← Джавами‘

Джавами‘ · id 36323

دروس الشيخ سيد حسين العفاني

سيد حسين العفاني

Полный текст (947 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الحث على تذكر الموت والهرب من النار تذكر الموت، واجعله منك على بال حتى يدوم خوفك، واجعل السكرات منك على بال، ومعاينة الرسل ومشاهدة ملك الموت، وتفكر في هذا، وما تقول له ولم تره من قبل، فهذا كائن لا محالة، وأمتنا آخر الأمم، ورسولنا ﷺ آخر الرسل، وقد أسرع بإخبارنا فما ننتظر إلا المعاينة. ويقول مطرف بن عبد الله -وهو من أئمة التابعين-: لقد كاد الخوف من النار أن يمنعني من سؤال الله الجنة. يقول: غلب علي الخوف حتى كاد ينسيني سؤال الله الجنة. إن آخر من يخرج من النار كما جاء في الحديث الصحيح رجل يحبو حبواً، ثم يقول للمولى : (يا رب! اصرف وجهي عن النار، لا أسألك شيئاً غير ذلك)، فيأخذ المولى ﵎ عليه العهد والميثاق -فمع هول ما هو فيه ينسى الجنة- وإنما يقول: (اصرف وجهي عن النار، لا أسألك شيئاً غير ذلك). ويزيد بن مرثد يقول له عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: ما لي أرى عينك لا تجف؟ قال: وما مسألتك عن هذا؟ قال: عسى الله أن ينفعني بك، قال: إن ربي توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار، ولو لم يتوعدني إلا بالسجن في الحمام لكان حرياً ألا تجف لي عين. يعني: إن ربي قد توعدني لو عصيته بالنار، ولو لم يتوعدني إلا بسجني في الحمام تحت دش ساخن قد علت درجة حرارته قليلاً لكان حرياً ألا تجف لي عين. إن هذا الأمر ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي فيحول بيني وبين ما أريد، وهو يعرض لي حين يقدم إلي الطعام فأبكي وتبكي صبيتي وزوجتي وتقول: ويحي وما اختصصت به من طول الحزن معك. وقال رسول الله ﷺ : (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس الإسلام وأهله).

стр. 737

من أسباب الخوف

стр. 738

الأول: خشية العذاب الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ثم أما بعد: من أسباب الخوف: أن يخشى الإنسان حلول العذاب، ويخشى أن يعاقبه الله ويعجل له العقوبة في دار الدنيا على معاصيه، وكان هذا لا يدع الصالحين ينامون. فـ الربيع بن خثيم -تلميذ سيدنا عبد الله بن مسعود، وكان من أحب الناس إليه، وكان إذا خلا به لا يأذن عبد الله بن مسعود لغيره من التابعين- تقول له ابنته: ما لي أرى الناس ينامون ولا تنام؟ فقال: إن أباك يخشى البيات. والبيات هو: حلول عذاب الله ليلاً. وتقول له أمه: يا ربيع! يا بني! أقتلت نفساً؟ فيقول: بلى. فتقول: فوالله! لو علم أهل القتيل ما تلاقي بسبب قتيلهم لرحموك من كثرة البكاء، فيقول: قتلت أعز الأنفس علي، قتلت نفسي بالمعاصي. ومالك بن دينار يقول: لولا أن تكون بدعة لوضعت التراب على رأسي وقلت: أيها الناس! من رآني فلا يعصي ربه، هذا ذل العاصي في دار الدنيا فكيف في الآخرة. وكان يقول: لو أن لي أعواناً لفرقتهم في منارات الدنيا يصيحون في الناس: النار النار، أي: لا تنسوا النار. وله شاهد من حديثه ﷺ : (أنذرتكم النار، أنذرتكم النار، أنذرتكم النار). ويقول: لولا أن تكون بدعة لم أسبق إليها عند الموت، فإنه إذا جاءني الموت لوضعت الغل في عنقي وقلت لهم: اسحبوني وامضوا بي كما يمضى بالعبد الآبق إلى سيده. وقال: بينا أنا أطوف إذا بجويرية صغيرة تقول: يا رب! أفما كان لك أدب تؤدب به من عصاك إلا النار؟ أي: يا رب! أما اخترت عقوبة وأدباً للذي يعصيك غير النار؟ قال: فما زال هذا مقامها إلى الصباح. قال: فلما رأيت هذا من جويرية صغيرة وضعت يدي على رأسي وقلت: ثكلت مالكاً أمه، أفما كان لك أدب تؤدب به من عصاك إلا النار؟

стр. 739

بيان صفة جهنم جهنم سوداء، نارها أسود، شجرها أسود، أهلها سود قبيحون، ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس:٢٧]، أكلوا من النار، وشربوا من النار، ومشوا على النار، وعاشوا في النار، لهم نعال من نار، وسرابيل من قطران، ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨]، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧]، ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور:١٧ - ١٤]. فما ظنك أيها المفرط في عمره المقصر في دهره! بسكان هذه الدار، فهي ضيقة الأرجاء، مظلمة المسالك، مبهمة المهالك، دار يخلد فيها الأسير، ويوقد فيها السعير، فيها سلاسل وأغلال، ومقامع وأنكال، قال رسول الله ﷺ : (لو أن في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون وفيهم واحد من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد بمن فيه). وقال رسول الله ﷺ : (إن أهل النار يبكون الدمع حتى ينفد الدمع، ثم يبكون الدم -أي: بدل الدمع- حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو سيرت فيه سفن لجرت). دمع النواصي مع الأقدام صيرهم كالقوس محنية من شدة الوتر

стр. 740

صالحون يموتون وتعمى أبصارهم خوفاً والله إن أناساً من هذه الأمة ماتوا من الخوف، كانت تتلى عليهم آيات العذاب أو يرددونها فتخرج أرواحهم. ومنهم علي بن الفضيل بن عياض وقد قرأ زرارة بن أوفى قاضي البصرة قول الله : ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر:٨ - ٩] في صلاة الصبح فخرجت روحه، وأبو جهير الضرير في مجلس صالح المري تخرج روحه، وكان الناس يحضرون مجالس عبد العزيز بن سليمان فيقول: النار، النار، القيامة، القيامة، فيرفع من المجلس الميت والميتان والثلاثة. ومنهم من بكى من خوف النار، ومن خوف الوقوف بين يدي الله حتى عمي. والإمام الترمذي -الذي ما خلف البخاري بعده أفضل منه وأورع- بكى من خوف الله حتى عمي. وعلي بن بكار الذي يقول: منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر بكى حتى عمي. هشام الدستوائي بكى حتى عمي، وقبل أن يعمى كان إذا أبعدت زوجته عنه السراج يبكي فتقول له: لم تبكي؟ فيقول: أخشى ظلمة القبر. وأشيم البلخي بكى حتى عمي، وكان يقول: أواه القبر وظلمته، أواه اللحد وضيقه، ثم يبكي حتى عمي. وقال رسول الله ﷺ عن سيدنا سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن: (ضيق عليه القبر لولا أن فرجه الله عنه) فانظر ماذا يكون حالي وحالك؟ وعطاء السلمي يبكي ويقول: ويل عطاء، ليت عطاء لم تلده أمه، وكان إذا غلا السعر في السوق يقول: كل هذا بذنب عطاء، لو مات عطاء لاستراح الناس، لو مات لاستراح الناس. والفضيل بن عياض يأتي إليه جابر بن سليمان من أصحاب الحديث، فيقول له: اجلس يا جابر! ليس عند أصحاب الحديث أحب إليهم من قرب الإسناد، وسآتي لك بإسناد رسول الله ﷺ عن جبريل عن ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، فأنا وأنت يا جابر من الناس، يعني: أنا وأنت من وقود النار، ثم غشي على الفضيل، وكذا على ابنه علي، ما كانوا يستطيعون ذكر القيامة، أو أي آية من آيات العذاب. وعمر بن عبد العزيز كان يبكي حتى تختلف أضلاعه ويقول: بطيء بطين متباطئ، ويتمنى على الله منازل الصالحين، وكان يبكي ويقول: نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم وتكدح فيما سوف تكره غبه كذلك في الدنيا تعيش البهائم

стр. 741

تابع أسباب الخوف

стр. 742

الثاني: الخوف من الموت قبل التوبة ومن أسباب الخوف: خوف الموت قبل التوبة، فـ الحسن بن صالح بن حي لما كانوا يقولون له: صف لنا غسل الميت! فيبكي ولا يستطيع. وكان إذا قرأ: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤] يغشى عليه ويقول: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤] أنفاسك تعد، آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد دخول قبرك، آخر العدد لقاء ربك، ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤]، إن النفس قد يخرج ولا يعود، وإن العين قد تطرف ولا تطرف الأخرى إلا بين يدي الله . هذا هو الخوف من الموت قبل التوبة. فيا إخوتاه! قوموا قيام قوم قد يئسوا من العودة إلى مجلسهم خوفاً من خطفات الموكل بأخذ النفوس، وما أدراك أنك ستأتي إلى المسجد بعد خروجك منه إن النفس قد يخرج ولا يعود، وإن العين قد تطرف ولا تطرف الأخرى إلا بين يدي الله ، فبادر بالتوبة.

стр. 743

الثالث: الخوف من نقض التوبة وعدم الوفاء بها ثم بعد ذلك يخافون من نقض التوبة، أي: أن يعودوا بعد التوبة، وألا يوفوا بكلمة. إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب من خلقي وبالعصيان تأتيني فما قولي له لما يعاتبني فيقصيني

стр. 744

الرابع: الخوف من الميل عن الاستقامة ومن مكر الله ثم الخوف من الميل عن الاستقامة، والخوف من مكر الله ، مثل أن تركن لأعمالك الصالحة فيوكلك الله إليها. صفت لي الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فتخاف -يا أخي- من ضيق القلب وكما قال النبي ﷺ : (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليها الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، فتخاف مكر الله ، فكم من رجل كان له حال مع الله ، وكان يصلي الفجر في جماعة، وهو الآن يجلس على القهاوي. فاتق الله هذا هو الخوف من الزيغ ومن مكر الله .

стр. 745

الخامس: الخوف من تشتت القلب في أودية الدنيا ثم الخوف من تشتت القلب في الدنيا وأهلها وهمومها. نسأل الله أن يجمع قلبي وقلبك على هم الآخرة. وفي الخوف من تشتت القلب في أودية الدنيا يقول النبي ﷺ : (من جعل الهم هماً واحدا كفاه الله سائر همومه).

стр. 746

السادس: الخوف من ضياع الوقت في المعاصي ثم الخوف من ضياع الوقت في غير طاعة لله ، كأن يعيش في غفلة وفي لعب ولهو حتى يأتيه الموت بغتة.

стр. 747

السابع: الخوف من رؤية الله للعبد على معصية وخوف كفر النعمة وكذلك الخوف أن يراك الله مقيماً على ما لا يرضاه منك، وخوف البطر والطغيان والكبر بكثرة النعم.

стр. 748

الثامن: الخوف من تعجيل العقوبة ومن الأسباب: الخوف من تعجيل العقوبة في دار الدنيا، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]. وهذه الآية نزلت في ناس كفروا ثم نقصوا في الموازين ففعل الله بهم ما فعل ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٢ - ١٠٥]، ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر:٤٦]. والحسن بن صالح كان إذا رأى الجراد يطير يغشى عليه، وعندما يسأل عن سر ذلك يقول: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧].

стр. 749

التاسع: خوف السؤال في القبر وكذلك الخوف من منكر ونكير، وسؤال الملكين حينما يسألان الإنسان: من ربك؟ وما دينك؟ وما الأمر الذي كنت عليه؟ والنبي ﷺ يقول: (إنكم تفتنون في قبوركم قريباً من فتنة المسيح الدجال) يعني: فتنة توازي في هولها فتنة المسيخ الدجال، وهي أعظم فتنة منذ خلق الله السماوات والأرض إلى قيام الساعة (إنكم تفتنون في قبوركم قريباً من فتنة المسيح الدجال، وعني تسألون).

стр. 750

العاشر: خوف يوم القيامة ثم الخوف من عرصات القيامة ومن الحساب واطلاع الله على النقير والفتيل والقطمير.

стр. 751

الحادي عشر: الخوف من الوقوف بين يدي الله ثم الخوف من الوقوف بين يدي الله ، فالرجل العابد لما قابله ابن السماك وقد حفر لنفسه قبراً ودلى رجليه إلى القبر وهو يقول: إن للناس موقفاً لا بد أن يوقفوه قال له ابن السماك: بين يدي من؟ فمات الرجل.

стр. 752

الثاني عشر: الخوف من تطاير الصحف والموازين والصراط ثم الخوف من تطاير الصحف، والوقوف بين يدي الله ، والموازين، والصراط وحده. وإذا كان دعاء النبيين وهم على الصراط: يا رب! سلم، يا رب! سلم، فماذا يكون حالي وحالك؟

стр. 753

الثالث عشر: الخوف من القصاص وخوف مكان المصير والخوف من القنطرة والقصاص، وعدم العلم بعد ذلك بالمأوى هل يكون إلى الجنة أم إلى النار.

стр. 754

الرابع عشر: خوف عدم قبول الأعمال وخوف الذنوب ثم بعد ذلك الخوف من الحسنات والخوف من الذنوب، فما ظنك بالخوف من الحسنات وألا يقبلها الله ، وألا توفي بها، وألا تستمر عليها إلى يوم القيامة. فعودوا أنفسكم الخوف من الله ، فإذا سكن الخوف القلوب طرد مواطن الشهوات عنها، وأحرق مواضع الشبهات منها، وعودوا أنفسكم ذكر الموت، واجعلوا الموت منكم على بال. فهذا الربيع بن خثيم يقول: لو غفل قلبي عن ذكر الموت ساعة لفسد قلبي، ومن لم يتعظ بالموت ولا بالقرآن فلو تناطحت الجبال بين يديه ما اتعظ.

стр. 755

الحث على قصر الأمل وليكن عندك قصر في الأمل، وكل يوم قل: هذا اليوم الذي أموت فيه، وفلان يغسلني، ولتكن الوصية منك على بال، ودع نصب عينيك، فلان يغسلني، وفلان يكفنني، وفلان يصلي علي، فإذا أتى الليل فقل: يا نفس! هذه ليلتك التي فيها تموتين، وفلان يغسلني، وفلان يكفنني، وفلان يصلي علي. وحفصة بنت سيرين كانت إذا قامت إلى صلاتها من الليل لبست كفنها؛ إذ ربما تكون هذه آخر صلاة لها. فاجعل الموت منك على بال، واجعل السكرات منك على بال، واجعل القبر منك على بال، واجعل القيام منك على بال، وردد آيات العذاب، ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤]، ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك:٢٧]. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].

стр. 756

بيان فوائد خوف الله وعزة سيدي! لا يجعل الله عبداً أسرع إليه كمن أبطأ عنه، والناس تتسابق في دار الدنيا وتتغافل عن الموت، وإن أمراً أنت راحل إليه في كل لحظة أحق بالعمل من دار أنت مسافر عنها في كل لحظة. اللهم ارزقنا الخوف منك وحدك، ومن خاف الله وحده خوف الله منه كل شيء، ومن خاف غير الله أخافه الله من كل شيء. فهذا عز الدين بن عبد السلام كان يقول لـ نجم الدين ملك مصر: يا نجم الدين! الخمر تباع في الحانة الفلانية، فقال: هذا كان في أيام أبي، فقال له: أنت ممن يقول الله فيهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، فيقولون له: أما خفت نجم الدين أيوب ملك مصر، فيقول: تذكرت هيبة الله فصار كالقط، والملك العادل ملك مصر كان إذا دخل عليه عبد الغني المقدسي -وكان إماماً عظيماً من أئمة الحديث- يقوم له مرتعداً، فيقولون له: هذا رجل صاحب قرآن وصاحب حديث فلماذا تخاف منه هكذا؟ فيقول: والله! ما دخل علي مرة إلا وخيل إلي أنه سبع. ومصطفى كمال أتاتورك الذي أذل المسلمين في تركيا وأسقط دولة الخلافة وجعل الصلاة باللغة التركية وهدم المساجد وحولها إلى متاحف، وصاحب الراقصات، هذا الرجل الذي فعل الأفاعيل جاء نوع من النمل الأبيض وأصابه بحكة غريبة، فجلس الأطباء يعالجوه منها سنتين، وهم لا يعرفون ما هو سبب المرض، ثم اكتشفوا أنه نمل أبيض، قدم من آسيا إلى أوروبا فأمر بمدمرة بحرية بكامل طاقمها تأتي إلى قصره؛ لتهاجم النمل، وألقى مرة خطابه في مجلس النواب فهبت ريح شديدة وغبار شديد فارتعد وأراد أن يخرج من المجلس، فأمسكوا به، وبعد لحظات إذا هي غنم كان يرعاها راع، فخاف من رؤية غبار الغنم، ومن لم يخف الله خوفه الله من كل شيء. نسأل الله ﵎ أن يرزقنا وإياكم الخوف منه وحده، والعمل له وحده، رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك مخبتين منيبين، ربنا تقبل توبتنا، واغفر حوبتنا، واسلل سخيمة صدورنا، بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننتسب فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا. اللهم اشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين، اللهم إنا نسألك لذة العيش بعد الموت، وحسن النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، اللهم اهد حكام الأمة، اللهم اهد حكام الأمة إلى العمل بكتابك وسنة نبيك ﷺ . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 757

رسالة إلى كل مسلم إن المسلمين اليوم يعانون من ذل وهوان وتسلط عدوهم عليهم، فجروحهم نازفة وما أن يلتئم جرح حتى يفتح آخر، وكلها أحداث تدمي فؤاد كل مسلم غيور، ولا شك أن كل محب للمسلمين يبحث عن السبيل لإخراج الأمة مما هي فيه، ومن بذل ولو جهداً يسيراً في البحث فسيجد أن الطريق إلى المجد هو تحقيق الإيمان، والعيش في ظله الوارف، والتنعم بحلاوته، والتزين بزينته، واكتساء حلته.

стр. 758

رسالة إلى المسلمين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. ثم أما بعد: يقول الشاعر: يا من يعاتب مذبوحاً على دمه ونزف شريانه ما أسهل العتبى من جرب الكي لا ينسى مواجعه ومن رأى السم لا يشقى كمن شربا أنا قبيلة آلام بأحزنها ومن جراحي سقيت المزن والسحبا يا ابن الوليد ألا سيف نؤجره فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا فرب حي تراب القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصبا يا شام أين هما عينا معاوية وأين من زاحموا بالمنكب الشهبا فقبر خالد في حمص نلامسه فيرجف القبر من زواره غضبا إن الأحداث أبلغ من أي كلام، وأعظم من أي دموع، وأكبر من أي دماء تسكب من العيون. فكم من مسجد جعلوه ديراً على محرابه رسم الصليب دم الخنزير فيه لهم خلوف وتحريق المصاحف فيه طيب أما آن للمسلمين الغفل النيام أن يعرفوا عدوهم، ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ [الممتحنة:٢]، ويقول الله ﵎: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨]. والمطالع للتاريخ الإسلامي، ولمحاكم التفتيش التي نصبها النصارى، ولما فعله فرديناند وإيزابيلا بالمسلمين وإجبارهم على التنصر في أسبانيا، وما فعله عباد البقر وعباد الفئران في كشمير، وما فعلوه في الفلبين، وما فعلوه في معرة النعمان في بلاد الشام أيام الحملات الصليبية، وما فعلوه في بيت المقدس. يعلم إنها مآسي أبلغ من أي كلام، وهذه قصاصات من التاريخ تبين حجم وهول الأحداث على المسلمين. يقول مؤرخو الغرب لا مؤرخو المسلمين في وصف الحملات الصليبية ضد السلاجقة الأتراك: كان جنودنا يكرهون أولئك الكلاب القذرين -يعنون بذلك المسلمين- فتبعثرت أشلاء الكفرة -أي المسلمين- في كل مكان، وانتشر الكرب وعويل النسوة، وقد جرى ذبح آباء الأسر مع جميع أبنائهم، وجرى تدمير محتويات المنازل، وتملكت المنتصرين شهوة قتل جنونية وجشع ونهب، ولهذا لم يستثنوا من القتل لا الجنس ولا المنزلة الاجتماعية، ولم يقيموا للسن أدنى قيمة، ووضعوا السيوف على رقاب الأمهات وأبنائهن، ثم اقتسموا أثاث المنازل والذهب والثياب النفيسة، ويروى أنه قتل في اليوم الأول من احتلال أنطاكية أكثر من ١٥٠٠٠ من أهاليها، وانتشرت جثث القتلى غير المدفونة على طول الطرقات. ويقول المؤرخ الغربي راءول دوكايين في أثناء الاحتلال الصليبي لمعرة النعمان -بلد أبي العلاء المعري في الشام -: إن جماعاتنا كانوا يقلون الكفار في القدور -أي: كانوا يأتون بالمسلم وهو حي ويضعونه في القدر- بل أفظع من هذا كانوا يأكلون جثث العرب المسلمين، وهذا ثابت في كل الروايات الأوربية التي تعرضت للغزوات الصليبية. وهناك دكتورة غربية مسلمة حاصلة على دكتوراه في التاريخ الصليبي، لما سألتها عن ذلك أخبرتني بصدق ذلك في كل الروايات الأوربية التي تعرضت للغزو الصليبي لبلاد المسلمين، حيث كانوا يتجمعون حول النار مساء من أجل التهام فرائسهم وهم يشوونها على تلك النيران، وأيام فتح بيت المقدس جعلوا من مسجد الصخرة مشتى لخنازيرهم، وجعلوا من الصخرة مذبحاً لهم، وعلقوا صليباً على قبة الصخرة، ثم قتلوا المسلمين الذين احتموا بالمسجد الأقصى، وبلغ عدد القتلى في المسجد الأقصى سبعين ألف قتيل، حتى إن القائد الصليبي حين دخوله لبيت المقدس في المسجد الأقصى غاص في قتلى المسلمين، وفي دماء المسلمين حتى ركبتيه. أما ما فعلوه في الأندلس فهو أكثر من أن يقال، حتى إن خير الدين بربوس عندما استغاث به نساء الأندلس أرسل الرسول الجزائري ثلاث مرات يحمل الأطفال ويحمل النساء الذين يريدون إجبارهم على التنصر، وأنقذ بمفرده سبعين ألف امرأة وطفل أسباني. فماذا يفعل المسلمون الآن؟ لا شيء سوى الشجب والاستنكار والإدانة، مع أن بمقدورهم أن يقاطعوا صربيا، وبمقدورهم أن يطردوا السفراء من كل الدول الإسلامية، وبمقدورهم أن يفعلوا الكثير، فإن كان الشعب لا يستطيع أن يفعل شيئاً حيال ما يجري، وإن كانت الحكومات عاجزة لا أقل من أن الإنسان يعرف ابنه من عدوه، ويصحح القصد، ويرفع يده إلى السماء أن يجير الله لهؤلاء الأطفال والنساء والرجال الذين يقتلون، ونقول للناس: واإسلاماه! عودوا إلى ربكم، واعرفوا من عدوكم، وصححوا القصد مع الله ، فاليوم كوسوفو ولا تعلمون الدائرة على من في الغد، فإن لم تحس بجرح المسلمين اليوم فمتى؟ ولو قيل لك: قتل أخوك في القاهرة فإنك ستبكي العبرات، وهؤلاء إخوتنا نساءً وأطفالاً رضع أجبروا على ترك بيوتهم، وهجروا من بلادهم حتى بلغ عدد المهجرين ثلثي كوسوفو، بل إنهم لا يسلمون من القتل في طريق هجرتهم، ومع ذلك كله تجد أن الترف قتل المسلمين في كل مكان؛ في دول الخليج وفي غيرها. نعم تجد رجالاً صالحين مؤمنين ناسكين، ولكن تجد على الطريق الآخر مسابقة لاختيار أجمل خروف كما نشرت ذلك جريدة الوطن الكويتية! وتعقد هذه المسابقة ويقع اختيارهم على خروف سموه عندهم الزعيم، وقد بيع بمائتين وخمسين ألف جنيه مصري، أي: ما يعادل خمسة وعشرين ألف دينار كويتي، ومسابقة أخرى لاختيار أجمل حمامة، وقد رفض صاحبها أن يبيعها بسيارة مرسيدس آخر موديل في هذا العام. هذه حال المسلمين، وفي مصر ينشغل الناس بمباراة كرة القدم! يقول الشاعر: من حر قلب الشاعر الهدار تهمي الدموع فتكتوي أشعاري أبكي ألوف المسلمين بكوسفا تحيا مروعة بغير ديار باتوا كراماً آمنين فأصبحوا شعباً شريداً حف بالأخطار الصرب عادوا كالذئاب ضراوة جوعى أصيبوا كلهم بسعار في البوسنه اغتالوا الحياة ودنسوا عرض النساء وعفة الأبكار داسوا على وجه الزهور وأخرسوا همس النسيم ورنة الأطيار ثم استداروا كي يبيدوا مسلمي الـ ألبان في حنق وفي إصرار في كل شبر قد أقاموا مجزراً للمسلمين العزل الأحرار سالت دماء المسلمين شهيدة تجري من الأعناق كالأنهار عادوا لتكرار المآسي نفسها لم يسأموا من كثرة التكرار والهاربون إلى الجبال تلفحوا بالثلج يلسعهم ليل من الأحزان خيم فوقهم يمتد مسوداً بغير نهار قد هوجموا لكن بغير جريرة قد هاجروا لكن بلا أنصار والجوع يفترس البطون بنابه والجوع كالوحش الهصور الضاري يبكي الصغار فيطعمون صغارهم عشباً وأوراقاً من الأشجار ومن العجيب أن أمريكا تريد أن تأخذ ٢٠. ٠٠٠ لاجئ من الألبان، وكندا ٥٠٠٠، والنرويج ١٠. ٠٠٠، وألمانيا ٤٠. ٠٠٠، وأما المسلمون فكأن الأمر لا يعنيهم، ولذا أقول لأخي المسلم: إن لم تستطع أن تفعل شيئاً فكن رجلاً يقدر أن أخاه يذبح، وأن أخته ينتهك عرضها، وأن أطفاله الرضع ربما شابوا من هول ما هم فيه، وليتذكر أنه على مسافة خمسة وعشرين كيلو متر يقف مئات الآلاف من أجل أن يدخلوا مقدونيا فراراً من الصرب. آمل أن هذه المأساة تجعل من الشباب المسلم يقول: تبت إلى الله أنبت إلى الله وأن يستدرك ما فاته حتى لا يأتي الدور عليه.

стр. 759

حلاوة الإيمان إن للإيمان حلاوة وزينة ونعيماً ونوراً لا يدركها إلا من عايشها سلوكاً ومنهجاً، فمن عاشها سيدرك أن للإيمان حلاوة تباشرها القلوب أكثر من مباشرة اللسان لحلاوة الطعام الحسية، وهي ما عبر عنها الرسول ﷺ مرة بالطعام، ومرة بالذوق، ومرة بحلاوة الإيمان؛ فقال رسول الله ﷺ : (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً)، وهو من حديث العباس بن عبد المطلب. وروى الإمامان البخاري ومسلم من حديث أنس قال ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار). كما أن للإيمان زينة وحلة يرتديها المؤمنون، ولذا كان دعاء رسول الله ﷺ : (اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين)، وهذه الزينة إذا كست القلب بدت آثارها على الجسد والجوارح، قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦]. ومما لابد أن يعلم أن للقلب نعيماً مثل نعيم الأبدان، وهو الذي عبر عنه النبي ﷺ بقرة العين، قال الإمام ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان): قوله: (وأسألك نعيماً) هذا نعيم الأبدان، ثم قال: (وقرة عين لا تنقطع)، هذا نعيم القلوب. إن أجمل شيء يلقاه العبد في دار الدنيا هو لذة الأنس بالله ، والمعرفة بالله ، والفرار منه إليه، وهو يقابل لذة النظر إلى وجه الله الكريم في الدار الآخرة، ولذلك يقول النبي ﷺ : (وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم)، فجمع بين لذة الدنيا ولذة الآخرة، فوالله ما طابت الدنيا إلا بذكره، وما طابت الآخرة إلا برؤيته. مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أجمل ما فيها؛ المعرفة بالله ، والأنس به، والمحبة له. يقول يحيى بن معاذ الرازي: من سر بخدمة الله سرت بخدمته الأشياء، ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين.

стр. 760

الأسباب التي تجعل المسلم يذوق حلاوة الإيمان وهنالك أكثر من عشرين سبباً يجد بها العبد حلاوة الإيمان سنحاول أن نتتبعها سبباً سبباً.

стр. 761

الرضا بالله رباً السبب الأول: الرضا بالله رباً، يقول النبي ﷺ : (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً)، ومعنى: الرضا بالله رباً: أن ترضى بالله وكيلاً مدبراً ولياً ناصراً، وأن تبغض إلى نفسك عبادة كل شيء سوى الله ، وأن يكون الله أولى الأشياء عندك بالتعظيم، وأن تكون محبة الله سابقة لكل محبة، وأن تكون كل محبة للبشر محبة إضافية ومحبة الله محبة ذاتية، ولذلك عندما أمر المولى سيدنا إبراهيم بذبح ابنه هم بالذبح؛ لأنه لا يحب إسماعيل ابنه لذات إسماعيل، وإنما يحبه لأن الله أمره بحبه، فإذا دعاه الله ﵎ إلى ذبح ولده هم بذلك وسارع. فهذه غاية المحبة، وهي أن تكون محبة الله هي المحبة الذاتية الأصلية، وكل محبة تابعة لها، وأن تقهر محبة الله كل محبة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]. فلابد أن تكون محبة الله أولى من كل محبة، سابقة لكل محبة، قاهرة لكل محبة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، وهذا عين الرضا بالله. وأما الرضا عن الله: فهو الرضا بقضاء الله وقدره، قال الرسول ﷺ : (لن يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه). والرضا بالله رباً أفضل من الرضا عنه رباً؛ لأن الرضا بالله رباً متعلق بأسماء الله وبصفاته، وأما الرضا عن الله فهو متعلق بثواب الله ، فالرضا بالله رباً فرض آكد على القلوب، وأما الرضا عن الله فاختلف العلماء فيه هل هو واجب أم مستحب على قولين، كما أن الرضا عن الله رباً لازم للرضا بالله رباً.

стр. 762

الرضا بالإسلام ديناً السبب الثاني: الرضا بالإسلام ديناً، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، وقال : ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣٣]. إن أعداء الله لا يبغضون منا إلا الإسلام، فإذا تركنا ديننا كنا أحباء خلصاً لهم، فهم لا يبغضون إلا دين الله الذي أسلم له من في السماوات ومن في الأرض، ونحن نوقن أن هذا الإسلام عزنا وشعارنا وفخرنا. قالها أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب لـ أبي عبيدة ﵄ حين قال له أبو عبيدة وهو يفد ليستلم مفاتيح القدس: لو أصلحت من شأنك يا أمير المؤمنين؛ فإنك تلقى وجهاء الناس وكبراءهم؟ فضرب في صدره وقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. فليس الأمر هاهنا، وإنما الأمر هاهنا: ((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)). يقول أبو حازم الأعرج: قد رضينا من أحدكم أن يحافظ على دينه كما يحافظ على نعله، حينما يتسع خرق النعل تصلحه. ونحن: نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع فلابد أن نعلم أنه إذا ضاع الإسلام ضاع كل شيء، تضيع الأعراض وتغتصب النساء، وتسفك الدماء، وتنتهب الأموال، وتسلب الأراضي وغيرها، والواقع خير شاهد، فحلف الناتو عند غزو الصرب لكوسوفو لم يعمل شيئاً للمسلمين، وإنما ضرب بعض المواقع تاركاً جنود الصرب يذبحون المسلمين، وكأنها مؤامرة الكل يتفقون عليها. لقد دك الصرب الناس دكاً، فماذا فعل حلف الناتو؟ لا شيء، فرغم أن عندهم جيوشاً برية وبحرية وجوية، لكن ليس عندهم استعداد أن يقتل قتيل واحد فقط من أجل مسلم، ونحن عندنا قلامة ظفر أصغر طفل من البوسنة أو من ألبانيا أو من كوسوفو برقاب كل الكافرين الذين على وجه الأرض.

стр. 763

الرضا بمحمد رسولاً والرضا برسول الله رسولاً هو عين الشهادة أن محمداً رسول الله ﷺ ، قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، وقال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:١ - ٢]. وقال الله ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. قال سيدنا عمر يوماً لرسول الله ﷺ : (والله يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده والناس أجمعين، قال: الآن يا رسول الله، قال: الآن يا عمر). وكونك ترضى به رسولاً يعني: ألا تتحاكم إلا إلى رسول الله ﷺ ، وأن تطبق هدي النبي ﷺ ، وأن تهاجر إلى سننه: في حركاته وسكناته وكلامه وصمته وأفعاله، وأن يكون رسول الله ﷺ سيدك وشيخك، فتفزع إلى آرائه، وتترك كل الآراء لآرائه، وتترك زبالات الأذهان ونتائج الأفكار العفنة وأقوال العقول وهدايات الأفكار لهديه وشرعه، فتترك علم الكلام والمنطق لهدي نبينا ﷺ ، ولتكن قاعدتنا دوماً: النقل مقدماً على العقل، والكتاب والسنة مقدم على غيره من عقول البشر، وعلى غيره من أذواق ومواجيد الصوفية، وأن يكون الذوق عند المسلم ذوقاً شرعياً مرتبطاً بالكتاب والسنة. لقد أعزنا الله بالإسلام والجهاد، ثم لما أغمدت السيوف أتت الهزيمة والذل والعار والوحل والسقوط والدناءة على يد من ابتعدوا عن دين الله . إذا أنت غمت عليك السماء وظلت حواسك عن صبحها فعش دودة في ظلام القبور تغوص وتسبح في قيحها

стр. 764

عبادة الله وحده السبب الرابع: عبادة الله وحده، وهناك ثلاث أخرى من فعلهن يحبه الله ورسوله، ويذوق طعم الإيمان، قال رسول الله ﷺ : (ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده)، والعبودية: هي الذل التام والحب التام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية.

стр. 765

إخراج زكاة المال السبب الخامس: أن يؤدي المسلم زكاة المال، قال ﷺ في الحديث المتقدم: (ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده، وعلم أنه لا إله إلا الله وحده، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولا يعطي الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط: اللئيمة، ولكن من أواسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولا يأمركم بشره). ولو أن حكومات وأثرياء المسلمين بعثوا زكاة الأموال لفقراء المسلمين النازحين من بلادهم لاغتنوا وما عاد يسمع في المسلمين فقير.

стр. 766

تزكية النفس السبب السادس: تزكية النفس. قال ﷺ في الحديث السابق: (ويعطي زكاة ماله طيبة بها نفسه، وزكى نفسه، قالوا: وما تزكية النفس يا رسول الله؟ قال: أن يعلم أن الله معه حيث كان). قال أحد السلف: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من واجهته بها. إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب من خلقي وبالعصيات تأتيني فما قولي له لما يعاتبني ويقصيني وقال الآخر: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب فعلى العبد حينما يباشر أي معصية أن يتذكر أن الله ناظر إليه من فوق سبع سماوات، عالم بحاله وأمره؛ مطلع على معصيته وظلمه. وقد ذكر أن رجلاً راود امرأة على الفاحشة فقالت بعد أن خلا بها: انظر هل يرانا من أحد، قال: ما يرانا إلا الكواكب، قالت له: فأين مكوكبها؟! ويذكر أن امرأة أخرى راودها رجل على الزنا، فقالت له: هل نام أهل القافلة جميعاً؟ قال: نعم، قالت له: فهل نام الله؟! ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]. فأمرك حين تقترف أي ذنب دائر بين أمرين: إما أن تقول إن الله حين أباشر هذه المعصية الصغيرة لم يرني ولم يطلع علي ولم يعلم بحالي، وأنت لو تيقنت هذا خرجت من الإسلام بالكلية ولو في فعل صغيرة، وأما إذا قلت: إني أباشر المعصية وأعلم أن الله يراني ومطلع علي، فهذا يدل على قلة الحياء. قال ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت). والمراقبة منزلة عظيمة من منازل الإحسان، وقد عرفه النبي ﷺ في حديث جبريل فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، ولو أن تعظم أمر الله كما تعظم الرجل الصالح من قومك، قال النبي ﷺ : (أن تجعل الله أجل الناظرين إليك).

стр. 767

إقامة الصلاة السبب الثامن: قال أهل العلم عند قول النبي ﷺ : (وجعلت قرة عيني في الصلاة): إن قرة عينه هي نعيم القلب. قال الإمام ابن القيم في (إغاثة اللهفان): الصلاة عبارة عن حركات تباشرها الجوارح، وأساسها الخشوع، والخشوع من أعمال القلوب. كان علي زين العابدين إذا توضأ اصفر وجهه، فإذا وقف للصلاة بين يدي الله يرتعد، ولما يسأل عن ذلك يقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقف؟! فما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة في الصلاة، ولا بمثل الذل والتضرع ومد اليد إلى الله ، فهو والله النعيم الذي يحسه أهل الليل في ليلهم، فهم في لذة أعظم من أهل اللهو بلهوهم. قال ثابت البناني: كابدت الصلاة عشرين سنة واستمتعت بها عشرين سنة. قم في الدجى بين يدي الله ، وتحرى في قيامك الثلث الأخير؛ علك أن تصادف ساعة الإجابة فتسعد، قال النبي ﷺ : (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مؤمن يسأل الله شيئاً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك في كل ليلة)، فقم واسجد لله واغسل بدموعك خدودك، وسل الله أن يفك أسرى المأسورين من المسلمين، وأن يفرج الكرب عن المسلمين. يذكر عن صلاح الدين الأيوبي لما حاصر الصليبيين أنه كان يطوف على الأمصار وعيناه تذرفان الدموع، ويقول: يا للإسلام! يا لعكا! وقالوا: كان يحمل الأحجار في حجره ليصلح من حصون عكا، ويحمل هماً كالجبال في صدره حزناً على الإسلام وغماً على حال المسلمين، مع أنه كان حينها قد أصيب بالدماميل في ظهره، وما كان يستطيع أن يأكل إلا وهو مستلق على بطنه من شدة الدماميل التي في ظهره، ولكن كان إذا ركب الخيل ينسى هذا كله، فكان يتعجب قاضيه ابن شداد ويقول: إنك لا تأكل إلا نائماً على بطنك، فكيف تركب الخيل؟ يقول: والله لا أحس بألمها حتى أعود مرة أخرى إلى الأرض، إنها معونة الله . وظل يبني الأبراج ويبني الحصون إلى أن سلم أهل عكا، بعد أن ضيق عليهم النصارى الحصار من قبل البحر، وأتت السفن تضربهم كي يستسلموا، واشترطوا على النصارى الأمان، إلا أنهم غدروا فبعد أن سلم المسلمون لهم ذبحوا ٣٠٠٠ صبراً، جمعوهم وذبحوهم في الصحراء، ولم يوفوا للمسلمين بأي عهد، وبكى صلاح الدين في هذا اليوم بكاء لم يبك مثله في أي يوم آخر. وممن حمل هم الإسلام محمود زنكي، ومما يؤثر عنه أنه كان يروي الحديث بالسند، فجاء حديث أن رسول الله تبسم، وتبسم راوي الحديث الصحابي، ثم التابعي، فقالوا: تبسم حتى تكتمل السلسلة، فقال: والله إني أستحي من الله أن يراني متبسماً والصليبيون يحاصرون دمياط، وكان الصليبيون وقتها محاصرين لدمياط، وما بنيت المنصورة إلا قلعة من قلاع الجهاد لوقف زحف الصليبيين على دمياط. إن مما ينبغي على المسلمين بعد أن يتعلموا دينهم أن يقرءوا التاريخ الإسلامي، وأخبار المعارك الإسلامية، فإن المسلم حين يجد أن المسلمين قد وصلوا إلى قرية سينس وهي تبعد عن باريس ثلاثين كيلو متراً من جهة الجنوب، ووصلوا إلى جبال الصين، ووصلوا إلى سيبريا، سيجد الفرق الهائل بين المجد القديم لأمة الإسلام والحاضر المزري الذي أبرز صورة عجز المسلمين عن الدفاع حتى عن القدس.

стр. 768

حسن الخلق السبب التاسع: حسن الخلق، يقول النبي ﷺ : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)، وقال النبي ﷺ : (خير الناس أحسنهم خلقاً)، وقال النبي ﷺ : (خير ما أعطي الناس خلق حسن، ومن كمل إيمانه ذاق حلاوة الإيمان)، وقال النبي ﷺ : (أفضل الإيمان الصبر والسماحة)، وأفضل الصبر الصبر على طاعة الله: من الإتيان لصلاة الجماعة في المسجد، والمواظبة على سماع دروس العلم، والإتيان لصلاة الفجر، والمداومة على قيام الليل، والحرص على صوم النافلة. ويلي الصبر على طاعة الله الصبر عن معاصي الله، ثم الصبر على أقدار الله المؤلمة. ولابد أن يعلم المسلم أن الله أرحم بالمظلومين من المسلمين من كل المسلمين قاطبة، إن الله اختص نفسه بتسع وتسعين من الرحمة، ثم أنزل إلى الأرض جزءاً يتراحم منه الجن والإنس والطير والهوام، والله لا يريد للمسلمين إلا الخير، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها، وما يصيب المسلمين من أزمات لا يريد الله للناس بإصابتهم بها إلا الخير، ولعلهم أن يعودوا تدريجياً إلى دينهم، فتمتلئ المساجد، ويظهر الحجاب والنقاب واللحية وغيرها من شعائر الإسلام. قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، ولقد قال النبي ﷺ : (يؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة -من شدد الله عليهم في الدنيا- فيغمس في الجنة غمسة واحدة فيقال: هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا).

стр. 769

أن يحب المسلم لأخيه ما يحبه لنفسه السبب العاشر: أن يحب المسلم لأخيه المسلم ما يحبه لنفسه. قال رسول الله ﷺ : (وأحب للناس ما تحبه لنفسك تكن مؤمناً) أي: تكن مؤمناً كامل الإيمان كما فسره علماء الحديث.

стр. 770

بغض الدنيا والسبب الحادي عشر: بغض الدنيا. قال النبي ﷺ : (خير الناس ذو القلب المحموم، واللسان الصادق، قالوا: وما القلب المحموم يا رسول الله؟ قال: هو التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا حسد، قالوا: فمن على أثره يا رسول الله؟ قال: الذي يشنأ الدنيا -الرجل الذي يبغض الدنيا-، قالوا: فمن على أثره يا رسول الله؟ قال: مؤمن في خلق حسن)، فالمؤمن الذي يبغض الدنيا هو الذي يذوق حلاوة الإيمان، ولذلك يقول: إبراهيم بن أدهم: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من سعادة لجالدونا عليها بالسيوف.

стр. 771

الرجوع إلى القرآن تلاوة وتدبراً وتفهماً السبب الثاني عشر: الرجوع إلى القرآن بتلاوته وتدبره وتفهمه، يقول الله : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس:٥٨]، وهذا فرح القلب: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]، وفضل الله ورحمته هو الإسلام والقرآن، ففرح القلوب المؤمنة بالقرآن بتلاوته وتدبره هو نعيم القلب. يقول ابن تيمية: أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما رحت فهي معي. لسان حاله: إن معي كتاب الله وسنة نبيه، فجنتي وبستاني في صدري. ومن النعيم الذي يغمر قلوب المؤمنين نعيم الذكر، فما تلذذ المتنعمون بمثل ذكر الله ، ورحم الله أقواماً كان الذكر نعيمهم وعنوانهم، والقرآن نزهتهم وبستانهم وروحهم وريحانهم.

стр. 772

الصدق السبب الثالث عشر: الصدق، فمن أراد طريقاً إلى الله فعليه باليقين بوعد الله ، فلو كان لدى المؤمنين يقين بما وعد الله به الصالحين من النعيم والخير لتنعموا بلذة الإيمان والتصديق، وستجد من أيقن بقوله ﷺ : (من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة)، ملازماً لتلك العبادة قد ذاق حلاوة التصديق بما وعد الله . كما أنه إن وصل إلى هذه الدرجة جعلت الآخرة منه على بال، وكان الموت أحب شيء إليه؛ لأنه يقربه من الله ، بينما اليوم أصبح دين أحدهم لعقة على لسانه، يقول: أؤمن بيوم القيامة، وكذب ومالك يوم الدين! فالموت أول وارد علينا من ربنا، فكلنا نؤمن بالموت ولا نرى له مستعداً، ونؤمن بالجنة ولا نرى لها مشتاقاً، ونؤمن بالنار ولا نرى منها خائفاً، ونؤمن بلقيا الله ولا نستعد لهذا اللقاء. يقول الإمام العظيم ابن دقيق العيد: والله منذ أربعين سنة ما تكلمت كلمة إلا وأعددت لها موقفاً بين يدي الله .

стр. 773

الجهاد في سبيل الله السبب الرابع عشر: الجهاد في سبيل الله، فإن العبد يذوق حلاوة الإيمان إذا جاهد في سبيل الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:١٥]، والجهاد المراد هو الجهاد بكل أنواعه؛ جهاد الكلمة ضد الزنادقة والمارقين الذين يبغضون إلى الناس دينهم، ويزرعون الشكوك في أنفس العامة، وهذا جهاد الخاصة، قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]، وجهاد المنافين لا يكون إلا بالكلمة، قال الله : ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢]، فجهاد الخواص هو الدعوة إلى الله . قال الإمام القرطبي: والدعاء إلى الإسلام أعلى مقامات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهنا ينبغي الحذر من الممارسات اللامسئولة التي يمارسها بعض المتحمسين باسم الجهاد والجهاد منها براء. ويذكر عن شقيق البلخي أنه لما اصطف المسلمون مع أعدائهم للقتال قال لمن بجانبه: هذا اليوم مثل الليلة التي زفت إليك فيها امرأتك؟ قال: لا والله، هذا يوم تنزل فيه الروح، ثم قال له: أتجعل يوم بنائي على زوجتي مثل يوم الجهاد؟ قال: والله لهما سواء عندي، هذا اليوم مثل اليوم الذي زفت إلي فيه امرأتي. يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب ولنا أن نتساءل أين نحن من هؤلاء الرجال؟ أين نحن من يوم من أيامهم، إن ما نبذله للإسلام لا يقاس بحافر في خيل خالد، أو بذرة غبار على وجه ابن المبارك، ولا بيوم من أيام معاذ بن جبل، ولا بيوم من أيام أبي هريرة حافظ المؤمنين في الحديث، وقد كان ينادي في قبيلته دوس: أتفرون من الجنة؟ أتهربون من الحور العين؟! ولا بيوم من أيام أبي سفيان وهو يصيح في يوم اليرموك: يا نصر الله اقترب، أين نحن من نصر الله ، ولا بيوم من أيام عكرمة بن أبي جهل وهو يقول: من يبايع على الموت؟ فيقول له خالد: أبقنا لنفسك يا أبا عمرو، يقول: إليك عني يا خالد، لقد قاتلت رسول الله ﷺ في كل مكان، أفأفر اليوم عن الجنة؟! اللهم أكرمنا بالشهادة في سبيلك اللهم اهد حكام المسلمين، وارجعهم إلى دينك، اللهم ائذن لشريعتك أن تحكم الأرض وأن تسود. اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشداً يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أواهين مخبتين منيبين. وتقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا، بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننتسب فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا. اللهم اشف مرضى المسلمين، اللهم ارحم موتى المسلمين. اللهم عليك بالظالمين من الكافرين والملحدين، اللهم وارحم شهداء المسلمين في كل مكان، واحم أعراض نساء المسلمين في كل مكان، وارحم أطفال المسلمين في كل مكان، واحفظ دماء المسلمين في كل مكان، ووفر الأمن لبلاد المسلمين في كل مكان. اللهم أقبل بشباب المسلمين على كتابك وعلى سنة نبيك، اللهم احشرنا مع نبينا غير خزايا ولا نادمين، ولا شاكين ولا مفتونين ولا مبدلين. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، ولا تشمت فينا أعداء حاسدين. اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم إنك ملك الملوك تقدر ولا يقدر غيرك، وتملك ولا يملك غيرك، اللهم ارحمهم، اللهم احم أعراضهم، اللهم احفظ أموالهم، واحفظ أولادهم، واحفظ شيوخهم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله على محمد، وعلى آله الطاهرين.

стр. 774

شذا الريحان بذكر جنة الرحمن الجنة دار الخلود، والفرح والسعود، لا يحصل عليها من أدمن القعود، وظل راكداً في ميادين الركود، وهي دار صفاء ونقاء، وجمال وكمال، فيها ما لم تره الأعين، ولم تسمعه الآذان، وفيها من شتى الفواكه لذيذة المذاق جميلة الألوان، وفيها الحور الحسان، وفيها راحة الجسد والأبدان، فهنيئاً لمن جعل الجنة نصب عينيه فجد واجتهد، وعمل وكد، وما نام ولا رقد، وشمر عن ساعد الاجتهاد والجد.

стр. 775

شوق جنة الرحمن إلى أولياء الرحمن إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير من ما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. ثم أما بعد: حديثنا اليوم بعون الله وتوفيقه سيكون بعنوان: شذا الريحان بذكر جنة الرحمن. هذه الدار التي دندن حولها رسول الله ﷺ والصحابة بقوله للصحابي الجليل: (حولها ندندن). هذه الدار التي ارتضاها الله مأوى لعباده الصالحين، هذه الدار التي غرس الله غراسها بيده، كما قال ابن عمر: إن الله خلق جنة عدن بيده كما خلق آدم بيده، وخلق العرش بيده، وخلق القلم بيده، وخلق باقي الكائنات بكلمة كن. فالله خلق الجنة بيده، فرحم الله أقواماً علموا أن الرحمن غرسها بيده، فحنوا إلى ما غرسه. خذني إلى بيتي أرح خدي على عتباته وأقبل مقبض بابه خذني إلى وطني أموت مشرداً إن لم أكحل ناظري بترابه نحن اعتصرنا غيم كل طرائق الدنيا وأشعار الحنين إلى الوطن لا ماؤها يروي ولا أشعارها تكوي ولا تنسي عدن
следующие страницы →