام على هذه الأسانيد والمراتب من ناحية التفصيل: ١ - قوله: (مالكُ (١)، عن نافع (٢)، عن ابن عُمَر). قال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (١/ ١٤٠: ١٤٨): [(قوله) عن البخاري: أصحها مالك عن نافع عن ابن عمر. هذا يسمى سلسلة الذهب وفي هذا الإطلاق عنه نظر ففي ذم الكلام للهروي قال الداوساني قال محمد بن إسماعيل البخاري " أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ديباج خسرواني (٣) ".

стр. 123

ثم قال: (قوله) وبنى الإمام أبو منصور التميمي على ذلك أن أجل الأسانيد الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر واحتج بإجماع أصحاب الحديث على أنه لم يكن في الرواة عن مالك أجل من الشافعي: فيه أمور: أحدها: يقال على هذا أجل الأسانيد ما رواه أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك وقد وقع من ذلك أحاديث في مسنده منها قال أحمد ثنا الشافعي ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال " لا يبع بعضكم على بيع بعض ونهى عن النجش ونهى عن حبل الحبلة ونهى عن المزابنة والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلا وبيع الكرم بالزبيب كيلا " وأخرجه البخاري متقطعا من حديث مالك ... وصنف الحازمي جزءا فيما رواه أحمد عن الشافعي وسماه سلسلة الذهب ... الثاني: ما نقله عن أبي منصور رأيته كذلك في كتابه المسمى بتنبيه العقول في الرد على الجرجاني ويتأيد بما ذكره الخليلي في الإرشاد قال أحمد بن حنبل " كنت سمعت الموطأ من بضعة عشر رجلا من حفاظ أصحاب مالك فأعدته على الشافعي لأني وجدته أقومهم [به] ... الثالث: أن نقله الإجماع فيه نظر فإن أصحاب مالك قد منعوا ذلك وقالوا: إما أن تريدوا بالأجلية في الفقه أو الحديث فإن أردتم الفقه فلا خلاف عندنا [أن عبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن وهب أجل منه وإن أردتم الحديث فلا خلاف عندنا] أن يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي أجل إسنادا منه فلم يسند ذلك على قول أبي منصور إلا بالمجاز وهو أن يريد من أجل الأسانيد وأيضا فإن الدارقطني قد صنف جزءا في الأحاديث التي رواها أبو حنيفة عن مالك والحنفية يقولون إن أجل من روى عن مالك أبو حنيفة. والجواب أما ما ذكره المالكية فممنوع - وأين محل ابن وهب ومن ذكروه من الشافعي ويكفي في ذلك كلام الإمام أحمد السابق. وأما أبو حنيفة وإن صحت روايته عن مالك فلم يشتهر ولم يكثر كرواية الشافعي وقد ذكره الخطيب في كتاب الرواة عن مالك وأسند له حديثا عنه ووهمه فيه وقال سائر رواة الموطأ على خلافه].

стр. 124

٢ - قوله: (أو: منصورٌ (١)، عن إبراهيم (٢)، عن علقمة (٣)، عن عبد الله). قال الخطيب في الكفاية في علم الرواية (ص/٣٩٨): [أخبرنا البرقاني قال قرأت على أبي العباس بن حمدان حدثكم تميم بن محمد قال ثنا إبراهيم بن محمد الشافعي قال سمعت الفضيل بن عياض يقول: منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله مثل هذه السارية، أخبرنا الحسن بن علي الطناجيري قال انا عمر بن أحمد الواعظ قال ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث قال ثنا الحسين بن محمد الطيالسي قال حدثني أبي قال سمعت محمد بن أبي خالد قال سمعت بن المبارك يقول: إذا جاءك سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله فكأنك تسمعه يعني من النبي ﷺ ، أخبرني علي بن محمد بن الحسين الدقاق قال أنا علي بن الحسين بن هارون القاضي عن أبي العباس بن سعيد قال ثنا عبد الله بن محمد بن أحمد بن نوح البلخي قال سمعت أبي يقول سمعت عبد الله بن المبارك يقول: ما اجمع الناس على شيء إجماعهم على هذا الإسناد سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله]. ... وقال المزي في تهذيب الكمال (٢٨/ ٥٥٣): [وقال محمد بن سهل بن عسكر: سمعت عبد الرزاق يقول: حدث سفيان يوما بحديث عن منصور عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله فقال: هذا الشرف على الكراسي].

стр. 125

فائدتان: الفائدة الأولى: بيان أن إبراهيم النخعي مدلس، وكان يرسل، وبيان أن مراسيله عن ابن مسعود صحيحة: قال ابن حجر في طبقات المدلسين: [إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه المشهور في التابعين من أهل الكوفة ذكر الحاكم أنه كان يدلس وقال أبو حاتم لم يلق أحدا من الصحابة إلا عائشة ﵂ ولم يسمع منها وكان يرسل كثيرا ولا سيما عن بن مسعود وحدث عن أنس وغيره مرسلا]. وقال الحافظ أبو سعيد العلائي عنه: [هو مكثر من الإرسال، وجماعة من الأئمة صححوا مراسيله، وخص البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود]. وقال أبو الوفا الحلبي في التبيين لأسماء المدلسين: [إبراهيم بن يزيد النخعي ذكر الحاكم وغيره انه مدلس وحكى خلف بن سالم عن عدة من مشايخه أن تدليسه من أخص شيء وكانوا يتعجبون منه]. عن سليمان الأعمش، قال: قلت لإبراهيم النخعي: [اسند لي عن عبد الله بن مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله: فهو عن غير واحد عن عبد الله]. قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل (٢/ ١٣١): [وهذا إسناد صحيح وان كان ظاهره الانقطاع لما عرف من ترجمة إبراهيم وهو النخعي فيما يرويه عن ابن مسعود بدون واسطة أنه إنما يفعل ذلك إذا كان بينه وبين ابن مسعود أكثر من واحد من التابعين من أصحاب ابن مسعود ولذلك صرح الحافظ بصحة إسناده كما تقدم]. وقال في السلسة الصحيحة (٦/ ٢/١٢٦١): [وكذلك هو من طريق إبراهيم وهو ابن يزيد النخعي وهو وان كان لم يسمع من ابن مسعود فمن المعروف من ترجمته أن ما أرسله عنه فهو صحيح]. الفائدة الثانية: بيان وجه دقة استبدال الإمام الذهبي الأعمش بمنصور بن المعتمر: عدل الذهبي هنا عن اختيار شيخه في الاقتراح حيث أن الإمام ابن دقيق العيد قال وهو يعرض المذاهب في أصح الأسانيد: [وعن يحيى بن مَعِين: أجودها:

стр. 126

الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله]، فاستبدل الذهبي الأعمش بمنصور بن المعتمر، واختيار الذهبي أدق وأوفق؛ حيث أن منصور قال عنه ابن حجر في التقرب: [ثقة ثبت، وكان لا يدلس]، وأما الأعمش فقال عنه: [ثقة حافظ عارف بالقراءات، ورع، لكنه يدلس]. وهذه جملاً من أقوال العلماء في المفاضلة بينهما: قال أبو عبيد الآجرى، عن أبى داود: طلب منصور الحديث قبل الجماجم، والأعمش طلب بعد الجماجم. قال عثمان بن سعيد الدارمى: قلت ليحيى بن معين: أبو معشر الحنفى أحب إليك عن إبراهيم أو منصور؟ فقال: منصور خير منه ومن أبيه. قلت: الأعمش أحب إليك عن إبراهيم أو منصور؟ فقال: منصور. قلت: فمنصور، أو الحكم؟ قال: منصور. قلت: فمنصور أو مغيرة؟ قال: منصور. وقال أبو بكر بن أبى خيثمة: سمعت يحيى بن معين، وأبى حاضر، يقول: إذا اجتمع منصور والأعمش فقدم منصورا. وقال أيضا: سئل أبى عن الأعمش، ومنصور، فقال: الأعمش حافظ يخلط ويدلس، ومنصور أتقن لا يخلط ولا يدلس. ٣ - قوله: [أو: الزهريٌّ (١)، عن سالم (٢)، عن أبيه.] روى الخطيب في الكفاية (ص/٣٩٧) بسنده عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أنه قال: أصح الأسانيد كلها الزهري عن سالم عن أبيه.

стр. 127

قال ابن الصلاح في مقدمته (ص / ١٠): [روينا عن (إسحاق بن راهويه) أنه قال: أصح الأسانيد كلها: الزهري عن سالم عن أبيه. وروينا نحوه عن (أحمد بن حنبل)]. وقال الزركشي في النكت على مقدمة ابن الصلاح (١/ ١٣١): [هذا إسناد حجازي فلعل إسحاق أراد ذلك لا مطلق الأسانيد ... الذي نقله الحاكم عن أحمد بن حنبل بصيغة " أجود " لا بصيغة " أصح " فلعل المصنف يرى أن الجودة والصحة مترادفان أو متغايران ولهذا قال " نحوه " ولم يقل " مثله "]. فائدة: الترجيح بين سالم ونافع عند الاختلاف في الرواية عن ابن عمر ﵄: هذا هو الإسناد الثاني عن ابن عمر ﵁ الذي قيل عنه أنه من أصح الأسانيد، والأول هو من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، وقد تكلم العلماء في الترجيح بين ابنه سالم، ومولاه نافع عند الاختلاف حيث قال ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٤٧٢ - ٤٧٣) تحت عنوان: " في معرفة مراتب أعيان الثقات الذين تدور غالب الأحاديث الصحيحة عليهم وبيان مراتبهم في الحفظ وذكر من يرجح قوله منهم عند الاختلاف ": [أصحاب ابن عمر: أشهرهم سالم ابنه، ونافع مولاه، وقد اختلفا في أحاديث ذكرناها في باب رفع اليدين في الصلاة، وقفها نافع، ورفعها سالم. وسئل أحمد إذا اختلفا فلأيهما تقضي؟ [فـ] قال: ((كلاهما ثبت)) ولم ير أن يقضي لأحدهما على الآخر، نقله عنه المروذي. ونقل عثمان الدارمي عن ابن معين نحوه، مع أن المروذي نقل عن أحمد أنه مال إلى قول نافع في حديث: ((من باع عبداً له مال))، وهو وقفه، وكذلك نقل غيره عن أحمد أنه رجح قول نافع في وقف حديث: ((فيما سقت السماء العشر)) ورجح النسائي والدارقطني قول نافع في وقف ثلاثة أحاديث: حديث ((فيما سقت السماء العشر)). وحديث ((من باع عبداً له مال)). وحديث ((تخرج النار من قبل اليمن)). وكذا حكى الأثرم عن غير أحمد أنه رجح قول نافع في هذه الأحاديث، وفي

стр. 128

حديث: ((الناس كإبل مائة)) أيضاً. وذكر ابن عبد البر أن الناس رجحوا قول سالم في رفعها.]. ٤ - قوله: [أو: أبو الزِّناد (١)، عن الأعرج (٢)، عن أبي هريرة.] قال الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص /٩٩): [حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب قال ثنا محمد بن سليمان قال سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن بن عمر وأصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة]، وسبق ذكر قول الإمام البخاري عن هذا الإسناد بأنه ديباج خسرواني. فائدة: مراتب أخرى أغفلها الإمام الذهبي في المرتبة الأولى للصحيح: هذه المرتبة هي آخر المراتب التي ذكرها الإمام الذهبي للمرتبة الأولى في الصحيح، وقد أغفل بعض الأسانيد الأخرى منها ما ذكرها شيخه في الاقتراح حيث قال: [وعن عمرو بن عليّ: أصحُّ الأسانيد: محمد بن سِيرين عن عَبِيدة عن عليٍّ. ثم قيل: أيوب عن محمد. وقيل: ابن عَوْن، عن محمد.] ومنها ما ذكره الحاكم في علوم الحديث (ص / ٩٩)، وما بعدها، والخطيب في الكفاية (ص / ٣٩٧)، وما بعدها، وغيرهما، ولولا خشية الإطالة لذكرت كلامهما، وكلام غيرهما هنا إلا أنني أكتفي بالإشارة، ودونك كتب القوم فطالعها.

стр. 129

٥ - قوله: [ثم بعدَهُ: مَعْمَر (١)، عن هَمَّام (٢)، عن أبي هريرة.] ... بدء هنا في الكلام على المرتبة الثانية من المراتب التي ذكرها للحديث الصحيح المجمع عليه. وقد كتب همام بن منبه عن أبي هريرة صحيفة فيها نحو مائة وأربعين حديثاً. قال الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند: [هذه صحيفة " همام بن منبه " التي رواها وكتبها عن أبي هريرة. ورواها عنه: معمر بن راشد. ورواها الرواة عن معمر. وأجل من رواها عنه منهم: عبد الرزاق بن همام إمام أهل اليمن وحافظهم. ورواها الأئمة والحفاظ والعلماء عن عبد الرزاق. وأجل من رواها عن عبد الرزاق وأعظمهم، وأوثقهم وأثبتهم: إمام أهل السنة، أمر المؤمنين، الإمام الأعظم " أحمد بن محمد بن حنبل " ﵁، وقد ساقها كلها في هذا المسند العظيم في موضع واحد بإسناد واحد: " حدثنا عبد الرزاق بن همام حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال " ... ثم ساقها حديثاً حديثاً. وهذه الصحيفة من أوائل ما كتب من الحديث النبوي، وهي تعتبر تأليفاً مستقلاً، بكتابة همام إياها ... والظاهر من الروايات أنه كتبها عن أبي هريرة مباشرة ... ] ...

стр. 130

وقول الشيخ أحمد شاكر: [وقد ساقها كلها في هذا المسند]، هذا هو المشهور إلا أنني بتتبع أحاديث الصحيفة المفردة، ومقارنتها بالموجود في المسند، وجدت أن الإمام أحمد لم يرو الحديث الثالث في الصحيفة من الطريق السابق، وهو قوله ﷺ : (مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان أو جنتان من حديد إلى ثدييهما أو إلى تراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بشيء ذهبت عن جلده حتى تجن بنانه وتعفو أثره وجعل البخيل كلما أنفق شيئا أو حدث به نفسه عضت كل حلقة مكانها فيوسعها ولا تتسع)، كما أنه زاد على الصحيفة المفردة التي بيدي قوله ﷺ : (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه)، وقد ساقه في المسند ضمن أحاديث الصحيفة معطوفاً على أسانيدها، ومن نفس الطريق. فائدة: قال الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص/٩٩): [وأصح أسانيد اليمانيين: معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة، سمعت أبا أحمد الحافظ يقول: سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول: سألت محمد بن يحيى فقلت: أي الإسنادين أصح: محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أو معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة؟ فقال: إسناد محمد بن عمرو أشهر وإسناد معمر أمتن. قال الحاكم: فقلت لـ أبي أحمد الحافظ: محمد بن يحيى إمام غير مدافع إمامته ولكني أقول معمر بن راشد أثبت من محمد بن عمرو وأبو سلمة أجل وأشرف وأثبت من همام بن منبه: فأعجبه هذا القول وقال فيه ما قال]. ٦ - قوله: [أو: ابنُ أبي عَرُوبة (١)، عن قتادة (٢)، عن أنس.]

стр. 131

٧ - قوله: [أو: ابنُ جُرَيج (١)، عن عطاء (٢)، عن جابر، وأمثالُه.]

стр. 132

فوائد: ١ - بداية من الإسناد السادس لم أقف فيه على قول لأحد من العلماء بأنه من أصح الأسانيد، سواء بإطلاق أو تقييد. ٢ - كل هذه الأسانيد السابقة مخرج لهم في الصحيحين بنفس هذه الطرق. ٣ - نص العلماء على أن ابن أبي عروبة من أثبت الناس في قتادة، قال ابن معين هو من أثبتهم في قتادة. وكذلك ابن جريج هو من أثبت الناس في عطاء. قال صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: عمرو بن دينار وابن جريج أثبت الناس في عطاء. ٤ - بيان أن رواية ابن جريج عن عطاء مقبولة مطلقاً ومحمولة على الاتصال: قال أبو بكر بن أبى خيثمة: حدثنا إبراهيم بن عرعرة، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج قال: (إذا قلت: قال عطاء. فأنا سمعته منه، وإن لم أقل سمعت). وروايته عن نفسه ذلك يدل على أن روايته عن عطاء محمولة على الاتصال. ولكن يشكل على هذا ما ذكره ابن رجب في شرح علل الترمذي عن الإمام أحمد أنه قال: (كل شيء قال ابن جريج قال عطاء أو عن عطاء فإنه لم يسمعه من عطاء). وهذه الرواية في بحر الدم برقم (٦٤١): وفي رواية ابن إبراهيم بن هانيء أيضا: كل شيء يقول ابن جريج قال عطاء أو عن عطاء فإنه لم يسمعه من عطاء) انتهى. وقد وجهها (١) صالح بن سعيد عومار في كتابه "التدليس وأحكامه، وآثاره النقدية" (ص/١٥٤): (فلعله- أي الإمام أحمد- لم يبلغه قول عطاء الذي رواه القطان، فحكم عليه بحسب ما يعرفه من حاله في التدليس، والله أعلم) انتهى. مع أن الإمام أحمد في روايات متعددة كما في موسوعة الإمام أحمد في الجرح والتعديل (٢/ ٣٨٠ - ٣٨٧) يقدم ابن جريج في عطاء.

стр. 133

وقد ظهر لي وجه آخر في الجمع بين هذه الأقوال، وهو حمل قول ابن جريج عن نفسه على روايته عن عطاء بن أبي رباح، وحمل كلام الإمام أحمد على روايته من عطاء الخرساني، ويؤيد ذلك ما قاله أبو بكر: ورأيت في كتاب على ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عن حديث ابن جريج، عن عطاء الخراساني، فقال: (ضعيف، قلت ليحيى: إنه يقول: أخبرني؟! قال: لا شيء، كله ضعيف، إنما هو كتاب دفعه إليه). وقد نقل ابن حجر في الفتح (١/ ٢٧٥) عن أبي مسعود الدمشقي أن ابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخرساني وإنما أخذ الكتاب من ابنه عثمان ونظر فيه ... ثم نقل قول يحيى السابق ثم قال: [قلت ففيه نوع اتصال ولذلك استجاز بن جريج أن يقول فيه أخبرنا]، وقد ذكر الذهبي في السير في ترجمة ابن جريج أنه كان يرى (١) الرواية بالإجازة وبالمناولة ويتوسع في ذلك، ولكن ليس هذا محل مناقشة هذه المسألة. والله أعلم.، ٨ - قوله: [ثم بعدَهُ في المرتبةِ: الليثُ (٢) (٣)، وزهير (٣)، عن أبي الزُّبير (٤)، عن جابر.] بدء هنا في الكلام على المرتبة الثالثة من المراتب التي ذكرها للحديث الصحيح المجمع عليه. وهذين الطريقين عن أبي الزبير عن جابر من أفراد الإمام مسلم في صحيحه. وقد اختلف العلماء في أبي الزبير تعديلاً، وتجريحاً، ووصفاً بالتدليس، وعدمه، وفي حكم روايته عن جابر، وكل هذا سوف أفرده بالبحث حسب الطاقة

стр. 134

، نظراً لأهميته، والله المستعان. أولاً بيان درجة أبي الزبير المكي: اختلف العلماء في أبي الزبير المكي على قولين: القول الأول: أنه ثقة: وإليك طائفة من أقوال العلماء في توثيقه، وبيان قوة حفظه. قال أبو بكر بن أبى خيثمة، عن يحيى بن معين: ثقة، وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: صالح. قال النسائي: ثقة. قال أبو أحمد بن عدى: وروى مالك عن أبى الزبير أحاديث، وكفى بأبي الزبير صدقا أن يحدث عنه مالك، فإن مالكا لا يروى إلا عن ثقة، ولا أعلم أحدا من الثقات تخلف عن أبى الزبير إلا وقد كتب عنه، وهو في نفسه ثقة، إلا أن يروى عنه بعض الضعفاء فيكون ذلك من جهة الضعيف. قال محمد بن عثمان بن أبى شيبة: سألت ابن المديني عنه، فقال: ثقة ثبت. قال عثمان الدارمي: قلت ليحيى: فأبو الزبير؟ قال: ثقة. قلت: محمد بن المنكدر أحب إليك أو أبو الزبير؟ قال: كلاهما ثقتان. وقال هشيم عن حجاج وابن أبى ليلى عن عطاء: كنا نكون عند جابر فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا حديثه فكان أبو الزبير أحفظنا. قال يعلى بن عطاء فيما روى عنه: حدثني أبو الزبير، وكان أكمل الناس عقلا وأحفظهم. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث إلا أن شعبة تركه لشيء زعم أنه رآه فعله في معاملة. القول الثاني: أنه ضعيف: وقد روي تضعيفه عن: شعبة، وأيوب السختياني، وابن عيينة، والشافعي، وأبو حاتم، وأبو زرعة. وإليك أقوالهم، ومناقشتها؛ إذ لا يقبل الجرح إلا مفسراً. قال هشام بن عمار، عن سويد بن عبد العزيز: قال لي شعبة: تأخذ عن

стр. 135

أبى الزبير وهو لا يحسن أن يصلى!. قال نعيم بن حماد: سمعت هشيما يقول: سمعت من أبى الزبير، فأخذ شعبة كتابي فمزقه. قال محمد بن جعفر المدائني عن ورقاء: قلت لشعبة: مالك تركت حديث أبى الزبير قال: رأيته يزن ويسترجح في الميزان. وقال شعبة: لم يكن في الدنيا أحب إلى من رجل يقدم فأسأله عن أبى الزبير، فقدمت مكة فسمعت منه، فبينا أنا جالس عنده إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة، فرد عليه، فافترى عليه، فقال له: يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم؟ قال: إنه أغضبني. قلت: ومن يغضبك تفتري عليه! لا رويت عنك شيئا. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبى: كان أيوب السختياني يقول: حدثنا أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير! قلت لأبى: كأنه يضعفه؟ قال: نعم. قال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينة يقول: حدثنا أبو الزبير وهو أبو الزبير. أي كأنه يضعفه. قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: أبو الزبير يحتاج إلى دعامة. قال عبد الرحمن بن أبى حاتم: سألت أبى عن أبى الزبير، فقال: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو أحب إلى من أبى سفيان. وقال أيضا: سألت أبا زرعة عن أبى الزبير؟ فقال: روى عنه الناس. قلت: يحتج بحديثه؟ قال: إنما يحتج بحديث الثقات. مناقشة وجوه التضعيف: ١ - قال د. صالح بن أحمد رضا في رسالته: " صحيفة أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ ": [فالأمور التي ذكر أن شعبة أنتقدها علي أبي الزبير، وترك الرواية عنه لأجلها أربعة: ١ - الافتراء على من أغضبه. ٢ - الإسترجاح في الوزن- وقد ردها ابن حبان لأنها ليست سبباً في ترك رواية الراوي.

стр. 136

٣ - إساءة الصلاة. ٤ - الشدة والقسوة. فأما إساءة الصلاة، وعدم إحسانها فهو أمر نسبي، فلعل شعبة قاس الأمور على نفسه فقد كان هو من العباد المكثرين من الصلاة حتى رق جلده، ومن الذين يحسنوا أداءها وليس كل من لا يكون على مثل شعبة في الصلاة مردود الرواية إذ ليس من المعقول أن يكون أبو الزبير التابعي الذي يعيش في مكة المكرمة لا يحسن الصلاة إلا إذا كان المقصود ما قلت. . والله أعلم. وأما الشدة والقسوة والإفتراء على من أغضبه، فيظهر أن أبا الزبير يتصف بذلك لسرعة الغضب، ويظهر ذلك فيه واضحاً إذا أزعجه إنسان، وبخاصة حين كبر في السن وجاوز الستين من العمر-كما ألمحت سابقاً أن شعبة قد تأخر في الذهاب للسماع من أبي الزبير- ولعل ذلك كان قليلاً فيه، ونادراً، ولذلك لم نر أحداً روى عنه ذلك إلا شعبة ... بل وجدنا أقرانه كيعلي بن عطاء يقول عنه: وكان أكمل الناس عقلاً، فمن ظهر منه شيء مرة لا يترك حديثه، ثم إن هذه أمور خاصة، وطباع شخصية لا تتعلق بالرواية، ولهذا رأينا شعبة نفسه لم يطعن في روايته للحديث، وهو الواسع الإطلاع. قال بن رجب الحنبلي - في شرح العلل - بعد أن ذكر ما أخذه شعبة على أبي الزبير: ولم يذكر عليه كذباً أو سوء حفظ.] ٢ - وقال د. صالح أيضاً: [وأبو الزبير أبو الزبير. قلت: وهذا الأسلوب يحتمل أمرين: التوثيق، ولذا حمله الترمذي على أنه عنى حفظه وإتقانه. التضعيف: ولذا قال الإمام أحمد: يضعفه بذلك وأنا أرجح حمل ذلك على التوثيق، وذلك: - لقول محمد بن يحي راوي الكلام عن سفيان عن أيوب: أي يوثقه. - وزاد في رواية: وقال-يعني أيوب-: بكفه فقهينا. فهذه الزيادة تدل على التوثيق لا على التضعيف. - ولرواية الترمذي: قال سفيان بيده يقبضها. فقبض اليد يدل على التوثيق لا

стр. 137

على التضعيف. وقد قال الإمام الذهبي: قد روى عنه مثل أيوب ومالك. قلت: فلو كان يضعفه لما روى عنه]. ثم قال د. رضا: [خلاصة القول في أبي الزبير: أنه أحفظ الرواة عن جابر. وروى عنه مالك وأيوب فلو كانا يضعفانه لما رويا عنه. ووثقه علي بن المديني ويحي بن معين والنسائي وابن حبان والساجي وابن سعد وابن عون والذهبي. ونسب ابن حجر توثيقه إلى الجمهور. - وجعله الإمام أحمد ويعقوب بن شيبة من درجة رواية الحديث الحسن وفي رواية وثقة. - وضعه الشافعي وابن أبي حاتم وأبو زرعة وجعلوا حديثه مما يعتبر به. - وترك حديثه شعبة لأمور خاصة لا تقدح بصدقه وضبطه]. وقد أجاب الشيخ عبد الله السعد في أحد دروسه لشرح الترمذي عن تضعيف الأئمة: أيوب، والشافعي، وأبي حاتم، وأبي زرعة لأبي الزبير بقوله: [أما أيوب فقال (حدثنا أبو الزبير، وأبو الزبير أبو الزبير) قال أحمد بن حنبل (يضعفه بذلك) وهذا التضعيف ليس بظاهر من كلامه وحتى لو حمل على التضعيف فهو تضعيف مجمل غير مفسر وكذا فهو مخالف بمن ذكرنا من الحفاظ الذين وثقوه. • وأما الشافعي فقال (يحتاج إلى دعامة) ويجاب عن لك بأجوبة: ١ - أنه قد خالفه غيره من الحفاظ الذين سبق ذكرهم. ٢ - أن هذا تضعيف مجمل غير مفسر. ٣ - أن من وثقه أمكن منه في هذا المجال - أي مجال نقد الرجال والجرح والتعديل -. ٤ - أن الشافعي قال ذلك في حالة غضب حيث احتج عليه رجل بحديث أبي الزبير فغضب وقال ذلك، ومعلوم أن الإنسان إذا غضب قد يقول ما لا يريد أن

стр. 138

يقوله. ٥ - أن الشافعي احتج بجملة من الأحاديث فيها أبو الزبير. • أما تضعيف أبو حاتم الرازي له، فيجاب عن ذلك بأجوبة: ١ - أن أبا حاتم الرازي شديد التزكية للرجال، وقد وصفه بذلك جماعة من أهل العلم كشيخ الإسلام والحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر، ومن تتبع كلامه في الرجال تبين له ذلك بجلاء، ومما يدل على تشدده ما قاله عن الإماما الشافعي والإمام مسلم وأبو حفص الفلاس حيث قال عن كل واحد منهم (صدوق) ومن المعلوم أن هؤلاء أئمة حفاظ. وكذا قوله عن عبد الرزاق (يكتب حديثه ولا يحتج به). ٢ - أن هذه اللفظة كثيراً ما يستخدمها أبو حاتم وهي ليست صريحة في التضعيف، بل أحياناً يقولها في أئمة حفاظ كما تقدم فيما قاله عن عبد الرزاق فلعل هذا التضعيف محمول على التضعيف النسبي أي أنهم كذلك بالنسبة للثوري وشعبة ومالك مثلاً. وقد روي عن بعضهم أنه قال: (إنما الحجة الثوري وشعبة مالك). • وأما أبو زرعة فهو كذلك يتشدد في الرواة أحياناً. هذا مجمل ما يمكن أن يجاب به على القائلين بتضعيف أبي الزبير.]. وهذه الأجوبة، لا يخلو بعضها من نظر، لذا فالمصير إلى الجمع بين أقوال الفريقين هو المتعين، وقد جمع بين أقوالهم ابن حجر في التقريب بجعل مرتبته " صدوق " - التي هي دون الثقة - إعمالاً لكلام كلا الفريقين. قال د. وليد بن حسن العاني في رسالته: "منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها " عند الكلام على المرتبة الرابعة عند ابن حجر في التقريب وهي مرتبة " الصدوق " أو " لا بأس به ": [لقد تبين لي من خلال دراسة رجال هذه المرتبة أن رجلاً ما يوثقه جماعة من النقاد المعتدلين منهم، والمتشددين، ثم يظهر للباحث أن واحداً من النقاد خالف الجمهور، وقال فيه قولاً يجرحه فيه، فالباحث العادي يمضي ولا يلتفت إلى القول المخالف للجمهور، لكن ابن حجر يتوقف عند قول المخالف ويدرسه هل له وجه معتبر أم لا ... ؟ فإن كان له وجه معتبر جعل هذا الراوي من المختلف فيه ووضعه في المرتبة الخامسة - أي مرتبة من وصفه:

стр. 139

صدوق سيئ الحفظ، أو صدوق يهم، أو صدوق له أوهام، أو صدوق يخطئ ... - وإن لم يكن له وجه معتبر وخرجه ابن حجر على وجه يبرئ فيه ساحة هذا الراوي جعل هذا الراوي في المرتبة الرابعة، وأعطاه لقب صدوق، أو لا باس به، ولم يرفعه إلى درجة ثقة أو ثبت، وذلك للقول المخالف الذي قيل فيه ... أما إذا كان الجرح غير معتبر بالكلية ويرى ابن حجر أنه يجب أن يُطرح بالمرة، ولا ينظر فيه أساساً، عند ذلك يرفعه ابن حجر إلى المرتبة الثالثة فيقول فيه ثقة أو ثبت أو حافظ إلى آخر ألقاب هذه المرتبة. فعلى ما قاله د. وليد العاني تكون درجه صدوق عند ابن حجر هي أقرب ما يوصف به أبي الزبير على اصطلاح ابن حجر، وإن كانت درجة هذه الرتبة عند ابن حجر متفاوتة، إلا أن هذا ليس محل بحث مراتب ابن حجر، وأرى أن حديث أبي الزبير يندرج في مراتب الحديث الصحيح؛ وذلك لما سبق نقله عن الجمهور من توثيقه، وكذا إخراج مسلم له في الصحيح. ثانياً: تدليس أبي الزبير: وصف أبي الزبير بالتدليس كل من الأئمة: النسائي، وأحمد، ويحيى القطان، حتى قال عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ: [وقال غير واحد هو مدلس فإذا صرح بالسماع فهو حجة]، وذكره ابن أبي حاتم في كتابه " المراسيل ". قال الإمام النسائي في سننه الكبرى (١/ ٦٤٠): [قال أبو عبد الرحمن: أبو الزبير اسمه محمد بن مسلم بن تدرس مكي كان شعبة سيئ الرأي فيه، وأبو الزبير من الحفاظ روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وأيوب ومالك بن أنس، فإذا قال: سمعت جابرا فهو صحيح، وكان يدلس، وهو أحب إلينا في جابر من أبي سفيان وأبو سفيان هذا اسمه طلحة بن نافع وبالله التوفيق]. قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (٧/ ٧٤): [قال النسائي: ذكر المدلسين: الحسن، قتادة، حجاج بن أرطاة، حميد سليمان التيمي، يونس بن عبيد، يحيى بن أبي كثير، أبو إسحاق، الحكم بن عتيبة، مغيرة، إسماعيل بن أبي خالد، أبو الزبير، ابن أبي نجيح، ابن جريج، ابن أبي عروبة، هشيم، سفيان بن عيينة. وزدت أنا: الأعمش، مكحول، بقية بن الوليد، الوليد بن مسلم

стр. 140

، وآخرون]. واختار طائفة من العلماء أنه مدلس، ولم يقبلوا من روايته إلا ما صرح فيه بالسماع، أو ما كان من رواية الليث بن سعد عنه، ولو كان معنعناً. منهم ابن حزم في الإحكام، والمحلى، وإن كان كلامه يحتاج لتحرير، وعبد الحق الأشبيلي كما نقله عنه الزيلعي في نصب الراية (٢/ ١٢٢، ٢٧٧)، وغيره، وابن القطان كما في بيان الوهم والإيهام، وابن عبد الهادي كما في طبقات علماء الحديث (١/ ٢٠٤)، وابن القيم كما في زاد المعاد (٢/ ٢٧٦)، والبوصيري كما في مصباح الزجاجة (٢/ ٦)، وابن حجر كما في مراتب المدلسين (ص/١٠١)، وأعل بعنعنته في نتائج الأفكار (١/ ١٠٢)، وفتح الباري (٩/ ٥٣٦، ١٢/ ٩٢)، وظفر التهانوي في قواعد التحديث (ص/٤٦٤)، وغيرهم. ووصفه أيضاً العلائي في جامع التحصيل (ص/١١٠)، وأبو الوفا الحلبي في التبيين لأسماء المدلسين (ص/٢٠٠) بأنه مشهور بالتدليس. بيان قصة أبي الزبير التي هي العمدة في وصفه بالتدليس، واعترافه على نفسه بذلك: روى العقيلي في الضعفاء في ترجمة أبي الزبير بإسناده عن سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا الليث بن سعيد قال قدمت مكة فجئت أبا الزبير فرفع إلي كتابين وانقلبت بهما ثم قلت في نفسي لو عاودته فسألته أسمع هذا كله من جابر فقال منه ما سمعت ومنه ما حدثناه عنه فقلت له أعلم لي على ما سمعت فأعلم لي على هذا الذي عندي. ووجه الاستدلال بهذه القصة على تدليس أبي الزبير أن ظاهرها أن رواية أبي الزبير كانت عن جابر في هذين الكتابين بلا واسطة، وأن الليث بن سعد لما راجعه بَيَّن له أن هناك وسائط بينه وبين جابر في بعض هذه الأحاديث، ولم يكن قد ذكرها في هذين الكتابين. فلو أن الليث كان لم يتثبت ولم يراجعه لرواها عنه مناولة بدون وسائط بين أبي الزبير، وجابر ﵁. بيان ما وقفت عليه من أحاديث التي تثبت تدليس أبي الزبير: روى الترمذي في فضائل القرآن، والنسائي في عمل اليوم والليلة،

стр. 141

وغيرهما من طريق الليث بن أبي سليم، والمغيرة بن مسلم، وغيرهما عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: (أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ آلم تنزيل وتبارك الذي بيده الملك). وروى النسائي في عمل اليوم والليلة (١/ ٤٣٢) قال: أخبرنا أبو داود قال حدثنا الحسن (١) قال حدثنا زهير قال: سألت أبا الزبير أسمعت جابرا يذكر أن نبي الله ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ ألم تنزيل وتبارك. قال: ليس جابر حدثنيه، ولكن حدثني صفوان أو أبو صفوان. قال الترمذي في سننه عقب إشارته لهذه الرواية: [وكأن زهيرا أنكر أن يكون هذا الحديث عن أبي الزبير عن جابر]. ومن توسع في تخريج طرق رسالة " أبي الزبير عن غير جابر " لأبي الشيخ، لعله يقف على أشياء تثبت تدليس أبي الزبير، ولعل الوقت يتسع - إن شاء الله - بعد ذلك لهذا الأمر، وقد وقفت من خلال النظرة السريعة على مثالين في هذه الرسالة (٢): ١ - ما رواه أبو الزبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له انك أنت ظالم فقد تودع منهم) فأبو الزبير لم يسمع من عبد الله بن عمرو كما قال أبو حاتم في المراسيل، وقال: يحيى بن معين: لم يسمع من عبد الله بن عمرو ولم يره، وقال ابن عدي أيضا: [وأبو الزبير عن عبد الله بن عمرو يكون مرسلا وقد رواه أبو شهاب عبد ربه بن نافع

стр. 142

الحناط عن الحسن بن عمرو عن أبي الزبير عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو]. فقد صرح هنا بالواسطة بين أبي الزبير، وعبد الله بن عمرو، وهو: عمرو بن شعيب. ٢ - ما رواه أبو الزبير عن ابن عباس، وعائشة ﵃، أن النبي ﷺ أخر الطواف يوم النحر إلى الليل، وقال البيهقي: [وأبو الزبير سمع من بن عباس وفي سماعه من عائشة نظر قاله البخاري]، وهذا ما يطلقون عليه تدليس العطف. ملاحظة: وقد حاول بعض المتأخرين دفع شبهة التدليس عن أبي الزبير ومنهم: الشيخ عبد الله السعد في شريط ((منهج تعلم علم الحديث))، والشيخ ناصر بن حمد الفهد في رسالته " منهج المتقدمين في التدليس "، وذكر أنه استفاد من رسالة غير مطبوعة للدكتور خالد الدريس بعنوان " الإيضاح والتبيين بأن أبا الزبير ليس من المدلسين "، ولم أقف عليها. وحاول د. صالح بن أحمد رضا في رسالته: " صحيفة أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ " التوسط؛ بين ما أورده من أقوال ووجوه لتبرئة ساحة أبي الزبير من وصفه بالتدليس، وبين الأقوال والأدلة المثبتة لذلك، فقال: [ولذا مازلت أشكك في دعوى تدليس أبي الزبير عن جابر. إلا ما ثبت بالدليل القاطع الحديث السابق - يشير إلى حديث جابر السابق: (أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ آلم تنزيل وتبارك الذي بيده الملك) -. وأبو الزبير المكي الذي جعله الإمام ابن حجر في المرتبة الثالثة من المدلسين أحسن حالاً، أحفظ حديثاً، أتقن حفظاً وأوثق حالاً من كثير من الرواة الذين وضعوا في الرتبة الثانية من مراتب المدلسين، بل هو أفضل ممن جعل في المرتبة الأولى من المدلسين مثل ((عبد ربه بن نافع الحناط (الذي قيل فيه: صدوق في حفظه شيء، وقال يحي بن سعيد: لم يكن بالحافظ، ولم يرض أمره، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ولم يكن بالمتين وقد تكلموا في حفظه) أنظر ميزان الاعتدال ٢/ ٥٤٤)). وكعبد الله بن عطاء الطائفي.

стр. 143

وغيره. وهو أحسن حالاً من ((يحي بن أبي كثير، وسليمان بن مهران الأعمش، والحسن البصري، والحكم بن عتيبة الفقيه الكوفي، وعمرو بن دينار .. الذين وضعهم ابن حجر والعلائي في المرتبة الثانية رغم أنهم وصفوا بالتدليس لم يصف به أبو الزبير المكي ولمن راجع كتب الرجال علم حقيقة الحال، فقبول عنعنة هؤلاء المذكورين وغيرهم تقتضي بقبول عنعنة أبي الزبير من باب أولى، ولذا عندما نرى الإمام مسلم- رحمه الله تعالى - قد قبل عنعنة أبي الزبير، فإنما كان يسير على قواعد أهل الحديث، ويطبقها في صحيحه، وهو دقيق في هذا، ولم يأت بشيء غريب أو شاذ ... وأما التدليس فكان قليل التدليس، وإذا دلس لم يدلس إلا عن ثقة]. وقول د. صالح هنا: [كان قليل التدليس، وإذا دلس لم يدلس إلا عن ثقة] قد يقبله من لم يدقق فيه، مع أن فيه مجازفة؛ وبيان ذلك من وجوه: الوجه الأول: أنه قد أثبت لأبي الزبير وصفه بالتدليس، وإن كان قليلاً على حد تعبيره، ثم قال أنه لم يدلس إلا عن الثقات، وأنا أتسأل من أين هذا الجزم مع أنه في شيوخ أبي الزبير قوم ليسوا بالثقات كأمثال: عبد الرحمن بن الصامت قال عنه ابن حجر: مقبول، وقال عنه الذهبي في الكاشف: مجهول، وعبد الله بن سلمة المرادي قال عنه ابن حجر: صدوق تغير حفظه، وقال عنه الذهبي: صويلح، قال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به، وقال البخاري: لا يتابع في حديثه، وغيرهما. الوجه الثاني: أن في سؤال الليث بن سعد لأبي الزبير عن سماعه من جابر ﵁، إلماح إلى ضعف بعض شيوخ جابر، وإلا فلماذا ترك الرواية عنه لباقي هذه الأحاديث إن كان لا يروي إلا عن ثقة. والليث هو في مرتبة مالك بن أنس في الحفظ والعلم والإمامة. وهو أعلم من هؤلاء المتأخرين بحال أبي الزبير وشيوخه. فقوله مُقدّمٌ عليهم قطعاً. ومن نفى تدليس أبي الزبير، أو قال إنه لا يدلس إلا عن ثقة فقد خالف ظاهر هذه القصة،

стр. 144

ويكون أيضاً قد كذب أبا الزبير نفسه الذي أقر على نفسه لليث بذلك! الوجه الثالث: وأنني أتعجب من هذا الجزم، وذلك لأن من جزم به إنما اعتمد على أن أبا الزبير روى صحيفة جابر عن اليشكري، وهو ثقة، وقد رَدَّ د. صالح هذا القول حيث قال: [ذكرت أن الإمام ابن حجر-رحمه الله تعالى-ذكر أن الإمام مسلم أخرج صحفاً كاملة، أو أكثرها، ومن ذلك صحيفة أبي الزبير عن جابر، ولا ندري كثيراً عن هذه الصحيفة. أصلها، وما مصيرها؟ وكيف كتبت؟ ومن كتبها؟ وكم عدد أحاديثها؟ ونقل أهل التراجم أن البخاري قال: أبو الزبير عن جابر صحيفة. وقال ابن حجر في ترجمة سليمان بن قيس اليشكري: قال أبو حاتم: جالس جابرا، وكتب عنه صحيفة وتوفي [هكذا. ولعله توفى ولم ترو عنه]. وروى أبو الزبير، وأبو سفيان والشعبي عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر، وأكثره من الصحيفة، وكذلك قتادة (١). وقد ورد هذا النص في الجرح والتعديل بصورة حيث قال: ((جالس سليمان اليشكري جابراً فسمع منه، وكتب عنه صحيفة، فتوفى، وبقيت الصحيفة عند امرأته، فروى أبو الزبير، وأبو سفيان، والشعبي عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر، وأكثره من الصحيفة، وكذلك قتادة)) (٢) وقال همام بن يحي: وقدمت أم سليمان اليشكري بكتاب سلمان، فقرئ على ثابت، وقتادة، وأبي بشر، والحسن، ومطرف، فرووها كلها، وأما ثابت فروى منها حديثاً واحداً)) (٣) وقال سلمان التيمي (١٤٣هـ): ذهبوا بصحيفة جابر بن عبد الله إلى الحسن البصري، فأخذوها- أو قال رواها- وذهبوا به إلى قتادة، فرواها وأتوني بها، فلم

стр. 145

أروها، رددتها)) (١). وقال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول: سليمان اليشكري شيخ قديم، قتل في فتنة ابن الزبير. قيل له: فمن روى عنه؟ قال: قتادة، وما سمع منه شيئاً، وأبو بشر روى عنه أحاديث، وما أرى سمع منه شيئاً، ثم قال: قدموا بصحيفة اليشكري البصرة، فحفظها قتادة)) (٢). وقال أيضاً: كان قتادة أحفظ أهل البصرة لا يسمع شيئاً إلا حفظه، قرأ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها)) (٣). ونقل الترمذي عن البخاري قوله ((سليمان اليشكري يقال: أنه مات في حياة جابر بن عبد الله-﵄-قال: ولم يسمع منه قتادة ولا أبو بشر. قال: وإنما يحدث قتادة عن صحيفة سليمان اليشكري، وكان له كتاب عن جابر بن عبد الله-﵄ (٤). وقال البخاري: روى قتادة وأبو بشر، والجعد وأبو عثمان من كتاب سليمان بن قيس (٥). وقال معمر بن راشد: رأيت قتادة قال سعيد بن أبي عروبة: أمسك على المصحف، فقرأ البقرة، فلم يخط حرفاً فقال: يا أبا النضر لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة (٦). وقال قتادة: ((عرضت على سعيد بن المسيب صحيفة جابر، فلم ينكر)) (٧).
следующие страницы →