Полный текст (947 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
التحذير من الغفلة عن الآخرة والركون إلى الدنيا
فيا ويلك يا من تترك كل هذا النعيم، وتجادل عن جيفة طلابها كلاب، فالملك يدعوك إلى جنانه وأنت مقيم على الجيف وتقول: والله لآخذنها، فنعيم أنت راحل إليه في كل لحظة أحق بالعمل له من نعيم خراب أنت راحل عنه في كل لحظة.
يقول ابن القيم: فوا أسفاه وواحسرتاه! كيف ينقضي الزمان وينفذ العمر والقلب محجوب ما شم لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما دخل إليها وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيش البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزاً، وموته كمداً، ومعاده حسرة!!
стр. 702
بيان معنى تطفيف الصلاة وسرقتها
يا ابن آدم! أي شيء يعز عليك من دينك إذا هانت عليك صلاتك! فالصلاة مكيال، وقد علمت ما قال الله في المطففين، وإن كان الله قد توعد المطففين في مكيال الدنيا من الحبوب والشعير فما ظنكم بالمطففين في مكيال الدين!! ﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود:٩٥].
وقال رسول الله ﷺ : (أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته، قالوا: وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها، وأبخل الناس من بخل بالسلام).
فليس السارق هو الذي يقطع الجيوب، بل السارق الذي يسرق من صلاة؛ نفسه، فهو يسرق نفسه، فتجده يكبر في التراويح: الله أكبر بسرعة من أجل الفوازير، ويجادل بأن السنة في صلاة التراويح ثمان ركعات فقط، والوتر ركعة أو ثلاث من أجل الفوازير.
стр. 703
نماذج من خشوع السلف في الصلاة
وأين هذا من الإمام يحيى بن وثاب، فقد كان إذا قضى صلاته مكث ملياً تعرف فيه كآبة الصلاة، وكان إذا ركع أو سجد فكأنه قد وقف للحساب، ويقول: أي رب! أذنبت كذا وكذا فعفوت عني فلا أعود، وأذنبت كذا وكذا فعفوت عني فلا أعود.
وكان إبراهيم النخعي إذا صلى يمكث بعد الصلاة ساعة كأنه مريض.
وحاتم الأصم لما سئل عن صلاته قال: أقوم إلى صلاتي وأمثل الكعبة بين حاجبي، والصراط تحت قدمي، والجنة عن يمني، والنار عن شمالي، وملك الموت ورائي، وأظنها آخر صلاتي.
стр. 704
شدة محافظة السلف على صلاة الجماعة
وهناك أمثلة عطرة في تاريخ الإسلام لعلو كعب العلماء في المحافظة على صلاة الجماعة، والمسارعة إليها، وفي اختيارهم المكان البعيد؛ كي يكسبوا الثواب، فـ سعيد بن المسيب يقول: منذ أربعين سنة ما فاتتني تكبيرة الإحرام في المسجد، ومنذ ثلاثين سنة وأنا أسمع صوت المؤذن في المسجد.
ويقول: منذ أربعين سنة ما نظرت إلى قفا مسلم في صلاة؛ لأنه كان يصلي في الصف الأول، فلا يوجد أحد أمامه حتى يرى قفاه.
وأما حضور صلاة الفجر ليلة الزواج فهذه لا تخطر على بال، وما الذي يمنعك إن أنت تزوجت أن تصلي في المسجد وترجع إلى زوجك؟ روى الإمام الطبراني عن عنبسة بن الأزهر قال: تزوج الحارث بن حسان وكان له صحبة، فأراد أن يخرج لصلاة الفجر فقيل له: أتخرج وإنما بنيت بأهلك في هذه الليلة؟! قال: والله إن امرأة تمنعني من صلاة الغداة ومن صلاة الفجر في جمْع لامرأة سوء.
والإمام سعيد بن المسيب لما اشتكى عينه قالوا: اذهب إلى البادية، قال: فكيف بصلاة الغداة والعشاء؟ أي: لا داعي لذلك، وعيني ستشفى إن شاء الله.
وكانوا يحضرون وهم مرضى.
فالإمام أبو عبد الرحمن السلمي كان يقول: قوله ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) هو الذي أقعدني هذا المقعد منذ أربعين سنة.
فقد درس الناس وعلمهم القرآن أربعين سنة، ثم لما مرض أبو عبد الرحمن السلمي وكان قد نزل المطر قال لهم: احملوني على أكتافكم وخذوني إلى المسجد، فكان يحمل وهو مريض إلى المسجد.
والإمام سعيد بن المسيب قيل له: إن طارقاً يريد قتلك، فقال: أبحيث لا يقدر الله علي؟ فقيل له: اجلس في بيتك تحمي رقبتك، فقال: أسمع حي على الفلاح ولا أجيب؟!
стр. 705
مقارنة بين حالنا وحال السلف في المحافظة على صلاة الجماعة
ونحن عندما تكون هناك مباراة للأهلي والزمالك في يوم الجمعة تمتلئ المدرجات بالمشاهدين، فإذا جاءت صلاة الجمعة وقلت لهم: صلوا، قالوا: أيعقل أن نترك المكان؟ لتذهب صلاة الجمعة في ستين داهية، وأما ترك المكان فلا.
والإمام أبو عبد الرحمن السلمي حرص على أن يأتيه الموت وهو في انتظار الصلاة في المسجد، ورفض الانتقال من المسجد إلى فراشه لما حضرته المنية.
فعن عطاء بن السائب قال: دخلنا على أبي عبد الرحمن السلمي وهو في النزع الأخير في المسجد، فقلنا له: لو تحولت إلى فراشك فإنه أوسع لك، فقال: حدثني فلان أن النبي ﷺ قال: (لا يزال أحدكم في صلاة ما دام في مصلاه ينتظر الصلاة)، قال أبو عبد الرحمن السلمي: فأريد أن أموت وأنا في مسجدي، ومات في المسجد.
стр. 706
حث الأبناء على صلاة الجماعة
وينبغي لك أن تحث ابنك على ملازمة المسجد، قال أبو الدرداء لابنه: يا بني! ليكن المسجد بيتك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن المساجد بيوت المتقين، فمن كانت المساجد بيوته ضمن الله له بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى الجنة).
وهذا الحديث حديث صحيح.
فالواجب على الأب أن يؤدب ابنه إذا تأخر عن صلاة الجماعة.
وروي عن عبد العزيز بن مروان والد عمر بن عبد العزيز: أنه لما بعث ابنه عمر إلى المدينة ليتأدب بها كتب إلى صالح بن كيسان أن يتعاهده، وأن يلزمه الصلوات، فأبطأ يوماً عن الصلاة فقال له صالح بن كيسان: ما حبسك؟ قال: كانت خدامتي تسكن شعري، أي: تسرح لي شعري، فقال: أبلغ من تسكين شعرك أن تؤثره على الصلاة؟! وكتب بذلك إلى والده، فبعث عبد العزيز رسولاً إليه فما كلمه حتى حلق شعره.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.
стр. 707
مجاهدة النفس
إن العبد المؤمن القوي بحاجة إلى أن يعاتب نفسه ويحاسبها محاسبة الشريك الشحيح لشريكه، ولا يمكن أن يقوى العبد على طاعة وينشط في عبادة ربه إلا إذا عرف نفسه قدرها، وخيرها بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة فاختارت النعيم الأبدي السرمدي، فعملت لما بعد الموت، وانشغلت به عن ملذات الدنيا التي لا تساوي شيئاً
стр. 708
وقفة عتاب للنفس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فنتكلم اليوم عن المرابطة الخامسة وهي: مجاهدة النفس، وقد تشق على الشخص ولكنها طريق فريد لشرف النفس وعلوها، وقد يطول بك الأمر فاصبر، وسبيلك في ذلك أن تسمع ما ورد في الأخبار من فضل مجاهدة النفس، ومن أنفع أسباب العلاج أن تطلب صحبة عبد من عباد الله، مجتهد في العبادة، فتلاحظ أقواله وتقتدي به.
قال عبد الله بن المبارك: كنت كلما قسا قلبي نظرت إلى وجه الفضيل فأجد فيه الحزن؛ فأمقت نفسي.
وكان بعضهم يقول: كنت إذا اعترتني فترة في العبادة نظرت إلى أحوال محمد بن واسع وإلى اجتهاده، فعملت على ذلك أسبوعاً.
إلا أن هذا العلاج قد أصبح عزيزاً؛ إذ قد فقد في هذا الزمان من يجتهد في العبادة اجتهاد الأولين، فينبغي أن يعدل من المشاهدة إلى السماع، فلا شيء أنفع من سماع أحوال الصالحين، ومن مطالعة أخبارهم، وما كانوا فيه من الجهد الجهيد، وقد انقضى تعبهم، وبقي ثوابهم ونعيمهم أبد الآباد لا ينقطع، فما أعظم ملكهم! وما أشد حسرة من لا يقتدي بهم! فيمتع نفسه أياماً قلائل بشهوات مكدرة، ثم يأتيه الموت ويحال بينه وبين كل ما يشتهيه أبد الآباد نعوذ بالله من ذلك! قال أبو حنيفة ﵀: الحكايات عن الصالحين أحب إلي من كثير من الفقه؛ لأنها أخلاق القوم وآدابهم.
قيل لـ فتح الموصلي: بالله عليك يا فتح كم بكيت الدم؟ قال: لولا أنك سألتني بالله ما أخبرتك، بكيت الدموع على تخلفي عن واجب حق الله تعالى، وبكيت الدم على الدموع؛ لئلا يكون ما صحت لي الدموع: والعين لها دم ودمع سح ذا يكتب شجوه وهذا يمحو كان الثوري ﵀ يقول: عند الصباح يحمد القوم السرى وعند الممات يحمد القوم التقى فهكذا كانت سيرة السلف الصالحين في مجاهدة النفس وفي مراقبتها، فمهما تمردت نفسك عليك، وامتنعت من المواظبة على العبادة فطالع أحوال هؤلاء، ولو قدرت على مشاهدة من يقتدي بهم فهو أنفع، وأبعث على الاقتداء، فليس الخبر كالمعاينة، وإذا عجزت عن هذا فلا تغفل عن سماع أحوال هؤلاء، فإن لم تكن إبلاً فمعزا، وخير نفسك بين الاقتداء بهم والكون في زمرتهم وغمارهم وهم العقلاء والحكماء وذوو البصائر في دين الله، وبين الاقتداء بالجهلة الغافلين من أهل عصرك، ولا ترض لها أن تنخرط في سلك الحمقى وتقنع بالتشبه بالأغبياء، وتؤثر مخالفة العقلاء، فإن حدثتك نفسك بأن هؤلاء رجال أقوياء لا يطاق الاقتداء بهم فطالع أحوال النساء المجتهدات، وقل لها: يا نفس! ألا تستنكفي أن تكوني أقل من امرأة؟! فأخسس برجل يقصر عن امرأة في أمر دينها ودنياها: كذاك الفخر يا همم الرجال تعالي فانظري كيف التعالي أتسبقك وأنت رجل نسوة أما لك بالرجال أسوة كانت جارية خالد بن الوراق شديدة الاجتهاد في الطاعة والعبادة، فأخبرها خالد برفق الله وقبوله ليسير العمل؛ فبكت ثم قالت: إني لأعلم أن في كرم الله مستغاثاً لكل مذنب، وإني لأؤمل من الله آمالاً لو حملتها الجبال لعجزت عن حملها كما عجزت عن حمل الأمانة، ولكن قل لي يا خالد: كيف لي بحسرة السباق؟ قلت لها: وما حسرة السباق؟ قالت: غداة الحشر، إذا ركب الأبرار نجائب الأعمال، وطاروا إلى مولاهم، وخلفت مع المسيئين المذنبين، ثم قالت: وعزة سيدي! لا يسبق مقصر مجداً ولو حبا المجد حبواً، ثم قالت: يا خالد! انظر لا يقطعك عن الله قاطع، فإنه ليس بين الدارين دار يدرك فيها الخدام ما فاتهم من الخدمة مع مولاهم، فويل لمن قصر عن خدمة سيده ومعه الآمال، فهلا كانت الآمال توقظه إذا نام البطالون؟! وكانت عمرة زوجة أبي محمد حبيب العجمي توقظه لقيام الليل وتقول: قم يا سيدي، فهذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، وبين يدينا طريق طويل، وزاد قليل، وهذه قوافل الصالحين قد سارت قدامنا ونحن قد بقينا.
فعليك إن كنت من المرابطين المراقبين لنفسك أن تطالع أحوال الرجال والنساء من المجتهدين؛ لينبعث نشاطك ويزيد حرصك، وإياك أن تنظر إلى أهل عصرك! فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، إياك أن تتدلى بحبل غرورها وتنخدع بتزويرها! قل لها: أرأيت لو هجم سيل جارف يغرق أهل البلد وثبتوا على مواضعهم، ولم يأخذوا حذرهم لجهلهم بحقيقة الحال، وقدرت أنت على أن تفارقيهم وتركبي في سفينة تتخلصين بها من الغرق فهل يختلج في نفسك أن المصيبة إذا عمت طابت أم تتركين موافقتهم في صنيعهم وتأخذين حذرك مما دهاك؟ فإن كنت تتركين موافقتهم خوفاً من الغرق، وعذاب الغرق لا يتمادى إلا ساعة فكيف لا تهربين من عذاب الأبد وأنت متعرضة له في كل حال، ومن أني تطيب المصيبة إذا عمت؟ ولأهل النار شغل شاغل عن الالتفات إلى العموم والخصوص، ولم يهلك الكفار إلا بموافقة أهل زمانهم، حيث قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، خذ قول الله لأهل النار: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]، فعليك إذا اشتغلت بمعاتبة نفسك فاستعصت ألا تترك معاتبتها وتوبيخها، وتعريفها سوء نظرها لنفسها؛ فعساها تنزجر عن طغيانها.
стр. 709
توبيخ النفس ومعاتبتها
أما المرابطة الثانية: فهي توبيخ النفس ومعاتبتها.
اعلم يا أخي! أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، وقد خلقت أمارة بالسوء، ميالة إلى الشر، فرارة من الخير، وأمرت بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها وخالقها، ومنعها عن شهواتها، وفطامها عن لذاتها، فإن أهملتها جمحت وشردت ولم تظفر بها بعد ذلك، وإن هزمتها بالتوبيخ والمعاتبة والملامة كانت نفسك هي النفس اللوامة التي أقسم الله بها، ورجوت أن تصير النفس المطمئنة، المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد الله راضية مرضية، فلا تغفلن ساعة عن تذكيرها ومعاتبتها، فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحي من الله، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، وسبيلك أن تقبل عليها فتقرر عندها جهلها وغباوتها، وأنها أبداً تتعزز بفطنتها وهدايتها، ويشتد أنفها واستنكافها إذا نسبت إلى الجهل، فقل لها: يا نفس! ما أعظم جهلك! تدعين الحكمة والذكاء والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وحمقاً، أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار؟! وأنك صايرة إلى إحداهما على القرب؟ فمالك تفرحين وتضحكين وتشتغلين باللهو وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم؟ وعساك اليوم تخطفين أو غداً فأراك ترين الموت بعيداً، ويراه الله قريباً! أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب، وأن البعيد ما ليس بآت؟ أما تعلمين أن الموت يأتي بغتة من غير تقديم رسول ومن غير مواعدة ومواطأه، وأنه لا يأتي في شيء دون شيء، ولا في شتاء دون صيف، ولا في صيف دون شتاء، ولا في نهار دون ليل، ولا في ليل دون نهار، ولا يأتي في الصبا دون الشباب، ولا في الشباب دون الصبا؟ بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن يكون فيه الموت فجأة، فإن لم يكن الموت فجأة، فيكون المرض فجأة ثم يفضي إلى الموت، فمالك لا تستعدين للموت، وهو أقرب إليك من كل قريب؟! آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد ركوب نعشك، آخر العدد دخول قبرك، آخر العدد عرصات القيامة ولقاء ربك، وإن النفس قد يخرج ولا يعود، إن العين قد تطرف ولا تطرف الأخرى إلا بين يدي الله : ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء:١ - ٣].
ويحك يا نفس! إن كانت جرأتك على معصية الله لاعتقادك أن الله لا يراك، فما أعظم كفرك! وإن كان مع علمك باطلاعه عليك فما أشد وقاحتك وأقل حيائك! ويحك يا نفس! لو واجهك عبد من عبيدك بل أخ من إخوانك بما تكرهينه كيف كان غضبك عليه ومقتك له فبأي جسارة تتعرضين لمقت الله وغضبه وشديد عقابه؟! أفتظنين أنك تطيقين عذابه؟ هيهات هيهات! جربي نفسك إن ألهاك البطر عن أليم عذابه، فاحتبسي ساعة في الشمس أو في بيت الحمام، أو قربي أصبعك من النار لترين قدر طاقتك! إن كنت تغترين بكرم الله وفضله واستغنائه عن طاعتك وعبادتك فمالك لا تعولين على كرم الله في مهمات دنياك؟! إذا قصدك عدو لم تستنبطين الحيل في دفعه ولا تكلينه إلى كرم الله؟! وإن أرهقتك حاجة إلى شهوة من شهوات الدنيا مما لا تنال إلا بالدينار والدرهم فمالك تنزعين الروح في طلبها وتحصيلها من وجوه الحيل فلا تعولين على كرم الله تعالى حتى يعثر بك على كنز أو يسخر عبداً من عبيده فيحمل إليك حاجتك من غير سعي منك ولا طلب؟ أفتحسبن أن الله كريم في الآخرة دون الدنيا، وقد عرفت أن سنة الله لا تبديل لها، وأن رب الآخرة والدنيا واحد، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى؟! ويحك يا نفس ما أعجب نفاقك ودعاويك الباطلة! إنك تدعين الإيمان بلسانك، وأثر النفاق ظاهر عليك، ألم يقل لك سيدك ومولاك: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، وقال في أمر الآخرة: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، فقد تكفل لك بأمر الدنيا خاصة، وصرفك عن السعي فيها فكذبتيه بأفعالك وأصبحت تتكالبين على طلبها تكالب المدهوش المستهتر، ووكل أمر الآخرة إلى سعيك فأعرضت عنها إعراض المغرور المستحقر، فليس هذا من علامات الإيمان، لو كان الإيمان باللسان فلم كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار؟!
стр. 710
توبيخ النفس وتذكيرها بيوم الحساب
ويحك يا نفس! كأنك لا تؤمنين بيوم الحساب، وتظنين أنك إذا مت تخلصت، وهيهات هيهات! أتحسبين أنك تتركين سدى؟ ألم تكوني نطفة من مني يمنى، ثم كنت علقة فخلق فسوى؟ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟! فإن كان هذا من إضمارك فما أكفرك وأجهلك! أما تتفكرين أنه خلقك من نطفة فقدرك، ثم السبيل يسرك، ثم أماتك فأقبرك، أفتكذبينه في قوله؟! ثم إذا شاء أنشرك فإن لم تكوني مكذبة فمالك لا تأخذين حذرك؟! ولو أن يهودياً أخبرك في ألذ أطعمتك بأنه يضرك في مرضك لصبرت عنه، ولتركته وجاهدت نفسك فيه، أفكان قول الأنبياء المؤيدين بالمعجزات وقول الله تعالى في كتبه المنزلة أقل عندك تأثيراً من قول يهودي يخبرك عن حدس وتخمين وظن مع نقصان عقل وقصور علم؟! والعجب أنه لو أخبرك طفل بأن في ثوبك عقرباً لرميت ثوبك في الحال من غير مطالبة له بدليل ولا برهان، أفكان قول الأنبياء والعلماء والحكماء وكافة الأولياء أقل عندك من قول الصبي من جملة الأغبياء، أم صار حر جهنم وأغلالها وأنكالها وزقومها ومقامعها وصديدها وسمومها وأفاعيها وعقاربها أحقر عندك من عقرب لا تحسين بألمها إلا يوماً أو أقل منه؟! ما هذه أفعال العقلاء، بل لو انكشف للبهائم حالك لضحكوا منك، وسخروا من عقلك، فإن كنت يا نفس قد عرفت جميع ذلك، وآمنت به، فمالك تسوفين العمل والموت لك بالمرصاد ولعله يختطفك من غير مهلة؟ فبماذا أمنت استعجال الأجل؟! وهبك أنك وعدت بالإمهال مائة سنة أفتظنين أن من يطعم الدابة في حضيض العقبة يفلح ويقدر على قطع العقبة بها؟ إن ظننت ذلك فما أعظم جهلك! أرأيت لو سافر رجل ليتفقه في الغربة فأقام فيها سنين متعطلاً بطالاً يعد نفسه بالتفقه في السنة الأخيرة عند رجوعه إلى وطنه هل كنت تضحكين من عقله؟! وظنه أن تفقيه النفس مما يطمع فيه بمدة قريبة، أو حسبانه أن مناصب الفقهاء تنال من غير تفقه، اعتماداً على كرم الله ، ثم هبي أن الجهد في آخر العمر نافع، وأنه موصل إلى الدرجات العلى، فلعل اليوم آخر عمرك فلم لا تشتغلين فيه بذلك؟ فإن أوحي إليك بالإهمال فما المانع من المبادرة؟ وما الباعث لك على التسويف؟ هل له سبب إلا عجزك عن مخالفة شهواتك لما فيها من التعب والمشقة! أفتنتظرين يوماً يأتيك لا تعسر فيه مخالفة الشهوات؟! هذا يوم لم يخلقه الله قط ولا يخلقه.
فلا تكون الجنة قط إلا محفوفة بالمكاره، ولا تكون المكاره قط خفيفة على النفوس، هذا محال وجوده، أما تتأملين منذ كم تعدين نفسك وتقولين غداً غداً؟! فقد جاء الغد وصار يوماً فكيف وجدته؟ أما علمت أن الغد الذي جاء وصار يوماً كان له حكم الأمس؟! لا بل الذي تعجزين عنه اليوم فأنت غداً عنه أعجز وأعجز؛ لأن الشهوة كالشجرة الراسخة التي تعهد العبد بقلعها، فإذا عجز العبد عن قلعها للضعف وأخرها كان كمن عجز عن قلع شجرة وهو شاب قوي فأخرها إلى سنة أخرى، مع العلم بأن طول المدة يزيد الشجرة قوة ورسوخاً، ويزيد القالع ضعفاً ووهناً، فما لا يقدر عليه في الشباب لا يقدر عليه قط في المشيب، بل من العناء رياضة الهرم، ومن التعذيب تهذيب الذيب، والقضيب الرطب يقبل الانحناء، فإذا دف وطال عليه الزمان لم يقبل ذلك، فإذا كنت أيتها النفس لا تفهمين هذه الأمور الجلية وتركنين إلى التسويف فما بالك تتدعين الحكمة؟ وأي حماقة تزيد على هذه الحماقة؟! ورحم الله من قال: أنذرتكم سوف فإنها جند من جنود إبليس.
لعلك يا نفس تقولين ما يمنعني عن الاستقامة إلا حرصي على لذة الشهوات، وقلة صبري على الآلام والمشقات، فما أشد غبواتك! وأقبح اعتذارك إن كنت صادقة في ذلك! فاطلبي التنعم بالشهوات الصافية عن الكدورات الدائمة أبد الآباد، ولا مطمع في ذلك إلا في الجنة، فإن كنت ناظرة لشهوتك فالنظر لها في مخالفتها، فرب أكلة تمنع أكلات، وما قولك في عقل مريض أشار عليه الطبيب بترك الماء البارد ليصح ويهنأ بشربه طول عمره، وأخبره أنه إن شرب ذلك مرض مرضاً مزمناً، وامتنع عليه شربه طول العمر فما مقتضى العقل في قضاء حق الشهوة؟ أيصبر ثلاثة أيام ليتنعم طول العمر أم يقضي شهوته في الحال خوفاً من ألم المخالفة ثلاثة أيام حتى يلزمه ألم المخالفة ثلاثمائة يوم وثلاثة آلاف يوم، وجميع عمرك بالإضافة إلى الأبد الذي هو مدة نعيم أهل الجنة، وعذاب النار أقل من ثلاثة أيام بالإضافة إلى جميع العمر، وإن طالت مدته، وليت شعري ألم الصبر عن الشهوات أعظم شدة وأطول مدة أو ألم النار في دركات جهنم؟! فمن لا يطيق الصبر على ألم المجاهدة كيف يطيق ألم عذاب الله؟ ما أراك تتوانين عن النظر لنفسك إلا لكفر خفي أو لحمق جلي.
أما الكفر الخفي: فضعف إيمانك بيوم الحساب، وقلة معرفتك بعظم قدر الثواب والعقاب.
وأما الحمق الجلي: فاعتمادك على كرم الله وعفوه، من غير التفات إلى مكره واستدراجه، واستغنائه عن عبادتك، مع أنك لا تعتمدين على كرمه في لقمة من الخبز، أو حبة من المال، أو كلمة واحدة تسمعينها من الخلق، بل تتوصلين إلى غرضك في ذلك بجميع الحيل، وبهذا الجهل تستحقين لقب الحماقة، فالأحمق: من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
стр. 711
توبيخ النفس ومعاتبتها بترك الدنيا
ويحك يا نفس لا ينبغي أن تغرك الحياة الدنيا، ولا يغرنك بالله الغرور، فانظري لنفسك، فما أمرك بمهم لغيرك، لا تضيع أوقاتك فالأنفاس معدودة، فكلما ذهب نفس فقد ذهب بعضك، فاغتنمي الصحة قبل السقم، والفراغ قبل الشغل، والغنى قبل الفقر، والحياة قبل الموت، واستعدي للآخرة على قدر بقائك فيها.
يا نفس! أما تستعدين للشتاء بقدر طول مدته تجمعين له القوت والكسوة والحطب وجميع الأسباب، ولا تتكلين في ذلك على فضل الله حتى يدفع عنك البرد في غير جبة وحطب وغير ذلك فإنه قادر على ذلك؟! أفتظنين أيتها النفس أن زمهرير جهنم أخف برداً وأقصر مدة من زمهرير الشتاء، أم تظنين أن ذلك دون هذا؟ كلا، لا مقارنة في الشدة والبرودة بينهما، أفتظنين أن العبد ينجو منها بغير سعي؟ هيهات! كما لا يندفع برد الشتاء إلا بالحطب والنار وسائر الأسباب فلا يندفع حر النار وبردها إلا بحسن التوحيد، وخندق الطاعات، وإنما كرم الله في أن عرفك طريق التحصن، ويسر لك أسبابه، لا في أن يندفع عنك العذاب دون حصنه، كما أن كرم الله في دفع برد الشتاء أن خلق النار وهداك لطريق استخراجها.
ويحك يا نفس! انزعي عن جهلك، وقيسي آخرتك بدنياك: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨]، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف:٢٩] وسنة الله لا تجدين لها تبديلاً، ولا تحويلاً.
ويحك يا نفس! ما أراك إلا ألفت الدنيا وأنست بها، فعسر عليك مفارقتها، وأنت مقبلة على مقاربتها، تؤكدين في نفسك مودتها، فاحسبي أنك غافلة عن عقاب الله وثوابه، وعن أهوال القيامة وأحوالها، فما أنت مؤمنة بالموت المفرق بينك وبين محابك، أفترين أن من يدخل دار ملك ليخرج من الجانب الآخر فرد بصره إلى وجه مليح يعلم أنه يستغرق ذلك قلبه؟! ثم يضطر لا محالة إلى مفارقته أهو معدود من العقلاء أم من الحمقى؟ أما تعلمين أن الدنيا دار لملك الملوك وما لك فيها إلا مجاز، وكل ما فيها لا يصحب المجتازين بها بعد الموت، ولذلك قال سيد البشر ﷺ : (أتاني جبريل فقال لي: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه)؟! ويحك يا نفس! أتعلمين أن كل من يلتفت إلى ملاذ الدنيا ويأنس بها -مع أن الموت من ورائه- إنما يستكثر من الحسرة عند المفارقة، وإنما يتزود من السم المهلك وهو لا يدري؟! أو ما تنظرين إلى الذين مضوا كيف بنوا وعلوا، ثم ذهبوا وخلوا؟! وكيف أورث الله أرضهم وديارهم أعداءهم؟ أما ترينهم كيف يجمعون ما لا يأكلون، ويبنون ما لا يسكنون، ويؤملون ما لا يدركون، يبني كل واحد قصراً مرفوعاً إلى جهة السماء، ومقره قبر محفور تحت الأرض؟ فهل في الدنيا حمق وانتكاس أعظم من هذا؟! يعمر الواحد دنياه وهو مرتحل عنها يقيناً، ويخرب آخرته وهو صائر إليها قطعاً! أما تستحين يا نفس! من مساعدة هؤلاء الحمقى على حماقتهم؟! احسبي أنك لست ذات بصيرة تهتدي إلى هذه الأمور، وإنما تميلين بالطبع إلى التشبه، فقيسي عقل الأنبياء والعلماء والحكماء بعقل هؤلاء المنكبين على الدنيا، واقتدي من الفريقين بمن هو أعقل عندك إن كنت تعتقدين في نفسك العقل والذكاء.
يا نفس! ما أعجب أمرك وأشد جهلك وأظهر طغيانك! عجباً لك كيف تعمين عن هذه الأمور الواضحة الجليلة، ولعلك يا نفس أسكرك حب الجاه، وأدهشك عن فهمها، أو ما تتفكرين أن الجاه لا معنى له إلا ميل القلوب من بعض الناس إليك؟! فاحسبي أن كل من على وجه الأرض سجد لك وأطاعك، أفما تعرفين أنه بعد خمسين سنة لا تبقين أنت ولا أحد ممن على وجه الأرض ممن عبدك وسجد لك؟! وسيأتي زمان لا يبقى ذكرك، ولا ذكر من ذكرك كما أتى على الملوك الذين كانوا من قبلك: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم:٩٨].
كيف تبيعين يا نفس! ما يبقى أبد الآباد بما لا يبقى أكثر من خمسين سنة إن بقي؟! هذا إن كنت ملكاً من ملوك الأرض سلم لك الشرق والغرب، حتى أذعنت لك الرقاب، وانتظمت لك الأسباب، كيف ويأبى إدبارك وشقاوتك أن يسلم لك أمر محلتك بل أمر دارك فضلاً عن محلتك! فإن كنت يا نفس لا تتركين الدنيا رغبة في الآخرة لجهلك وعمى بصيرتك فمالك لا تتركينها ترفعاً عن خسة شركائها، وتنزهاً عن كثرة عنائها، وتوقياً من سرعة فنائها؟! ما لك لا تزهدين في قليلها بعد أن زهد فيك كثيرها؟ وما لك تفرحين بدنيا إن ساعدتك فلا تخلو بلدك من جماعة من اليهود والمجوس يسبقونك بها، ويزيدون عليك في نعيمها وزينتها؟! فأف لدنيا يسبقك بها هؤلاء الأخساء! ما أجهلك، وأخس همتك، وأسقط رأيك! إذ رغبت في أن تكوني في زمرة المقربين من النبيين والصديقين في جوار رب العالمين أبد الآبادين، لتكوني في صف النعال من جملة الحمقى الجاهلين أياماً قلائل، فيا حسرة عليك إن خسرت الدنيا والدين فبادري! ويحك يا نفس! قد أشرفت على الهلاك واقترب الموت، وورد النذير! فمن ذا يصلي عنك بعد الموت؟! من ذا يصوم عنك بعد الموت؟! من ذا يترضى عنك ربك بعد الموت؟! من يتقرب إلى الله بالأعمال بعدك؟ ويحك يا نفس! ما لك إلا أيام معدودة هي بضاعتك إن اتجرت فيها، وقد ضيعت أكثرها فلو بكيت بقية عمرك على ما ضيعت منها لكنت مقصرة في حق نفسك، فكيف إذا ضيعت البقية وأصررت على عادتك؟ أما تعلمين يا نفس! أن الموت موعدك، والقبر بيتك، والتراب فراشك، والدود أنيسك، والفزع الأكبر بين يديك؟ أما علمت يا نفس! أن أكثر الموتى عندك على باب البلد ينتظرونك وقد آلوا على أنفسهم كلهم بالأيمان الغليظة أنهم لا يبرحون من مكانهم ما لم يأخذوك معهم؟ أما تعلمين يا نفس أنهم يتمنون الرجعة إلى الدنيا يوماً ليشتغلوا بتدارك ما فرط منهم وأنت في أمنيتهم ويوم من عمرك لو بيع منهم بالدنيا بحذافيرها لاشتروه لو قدروا عليه، وأنت تضيعين أيامك في الغفلة والبطالة: سألت الدار تخبرني عن الأحباب ما فعلوا فقالت لي أقام القوم أياماً وقد رحلوا فقلت أين أطلبهم وأي منازل نزلوا فقالت في القبور ثووا رهاناً بالذي فعلوا وقال آخر: يا أيها الناس سيروا إن غايتكم أن تصبحوا يوماً لا تسيروا حثوا المطايا وأرخوا من أزمتها قبل الممات وقضوا ما تقضونا كنا أناساً كما كنتم فغيرنا دار فسوف كما كنا تكونونا وقال آخر: فكأن أهلك قد دعوك فلم تسمع وأنت محشرج الصدر وكأنهم قد قلبوك على ظهر السرير وأنت لا تدري وكأنهم قد زودوك بما يتزود الهلكى من العطر يا ليت شعري كيف أنت إذا غسلت بالكافور والسدر يا ليت شعري كيف أنت على نبش الضريح وظلمة القبر ويحك يا نفس أما تستحين؟ تزينين ظاهرك للخلق، وتبارزين الله في السر بالعظائم؟! أفتستحين من الخلق ولا تستحيين من الخالق؟! ويحك أهو أهون الناظرين عليك؟! أتأمرين الناس بالخير وأنت متلطخة بالرذائل، تدعين إلى الله وأنت عنه فارة، تذكرين بالله وأنت له ناسية! أما تعلمين يا نفس! أن المذنب أنتن من العذرة، وأن العذرة لا تطهر غيرها؟ فلم تطمعين في تطهير غيرك وأنت غير طيبة في نفسك؟! ويحك يا نفس لو عرفت نفسك حق معرفتها لظننت أن الناس ما يصيبهم بلاء إلا بشؤمك، ويحك يا نفس قد جعلت نفسك حماراً لإبليس يقودك إلى حيث يريد، ويسخر بك، ومع هذا فتعجبين بعملك وفيه من الآفات ما لو نجوت منه رأساً برأس لكان الربح في يديك! وكيف تعجبين بعملك مع كثرة خطاياك وزللك، وقد لعن الله إبليس بخطيئة واحدة مع عبادته له قبل ذلك، وأخرج آدم من الجنة بخطيئة واحدة مع كونه نبيه وصفيه؟ ويحك يا نفس ما أغدرك! ويحك يا نفس ما أوقحك! ويحك يا نفس ما أجهلك وما أجرأك على المعاصي! ويحك كم تعقدين فتنقضين؟! ويحك كم تعهدين فتغدرين؟! ويحك يا نفس أتشتغلين مع هذه الخطايا بعمارة دنياك كأنك غير مرتحلة عنها؟! أما تنظرين إلى أهل القبور كيف كانوا، جمعوا كثيراً، وبنوا مشيداً، وأملوا بعيداً، فأصبح دمعهم بوراً، وبنيانهم قبوراً، وعملهم غروراً؟! ويحك يا نفس! أما لك بهم عبرة؟ أما لك إليهم نظرة؟ أتظنين أنهم دعوا إلى الآخرة وأنت من المخلدين؟ هيهات هيهات! ساء ما تتوهمين، ما أنت إلا في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك، فابني على وجه الأرض قصرك فإن بطنها عن قليل سيكون قبرك، أما تخافين إذا بلغت النفس منك التراقي، أن تبدو رسل ربك منحدرة إليك بسواد الألوان، وكلح الوجوه، وبشرى بالعذاب؟ فهل ينفعك حينئذ الندم أو يقبل منك الحزن أو يرحم منك البكاء؟! والعجب كل العجب يا نفس أنك مع هذا تدعين البصيرة والفطنة، ومن فطنتك أنك تفرحين كل يوم بزيادة مالك، ولا تحزنين بنقصان عمرك، وما نفع مال يزيد وعمر ينقص!
стр. 712
معاتبة النفس بلزوم العمل للآخرة
ويحك يا نفس! تعرضين عن الآخرة وهي مقبلة عليك، وتقبلين على الدنيا وهي معرضة عنك، كم من مستقبل يوماً لا يستكمله! وكم من مؤمل لغد لا يبلغه! أنت تشاهدين ذلك في إخوانك وأقاربك وجيرانك فترين تحسرهم عند الموت ثم لا ترجعين عن جهالتك.
احذري أيتها النفس المسكينة! يوماً آلى الله فيه على نفسه ألا يترك عبداً أمره في الدنيا ونهاه حتى يسأله عن عمله دقيقه وجليله، سره وعلانيته، فانظري يا نفس بأي موقف تقفين بين يدي الله، وبأي لسان تجيبين، فأعدي للسؤال جواباً، وللجواب صواباً، اعملي بقية عمرك في أيام قصار لأيام طوال، وفي دار زوال لدار مقامة، وفي دار حزن ونصب لدار نعيم وخلود، اعملي قبل ألا تعملي، اخرجي من الدنيا اختياراً خروج الأحرار قبل أن تخرجي منها على الاضطرار، لا تفرحي بما يساعدك من زهرات الدنيا، فرب مسرور مغبون، ورب مغبون لا يشعر! فويل لمن له الويل ثم لا يشعر! يضحك ويفرح، ويلهو ويمرح، ويأكل ويشرب وقد حق له في كتاب الله أنه من وقود النار، فليكن نظرك يا نفس إلى الدنيا اعتباراً، وسعيك لها اضطراراً، وردك لها اختياراً، وطلبك للآخرة ابتداراً، ولا تكوني ممن يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، واعلمي يا نفس أنه ليس للدين عوض، ولا للإيمان بدل، ولا للجسد خلف، ومن كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن لم يسر، فاتعظي يا نفس بهذه الموعظة، واقبلي هذه النصيحة، فإن من أعرض عن الموعظة فقد رضي بالنار، وما أراك بها راضية، ولا لهذه الموعظة واعية، فإن كانت القساوة تمنعك عن قبول الموعظة فاستعيني عليها بدوام التهجد والقيام، فإن لم تزل فبالمواظبة على الصيام، فإن لم يزل فبقلة المخالطة والكلام، فإن لم تزل فبصلة الأرحام واللطف بالأيتام، فإن لم تزل فاعلمي أن الله قد طبع على قلبك وأقفل عليه، وأنه قد تراكمت ظلمة الذنوب على ظاهره وباطنه، فوطني نفسك على النار، وقد خلق الله الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً، وكل ميسر لما خلق له، فإن لم يبق فيك مجال للوعظ فاقنطي من نفسك، والقنوط كبيرة من الكبائر نعوذ بالله من ذلك، فلا سبيل لك إلى القنوط، ولا سبيل لك إلى الرجاء، مع انسداد طرق الخير عليك، إن ذلك اغتراراً وليس برجاء، انظري الآن هل يأخذك حزن على هذه المصيبة التي ابتليت بها؟! وهل تسمح عينك بدمعة رحمة منك على نفسك؟! فإن سمحت فمستقى الدمع من بحر الرحمة، فقد بقي فيك موضع للرجاء، فواظبي على النياحة والبكاء، واستعيني بأرحم الراحمين، واشتكي إلى أكرم الأكرمين، وأدمني الاستغاثة، ولا تملي طول الشكاية؛ لعله أن يرحم ضعفك، وأن يغيثك، فإن مصيبتك قد عظمت، وبليتك قد تفاقمت، وتماديك قد طال، وقد انقطعت منك الحيل، وراحت عنك العلل، فلا مذهب ولا مطلب، ولا مستغاث ولا مهرب، ولا ملجأ ولا منجى إلا إلى مولاك، فافزعي إليه بالتضرع، واخشعي في تضرعك على قدر عظم جهلك، وكثرة ذنوبك، فإنه يرحم المتضرع الذليل، ويغيث الطالب المتلهف، يجيب دعوة المضطر، وقد أصبحت إليه اليوم مضطرة، وإلى رحمته محتاجة، قد ضاقت بك السبل، وامتدت عليك الطرق، وانقطعت منك الحيل، ولم تنجح فيك العظات، ولم ينفع التوبيخ، فالمطلوب منه كريم، والمسئول جواد، والمستغاث به بر رءوف، والرحمة واسعة، والكرم فائض، والعفو شامل، قولي: يا أرحم الراحمين! يا رحمان يا رحيم! يا حليم يا عظيم يا كريم! أنا المذنب المصر، أنا الجريء الذي لا أقلع، أنا المتمادي الذي لا أستحي، هذا مقام المتضرع المسكين، والبائس الفقير، والضعيف الحقير، والهالك الغريق، فعجل إغاثتي وفرجي، وأرني آثار رحمتك، أذقني برد عفوك ومغفرتك، ارزقني من عظمتك يا أرحم الراحمين!
стр. 713
معاتبة عون بن عبد الله لنفسه
قال منصور بن عمار: سمعت في بعض الليالي بالكوفة عابداً يناجي ربه ويقول: يا رب! وعزتك ما أردت بمعصيتك مخالفتك، ولا عصيتك إذ عصيتك وأنا بمكانك جاهل، ولا لعقوبتك متعرض، ولا لنظرك مستخف، ولكن سولت لي نفسي، وأعانني على ذلك شقوتي، وغرني سترك المرخى علي، فعصيتك بجهلي، وخالفتك بفعلي، فمن عذابك الآن من يستنقذني؟! وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني؟ واسوأتاه من الوقوف بين يديك غداً إذا قيل للمخفين: جوزوا، وقيل للمثقلين: حطوا، أمع المخفين أجوز أم مع المثقلين أحط؟ ويلي كلما كبرت سني كثرت ذنوبي! ويلي كلما طال عمري كثرت معاصي! فإلى متى أتوب؟ وإلى متى أعود؟ أما آن لي أن أستحي من ربي؟! انظر يا أخي! هذه معاتبة نفس، زفرات صدر، وأشجان قلب يمم وجهه شطر الدار الآخرة مستراح العابدين يبثها في خشوع، تابعي جليل من القرون الخيرية، من تلامذة الصحابة، ربي وصنع على أيديهم، شرب من سلسبيل القرآن والسنة، وكحل أجفان قلبه بهما، فانظر إليه كيف يستنصر الدمع في مناجاته، إنه عون بن عبد الله بن عتبة، يقول: ويحي لم أعصي ربي؟! ويحي إنما عصيته بنعمته عندي! ويحي من خطيئة ذهبت شهوتها وبقيت تبعتها عندي في كتاب كتبه كتاب لم يغيبوا عني! واسوأتاه لم أستحيهم ولم أراقب ربي! ويحي نسيت ما لم ينسوا مني! ويحي غفلت ولم يغلفوا عني! لم أستحيهم ولم أراقبه، ويحي حفظوا ما ضيعت مني! ويحي طاوعت نفسي وهي لا تطاوعني! ويحي طاوعتها فيما يضرها ويضرني! ويحي ألا تطاوعني فيما ينفعها وينفعني؟! ويحها ألا تطاوعني فيما ينفعها وينفعني؟! أريد إصلاحها وتريد أن تفسدني، ويحها إني لأنصفها وما تنصفني! أدعوها لرشدها وتدعوني لتغويني! ويحها إنها لعدو لو أنزلتها تلك المنزلة مني! ويحها تريد اليوم أن ترديني وغداً تخاصمني! ويحي كيف أفر من الموت وقد وكل بي؟! ويحي كيف أنساه ولا ينساني؟! ويحي إنه يقص أثري! فإن فررت لقيني، وإن أقمت أدركني، ويحي هل عسى أن يكون قد أظلني فمساني وصبحني، أو طرقني فبغتني؟! ويحي أزعم أن خطيئتي قد أقرحت قلبي، ولا يتجافى جنبي، ولا تدمع عيني ولا تأثر لي ولا يسهر ليلي؟! ويحي كيف أنام على مثلها ليلي؟! ويحي هل ينام على مثلها مثلي؟! ويحي لقد خشيت ألا يكون هذا الصدق مني؟! بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي كيف لا توهن قوتي ولا تعطس هامتي؟! بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي كيف لا أنشط فيما يطيفها عني؟! بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي! كيف لا يذهب ذكر خطيئتي كسلي، ولا يبعثني إلى ما يذهبها عني؟! بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي! لا تنهاني الأولى من خطيئتي عن الآخرة، ولا تذكرني الآخرة من خطيئتي بسوء ما ركبت من الأولى! فويلي ثم ويلي إن لم يتم عفو ربي، ويحي لقد كان لي فيما استوعبت من لساني وسمعي وقلبي وبصري اشتغال، فويلي إن لم يرحمني ربي! ويلي إن حجبت يوم القيامة عن ربي فلم يزكني، ولم ينظر إلي، ولم يكلمني! أعوذ بنور وجهه من خطيئتي، وأعوذ به أن أعطى كتابي بشمالي أو وراء ظهري؛ فيسود به وجهي، وتزرق به مع العمى عيني، بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي بأي شيء أستقبل ربي بلساني أم بيدي أم بسمعي أم بقلبي أم ببصري؟! ففي كل هذا له الحجة والطلبة عندي، فويلي إن لم يرحمني ربي، كيف لا يشغلني ذكر خطيئتي عن ما لا يعنيني؟! ويحك يا نفس ما لك تنسين ما لا ينسى، وقد أوتيت ما لا يؤتى، وكل ذلك عند ربي يحصى، في كتاب لا يبيد ولا يبلى، ويحك لا تخافين أن تجزي في من يجزى، يوم تجزى كل نفس بما تسعى، وقد آثرت ما يفنى على ما يبقى، يا نفس! ويحك ألا تستفيقين مما أنت فيه إن سقمت تندمين، إن صححت تأثمين، إن افتقرت تحزنين، إن استغنيت تفتنين، ما لك إن نشطت تزهدين، فلما إن دعيت تكسلين؟ أراك ترغبين قبل أن تنصبي، فلم لا تنصبين فيما ترغبين؟! يا نفس! ويحك لم تخالفين؟ تقولين في الدنيا قول الزاهدين، وتعملين فيها عمل الراغبين! ويحك لم تكرهين الموت؟! يا نفس ويحك أترجين أن ترضي ولا تراضين؟ ما لك إن سألت تكثرين، فلما إن أنفقت تقترين؟! تعظمين في الرهبة حين تسألين، وتقصرين في الرغبة حين تعملين، تريدين الآخرة بغير عمل، وتؤخرين التوبة لطول الأمل! لا تكوني كمن يقال: هو في القول مدل، ويستصعب عليه الفعل.
ويح لنا ما أغرنا! ويح لنا ما أغفلنا! ويح لنا ما أجهلنا! ويح لأي شيء خلقنا؟! أللجنة أم للنار؟ ويح لنا أي خطر خطرنا، ويح لنا من أعمالنا! ويح لنا مما يراد بنا! ويح لنا كأنما يعنى غيرنا! ويح لنا إن ختم على أفواهنا، وتكلمت أيدينا، وشهدت أرجلنا! ويح لنا حين تفتش سرائرنا! ويح لنا حين تشهد أجسادنا! ويح لنا مما قصرنا! لا براءة لنا، لا عذر عندنا، ما أطول أملنا! ويح لنا حيث نمضي إلى خالقنا! ويح لنا والويل الطويل لنا إن لم يرحمنا ربنا، فارحمنا يا ربنا! ويحي! كيف أغفل ولا يغفل عني؟! كيف تهنئني معيشتي واليوم الثقيل ورائي؟! كيف لا يطول حزني ولا أدري ما يفعل بي، أم كيف تهنأ لي الحياة ولا أدري ما أجلي؟ أم كيف تعظم فيها رغبتي والقليل منها يكفيني؟ أم كيف آمن ولا يدوم فيها حالي؟ أم كيف يشتد حبي لدار ليست بداري؟! أم كيف أجمع لها وفي غيرها قراري؟ أم كيف يشتد عليها حرصي ولا ينفعني ما تركت فيها بعدي؟ أم كيف أوثرها وقد أضرت بمن آثرها قبلي؟ أم كيف لا أبادر بعمل قبل أن يغلق باب توبتي؟ أم كيف يشتد إعجابي بما يزايلني وينقطع عني؟ أم كيف أغفل عن أمر حسابي وقد أظلني واقترب مني؟ أم كيف أجعل شغلي فيما قد تكفل لي به؟ أم كيف أعاود ذنوبي وأنا معروض على عملي؟ أم كيف لا أعمل بطاعة ربي وفيها المنجاة مما أحذر على نفسي؟ أم كيف لا يكثر بكائي ولا أدري ما يراد بي؟ أم كيف تقر عيني مع ذكر ما سلف مني؟ أم كيف أعرض نفسي لما لا يقوى له جسدي؟ أم كيف لا يشتد هولي مما يشتد منه جزعي؟ أم كيف تطيب نفسي مع ذكر ما هو أمامي؟ كيف يطول أملي والموت في أثري؟ كيف لا أراقب ربي وقد أحسن طلبي؟ ويحي! هل ضرت غفلتي أحداً سواي؟ أم هل يعمل لي غيري إن ضيعت حظي؟! أم هل يكون عملي إلا لنفسي، فلم أدخر عن نفسي ما يكون نفعه لي؟ ويحي! كأنه قد تصرم أجلي ثم أعاد ربي خلقي كما بدأني، ثم أوقفني وسألني وسأل عني وهو أعلم بي، ثم أشهد الأمر الذي أذهلني عن أحبابي وأهلي، وشغلت بنفسي عن غيري! وبدلت السموات والأرض وكانتا تطيعان وكنت أعصي، سيرت الجبال وليس لها مثل خطيئتي، وجمع الشمس والقمر وليس عليهما مثل حسابي، وانكدرت النجوم وليست تطلب بما عندي، وحشرت الوحوش ولم تعمل بمثل عملي، وشاب الوليد وهو أقل ذنباً مني.
ويحي! ما أشد حالي وأعظم خطئي فاغفره.
стр. 714
معاتبة أعطر من أريج الزهور
ومعاتبة أخرى أعطر من أريج الزهور: يا نفس! ما لي أراك مطمئنة والغالب عليك الفرح والسرور، وشواهد المقت بادية عليك، ودلائل الغضب بينة فيك، في كثير من أحوالك قد اطمأننت وسكنت، وكثيراً ما يغلب عليك الفرح والسرور في أكثر الأحوال، وأنت ترين فيك من الله دلائل الغضب وشواهد المقت، ثم لا تبكين ولا لذلك تكترثين، كأنك لغضب الله تطيقين، ولعذابه تجهلين، هيهات هيهات! إنك عن دون الله لتضعفين، ومن أقل أذى الدنيا تجزعين، فكيف بشدة غضب الله وأليم عذابه؟! ولكن عقوبات الله منعتك من أن تجزعي، فكيف يصنع الله بمن لا يجزع من غضبه، ولا يتوجع من أليم عذابه، ولا يصلح على آدابه، ولا يقبل عليه بالإقلاع شكراً لدوام نعمائه، ولا ينحاش ولا يهرب إليه؛ لما يرى من سوء آثار عقوباته في الدنيا خاصة دون معاشه في نفسه وعياله؟! ويحك يا نفس! ويحك يا نفس! ألم تري أن مولاك قد أبعدك عما كان يتعاهد به قلبك من هيجان التيقظ وقوة التنبه، والدوام على ذكره والجزع من نسيانه وشدة عذابه، ولقد رغب الله قلبك في أول أمرك، وتأديباً كانت بلية الله فيك، وتقريباً منه إليك، وتحنناً منه عليك فنبه قلبك عن الغفلات، ومن عليك بجود الحلاوة عند الطاعات، وشدة التلذذ بالمناجاة، فأصبحت وأمسيت مباعدة من الله، مطرودة عن بابه، منحاة من قربه، قد حل بك منه الخذلان، تتمادين في الغفلات فلا يوقظك، ويدوم منك النسيان فلا ينبهك، وتكون منك الزلة بعد الزلة فلا يدوم لك الحزن، ولا يطول بك الغم، بل قد قلب التنبه فيك فصار لا ينبهك ولا يذكرك، ثم يحدوك بالعقوبة عن استعمال التذكر وطاعة التنبه، فصرت في شر حال، وبعد ذلك طول الغفلة ودوام النسيان لنظر الجليل العظيم.
ثم شهوتك لترك استعمال التذكر وطاعة التنبه، طول غفلة وجرأة وإقدام على الذنب، وما تخافين أن تحرمي الخلود في جواره، هل سمع السامعون بأسوأ منك حالاً؟ هل عرف العارفون بأشر من منزلتك؟ ثم مع ذلك الحزن عنك زائل، والغم لك مباين، والتوجع لك غير لازم، وقد رآك مولاك في أسباب الدنيا بأضداد ذلك كله، شغلك بطلبها دائم لا تملين، تنشطين وتقوين إذا رأيت الزيادات في معاشك، وتنكسرين إذا رأيت النقصان فيه، ولا يكون ذلك فيما بينك وبين ربك إلا في أقل الأوقات، قد أصبحت عند الله مفتضحة، ومن البعد منه غير مكترثة، لقد أصبحت وأمسيت وهو عليك غير مقبل، ولك غير مقرب، مقصاة منه، مباعدة عنه، ولولا تفضله عليك بالعفو لسلبك نعمة الدين كلها، ولكنه يبقي من العقوبة تفضلاً منه وإحساناً وكرماً على عبيده.
ويحك ما لك في الجهل مفعمة مغموسة، وفي البلايا متلوثة؟ ويحك هل عقلت من تعصين؟ ويحك تتمادين في الغفلات فلا يوقظك، ويدوم منك النسيان فلا ينبهك، فكيف لا يغلب ذلك عليك وأنت في كل يوم في نقصان، في كل يوم لا تفرين من المعاصي؟! إن تبت لا تلبثين أن ترجعي عن توبتك وتعودين في تخبطك، إن عزمت لا تقلعين، وإن فعلت ما عزمت عليه فمن الآفات لا تسلمين عن حب محمدة أو عجب، تعاهدين فتغدرين، وتعدين فتخلفين، وتحلفين بالله ثم لا تفين، فلو كنت جاهلة كان أخف للحجة عليك، وكان أبعد لك عن الجرأة عن مولاك، ولكن عظمت عليك الحجة، ودامت منك الجرأة، إن كنت للآثار طالبة، وللقرآن حافظة، وفي الدقائق من الحكمة مناظرة، وبحسن العظات نافقة، تدعين إلى الله وأنت منه فارة، وتذكرين بالله وأنت له ناسية، تعظمين الله بالقول وأنت بالفعل غير معظمة، ويحك! أنت اليوم مهملة، والله لك منظر، وعن قليل تنقطع المدة وتزول النظرة ولو قد تغشاك الموت وسياقه، فلقد حضرك العدم فأعطيت النية الصحيحة حيث لا يقبل، ويحك أتدرين عما ينكشف الغطاء؟ أما تخافين لو بلغ منك النفس التراقي أن تبدو رسل الله منحدرة من السماء بسواد الألوان وبشرى العذاب؟ هل ينفعك حينئذ الندم؟ هل يقبل منك الحزن، أو يرحم منك البكاء؟ ويحك! بادري حلول الأجل بالتوبة، واغتنمي عيش كل ساعة فإنك في السير مجدة، وفي كل وقت من لقاء الله تقربين.
ويحك! تكلفي الحزن واطلبيه، لعلك من الحزن الأكبر تنجين، ويحك كدري الفكر بما سلف منك من الذنوب، وعودي البكاء عيناً بالدموع قبل سيلها في نار جهنم.
ويحك! استعيني بأرحم الراحمين، واشتكي إلى أكرم الأكرمين، وأديمي الاستغاثة، ولا تملي طول الشكاية، لعله أن يرحم ضعفك ويغيثك، فإن مصيبتك قد عظمت، وبليتك قد تفاقمت، وتماديك قد طال، قد انقطعت منك الحيل، وانزاحت إليك العلل، لا مهرب ولا مطلب، ولا استغاثة ولا ملجأ ولا منجى إلا إلى مولاك، فاضرعي إلى مولاك واخشعي في تضرعك؛ لأنه يرحم المتضرع الذليل، ويغيث الطالب المتلهف، ويجيب دعوة المضطر، وقد والله أصبحت إليه مضطرة، وإلى رحمته محتاجة، فألحي بالطلب للفرج، واشتكي لعظم المصيبة، فإن المطلوب إليه كريم، والمسئول إليه جواد، والمستغاث به رءوف، أديمي الاستغاثة فإنه يغيثك، وإن من إغاثته لك أن من عليك بالاستغاثة، فليرك مولاك في مقام المضطرين الحيارى الملهوفين؛ لأنه إن أخذك بعظيم جرمك لم يغثك، وإن صفح بجوده أن يؤاخذك أسرع بإجابتك.
فادعي يا نفس! دعاء من لا يستأهل أن يجاب ولا يغاث، طامع من الجواد ألا يناقش السيئات، ولا يؤاخذ بالخطايا، يغيث من يدعو وهو عند نفسه لا يستأهل أن يجاب، ولكن حمله على التضرع معرفته بكرم المسئول وجود المطلوب ورحمة المستغاث.
اعقلي يا نفس ما فاتك من طاعة ربك، وما أفنيت من عمرك في غير التقرب إليه، فيا أسفاه على طاعته! ويا حزناه على رضاه! ويا خجلاه مما اطلع عليه! يا طول كمدك إن حرمك جواره في الآخرة كما حرمك صدق المعاملة في الدنيا! يا تقلقلك في حر جهنم إن لم يعف عنك! ويحك اذكري ما يحل بأهل عذابه من اشتعال النار في جميع أجسامهم، ووصولها إلى أحداقهم، ودخولها في أجوافهم.
ويحك كيف ترين وجع قلب عبد دخلت النار في عينه ونفذت إلى جميع بدنه؟! بل كيف بنار تأكل أمعاءه وكبده؟! بل كيف بلسان من نار يدخل في جوف قلبه ثم يلتهب في جميع أعضاء جسده؟! ويحك أتأمنين أن يكون هذا غداً نعتك وصفتك، وهذه حالك؟! ويحك ارحمي ضعف جسمك لا تخاطري به، ورقي لقلة صبرك ولا تغتري، إذا لم ترحمي بدنك من النار فمن ترحمين؟! وإن لم ترقي له فعلى من ترقين؟! والله لو تبت وأنبت وأطعت لم آمن عليك أن يردك ولا يقيلك، فاستقيليه عسى ألا يردك ولا تنالين ذلك إلا به، فافزعي إليه فزع الهالك، وتضرعي إليه تضرع الغريق، استغيثي به استغاثة العطب؛ فإن المستغيث مأمول له في الاستغاثة، والله الداعي موفق للدعاء، كما كان الكريم يمن بالاستغاثة، ويهيج على الطلب وهو لا يريد ممن فعل به ذلك ألا يجبه، ولكن ليكثر المتفضل عليه بالدعاء على مقدار نقمته، وليلح بالطلب على قدر مسكنته، فلتقصير في ذلك رد أكثر المستغاثين.
أما من فتح الله عليه باب الاستغاثة، ومن عليه بالتضرع فعظم منته بذلك، وعلم أنه أعطي ما لم يستأهله، ثم داوم وواظب على الطلب فلن يخيب الله دعوته، ولن يمسك إجابته، أبى الجواد بكرمه وجوده أن يرد من أراده، فاشتكي إليه، داومي ولا تملي، فمن كان في مثل حالك لا يمل دوام التضرع بشدة المسكنة ولعظيم المصيبة.
ويحك إن لم تخافي العذاب ولم ترحمي جسدك أما تشتاقين أن يحل بك من الله الرضا، وينظر إليك بالحظوه؟! ويحك أما تحنين إلى طيب جوار الله في جنته، في روح لا يزول، ونعيم لا يبيد، وقرة عين لا تنقطع، فوق الأماني مما تشتهيه الأنفس، مع البقاء واليقين بالرضوان، وأعظم من ذلك تشتاقين إلى أن تزوري مولاك، وتسمعي كلامه لك بالترحيب، ويكشف الحجاب فتنظري إلى من لا يشبهه شيء في جلاله؟! ويحك! في هذه الدار وجب ذلك كله للعمال، وفي هذه حل الحرمان كله على الجهال، فعيشك غنيمة، وبقية عمرك إقالة، فافرحي واشكري لمولاك أن يكون الموت عاجلك فحال بينك وبين الرجوع، وقطع بك عن النزوع، وفاتك طيب جوار الله العظيم الجليل.
ويحك! لا تزهدي في الهرب من النار، ولا تستهيني بطيب الجوار، ولا تعرضي عن الرغبة في رضوان الله، إني لأقول لك هذا ولا أدري أي حال عند الله حالك، بماذا ينظر إليك في ساعتك هذه؟ بالمحبة والرضوان؟ أم بالغضب والسخط والحرمان؟ أي الدارين دارك؟ وأي القرارين قرارك؟ وأي العيش عيشك؟ فكلا الدارين قد امتلأ بسكانها، ووصل كل واحدة منها أهلها، فاطلع بقلب فارغ إلى الجنة وقد ثوى فيها سكانها إلى انفساح سعتها، وبرد طيب نسيمها، وإلى طيب ما يفوح من رائحتها، وإلى حسن بناء قصورها، وبهجة حليها وحريرها، وتلألأ نورها على أسرتها وحجالها، اطلع إلى حسن وجوه أهلها ونضرة أثر النعيم في وجوههم، وقربهم من مليكهم، ويقينهم برضا الله عنهم، اطلع إلى اختلاف الملائكة رسلاً من الله إليهم، وتردد الولدان كاللؤلؤ في لذاتهم، اطلع إلى أنهارها على جنادل ياقوتها وقد تضمنت من أصناف البهجة في عرصاتها! ثم اشرفي بوجهك على دار الهوان والخزي انظري ببصر قلبك إلى شدة ضيقها إلى تكاثف ظلمتها وانطباق أبوابها، مسودة بالعمد عليهم، ووهج النيران فيها، انظري إلى قبيح صور المعذبين فيها وإلى شدة نتن دارهم، وتهتك أجسامهم، ونتن مقطعات ما بهم إلى النيران ملتهبة من فوق رءوسهم وأسافل أقدامهم وإلى حياض الحميم تفور معدة لشدة عطشهم، وتجاوب أصواتهم بالويل والثبور، وإلى تضرعهم إلى مالك والخزنة، وندائهم بالاستغاثة، ثم دعائهم إلى ربهم فأخسأهم فانقطعت أصواتهم، والتحمت أفواههم، وحبست أنفاسهم وبقوا بالغم والكرب لا يتنفسون إلى حلول غضب الله عليهم، وانقطاع رجائهم منه.
توهمي ما تضمنته حواشيها من صنوف الهوان والألوان من العذاب، فإنك إن نظرت في ساعتك هذه إلى كل واحدة منها، وعظيم ما فيها، ثم لم تأمني حرمان جوار الله والخلود في دار عذابه أشفقت وإن أشفقت حذرت، وإن حذرت أيقنت بكل ما يتوعد به؛ فتبت وأنبت ومن كل ما يكره تطهرت، فتوهمي إلى عواقب من أطاع واتقى، وعواقب من عصى الله وأساء، ولا ترضي بأن تخاطري فيما إن وقعت فيه لن تقالين، ولا إلى الدنيا تردين.
ويحك! إن الدنيا دار نجاة الآخرة، بقدر ما تحملين فيها من المكروه لله تعوضين، وبقدر ما تتركين من ملاذها تجزين، إن الجامعين بذلوا الأحزان في الدنيا
стр. 715
سقوط الأندلس
لما أقام المسلمون على هذا الدين وعزروه ونصروه مكن الله لهم في الأرض، وجعلهم فيها خلائف، ولما تفرقوا وتنازعوا ونسوا حظاً مما ذكروا به تمزقوا إلى فرق وطوائف، وأوضح مثال على ذلك هو سقوط الأندلس في أيدي الصليبيين.
إن الصليبيين واليهود سوف يظلون أعداء الإسلام مهما أوهموا المسلمين أنهم يريدون السلام؛ لأن حاضرهم وماضيهم لا يثبت صدق دعواهم.
стр. 716
الجهود المبذولة لمحاربة الإسلام والمسلمين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]، ثم أما بعد: يقول الشيخ جلال العالم في كتابه: (قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام أبيدوا أهله): حاول الصليبيون تدمير الإسلام في الحروب الصليبية ففشلت جيوشهم التي هاجمت بلاد الإسلام بالملايين، فعادوا يخططون من جديد لينهضوا، ثم ليعودوا إلينا بجيوش حديثة، وفكر جديد هدفه تدمير الإسلام من جديد.
كان جنديهم البريطاني حين يلبس بزة الحرب قادماً لاستعمار بلاد الإسلام ليبيا ينشد نشيداً فيقول: أماه! أتمي صلاتك لا تبكي بل اضحكي وتأملي أنا ذاهب إلى طرابلس فرحاً مسروراً سأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة سأحارب الديانة الإسلامية سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن أما ما فعلوه في الحروب الصليبية فإنهم لما سألوا بطرس الناسك عند نقص المؤن، أمرهم بأن يأتوا بجثث المسلمين الذين ماتوا في التو، وأن يقوموا بسلخها، ثم شيها، ثم أكلها.
وهذا ثابت في كل الروايات حتى التي كتبها مفكرو الغرب ومؤرخوهم، فقد كانوا يقومون بأكل جثث المسلمين بعد موتها.
وأما في الأندلس فمحاكم التفتيش خير شاهد على ما فعلوه في الأندلس، تقول الدكتورة هونكه: في ٢ يناير ١٤٩٢ م رفع الكاردينال مندوزا الصليب على قلعة الحمراء، وهذا القصر كان موجوداً في غرناطة، وكان مكتوب عليه: لا ناصر إلا الله لا غالب إلا الله، فذهبوا وعملوا مسرحية: لا غالب إلا الحب.
وقد وقع آخر خلفاء الأندلس أبو عبد الله الصغير معاهدة مع فرديناند وإيزابيلا، وهذه إيزابيلا صاحبة القميص العتيق، كانت ملكة الكنائس، وقد عاصرت آخر خليفة أندلسي عربي مسلم، وعلى يدها سقط ملك المسلمين في الأندلس، فقد تزوجت فرديناند وأقسمت للقسيس الذي كان يرعاها ويربيها أن سقوط خلافة المسلمين في الأندلس سيكون على يدها، وهذه يسمونها صاحبة القميص العتيق.
وفي رواية إسبانية أن إيزابيلا صاحبة القميص العتيق لم تخلع ثوبها الداخلي منذ أقسمت أمام قسيسها حتى سقط ملك المسلمين، وأقسمت أنها لا تخلع ثوبها الداخلي لغسل حتى يسقط ملك المسلمين، وكان لها ما أرادت.
أبو عبد الله الصغير هو الذي ضيع ملك المسلمين في الأندلس، وأتى ليبكي بعدما دخلوا القصر، فقالت له أمه عائشة: ابك كالنساء ملكاً لم تحافظ عليه مثل الرجال.
وكان من ضمن الأشياء التي أخذها على فرديناند وإيزابيلا أن تظل الرئاسة الفخرية أو العرش الفخري أو العرش الرئاسي -يملك ولا يحكم- لأول أحفاده من بعده.
يقول مؤرخ عربي مغربي: فلقد وجدت أحفاده يتسولون الناس بفاس -مدينة المغرب-.
فقد أضاع ملك المسلمين لكي يظل الملك لأولاده، وأحفاده كانوا يتسولون في بلاد المغرب العربي، وانتهى قبره أن أصبح مزاراً سياحياً على درجة من درجات سلم في مشهد من مشاهد الآثار، فعاش فقيراً، ومات فقيراً.
تقول الدكتورة هونكه في ٢ يناير ١٤٩٢ م رفع الكاردينال الصليب على الحمراء، وهي القلعة الملكية للأسرة الناصرية، فكان إعلاناً بانتهاء حكم المسلمين على أسبانيا.
وبانتهاء هذا الحكم ضاعت تلك الحضارة العظيمة التي بسطت سلطانها على أوربا طوال العصور الوسطى، وقد احترمت المسيحية المنتصرة اتفاقاتها مع المسلمين لفترة وجيزة، ثم باشرت عملية القضاء على المسلمين وحضارتهم وثقافتهم.
ثم تقول: لقد حُرِّم الإسلام على المسلمين، وفرض عليهم تركه، كما حُرِّم عليهم استخدام اللغة العربية، والأسماء العربية، وارتداء اللباس العربي، ومن يخالف ذلك كان يحرق حيًّا بعد أن يعذّب أشد العذاب.
هكذا انتهى وجود الملايين من المسلمين في الأندلس فلم يبق في أسبانيا مسلم واحد يُظهر دينه.
стр. 717
تعذيب المسلمين في أسبانيا
كان المسلمون يعذبون على أيدي ما يسمى بدواوين ومحاكم التفتيش، فبعد مرور أربعة قرون على سقوط الأندلس أرسل نابليون حملته إلى أسبانيا، وأصدر مرسوماً سنة ١٨٠٨م بإلغاء دواوين التفتيش في المملكة الأسبانية.
لنرى ماذا حصل عندما ألغيت دواوين التفتيش: تحدث أحد الضباط الفرنسيين فقال: أخذنا حملة لتفتيش أحد الأديرة التي سمعنا أن فيها ديوان تفتيش، وكادت جهودنا تذهب سدى ونحن نحاول العثور على قاعات التعذيب، فقد فحصنا الدير وممراته وأقبيته كلها، فلم نجد شيئاً يدل على وجود ديوان للتفتيش، فعزمنا على الخروج من الدير يائسين، كان الرهبان أثناء التفتيش يقسمون ويؤكدون أن ما شاع عن ديرهم ليس إلا تهماً باطلة، وأنشأ زعيمهم يؤكد لنا براءته وبراءة أتباعه بصوت خافت وهو خاشع الرأس، توشك عيناه أن تطفر بالدموع، فأعطيت الأوامر للجنود بالاستعداد لمغادرة الدير، لكن اللفتنانت دي ليل استمهلني قائلاً: أيسمح لي الكولونيل أن أخبره أن مهمتنا لم تنته حتى الآن؟ قلت له: فتشنا الدير كله، ولم نكتشف شيئاً مريباً، فماذا تريد يا لفتنانت؟ قال: إنني أرغب أن أفحص أرضية هذه الغرفة فإن قلبي يحدثني بأن السر تحتها.
عند ذلك نظر الرهبان إلينا نظرات قلقة، فأذنت للضابط بالبحث، فأمر الجنود أن يرفعوا السجاجيد الفاخرة عن الأرض، ثم أمرهم أن يصبوا الماء بكثرة في أرض كل غرفة على حدة -وكنا نرقب الماء- فإذا بالأرض قد ابتلعته في إحدى الغرف.
فصفق الضابط دي ليل من شدة فرحه، وقال: ها هو الباب، انظروا، فنظرنا فإذا بالباب قد انكشف، كان قطعة من أرض الغرفة يُفتح بطريقة ماكرة بواسطة حلقة صغيرة وضعت إلى جانب رجل مكتب رئيس الدير.
أخذ الجنود يكسرون الباب بقحوف البنادق، فاصفرت وجوه الرهبان، وعلتها الغبرة، وفُتح الباب، فظهر لنا سلم يؤدي إلى باطن الأرض، فأسرعت إلى شمعة كبيرة يزيد طولها على متر، كانت تضيء أمام صورة أحد رؤساء محاكم التفتيش السابقين، ولما هممت بالنزول وضع راهب يسوعي يده على كتفي متلطفاً، وقال لي: يا بني! لا تحمل هذه الشمعة بيدك الملوثة بدم القتال؛ فإنها شمعة مقدسة.
فقلت له: يا هذا! إنه لا يليق بيدي أن تتنجس بلمس شمعتكم الملطخة بدم الأبرياء، وسترى من النجس منا، ومن القاتل السفاك؟ وهبطت على درج السلم يتبعني سائر الضباط والجنود شاهرين سيوفهم حتى وصلنا إلى آخر الدرج، فإذا نحن في غرفة كبيرة مربعة، وهي عندهم قاعة المحكمة، وفي وسطها عمود من الرخام به حلقة حديدية ضخمة ربطت بها سلاسل من أجل تقييد المحاكمين بها.
وأمام هذا العمود كانت المصطبة التي يجلس عليها رئيس ديوان التفتيش والقضاة لمحاكمة الأبرياء، ثم توجهنا إلى غرف التعذيب وتمزيق الأجسام البشرية التي امتدت على مسافات كبيرة تحت الأرض.
رأيت فيها ما يستنفر نفسي، ويدعوني إلى القشعريرة والتقزز طوال حياتي، رأينا غرفاً صغيرةً في حجم جسم الإنسان، بعضها عمودي وبعضها أفقي، فيبقى سجين الغرف العمودية واقفاً على رجليه مدة سجنه حتى يموت ويبقى سجين الغرفة الأفقية ممدداً بها حتى الموت.
وتبقى الجثث في السجن الضيق حتى تبلى، ويتساقط اللحم عن العظم، وتأكله الديدان، ولتصريف الروائح الكريهة المنبعثة من جثث الموتى فتحوا نافذة صغيرة إلى الفضاء الخارجي.
قال: وقد عثرنا في هذه الغرف على هياكل بشرية ما زالت في أغلالها.
قال: كان السجناء رجالاً ونساءً، تتراوح أعمارهم ما بين الرابعة عشرة والسبعين، وقد استطعنا إنقاذ عدد من السجناء الأحياء، وتحطيم أغلالهم، وهم في الرمق الأخير من الحياة.
وكان بعضهم قد أصابه الجنون من كثرة ما صبوا عليه من عذاب، وكان السجناء جميعاً عراة، حتى اضطر جنودنا إلى أن يخلعوا أرديتهم ويستروا بها بعض السجناء.
أخرجنا السجناء إلى النور تدريجياً حتى لا تذهب أبصارهم، فكانوا يبكون فرحاً وهم يقبلون أيدي الجنود وأرجلهم الذين أنقذوهم من العذاب الرهيب، وأعادوهم إلى الحياة، فكان مشهداً يبكي الصخور.
ثم انتقلنا إلى غرف أخرى، فرأينا فيها ما تقشعر لهوله الأبدان، عثرنا على آلات رهيبة للتعذيب، منها آلات لتكسير العظام، وسحق الجسم البشري، كانوا يبدءون بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجياً، حتى يهشم الجسم كله، ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة، والدماء الممزوجة باللحم المفروم، هكذا كانوا يفعلون بالسجناء الأبرياء المساكين.
ثم عثرنا على صندوق في حجم رأس الإنسان تماماً، يوضع فيه رأس الذي يريدون تعذيبه بعد أن يربطوا يديه ورجليه بالسلاسل والأغلال؛ حتى لا يستطيع الحركة، وفي أعلى الصندوق ثقب تتقاطر منه نقط الماء البارد على رأس المسكين بانتظام، في كل دقيقة نقطة، وقد جُنّ الكثيرون من هذا اللون من العذاب، ويبقى المعذب على حاله تلك حتى يموت.
وآلة أخرى للتعذيب على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة، كانوا يلقون الشاب المعذب في هذا التابوت، ثم يطبقون بابه بسكاكينه وخناجره، فإذا أغلق مزق جسم المعذب المسكين، وقطعه إرباً إرباً.
وعثرنا على آلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشد فيخرج اللسان معها، ليقص قطعة قطعة، وكلاليب تغرس في أثداء النساء وتسحب بعنف حتى تتقطع الأثداء أو تبتر بالسكاكين.
وعثرنا على سياط من الحديد الشائك يُضرب بها المعذبون وهم عراة حتى تتفتت عظامهم، وتتناثر لحومهم.
هذا منقول من كتاب: (محاكم التفتيش) للدكتور علي مظهر، وكتاب التعقل والتسامح للشيخ محمد الغزالي عليه رحمة الله من صفحة (٣١١ حتى ٣١٣).
هذا العذاب كان موجهاً ضد الطوائف المخالفة من المسيحيين والمسلمين واليهود، وقد كان عذاب المسلمين أشد من ذلك، بل إن دواوين التفتيش هذه انتقلت إلى بقاع العالم الإسلامي، فسلطها حكام مجرمون فجرة على شعوبهم.
قال الشيخ جلال العالم: وقد ذكر لي شاهد عيان بعض أنواع التعذيب التي كانت تنفذ في أحد البلدان الإسلامية ضد مجموعة من العلماء المجاهدين فقال: بعد يوم من التعذيب الشديد ساقنا الزبانية بالسياط إلى زنزاناتنا، وأمرنا الجلادون أن نستعد ليوم آخر شديد.
وصباح اليوم التالي أمرنا الجلادون أن نخرج فوراً، كنا نستجمع كل قوانا في أقدامنا الواهنة هرباً من السياط التي كانت تنزل علينا من حرس كان عددهم أكبر منا.
وأخيراً أوقفونا في سهل صحراوي تحت أشعة الشمس اللاهبة، حول كومة من الفحم الجيري، كان يعمل الحرس جاهدين لإشعالها، وقرب النار مصلبة خشبية تستند إلى ثلاثة أرجل.
ولما اشتعلت كومة الفحم الحجري حتى احمرت، فجأة سمعنا شتائم تأتينا من بعيد، التفتنا فوجدنا خمسة من الرجال يقودون شاباً كان اسمه: جاويد خان إمامي أحد علماء ذلك البلد.
وامتلأ الأفق بنباح كلاب مجنونة، رأينا عشرة من الحرس يقودون كلبين، ارتفاع كل واحد منهما متراً، علمنا بعد ذلك أنهما قد حرما من الطعام منذ يومين.
اقترب الحرس بالشاب جاويد من كومة النار الحمراء، وعيناه مغمضة بحزام سميك.
كنا نتفرج أكثر من مائة سجين، ومعنا أكثر من مائة وخمسين من الحرس معهم البنادق والرشاشات، وفجأة اقترب من الشاب جاويد عشرة من الحراس وأجلسوه على الأرض، ووضعوا في حضنه مثلثاً خشبياً ربطوه إليه ربطاً محكماً بحيث يبقى قاعداً، ولا يستطيع أن يتمدد، ثم حملوه جميعاً، وأجلسوه على الجمر الأحمر، فصرخ صرخة هائلة، ثم أغمى عليه.
سقط منا أكثر من نصفنا مغمى عليهم، كانوا يصرخون متألمين، وعمت رائحة شواء لحم جاويد المنطقة كلها، ومن حسن حظي أنني بكيت بكاء مراً، لكنني لم أصب بالإغماء لأرى بقية القصة التي هي أفظع من أولها.
حُمل الشاب، وفكت قيوده وهو غائب عن وعيه، وصلب على المصلبة الخشبية، وربط بها بإحكام، واقترب الجلادون بالكلبين الجائعين، وفكوا القيود عن أفواههما، وتركوهما يأكلان لحم ظهر جاويد المشوي، فبدأت أشعر بالانهيار، إنه لازال حياً والكلاب تأكل لحمه فقدت وعيي بعدها.
لم أفق إلا وأنا أصرخ في زنزانتي كالمجنون دون أن أشعر: جاويد! جاويد! أكلتك الكلاب يا جاويد، كان إخواني في الزنزانة قد ربطوني وأحاطوا رأسي وفمي بالأربطة؛ حتى لا يسمع الجلادون صوتي فيكون مصيري كمصير جاويد، أو كمصير شاهان خاني الذي أصيب بالهستيريا مثلي، فأصبح يصرخ جاويد! جاويد! فأخذه الجلادون ووضعوا فوقه نصف برميل مملوء بالرمل، ثم سحبوه على الأسلاك الشائكة التي ربطوها صفاً أفقياً، فمات بعد أن تقطع لحمه ألف قطعة، وأخيراً أغمي عليّ.
فتحت عيني ففوجئت أنني في أحد المشافي، وفوجئت أكثر من ذلك بسفير بلدي يقف فوق رأسي، قال لي: كيف حالك، يبدو أنك ستشفى إن شاء الله، لو لم تكن غريباً عن هذه البلاد لما استطعت إخراجك، فاجأني سائلاً: لكن بالله عليك! قل لي: من هو هذا جاويد الذي كنت تصرخ باسمه، فأخبرته بكل شيء، فامتقع لونه حتى خشيت أن يغمى عليه.
فلم نكمل حديثنا إلا والشرطة تسأل عني، واقترب من سريري ضابط وسلمني أمراً بمغادرة البلاد فوراً، ولم تنجح تدخلات السفير في ضرورة إبقائي حتى الشفاء، حملوني ووضعوني في باخرة أوصلتني إلى ميناء بلدي، كنت بثياب المستشفى، ليس معي أي وثيقة تثبت شخصيتي، فاتصلت بأهلي تليفونياً، فلما حضروا لم يعرفوني لأول وهلة، فحملوني إلى أول مستشفى، بقيت فيه ثلاثة أشهر في بكاء مستمر، ثم شفاني الله.
ولقد كان مدير السجون يهودياً، والمسئول عن التعذيب خبيراً ألمانياً نازياً، وقد أطلقت تلك الحكومة في ذلك البلد الإسلامي يده يفعل بعلماء المسلمين ما يشاء.
هذه قصة بسيطة من قصص محاكم التفتيش التي كان من نتيجتها أن كل مسلم كان على أرض الأندلس تنصر.
وقد رثى الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي سقوط الحكم الإسلامي على يد النصارى، حيث قال في مطلع قصيدته: لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا
стр. 718
تعذيب المسلمين في الحبشة
أما في الحبشة فهناك مثال على ما فعله الصليبيون في بلاد المسلمين.
إريتريا المسلمة بتأييد من فرنسا وإنجلترا، فماذا فعلت الحبشة وحاكمها وإمبراطورها هيلاسيلاسي في المسلمين.
صادرت معظم أراضيها، وأسلمتها لإقطاعيين من الحبشة، وكان الإقطاعي والكاهن مخولين بقتل أي مسلم دون الرجوع إلى السلطة، فكان الإقطاعي أو الكاهن يشنق فلاحيه من المسلمين أو يعذبهم في الوقت الذي يريد.
وفُتحت للفلاحين المسلمين سجون جماعية رهيبة، يجلد فيها الفلاحون بسياط تزن أكثر من عشرة كيلو غرامات، وبعد إنزال أفظع أنواع العذاب بهم، كانوا يلقون في زنزانات بعد أن تربط أيديهم بأرجلهم، ويتركون هكذا لعشر سنين أو أكثر، وعندما كانوا يخرجون من السجون كانوا لا يستطيعون الوقوف؛ لأن ظهورهم قد أخذت شكل القوس.
كل ذلك كان قبل استلام هيلاسيلاسي السلطة في الحبشة، فلما أصبح هيلاسيلاسي إمبراطور الحبشة وضع خطة لإنهاء المسلمين خلال خمسة عشر عاماً، وتباهى بخطته هذه أمام الكونغرس الأمريكي.
فسن تشريعات لإذلال المسلمين منها: أن عليهم أن يركعوا لموظفي الدولة وإلا يقتلوا، وأمر أن تستباح دماؤهم لأقل سبب، فقد وجد شرطي قتيلاً قرب قرية مسلمة فأرسلت الحكومة كتيبة كاملة قتلت أهل القرية كلهم وأحرقتهم مع قريتهم، ثم تبين أن القاتل هو صديق المقتول الذي اعتدى على زوجته، وحاول أحد العلماء واسمه الشيخ عبد القادر أن يثور على هذه الإبادة فجمع الرجال، واختفى في الغابات، وجمعت الحكومة أطفالهم ونساءهم وشيوخهم في أكواخ من الحشيش والقصب، وسكبت عليهم البنزين وأحرقتهم جميعاً.
ومن قبضت عليه من الثوار كانت تعذبه عذاباً رهيباً قبل قتله، من ذلك: إطفاء السجائر في عينيه وأذنيه، وهتك عرض بناته وزوجته وأخواته أمام عينيه، ودق خصيتيه بأعقاب البنادق، وجره على الأسلاك الشائكة حتى يتفتت، وإلقاؤه طريحاً قبل أن يموت لتأكله الحيوانات الجارحة، بعد أن تربطه بالسلاسل حتى لا يقاوم.
وأصدر هيلاسيلاسي أمراً بإغلاق مدارس المسلمين، وأمر بفتح مدارس مسيحية، وأجبر المسلمين على إدخال أبنائهم فيها ليصبحوا مسيحيين.
وعين حُكاماً فجرة على مقاطعات إرتيريا، منهم واحد عينه على مقاطعة جمة، فابتدأ عمله بأن أصدر أمراً ألا يقطف الفلاحون ثمار أرضهم إلا بعد موافقته، وكان لا يسمح بقطافها إلا بعد أن تتلف، وأخيراً صادر ٩٠% من الأراضي، أخذ هو نصفها وأعطى الإمبراطور نصفها، ونهب جميع ممتلكات الفلاحين المسلمين.
وأمرهم أن يبنوا كنيسة كبرى في الإقليم فبنوها، ثم أمرهم أن يعمروا كنيسة عند مدخل كل قرية أو بلدة، ولم يكتف بذلك بل بنى دوراً للعاهرات حول المساجد ومعها الحانات التي كان يسكر فيها الجنود، ثم يدخلون إلى المساجد ليبولوا ويتغوطوا فيها، وليراقصوا العاهرات فيها وهم سكارى.
كما فرض على الفلاحين أن يبيعوا أبقارهم لشركة أنكودا اليهودية، فكافأه الإمبراطور على أعماله هذه بأن عينه وزيراً للداخلية.
وكانت حكومة الإمبراطور تلاحق كل مثقف مسلم لتزجه في السجن حتى الموت، أو تجبره على مغادرة البلاد حتى يبقى شعب إرتيريا المسلم مستعبداً جاهلاً، وغير ذلك كثير.
كما جاء في كتاب: (كفاح دين) للشيخ محمد الغزالي من صفحة (٦٠ إلى صفحة ٨٠).
стр. 719
ما فعله الصرب في البوسنة والهرسك
وما فعله الصرب في البوسنة والهرسك بالمسلمين معروف لكل من هب ودب.
فكان يؤتى بطفلة عمرها خمس سنوات ويهتك عرضها الصربي، ويجبرها على أن تناديه بزوجي، ويهتك عرض المسلمة أمام أولادها وأمام زوجها، ثم يذبح زوجها وأطفالها أمامها، وأقاموا المقابر الجماعية للمسلمين، وأبادوا القرى، وهدموا المساجد، ولعبوا برءوس الأطفال مثل كرة القدم.
стр. 720
رثاء البوسنة والهرسك للعشماوي
يقول الدكتور عبد الرحمن العشماوي مصوراً تلك المأساة: نناديكم وقد كثر النحيب نناديكم ولكن من يجيب نناديكم وآهات الثكالى تحدثكم بما اقترف الصليب سراييفوا تقول لكم ثيابي ممزقة وجدراني ثقوب محاريبي تأن وقد تهاوى على جدرانها القصف الرهيب وأوردتي تقطع لا لأني جنيت ولا لأني لا أتوب ولكني رفعت شعار دين يضيق بصدق مبدأه الكذوب لأني لا أجامل أو أحابي ولا أرضى الخضوع ولا أذوب لهذا مزق الأعداء ثوبي وبين يدي أشعلت الحروب يا ليت المسلمين يأكلون ويشربون فقط، بل إن أمير الكويت تطوع بأربعة ملايين دولار لحديقة حيوانات في بريطانيا، وبالمقابل قال لي أخ كان يعمل ضمن أعضاء الرابطة في السعودية: والله العظيم إن الطفل المسلم الصومالي ينصر بشوال من الدقيق، يذهبون به إلى الكنيسة ويعطونه شوالاً من الدقيق فيصبح نصرانياً، وهذا يتطوع بأربعة ملايين دولار، فهو وأمثاله أولى بهم الفقر لكي يعودوا إلى دينهم، ملئوا الحانات والبارات والملاهي في أوروبا، فعلوا ما لا يفعله المجانين من العهر والفسق والرذيلة، وكل ما لا يخطر على بال.
يقول الدكتور عبد الرحمن العشماوي: لكم يا إخوتي أكل وشرب وأكسية لها نسج عجيب لكم دار مشيدة وظل يظللكم به غصن رطيب لدى أطفالكم لعب وحلوى وعند نسائكم ذهب وطيب وما والله نحسدكم ولكن نقول أما لإخوتكم نصيب نذير الحرب في أرضي نذير لكم فالليل منشؤه الغروب وجدب الأرض يسبقه احتباس وعصف الريح يسبقه هبوب لنا في أرضنا نهر وماء وروض في مرابعنا خصوب لنا بيت وأطفال ولكن محت آثار منزلنا الخطوب بنات المسلمين هنا سبايا وشمس المكرمات هنا تغيب تبيت كريمة ليلى وتصحو وقد ألغى بكارتها الغريب يقبل وجهها يا ليت شعري بماذا ينطق الوجه الكئيب يموت الطفل في أحضان أم تهدهده وقد جف الحليب بكت حزناً عليه بغير دمع وأين الدمع والظمأ النصيب وكم يرعى خلايا الجسم داء فيهلكه وقد عز الطبيب سل الفجر الذي لم يبد فينا لماذا لا يغني العندليب بني الإسلام هذي حرب كفر لها في كل ناحية لهيب يحركها اليهود مع النصارى فقولوا لي متى يصحوا اللبيب أراكم تنظرون وأي جدوى لنظرتكم إذا غفت القلوب
стр. 721
نشيد أطفال سراييفو
ويقول الدكتور حسن أمرائي وهو من كبار الأدباء المغاربة في نشيد أطفال سراييفو: نحن أطفال سراييفو العتيدة إن حرمنا من حنان الأمهات في الليالي الحالكات فلأنا مسلمون نحن أطفال سراييفو المجيدة إن رمونا للسجون أو سقونا في الصبا كأس المنون فلأنا مسلمون نحن رغم القيد والقهر اللعين سوف نبقى مسلمين نحن أطفال سراييفو الجملية نعشق العصفور والوردة تزهو في الخميلة نعشق الأرجوحة الخضراء في الحقل ونعدو نحو أفق لا يحد نعشق الشمس ولون البحر نلهو بالمحار مثل آلاف الصغار ونحب النهر يشدو والفراشة تملأ الكون حبوراً وبشاشة فلماذا يا إلهي! ضرب الصرب الحصار ولماذا سرقوا منا النهار ولماذا بالدماء لطخوا وجه السماء ولماذا تصبح الأحلام كابوساً ويغدو لبن الأم دماً يا أصدقائي ويطير الأمل الأخضر من قبل الفطام يا أحبائي حطاماً في حطام ولماذا يقتل الورد الرصاص نحن أطفال سراييفو القتيلة قيدونا عذبونا أحرقوا المسجد والروض وأحلام الطفولة صادروا الآباء منا والبراءة والحكايات الجميلة علمونا في ربيع العمر أن نلعق جرح الكبرياء علمونا أن نغني للردى الزاحف أن نعزف ألحان المنية علمونا أن نصلي ويد تحضن جسم البندقية ما أشد الابتلاء نحن أطفال سراييفو الشهيدة سنصلي ونصلي ونعيد الضوء باسم الله للشمس الطريدة من بعيد من بعيد نحن عدنا من بعيد من بساط الموت عدنا نلعق الجرح العتيد نحمل الفجر الوليد يغمر الناس كل الناس بالعدل الرشيد فليمت من مات منا وليهاجر من يهاجر سوف تخضر المنابر من جديد من جديد والمحاريب ترى الذكر ندياً من جديد من جديد وستزهو الأرض من دفء الأذان ويعم النور يا أحبابنا كل مكان سوف نعلي راية الإسلام في الأرض وإن طال الحصار وسنبني للحضارة هاهنا ألف منارة ومنارة يا سراييفو النبيلة يا سراييفو الشهيدة أذن الله بأن ترفع رايات الجهاد نحن أطفالك حراس العقيدة
стр. 722
وقفات مع الخائفين
مخافة الله رأس الأمر، إذ هو شعار أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، وكذلك هي شعار الصالحين من بعدهم.
فالخوف باعث قوي على عبادة الله ، وسبب في البعد عن معاصيه، ورادع في الكف عن شهوات النفس، فإن النفس الأمارة بالسوء لا يردعها إلا قوة خوف من خالقها .
стр. 723
بيان مقام الخوف وتعريفه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، و ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].
ثم أما بعد: فالخوف سوط الله يقوم به الشاردين عن بابه، والخوف سراج في القلب به يبصر ما فيه من الخير والشر، ولا يزال الناس على الطريق ما دام معهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا، وما فارق الخوف قلباً إلا وخرب، قال حاتم الأصم: لكل شيء زينة، وزينة العبادة الخوف.
وقال ابن مسعود: إنما العلم الخشية.
والخوف هو: توقع العقوبة على مدار الأنفاس، كلما خرج منك نفس تخشى عذاب الله .
قال سيد التابعين أويس القرني: كن في أمر الله كأنك قتلت الناس أجمعين، أي: في الخوف من الله .
стр. 724
بيان أن الخوف نعمة من الله وبيان فضله
الخوف نعمة من الله ، ينعم بها على من يشاء من عباده، قال الله ﵎: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة:٢٣].
فبنص هذه الآية الخوف من الله نعمة؛ لأنه هداية، ولأنه يهيئ القلوب للاستجابة لأمر الله ، كما قال الله : ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:١٠].
وكما قال الله : ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس:١١].
والخوف يوصل العبد لأقصى مقامات الإيمان، فيوصله إلى رضا الله ﵎ عنه، قال الله ﵎: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٨].
وقال الله ﵎: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦].
فالعبد عندما يعلم باطلاع الله ﵎ عليه فإنه يعظم هذا المقام، فيترك الذنب -وقد أمكنه فعله- خوفاً من الله ، قال رسول الله ﷺ : (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين النظر إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه).
الخوف يوصل العبد إلى رضا الله ﵎ عنه، بل ويوصله إلى أعلى مقامات الجنان، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان:٥] والأبرار هم: المقربون ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان:٦ - ١١].
والخوف علامة أهل الجنة، قال الله ﵎: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر:٣٤].
فمن لم يخف يخشى عليه أن يكون من أهل النار، قال الله ﵎ عن أهل الجنة: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦].
والإشفاق هو: رقة الخوف ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧].
ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
وقال رسول الله ﷺ : (لا يلج النار عبد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع).
وقال رسول الله ﷺ : (ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة دمع من خشية الله، وقطرة دم تراق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله).
والخوف سبب للنصر، قال الله ﵎: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم:١٤].
وقال رسول الله ﷺ : (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).
стр. 725
بيان أن الخوف من صفات الأنبياء وعباد الرحمن
والخوف شعار الأنبياء، قال الله ﵎ عنهم: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠].
وأما أصحاب التصوف الفلسفي فيقول الحلاج: ما الجنة؟ إنها لعبة صبيان، يضحكون بها على العيال الصغار، وما النار؟ أستطيع أن أبصق عليها فأطفئها، أي: أتفل عليها تفلة واحدة فأطفئها، وهذا لا يقوله رجل يخشى الله ، ولذلك حكم عليه جمهور أهل العلم بالزندقة، ولا تجد رجلاً ينافح عن الحلاج إلا وفي دينه خلل، مثل صلاح عبد الصبور الذي عندما كتب عن مصرع الحلاج جعله بطلاً دينياً وقومياً وبطلاً من أبطال الحرية، وجعل الفقهاء أصحاب سلطة وأصحاب مال.
وأما عباد الله وعباد الرحمن فإن ديدنهم كما قال الله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥].
стр. 726
أنواع الخوف
стр. 727
خوف العقوبة
والخوف على أنواع، منه: خوف العقوبة، وهو خوف العامة، وهو يتولد من مشاهدة الذنب والتصديق بوعيد الله ، وخوف العقوبة إذا ترحل من القلب ترحل عنه الإيمان، فلا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى عظمة وكبرياء من واجهته بها.
وإذا حركت الريح ستر بيت إنسان أو ستر باب بيته فإنه ينخلع فؤادك لنظر الناس إلى عورتك، فكيف تقيم على المعصية وأنت عالم بنظر الله إليك من فوق سبع سماوات واطلاعه عليك وأنت تقترف المعاصي ليلاً ونهاراً؟! فآدم ﵇ لم يسامح بلقمة وهو صفي الله ، ونحن: نصل الذنوب إلى الذنوب ونرتجي درج الجنان ونيل فوز العابد ونسينا أن الله أخرج آدم منها إلى الدنيا بذنب واحد
стр. 728
خوف الخشية وخوف الوجل
ومنه: الخشية، والخشية هي: خوف مقرون بعلم، قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
وقال رسول الله ﷺ : (أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية).
وهناك: خوف الوجل، والوجل: انقباض القلب وخوفه عند ذكر من يخاف سطوته وعقابه، فمثلاً: عندما يقال: إن الرجل الفلاني يقوم بإعدام الناس في دار الدنيا فإنه ينقبض القلب بمجرد ذكر اسمه، فالوجل هو: انقباض القلب أو خوف القلب عند ذكر من يخاف عذابه وسطوته.
стр. 729
خوف الإشفاق وخوف الهيبة
وفوق هذا: خوف الإشفاق، والإشفاق هو: رقة الخوف.
وفوق هذا: خوف الهيبة، والهيبة -كما قال ابن القيم - هو: خوف مقرون بحب.
فالخوف والخشية والوجل والإشفاق والهيبة كل هذا من مقامات الخوف، وما أنصب العباد والخدام إلا ذكر يوم القيامة، وكيف لا يخاف العباد ولا يحزنون منها؟! وما عبد الله بمثل الخوف، فكيف لا يخافون والقيامة أمامهم، وفي العرصات مقامهم، وعلى الصراط جوازهم، والمهبط والصعود إما إلى الجنة وإما إلى النار.
стр. 730
نماذج من خوف رسول الله ﷺ من ربه
وإن كان سيد الرسل قد شاب من ذكر أهوال القيامة أفلا يشيب العبد؟ وقد ورد أن أبا بكر الصديق قال: (يا رسول الله! قد شبت قبل المشيب، قال: شيبتني هود وأخواتها)، وفي رواية: (شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت).
ولما وجد رسول الله ﷺ قوماً قد اجتمعوا قال: (علام اجتمع هؤلاء؟ قيل: اجتمعوا على قبر يحفرونه، فانطلق رسول الله ﷺ وبدر من بين يدي إخوانه، ثم واجه القبر حتى بل الثرى من دموعه، وقال: أي إخواني! لمثل هذا اليوم فأعدوا) هذا خوف رسول الله ﷺ .
وورد أن رسول الله ﷺ : (كان إذا قام إلى الصلاة يسمع لصوت صدره أزيز كأزيز المرجل).
وكان إذا هبت الريح دخل وخرج، فتقول له السيدة عائشة: (يا رسول الله! إن الناس إذا رأوا الغيم استبشروا -أي: لأنه سيجيء من بعده المطر- ولكني أعرف الكآبة في وجهك، قال: وما يؤمنني، إن قوماً رأوا عذاب الله فقالوا: هذا عارض ممطرنا).
فبمجرد تغير الجو وهبوب الريح كان يعرف الخوف في وجه رسول الله ﷺ .
وقال رسول الله ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيها ملك ساجد واضع جبهته لله .
وقال رسول الله ﷺ : (رأيت الجنة والنار فلم أر كالخير والشر قط اليوم) ثم قال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله .
فغطى صحابة رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين، أي: صوت خارج من الأنف فائج عن البكاء.
стр. 731
نماذج من خوف الأنبياء من الله
وقال الله ﵎ في ذكر خليل الرحمن إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود:٧٥] قال الشوكاني: يكثر التأوه من ذنوبه، فإذا تذكر الذنب أكثر التأوه من ذلك، فمن لجوعك ومن لعطشك ومن لذنوبك إذا جئت بها تحملها على ظهرك؟ فواطول وقوفاه وتحيراه! وأوه من حمل الذنوب وثقلها، وأوه من الإقرار بها! نزف البكاء دموع عينك فاستعر عيناً لغيرك دمعها مدرار من ذا يعيرك عينه تبكي بها أرأيت عيناً للبكاء تعار وبكى آدم عند نزوله من الجنة حتى قالوا: لو قيس بكاء آدم ببكاء أهل الأرض جميعاًَ لعدل بهم، وقال: أبكي على دار كنت أسمع فيها زجل تسبيح الملائكة حول العرش.
وما شرب نبي الله داود شراباً من الماء ولا تناول طعاماً إلا وبلله بدموعه، وكان يقول: يا رب! إني لا أستطيع حر شمسك، فكيف أستطيع حر نارك؟ يا رب! إني لا أستطيع سماع صوت رحمتك -وهو الرعد- فكيف أستطيع سماع صوت غضبك.
стр. 732
ذكر خوف جبريل وميكائيل من الله
يقول سيدنا رسول الله ﷺ عن جبريل: (مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى، وجبريل كالحلس البالي من خشية الله)، أي: كالكساء الممزق الذي يوضع على ظهر الدابة.
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لجبريل: (ما لي لم أر ميكائيل يضحك؟ قال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار)، وهذا الحديث حسنه الألباني.
стр. 733
نماذج من خوف الصحابة من الله
ثم تعال إلى الصالحين من عباد الله ، فـ صديق هذه الأمة الأكبر ﵁ يقول: يا ليتني كنت شجرة تعضد ثم تؤكل.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: يا ليتني لم أولد، ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت نسياً منسيا.
وحفرت الدموع خطان أسودان في وجه الفاروق.
وعندما قال له ابن عباس ﵁ عند موته: إنك لشهيد، مصر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل بك وفعل قال: إن المغتر من غررتموه، والله! لو كان لي ما طلعت عليه الشمس ما أمنت سوء المطلع، أو لافتديت به من هول المطلع يومئذ، ويرحم الله عمر بن الخطاب فاروق الإسلام فقد مرض من جراء آية، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور:٧]، يقول: قسم حق ورب الكعبة! وسيدنا علي ﵁ يخرج ذات يوم على أصحابه ويقول: والله! لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ فلم أر اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، بين أعينهم أمثال ركب المعزة، قد باتوا لله سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، تنهمر دموعهم على خدودهم فتبتل منها ثيابهم، فما بال هؤلاء قد أصبحوا غافلين؟ فما روي ضاحكاً حتى ضربه عبد الرحمن بن ملجم.
وكان تحت عيني سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ مثل الشراك البالي من كثرة الدموع، وكان يقول ابن مسعود ﵄: إن هاهنا رجالاً ودوا لو أنها قامت ألا يبعثوا.
وعمران بن حصين ﵁ الذي كان مجاب الدعوة يقول: يا ليتني كنت رماداً تذروه الرياح في يوم عاصف.
وسيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ يقول: لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار.
والصحابي الجليل شداد بن أوس ﵁ كان إذا أوى إلى فراشه لا يستطيع النوم، ويقول: اللهم إن جهنم لا تدعني أنام.
стр. 734
نماذج من خوف التابعين من الله
وعلي زين العابدين ﵁ ابن الإمام الحسين كان إذا توضأ اصفر وجهه، ولما يسأل عن ذلك يقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقف؟ وهبت نار عظيمة أتت على أكثر المسجد ففزع منها الناس، فلم يفزع ولم يترك صلاته، وقال: شغلتني النار الكبرى.
والربيع بن خثيم حفر قبراً في منزله، وكان ينزل فيه في اليوم مرات، ويقول: يا ربيع! ها قد خرجت، فاعمل لقبر إن نزلت فيه تقول: رب ارجعون، إلى يوم القيامة ولا يستجاب لك.
وربعي بن خراش -أحد رواة الكتب الستة- يقسم ألا يراه الله ضاحكاً حتى يعلم أي الدارين داره، يقول غاسله: فلما مات تبسم، ولما كان على المغسلة تبسم، ولما وضعناه في قبره تبسم.
وهذه كرامة ثابتة.
وكذا يزيد الرقاشي قال عنه الحسن البصري: آلا على نفسه ألا يضحك حتى يعلم مصيره.
قال: فعزم على ذلك فوفى.
والحسن البصري سيد البكائين وصفوه فقالوا: كان إذا تكلم فكأنه شاهد الآخرة، ثم جاء من الآخرة يخبر الناس عنها.
وقالوا: كان إذا قدم فكأنما قدم من نفس حميم الله، وإذا جلس فكأنما هو أسير يستعد لضرب العنق، وإذا بكى فكأن النار لم تخلق إلا له.
وكان يبكي ولما سئل عن سبب بكائه وقيل له: يا أبا سعيد! ما يبكيك قال: وما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع علي في بعض ذنوبي فقال: افعل ما شئت فلا غفرت لك.
ويقول: أخاف أن يطرحني في النار غداً ولا يبالي.
وإن كانت الأنبياء يقولون يوم القيامة: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله) فقد كان يبكي الحسن ويقول: أخاف أن يطرحني في النار غداً ولا يبالي.
ويقول: والله! لا يؤمن أحد بهذا القرآن إلا ذبل، وإلا نحل، وإلا تعب، وإلا ذاب.
وعندما قال له رجل: كيف حالك يا أبا سعيد؟! قال: كيف حال قوم ركبوا سفينة فلما توسطوا البحر تكسرت السفينة وتعلق كل منهم بخشبة؟ قال: في حال شديدة.
قال: حالي والله! أشد من حال هؤلاء.
وكان صائماً فقدم له ماء ليفطر عليه فلما رآه بكى، فقيل له: لم؟ قال: تذكرت أمنية أهل النار، وقولهم لأهل الجنة: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠].
أما طاووس بن كيسان سيد العباد، وسيد أهل اليمن، وتلميذ سيدنا عبد الله بن عباس كان إذا مر برواس -الرجل الذي يشوي الرءوس- ووجده قد أخرج رأساً مشوياً غشي عليه، ولا يأكل أولا يتعشى تلك الليلة، وكان إذا أتى إلى مضجعه يقول: طير ذكر جهنم نوم العابدين، ثم يستقبل محرابه إلى الصباح.
أما سفيان الثوري -أمير المؤمنين في الحديث- فكان عجب عجاب، قال عنه الإمام أحمد: سفيان عندي هو الإمام، كان إذا أخذ في ذكر الآخرة يبول الدم، وكان إذا ذكر الموت لا ينتفع بعلمه أياماً، ويقول: لا أدري، لا أدري.
وحمل بوله إلى طبيب في مرضه الأخير فقال: هذا ماء رجل قد أحرق الخوف جوفه، وكان يقول: خفت الله خوفاً أعجب كيف ما مت منه، وكان إذا جلس يجلس فزعاً مرعوباً ويقول: اللهم سلم، اللهم سلم.
ويقول عبد الرحمن بن مهدي -شيخ الإمام أحمد -: ما صاحبت رجلاً في الناس أرق من سفيان، كان يقوم من نومه فزعاً مرعوباً ويقول: اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلم، وإن حاجة سفيان أن تغفر له ذنبه، اللهم لو كان لي عذر في التخلي عن الناس ما أقمت مع الناس طرفة عين.
ولما سئل سفيان عن سر بكائه قال: لو أعلم أني أموت على التوحيد ما بكيت، وقال: بكينا على الذنوب زماناً، ونحن الآن نبكي على الإسلام، وقال سهل بن عبد الله التستري: خوف الصديقين من سوء الخاتمة ومن مكر الله عند كل خطوة وعند كل حركة، وهم الذين عناهم الله بقوله: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠]، فـ سفيان الثوري الإمام المعظم المبرز يقول: بكينا على الذنوب زماناً، ونحن الآن نبكي على الإسلام.
يخشى أن يموت على غير الإسلام.
سفيان الثوري يقول لرجل: تعال لنبكي على علم الله فينا، وماذا سبق القضاء لنا في أم الكتاب، أي: في اللوح المحفوظ، أشقي أم سعيد؟ وليس سوء الخاتمة فقط، وإنما يخافون مما سبق في علم الله لهم، أأشقياء أم سعداء؟ ومسعر بن كدام يبكي ويطول بكاءه، فتقول له أمه: لم البكاء يا مسعر؟ فيقول لها: لما ننتظر.
فتقول: وما هو يا بني؟! فيقول لها: القيامة وما فيها، القيامة وما فيها.
وأتى مالك بن مغول إلى سفيان الثوري فبكيا حتى رقا، حتى قال سفيان: ما أحب أن أقوم من مكاني حتى أموت، فقال له مالك بن مغول: ولكني والله! لا أرضى ذلك -أي: لا أحب ذلك- قال له سفيان: ولم؟ قال: معاينة الرسل، -أي: رؤية ملك الموت وملائكة العذاب أو ملائكة الرحمة- ولم ترهم من قبل، وخوف السكرات، واصطكاك الأسماع، واختلاف الأضلاع، وترادف الحشارج، وتتابع الأنين، ثم رؤية ملك الموت.
فكأن أهلك قد دعوك فلم تسمع وأنت محشرج الصدر وكأنهم قد وضعوك على ظهر السرير وأنت لا تدري وكأنهم قد زودوك بما يتزود الهلكى من العطر يا ليت شعري كيف أنت إذا غسلت بالكافور والسدر يا ليت شعري كيف أنت على نبش الضريح وظلمة القبر يا ليت شعري ما تقول إذا وضع الكتاب صبيحة الحشر
стр. 735
بيان أهوال الموت
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٠ - ٢٢].
رب مذكور لقوم غاب عنهم فنسوه وكأني بالمرء قد يبكي عليه أقربوه وكأن القوم قد قاموا فقالوا أدركوه حرفوه وجهوه غمضوه كفنوه ألحدوه أقبروه فارقوه خلفوه وكأن القوم لم يكونوا يعرفوه
стр. 736
الحث على تذكر الموت والهرب من النار
تذكر الموت، واجعله منك على بال حتى يدوم خوفك، واجعل السكرات منك على بال، ومعاينة الرسل ومشاهدة ملك الموت، وتفكر في هذا، وما تقول له ولم تره من قبل، فهذا كائن لا محالة، وأمتنا آخر الأمم، ورسولنا ﷺ آخر الرسل، وقد أسرع بإخبارنا فما ننتظر إلا المعاينة.
ويقول مطرف بن عبد الله -وهو من أئمة التابعين-: لقد كاد الخوف من النار أن يمنعني من سؤال الله الجنة.
يقول: غلب علي الخوف حتى كاد ينسيني سؤال الله الجنة.
إن آخر من يخرج من النار كما جاء في الحديث الصحيح رجل يحبو حبواً، ثم يقول للمولى : (يا رب! اصرف وجهي عن النار، لا أسألك شيئاً غير ذلك)، فيأخذ المولى ﵎ عليه العهد والميثاق -فمع هول ما هو فيه ينسى الجنة- وإنما يقول: (اصرف وجهي عن النار، لا أسألك شيئاً غير ذلك).
ويزيد بن مرثد يقول له عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: ما لي أرى عينك لا تجف؟ قال: وما مسألتك عن هذا؟ قال: عسى الله أن ينفعني بك، قال: إن ربي توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار، ولو لم يتوعدني إلا بالسجن في الحمام لكان حرياً ألا تجف لي عين.
يعني: إن ربي قد توعدني لو عصيته بالنار، ولو لم يتوعدني إلا بسجني في الحمام تحت دش ساخن قد علت درجة حرارته قليلاً لكان حرياً ألا تجف لي عين.
إن هذا الأمر ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي فيحول بيني وبين ما أريد، وهو يعرض لي حين يقدم إلي الطعام فأبكي وتبكي صبيتي وزوجتي وتقول: ويحي وما اختصصت به من طول الحزن معك.
وقال رسول الله ﷺ : (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس الإسلام وأهله).
стр. 737
من أسباب الخوف
стр. 738
الأول: خشية العذاب
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ثم أما بعد: من أسباب الخوف: أن يخشى الإنسان حلول العذاب، ويخشى أن يعاقبه الله ويعجل له العقوبة في دار الدنيا على معاصيه، وكان هذا لا يدع الصالحين ينامون.
فـ الربيع بن خثيم -تلميذ سيدنا عبد الله بن مسعود، وكان من أحب الناس إليه، وكان إذا خلا به لا يأذن عبد الله بن مسعود لغيره من التابعين- تقول له ابنته: ما لي أرى الناس ينامون ولا تنام؟ فقال: إن أباك يخشى البيات.
والبيات هو: حلول عذاب الله ليلاً.
وتقول له أمه: يا ربيع! يا بني! أقتلت نفساً؟ فيقول: بلى.
فتقول: فوالله! لو علم أهل القتيل ما تلاقي بسبب قتيلهم لرحموك من كثرة البكاء، فيقول: قتلت أعز الأنفس علي، قتلت نفسي بالمعاصي.
ومالك بن دينار يقول: لولا أن تكون بدعة لوضعت التراب على رأسي وقلت: أيها الناس! من رآني فلا يعصي ربه، هذا ذل العاصي في دار الدنيا فكيف في الآخرة.
وكان يقول: لو أن لي أعواناً لفرقتهم في منارات الدنيا يصيحون في الناس: النار النار، أي: لا تنسوا النار.
وله شاهد من حديثه ﷺ : (أنذرتكم النار، أنذرتكم النار، أنذرتكم النار).
ويقول: لولا أن تكون بدعة لم أسبق إليها عند الموت، فإنه إذا جاءني الموت لوضعت الغل في عنقي وقلت لهم: اسحبوني وامضوا بي كما يمضى بالعبد الآبق إلى سيده.
وقال: بينا أنا أطوف إذا بجويرية صغيرة تقول: يا رب! أفما كان لك أدب تؤدب به من عصاك إلا النار؟ أي: يا رب! أما اخترت عقوبة وأدباً للذي يعصيك غير النار؟ قال: فما زال هذا مقامها إلى الصباح.
قال: فلما رأيت هذا من جويرية صغيرة وضعت يدي على رأسي وقلت: ثكلت مالكاً أمه، أفما كان لك أدب تؤدب به من عصاك إلا النار؟
стр. 739
بيان صفة جهنم
جهنم سوداء، نارها أسود، شجرها أسود، أهلها سود قبيحون، ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس:٢٧]، أكلوا من النار، وشربوا من النار، ومشوا على النار، وعاشوا في النار، لهم نعال من نار، وسرابيل من قطران، ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨]، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧]، ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور:١٧ - ١٤].
فما ظنك أيها المفرط في عمره المقصر في دهره! بسكان هذه الدار، فهي ضيقة الأرجاء، مظلمة المسالك، مبهمة المهالك، دار يخلد فيها الأسير، ويوقد فيها السعير، فيها سلاسل وأغلال، ومقامع وأنكال، قال رسول الله ﷺ : (لو أن في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون وفيهم واحد من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد بمن فيه).
وقال رسول الله ﷺ : (إن أهل النار يبكون الدمع حتى ينفد الدمع، ثم يبكون الدم -أي: بدل الدمع- حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو سيرت فيه سفن لجرت).
دمع النواصي مع الأقدام صيرهم كالقوس محنية من شدة الوتر
стр. 740
صالحون يموتون وتعمى أبصارهم خوفاً
والله إن أناساً من هذه الأمة ماتوا من الخوف، كانت تتلى عليهم آيات العذاب أو يرددونها فتخرج أرواحهم.
ومنهم علي بن الفضيل بن عياض وقد قرأ زرارة بن أوفى قاضي البصرة قول الله : ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر:٨ - ٩] في صلاة الصبح فخرجت روحه، وأبو جهير الضرير في مجلس صالح المري تخرج روحه، وكان الناس يحضرون مجالس عبد العزيز بن سليمان فيقول: النار، النار، القيامة، القيامة، فيرفع من المجلس الميت والميتان والثلاثة.
ومنهم من بكى من خوف النار، ومن خوف الوقوف بين يدي الله حتى عمي.
والإمام الترمذي -الذي ما خلف البخاري بعده أفضل منه وأورع- بكى من خوف الله حتى عمي.
وعلي بن بكار الذي يقول: منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر بكى حتى عمي.
هشام الدستوائي بكى حتى عمي، وقبل أن يعمى كان إذا أبعدت زوجته عنه السراج يبكي فتقول له: لم تبكي؟ فيقول: أخشى ظلمة القبر.
وأشيم البلخي بكى حتى عمي، وكان يقول: أواه القبر وظلمته، أواه اللحد وضيقه، ثم يبكي حتى عمي.
وقال رسول الله ﷺ عن سيدنا سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن: (ضيق عليه القبر لولا أن فرجه الله عنه) فانظر ماذا يكون حالي وحالك؟ وعطاء السلمي يبكي ويقول: ويل عطاء، ليت عطاء لم تلده أمه، وكان إذا غلا السعر في السوق يقول: كل هذا بذنب عطاء، لو مات عطاء لاستراح الناس، لو مات لاستراح الناس.
والفضيل بن عياض يأتي إليه جابر بن سليمان من أصحاب الحديث، فيقول له: اجلس يا جابر! ليس عند أصحاب الحديث أحب إليهم من قرب الإسناد، وسآتي لك بإسناد رسول الله ﷺ عن جبريل عن ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، فأنا وأنت يا جابر من الناس، يعني: أنا وأنت من وقود النار، ثم غشي على الفضيل، وكذا على ابنه علي، ما كانوا يستطيعون ذكر القيامة، أو أي آية من آيات العذاب.
وعمر بن عبد العزيز كان يبكي حتى تختلف أضلاعه ويقول: بطيء بطين متباطئ، ويتمنى على الله منازل الصالحين، وكان يبكي ويقول: نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم وتكدح فيما سوف تكره غبه كذلك في الدنيا تعيش البهائم
следующие страницы →