← Джавами‘

Джавами‘ · id 36323

دروس الشيخ سيد حسين العفاني

سيد حسين العفاني

Полный текст (947 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الرجوع إلى القرآن تلاوة وتدبراً وتفهماً السبب الثاني عشر: الرجوع إلى القرآن بتلاوته وتدبره وتفهمه، يقول الله : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس:٥٨]، وهذا فرح القلب: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]، وفضل الله ورحمته هو الإسلام والقرآن، ففرح القلوب المؤمنة بالقرآن بتلاوته وتدبره هو نعيم القلب. يقول ابن تيمية: أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما رحت فهي معي. لسان حاله: إن معي كتاب الله وسنة نبيه، فجنتي وبستاني في صدري. ومن النعيم الذي يغمر قلوب المؤمنين نعيم الذكر، فما تلذذ المتنعمون بمثل ذكر الله ، ورحم الله أقواماً كان الذكر نعيمهم وعنوانهم، والقرآن نزهتهم وبستانهم وروحهم وريحانهم.

стр. 772

الصدق السبب الثالث عشر: الصدق، فمن أراد طريقاً إلى الله فعليه باليقين بوعد الله ، فلو كان لدى المؤمنين يقين بما وعد الله به الصالحين من النعيم والخير لتنعموا بلذة الإيمان والتصديق، وستجد من أيقن بقوله ﷺ : (من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة)، ملازماً لتلك العبادة قد ذاق حلاوة التصديق بما وعد الله . كما أنه إن وصل إلى هذه الدرجة جعلت الآخرة منه على بال، وكان الموت أحب شيء إليه؛ لأنه يقربه من الله ، بينما اليوم أصبح دين أحدهم لعقة على لسانه، يقول: أؤمن بيوم القيامة، وكذب ومالك يوم الدين! فالموت أول وارد علينا من ربنا، فكلنا نؤمن بالموت ولا نرى له مستعداً، ونؤمن بالجنة ولا نرى لها مشتاقاً، ونؤمن بالنار ولا نرى منها خائفاً، ونؤمن بلقيا الله ولا نستعد لهذا اللقاء. يقول الإمام العظيم ابن دقيق العيد: والله منذ أربعين سنة ما تكلمت كلمة إلا وأعددت لها موقفاً بين يدي الله .

стр. 773

الجهاد في سبيل الله السبب الرابع عشر: الجهاد في سبيل الله، فإن العبد يذوق حلاوة الإيمان إذا جاهد في سبيل الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:١٥]، والجهاد المراد هو الجهاد بكل أنواعه؛ جهاد الكلمة ضد الزنادقة والمارقين الذين يبغضون إلى الناس دينهم، ويزرعون الشكوك في أنفس العامة، وهذا جهاد الخاصة، قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣]، وجهاد المنافين لا يكون إلا بالكلمة، قال الله : ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢]، فجهاد الخواص هو الدعوة إلى الله . قال الإمام القرطبي: والدعاء إلى الإسلام أعلى مقامات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهنا ينبغي الحذر من الممارسات اللامسئولة التي يمارسها بعض المتحمسين باسم الجهاد والجهاد منها براء. ويذكر عن شقيق البلخي أنه لما اصطف المسلمون مع أعدائهم للقتال قال لمن بجانبه: هذا اليوم مثل الليلة التي زفت إليك فيها امرأتك؟ قال: لا والله، هذا يوم تنزل فيه الروح، ثم قال له: أتجعل يوم بنائي على زوجتي مثل يوم الجهاد؟ قال: والله لهما سواء عندي، هذا اليوم مثل اليوم الذي زفت إلي فيه امرأتي. يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب ولنا أن نتساءل أين نحن من هؤلاء الرجال؟ أين نحن من يوم من أيامهم، إن ما نبذله للإسلام لا يقاس بحافر في خيل خالد، أو بذرة غبار على وجه ابن المبارك، ولا بيوم من أيام معاذ بن جبل، ولا بيوم من أيام أبي هريرة حافظ المؤمنين في الحديث، وقد كان ينادي في قبيلته دوس: أتفرون من الجنة؟ أتهربون من الحور العين؟! ولا بيوم من أيام أبي سفيان وهو يصيح في يوم اليرموك: يا نصر الله اقترب، أين نحن من نصر الله ، ولا بيوم من أيام عكرمة بن أبي جهل وهو يقول: من يبايع على الموت؟ فيقول له خالد: أبقنا لنفسك يا أبا عمرو، يقول: إليك عني يا خالد، لقد قاتلت رسول الله ﷺ في كل مكان، أفأفر اليوم عن الجنة؟! اللهم أكرمنا بالشهادة في سبيلك اللهم اهد حكام المسلمين، وارجعهم إلى دينك، اللهم ائذن لشريعتك أن تحكم الأرض وأن تسود. اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشداً يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أواهين مخبتين منيبين. وتقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا، بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننتسب فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا. اللهم اشف مرضى المسلمين، اللهم ارحم موتى المسلمين. اللهم عليك بالظالمين من الكافرين والملحدين، اللهم وارحم شهداء المسلمين في كل مكان، واحم أعراض نساء المسلمين في كل مكان، وارحم أطفال المسلمين في كل مكان، واحفظ دماء المسلمين في كل مكان، ووفر الأمن لبلاد المسلمين في كل مكان. اللهم أقبل بشباب المسلمين على كتابك وعلى سنة نبيك، اللهم احشرنا مع نبينا غير خزايا ولا نادمين، ولا شاكين ولا مفتونين ولا مبدلين. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، ولا تشمت فينا أعداء حاسدين. اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم إنك ملك الملوك تقدر ولا يقدر غيرك، وتملك ولا يملك غيرك، اللهم ارحمهم، اللهم احم أعراضهم، اللهم احفظ أموالهم، واحفظ أولادهم، واحفظ شيوخهم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله على محمد، وعلى آله الطاهرين.

стр. 774

شذا الريحان بذكر جنة الرحمن الجنة دار الخلود، والفرح والسعود، لا يحصل عليها من أدمن القعود، وظل راكداً في ميادين الركود، وهي دار صفاء ونقاء، وجمال وكمال، فيها ما لم تره الأعين، ولم تسمعه الآذان، وفيها من شتى الفواكه لذيذة المذاق جميلة الألوان، وفيها الحور الحسان، وفيها راحة الجسد والأبدان، فهنيئاً لمن جعل الجنة نصب عينيه فجد واجتهد، وعمل وكد، وما نام ولا رقد، وشمر عن ساعد الاجتهاد والجد.

стр. 775

شوق جنة الرحمن إلى أولياء الرحمن إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير من ما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. ثم أما بعد: حديثنا اليوم بعون الله وتوفيقه سيكون بعنوان: شذا الريحان بذكر جنة الرحمن. هذه الدار التي دندن حولها رسول الله ﷺ والصحابة بقوله للصحابي الجليل: (حولها ندندن). هذه الدار التي ارتضاها الله مأوى لعباده الصالحين، هذه الدار التي غرس الله غراسها بيده، كما قال ابن عمر: إن الله خلق جنة عدن بيده كما خلق آدم بيده، وخلق العرش بيده، وخلق القلم بيده، وخلق باقي الكائنات بكلمة كن. فالله خلق الجنة بيده، فرحم الله أقواماً علموا أن الرحمن غرسها بيده، فحنوا إلى ما غرسه. خذني إلى بيتي أرح خدي على عتباته وأقبل مقبض بابه خذني إلى وطني أموت مشرداً إن لم أكحل ناظري بترابه نحن اعتصرنا غيم كل طرائق الدنيا وأشعار الحنين إلى الوطن لا ماؤها يروي ولا أشعارها تكوي ولا تنسي عدن

стр. 776

نماذج من الصحابة اشتاقت إلى الجنة هذه الدار التي اشتاق إليها الصالحون، فهذا عمير بن الحمام الصحابي الجليل سمع رسول الله ﷺ يقول: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فقال: بخ بخ، قال: ما حملك على أن تقول هذا؟ قال: والله يا رسول الله! ما قلت ذلك إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه جعل يأكل منهن ثم ألقاها وقال: إنها لحياة طويلة إن مكثت حتى آكل تمراتي هذه، وقاتل حتى قتل). إنها الدار التي اشتاق إليها حرام بن ملحان في يوم بئر معونة لما طعن وسال الدم على رأسه وقال: فزت ورب الكعبة. وهذا عامر بن فهيرة راعي أغنامٍ لـ أبي بكر الصديق، لما طعنه الجبار بن أبي سلمى يوم بئر معونة قال: فزت ورب الكعبة، فقال الجبار قاتله: بماذا فاز؟ قالوا: بالجنة، قال: فرأيت رجالاً يذهبون به في السماء علواً حتى كانت السماء بيني وبينه، ثم أسلم جبار في الحال. هذه الدار التي قال عنها جعفر الطيار: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها هذه الدار التي شم رائحتها أنس بن النضر ﵁ لما خرج لغزوة أحد فقال له سعد بن معاذ: إلى أين يا أبا عمرو؟ قال: إليك عني يا سعد بن معاذ! والله إني لأشم رائحة الجنة من دون أحد.

стр. 777

نفحات من نعيم الجنة فلو أنك مررت على قصر لرجل عظيم من أبناء الدنيا، وزرع حول هذا القصر ريحاناً ونباتاً طيباً، فإنك تشم رائحة هذا القصر على مسافة كيلو متر أو نصف كيلو متر، ولكن الجنة رائحتها كما جاء في الحديث الصحيح تشم من مسيرة خمسمائة عام. فما ظنك بالعطر في نواحيها وبالطيب في أرجائها، قال الله ﵎: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٦] قال ابن عباس: عرفها لهم أي: طيبها لهم، والعرف: هو الطيب. هذه الجنة عرضها كعرض السماء والأرض، فلو كنت بعيداً عن الديار ومعك العنوان ورقم الشارع، وقد تضل الطريق، فما ظنك بجنة عرضها السماوات والأرض؟ ولكن الرسول ﷺ يقول: (والذي نفسي بيده! لأحدهم أعرف بقصره من منزله في دار الدنيا). بل إن هذه الدار تقرب كرامة لصاحبها على الله ، يقول تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق:٣١] يعني: قربت. قال الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١] ولم يقل هنا: أولئك المتقربون، وإنما قال: ﴿أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١١] أي: المحمولون على العناية والرعاية الكاملتين. الجنة دار الطيبين، نعيم لا ينفد، ولا عهد للناس به في دار الدنيا، فلو أن واحداً فرش بيته ورفع الحصير وجاء بالسجاد الإيراني، فإنه نعيم صامت لا يتكلم، ولكن المولى يزين الجنة ثم يأمرها أن تتكلم فتقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]. وإن من نعيم الجنة الذي يتكلم أن تمر سحابة فتقول: ماذا أمطركم؟ يقول يحيى بن أبي كثير: أشهد الله أن لو أراني هذا الموقف لأمرت السحابة أن تمطر علينا حور عين. وإذا عاب الناس قول من قال: اللهم ما عبدتك رغبةً في جنتك، وهذا القول قول منسوب إلى رابعة، وهو غير صحيح، لأن الكاملة من النساء آسية زوج فرعون طلبت الجنة، فكيف لا تطلبها رابعة وهي أقل قدراً منها؟ قال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١]. والله لا يرى إلا في الجنة فكيف لا تطلبها رابعة وقد طلبها من هو أكمل منها وأفضل؟

стр. 778

ذكر ما جاء في سوق أهل الجنة وتحقيق أمنياتهم يقول رسول الله ﷺ : (إن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكن أحب أن أزرع. فبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده فكان أمثال الجبال) زرع وفي لحظة استوى النبات فكان كأمثال الجبال (فيقول الله: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء). فقال أعرابي كان عند رسول الله ﷺ وهو يقول هذا: (والله لا تجده إلا قرشياً أو أنصارياً فإنهم أصحاب زرع، فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك رسول الله ﷺ . وقال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة فيها كثبان المسك -فيها جبال من مسك- فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسناً وجمالاً). فهل هناك أحد يخرج إلى سوق الدنيا ويرجع منه وقد زاد حسناً؟ لكن أهل الجنة يزدادون حسناً وجمالاً (فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلهم: والله! لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم والله! لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً).

стр. 779

ذكر خطيب أهل الجنة وتلذذهم برؤية وجه الله الكريم وأهل النار خطيبهم الشيطان، أما أهل الجنة فخطيبهم داود ﵇، يقول الله ﵎ لداود: (يا داود! مجدني كما كنت تمجدني في الدنيا)، إن نبي الله داود كان يسبح الله في الدنيا وتسبح الجبال معه والطير، أما في الجنة فإن نبي الله داود ينصب له منبر من لؤلؤ أو من نور، فإذا تلا داود القرآن أنسى أهل الجنة نعيم الجنان، فكيف إذا سمعوه من الملك العلام؟ وإنك حين تستمع للمنشاوي وهو يرتل فإنك تنسى نفسك، فكيف إذا سمعوه من داود ﵇؟ وكيف إذا سمعوه من الملك العلام؟ وهناك في الجنة يوم يشبه يوم الجمعة من أيام الدنيا يزورون فيه الله ، يأتي الملك فيقول: يا ولي الله! إن ربك يستأذنك في زيارتك، فيسيرون إليه، منهم من يجلس على كثبان اللؤلؤ، ومنهم من يجلس على كثبان المسك، ومنهم من يجلس على منابر من نور أمام عرش الرحمن، فيقول لهم الله : (يا عبادي! ألكم حاجة؟ يقولون: كيف يا رب! ألم تبيض وجوهنا، وتثقل موازيننا، وتغفر ذنوبنا، وتدخلنا الجنة؟ فيقول لهم الله : اليوم أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً، فترفع الحجب فينظرون إلى مولاهم وينظر مولاهم إليهم، فما أعطي أهل الجنة شيئاً ألذ من النظر إلى وجه الله الكريم). فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم وحي على روضاتها ورياضها وحي على عيش بها لا يسأم فلله أبصار ترى الله جهرة فلا الحزن يغشاها ولا هي تسأم فيا مسرعين السير بالله ربكم قفوا بي على تلك الربوع وسلموا وقولوا: محب قاده الشوق نحوكم قضى عمره فيكم تعيشوا وتسلموا أحبتنا عطفاً علينا فإننا بنا ظمأ والمورد العذب أنتم وحبكم أصل الهدى ومداره عليه وفوز للمحب ومغنم وتفنى عظام الصب بعد مماته وأشواق وقف عليه محرم

стр. 780

ذكر غناء أهل الجنة والتمتع بالحور العين وإن من النعيم في الجنة أن يسير الرجل تحت أشجار من ذهب مغروسة في أرض من فضة، تسقى بخمر ولبن وعسل، ثم تهب عليها الريح من المسك فتميل أغصان هذه الأشجار، وتغني الحور الحسان تحت هذه الأشجار فما يدري الرجل أيهن أشد حسناً. قال الإمام ابن القيم: قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان كالنغمات بالأوزان يا حسن ذياك السماع وطيبه من مثل أقمار على أغصان والشمس تجري في محاسن وجهها والليل تحت ذوائب الأغصان فيظل يعجب وهو موضع ذاك من ليل وشمس كيف يجتمعان وكذاك فسر شغلهم في سورة من بعد فاطر يا أخا العرفان قوله: من بعد فاطر يعني: سورة يس قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس:٥٥] قال العلماء: مشغولون بفض الأبكار، يؤتى الرجل قوة مائة في الأكل والشراب والجماع.

стр. 781

النعيم الروحي لأهل الجنة هل هناك نعيم روحي لأهل الجنة؟ فقد قال الله : ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨] فمن النعيم الروحي الأمن أي: لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ولا خزي فيها أيضاً، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم:٨]. والجنة رحمة قال تعالى في الحديث القدسي: (أنتِ رحمتي أرحم بكِ من أشاء)، وقال تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٧]. والجنة حب وود قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]. والصور جميلة قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨] يعني: نيرة جميلة. ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٩]. تضيء بالسعادة وجوههم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٧]. يسعون إلى الجنة ومعهم النور قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد:١٢]. قد جاوروا النبيين: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]. وهم في صحبة أسرهم وأصدقائهم: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الرعد:٢٣]. يقربهم الله ، ونعيم القرب من الله ليس كأي نعيم ثانٍ: ﴿أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١١] ويجعلهم في عليين، ويثيبهم من رضوانه. قال الله : ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية:٩] يعني: فرحين بما قدموا راضين عن جزاء الله ، راضين عن أنفسهم، يرددون دائماً: الحمد لله الذي صدقنا وعده، الحمد لله الذي هدانا لهذا، ليس لهم عند التسليم ﴿إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٦]. هي دار السلام دعواهم فيها التسبيح: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس:١٠]. يسمعون صوت داود وصوت ربهم وصوت غناء الحور الحسان: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:٤٦]. والجنة فسيحة، قال الله : ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر:٧٤] فيا بائعاً هذا ببخس معجل! ارجع وعد إلى هذه الدار، واجعل كل همك أن تحصل عليها. إن رحمة الله عرضها السماوات والأرض، فإياك إياك ألا يكون لك قدم فيها، لمثل هذه الجنة فاعمل، لمثل هذه الدار فانشط وكد واتعب، إن من فارق الراحة وجد الراحة. يا ابن الإسلام! من جد وجد، وليس من سهر كمن رقد. إذا قال لك الكسالى والبطالون: هلم إلى الدنيا فقل: ما عند الله أعظم وأجل، إنما خلقنا لجوار الرحمن، للدار التي ارتضاها الرحمن مكافأةً لعباده، نسأل الله أن يدخلنا هذه الجنة، فإن دخول الجنة محض منٍّ وكرم وفضل من الله ، يقول النبي ﷺ : (لن ينجو أحد منكم من النار بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته). قال تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، وقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]. لو أن رجلاً سمع برجل هو أرفع إلى الله منه، فمات ذلك الرجل غماً، ما كان ذلك بكثير على من يريد أن يرث الفردوس، فلا تقلبوا الأمر. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 782

حال آخر من يخرج من النار إلى الجنة ووصف ثمار وفواكه الجنة وأما آخر من يدخل الجنة وآخر من يخرج من النار لا يخرج من النار إلا حبواً كما جاء في الحديث الصحيح: (يا رب! اصرف وجهي عن النار، لا أسألك شيئاً غير ذلك، فيأخذ عليه الله العهد والميثاق ألا يسأله شيئاً غير ذلك، ثم يمثل له شجرة ذات ظل فيقول: يا رب! قربني من هذه الشجرة لا تجعلني أشقى خلقك، فيقول: ما أغدرك يا ابن آدم! ألم آخذ عليك العهد والميثاق ألا تسألني شيئاً غيره؟ ويعذره الله ؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، ثم يمثل له شجرة ذات ظل فيقول: يا رب! قربني من هذه الشجرة أكون في ظلها وآكل من ثمرها فيقربه، ثم يمثل له شجرة ذات ظل وثمر وماء فيقول: يا رب! قربني من هذه الشجرة أكون في ظلها وآكل من ثمرها وأشرب من مائها فيقربه، فيرى أهل الجنة فيقول: يا رب! أدخلني الجنة فيدخل الجنة، فإذا دخل الجنة قال: هذا لي وهذا لي وهذا لي، فيمنيه الله : تمن من كذا وتمن من كذا وتمن من كذا، ثم يقول له: ولك عشر أمثال الدنيا من يوم خلقتها إلى يوم أفنيها، فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟)، هذا أقل وآخر رجل يدخل الجنة. فبعد أن نزل الناس منازلهم، يكون هذا الملك العظيم لأقل رجل يدخل الجنة. يقول النبي ﷺ : (ما من شجرة في الجنة وإلا وساقها من خالص الذهب). ويقول رسول الله ﷺ : (من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة). فيا أخي المسلم! سبح الله كثيراً، فإن هذا الحديث صحيح، وهذه هي وصية إبراهيم ﵇ رسول الله ﷺ يقول له: (يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله) فلماذا ضيعنا وصية الخليل في زحمة الدنيا ووسط التكالب عليها؟ قال ابن عباس: نخل الجنة أصوله من خالص الذهب. وسعفها خيام أهل الجنة، ثمرها أشد بياضاً من الثلج، أحلى مذاقاً من العسل ليس فيه نوى، يغرس في أرض من فضة، ويسقى بخمر ولبن وعسل وماء. قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة شجرة تسمى شجرة طوبى يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ولا ينتهي ظلها). قال الله : ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٣٠]. وإن هذه الشجرة يخرج منها ثياب أهل الجنة جميعاً. ويقول سبحانه: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٧ - ٢٨] أي: شجر منزوع الشوك منه مليء بالثمار حتى يكون على الأشجار سبعين لوناً من الثمار، ما فيهن واحد يشبه لونه لون الآخر. ويقول تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٩] والطلح: إما شجر نزع شوكه، قد تجمعت ثماره في سباطة تجميع النور، أو شجر النوار الحلو الرائحة الذي في البادية. بشرها دليلها وقال غداً ترين الطلح والجبال ويقول تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٣١ - ٣٣] كان أحد الصالحين إذا مر بسوق الفاكهة ولا يستطيع شراء الفاكهة يقول: السلام عليكِ، أما فاكهة الجنة فليست بالمقطوعة ولا بالممنوعة، قال الله سبحانه: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن:٥٤]. ويقول سبحانه: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان:١٤] أي: تميل عليه الشجرة حتى يأكل منها مستلقياً، ويأكل منها جالساً، ويأكل منها قائماً. فاكهة الدنيا مقطوعة وممنوعة، أما فاكهة الآخرة فليست بالمقطوعة ولا بالممنوعة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة:٢٥] والطعم غير الطعم والرائحة غير الرائحة، لا عهد لهم به في دار الدنيا.

стр. 783

وصف أرائك الجنة وخدامها وولدانها قال الله ﵎ عن أرائك أهل الجنة: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن:٥٤] البطانة: الحشو. فإذا كانت البطائن من إستبرق، فمم تكون ظواهرها؟ قال مالك بن دينار: من نور جامد. وقال سفيان الثوري: من نور يتلألأ. وعلى هذا الإستبرق تجلس الخيرات الحسان، فهي خيرة جمعت بين حسن الخلق وبين حسن الخلقة. ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة:٢٢] يقال للمرأة: إنها حوراء إذا كانت شديدة بياض العين شديدة سوادها، يعني: أن عينها كعين المها، يقال لعين المها أو عين البقرة الوحشية؛ لأنها شديدة اتساع الحدقة، وهذه المرأة تمتاز بميزة كما قال تعالى: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ [النبأ:٣٣]. وقال: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة:٣٧] والعرب: جمع عروب، والعروب: هي المرأة التي تحسن تدليل زوجها، يعني: إذا تعب زوجها تحسن تدليله في الفراش، هذا بالنسبة للأسرة. أما ارتفاع السرير فقد قال سفيان الثوري: قدر ثمانين عاماً ليشرف على أعلى ملكه. وفي الحديث الصحيح؛ حديث عبد الله بن مسعود، الذي رواه الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد في كتابه السنة: (آخر من يدخل الجنة يرى قصراً من در أبيض فيسجد له، فيقال: مه، ارفع رأسك، يقول: كأنما رأيت ربي أو تراءى لي ربي، فيقال: إنما هذا قصر من قصورك. فما ظنك بالجنة؟! ثم يمشي في الجنة فيرى رجلاً فيهم بالسجود له، فيقول: مه ارفع رأسك، فيقول: كأنك ملك من الجنة، يقول: لا، إنما أنا قهرمانك -يعني: أنا خادمك- تحت يدي ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه). أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي وجاء في الحديث أن الرجل يعرض عن زوجته ثم ينظر إليها فتزداد في عينيه سبعين ضعفاً ويزداد في عينيها سبعين ضعفاً، والحديث صححه الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام المنذري والإمام الذهبي ﵏. هذا بعض نعيم أهل الجنة قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات:٤١] يفجر الرجل نبع الماء، كما قال الله : ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦]. فأينما أراد تفجير نبع ماء تفجر، وفي أي أرض حل من أرض الجنة تخرج له العين النضاحة والعين الفوارة أي: العين الجارية، وكلاهما منظر للعين حسن. يقول النبي ﷺ : (أهل الجنة مائة وعشرون صفاً، أمتي منهم ثمانون صفاً) وباقي الأمم أربعين صفاً، وأمة النبي ﷺ ثلثي أهل الجنة. يا من أراد الله ﵎ لك الرفعة! ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤] إن القرآن رفعة لهذه الأمة كما يقول الشاعر: إذا أنت غمت عليك السماء وضلت حواسك عن صبحها فعش دودة في ظلام القبور تغوص وتسبح في قيحها يا من أراد الله لك الرفعة حين تدخل الجنة! قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤]. وليس الملائكة فقط، بل المولى ، قال تعالى: ﴿لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس:٢]. وقال تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥]، وقال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤]. ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]. فالمولى هو الذي يسلم على أهل الجنة، كما تسلم عليهم الملائكة ولا يسمعون فيها إلا السلام، والكلام الذي لا لغو فيه ولا تأثيم، قال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦]. واعلم أن ملك الجنة ليس له حدود، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان:٢٠]. زوارك فيها أنبياء الله ، والطوافون عليك فيها الولدان المخلدون: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان:١٩] أي: في جمال اللؤلؤ المكنون والمنثور. هذا الخادم فما ظنك بالمخدوم؟

стр. 784

وصف أرض الجنة والجنة طيبة التربة فهي ذات متاع حسي وروحي. وكم سنة من عمرك تنفق على أرض الجنة هذه؟ وقد قال النبي ﷺ : (أرض الجنة مسك خالص). وقال الرسول ﷺ : (تربتها الزعفران). وقال ابن عباس: أرض الجنة من مرمرة بيضاء، من فضة كأنها المرآة، ليست كفضة الدنيا، فإن فضة الدنيا لا تستطيع أن ترى ما بداخلها، أما فضة الجنة فهي أرض من مرمرة بيضاء في صفاء القوارير. إذاً: أرض الجنة مسك وزعفران وفضة، سبحان مثبت العقول، فبكم تشتري هذه الأرض؟! والله! لو كانت الدنيا ذهباً يفنى، والآخرة خزفاً يبقى، لكانت الآخرة أحق بالعمل لأنها تبقى. إنَّ الدنيا لا تساوي نقل أقدامك إليها فكيف تعدو خلفها؟ الدنيا لعب ولهو وزينة، والرجل العاقل لا يشتغل باللهو وإنما يتركه للصغار فهما لا يليقان بالكبار. فإذا صار عمر الرجل أربعين سنة فإن الدنيا لا تليق به، فكيف نجري خلفها وهي جيفة لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ألا نصدق قول رسولنا ﷺ وهو أصدق من نطق: (الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة). يكفيك من هوان الدنيا على الله أن عذب أنبياؤه وذبح وقتل من أنبيائه فيها.

стр. 785

وصف قصور الجنة وخيامها تعال إلى الجنة وتطلع إلى الأفق، وانظر إلى الخلود مع الله في دار رضوانه، إنما خلقنا لنحيا مع الخالق في قصور الجنة، كما قال النبي ﷺ : (لبنة من فضة ولبنة من ذهب). وقد قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : (ليس من الدنيا في الآخرة إلا الأسماء). يقول النبي ﷺ عن قصور الجنة: (لبنة من فضة ولبنة من ذهب وملاطها المسك الأذفر) يعني: المسك الشديد الرائحة. ويقول: (سقفها نور عرش الرحمن) هذا عن القصور. أما خيامها فقد قال رسول الله ﷺ : (للعبد المؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة طولها ستون ميلاً) يعني: تسعين كيلو متراً. قال: (فيها أزواج لا يرى بعضهم بعضاً) وخيام الجنة تضرب على شواطئ أنهار الجنة.

стр. 786

وصف أنهار الجنة والحور العين أما من أين تفجر الأنهار؟ ومجراها يكون على ماذا؟ فقد قال الرسول ﷺ : (الجنة مائة درجة ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، أوسطها وأعلاها الفردوس، ومنه تفجر أنهار الجنة). فأنهار الجنة آتية من على بعد مائة عام من السماء، ما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، فخمسمائة في مائة بخمسين ألف سنة. قال النبي ﷺ : (إن الذين في أرض الجنة) يعني: في أقل درجات الجنة (لينظرون إلى أهل الغرف سكنى كما تنظرون أنتم إلى النجم الغابر في الأفق لتفاضل ما بينهم). أما قال الله : ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١]، أما ترى أهل الدنيا غرقى في النعيم فما ظنك بالآخرة؟ ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١]. وهذه الأنهار تجري على مسيرة خمسين ألف سنة من أعلى، ثم تنزل تحت القصور، وهذا معنى قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [البقرة:٢٥] ثم تصعد مرة ثانية إلى أهل الغرف. فلو أن عندك نبع ماء يجري فإنه يتبعثر ولن تنتفع به، لكن أنهار الجنة قال الله ﵎ عنها: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة:٣١] قال أنس: تجري في غير ما أخدود تجري فيه، أي: ليس لها أخدود تجري فيه. فسبحان مثبت العقول. (أمسك الله حافتيها بقباب اللؤلؤ المجوف)، كما قال رسول الله ﷺ . ومجرى هذه الأنهار ليس على الطين، وإنما على المسك الأذفر، قال مجاهد: تخرج الحور العين إلى شواطئ أنهار الجنة فيغنين، فيخرج إليهن أولياء الله ، فإذا أعجب الرجل منهن بواحدة لمسها بمعصمه فتتبعه، فتنبت مكانها من النهر جارية أخرى، فأنهار الجنة تنبت الأبكار لا تنبت الحشائش. لبن وعسل وخمر وماء؛ لبن لم يحلب من الأبقار، وعسل لم يجن من الأزهار، وخمر لم يعصر بيد الخمار، وإنما يجري على رضراض الأنهار برحمة العزيز الغفار. في هذه الأنهار طيور كما قال الرسول ﷺ : (أعناقها كأعناق البخت) أي: مثل أعناق الجمال الخراسانية. فقال سيدنا عمر: (ما أنعمها يا رسول الله! قال: أكلتها أنعم منها)، وقال رسول الله ﷺ : (أول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت). قلنا: إن في الجنة خمراً ولكن ليس كخمر الدنيا تغتال العقول، وإنما خمر لذة للشاربين، لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون، إنما يجتمعون حولها، فلا تزيدهم إلا صحواً، رائحتها كرائحة المسك. أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي والحور العين هن أزواج أهل الجنة، قال الله : ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان:٥٤] قال العلماء: الباء زائدة هنا من الناحية البلاغية تفيد أن الزواج ليس زواجاً حقيقياً، وإنما الحور العين تقوم بمثابة ملك اليمين، أي: بمثابة الخادمة، وزوجتك من بنات الدنيا تكون بمثابة السيدة لها؛ لأن أماكن الوضوء لها تشع نوراً يوم القيامة. قال الرسول ﷺ عن الحور العين: (أدنى لؤلؤة في تاجها تضيء ما بين المشرق والمغرب). لو تعثرت لتزين لها ما بين الخافقين، لو برز بنانها لأذهب ضوء الشمس والقمر، ويقول النبي ﷺ في حديث آخر: (ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها). وقال رسول الله ﷺ : (لقاب قوسين أو موضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها). وفي رواية: (خير مما بين السماء والأرض). ولقد صورهن القرآن بأجمل وصف حسي، إذ من الممكن أن ينظر الرجل إلى وجه المرأة فيرى وجهه في صفحة خدها، وينظر الرجل فيرى مخ ساقها من خلف سبعين ثوباً من إستبرق لشفافية لونها. قد يقول لك شخص: أنا عشت طوال حياتي لا أسمع غناءً، وأنزه سمعي عن هذا اللغو الباطل، لكن في الآخرة قال رسول الله ﷺ : (إن الحور العين لتغنين في الجنة يقلن: نحن الحور الحسان خبئنا لأزواج كرام). وكما يقول الرسول ﷺ : (إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط، إن مما يغنين: نحن الخيرات الحسان، أزواج قوم كرام ينظرن بقرة أعيان. وإن مما يغنين به: نحن الخالدات فلا يمتن، نحن الآمنات فلا يخفن، نحن المقيمات فلا يطعن). هذا غناء الطاهرات، تقول لزوجها: طال اشتياقي إليك يا ولي الله!

стр. 787

آثار الذنوب والمعاصي إن للذنوب والمعاصي آثاراً على الفرد والمجتمع في الدنيا، حيث يعم البلاء، وينزل العقاب، وتفسد الأرض وتتغير بشؤم معصية بني آدم. وللمعصية آثار على الفرد في أخراه من وقت سكرات الموت، ومعاينته لملائكة العذاب، حتى يصل إلى جهنم فيقذف فيها حقيراً مهيناً ذليلاً، فيأتيه من حرها وزقومها وزمهريرها وحميمها ما لا تستوعبه العقول، ويعذب خالداً مخلداً فيها بسبب جنايته على نفسه، وإعراضه عن طاعة ربه !

стр. 788

شتان بين الفريقين: الصالح والطالح إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. أما بعد: يقول رسول الله ﷺ : (كما لا يجتنى من الشوك العنب كذلك لا ينزل الفجار منازل الأبرار)، وقال رسول الله ﷺ : (من أراد أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده)، كما لا تستوي الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، وكما لا يستوي الأحياء ولا الأموات؛ فلا يستوي في ميزان الله من أقبل على الله ومن أعرض عنه. أفمن بقي مع الله كمن أعرض عن الله ؟! أفمن رغب إلى الله كمن رغب عن الله ؟! لا يستويان ولا يلتقيان. أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي فإما أن تكون في معية الله ، وإما أن تكون ولياً للشيطان، فإياك أن تكون ولياً للشيطان في السر عدواً له في العلانية! يقول الشاعر: عباد أعرضوا عنا بلا جرم ولا معنى أساءوا ظنهم فينا فهلا أحسنوا الظنا فإن خانوا فما خنا وإن عادوا فقد عدنا وإن كانوا قد استغنوا فإنا عنهم أغنى فإذا كان هذا قول مخلوق لمخلوق فما ظنك ببعد العاصي عن الله ! قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم. يقول الشاعر: أيها المعرض عنا إن إعراضك منا لو أردناك جعلنا كل ما فيك يردنا ويقول الآخر: يا أيها الماء المهين من الذي سواك ومن الذي في ظلمة الأحشاء قد والاك ومن الذي غذاك من نعمائه ومن الكروب جميعها أنجاك ومن الذي شق العيون فأبصرت ومن الذي بظهوره أعلاك ومن الذي تعصي ويغفر دائماً ومن الذي تنسى ولا ينساك فإما العز مع الله ، مع ملك الملوك الذي له ملك الدنيا والآخرة، وله ملك السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وإما الخزي والعار والشنار! ألم يقل الله : ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر:٥]؟! ألم يقل الله : ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:١٠]؟! ألم يقل الله ﵎: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥]؟! ألم يقل الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل:١٠٤]؟! ألم يقل الله : ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]؟ ألم يقل الله : ﴿فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣]؟! ألم يقل الله : ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩]؟! ألم يقل الله : ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٨]؟! قال ابن عباس ﵄: إن للسيئة سواداً في الوجه، وضيقاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق. وجاء رجل إلى الحسن البصري فقال له: أشكو إليك قسوة قلبي، قال: أذبه بالذكر. وإن كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنس وجاء رجل إلى أحد الصالحين فقال له: قد مات اليوم عزي وسندي، مات ابن عم لي، وكان ممن تولى منصباً رفيعاً في الدنيا، قال: فلم جعلت عزك إلى من يموت؟! واجعل بربك كل عزك يستقر ويثبت فإن اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت

стр. 789

أثر المعصية وشؤمها على غير العاصي قال رسول الله ﷺ لما مروا عليه بجنازة: (مستريح ومستراح منه، قالوا: يا رسول الله! ما المستريح وما المستراح منه؟ قال: أما العبد المؤمن فيستريح من نصب الدنيا وتعبها إلى سعة رحمة الله ، وأما العبد الكافر أو الفاسق فتستريح منه البلاد والعباد، والشجر والدواب)، فحتى الجماد يحس بوطأة الفاسق، وبوطأة العاصي، وأن بقاءه في الدنيا حرب على أهل الأرض. وجاء في الأثر: أن عقارب الأرض وهوامها تقول: لعن الله ابن آدم؛ منعنا القطر بشؤم معصيته! فهذا العاصي تجده هيناً ذليلاً عند أهله، بل عند الدواب التي يملكها، كما قال أحد عباد السلف: إني لأعصي الله فأجد ذلك في خلق دابتي وامرأتي. فيعصي الله فيجد آثار المعصية عندما يركب إبله فيجدها تعصيه وتتمرد عليه، ويعود إلى البيت فترفع زوجته صوتها عليه، فهو ذليل عند أهله، وذليل حتى عند الحيوانات. وشؤم المعصية يؤثر في حياة الإنسان ولو بعد آلاف السنين، فإن رسول الله ﷺ لما مر بديار ثمود نزح الصحابة الماء وعجنوا به العجين؛ حتى يصنعوا منه الخبز، فأمرهم النبي ﷺ أن يلقوا هذا العجين للنواضح، وهي الإبل التي كانوا يسقون عليها الناس، فعافتها ورفضت أن تأكل من هذا العجين إلا جمل واحد كان أقواهن، فأكل فصار أضعفهن بشؤم المعصية، فقد أثر الماء الذي في الآبار عليه بعد مرور آلاف الأعوام من موت قوم ثمود، وهذا واضح جلي في السيرة. والمولى نعت الظالم بأبشع النعوت في القرآن الكريم، نعته بأن له أغراضاً كبيرة في كل شيء، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٥]، ونعته بأن قوله يناقض فعله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٦]، وأنه مرتبط بالأرض ولا يتطلع إلى أفق السماء، وإنما كل ارتباطه وكل همه ملذات الأرض وشهواتها. والدنيا تصمه عما سوى الباطل، وتعميه عن ذكر الله، وذكر الناس فاكهته وقوته، فينادى إلى الله وإلى الدار الآخرة فلا يجيب النداء، هذا قبر يسعى إلى قبور مثله، ومريض يقوده مثله، فإذا ابتليت بمثل هذا الرجل فأعطه ظاهرك، وترحل عنه بقلبك، فهذا قاطع طريق عن الله وعن الدار الآخرة، وقطاع الطريق عن الله وعن الدار الآخرة أشد من قطاع الطريق في دار الدنيا؛ لأن الذي يقطع عليك الطريق في دار الدنيا يأخذ مالك، لكن قاطع الطريق عن الله وعن الدار الآخرة يأخذ رأس تجارتك مع الله ، ويأخذ وقتك. ولذلك تلقى السارق بالنسبة للآخرة حاله عجيب جداً، قال النبي ﷺ : (أسرق الناس من يسرق من صلاته)، فقد تجد سارقاً يسرق أباه أو أخاه أو أمه أو عمه، لكن هل لقيت سارقاً يسرق نفسه؟! لا يوجد أبداً إلا الذي يسرق من صلاته، والعاصي هو الذي يسرق من صلاته، وهذا شيء عجيب وفريد! فالذي يرتبط بالأرض يكون همه فقط ما يأكله، فليس له هم إلا الطعام والشراب والثياب واللباس، كما قال النبي ﷺ : (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة)، فمن كان همه ما يأكله فقط ولا يتصور أنه أتى إلى الدنيا إلا من أجل الأكل فقط فقيمته ما يخرجه! والذي يرتبط بالأرض قال الله عنه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٧٦]، فهو مرتبط بالأرض ولا يستطيع أن يرفع نفسه إلى السماء! إذا أنت غمت عليك السماء وظلت حواسك عن صبحها فعش دودة في ظلام القبور تغوص وتسبح في قيحها

стр. 790

دناسة قلب العاصي، والعقوبات المضروبة عليه العاصي لله قلبه دنس، يقول الله : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة:٤١]، إذاً فقلوبهم دنسة وقاسية، وعجباً للناس يبكون على من مات جسده ولا يبكون على من مات قلبه وهو أشد! ورسول الله ﷺ يقول: (وما فشت الفاحشة في قوم قط إلا ابتلوا بالأوجاع - يعني: الأمراض - التي لم تكن في أسلافهم من قبل) والحديث حديث صحيح. (وما فشت الفاحشة) أي: الزنا، (في قوم قط إلا ابتلوا بالأوجاع التي لم تكن في أسلافهم من قبل) والواقع خير شاهد. وأنا كطبيب بشري في البكالوريوس أدخلونا متحف البتول فرأينا عينات من الأمراض، أقسم بالله - وأنا غير مبالغ - أنني رأيت حصوة في كلية رجل نزعها الأطباء ووضعوها في المتحف أقسم بالله أنها لا تقل عن حجر كبير كالذي يبنى به البيت، ولا أدري كيف نزعت من كلية هذا الرجل؟! شيء عجيب! وهناك أنواع السرطانات في كل نواحي الجسد، وخاصة أن السرطان يتنقل في أكثر من مكان، فهناك أشياء عجيبة! وتجد مثلاً: الرجل الذي يديم شرب الدخان لو اطلعت على رئته لرأيتها أشد سواداً من القار، فإذا كان هذا تأثير المعاصي في جسد الإنسان فما ظنك بتأثير المعاصي في قلب الإنسان؟! إن المتتبع لآيات القرآن الكريم يجد أن الله ضرب على القلب أكثر من ثلاثين مرضاً، وأكثر من ثلاثين عقوبة ذكرها الله ، فذكر الختم، قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:٧]. وذكر الله الأكنة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام:٢٥]. وذكر الله الغطاء، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف:١٠١]. وذكر الله الغلاف، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة:٨٨]. وذكر الله الحجاب، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء:٤٥]. وذكر الله الوقر والغشاوة والران، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]. وذكر الله الغل، قال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [يس:٧ - ٨] أي: في قلوبهم أغلالاً. وذكر الله السد، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس:٩]. وذكر القفل على القلب، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]. وذكر الصمم والبكم والعمى، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. وذكر الصد والشد والإغفال، قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]. وذكر تقليب الأفئدة، قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:١١٠]. وذكر الحول بين المرء وقلبه، وذكر إزاغة القلوب، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]. وذكر الإركاس والتزيين، وإماتة القلب، وجعل القلب قاسياً، فهذه ثلاثون مرضاً، فممكن أن يكون القلب منكساً، قال رسول الله ﷺ : (يأتي زمان على الناس يصبح المعروف فيه منكراً، والمنكر فيه معروفاً)، وقال النبي ﷺ : (يأتي على الناس زمان يصدق فيه الكاذب، ويكذب فيه الصادق، ويؤتمن فيه الخائن، ويخون فيه الأمين، وينطق فيه الرويبضة).

стр. 791

حال العاصي عند الموت وفي القبر إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، فإذا كان عند الموت - وما أدراك ما سكرات الموت! هذه اللحظة التي يتغافل عنها ويتناساها كثير من الناس - وأقبل ملك الموت: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧]، وتبدلت بعد الحركات السكون، فهذه اللحظة شديدة قاسية على الظالمين، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام:٩٣]، قال الإمام ابن كثير: أي: باسطوا أيديهم بالضرب. وقال الله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٧]، فالملائكة تضرب وجه الرجل ودبره، ويأتيه ملائكة سود الوجوه فيجلسون منه مد البصر، ثم يأتي ملك الموت فيقول: اخرجي أيتها الروح الخبيثة! كانت في الجسد الخبيث، فتخاف منه فتتفرق في أجزاء الجسد، فينتزعها من الجسد كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فتخرج منها كأنتن جيفة وقعت على وجه الأرض. والحمد لله أنه ليس للذنوب رائحة في دار الدنيا، يقول محمد بن واسع: لو كان للذنوب رائحة ما استطاع أحد أن يجالسني من نتن رائحتي. واحمدوا الله على العافية، فقد ستر الله عليك من القبيح ما لو فاح لضجت المشام، فلو فاحت آثار الذنوب لزكمت الأنوف من نتن هذه الرائحة. فتخرج منها كأنتن جيفة على وجه الأرض، فيناديه الملائكة بأقبح أسمائه: روح من هذه الخبيثة كانت في الجسد الخبيث؟! ثم إذا أرادوا أن يعرجوا بها إلى ملكوت السماوات فلا تفتح لها أبواب السماء، وتسقط من مكان شاهق إلى الأرض، ثم ينادى من قبل الله : أن كذب عبدي، يعني: حتى ولو ما عوقب بالنار فيكفيه أن ملك الملوك يقول له: أنت كذاب! فمن وجد الله فماذا فقد؟ ومن فقد الله فماذا وجد؟! فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب متى صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب وليس هذا قول رابعة، وإنما هو قول أبي فراس الحمداني لابن عمه سيف الدولة الحمداني يوم أن وقع في أسر الروم، فتكاسل عن إنقاذه، فهذا قول المخلوق لمخلوق فما ظنك بقول المخلوق للخالق. (ينادي مناد من قبل الله تعالى: أن كذب عبدي، فاكتبوا كتاب عبدي في سجين، وأعيدوه إلى الأرض، وافتحوا له باباً إلى النار -فيأتيه من سمومها وحميمها ما الله أعلم به-، وافرشوا له فراشاً من النار). فأول الغيث قطرة! ثم يقول النبي ﷺ : (إنكم تبتلون في قبوركم قريباً من فتنة المسيح الدجال، وعني تسألون). فيأتيه منكر ونكير يسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن رسولك؟ فإن كان الرجل فاسقاً أو عاصياً فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! ويقولان له: من رسولك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فقد كان أبعد الناس عن سنة الرسول ﷺ ، فلا يعرف عن رسوله ولا عن سنته شيئاً، ويقولان له: وما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فيقال له: لا دريت ولا تليت، ثم يضيق عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، ويوكل به ملك أصم أبكم أعمى معه مرزبة -أي: مطرقة من حديد- فيضربه بها ما بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعه كل من على وجه الأرض إلا الثقلين، ثم يعيد الله خلقه، وتكون حاله هكذا إلى يوم القيامة. وفي الحديث الصحيح: (فيجلس كهيئة المنهوش) أي: مثل الرجل الذي لدغه ثعبان أو حية أو عقرب، فتصور حياة هذا الرجل وحالته هذه! فهذا شيء من عذاب البرزخ! ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].

стр. 792

حال العاصي في الموقف أمام الله ثم إذا أتى إلى ملك الملوك الذي نساه ونسى شرعه في دار الدنيا كيف يكون حاله؟! إنهم يكونون منكسي الرءوس أمام مولاهم، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة:١٢] وهم سود الوجوه، يقول الله ﵎: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر:٦٠]، ويعرضون على الله فيحتقرهم الأشهاد: ﴿أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]، ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٤] أي: عابسة كالحة، تعلوها الظلمة، ويعلوها الغبار، كما قال الله : ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس:٤٠ - ٤٢]. ويودون أن يباعد الله بينهم وبين أعمالهم السيئة، فيقولون: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]. ويقول ابن آدم يوم القيامة: رب! ألم تجرني من الظلم؟ يقول: بلى، يقول: فإني لا أجيز علي شاهداً إلا مني، فيقول له الله : ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤]، وكفى بالكرام الكاتبين عليك شهوداً، ثم يختم على فيه، وتؤمر أعضاؤه فتنطق عليه بما قدم، ويكون فخذه أول ما ينطق عليه، قال الله : ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٦٥ - ٦٧]. وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم، فيحمل الرجل سيئاته على ظهره، فيطوق ما بخل به من أموال يوم القيامة إلى سبع أرضين، وهو مذموم مدحور مرذول عند الله ، ويصبحهم الخزي والعار، يقول الله : ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فماذا بعد هذا الذل؟! ثم بعد ذلك يتمنى الموت يقول: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧]، ويقول الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٣٢].

стр. 793

إحباط عمل العاصي وحجبه عن رؤية الله ومن العقوبات التي ينالها من بعد عن طريق الله إحباط العمل؛ يقول الله : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [آل عمران:٢٢]. واليأس من رحمة الله، يقول الله : ﴿أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت:٢٣]، واليأس من مغفرة الله. ويحرم من رؤيته سبحانه، قال الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، وهذا أشد من عذاب النار، فلا ينظر الله ﵎ إليهم، ولا يزكيهم، ويحجبهم عن رؤيته بنص القرآن: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين:١٥ - ١٦]، فلا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويحرمهم من النور عند الصراط، ويحول بينهم وبين ما يشتهون، كما قال الله : ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤]. فهؤلاء الذين ﴿يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣]، فلا خلاق لهم في الآخرة، أي: لا نصيب لهم في الآخرة، وهؤلاء ينسون يوم القيامة، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية:٣٤]، فلا مأوى لهم ولا ناصر، قال تعالى: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [الشورى:٨]. ثم بعد ذلك: الحشر في عرصات القيامة، قال رسول الله ﷺ : (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر)، فيغشاهم الذل من كل مكان، وتعلوهم النار، ويساقون إلى سجن في جهنم، أليس يكفيهم النار؟ ولماذا السجن؟! ولماذا القيود؟ ولماذا الأغلال؟! هل هم سيهربون؟ والله ما سلسلهم خوفاً من هربهم ولا فرارهم، وإنما سلسلهم زيادة في نكالهم، فيساقون إلى سجن في جهنم يسمى: (بولس) يسقون من عصارة أهل النار (طينة الخبال). قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢]، وقال الله : ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨]، وقال الله : ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧]، وقال الرسول ﷺ : (يخرج عنق من النار له لسان فصيح، وعينان تبصران، وأذنان تسمعان، يقول: إني وكلت بكل من دعا مع الله إلهاً آخر، فيلتقطون من الموقف لقط الطير حب السمسم، فيحبسهم في النار، ثم يخرج مرة ثانية فيقول: إني وكلت بالمصورين، إني وكلت بالمتكبرين، فيحبسهم في النار، ثم يخرج مرة ثالثة: فيقول: إني وكلت بالمصورين). وإذا حبس هؤلاء في النار جيء بالموازين والصحف، واستعد الناس للحساب، فما ظنك أيها المفرط في عمرك! والمقصر في دهرك بسكان هذه الدار ضيقة الأرجاء، مظلمة المسالك، مبهمة المهالك، دار يخلد فيها الأسير، ويوقد فيها السعير، طعام أهلها الزقوم، وشرابهم الحميم، هذه والله دار الذل والهوان والعذاب والخذلان، دار الشهيق والزفرات، والأنين والعبرات، أحدثك عن دار غم قرارها، مظلمة أقطارها، حامية قدورها، فظيعة أمورها، يقول الله يوم القيامة: (يا ابن آدم! ألم أكرمك وأسودك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأجعلك ترأس وتربع؟ يقول: بلى فيقول: أكنت تظن أنك ملاقي؟ يقول: لا، فيقول له الله : فاليوم أنساك كما نسيتني)، فيقوم الرجل في عرصات القيامة وقد حشر الناس حفاة عراة غرلاً، وقد دنت الشمس من رءوسهم، فمنهم من ذهب عرقه في الأرض سبعين ذراعاً، ومنهم من يلجمه عرقه حتى يبلغ إلى أنصاف أذنيه، فيناديه الله ﵎: ليقم فلان ابن فلان للعرض على الله ، فتأخذه الملائكة في العرض على الله ، فأين يكون قلبك في هذه اللحظة؟ ليقم فلان ابن فلان، والأسماء المتشابهة كثيرة، ولا أحد يقول: يمكن ألا أكون أنا المطلوب، ولا يمكن أحد أن يقول: اسمي ثلاثي أو اسمي رباعي! لا يوجد هذا الكلام، إذا قيل: فلان بن فلان مع تشابه مئات وآلاف من الأسماء المتشابهة والله لا يقوم إلا من وقر في صدره أن هو المعني، وذلك بالخوف الذي يعتريه، فلا يقف أبداً ولا يقوم إلا المعني بالسؤال، فتصوروا هذه الفضيحة على رءوس الأشهاد، ويقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]. تصوروا أناساً يقفون في عرصات القيامة وقد أدنيت الشمس من رءوسهم، فتطحنهم الشمس طحناً، وقاموا أمام الله في عرصات القيامة ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، فلم يذوقوا طعاماً، وما شربوا شراباً حتى تقطعت أكبادهم من شدة العطش، ثم يؤمر بهم فيسحبون إلى النار، يقول النبي ﷺ : (إنه ليؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]). يقول النبي ﷺ : (من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به) من سمع سمع الله به مسامع خلقه، وصغره وحقره يوم القيامة.

стр. 794

حال العاصي في نار جهنم ثم بعد ذلك يعرضون على النار، ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢]، يقول سيدنا عمر لـ كعب: يا كعب! هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها بذكر النار، فيقول: يا أمير المؤمنين! يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، فإذا زفرت زفرة فما من دمعة في العيون إلا وقد جفت، وإذا زفرت الأخرى فما من نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا وجثى على ركبتيه وقال: نفسي! نفسي! حتى لو كان لك يا أمير المؤمنين عمل سبعين نبياً إلى عملك لظننت أنك لا تنجو. فانظر يا أخي إلى صفة النار أجارنا الله وإياك منها، النبي ﷺ يقول: (يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) يعني: عدد الملائكة الذي سيجرون جهنم على عرصات القيامة -هذه النار الكبرى الداهية العظمى التي ما أنذر العباد بشيء أشد منها- أربعة آلاف مليون ملك وتسعمائة مليون ملك، فاضرب سبعين ألفاً في سبعين ألفاً يكون الناتج: أربعة ألف مليون وتسعمائة مليون ملك. وحين يقول الله : ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] فيضعون القيد في رقبته، ويبتدره مائة ألف ملك أو يزيدون كلهم يريد أن يضع الغل في عنقه، فيقول: ألا ترحموني؟ فيقولون: كيف ولم يرحمك أرحم الراحمين؟ ويحشرون كما يقول الله ﵎ إلى جنهم زرقاً، سود الوجوه، زرق العيون، وهذا أبشع منظر عند العرب! أفمن يصرف إلى النار هكذا كمن يزف إلى الجنة؟ فالجنة تقرب من المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق:٣١] حتى تتلقاه الحور العين على عتبة البيت، فالرجل يتكلم من هذه؟ فتقول: قد طال اشتياقي إليك يا ولي الله! وهذا النبي ﷺ لا يدخل الجنة إلا وعلى رأسه التيجان تتلقاه الملائكة من كل باب: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤]، وأعظم من هذا: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]. وأعظم من هذا: سماع القرآن بصوت سيدنا داود، كان إذا تلا الزبور في دار الدنيا تسبح الجبال معه وتؤوب، والطير، وكل الكون يسبح مع سيدنا داود، فإذا تلا القرآن في الجنة أنسى أهل الجنة نعيم الجنان، فكيف إذا رأوا ربهم، يقول: (يا عبادي! ألكم حاجة؟ فيقولون: يا رب ألم تبيض وجوهنا، وتثقل موازيننا، وتغفر ذنوبنا، وتدخلنا الجنة؟ فيقول لهم الله : اليوم أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً)، فترفع الحجب فينظرون إلى مولاهم فما أعطي أهل الجنة أعظم من النظر إلى وجه الله الكريم. وإذا زاروا ربهم وعادوا إلى أهليهم وجدوهم قد ازدادوا حسناً، وهم قد ازدادوا حسناً في أعين أهليهم، حتى إن الرجل ليحلو في عين أهله سبعين ضعفاً، فبمجرد ما تقعد عنده ثم تلتفت له مرة ثانية يحلو في عينها سبعين ضعفاً. يقول الرسول ﷺ : (لقاب قوسين أو موضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها)، وفي رواية: (ولنصيفها خير من الدنيا وما فيها) والنصيف: هو الخمار الذي على جيبها وصدرها فإذا كان نصيفها خير من الدنيا وما فيها فكيف ستكون الحور العين؟! وكم سيكون قدرها عند الله ؟ قد هيئوك لأمر لو فطنت له فأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل وانظروا إلى الطرف الآخر: هذا الرجل العاصي الذي دخل النار يخبر النبي ﷺ عن حرارة النفس الذي يخرج منه؛ لأنه يتنفس، قال رسول الله ﷺ : (لو أن في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون وفيهم شخص من أهل النار فتنفس لاحترق المسجد بمن فيه) فإذا كان هذا نفس يخرج منه فيحرق مسجداً فيه مائة ألف مصل فكيف ستكون أجوافهم من الداخل؟ وإذا كان لم يدخل النار والعرق ينزل في الأرض سبعين ذراعاً، ويلجمه حتى يكاد يغرقه فإذا دخل النار فكيف ستكون حاله؟! يقول رسول الله ﷺ : (لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم)، فكيف بمن يكون الزقوم طعامه وشرابه؟! ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٧]. وقال الله ﵎: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٢ - ٦٨]. سبحان الله! إذا كان هذا وصف لون واحد من الطعام فكيف بالشراب؟ وكيف بالثياب؟ ولقبح المنظر يقوم الشيطان بينهم خطيباً ويلعن بعضهم بعضاً ويكفر بعضهم بعضاً، وكلما دخلت أمة لعنت أختها! وأما شرابهم فقال الله : ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] وقال الله : ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف:٢٩] أي: مثل الزيت الأسود المغلي: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩] وقال الله : ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٥ - ١٧]. إن طاعة الله أهون علينا من هذا كله! فكيف لا تحب من أنت به، وبقاؤك منه، وتدبيرك بيده، ورجوعك إليه وكل مستحسن في الوجود هو حسنه وجمله وزينه، وعطف النفوس إليه، لقد أعطاك أيتها النفس! ما لم تأمري، وبلغك ما لم تطلبي، وستر عليك من القبيح ما لو فاح لضجت المشام، فكم عدو حط منك بالذم فرقاك، وكم أعطش من شراب الأماني خلقاً وسقاك، وكم أمات بعض من لم يبلغ مرادك وأبقاك!! أنا العبد الذي كسب الذنوبا وصدته الأماني أن يتوبا أنا العبد الذي أمسى حزيناً على زلاته قلقاً كئيبا أنا العبد الذي سطرت عليه صحائف لم يخف فيها الرقيبا أنا الغدار كم عاهدت عهداً وكنت على الوفاء به كذوبا أنا العبد المخلف عن أناس حووا من كل معروف نصيبا أنا العبد الغريق بلج بحر أصيح لربما ألقى مجيبا أنا العبد الفقير مددت كفي إليكم فادفعوا عني الخطوبا أنا العبد السقيم من الخطايا وجئت الآن ألتمس الطبيبا أنا المضطر أرجو منك عفواً ومن يرجو رضاك فلن يخيبا أنا العبد المفرط ضاع عمري ولم أرع الشبيبة والمشيبا فواأسفا على عمر تقضى ولم أكسب به إلا الذنوبا وأحذر أن يعاجلني ممات يحير هول مطلعه اللبيبا وواذلاه من قبح اكتسابي إذا ما أبدت الصحف العيوبا وذلة موقف وحساب عدل أكون به على نفسي حسيبا وواخوفاه من نار تلظى إذا زفرت وأقلقت القلوبا تكاد إذا بدت تنشق غيظاً على من كان ظلاماً مريدا فيا من مد في كسب الخطايا خطاه أما آن الأوان أن تتوبا وكن للصالحين أخاً وخلاً وكن في هذه الدنيا غريبا آن الأوان لتوبتنا! اللهم ارحم ذل مقامنا بين يديك، وبغض إلينا ساعات أكلنا وشربنا ونومنا واكفنا من النوم باليسير، واحشرنا مع نبينا في دار رضوانك غير مبدلين ولا مفتونين، ولا شاكين ولا مرتابين. اللهم إنا نسألك لذة العيش بعد الموت، والنظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك. اللهم اجعلنا لك ذكارين لك شكارين، إليك أواهين، لك منيبين، وتقبل توبتنا، واغفر حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 795

الإمام سفيان الثوري إن لله رجالاً حملوا هذا الدين، وكانوا نبراساً في الهدى للحائرين، من هؤلاء الرجال والعلماء الربانيين سفيان الثوري، فقد شهد له العالم والجاهل والأمير والمأمور بعلمه الوافر، وزهده وورعه وخوفه من الله ، وبعده عن الولاة والأمراء، وهذا دأب كل الصالحين.

стр. 796

الحث على معرفة قصص الصالحين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. لا نجاة ولا فلاح إلا بالعتيق كما قال سيدنا عبد الله بن مسعود: (عليكم بالعتيق). كان الشيوخ في قديم الزمان أصحاب قدم، والطلاب أصحاب ألم، فذهب القدم والألم، واليوم لا غصة ولا قصة، والتربية بالقدوة خير وسائل التربية، والحكايات عن سلفنا حكايات أثرية ليست كقصص بني إسرائيل، إن بني إسرائيل لما هلكوا قصوا، ولكن هذه الحكايات ترجمة عملية للسنة النبوية، فقد كانت حياتهم ترجمة للعلم الذي نهلوا منه، فالحكايات عن سلفنا جند من جنود الله تعالى يثبت الله بها قلوب أوليائه، قال الإمام أبو حنيفة: الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إلي من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم وأخلاقهم، ما يفيدك الفقه أو العلم إن لم تكن مؤدباً، ولا يفيدك العلم إن لم ينفعك، فالعلم يهتف بالعمل فإن أجابه حل وإلا ارتحل، وإن شيخك من حدثك بلحظه قبل أن يحدثك بلفظه، كن بالخير موصوفاً ولا تكن للخير واصفاً، فإن الواو والراء والدال لا تشم منها رائحة الورد، قال الله تعالى لنبيه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١]، وقال الله ﵎ لنبيه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]. قال مالك بن دينار: الحكايات تحف الجنة، أي: تجعلك تعيش وكأنك في الجنة. وقال الجنيد: الحكايات جند من جنود الله يقوي الله بها إيمان العباد، فقيل له: هل لهذا من شاهد؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠]. وخير وسيلة لإشعال العزائم، وإثارة الروح الوثابة، وقدح المواهب، وإذكاء الهمم، وتقويم الأخلاق، والتسامي إلى معالي الأمور والترفع عن سفسافها، الاقتداء بالأسلاف الأجلاء، وقراءة سير العلماء الصلحاء النبغاء، والتملي من مناقب الصالحين الربانيين، والاقتراب من العلماء النبهاء العاملين المجددين، ذلك خير لرفع الهمم، وشد العزائم، وسمو المقاصد، وإنارة القلوب، واحتلال ذرى المجد الرفيع، واغتنام الباقيات الصالحات، وإخلاص النيات -يقول قائلهم: تركنا البحار الزاخرات وراءنا فمن أين يدري الناس أنى توجهنا أقسم بالله إن العيش مع هؤلاء لينقلك إلى دنيا عجيبة، وكأنهم خلقوا من طينة غير طينتنا، كما يقول الإمام أحمد: إياك أن تقول في مسألة ليس لك فيها إمام أو شيخ. ويقول النبي ﷺ : (أولياء الله الذين إذا رءوا ذكر الله تعالى برؤيتهم)، فبمجرد الرؤية يكون ذلك فكيف بقراءة كلامهم، وكيف بسماع قصصهم، وأخبار صدقهم وعباداتهم؟! وقالت السيدة عائشة: إذا أردتم أن يطيب المجلس فعليكم بذكر عمر بن الخطاب، ولما علم عمر من أخبار تميم الداري ما علم قال له: لمثل هذا كنا نحبك يا أبا رقية، ليس من رأى كمن لم ير. وقال أحد الصالحين: أما رأيتم مالك بن دينار والحسن البصري وغيرهما يحيي الله بكلامهم الفئام من الناس -الجماعات الكبيرة من الناس-، سيماهم في كلامهم مثلما هي في وجوههم. لماذا كتب الذهبي سير أعلام النبلاء؟ ولماذا كتب الذهبي طبقات القراء؟ لماذا كتب ابن عساكر تاريخ دمشق؟ ولماذا كتب الخطيب البغدادي تاريخ بغداد؟ ولماذا كتب الأصفهاني تاريخ أصفهان؟ ولماذا كتب حلية الأولياء؟ ولماذا كتب ابن الجوزي صفة الصفوة؟ لأنها تمتلئ بحشد وافر من أخلاق هؤلاء الناس وعباداتهم وأقوالهم، فخير وسيلة بعد أن غابت القدوة في أيامنا أنك تعيش مع ابن المبارك، أو تعيش مع الفضيل بن عياض، أو تعيش مع سفيان الثوري فهؤلاء هم الناس، ذهب الناس وبقي النسناس. ذهب الرجال الصالحون وأخرت نتن الرجال للزمان المنتن ذهب الذين يعاش في أكنافهم وخلفت في جلد كجلد الأجرب. السيدة عائشة كانت تقول هذا بعد رحيل صفوة الصحابة، والنبي ﷺ يقول: (إنما الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة)، من كان مقتدياً فليتأس بالميت، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. ومن عجب أني أحن إليهمُ وقد سكنوا قلبي وروحي ومهجتي ذكرت فلم أنس زمان وصالهم أأنسى ليال بالعزيز تقدس نعم والله، أيام عشت فيها مع تراجم أهل العلم، وأنا أجمع هذه الكتب منها كتاب: (نسائم الأسحار في فضائل الصحابة الأبرار) في أربعة مجلدات، وكتاب: (عبق النسرين في ذكر المجددين) في أربعة مجلدات، وكتاب: (زهر الجنان من حياة شيوخ الإسلام). وسنبدأ بحياة شيوخ الإسلام، وسموهم شيوخ الإسلام لأن لهم مكانة عالية، وكثير من الإخوة لا يعلمون شيئاً عنهم مع أن كتب التاريخ هذه من أهم الكتب، فتقرأ فيها وتعرف ما وقع لمن سبق، وتعرف ما وقع من وقائع ومعارك حربية انتصر فيها الإسلام على الكفر، وحتى تروح عن نفسك وتقول: إن لنا نسباً عريقاً في التاريخ. لا تهيئ كفني يا عاذلي فأنا لي مع الفجر مواثيق وعهد ذكرت فلم أنس زمان وصالهم أأنسى ليال بالعزيز تقدس منازل أحبابي مواطن سادتي مطالع أقماري شموس أهلتي معاهد أفراحي ديار سعادتي مواسم أرباحي وأوقات لذتي فهذا سيدنا عبد الله بن المبارك كان يجلس طويلاً مع الكتب، فقالوا له: لم لا تجلس إلينا؟ قال: أجلس إلى من هم أفضل؛ منكم أجلس إلى الصحابة والتابعين، فيتتبع سيرهم وكأنه يجلس معهم. من فاته العين هد الشوق بالأثر والذي لا يرى الناس الطيبين يسمع أخبارهم: معاهد أفراحي ديار سعادتي مواسم أرباحي وأوقات لذتي وحاشاي أن أتلو هواهم وحبهم يذكرني حفظ العهود القديمة فهم سر أسراري ونور مناظري وروحي وريحاني وأنسي وبهجتي وهم عين أعياني وقلبي وقالبي وهم منتهى قصدي ومشهد رؤيتي وهم في معانيهم حياتي حقيقة وهم في مغانيهم أهيل مودتي وهم في تجليهم شموس إذا بدوا وهم في تدنيهم رياضي ونزهتي وهم أينما كانوا نهاية مقصدي وهم أينما حلوا مرادي وبغيتي

стр. 797

التعريف بسفيان الثوري هو أمير المؤمنين في الحديث، شيخ الإسلام سيدنا سفيان الثوري سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، قال عنه الإمام الذهبي: هو شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، أبو عبد الله الثوري الكوفي المجتهد مصنف كتاب الجامع، ولد سنة سبع وتسعين هجرية اتفاقاً، وطلب العلم وهو حدث -أي: صغير- بعناية والده المحدث الصادق سعيد بن مسروق الثوري، كان والده من أصحاب الإمام الشعبي ومن ثقات الكوفيين، وعده العلماء من صغار التابعين، روى له الجماعة الستة في دواوينهم، وحدث عنه ولده سفيان الإمام، وعمر ومبارك، وشعبة بن الحجاج، مات سنة ست وعشرين ومائة. معجم شيوخ سيدنا سفيان قال الذهبي: قالوا: إن عدد شيوخه ستمائة شيخ، كان يجلس إلى بعض شيوخه ستة عشر عاماً، كـ ابن القاسم شيخ علماء المالكية وكبير المصريين، قال: بت على عتبة مالك عشرين سنة، فكلكم على ثغر من ثغور الإسلام، فليخش أحدكم أن يؤتى الإسلام من قبله. وقد قال الإمام الشافعي: إنما ضيع الناس ثلث العلم لما تركوا الطب لليهود والنصارى. فهذه مدرسة جامعية في كلية الطب في جامعة الأزهر تقول: أنا أريد أن أتفرغ للدعوة، وهي تشرف على مستشفى بأكمله، فقلت لها: مقامك هذا أكبر دعوة، وتخصصك تخصص نادر؛ كلكم على ثغر من ثغور الإسلام، وكل يدعو إلى الإسلام في موقعه، فالطبيب في موقعه، والمهندس في موقعه، والرجل المتخصص في علم أو في فرع من الفروع الإسلامية في موقعه. قال ابن القاسم: بت على باب مالك عشرين سنة؛ وذلك حين رحل من مصر، وقعد عشرين سنة على باب مالك، حتى ظنته جارية الإمام مالك مولى له؛ لأنه كان قبل الفجر عند خروج الإمام مالك يسأله سؤالين أو ثلاثة أسئلة، فينتفع بعلم الإمام مالك، وذات ليلة أيقظته الجارية وقالت: إن شيخك يصلي الفجر بوضوء العشاء وبئس العبد أنت تنام ويقوم سيدك؟ فظنته عبداً من عبيد مالك بن أنس؛ لكثرة جلوسه على باب مالك، حتى أتى وفد الحجيج المصريين قال: فدخل شاب براق الثنايا جميل المطلع فذهب إلى الإمام مالك وقال: أنت ابن القاسم؟ قال: لا، وأشار إلى ابن القاسم، فقال الإمام ابن القاسم: فقمت إليه فاعتنقته فشممت منه رائحة الولد ثم لازم الإمام مالك يطلب العلم، وكان قد خير ابنة عمه في أن يطلقها، فقالت: بل أمكث وأصبر على هذا.

стр. 798

معنى شيخ الإسلام وعلى من يطلق هذا اللقب أول من لقب بشيخ الإسلام هما سيدنا أبو بكر الصديق وسيدنا عمر، والذي لقبهما بذلك هو سيدنا علي، كما روى المحب الطبري قال: إماما الهدى وشيخا الإسلام، فشيخ الإسلام لقب شرعي كأمير المؤمنين في الحديث كالحافظ والمحدث، فاختص به جماعة من أهل العلم إما من أهل العلم الحفاظ أو الزهاد أو من كانوا رأساً في السنة، أي: إمام يحتج بقوله في العقيدة. وقال المحب الطبري: إذا رأيت الرجل يحب الأوزاعي فاعلم أنه من أهل السنة والجماعة، وإن رأيت الرجل يقع في أبي إسحاق الفزاري فاعلم أنه مبتدع. يعني: أنه يصير علماً في السنة يقتدي به الناس على طريقة السلف في العقيدة، يقال: كان الرجل رأساً في الحديث، أو رأساً في السنة، فقولك: كان رأساً في السنة معناه: كان إماماً يؤتم بقوله ويعتمد على قوله في العقائد، كشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام أحمد بن حنبل وسفيان الثوري وحماد بن زيد وسعيد بن جبير. وقد يكون الرجل إماماً في الحديث، وقد يكون إماماً في الفقه، وقد يكون إماماً في الزهد، وقد يكون ممن عمر في الإسلام، والمتتبع لشيوخ الإسلام المعتبرين على مدار التاريخ يجدهم ما يقارب ثلاثمائة وخمسين شيخاً كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وأبي داود الطيالسي وغيرهم، ثم أطلق لقب شيخ الإسلام على قاضي القضاة عند الشافعية وعند الحنابلة، فصار هذا اللقب يطلق على كل من هب ودب كما يقول العلماء، فكونك تريد أن تعرف شيوخ الإسلام فهم القمم في حياة المسلمين وهم القدوة، وإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، فشيوخ الإسلام هم الذين طبقوا العلم على أنفسهم وصاروا نوراً يمشي على الأرض، فالعيش مع هؤلاء ليس مجرد حكايات، بل حياة الإسلام وتاريخه متمثل في هؤلاء القمم؛ لأنهم هم الذين طبقوا الإسلام. يقول أمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري: ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرئاسة، ترى الرجل يذهب في المطعم والمشرب والمال والثياب، فإن نوزع في الرئاسة حامى وعادى عليها. والزهد في النفس: ألا ترى لنفسك قيمة أبداً كما قال سفيان الثوري: من نظر إلى نفسه كانت نفسه عنده أذل من كلب. لذلك فإن المولى ستر عليك من القبائح ما لو ظهرت لفاح نتنها، فأنت تعلم من نفسك ما لا يعلم غيرك منك، فاحمد الله على العافية، ومن أراد الزهد الحقيقي فليزهد في نفسه وفي طلب الجاه عند الناس، والتزين في قلوب الخلق، والهرب من ذم الناس، وطلب مدحهم، كل هذه عوامل كبيرة من عوامل الرياء، والرياء أعظم فتنة وكما يكون في الأفراد يكون في الجماعات، يقول النبي ﷺ : (غير الدجال أخوف عليكم: شرك السرائر)، قالوا: وما شرك السرائر يا رسول الله؟! قال: (أن يقوم الرجل فيصلي فيطيل في صلاته؛ لما يرى من نظر رجل إليه). مثال ذلك: أخ أراد الاعتكاف في رمضان مع إخوة معتكفين، وهو في بيته يصلي صلاة قصيرة، فقال: هؤلاء هم صفوة القوم، وأنا سأقرأ في صلاتي سورة المائدة أو الأنعام؛ ليري الناس أنه يطيل في صلاته، فإن هذا أخطر شيء على الرجل. سيدنا عبد الله بن المبارك خرج من بلدته مرة وذهب إلى بئر ليستقي، فجعل الناس يزاحمونه فقال أحد الحفاظ: إنه عبد الله بن المبارك فقال: اسكت إنما العيش هكذا والله ما خرجنا من مرو إلا من أجل هذا. فإذا أراد الله ﵎ حفظك وإذا أراد بك خيراً حماك من الشهرة، وهي نعمة لو سجدت لله ﵎ شكراً على محمي الإبر ما كافأته عليها.

стр. 799

ذكر ما حصل من خلع الخليفة المهدي الخاتم لسفيان الثوري لما استخلف الخليفة المهدي العباسي بعث إلى سفيان، فلما دخل عليه خلع عليه خاتمه على الرسائل فرمى به إليه وقال له: يا أبا عبد الله! هذا خاتمي فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة، فأخذ الخاتم بيده وقال: تأذن لي في الكلام يا أمير المؤمنين؟ فقال الراوي عن عطاء: قلت لـ عطاء: هل قال له: يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: أتكلم على أني آمن؟ قال: نعم، قال: لا تبعث إلي أحداً من أعوانك حتى آتيك، ولا تعطني حتى أسألك، فغضب المهدي وهم به، فقال له كاتبه: ألست قد أمنته؟ قال: بلى، فلما خرج حف أصحاب الثوري به فقالوا: ما منعك وقد أمرك أن تعمل في الأمة بالكتاب والسنة، فاستصغر عقولهم وفر هارباً؛ لأنه رأى المهدي وقد أحيط ببطانة السوء فلن يأمنهم ولن يجد فائدة من ذلك، ولذلك كان سيدنا سفيان يضرب به المثل في البعد عن أصحاب الجاه والمنزلة والرئاسة وعن الحكام.

стр. 800

أقوال التابعين وأحوالهم مع الرؤساء يقول سعيد بن المسيب: إذا رأيتم العالم يرتاد أبواب الأمراء فاشهدوا أنه لص. وكان مالك بن دينار يقبل جوائز السلطان والهدايا التي يبعث بها الخليفة، وما كان يقبلها محمد بن واسع، فأتى محمد بن واسع وعاتب مالك بن دينار في قبوله للهدية قال: يا مالك أقبلت جوائز السلطان؟! قال: بالله عليك لا تحكم علي بذلك، وإنما سل جلسائي، وقالوا: والله لقد فرقها في اليتامى والمساكين، قال: ناشدتك الله يا مالك أقلبك الساعة على السلطان؟ قال: لا، أشهد الله أنه قد تغير، قال: فانظر من أين أوتيت، فبكى مالك بن دينار وقال: إنما مالك حمار، إنما يعبد الله أمثال محمد بن واسع، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:٥]. قال سفيان الثوري: ما شيء أشد على نفسي من قول الله : ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة:٦٨]. وقال سفيان: لست أخاف إهانتهم وإنما أخاف كرامتهم، فلا أرى سيئتهم سيئة، ولا أرى للسلطان مثلاً إلا مثلاً ضرب على لسان الثعلب، قال الثعلب: عرفت للكلب نيفاً وسبعين دستاناً -أي: مكراً وحيلة- ليس منها دستان خير من ألا أرى الكلب ولا يراني. قال سفيان: أدخلت على أبي جعفر المنصور بمنى وكان فظاً فقلت له: اتق الله، فإنما أنزلت هذه المنزلة وصرت في هذا الموضع بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون بين يديك جوعاً، حج عمر فما أنفق إلا خمسة عشر ديناراً، وكان ينزل تحت الشجر، قال: أتريد أن أكون مثلك؟ قلت: لا، ولكن دونما أنت فيه، وفوق ما أنا فيه، قال: اخرج. قال عصام بن يزيد: لما أراد سفيان أن يوجهني إلى أمير المؤمنين المهدي قلت له: أنا غلام جبلي لعلي أسقط بشيء، فقال: يا عصام! أترى هؤلاء الذين يجيئون؟ لو قلت لأحدهم لظن أني قد أسديت إليه معروفاً ولكن قد رضيت بك، قل ما تعلم ولا تقل ما لا تعلم، فلما رجعت قلت له: لأي شيء تهرب منه، لو جاء لخرجت معه إلى السوق فأمرنا ونهينا، قال: يا غافل! حتى يعمل بما يعلم، فإذا فعل لم يسعنا إلا أن نذهب إليه.

стр. 801

شهادة الأمراء والحكام ببعد سفيان عن عطاياهم وقال المهدي يصف بعض العلماء ويصف سفيان الثوري قال: لقد جاءني قراؤكم فأمروني ونهوني، ووعظوني وبكوا وأبكوا وتباكيت لهم، ثم لم يفجأني من أحدهم إلا أن أخرج من كمه رقعة: أن افعل لي كذا، وافعل لي كذا، ففعلت، وسقطوا من عيني، وقد كتب المهدي إلى سفيان؛ لأن سفيان طال هروبه منه، كتب إليه أن يعطيه الأمان، قال: فأتيته فقدمت عليه البصرة بالأمان، وقال المهدي: ما من رجل أمرنا ونهانا فقدمنا له من دنيانا إلا وقضم منها -أي: أكل منها- إلا سفيان. وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما رأيت رجلاً أشفق وجهاً في الله من سفيان الثوري. وكان سيدنا عبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام أحمد يقول: ما كنت أستطيع النظر إلى سفيان هيبة له. ولما دخل على أبي جعفر المنصور قال له: اتق الله في أموال المسلمين، اتق الله في أبناء المهاجرين، اتق الله في كذا، اتق الله في الرعية، فقال له الوزير أبو عبيد الله: اسكت أتواجه الخليفة بمثل هذا؟ قال: اسكت فما أهلك فرعون إلا هامان، فلما خرج سفيان قال الوزير: يا أمير المؤمنين! دعني أضرب عنقه، قال: اسكت، فوالله ما بقي في الأرض من يستحيى منه غير هذا. وكان إذا رأى موكب الخليفة يقول: ما هذه السرادقات! حج عمر ولم ينفق إلا خمسة عشر ديناراً.

стр. 802

خوف سفيان الثوري من سوء سابقته قبل خاتمته وانظر إلى خوف سفيان، قال عطاء الخفاف: ما لقيت سفيان إلا باكياً، فقلت له: ما شأنك؟ قال: أتخوف أن أكون في أم الكتاب شقياً. فمن العجب أنه يخاف من السابقة قبل خوفه من سوء الخاتمة. فخذوا العبرة يا رجال! يخاف سفيان أن يكون في أم الكتاب شقياً، وما في أم الكتاب قد سبق في علم الله ، وقد قضاه الله عليه قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، فهو يبكي على ما سبق في علم الله، والمعروف أن الرجل يبكي على سوء الخاتمة حينما يستشعر قرب موته، لكن سفيان ﵀ تجده طيلة عمره باكياً، ولذلك فإن أعلى درجات الخوف: الخوف من السابقة. قال عبد الرحمن بن مهدي: لما جر سفيان إلى القضاء غصباً عنه تحامق عليه؛ ليخلص نفسه منه، فلما علم أنه يتحامق أرسل سفيان فهرب.

стр. 803

ما يجب على المؤمن تجاه البلاء والرخاء قال سفيان: ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة. وهذا مصداق لقول النبي ﷺ : (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له). فالله يرزق الإنسان المال فيشكر، وإن رزقه الفقر يصبر، لكن هناك درجة أعلى وهي هذه التي قال عنها سفيان: ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة، فهناك درجة أعلى من درجات الصبر، وهي الرضا بما قدر الله عليك، فإن ابتلاك بمصيبة تعلم أن هذا خير لك، وإن ابتلاك بمال أخذت حذرك؛ لأن البلاء لا يأتي إلا برفعة الدرجات أو تكفير السيئات، يقول النبي ﷺ : (ما يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا حزن ولا نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله عنه بها من خطاياه)، فالبلاء دائماً يأتي بتكفير السيئات أو بعلو الدرجات، لكن إذا كنت على معصية واستمررت عليها مع زيادة المال عندك، فإنه استدراج ومكر من الله ، فالظالم كلما ازداد مالاً ازداد فجوراً، حتى إذا أخذه الله لم يفلته، قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٢ - ٤٣]. ولذلك ورد في الأثر أن خالد بن الوليد كانت عنده زوجة فطلقها، وبعد أن طلقها أثنى عليها، فلما سئل عن ذلك قال: مكثت عندنا مدةً لم نصب فيها بشيء، فخفت أن يكون الأمر استدراجاً ومكراً من الله . وعروة بن الزبير لما قطعت رجله ومات ابنه محمد أحب أبنائه إليه، رفع يديه إلى السماء وقال: إن سلبت فلطالما أعطيت، وإن أخذت فلطالما أبقيت، ولما أشار عليه الطبيب بنشر رجله قال أي: الطبيب: نريد أن نعطيك دواءً -يعني: حتى لا تحس بألم القطع- قال: إن ربي ابتلاني ليرى مدى صبري. فإذا ضيق الله عليك في الرزق فقد يكون هذا هو الخير لك، فقد تصلي في الفجر فتستغيث بالله وتقول: يا غياث المستغيثين أغثنا، اللهم فرج الكرب عنا، وترفع يديك إلى السماء تدعو الله ﵎ فيتعلق قلبك بالله ، وربما كان هذا خير لك من كنوز الدنيا بأسرها، فقد تكون كمثل أحد الصالحين كان يقوم الليل ولم يكن معه إلا ثوب واحد به رقع، ولما ضربه البرد بكى، فرأى فيما يرى النائم أن هاتفاً يقول له: أقمناك وأنمناهم ثم تبكي علينا! حقاً إن المال الصالح للرجل الصالح، ولكن المال من أعظم الفتن، فربما تترك الصلاة، أو تتأخر فتدرك ركعة أو ركعتين، أو تدرك الجماعة الثانية، أو لا تأتي المساجد أبداً؛ لأنك منشغل فتصلي في البيت أو في أي مكان، فليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة، الرخاء مصيبة. وهناك كلام للعلماء يشبه هذا الكلام، قال إبراهيم بن أدهم لما قابل شقيق البلخي: ما تعدون الصبر والشكر فيكم يا شقيق؟ قال: إنا قوم نشكر في الرخاء ونصبر في البلاء، فقال له إبراهيم: هذا ما تفعله كلاب بلخ، قال: فما تقول أنت؟ قال: إنا قوم نشكر في البلاء ونصبر عند الرخاء، فربما كان الرخاء استدراجاً. وهذا ليس مخالفاً للسنة، ودليل ذلك: قول النبي ﷺ : (إن الصالحين كان يشدد عليهم، يبتلى أحدهم بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها) أي: يقطعها لتستر عورته، (ويبتلى أحدهم بالقمل حتى يقتله، ولأحدهم كان أفرح بالبلاء إن نزل به من فرح أحدكم بالعطاء)، إذاً: كلام سفيان موافق لهذا الحديث، وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 804

علم سفيان الثوري بالقرآن والمناسك وانصرافه عن الدنيا بلغ سيدنا سفيان في علم القرآن والمناسك مبلغاً عظيماً، قال الإمام الأوزاعي: لو قيل لي: اختر لهذه الأمة رجلاً يقوم فيها بكتاب الله وسنة نبيه لاخترت لهم سفيان الثوري. وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: نزل عندنا سفيان وكنا ننام أكثر الليل، فلما نزل عندنا ما كنا ننام إلا أقله من قيامه لليل. قال ابن إدريس: ما رأيت رجلاً في الكوفة أتبع للسنة، ولا أود أني في مسلاخه من سفيان الثوري ﵀. وقال سفيان ﵀: لو أن البهائم تعقل من الموت ما تعقلون ما أكلتم منها سميناً. قال ابن يمان: ما رأيت مثل سفيان؛ أقبلت الدنيا عليه فصرف وجهه عنها.

стр. 805

أمر سفيان بالمعروف ونهيه عن المنكر ثم انظر إلى أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، قال إبراهيم بن أعين: كنت مع سفيان والأوزاعي فدخل علينا عبد الصمد بن علي أمير مكة وسفيان يتوضأ وأنا أصب عليه الماء، وهو يقول: لا تنظروا إلي أنا مبتلى، فدعا عبد الصمد فسلم فقال له سفيان: من أنت؟ فقال: أنا عبد الصمد، فقال: كيف أنت؟ اتق الله، إذا كبّرت فأسمع الناس. وعن عبد الله بن خبيب: حدثنا الهيثم بن جميل عن مفضل بن مهلهل قال: حججت مع سفيان فوافينا بمكة الأوزاعي فاجتمعنا في داره، وكان على الموسم أمير الحج عبد الصمد بن علي أمير مكة، فدق داق الباب قلنا: من ذا؟ قال: الأمير، فقام سفيان الثوري فدخل المخرج، وقام الأوزاعي فتلقاه فقال له: من أنت أيها الشيخ! قال: أنا الأوزاعي، قال: حياك الله بالسلام، أما إن كتبك تأتي إلينا فنقضي حوائجك، فما فعل سفيان؟ قال: فقلت: دخل المخرج، ثم دخل الأوزاعي في أثره فقال: إن هذا الرجل ما قصد إلا قصدك، فخرج سفيان مقطب الوجه، فقال: سلام عليكم كيف أنتم؟ فقال له عبد الصمد: أكتب عنك هذه المناسك، فقال: أولا أدلك على ما هو أنفع لك منها؟ قال: ما هو؟ قال: تدع ما أنت فيه، قال: وكيف أصنع بأمير المؤمنين؟ فقال: إن أردت كفاك الله أبا جعفر، فقال له الأوزاعي: يا أبا عبد الله! إن هؤلاء ليس يأخذون منك إلا الإعظام لهم، فقال: يا أبا عمرو إنا لسنا نقدر أن نضربهم، وإنما نؤدبهم بمثل هذا الذي ترى -أي: بالكلام الخشن-، فقال مفضل: فالتفت إلي الأوزاعي وقال: قم بنا من هاهنا، إني لا آمن أن يبعث هذا من يضع في رقابنا حبالاً. فالواجب علينا أن نقتدي بمثل هؤلاء الرجال، قال الشاعر: فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالرجال فلاحُ

стр. 806

بعد سفيان الثوري عن الولاة والأمراء قال محمد بن سعد: طلب الخليفة المنصور سفيان الثوري، فخرج إلى مكة، فنفذ المهدي إلى محمد بن إبراهيم عامله على مكة في طلبه وقال له: هات سفيان الثوري، فأعلم سفيان بذلك، وقال له محمد بن إبراهيم أمير مكة: إن كنت تريد إتيان القوم فاظهر حتى أبعث بك إليهم وإلا فتوارى، فتوارى سفيان، وطلبه محمد وأمر منادياً فنادى بمكة: من جاء بـ سفيان فله كذا وكذا، فلم يزل متوارياً بمكة لا يظهر إلا لأهل العلم ومن لا يخافه. وعن أبي شهاب الحناط قال: بعثت أخت سفيان بجراب معي إلى سفيان، فقدمت فسألت عن سفيان فقيل لي: ربما قعد عند الكعبة فيما يلي الحناطين، فأتيته فوجدته مستلقياً فسلمت عليه فلم يسائلني تلك المساءلة، ولم يسلم علي كما كنت أعرفه، فقلت له: إن أختك بعثت معي بجراب، فاستوى جالساً وقال: عجل علي بها، فكلمته في ذلك، فقال: لا تلمني فلي ثلاثة أيام لم أذق فيها ذواقاً، فعذرته. قال ابن سعد: لما خاف من الطلب -من أن يأخذوه للمهدي - خرج إلى البصرة ونزل قرب منزل يحيى بن سعيد، ثم حوله إلى جواره وفتح بينه وبينه باباً، فكان يأتي بمحدثي أهل البصرة يسلمون عليه ويسمعون منه. يقول يحيى بن سعيد القطان: سفيان الثوري فوق مالك في كل شيء، قيل لـ سفيان الثوري: ما منعك أن ترحل إلى الزهري؟ قال: لم تكن عندي دراهم. قال مهران الرازي: كنت عند سفيان الثوري فضاع مني كتاب الديات فذكرت ذلك له، فقال: إذا وجدتني خالياً فاذكر لي حتى أمليه عليك، فحج فلما دخل مكة طاف بالبيت وسعى، ثم لقيته فذكرته، فجعل يملي علي الكتاب باباً في إثر باب حتى أملاه جميعاً من حفظه.

стр. 807

خشية سفيان لربه وعلو همته في الإصلاح وذكر بعض أقواله قال يوسف بن أسباط: كان سفيان إذا أخذ في ذكر الآخرة يبول الدم. وقال عبد الرحمن بن مهدي: سمعت سفيان يقول: ما بلغني عن رسول الله ﷺ حديث قط إلا عملت به ولو مرة. وقيل لـ سفيان الثوري: إلى متى تطلب الحديث؟ قال: وأي خير أنا فيه خير من الحديث فأصير إليه، إن الحديث خير علوم الدنيا. وقال سفيان: إن أقبح الرغبة إلى الزنجي -يعني: العبد- وكده، أي: أكله ثم شغله، وفي رواية: اعلف الحمار ثم كده. وقال سفيان الثوري: إني لأرى الشيء يجب علي -يعني: نهي عن منكر- أن أتكلم فيه فلا أفعل فأبول دماً؛ من الكمد والحزن. وقال عبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام أحمد: كنا جلوساً مع الثوري في مكة فوثب وقال: النهار يعمل عمله، إن ملك الشمس يسوقها فمتى تريدون القيام. وكانوا يحافظون على أوقاتهم، فهذا داود الطائي كان يسف خبزه سفاً -أي: يدق الأكل-، فيقول: ما بين السف والمضغ خمسين تسبيحة. وعن سفيان قال: ما وضع رجل يده في قصة رجل إلا ذل له. وقال أحمد بن يونس: سمعت الثوري ما لا أحصيه -يعني: يقول كثيراً-: اللهم سلم سلم، اللهم سلمنا وارزقنا العافية في الدنيا والآخرة. وقال سفيان: ليس الزهد بأكل الغليظ ولبس الخشن، ولكنه قصر الأمل وارتقاب الموت، فالزهد أن تذكر حين يغسلونك ويكفنونك، فتقصر الأمل؛ حتى لا تنتظر أن تشرق عليك شمس الغد، هذا هو الزهد، وقصر الأمل يدفعك إلى العمل حتى لو قيل لك: إن القيامة غداً ما كان في عملك مزيد. قال سفيان الثوري: المال داء هذه الأمة -أي: فتنة هذه الأمة-، والعالم طبيب هذه الأمة، فإذا جر العالم الداء إلى نفسه فمتى يبرئ الناس؟! وقال سفيان: لا نعلم شيئاً أفضل من طلب العلم بنية. وقال الثوري: احذر سخط الله في ثلاث: احذر أن تقصر فيما أمرك، واحذر أن يراك وأنت لا ترضى فيما قسم لك، وأن تطلب شيئاً من الدنيا فلا تجده فتسخط على ربك. وقال سفيان: الزهد زهدان: زهد فريضة، وزهد نافلة، فالفرض: أن تدع الفخر والكبر والعلو والرياء والسمعة والتدين للناس. فإنك تجد شخصاً يزهد في المال ويزهد في كل شيء إلا في الجاه والرئاسة، وهذا رجل عنده مال كثير جداً، فيضيع ماله كله في انتخابات مجلس الشورى، فتراه يزهد في المال ولا يزهد في الجاه ولا يزهد في الشهرة، فأشد الزهد الزهد في النفس. قال: أن تدع الفخر والكبر والعلو والرياء والسمعة والتدين للناس، أما زهد النافلة فأن تدع ما أعطاك الله من الحلال، فإذا طلب شيئاً من ذلك صار فريضة عليك ألا تتركه إلا لله . ودخل عبد الصمد الأمير العباسي عم الخليفة المنصور على سفيان يعوده وهو مريض، فحول سفيان وجهه إلى الحائط ولم يرد السلام، فقال عبد الصمد: أظن أبا عبد الله نائماً، فلما حول سفيان وجهه الناحية الثانية قال: أحسب ذلك أصلحك الله، فقال سفيان: لا تكذب لست بنائم، فقال عبد الصمد: يا أبا عبد الله! لك حاجة؟ قال: نعم، ثلاث حوائج: لا تعد إلي ثانيةً، ولا تشهد جنازتي، ولا تترحم علي، فانخذل عبد الصمد وقام، فلما خرج قال: والله لقد هممت ألا أخرج إلا ورأسه معي. قال يوسف بن أسباط: قال سفيان: زينوا العلم والحديث بأنفسكم ولا تتزينوا به.

стр. 808

شيوخ سفيان الثوري ورواته وتلاميذه عدد شيوخ سفيان الثوري ستمائة شيخ، كبارهم هم الذين حدثوه عن أبي هريرة وجرير بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عباس وأمثالهم، وقرأ الختم عرضاً على حمزة الزيات أحد القراء السبعة، وكان حمزة الزيات لا يشرب الماء من الكوفة خوفاً من أن يشرب الماء من بيت من علمه القرآن، فيكون بذلك قد أخذ أجراً على تعليم الناس القرآن. وأما الرواة عن سفيان الثوري فذكر ابن الجوزي أنهم أكثر من عشرين ألفاً، ولكن هذا القول مردود على الإمام ابن الجوزي، قال الذهبي: وهذا مدفوع، فإن بلغوا ألفاً فبالجهد، قال: وما علمت أحداً من الحفاظ روى عنه عدد أكثر من مالك، فلقد بلغوا بالمجاهيل والكذابين ألفاً وأربعمائة شيخ. قال يحيى بن أيوب العابد: حدثنا أبو المثنى قال: سمعت بمرو -مرو: بلد سيدنا عبد الله بن المبارك - رجلاً يقول: قد جاء الثوري قد جاء الثوري، فخرجت أنظر إليه فإذا هو غلام صغير قد دقل وجهه، قال الذهبي: كان ينوه بذكره في صغره من فرط ذكائه وقوة حفظه، ولقد حدث وهو شاب. قال سفيان ﵀: ما استودعت قلبي شيئاً قط فخانني، أي: يحفظ ولا ينسى.

стр. 809

فضل الثوري ومنزلته عند مشايخه وأقرانه أجل إسناد لأهل العراق: سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. قال شعبة بن الحجاج -وهو من شيوخ سفيان ومن أقرانه- وابن عيينة -وهو: سفيان بن عيينة الذي قال فيه الإمام الشافعي: لولا مالك وابن عيينة ضاع علم الحجاز- وأبو عاصم ويحيى بن معين وغيرهم: سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث. وقال عبد الله بن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان. وعن أيوب السختياني الذي نفع الله به سيدنا سفيان الثوري، وذلك أن الشيعة كادوا يجرونه إلى اعتقادهم الفاسد، فنفع الله بـ أيوب سفيان، قال: ما لقيت كوفياً أفضله على سفيان الثوري. وقال يونس بن عبيد تلميذ الحسن البصري: ما رأيت أفضل من سفيان، فقيل له: قد رأيت سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاءً ومجاهداً وتقول هذا؟! قال: هو ما أقول، ما رأيت أفضل من سفيان. وقال عبد الرحمن بن مهدي -وهو الإمام الذي كان يحضر مجلسه تسعون ألفاً معهم المحابر- قال: ما رأت عيناي مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث من سفيان الثوري، ولا أشد تقشفاً وزهداً من شعبة، ولا أعقل من مالك، ولا أنصح للأمة من عبد الله بن المبارك. وهذا شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث يلقب بـ شعبة الخير، وكان يحدث عن الضخام، قالوا: يبس جلده على عظمه من شدة العبادة، وكنت إذا رأيته سجد قلت: قد مات يقول شعبة: سفيان أحفظ مني. وقال رجل لـ شعبة: خالفك سفيان -في راو من الرواة- قال: دمغتني إذاً. وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان وهيب بن الورد طبيب القلوب، كان يقدم سفيان الثوري في الحفظ على مالك بن أنس، الذي قال فيه الشافعي: إذا جاء الأثر فـ مالك النجم. وقال يحيى القطان: ليس أحد أحب إلي من شعبة ولا يعدله أحد عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان. وقال عباس الدوري: رأيت يحيى بن معين لا يقدم على سفيان أحداً في زمانه في الفقه والحديث والزهد وكل شيء. وقال ابن مهدي: رأى أبو إسحاق السبيعي سفيان الثوري مقبلاً فقال: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]. وعن أبي حنيفة قال: لو كان سفيان الثوري في التابعين لكان فيهم له شأن. وقال أبو حنيفة: لو حضر علقمة والأسود -وهما من التابعين- لاحتاجا إلى سفيان. وقال المثنى بن وضاح: سفيان عالم الأمة وعابدها. وقال ابن أبي ذئب -سيد أهل المدينة-: ما رأيت أشبه بالتابعين من سفيان الثوري. وقال شعبة: زاد سفيان على الناس بالورع والعلم. وقال شعبة: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن عيينة: ما رأيت رجلاً أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري. وقال ابن المبارك: ما نعت لي أحد فرأيته إلا وجدته دون نعته إلا سفيان الثوري. وقال أحمد بن حنبل: قال لي ابن عيينة: لن ترى بعينيك مثل سفيان الثوري حتى تموت. وقال عبد الله بن المبارك: ما أعلم على الأرض أعلم من سفيان. وقال حفص بن غياث: ما أدركنا مثل سفيان، ولا أنفع من مجالسته. وقال يحيى بن سعيد: سفيان أثبت من شعبة وأعلم بالرجال. وقال الفضيل بن عياض: كان سفيان أعلم من أبي حنيفة. وقال ابن راهويه شيخ الإمام الشافعي وشيخ الإمام البخاري: سمعت عبد الرحمن بن مهدي ذكر سفيان وشعبة ومالكاً وابن المبارك فقال: كان أعلمهم بالعلم سفيان. وهذا بشر بن الحارث الحافي إمام الدنيا كلها في الزهد والورع، كان الإمام أحمد إذا سئل عن مسألة من مسائل الزهد قال: أتسألوني عن الزهد وفيكم بشر؟! وقال: لو تزوج بشر لكملت رياسته. جاءت مرة أخت سيدنا بشر بن الحارث الحافي تسأل الإمام أحمد، تقول: يا إمام! أنين المريض شكوى؟ وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم قال: نرجو ألا يكون ذلك، ما سئلت عن مثل هذا السؤال من قبل، فلما حضر الإمام أحمد بن حنبل الموت عرف أن أنين المريض شكوى، فما أن ابن حنبل حتى مات، ولذلك من الأدب حينما تذهب إلى الطبيب تقول له بعد حمد الله : أشكو كذا وكذا، قالوا: الشكوى بعد الحمد ليست بشكوى. فقال: ما سئلت عن مثل هذا السؤال من قبل، فقالت: يا إمام! إنا نغزل غزلنا على ضوء مصباح مشاعل الظاهرية، وكانوا قوم سوء ظلمة، فإذا انطفأ غزلناه على ضوء القمر، أنبينه للناس؟ قال: بينيه ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، فلما ذهبت قال الإمام أحمد لابنه عبد الله: اذهب يا بني! فاتبعها، فقال: دخلت بيت بشر، فقال: مثل هذه لا تكون إلا في بيت بشر، من بيتهم خرج الورع. وكان بشر بن الحارث الحافي لا يشرب من السواقي التي حفرها أمراء الدولة العباسية في بغداد، وكان يشرب من مياه الآبار، ولما سئل عن ذلك قال: مع أن الماء في ذاته صالح للشرب إلا أن هذه السواقي حفرها أمراء ظلمة. قال بشر بن الحارث: كان الثوري عندنا إمام الناس، وقال: سفيان في زمانه كـ أبي بكر وعمر في زمانهما. وقال ورقاء: يا جماعة لم ير سفيان الثوري مثل نفسه. وهذا شعيب بن حرب إمام حافظ من حفاظ السنة قال: إني لأحسب أنه يجاء غداً بـ سفيان حجة من الله على خلقه، يقول لهم: لم تدركوا نبيكم قد رأيتم سفيان، فقد كان سفيان يتمثل فيه علم النبوة. وقال علي بن المديني: لا أعلم سفيان صحف في شيء قط، يعني: لم يكن يغلط في أسماء الرجال إلا في اسم امرأة أبي عبيدة بن الجراح، كان يقول: حفينة والصواب: بجيم: جفينة، فالمؤمن كيس فطن. وروى أبو بكر المروزي تلميذ الإمام أحمد عن الإمام أحمد قال: أتدري من الإمام؟ الإمام سفيان الثوري لا يتقدمه أحد في قلبي. يقول الإمام أحمد بن حنبل: روى عبد الله بن خبيب عن يوسف بن أسباط قال لي سفيان بعد العشاء: ناولني المطهرة أتوضأ، فناولته فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده فبقي مفكراً ونمت، ثم قمت وقت الفجر فإذا المطهرة في يده كما هي، فقلت له: هذا الفجر قد طلع، قال: لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الآخرة حتى الساعة. وقال شعبة: إن سفيان ساد الناس بالورع والعلم. وقال قبيصة: ما جلست مع سفيان مجلساً إلا ذكرت الموت، وما رأيت أحداً كان أكثر ذكراً للموت منه. قال يوسف بن أسباط: سئل الثوري عن مسألة وهو يشتري شيئاً فقال: دعني فإن قلبي عند درهمي. وقال سفيان: لأن أخلف عشرة آلاف درهم يحاسبني الله عليها أحب إلي من أن أحتاج إلى الناس. وقال الثوري: كان المال فيما مضى يكره، أما اليوم فهو ترس المؤمن. فهذه نصيحة غالية من إمام عظيم. فالجزء الذي يطالبك به المولى هو الاعتقاد، فإذا عرفت الواجب عليك في الفقه وفي علم الحديث وقال لك أبوك: لا تحضر الدرس فلا تحضره، واقرأ كتاب بر الوالدين للإمام الطرطوشي، وهذه أمور لم يختلف فيها أهل العلم. وهذا عبد الله بن المبارك كان تاجراً وكان يتاجر من أجل حفاظ الحديث، نعم المال الصالح للرجل الصالح، فلا بد من تنويع الكفاءات حتى تشمل احتياجات الأمة كلها. جاء رجل إلى سفيان الثوري يشاوره في الحج، فقال: لا تصحب من يكرم عليك، إنك إن ساويته في النفقة أضر بك، وإن تفضل عليك استذل بك. ونظر إليه رجل وفي يده دنانير فقال: يا أبا عبد الله! تمسك هذه الدنانير؟! قال: اسكت، فلولاها للتمندل بنا الملوك. قال الذهبي: قلت: كان سفيان رأساً في الزهد والتقشف محبة لله والشوق إليه، يعني: رأساً في الحفظ ومعرفة الآثام، ورأساً في الفقه، لا يخاف في الله لومة لائم، من أئمة الدين وفيه

стр. 810

خطبة عيد الأضحى [١٤١٧ه ـ] يجتمع الناس يوم الحج الأكبر فيذكرون نعمة الله عليهم وفضله أن جعلهم أمة واحدة، يدينون بدينه، ويتبعون كتابه وسنة نبيه ﷺ . وشرع الله الأضحية في عيد الأضحى للمسلمين تأسياً بنبي الله إبراهيم، الذي صدق الله حين ابتلاه بذبح ولده، فكانت الأضحية سنة له ولمن بعده.
следующие страницы →