Полный текст (947 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
لا يشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون صاحبهما ممتثلاً لهما
فالأمر بالمعروف وفعل المعروف واجبان لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح أقوال أهل العلم، فأمرك بالمعروف واجب، وفعلك المعروف واجب، فلا يسقط أحدهما بترك الآخر، يعني: إن تركت واحداً منهما فلا تترك الأمر الثاني وهو الأمر بالمعروف، قال الإمام ابن كثير: كل من الأمر بالمعروف وفعله -يعني: فعل المعروف- واجب لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح أقوال أهل العلم من السلف والخلف.
وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعصية لا ينه غيره عنها، وهذا ضعيف، وأضعف منه من يتمسكون بهذه الآية فإنه لا حجة لهم فيها، والصحيح: أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه.
قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر، ومن يعظ العاصين بعد محمد ﷺ ؟! والأغلب أن الناس عصاة، فليس هناك من كمل في صفاته وأخلاقه غير رسول الله ﷺ ، قال الإمام مالك بن أنس: وصدق سعيد بن جبير: من ذا الذي ليس فيه شيء؟ وقال العلامة الشيخ السعدي: فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله، أو نهاه عن الشر فلم يتركه دل على عدم عقله وجهله، خصوصاً إذا كان عالماً بذلك قد قامت عليه الحجة، وهذه الآية وإن كانت قد نزلت في بني إسرائيل فهي عامة لكل أحد، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢].
يقول: وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين: واجب الأمر بالمعروف، وواجب فعل هذا المعروف، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه، وأمر نفسه ونهيها، فترك أحد الواجبين لا يكون رخصة في ترك الآخر، والكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر فليس في رتبة الأول وهو دون الأخير.
هذا كلام الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي.
стр. 667
الصبر وأنواعه
ثم يقول الله : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥]، الصبر على الثلاثة الأنواع: صبر على الأقدار المؤلمة، وصبر على المعصية، وصبر على الطاعة، وأكملها: الصبر على المعصية، فلا يستوي صبر يوسف على إلقاء إخوته له في الجب مع صبره على مراودة امرأة العزيز له، فصبره على مراودة امرأة العزيز له أعظم من صبره على إخوته، كما لا يستوي صبر إبراهيم على إلقائه في النار مع صبر يعقوب على فقدان يوسف.
وهناك صبر بالله، وصبر لله، وصبر مع الله.
فالصبر بالله هو: الاستعانة، ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧] يعني: أن ترى أن الذي يصبرك هو الله .
والصبر لله: أن يكون دافع الصبر إرادة وجه الله .
والصبر مع الله -وهو الأكمل-: أن تدور مع الأحكام الشرعية حيث دارت.
قال الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] يعني: لما أخذوا برأس الأمر: الصبر واليقين جعلناهم رءوساً.
وقال ابن تيمية: إنما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين.
يقول الله : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] والمخاطبون بذلك: هم بنو إسرائيل، والمؤمنون تبع لهم في الخطاب.
فيطلب الله من بني إسرائيل الاستعانة على طاعة الله بصفة عامة، فيقول: استعينوا بالصبر والصلاة لتذهب عنكم شهوة الرئاسة والجاه، فعندما يطول الأمد، ويشق الجهد يضعف الصبر، فعليك أن تصبر على طول الطريق الشاق، وعلى قلة الناصح، وعلى أن ترى الشر منتشراً، والخير خافتاً، ولا شعاع في الأفق، ولا معلم في الطريق، وعليك أن تصبر على قساوة القلوب، وإعراضها عن كتاب الله ، وهنا يمد الله الصبر بالصلاة؛ لأنها التقاء النقطة بالكنز الذي يغني ويفيض، إنها انطلاقة من حدود الأرض إلى كون الله الفسيح، إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة، إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب، وسيدنا رسول الله ﷺ يقول: (أرحنا بها يا بلال!).
وقد قال ﷺ : (الصلاة خير موضوع، فمن أراد أن يستكثر فليستكثر)، ودائماً يوصى الدعاة بالصبر وعدم العجلة؛ لأن العجلة تضيع ثمرة الخير التي في الدعوة، يقال بعضهم: إن القائد المحنك لا يخدع بحماس الجماهير الثائرة من ورائه، ثم يضرب المثل على ذلك بقول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٤٦]، وهم الذين طلبوا القتال والبذل والعطاء، فلما فرض عليهم القتال تولوا، وهذه هي الانتكاسة الأولى، والانتكاسة الثانية: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ * قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٤٧ - ٢٤٨].
الانتكاسة الثالثة: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٩]، ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وهذه الانتكاسة الرابعة.
ولذلك يقول سيدنا خباب بن الأرت: (شكونا إلى رسول الله ﷺ وقد لاقينا من المشركين شدة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه، وقال: إنه كان يؤتى بالرجل من قبلكم فيوضع في حفرة، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين جلده وعظمه ما يمنعه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون)، وذلك أن الصحابة لاقوا ما لاقوا وصبروا، فقد كان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول، وبلال ينشد نشيده القدسي: أحد أحد، فالفتنة التي تعرض لها الصحابة هي من أشد الفتن، قال الله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
وقال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠].
إن طريق التربية الإيمانية هو أقرب الطرق لإعادة دولة الإسلام وإن ظنه الناس أنه أبعد طريق، ولا بد من ابتلاء كما قيل للشافعي: يبتلى الرجل أم يمكن؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى، فلابد من التربية الإيمانية، وقد قال النبي ﷺ : (لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه! قالوا: كيف يا رسول الله! يذل نفسه؟ قال: يعرضها من البلاء لما لا يطيق).
فأين أنت يا مخنث العزم! والطريق طويل، تعب فيه آدم، وناح فيه نوح، وألقي في النار إبراهيم، واضطجع للذبح إسماعيل، وشق بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وعاش مع الوحوش عيسى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار في البكاء داود، واتهم بالسحر والشعوذة والجنون رسول الله ﷺ ، وشد الحجر على بطنه من شدة الجوع، ولله خزائن السماوات والأرض، وكسرت رباعيته، وشق رأسه، ولله جنود السماوات والأرض، وسم أبو بكر، وطعن عمر، وذبح عثمان، وطعن علي، وسم الحسن بن علي، وقتل الحسين بن علي، وسم عمر بن عبد العزيز، وقتل الحجاج سعيد بن جبير وما في الأرض رجل إلا وهو محتاج إلى علمه، فالأمر يحتاج إلى صبر، فسيدنا رسول الله ﷺ كانت مدة دعوته ثلاث وعشرين سنة، فضى منها أكثر من ثلاث عشر سنة في التربية الإيمانية، ولم يتم له النصر الأكبر والأكمل والأكثر تأثيراً المتمثل في فتح مكة إلا قبل وفاته بعامين فقط، فلا تطلب من الناس أن يلتزموا بكل الأحكام مباشرة، ولا تطلق الأحكام على الناس، ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:٩٤]، فجاهد نفسك، وهذه هي البداية، ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾ [التوبة:١٢٣]، فمن لم ينتصر على نفسه لا ينتصر على غيره، والإمام ابن القيم تكلم عن جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد أهل البدع، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.
стр. 668
الجهاد مراحله وأنواعه
وجهاد النفس أربع مراتب: العلم، والعمل، والدعوة، والصبر على أذى الناس، وجهاد الشيطان، وجهاد الشهوات التي يزينها الشيطان لك، ثم بعد ذلك جهاد الشبهات التي يلقيها عليك الشيطان، وجهاد الشهوات يكون بالصبر، أما جهاد الشبهات فيكون باليقين في آيات الله ، ثم بعد ذلك جهاد المبتدعة باللسان، ثم بعد ذلك جهاد المنافقين باللسان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]، فأي زنديق يطعن في دين الله ، أو يتكلم في دين الله ، أو يطعن في الصلاة التي هي أساس دين الله فعليك أن تجاهده، وتبين عواره للناس.
ثم جهاد الكفار، ويكون بالسيف واللسان كذلك، وقد مر الجهاد بمراحل في زمن رسول الله ﷺ ، فالمرحلة الأولى: هي مرحلة الكف، وفيها لم يؤمر النبي ﷺ بقتال أي رجل من الكافرين في مكة، ثم بعد هذا جاء الإذن بقتال من قاتله، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج:٣٩]، ثم بعد هذا جاء الأمر بوجوب قتال من قاتلك، وأما من سالمك من الكفار فلا تقاتله، ثم أتت المرحلة الرابعة: وهي مرحلة السيف، فابدأ بالقتال لكل الناس حتى يسلموا لله ، أو يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
وهذه المرحلة الرابعة هي التي قال فيها جمهور أهل العلم: إنها ناسخة لما قبلها من المراحل، وهذا قول ابن كثير وابن تيمية وابن القيم والقرطبي وابن عباس ومجاهد وقتادة، ومعنى ناسخة أي: مزيلة لحكم المراحل التي قبلها، وليس هو النسخ بالمعنى الأصولي عند الفقهاء؛ لأن النسخ في اصطلاح المتقدمين من علماء السلف ليس كالنسخ في اصطلاح المتأخرين، فمثال النسخ في اصطلاح المتأخرين: أن الناس كانوا يصلون لبيت المقدس فنسخ هذا وأمرهم الله بالتحول إلى البيت الحرام، فالحكم الأول أزيل نهائياً ولا يعمل به في أي وقت من الأوقات، لكن النسخ عند العلماء المتقدمين معناه: التفسير والتبيين، ومن أمثلته: تقييد المطلق، وتخصيص العام، فعندما يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢].
وقال في آية أخرى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فـ ابن تيمية يقول: إن الآية الأولى منسوخة بالآية الثانية، أي: مبينة ومفسرة لمعنى الآية الأولى؛ ولذا قال العلماء: إن آية السيف ليست ناسخة وإنما هي ناسئة، كما في قوله : ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، ومعنى الكلام كما قال بعض أهل العلم: أن على المسلمين العمل بآيات الصفح والعفو في زمن الاستضعاف، والعمل بآية السيف في حال القوة والتمكين.
стр. 669
مهاجمة المسلمين لعدوهم من غير فرض جزية، وجواز موادعة الكفار عند الضعف والحاجة
وقد سئل الإمام الشافعي: هل يجوز للمسلمين أن يهاجموا عدوهم من غير فرض جزية؟ قال: يجوز لهم هذا.
بل قال الشافعي: ويجوز لهم عند الضرورة أن يعطوا المشركين مالاً إذا خشي الإمام استئصال شأفة المسلمين.
يعني: دمار المسلمين دماراً نهائياً.
والدليل على هذا: أن النبي ﷺ بعث إلى غطفان بأن يرحلوا عن المدينة مقابل أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة -إذاً: فالمسألة جائزة شرعاً- فقال سيدنا سعد بن عبادة: والله يا رسول الله! لقد كنا كفاراً وما كنا نعطيهم تمرة واحدة من ثمار المدينة، والذي بعثك بالحق لا نعطيهم إلا السيف.
ومثل هذا حصل مع ألب أرسلان لما كان معه عشرون ألف مسلم، وقسطنطين الرابع ملك الروم كان معه ستمائة وخمسون ألف جندي مدجج بالسلاح، فسلطان المسلمين خاف على الجيش المسلم أن يباد عن بكرة أبيه، فبعث إلى قسطنطين الرابع وقال له: أبعث لك ما تشاء من المال واسمح للجيش بالمرور، فقال: لا، قال: أعطيك ما تشاء من الأرض، قال: لا، وذلك لخوفه على المسلمين، فأراد أن يسمح لجيشه بالانسحاب، فأبى ذلك الطاغية، ثم قال: من أراد أن يرجع منكم فلا شيء عليه، قالوا: لا، بل نقاتل طلباً للشهادة، فلبس سلطان المسلمين ألب أرسلان كفنه عند الفجر، ولبس كل الجيش أكفنتهم وذهبوا طامعين في قسطنطين الرابع ومعه ستمائة وخمسون ألفاً، وما هي إلا ساعة حتى كان النصر للمسلمين، وسقط قسطنطين في الأسر، ثم نادى ألب أرسلان على قسطنطين: من يشتري الكلب؟ فنادى رجل من مؤخرة جيش المسلمين: لا أشتري الكلب إلا بالكلب! يعني: أدفع في ملك الروم هذا وأشتريه بكلب، قال: ادفعوا إليه الكلب، فذهب الرجل وأتى بكلبه وأتى بـ قسطنطين وربطهما في حبل ليف واحد من العنق، ثم مشى الرجل بهما إلى القسطنطينية، فلما رأى أهل القسطنطينية ما فعل بملكهم سملوا عينيه.
فالشاهد: أن الناس يمرون بمراحل، فمثلاً: المسلمون عندما يكونون في وقت مستضعفين فإنه يجوز لهم الموادعة، ولكن هذا لا يعفيهم من الإثم حتى يصلوا إلى الحالة التي يجاهدوا فيها الكفار، وإذا وقعت امرأة أو رجل من المسلمين في الأسر ولم يفد إلا بكل ما في بيت المسلمين من مال فإنه يجوز دفعه لافتدائه، فما ظنك بأعراض المسلمات التي تنتهك! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 670
إقامة الصلاة
لقد أنزل الله كتابه لهداية البشر من الضلالة والعمى إلى نور الإيمان والتوحيد، وكان هذا الكتاب معجزاً في ذاته، ولا تزال معجزاته تتوالى في كل عصر، ومن معجزاته: أن تحدى الله الخلق أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا.
ولقد اشتمل هذا الكتاب على بيان قضايا الإيمان وقضايا الغيب؛ إذ بهما يعرف الصادق في إيمانه به من الكاذب، فآمن بها المؤمنون كما جاءت، وأنكرها وأولها الملاحدة من الفلاسفة وغيرهم.
وأولى اهتماماً خاصاً بقضية الصلاة؛ إذ هي أجل الأعمال وأفضل القربات عند الله، وبقية الأعمال مرهونة بقبولها؛ من أجل ذلك تولى إيضاحها وبيانها والحث عليها في آياته، وكذلك في سنة الرسول ﷺ .
стр. 671
من أسرار الحروف المقطعة في بداية السور
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
ثم أما بعد: يقول العلامة ابن القيم في كلام له طيب في أسرار الحروف من كتابه بدائع الفوائد يقول: تأمل سر (الم) كيف اشتملت على هذه الأحرف الثلاثة، فالألف التي بدأ بها أولاً مصدرها من أقصى الحلق، وهي أول المخارج من أقصى الحلق، واللام من حروف اللسان، ومن وسط مخارج الحروف منها، وهي أشد الحروف اعتماداً على اللسان، والميم آخر الحروف ومخرجها من الفم من الشفتين.
إذاً: الهمزة مخرجها من أقصى الحلق، واللام مخرجها من اللسان، والميم مخرجها من الشفتين وهذه الثلاثة هي أصل مخارج الحروف، الحلق واللسان والشفتان، ثم ترى الترتيب الألف أولاً، ثم اللام الوسط، ثم الميم، فترى الترتيب في النزول من البداية إلى الوسط إلى النهاية.
يقول العلامة ابن القيم: فإن للألف البداية ولللام التوسط وللميم النهاية، فاشتملت هذه الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة، وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف الثلاثة مشتملة على بدء الخلق ونهايته والتوسط فيه، ومشتملة على تخليق العالم، وعلى الغاية من خلقه، وعلى التوسط بين البداية والنهاية من التشريع والأوامر، وقد اشتمل على ذلك كل سورة بدأت بـ (الم) مثل البقرة، وآل عمران، وتنزيل السجدة، وسورة الروم.
ثم يقول: فإذا أتيت إلى سورة (ق) تجد السورة كلها مبنية على الكلمة القافية، و (ق) هو الحرف الغالب في سورة (ق): من ذكر القرآن، وذكر الخلق، وتكرير القول، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين قول العبد، وذكر النقيض، وذكر القلب والقرون، والتنقيب في البلاد، والقيل، وتشقق الأرض، وإلقاء الرواسي فيها، وسوق النخل، والرزق، وذكر القوم، وحقوق الوعيد، والقول والمحاورة، فترى حرف القاف هو الغالب على سورة (ق).
قال: وكل معاني هذه السورة مناسب لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح.
قال: ثم تعال إلى سورة (ص) وما فيها من الخصومات المتعددة التي تناسب حرف الصاد، وفيها نبض الصاد.
فأولها: خصومة الكفار مع النبي ﷺ ، واختصام الخصمين عند داود، وتخاصم أهل النار، واختصام الملأ الأعلى في العلم والدرجات والكفارات، ومخاصمة إبليس لربه واعتراضه على أمر السجود، ثم خصامه ثانياً في شأن بنيه، وقوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] إلا أهل الإخلاص.
قال ابن القيم: فليتأمل اللبيب الفطن هل يليق بهذه السورة غير (ص)، وبسورة (ق) غير حرفها؟!! قال ابن القيم: وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف، والله أعلم.
هذا قول سيدنا وتاج رأسنا العلامة ابن القيم السابح في بحار القرآن الكريم.
стр. 672
معاني التقوى
قال تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢].
والتقوى تأتي في القرآن بمعنى الإيمان تارة، وبمعنى التوبة تارة، وبمعنى الطاعة ثالثة، وترك المعصية رابعة، وبمعنى الإخلاص خامسة.
أما بمعنى التوحيد والإيمان فقد الله ﵎: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح:٢٦] وهي كلمة التوحيد.
وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات:٣].
وقال تعالى: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١١] يعني: ألا يوحدون الله ، وألا يؤمنون.
وأما التوبة ففي قول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [الأعراف:٩٦] يعني: وتابوا إلى الله .
وأما الطاعة ففي قول الله : ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل:٢].
وأما ترك المعصية ففي قول الله : ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٨٩].
وأما الإخلاص ففي قول الله : ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].
стр. 673
معنى الإيمان
قال تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١ - ٣].
والإيمان لغة معناه: التصديق، قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] يعني: وما أنت بمصدق لنا.
والإيمان شرعاً: تصديق وقول وعمل، تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان.
والتصديق بالجنان معناه: اعتقاد القلب بانفراد الله بالألوهية، ولا تكفي المعرفة بأن الله واحد، وعدم التصديق بذلك لا ينجي العبد من الخلود في النار، وقد قال الناس: إن قول القلب هو تصديق القلب بانفراد الله بالألوهية ولا تكفي المعرفة فقط.
وأبو طالب كان يقول: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا وقال تعالى عن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤].
إذاً: فلا تكفي المعرفة، وإنما لابد من يقين القلب واعتقاده الجازم بانفراد الله بالألوهية وتصديقه بذلك.
هذا قول القلب.
стр. 674
بيان أول واجب على الإنسان عند أهل السنة وعند الأشاعرة
وقول اللسان: هو النطق بالشهادتين، وهذا هو أول واجب على المكلف، خلافاً لقول الأشاعرة: إن أول واجب على المكلف هو النظر أو القصد إلى النظر، وعندهم أنه لا ينفع التقليد في التوحيد.
وهذا القول مما خالفهم فيه الحافظ ابن حجر في المجلدين الأول والثالث عشر من (فتح الباري)، وهذا الذي جعل بعض الناس يقولون: إن ابن حجر لم يكن من الأشاعرة، وإنما كان من مفوضة أهل السنة والجماعة ولم يكن من الأشاعرة؛ لأنه خالفهم في أول واجب على المكلف، وقال: لابد من النطق بالشهادتين إلا أن يحول بين ذلك حائل، كأن يكون أخرس لا يستطيع النطق بها لعيب في لسانه مثلاً.
стр. 675
بيان كيفية توبة المرتد
في دار الدنيا إن لم ينطق العبد بالشهادتين لا يكون مسلماً أبداً، وقول اللسان يكون بالنطق بالشهادتين، فلو أتى أحد وقال لك: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فإنه يدخل بها الإسلام، فإذا علم من حاله أنه يقول: إن محمداً نبي العرب فقط وليس للأقباط ولا لنا فلا تكفي حتى يشهد أن الرسالة عامة للثقلين، وناسخة لما قبلها من الشرائع.
والمرتد يرجع إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين وبالتصديق بما أنكره.
فلو قال لك أحد: لا يوجد في الإسلام صلاة، قلنا لك: أقم عليه حد الردة، فإن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فلا يكفي ذلك، بل لا بد أن يقر بما جحده.
وهو وجوب الصلاة.
إذاً: الدخول في الإسلام يكون بالنطق الشهادتين، ثم بالتصديق بما جحده، وهذه مسألة هامه جداً.
стр. 676
بيان أفضل العمل
وعمل القلب أفضل الأعمال، وهو الخوف والرجاء والحب والتوكل والإخلاص.
وهذه الأشياء الثلاثة أقل شيء يأتي به العبد حتى يكون مسلماً، وليس لازم أن يأتي بالأعمال كلها، فمثلاً الصلاة فيها اختلاف بين العلماء، فالإمام الشافعي يقول: إن لم يجحدها وإنما تركها تكاسلاً فلا يكفر.
стр. 677
بيان شروط تحقيق الإسلام في العبد
وأما النطق بالشهادتين فلازم، وكذلك تصديق القلب واعتقاده بانفراد الله بالألوهية، ثم أصل أعمال القلوب.
فمن أجل أن يكون العبد مسلماً عند الله فلا بد أن ينطق بلسانه بالشهادتين، ويصدق ويوقن بقلبه، وهذا شيء خفي بينه وبين المولى ، ثم الأمر الثالث أصل أعمال القلوب والتي هي الخشية والخوف والرجاء والمحبة والإخلاص، فلا بد أن يكون في قلبه أقل شيء من الخوف لله ، وأقل شيء من المحبة، وأقل شيء من الإخلاص.
فإن لم يوجد في قلبه تعظيم خالص لله وانتفى منه الخوف مطلقاً من قلبه فلا يكون مسلماً.
стр. 678
بيان كيفية معرفة إسلام العبد
وأما كيفية معرفة أن في قلبه شيئاً من ذلك فلا بد من أن يأتي ببضعة من الأعمال تثبت ذلك، فمثلاً: الخوف لا بد أن يكون عنده ولو ذرة بسيطة في قلبه من الخوف، ونعرف أنه لا يوجد في قلبه ذرة من الخوف أو أنه لا يخاف ربنا أبداً كأن يأتي بالمصحف مثلاً بمزاجه هكذا وهو بكامل عقله وفي كامل قواه غير مكره ثم يطأ عليه، ولو كان في قلبه أدنى ذرة من التعظيم لله لما فعل ذلك؛ لأنه يعلم أن المصحف كلام الله .
فلو أتى بالمصحف وقطعه ووضعه تحت رجله بمزاجه هكذا وبدون إكراه أو ضغط عليه أو ضرب أو فقد لعقله أو شرب للخمر، فليس في قلبه أدنى ذرة من التعظيم لله ، فأصل أعمال القلوب أن يكون عنده أقل ذرة من المحبة لله ، وأقل ذرة من الخوف من الله ، وأقل ذرة من التوكل على الله ، وهذه هي الثلاثة التي ينجو بها العبد عند الله ، فإن انتفى ذلك تماماً من قلبه لم يكن مسلماً.
стр. 679
شبهة حول تكفير المرتد والجواب عنها
يكفي في دار الدنيا النطق بالشهادتين حتى يكون الشخص ملسماً، وبعض الناس اليوم يقول: لا يستطيع أحد أن يحكم بالكفر على أحد، وكيف يستقيم هذا الكلام والعلماء قد كتبوا كتباً كثيرة في الردة، وكتب المذاهب الأربعة والكتب الفقهية مملوءة بالكلام عن الردة، وكذلك كتب السنة مملوءة بأحكام الردة، فإذا عمل أحد شيئاً كفرياً قلنا له: هذا كفر، فنأخذه إلى القاضي الشرعي حتى يقيم عليه الحجة ويقول له: ارجع، فلا تكون العملية سائبة، فلا يقول أحد: لا يوجد أحد يقدر أن يحكم بالكفر على أحد، ولا يملك التكفير إلا الله ، ومن الذي قال هذا الكلام من العلماء؟! قال حذيفة بن اليمان: كان النفاق على عهد رسول الله ﷺ ، وأما اليوم فإما الإسلام وإما السيف.
ورسول الله ﷺ ربنا أطلعه على أسماء المنافقين، والرسول ﷺ ما كان يقتل أحداً من أصحابه؛ خشية أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه، وأما الآن فقد انتهى النفاق، فكل من أظهر طعناً واضحاً جلياً في دين الله قلنا له: لست جاهلاً وإنما تريد طعناً في دين الله ، فتعال إلى العلماء، ليقيموا عليك الحجة وإلا حكموا عليك بالردة.
стр. 680
بيان كفر الحلاج وضلالاته
ولو لم يكن أحد يملك تكفير أحد فلماذا العلماء كفر العلماء الحلاج وحكموا عليه بالقتل، وهل هؤلاء العلماء كانوا ظالمين له؟ ماكنول المستشرق الأجنبي جلس أربعين سنة ينخر في فكر الحلاج؛ فقد كان عنده بلايا وزندقة واضحة كما ذكر ذلك العلامة ابن كثير، ولسنا نحن من يقول هذا الكلام، بل قاله ابن كثير، وقد كان عالماً وسيداً من سادات العلماء، فقال في المجلد الثالث عشر من (البداية والنهاية): إن الحلاج كان يقول: ألا أبلغ أحبائي بأني ركبت البحر وانكسر السفينة على دين الصليب يكون موتي فلا البطحا أريد ولا المدينة وقال: إن الرجل يسقط عنه صوم رمضان بصيام ثلاثة أيام، ثم يصوم اليوم الرابع ويفطر على ورق الشجر -أي: مثل الجواميس والعجول- فيسقط عنه فرض الصوم.
ويقول عن الحج: إن الرجل يأتي إلى حجرة مطيبة من بيته ويطوف حولها ويفعل عندها ما يفعل حول الكعبة، ويطعم ثلاثين مسكيناً بيده، ويعطي كلاً منهم ٧ دراهم، وبهذا يسقط عنه فرض الحج.
وبهذا يرتاح الناس جداً؛ لأن كل واحد منهم عنده اليوم غرفة فيها موكيت نظيف تمام النظافة، فيطوف حولها، فيسقط عنه فرض الحج.
وأما القرآن فيقول عنه الحلاج لتلميذه: أستطيع أن أؤلف مثله.
وهذا ليس كلامي وإنما هو كلام ابن كثير، وكل من يظهر طعناً واضحاً جلياً في دين الله فهو زنديق.
وحكم الزنديق في الإسلام إذا كان أمر زندقته مشهوراً أنه لا تقبل له توبة ويقتل درءاً للفتنة.
والحدود لا يقيمها إلا الوالي أو الحاكم الشرعي؛ حتى لا تحدث الفتن.
стр. 681
بيان ما تتعدى به كلمة مؤمن
وكلمة مؤمن تتعدى بالباء أو باللام، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧]، وقوله: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ [يونس:٨٣]، وقوله: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران:٧٣].
ففعل (آمن) يتعدى باللام، أي: يأتي بعده لام الجر، ويتعدى بالباء، أي: تأتي بعده الباء، مثل قولنا: أنا مؤمن برسالة رسول الله ﷺ ، أو تقول: أنا مؤمن لرسول الله ﷺ ، بالباء أو باللام.
стр. 682
بيان كون العمل من الإيمان
إن الأعمال ركن من أركان الإيمان، فقد الرسول ﷺ : (الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان).
أخرجه الإمامان البخاري ومسلم.
стр. 683
معنى الغيب والإيمان به
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] والغيب كما قال العلماء هو: كل ما غاب عن العباد وأخبر به الرسول ﷺ ، ويدخل في ذلك الإيمان بالله ، والإيمان بالملائكة، وبالكتب المتقدمة، وبالرسل المتقدمين، وباليوم الآخر، وبالجنة وبالنار، وبلقاء الله ، وبكل ما ذكر القرآن من الغيوب.
ومن الإيمان بالملائكة ألا تصفها بأن لونها ذهبي؛ لأن هذا فيه استهزاء بالملائكة، وكذلك لا تقل: طعام الملائكة، أو أكل الملائكة، أو هذا يأكل مع الملائكة، وبعض العبارات التي تخرج من الناس وهم لا يشعرون بها توقعهم في سخط الله ، وهم يقولونها جهلاً منهم بدينهم.
والغيب كل ما غاب عنا، فالله غيب، والإيمان بالقدر غيب؛ لأن قدر الله غائب عنا.
ومن الإيمان بالغيب الإيمان باللوح المحفوظ، والإيمان بالحور العين، وبما ذكر الله في الجنة، وبما ذكر في النار، وبعض العلماء يقولون: ومن الإيمان بالغيب: الإيمان برسول الله ﷺ ؛ لأننا آمنا به ولم نره.
قال العلامة ابن عطية ﵀ في كتابه (المحرر الوجيز): وهذه الأقوال كلها لا تتعارض في معنى الغيب، بل يقع الغيب على جميعها.
فالغيب في اللغة: ما غاب عنك من الأمر.
وبعض العلماء قالوا في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]: يؤمنون به حال غيبهم، يعني: يؤمنون به باطناً كما يؤمنون به ظاهراً، فيؤمنون بقلوبهم كما يؤمنون بألسنتهم، وبهذا يفارقون أهل النفاق الذين يؤمنون بألسنتهم وينافقون بقلوبهم.
هذا كله من معاني الإيمان بالغيب.
стр. 684
بيان إنكار ابن سينا للحشر وللجنة
وابن سيناء يقول: لا يوجد شيء اسمه الجنة، ولا يوجد شيء اسمه حشر الأجساد، وإنما الحشر هو حشر النفوس، وأنه لا يوجد عقاب ولا جزاء، وأن جزاء الفيلسوف أن روحه تنتقل إلى فيلسوف ثان، فقال: بتناسخ الأرواح، وقال: إن عقاب الرجل الذي ليس فيلسوفاً وكان عاصياً أن روحه تنتقل إلى عاصٍ مثله، وأنكر حشر الأجساد، ووجود الجنة، والله تعالى يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ * عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة:١٠ - ٢٢].
فأثبت تعالى أن الجنة فيها أكل وشرب ونكاح.
وقد كان ابن سيناء من طائفة الحشاشين، وهم من غلاة الإسماعيلية الشيعة.
وقال ﷺ : (إن في الجنة شجرة يمشي الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها).
فلا يقول أحد: لا يعقل أن شجرة يمشي الراكب في ظلها مائة عام وأنا أمشي من هنا إلى أسوان في شهرين، يعني: أن هذه الشجرة إلى حد موزبيق فلا يعقل هذا الكلام.
ولكن علينا أن نؤمن بهذا ونصدقه.
ولما قيل لـ أبي بكر الصديق: أما تنظر إلى صاحبك يزعم أنه قد أسري به ثم عاد الليلة! فقال: إن كان قاله فقد صدق.
стр. 685
إقامة الصلاة
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة﴾ [البقرة:٣]، أي: يداومون عليها.
ونقل العلامة القاسمي في كتابه (محاسن التأويل) عن الراغب في إقامة الصلاة قال: إنها توفية حدودها، وإدامتها، والمحافظة عليها، وأداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها، وملازمتها جماعة في الفرائض، والإكثار من النوافل.
стр. 686
فضل الصلاة وفضل إقامتها في أول وقتها
ونأتي إلى إقامة الصلاة عند علماء السلف وعبادهم والسابقين من هذه الأمة، وسجودهم في المحراب، واستغفارهم في الصلاة، ودموعهم عند المناجاة، وهذه يحتكرها المؤمنون، ولئن كانت جنة أهل الدنيا في الدينار والنساء والقصر المنيف فإن جنة المؤمن في محرابه، قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه أحمد وابن حبان والحاكم وحسنه الألباني: (الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر).
ومن إقامة الصلاة المحافظة عليها في أول وقتها، قال رسول الله ﷺ : (صلاة في إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين).
وقال رسول الله ﷺ : (أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها).
وقال رسول الله ﷺ : (أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله).
وقال رسول الله ﷺ : (أفضل الأعمال الصلاة لوقتها، والجهاد في سبيل الله).
وقال رسول الله ﷺ : (إذا سمعت النداء فأجب داعي الله).
وقال رسول الله ﷺ : (يا بلال! أقم الصلاة، أرحنا بها يا بلال).
стр. 687
فضل المشي إلى المساجد
قال رسول الله ﷺ : (اتقوا الله في الصلاة وما ملكت أيمانكم).
ومن إقامة الصلاة والمحافظة عليها: أن تمشي إلى المساجد متوضئاً، فأجر الخارج إلى صلاة مكتوبة متوضئاً متطهراً كأجر الحاج المحرم، فعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا يخرجه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين).
والمشي إلى المساجد بوضوء هذا مما اختصمت فيه الملائكة.
стр. 688
فضل صلاة الجماعة
ومن إقامة الصلاة أيضاً: الحرص على صلاة الجماعة، وعلى التكبيرة الأولى.
فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق).
رواه الترمذي، وحسنه الشيخ الألباني.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه ويسبغه، ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه: إلا تبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته).
والبشبشة هي: الفرح، كما في رواية: (إلا فرح الله به).
رواه ابن خزيمة في صحيحه، وصححه الألباني.
стр. 689
فضل صلاة العصر والترهيب من تركها
ومن إقامة الصلاة: حب الرجل للمساجد وتعلقه بها؛ حتى يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ويبدو حرص الرجل على صلاته في حرصه على الصلاة الوسطى؛ صلاة العصر، قال رسول الله ﷺ : (إن هذه الصلاة -يعني: العصر- عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ منكم اليوم عليها كان له أجره مرتين).
وقال رسول الله ﷺ : (الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله).
стр. 690
فضل صلاتي الفجر والعشاء والجلوس بعد صلاة الفجر في المسجد حتى تطلع الشمس وصلاة ركعتين
ومن إقامة الصلاة والحرص عليه: المحافظة على صلاتي العشاء والصبح في جماعة والجلوس في المسجد للذكر حتى تطلع الشمس، ثم صلاة ركعتين.
قال رسول الله ﷺ : (أفضل الصلوات عند الله صلاة الصبح يوم الجمعة في جماعة).
وقال رسول الله ﷺ : (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف ليلة، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله).
يعني: الذي يصلي العشاء له النصف، والذي يصلي الصبح له نصف آخر، فيصبح كأنما قام الليل كله.
وقال رسول الله ﷺ : (من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة).
وقال رسول الله ﷺ : (لو يعلم الناس ما في صلاة العشاء وصلاة الفجر لأتوهما ولو حبواً).
وقال رسول الله ﷺ : (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها).
ودخول المسجد في صلاة الفجر له خاصية أخرى: فعن ميثم وهو رجل من صحابة رسول الله ﷺ قال: (بلغني أن الملك يغدو برايته -ملك من الملائكة- مع أول من يغدو إلى المسجد، فلا يزال بها معه حتى يرجع فيدخل بها منزله، وإن الشيطان يغدو برايته إلى السوق مع أول من يغدو فلا يزال معه حتى يرجع فيدخل منزله).
وهذا القول له حكم الرفع؛ لأنه قول صحابي، وإذا قال الصحابي: بلغني فله حكم الرفع.
وهذا الحديث رواه ابن أبي عاصم وأبو نعيم والمنذري.
فأول واحد خارج من بيته لصلاة الفجر يمشي معه الملك بالراية حتى يدخله المسجد، ثم ينتظره بعد الصلاة حتى يوصله إلى بيته، فيا عظمة ذلك الرجل، وهو أفقر رجل في بلدنا لا يملك قوت يومه إلا بالعافية، وأقسم بالله أنه يومياً يمضي قبل الفجر بثلاث ساعات إلى المسجد متوكئاً على عكازه يتهجد، وما فاتته صلاة الجماعة قط.
وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ ثم أتى المسجد فصلى ركعتين قبل الفجر ثم جلس حتى يصلي الفجر كتبت صلاته يومئذ في صلاة الأبرار وكتب في وفد الرحمن).
متى صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب فإذا فعلت ذلك كتبت عند الله من الأبرار، وكتبت في وفد الرحمن.
وقال ﷺ كما في حديث أبي بكرة ﵁: (من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله، فمن أخفر ذمة الله كبه الله في النار لوجهه).
وقال رسول الله ﷺ : (من صلى البردين دخل الجنة).
وقال رسول الله ﷺ كما في حديث أبي أمامة ﵁: (من صلى صلاة الغداة في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم قام فصلى ركعتين انقلب بأجر حجة وعمرة).
وقال رسول الله ﷺ : (من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة).
فإذا فعلت ذلك كل يوم كان لك أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة، إذاً: فاجلس حتى تشرق الشمس، وصل ركعتين، ثم ارجع إلى بيتك بأجر حجة وعمرة تامة؛ حتى يبارك لك ربك في بيتك وفي زوجتك وفي مالك وولدك، لا أن تخرج تجلس في الشارع إلى أن تشرق الشمس، ثم بعدها تذهب لعمل الدنيا فلا يبارك لك ربك في العمل.
стр. 691
فضل الصف الأول
ومن إقامة الصلاة: حرصك على الصلاة في الصف الأول، قال رسول الله ﷺ : (لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار).
وقال رسول الله ﷺ : (لو تعلمون ما في الصف الأول لكانت قرعة).
وقال رسول الله ﷺ : (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا)، وهذا فيه فضل الصلاة في الصف الأول.
стр. 692
فضل الصلاة في ميامن الصفوف ووصل الصفوف واللين بالمناكب
ومن تمام إقامة الصلاة: الصلاة في ميامن الصفوف، فعن عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف)، فصلاتك عن يمين الإمام يوجب صلاة الله والملائكة عليك.
ومن إقامة الصلاة: صلة الصفوف، ولين المناكب، قال رسول الله ﷺ : (إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف، ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة).
وقال رسول الله ﷺ : (خياركم ألينكم مناكب في الصلاة) أي: تجعل منكبك بجانب منكب أخيك، لا أن تدفعه وكأنك تريد أن تخلع كتفه.
стр. 693
فضل السنن الرواتب
وأيضاً من تمام إقامة الصلاة: الحرص على صلاة السنن الرواتب في البيوت، وأداؤها في البيوت سنة.
قال رسول الله ﷺ : (من صلى في اليوم والليلة اثنتي عشر ركعة تطوعاً بنى الله له بيتاً في الجنة).
وقال رسول الله ﷺ : (من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة: أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الغداة).
стр. 694
الترغيب في صلاة السنن والنوافل في البيت
وأوصى رسول الله ﷺ بصلاة السنن الرواتب والنافلة في البيوت، فقال: (فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل المكتوبة على النافلة).
стр. 695
فضل صلاة الضحى
وأيضاً من تمام إقامة الصلاة ومن حرص الرجل على الصلاة: حرصه على صلاة الضحى، قال رسول الله ﷺ : (لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب، وهي صلاة الأوابين).
وأفضل أوقاتها هو ما قاله رسول الله ﷺ : (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال).
стр. 696
بيان الاختلاف في صلاة التسبيح وذكر فضلها وكيفيتها
وأيضاً المحافظة على صلاة التسبيح، ومعظم فقهاء القاهرة يضعفون حديث صلاة التسابيح، وأنا سألت شيخنا الشيخ ابن عثيمين عن صلاة التسابيح فقال لي: لا أعرف عنها إلا ما تعرف، فأعطيته أسماء العلماء الذين صححوها وحسنوها، ومن ضعفها من أهل العلم، وممن حسن صلاة التسابيح الحافظ ابن حجر أستاذ الدنيا كلها في علم الحديث، وكذلك الشيخ الألباني، وشيخ الإسلام الإمام البلقيني، وأبو عبد الرحيم المصري، والإمام المنذري، والإمام الحاكم، والحافظ العلائي، وبلغ الذين صححوا صلاة التسابيح أو حكموا عليها بالحسن أكثر من أربعين عالماً، حتى إن الإمام أحمد بن حنبل كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في التعليق على (مشكاة المصابيح) ضعف الحديث أولاً ثم رجع عن تضعيفه.
وذكر الحافظ ابن حجر هذا الكلام أيضاً في النكت على الأذكار.
وابن حجر عندنا يساوي ملء الأرض من طلاب الحديث والعلماء من أمثالنا.
و ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، ولكن علينا دائماً أن نرد الأمر إلى أهله.
قال رسول الله ﷺ في حديثه عن صلاة التسابيح: (يا عباس! يا عماه! ألا أعطيك؟ ألا أمنحك؟ ألا أحبوك؟ ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله ذنبك أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته؟ تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشراً، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشراً، ثم تهوي ساجداً فتقولها عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، ثم تسجد فتقولها عشراً، ثم ترفع رأسك فتقولها عشراً، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات، فلو كانت ذنوبك مثل زبد البحر أو رمل عالج غفرها الله لك، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة).
وصلاة الأربع الركعات مثنى مثنى.
стр. 697
الخشوع في الصلاة
وأيضاً من إقامة الصلاة: أن تخشع فيها، قال رسول الله ﷺ : (إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع، ولا تتكلم بكلام تعتذر منه، واجمع الإياس مما في أيدي الناس) أي: اجعل كل قلبك متصل بربك.
وقال رسول الله ﷺ : (اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحري أن يحسن صلاته، فصل صلاة رجل لا يظن أنه يصلي صلاة غيرها، وإياك وكل أمر يعتذر منه) أي: صل وكأنها آخر صلاة لك.
وقال الرسول ﷺ : (أفضل الصلاة طول القنوت).
وقال رسول الله ﷺ : (إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه، فلينظر كيف يناجيه).
وقال رسول الله ﷺ : (صل صلاة مودع كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك).
стр. 698
أهمية مراعاة المعاني الباطنة للصلاة
وأيضاً من إقامة الصلاة: أن تراعي المعاني الباطنة للصلاة من حضور القلب في الصلاة، وأن يكون قلبك تابعاً لهمتك، فلابد من حضور القلب في الصلاة، وتدبره وتفهمه لمعاني ألفاظ القرآن الكريم التي يتلوها، ثم تعظيم كلام الله ، ومعرفة حقارة النفس وخستها، وكونه عبداً مربوباً مسخراً.
وإذا علمت أن ربك عظيم، وعلمت مدى حقارة النفس تبت إلى الله ، واستكنت وانكسرت وخشعت له .
وإذا استحضر العبد الهيبة والرجاء ولطف الله وكرمه وعميم إنعامه ولطائف صنعه ومعرفة صدقه في وعده بالجنة إذا صلى ثم استشعر الحياء وتقصيره في الصلاة وعلمه بالبعد عن القيام بحق الله فإنه يستحيي من ربه أن يوجه إليه صلاة عرجاء.
стр. 699
وصف صلاة الخاشع
وقد وصف العلامة ابن القيم صلاة الخاشع فقال: يصلي ما كتب الله له صلاة محب ناصح لمحبوبه، متذلل منكسر بين يديه، لا صلاة مدل بها عليه، يرى من أعظم نعم محبوبه عليه أن استزاره ولم يطلب غيره، وأعزه وأهله بالقرب منه وحرم غيره، وهو يزداد بذلك محبة إلى محبته، ويرى أن قرة عينه وحياة قلبه وجنة روحه ونعيمه ولذته وسروره في تلك الصلاة، وهو يتمنى طولها ويهتم بفراقها كما يتمنى المحب الفائز وصول محبوبه، كما يقول الشاعر: يود لو أن ظلام الليل دام له وزيد فيه سواد القلب والبصر فهو يتملق فيها مولاه تملق المحب لمحبوبه العزيز الرحيم، يناديه بكلامه، معطياً لكل آية حظها من العبودية، فينجذب قلبه وروحه إلى آيات المحبة والوداد، والآيات التي فيها الأسماء والصفات، والآيات التي تعرف بها الله إلى عباده بآلائه وإنعامه عليهم، فتطيب له السير آيات الرجاء والرحمة وسعة البر والمغفرة، وتكون له بمنزلة الحادي الذي يطيب له السير ويهونه، وتقلقه آيات الخوف والعدل والانتقام وإحلال غضبه بالمعرضين عنه العادلين به غيره المائلين إلى سواه، فيجمعه عليه، ويمنعه أن يشرد قلبه عن الصلاة.
فبالجملة يشاهد المتكلم سبحانه وقد تجلى في الكلام، فيعطي كل آية حظها من عبودية القلب الخاصة الزائدة على مجرد تلاوتها والتصديق بأنها كلام الله، بل الزائدة على نفس فهمها ومعرفة المراد منها، ثم شأن آخر لو فطن له العبد لعلم أنه كان يلعب قبل ذلك، كما قيل: وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى إلى غاية ما بعدها لي مذهب فلما تلاقينا وعاينت حسنها تيقنت أني إنما كنت ألعب وعندما يدخل الشخص الجنة ويرى النعيم الذي فيها وتفاوت الدرجات يقول: يا إلهي! لقد كنا نلعب في دار الدنيا، فصلاتنا كلها صلاة عرجاء، لا تؤهلنا إلى أن نأخذ فقط مقبض باب من أبواب الجنة، فمقبض الباب فقط يساوي الدنيا كلها وما عليها، (ولموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها).
ولو قيل لك: لو صليت صلاة فسنعطيك فلة على البحر، فإنك ستصلي صلاة لم يصلها أحد؛ من أجل فلة فقط على البحر، فما ظنك بصلاة ترتفع بها إلى أعلى عليين؟
стр. 700
بيان تفاوت أهل الجنة في الدرجات
إن الذين في أدنى درجات الجنة كما قال رسول الله ﷺ : (لينظرون إلى أهل الغرف كما تنظرون أنتم إلى النجم الدري الغابر في الأفق؛ لتفاضل ما بينهما، وما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض).
يعني: من التفاوت الذي بينهما.
وهذا التفاوت موجود حتى في الدنيا، فهناك ناس في الدنيا لا يقدرون على شراء طعمية أو باذنجان، وهناك ناس يطيرون بطائرات من ذهب، فالتفاوت في دار الدنيا رهيب لا يخطر على بال أحد، حتى يكاد الشخص يجن، فتجد ناساً فقراء في هذه الدار، وناساً لا يخطر غناهم على بال أحد، إذاً: فكيف تكون الجنة؟! وسبحان مثبت العقول.
فإن آخر من يدخل الجنة يبدو له قصر من در أبيض، وإذا رأى قهرمانه -وهو لم يره قبل ذلك- سجد له، فيقال له: ارفع رأسك، فيقول: كأنما تراءى لي ربي، فيقول: إنما أنا قهرمانك، وتحت يدي ألف على مثل ما أنا عليه.
стр. 701
التحذير من الغفلة عن الآخرة والركون إلى الدنيا
فيا ويلك يا من تترك كل هذا النعيم، وتجادل عن جيفة طلابها كلاب، فالملك يدعوك إلى جنانه وأنت مقيم على الجيف وتقول: والله لآخذنها، فنعيم أنت راحل إليه في كل لحظة أحق بالعمل له من نعيم خراب أنت راحل عنه في كل لحظة.
يقول ابن القيم: فوا أسفاه وواحسرتاه! كيف ينقضي الزمان وينفذ العمر والقلب محجوب ما شم لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما دخل إليها وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيش البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزاً، وموته كمداً، ومعاده حسرة!!
стр. 702
بيان معنى تطفيف الصلاة وسرقتها
يا ابن آدم! أي شيء يعز عليك من دينك إذا هانت عليك صلاتك! فالصلاة مكيال، وقد علمت ما قال الله في المطففين، وإن كان الله قد توعد المطففين في مكيال الدنيا من الحبوب والشعير فما ظنكم بالمطففين في مكيال الدين!! ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود:٩٥].
وقال رسول الله ﷺ : (أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته، قالوا: وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها، وأبخل الناس من بخل بالسلام).
فليس السارق هو الذي يقطع الجيوب، بل السارق الذي يسرق من صلاة؛ نفسه، فهو يسرق نفسه، فتجده يكبر في التراويح: الله أكبر بسرعة من أجل الفوازير، ويجادل بأن السنة في صلاة التراويح ثمان ركعات فقط، والوتر ركعة أو ثلاث من أجل الفوازير.
стр. 703
نماذج من خشوع السلف في الصلاة
وأين هذا من الإمام يحيى بن وثاب، فقد كان إذا قضى صلاته مكث ملياً تعرف فيه كآبة الصلاة، وكان إذا ركع أو سجد فكأنه قد وقف للحساب، ويقول: أي رب! أذنبت كذا وكذا فعفوت عني فلا أعود، وأذنبت كذا وكذا فعفوت عني فلا أعود.
وكان إبراهيم النخعي إذا صلى يمكث بعد الصلاة ساعة كأنه مريض.
وحاتم الأصم لما سئل عن صلاته قال: أقوم إلى صلاتي وأمثل الكعبة بين حاجبي، والصراط تحت قدمي، والجنة عن يمني، والنار عن شمالي، وملك الموت ورائي، وأظنها آخر صلاتي.
стр. 704
شدة محافظة السلف على صلاة الجماعة
وهناك أمثلة عطرة في تاريخ الإسلام لعلو كعب العلماء في المحافظة على صلاة الجماعة، والمسارعة إليها، وفي اختيارهم المكان البعيد؛ كي يكسبوا الثواب، فـ سعيد بن المسيب يقول: منذ أربعين سنة ما فاتتني تكبيرة الإحرام في المسجد، ومنذ ثلاثين سنة وأنا أسمع صوت المؤذن في المسجد.
ويقول: منذ أربعين سنة ما نظرت إلى قفا مسلم في صلاة؛ لأنه كان يصلي في الصف الأول، فلا يوجد أحد أمامه حتى يرى قفاه.
وأما حضور صلاة الفجر ليلة الزواج فهذه لا تخطر على بال، وما الذي يمنعك إن أنت تزوجت أن تصلي في المسجد وترجع إلى زوجك؟ روى الإمام الطبراني عن عنبسة بن الأزهر قال: تزوج الحارث بن حسان وكان له صحبة، فأراد أن يخرج لصلاة الفجر فقيل له: أتخرج وإنما بنيت بأهلك في هذه الليلة؟! قال: والله إن امرأة تمنعني من صلاة الغداة ومن صلاة الفجر في جمْع لامرأة سوء.
والإمام سعيد بن المسيب لما اشتكى عينه قالوا: اذهب إلى البادية، قال: فكيف بصلاة الغداة والعشاء؟ أي: لا داعي لذلك، وعيني ستشفى إن شاء الله.
وكانوا يحضرون وهم مرضى.
فالإمام أبو عبد الرحمن السلمي كان يقول: قوله ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) هو الذي أقعدني هذا المقعد منذ أربعين سنة.
فقد درس الناس وعلمهم القرآن أربعين سنة، ثم لما مرض أبو عبد الرحمن السلمي وكان قد نزل المطر قال لهم: احملوني على أكتافكم وخذوني إلى المسجد، فكان يحمل وهو مريض إلى المسجد.
والإمام سعيد بن المسيب قيل له: إن طارقاً يريد قتلك، فقال: أبحيث لا يقدر الله علي؟ فقيل له: اجلس في بيتك تحمي رقبتك، فقال: أسمع حي على الفلاح ولا أجيب؟!
стр. 705
مقارنة بين حالنا وحال السلف في المحافظة على صلاة الجماعة
ونحن عندما تكون هناك مباراة للأهلي والزمالك في يوم الجمعة تمتلئ المدرجات بالمشاهدين، فإذا جاءت صلاة الجمعة وقلت لهم: صلوا، قالوا: أيعقل أن نترك المكان؟ لتذهب صلاة الجمعة في ستين داهية، وأما ترك المكان فلا.
والإمام أبو عبد الرحمن السلمي حرص على أن يأتيه الموت وهو في انتظار الصلاة في المسجد، ورفض الانتقال من المسجد إلى فراشه لما حضرته المنية.
فعن عطاء بن السائب قال: دخلنا على أبي عبد الرحمن السلمي وهو في النزع الأخير في المسجد، فقلنا له: لو تحولت إلى فراشك فإنه أوسع لك، فقال: حدثني فلان أن النبي ﷺ قال: (لا يزال أحدكم في صلاة ما دام في مصلاه ينتظر الصلاة)، قال أبو عبد الرحمن السلمي: فأريد أن أموت وأنا في مسجدي، ومات في المسجد.
следующие страницы →