Полный текст (947 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
بعد سفيان الثوري عن الولاة والأمراء
قال محمد بن سعد: طلب الخليفة المنصور سفيان الثوري، فخرج إلى مكة، فنفذ المهدي إلى محمد بن إبراهيم عامله على مكة في طلبه وقال له: هات سفيان الثوري، فأعلم سفيان بذلك، وقال له محمد بن إبراهيم أمير مكة: إن كنت تريد إتيان القوم فاظهر حتى أبعث بك إليهم وإلا فتوارى، فتوارى سفيان، وطلبه محمد وأمر منادياً فنادى بمكة: من جاء بـ سفيان فله كذا وكذا، فلم يزل متوارياً بمكة لا يظهر إلا لأهل العلم ومن لا يخافه.
وعن أبي شهاب الحناط قال: بعثت أخت سفيان بجراب معي إلى سفيان، فقدمت فسألت عن سفيان فقيل لي: ربما قعد عند الكعبة فيما يلي الحناطين، فأتيته فوجدته مستلقياً فسلمت عليه فلم يسائلني تلك المساءلة، ولم يسلم علي كما كنت أعرفه، فقلت له: إن أختك بعثت معي بجراب، فاستوى جالساً وقال: عجل علي بها، فكلمته في ذلك، فقال: لا تلمني فلي ثلاثة أيام لم أذق فيها ذواقاً، فعذرته.
قال ابن سعد: لما خاف من الطلب -من أن يأخذوه للمهدي - خرج إلى البصرة ونزل قرب منزل يحيى بن سعيد، ثم حوله إلى جواره وفتح بينه وبينه باباً، فكان يأتي بمحدثي أهل البصرة يسلمون عليه ويسمعون منه.
يقول يحيى بن سعيد القطان: سفيان الثوري فوق مالك في كل شيء، قيل لـ سفيان الثوري: ما منعك أن ترحل إلى الزهري؟ قال: لم تكن عندي دراهم.
قال مهران الرازي: كنت عند سفيان الثوري فضاع مني كتاب الديات فذكرت ذلك له، فقال: إذا وجدتني خالياً فاذكر لي حتى أمليه عليك، فحج فلما دخل مكة طاف بالبيت وسعى، ثم لقيته فذكرته، فجعل يملي علي الكتاب باباً في إثر باب حتى أملاه جميعاً من حفظه.
стр. 807
خشية سفيان لربه وعلو همته في الإصلاح وذكر بعض أقواله
قال يوسف بن أسباط: كان سفيان إذا أخذ في ذكر الآخرة يبول الدم.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: سمعت سفيان يقول: ما بلغني عن رسول الله ﷺ حديث قط إلا عملت به ولو مرة.
وقيل لـ سفيان الثوري: إلى متى تطلب الحديث؟ قال: وأي خير أنا فيه خير من الحديث فأصير إليه، إن الحديث خير علوم الدنيا.
وقال سفيان: إن أقبح الرغبة إلى الزنجي -يعني: العبد- وكده، أي: أكله ثم شغله، وفي رواية: اعلف الحمار ثم كده.
وقال سفيان الثوري: إني لأرى الشيء يجب علي -يعني: نهي عن منكر- أن أتكلم فيه فلا أفعل فأبول دماً؛ من الكمد والحزن.
وقال عبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام أحمد: كنا جلوساً مع الثوري في مكة فوثب وقال: النهار يعمل عمله، إن ملك الشمس يسوقها فمتى تريدون القيام.
وكانوا يحافظون على أوقاتهم، فهذا داود الطائي كان يسف خبزه سفاً -أي: يدق الأكل-، فيقول: ما بين السف والمضغ خمسين تسبيحة.
وعن سفيان قال: ما وضع رجل يده في قصة رجل إلا ذل له.
وقال أحمد بن يونس: سمعت الثوري ما لا أحصيه -يعني: يقول كثيراً-: اللهم سلم سلم، اللهم سلمنا وارزقنا العافية في الدنيا والآخرة.
وقال سفيان: ليس الزهد بأكل الغليظ ولبس الخشن، ولكنه قصر الأمل وارتقاب الموت، فالزهد أن تذكر حين يغسلونك ويكفنونك، فتقصر الأمل؛ حتى لا تنتظر أن تشرق عليك شمس الغد، هذا هو الزهد، وقصر الأمل يدفعك إلى العمل حتى لو قيل لك: إن القيامة غداً ما كان في عملك مزيد.
قال سفيان الثوري: المال داء هذه الأمة -أي: فتنة هذه الأمة-، والعالم طبيب هذه الأمة، فإذا جر العالم الداء إلى نفسه فمتى يبرئ الناس؟! وقال سفيان: لا نعلم شيئاً أفضل من طلب العلم بنية.
وقال الثوري: احذر سخط الله في ثلاث: احذر أن تقصر فيما أمرك، واحذر أن يراك وأنت لا ترضى فيما قسم لك، وأن تطلب شيئاً من الدنيا فلا تجده فتسخط على ربك.
وقال سفيان: الزهد زهدان: زهد فريضة، وزهد نافلة، فالفرض: أن تدع الفخر والكبر والعلو والرياء والسمعة والتدين للناس.
فإنك تجد شخصاً يزهد في المال ويزهد في كل شيء إلا في الجاه والرئاسة، وهذا رجل عنده مال كثير جداً، فيضيع ماله كله في انتخابات مجلس الشورى، فتراه يزهد في المال ولا يزهد في الجاه ولا يزهد في الشهرة، فأشد الزهد الزهد في النفس.
قال: أن تدع الفخر والكبر والعلو والرياء والسمعة والتدين للناس، أما زهد النافلة فأن تدع ما أعطاك الله من الحلال، فإذا طلب شيئاً من ذلك صار فريضة عليك ألا تتركه إلا لله .
ودخل عبد الصمد الأمير العباسي عم الخليفة المنصور على سفيان يعوده وهو مريض، فحول سفيان وجهه إلى الحائط ولم يرد السلام، فقال عبد الصمد: أظن أبا عبد الله نائماً، فلما حول سفيان وجهه الناحية الثانية قال: أحسب ذلك أصلحك الله، فقال سفيان: لا تكذب لست بنائم، فقال عبد الصمد: يا أبا عبد الله! لك حاجة؟ قال: نعم، ثلاث حوائج: لا تعد إلي ثانيةً، ولا تشهد جنازتي، ولا تترحم علي، فانخذل عبد الصمد وقام، فلما خرج قال: والله لقد هممت ألا أخرج إلا ورأسه معي.
قال يوسف بن أسباط: قال سفيان: زينوا العلم والحديث بأنفسكم ولا تتزينوا به.
стр. 808
شيوخ سفيان الثوري ورواته وتلاميذه
عدد شيوخ سفيان الثوري ستمائة شيخ، كبارهم هم الذين حدثوه عن أبي هريرة وجرير بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عباس وأمثالهم، وقرأ الختم عرضاً على حمزة الزيات أحد القراء السبعة، وكان حمزة الزيات لا يشرب الماء من الكوفة خوفاً من أن يشرب الماء من بيت من علمه القرآن، فيكون بذلك قد أخذ أجراً على تعليم الناس القرآن.
وأما الرواة عن سفيان الثوري فذكر ابن الجوزي أنهم أكثر من عشرين ألفاً، ولكن هذا القول مردود على الإمام ابن الجوزي، قال الذهبي: وهذا مدفوع، فإن بلغوا ألفاً فبالجهد، قال: وما علمت أحداً من الحفاظ روى عنه عدد أكثر من مالك، فلقد بلغوا بالمجاهيل والكذابين ألفاً وأربعمائة شيخ.
قال يحيى بن أيوب العابد: حدثنا أبو المثنى قال: سمعت بمرو -مرو: بلد سيدنا عبد الله بن المبارك - رجلاً يقول: قد جاء الثوري قد جاء الثوري، فخرجت أنظر إليه فإذا هو غلام صغير قد دقل وجهه، قال الذهبي: كان ينوه بذكره في صغره من فرط ذكائه وقوة حفظه، ولقد حدث وهو شاب.
قال سفيان ﵀: ما استودعت قلبي شيئاً قط فخانني، أي: يحفظ ولا ينسى.
стр. 809
فضل الثوري ومنزلته عند مشايخه وأقرانه
أجل إسناد لأهل العراق: سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله.
قال شعبة بن الحجاج -وهو من شيوخ سفيان ومن أقرانه- وابن عيينة -وهو: سفيان بن عيينة الذي قال فيه الإمام الشافعي: لولا مالك وابن عيينة ضاع علم الحجاز- وأبو عاصم ويحيى بن معين وغيرهم: سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث.
وقال عبد الله بن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان.
وعن أيوب السختياني الذي نفع الله به سيدنا سفيان الثوري، وذلك أن الشيعة كادوا يجرونه إلى اعتقادهم الفاسد، فنفع الله بـ أيوب سفيان، قال: ما لقيت كوفياً أفضله على سفيان الثوري.
وقال يونس بن عبيد تلميذ الحسن البصري: ما رأيت أفضل من سفيان، فقيل له: قد رأيت سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاءً ومجاهداً وتقول هذا؟! قال: هو ما أقول، ما رأيت أفضل من سفيان.
وقال عبد الرحمن بن مهدي -وهو الإمام الذي كان يحضر مجلسه تسعون ألفاً معهم المحابر- قال: ما رأت عيناي مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث من سفيان الثوري، ولا أشد تقشفاً وزهداً من شعبة، ولا أعقل من مالك، ولا أنصح للأمة من عبد الله بن المبارك.
وهذا شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث يلقب بـ شعبة الخير، وكان يحدث عن الضخام، قالوا: يبس جلده على عظمه من شدة العبادة، وكنت إذا رأيته سجد قلت: قد مات يقول شعبة: سفيان أحفظ مني.
وقال رجل لـ شعبة: خالفك سفيان -في راو من الرواة- قال: دمغتني إذاً.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان وهيب بن الورد طبيب القلوب، كان يقدم سفيان الثوري في الحفظ على مالك بن أنس، الذي قال فيه الشافعي: إذا جاء الأثر فـ مالك النجم.
وقال يحيى القطان: ليس أحد أحب إلي من شعبة ولا يعدله أحد عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان.
وقال عباس الدوري: رأيت يحيى بن معين لا يقدم على سفيان أحداً في زمانه في الفقه والحديث والزهد وكل شيء.
وقال ابن مهدي: رأى أبو إسحاق السبيعي سفيان الثوري مقبلاً فقال: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢].
وعن أبي حنيفة قال: لو كان سفيان الثوري في التابعين لكان فيهم له شأن.
وقال أبو حنيفة: لو حضر علقمة والأسود -وهما من التابعين- لاحتاجا إلى سفيان.
وقال المثنى بن وضاح: سفيان عالم الأمة وعابدها.
وقال ابن أبي ذئب -سيد أهل المدينة-: ما رأيت أشبه بالتابعين من سفيان الثوري.
وقال شعبة: زاد سفيان على الناس بالورع والعلم.
وقال شعبة: سفيان أمير المؤمنين في الحديث.
وقال ابن عيينة: ما رأيت رجلاً أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري.
وقال ابن المبارك: ما نعت لي أحد فرأيته إلا وجدته دون نعته إلا سفيان الثوري.
وقال أحمد بن حنبل: قال لي ابن عيينة: لن ترى بعينيك مثل سفيان الثوري حتى تموت.
وقال عبد الله بن المبارك: ما أعلم على الأرض أعلم من سفيان.
وقال حفص بن غياث: ما أدركنا مثل سفيان، ولا أنفع من مجالسته.
وقال يحيى بن سعيد: سفيان أثبت من شعبة وأعلم بالرجال.
وقال الفضيل بن عياض: كان سفيان أعلم من أبي حنيفة.
وقال ابن راهويه شيخ الإمام الشافعي وشيخ الإمام البخاري: سمعت عبد الرحمن بن مهدي ذكر سفيان وشعبة ومالكاً وابن المبارك فقال: كان أعلمهم بالعلم سفيان.
وهذا بشر بن الحارث الحافي إمام الدنيا كلها في الزهد والورع، كان الإمام أحمد إذا سئل عن مسألة من مسائل الزهد قال: أتسألوني عن الزهد وفيكم بشر؟! وقال: لو تزوج بشر لكملت رياسته.
جاءت مرة أخت سيدنا بشر بن الحارث الحافي تسأل الإمام أحمد، تقول: يا إمام! أنين المريض شكوى؟ وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم قال: نرجو ألا يكون ذلك، ما سئلت عن مثل هذا السؤال من قبل، فلما حضر الإمام أحمد بن حنبل الموت عرف أن أنين المريض شكوى، فما أن ابن حنبل حتى مات، ولذلك من الأدب حينما تذهب إلى الطبيب تقول له بعد حمد الله : أشكو كذا وكذا، قالوا: الشكوى بعد الحمد ليست بشكوى.
فقال: ما سئلت عن مثل هذا السؤال من قبل، فقالت: يا إمام! إنا نغزل غزلنا على ضوء مصباح مشاعل الظاهرية، وكانوا قوم سوء ظلمة، فإذا انطفأ غزلناه على ضوء القمر، أنبينه للناس؟ قال: بينيه ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، فلما ذهبت قال الإمام أحمد لابنه عبد الله: اذهب يا بني! فاتبعها، فقال: دخلت بيت بشر، فقال: مثل هذه لا تكون إلا في بيت بشر، من بيتهم خرج الورع.
وكان بشر بن الحارث الحافي لا يشرب من السواقي التي حفرها أمراء الدولة العباسية في بغداد، وكان يشرب من مياه الآبار، ولما سئل عن ذلك قال: مع أن الماء في ذاته صالح للشرب إلا أن هذه السواقي حفرها أمراء ظلمة.
قال بشر بن الحارث: كان الثوري عندنا إمام الناس، وقال: سفيان في زمانه كـ أبي بكر وعمر في زمانهما.
وقال ورقاء: يا جماعة لم ير سفيان الثوري مثل نفسه.
وهذا شعيب بن حرب إمام حافظ من حفاظ السنة قال: إني لأحسب أنه يجاء غداً بـ سفيان حجة من الله على خلقه، يقول لهم: لم تدركوا نبيكم قد رأيتم سفيان، فقد كان سفيان يتمثل فيه علم النبوة.
وقال علي بن المديني: لا أعلم سفيان صحف في شيء قط، يعني: لم يكن يغلط في أسماء الرجال إلا في اسم امرأة أبي عبيدة بن الجراح، كان يقول: حفينة والصواب: بجيم: جفينة، فالمؤمن كيس فطن.
وروى أبو بكر المروزي تلميذ الإمام أحمد عن الإمام أحمد قال: أتدري من الإمام؟ الإمام سفيان الثوري لا يتقدمه أحد في قلبي.
يقول الإمام أحمد بن حنبل: روى عبد الله بن خبيب عن يوسف بن أسباط قال لي سفيان بعد العشاء: ناولني المطهرة أتوضأ، فناولته فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده فبقي مفكراً ونمت، ثم قمت وقت الفجر فإذا المطهرة في يده كما هي، فقلت له: هذا الفجر قد طلع، قال: لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الآخرة حتى الساعة.
وقال شعبة: إن سفيان ساد الناس بالورع والعلم.
وقال قبيصة: ما جلست مع سفيان مجلساً إلا ذكرت الموت، وما رأيت أحداً كان أكثر ذكراً للموت منه.
قال يوسف بن أسباط: سئل الثوري عن مسألة وهو يشتري شيئاً فقال: دعني فإن قلبي عند درهمي.
وقال سفيان: لأن أخلف عشرة آلاف درهم يحاسبني الله عليها أحب إلي من أن أحتاج إلى الناس.
وقال الثوري: كان المال فيما مضى يكره، أما اليوم فهو ترس المؤمن.
فهذه نصيحة غالية من إمام عظيم.
فالجزء الذي يطالبك به المولى هو الاعتقاد، فإذا عرفت الواجب عليك في الفقه وفي علم الحديث وقال لك أبوك: لا تحضر الدرس فلا تحضره، واقرأ كتاب بر الوالدين للإمام الطرطوشي، وهذه أمور لم يختلف فيها أهل العلم.
وهذا عبد الله بن المبارك كان تاجراً وكان يتاجر من أجل حفاظ الحديث، نعم المال الصالح للرجل الصالح، فلا بد من تنويع الكفاءات حتى تشمل احتياجات الأمة كلها.
جاء رجل إلى سفيان الثوري يشاوره في الحج، فقال: لا تصحب من يكرم عليك، إنك إن ساويته في النفقة أضر بك، وإن تفضل عليك استذل بك.
ونظر إليه رجل وفي يده دنانير فقال: يا أبا عبد الله! تمسك هذه الدنانير؟! قال: اسكت، فلولاها للتمندل بنا الملوك.
قال الذهبي: قلت: كان سفيان رأساً في الزهد والتقشف محبة لله والشوق إليه، يعني: رأساً في الحفظ ومعرفة الآثام، ورأساً في الفقه، لا يخاف في الله لومة لائم، من أئمة الدين وفيه
стр. 810
خطبة عيد الأضحى [١٤١٧ه ـ]
يجتمع الناس يوم الحج الأكبر فيذكرون نعمة الله عليهم وفضله أن جعلهم أمة واحدة، يدينون بدينه، ويتبعون كتابه وسنة نبيه ﷺ .
وشرع الله الأضحية في عيد الأضحى للمسلمين تأسياً بنبي الله إبراهيم، الذي صدق الله حين ابتلاه بذبح ولده، فكانت الأضحية سنة له ولمن بعده.
стр. 811
مشاهد النحر في الحج الأكبر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
قال رسول الله ﷺ : (ما تستقل الشمس فيبقى شيء من خلق الله إلا سبح الله بحمده، إلا ما كان من الشياطين وأغبياء بني آدم).
لبيك لبيك جد الركب وانطلقت جموعه والنشيد العذب يدفعه أصداؤه في فجاج الأرض صاخبة والبيد في رحبها نشوى ترجعه وفي الجوانح من وجد ومن وله ما جاش في النفس حتى صاب مترعه ما الصبح ما رقة الأنداء ضاحكة ما الزهر في الروض أذكاه وأضوعه أنقى وأجمل من ترداد تلبية ينجو بها محرم والكون يسمعه لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك ذا المعارج، لبيك ذا الفواضل، لبيك إله الحق لبيك، لبيك وسعديك، لبيك والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل، لبيك إنما العيش عيش الآخرة، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
يقول رسول الله ﷺ : (ما هل مهل قط، ولا كبر مكبر قط إلا وبشر، قيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: بالجنة)، وقال رسول الله ﷺ : (ما من ملب يلبي إلا ولبى ما عن يمينه من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من ههنا ومن ههنا)، فالكون كله يدين بالطاعة وبالولاء وبالسجود لله ﵎.
يسبحه النبات جمعه وفريده، والشجر عتيقه وجديده، وتمجده رهبان الأطيار في صوامع الأشجار، فيطرب السامع تمجيده، وكلما ذرف الهزار دف شكره، فالبلبل بالحمد يعيده، وكلما أقام خطيب الحمام النوح على منابر الدوح هيج المستهام تغريده، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت:١٩]، ينادى على باب عزته: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، ويصاح على محجة حجته: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤]، وينزل ناقوس علمه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧].
ويترنم منسم فضله: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]، ويقول جهبذ طوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، فكل موافق ومخالف يمشي وفق مشيئته، ويتقلب في قبضته، إليه إليه يا أهل الموت والفناء، إنه ليس أقدر من قادر طلبته بيده، وليس أعذب من مخلوق هو بيد طالبه، إليه إليه يا أهل الموت والفناء كيف تستمسكون عن عبادته ولا رب لكم غيره، ولا وارث لكم سواه؟! يا من تفنى آجالكم ممر الساعات، واختلاف الليل والنهار! عودوا إلى مولاكم في هذا اليوم الذي أقسم الله بفجره فقال: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢] قال ابن عباس: هو فجر يوم النحر، ويوم النحر كما قال رسول الله ﷺ : (أعظم الأيام عند الله يوم النحر).
стр. 812
عودة إلى الماضي المجيد لتذكر أجدادنا
يقول رسول الله ﷺ : (إن الله ﵎ يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها) فأين نحن يا إخوتاه من هذه الأمة التي أراد الله ﵎ لها قيادة البشرية، نحن أمة الصديق، فأين نحن من الصديق الذي سبق -والله- سبقاً بعيداً؟ تقول عنه عائشة: أبي وما أبي! أبي والله لا يعطوه الأبد.
ويقول علي بن المديني: إن الله ﵎ أعز الإسلام برجلين لا ثالث لهما: أبي بكر يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة.
ويقول ابن مسعود: رضي الله عن أبي بكر لو أطاعنا أبو بكر -أي: في يوم الردة- لكفرنا، قام بأمر الله كله، وقام بدين الله كله.
هذا أبو بكر حالب الشياه للعجائز، والعاجن بيديه خبز الأيتام.
نحن من أمة عمر، هذه النفس الأبية العظيمة، فقد فتحت الفتوحات العظيمة على يده، وما أدراك ما عمر.
فيا عمر الفاروق هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر جنودك في سيناء حطوا رحالهم وجندك في حطين صلوا وكبروا وتبكيك من شوق مآذن مكة وتبكيك بدر يا حبيبي وخيبر نحن من أمة عثمان ذي النورين الذي كانت الفتوح في عصره كالماء المنهمر، ومن أمة معاذ بن جبل مقدام العلماء، فعمره يوم مات أربع وثلاثون أو ثمان وعشرون سنة على الرواية الثانية، وهو يسبق العلماء برتوة يوم القيامة.
نحن من أمة أبي عبيدة فاتح القدس، وما أدراك ما أبو عبيدة، صاحب اليرموك، سلوا عنه سهول اليرموك تعلمكم من هو أبو عبيدة أمين هذه الأمة.
نحن من أمة خالد الذي قال عنه أبو بكر: والله لأذهبن وساوس الروم بسيف خالد، نحن من أمة خالد الذي قال له رسول ملك الروم: ارجعوا معاشر العرب وسنعطي لكم الحنطة والشعير، فقال: نحن قوم نحب شرب الدماء، وقد بلغنا أن دماء الروم من أحلى الدماء مذاقاً، فلا نعود إلا بشرب دمائكم.
نحن من أمة أسامة بن زيد الذي دوخ الجيوش وهو ابن عشرين سنة.
ونحن من أمة مصعب بن عمير ذلك الشاب جبل الرحمة فاتح المدينة بالقرآن.
ونحن من أمة محمد بن القاسم الثقفي فاتح السند والهند وعمره سبعة عشر عاماً.
ونحن من أمة محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية وهو ابن اثنتين وعشرين سنة ونصف.
ونحن من أمة البخاري الذي كتب التاريخ الكبير وهو ابن ثمان عشرة سنة.
ونحن من أمة ابن تيمية الذي أسلم على يديه يهودي وهو مازال صبياً يذهب إلى الكتاب.
ونحن من أمة هارون الرشيد الذي كتب إلى نقفور امبراطور الروم: من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، يا ابن الكافرة! الجواب ما ترى دون ما تسمع.
ومن أمتنا خرج المعتصم.
رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم صادفت أسماعنا لكنها لم تصادف نخوة المعتصم نحن من أمة محمود بن سبكتكين فاتح خراسان والهند سنة ٤١٨هـ، ونحن من أمة ألب أرسلان الذي واجه الروم وكان معه عشرون ألف مقاتل، ثم خرج بكفنه، وخرج الجيش كلهم بأكفانهم، وما هي إلا ساعة حتى كان النصر للمسلمين، ووقع أرامنوس في قبضة المسلمين.
يقول ابن النحاس: ونودي على أرامنوس! من يشتري؟! فقال أحد الجنود: لا أشتري الكلب إلا بكلب، فقال ألب أرسلان: أعطوه الكلب، فإن الكلب خير منه، ثم ربطوا عنقه بعنق الكلب، فلما وصل إلى روما سملوا عينيه.
كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا ومن هذه الأمة خرج نور الدين محمود زنكي، فعندما حاصر الفرنجة دمياط أراد أحد طلبة الحديث أن يروي حديثاً عن التبسم، وأرادوا من نور الدين محمود زنكي أن يتبسم، فقال: كيف أبتسم والمسلمون محاصرون؟! نحن من هذه الأمة التي أخرجت صلاح الدين الأيوبي الذي دوخ جيوش الفرنجة ونحن من هذه الأمة التي أخرجت الظاهر بيبرس لما أراد ملك عكا أن يستعرض جيشه أمام رسول بيبرس قال له الرسول: إن أسرى الفرنجة عند بيبرس أكثر من جيشك.
ونحن من أمة سليمان القانوني السلطان العثماني فاتح بلغراد ورودس وبلاد المجر، فأين نحن من هذه الأمة، أين نحن من هذه الأمة؟! قال الشاعر: فيا فلسطين من يهديك أفئدةً ومن يعيد لك البيت الذي خربا تلفتي تجدينا في مبادئنا من يعبد الجنس أو من يعبد الذهبا أنا قبيلة آلام بأكملها ومن دموعي سقيت المزن والسحبا يا من يعاتب مذبوحاً على دمه ونفس شريانه ما أسهل العتبى من جرب الكي لا ينسى مواجعه ومن رأى السم لا يشقى كمن شربا يا شام أين هما عينا معاوية وأين من زاحموا بالمنكب الشهبا فقبر خالد في حمص يلامسه فيرجف القبر من زواره غضبا فرب حي تراب القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصبا يا ابن الوليد ألا سيف نؤجره فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا أضنت سياط حزيران ظهورهم فأدمنوها وباسوا كف من ضربا وطالعوا كتب التاريخ واقتنعوا متى البنادق كانت تسكن الكتبا وقال الشاعر: بيروت في اليم ماتت قدسنا انتحرت ونحن في العار نسقي وحلنا طينا أي الحكايا ستروى عارنا جلل نحن الهوان وذل القدس يكفينا القدس في القيد تبكي من فوارسها دمع المنابر يشكو للمصلينا قم من ترابك يا ابن العاص في دمنا ثأر طويل لهيب العار يكوينا قم يا بلال وأذن صمتنا عدم كل الذي كان طهراً لم يعد فينا هل من صلاح يعيد السيف في يدنا أو كسروها فقد شلت أيادينا هل من صلاح لشعب هده أمل ما زال رغم عناد الجرح يشفينا جرحي عنيد وجرحي أنت يا وطني جئنا نداويك تأبى أن تداوينا إني أرى القدس في عينيك ساجدة تبكي عليك وأنت الآن تبكينا ما زال في العين طيف القدس يجمعنا لا الحلم مات ولا الأحزان تنسينا أين السودان والأئمة الذين يذبحون في شرق السودان؟ وأين ليبيا؟ وأين المجاعة في الصومال؟ وأين المسجد الأقصى؟ وأين البوسنة والهرسك؟ وأين بلاد المسلمين؟! متى يفيق النائمون؟! شهداؤنا بين المقابر يهمسون والله إنا قادمون في الأرض ترتفع الأيادي تنبت الأصوات في صمت السكون والله إنا راجعون تتساقط الأحجار يرتفع الغبار وتضيء كالشمس العيون والله إنا عائدون شهداؤنا خرجوا من الأكفان وانتفضوا صفوفاً ثم راحوا يصرخون عار عليكم أيها المستسلمون! وطن يباع وأمة تنساق قطعاناً وأنتم نائمون! شهداؤنا فوق المنابر يخطبون قاموا إلى لبنان صلوا في مساجدها وزاروا المسجد الأقصى وطافوا في رحاب القدس واقتحموا السجون في كل شبر من ثرى الوطن المكبل ينبتون من كل أرض من كل ركن من ربوع الأمة الثكلى أراهم يخرجون شهداؤنا وسط المجازر يصرخون: الله أكبر منك يا زمن الجنون الله أكبر منك يا زمن الجنون الله أكبر منك يا زمن الجنون شهداؤنا يتقدمون أصواتهم تعلو على أسوار بيروت الحزينة في الشوارع في المفارق يهدرون إني أراهم في الظلام يحاربون رغم انتصار الضوء في الوطن المكبل بالمهانة والذمامة والمجون.
والله إنا عائدون أكفاننا ستضيء يوماً في رحاب القدس سوف تعود تقتحم المعاقل والحصون شهداؤنا في كل شبر يصرخون: يا أيها المتنطعون كيف ارتضيتم أن ينام الذئب في وسط القطيع وتأمنون؟! وطن بأرض الكون يعرض في المزاد وطغمة البلدان في الوطن الجريح يتاجرون أحياؤنا الموتى على الشاشات في صخب النهاية يذكرون من أذهب الوطن العريق وكبل الأحلام في كل العيون؟ يا أيها المتشرذمون! سنخلص الموتى من الأحياء من سفه العميل العابث المجنون.
والله إنا قادمون شهداؤنا في كل شبر في البلاد يزمجرون جاءوا صفوفاً يسألون يا أيها الأحياء ماذا تفعلون؟! في كل يوم كالقطيع على المذابح تصلبون تتسربون على جناح الليل كالفئران سراً للذئاب تهرولون وتطوف أعينكم على الدولار فوق ربوعه الخضراء يبكي الساجدون صور على الشاشات والناس من ألم الفجيعة يضحكون في صورتين تباع أوطان وتسقط أمة ورءوسكم تحت النعال وتركعون في صورتين تسلم القدس العريقة للذئاب ويسكر المتآمرون شهداؤنا في كل شبر يصرخون بيروت تسبح في الدماء وفوقها التابوت يهذو في جنون بيروت تسألكم: أليس لأرضها حق عليكم؟ أين فر الرافضون؟ وأين غاب البائعون؟ وأين راح الهاربون الصامتون الغافلون الكاذبون؟ صمتوا جميعاً والرصاص الآن يخترق العيون وإذا سألت سمعتهم يتصايحون.
هذا الزمان زمانهم في كل شبر في الورى يتحكمون.
لا تسرعوا في موكب البيع الرخيص فإنكم في كل شيء خاسرون لن يترك الطوفان شيئاً كلكم في اليم يوماً غارقون تجرون خلف الموت والنخاس يجري خلفكم وغداً بأسواق النخاسة تعرضون لن يرحم التاريخ يوماً من يفرط أو يخون كهاننا يترنحون فوق الكراسي هائمون متى يفيق النائمون؟ متى يفيق النائمون؟ يا إخوتاه! كل يوم لا يعصى الله فيه فهو يوم عيد، والعاقل يفرح لسيده ومولاه، والغافل يفرح بلهوه وشيطانه وهواه.
ليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن طاعاته تزيد.
بك يا الله نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، وإلى جنابك نقترب فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا.
رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أواهين مخبتين منيبين، تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشداً يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
اللهم ائذن لشريعتك أن تحكم الأرض وأن تسود، اللهم ائذن لشريع
стр. 813
ذكر ما جاء في خطبة الوداع ونحر الهدي
في حجة الوداع يقول الرسول ﷺ : (أيها الناس! إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا) ويقول رسول الله ﷺ : (لا يزال المرء معنقاً صالحاً ما لم يصب دماً حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً بلح) يعني: عطب أمره.
ويقول رسول الله ﷺ : (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق)، ويقول رسول الله ﷺ : (لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم امرئ مسلم لكبهم الله على وجوههم في النار).
ولما أمسك رسول الله ﷺ بالمدية لينحر الهدي في حجة الوداع، تسابقت الإبل والنوق بين يديه أيها ينحر أولاً بين يديه، وكأن الموت بين يديه حياة، فالإبل تسارع بين يدي رسول الله لتنال شرف الذبح بين يديه ﷺ ، هذا هو شوق العجماوات إلى رسول الله ﷺ ، فأين شوقكم إلى سنة رسول الله ﷺ ؟!
стр. 814
دعوة إلى حمل هموم المسلمين والعودة إلى الدين
نبي الله إبراهيم يرفع بيت الرحمن ويقول: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧].
وكان وهيب بن الورد إذا قرأ هذه الآية يقول: وأنت يا خليل الرحمن وأنت ترفع بيت الرحمن تقول: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم! والخليل الثاني الذي ننتسب إليه رسولنا وحبيبنا وعظيمنا، رسول الله ﷺ ، فهل صحت نسبتنا إلى رسول الله ﷺ ؟ وهل هاجرنا إلى الله ، وإلى رسوله اتباعاً وتمسكاً بهديه واقتفاءً لأثره؟ يقول رسول الله ﷺ : (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)، ويقول رسول الله ﷺ لـ عمر: (أمتهوكون أنتم بعدي يا عمر؟ أمتحيرون أنتم بعدي يا عمر؟! والله لقد جئتكم بها بيضاء نقية، والله لو كان موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا اتباعي).
نسينا في ودادك كل غال فأنت الآن أغلى ما لدينا نلام على محبتكم ويكفي لنا شرف نلام وما علينا ولما نلقكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا تسلى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا هذا هو الدين الذي يجمعنا، والآصرة التي تجمعنا آصرة العقيدة.
إن يختلف ماء الغمام فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد أو يختلف نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد فهل أقمنا الدين مقام الوالد؟!! سلوا كل صقع في الأرض، سلوا كل مشرد وكل أقلية مسلمة تذبح، سلوا البطون التي تبقر، سلوا اليتامى في فجاج الأرض، سلوا الدماء التي تباع رخيصة؟ سيكون جوابها: يا من تنهش في أحشائي يا من مني يا من جزءاً من أجزائي يا من تبدو للجهال كأنك دائي إني أعلم أنك حتماً فيك شفائي قل لي: هل يأتيك ندائي؟ إنك مني أنت كأني لست أرائي أنت كأني حين شقائي حين جهلت طريق إلهي من عند الألف إلى الياء حين تصورت الدنيا حسي وغذائي وكسائي لكنك دوماً تطعنني من خلفي وفي كعب حذائي حين أراك تقوم بهذا يغرقني خجلي وحيائي ووشاة القوم إذا بانوا تصل الطعنة في أحشائي قل لي: هل يأتيك ندائي؟ ابغ العزة عند إلهك ليس العز دمي وبكائي وغداً من قواك يميتك إن أنت أهملت ندائي
стр. 815
فضل خليل الرحمن إبراهيم
تعود بنا الذكريات إلى عصر أبطال في التاريخ، إلى أبي الأنبياء، إلى خليل الرحمن إبراهيم، الذي قال فيه ابن عباس: ما قام بدين الله كله إلا إبراهيم ﵇، قدم جسمه للنيران، وماله للضيفان، وولده للقربان، ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧]، فقام بأمر الله كله، وقال فيه رسول الله ﷺ : (نحن أولى بالشك من إبراهيم).
قام أمر إبراهيم كله على اليقين، ما قام بأمر الله كله إلا إبراهيم، وانظروا إلى الكون في عهد إبراهيم وإلى الأرض وهي تموج بالكفر وتضطرب إلا هو وزوجه وابن أخيه، سبحان الله! أي غربة فوق هذه الغربة، إبراهيم وابن أخيه وزوجه فقط، وكل من على الأرض بعد ذلك كافر.
جمعوه في النيران ويقول رءوس الكفر كلمتهم، ويقول الله كلمته، قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٨ - ٦٩]، فانظر ما الفرق بين كلمة وكلمة: كلمة تذهب أدراج الرياح إلى مزابل التاريخ، وكلمة أخرى تنشر بها عوالم وتخلق بها نواميس، ويحق الله الحق بكلماته.
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، تتلقاه الملائكة وهو يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.
ويطارد إبراهيم ويهاجم، إبراهيم ﵇ المقطوع من الولد والأهل والعشيرة، الشيخ الطاعن في السن، يرزقه الله ﵎ الولد وهو في شيخوخته بعد أن دعا الله ﵎: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠].
إبراهيم -وكله أدب مع الله يقول مثنياً على ربه: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠] ولم يقل: وإذا أمرضني، وإنما قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، فنسب إرادة المرض إلى نفسه؛ أدباً مع الله .
إبراهيم الذي رزق كمال الأدب مع الله ، المتواضع في عظم النبوة وجلالها يقول: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء:٨٣]، ويقول: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢].
стр. 816
أمر إبراهيم بأخذ زوجه هاجر وابنه إلى مكة
يرزق إبراهيم بغلام حليم نجيب شهد الله ﵎ له بالنجابة من صغره، فيأمره الله أن يذهب بزوجته وبولده إلى جبال صالان موضع مكة الآن، حيث الصحارى التي تتلظى ناراً ووهجاً، فيستجيب لأمر الله ويرضى به، تقول له زوجه: يا إبراهيم! إلى من تتركنا في مثل هذا المكان القفر؟! آلله أمرك بهذا؟! يقول: نعم، تقول: إذاً: فلن يضيعنا.
فأي مكانة للتوكل أعظم من هذه! موقف لامرأة عظيمة مصرية يعجز عن مثله رجال الدنيا، إن أراد الناس أن يفتخروا وإن أراد المصريون أن يفتخروا فليفتخروا بأم إسماعيل هاجر، لا يفتخرون بأقباط وفراعنة قدماء كفرة لا شأن لهم عند الله في ميزان الأرض ولا في ميزان السماء، هناك امرأة لها رسالة دكتوراة في التاريخ الإسلامي تثبت أن أم إسماعيل كانت بنتاً لفرعون مصر، وقد أهداها لخليل الرحمن إبراهيم، وهو مع كفره يقول لإبراهيم: نعم الرب ربك يا إبراهيم.
أم إسماعيل تقول: إذاً: فلن يضيعنا الله، ويذهب إبراهيم تاركاً لها ولولده، ثم بعد هذا يأتيها جبريل حينما يتلبط وهي تهرول ما بين الصفا والمروة باحثة عن الماء لرضيعها الذي يتلبط جوعاً، وهنا يتبدى لها جبريل، وفي رواية صحيحة يقول لها: من أنت؟ تقول: أنا أم إسماعيل وزوج إبراهيم.
يقول: إلى من وكلكما؟ تقول: إلى الله، وهي لا ترى أمامها إلا رمال الصحراء، يقول: وكلكما إلى خير كافل، لا تخشي الضيعة، إن الله لا يضيع أهله، فإن كان الله لا يضيع أهله فهل يضيع دينه.
ويزعم أنه منا قريب وأنا لا نضيع من أتانا ويسألنا على الإقتار جوداً كأنا لا نراه ولا يرانا وقال الآخر: لا تدبر لك أمراً فأولي التدبير هلكى سلم الأمر تجدنا نحن أولى بك منكا فيحفظها من يحفظ موسى في ثبج البحر، ومن حفظ إبراهيم في لجج النيران، سبحان من جعل من ثبج البحر وموجه لموسى مستراحاً ومأمناً ومناماً، يحفظها من يحفظ يونس وهو في بطن الحوت: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
فهذه خطوات لامرأة ملؤها الصدق يجعلها الله ركناً من أركان الحج كما يقول جمهور أهل العلم، هذا ما أوصتكموه أم إسماعيل يا بني ماء السماء، خطواتها بصدقها أصبحت ركناً من أركان الحج.
إن الله لا يضيع أهله، فالدرس الأول في هذا اليوم هو درس اليقين لأم إسماعيل ولإسماعيل ولإبراهيم ﵈.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧] إن المرأة إذا خافت على وليدها ضمته إلى صدرها، فما بال الله يلهم أم موسى أن تلقيه إلى ثبج البحر؟! حتى يصل إلى عدوه فرعون الذي كان يرسل الآلاف المؤلفة بحثاً عن طفل رضيع، فيذهب إليه الطفل دون حراسة؛ ليمضي أمر الله ، انظر كم قتل فرعون من أجل لقيا موسى، ولسان القدر يقول له: لا نربيه إلا في حجرك.
فمن وجد الله فماذا فقد؟ ومن فقد الله فماذا وجد؟!! وتتعدد صنوف الابتلاء لإبراهيم، فبعد أن يشب غلامه يأمره الله في رؤيا منامية -ورؤيا الأنبياء وحي- بذبح ولده، ولم يقل له: أرسله إلى فلان ليذبحه، أو أرسله إلى مكان تعلم أنه سيهلك فيه، ولكن باشر أنت بنفسك عملية الذبح لولدك البكر؛ ليعظم البلاء.
стр. 817
ذكر ما جاء من ابتلاء الله لإبراهيم ونجاح إبراهيم فيه
يقول ابن القيم: إن الله ﵎ يغار على قلب خليله إبراهيم، والخليل هو الذي لم يبق في قلبه شيء لغير ربه حتى من العواطف الفطرية، فسيدنا نوح قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥]، ولكن الله في شأن إبراهيم يريد ألا يسكن قلب إبراهيم إلى غيره ولو كانت عاطفة البنوة، فرجل كبير طاعن في السن يؤتى الغلام على الكبر شيء طبيعي أن تنجذب شعبة من قلبه إلى حب ابنه، ولكن الله يغار على قلب خليله، فلا يريد لقلب خليله أن ينصرف إلى غيره حتى ولو شعبة يسيرة تتفلت إلى إسماعيل.
فيأمره الله برؤيا منامية ليست وحياً صريحاً وإنما هي منام، فلو كان غيره لتلكأ وقال: أنتظر حتى يأتيني الأمر الصريح، وأنتظر حتى أرى ذلك في اليقظة، ولكن خليل الرحمن الذي أتى ربه بقلب سليم هو شيء آخر عند الله؛ لأن مقام الخلة لم يصل إليه من البشر إلا رسول الله ﷺ وإبراهيم ﵇، (إن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً).
فأمره الله ﵎ بذبح ولده: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، فلم يرد أن يتخلص من الضغط النفسي الذي هو فيه بأن يذبح الغلام، ثم بعد ذلك يتجرع مرارة الألم والندم، ولكن جمال الطاعة وقوة الإيمان ونبل التسليم لأمر الله ﵎ والرضا به أتى من منارة التوحيد، فالحادث الفريد العظيم الكريم الذي لم يسمح بمثله التاريخ أتى به إبراهيم.
قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] خليل الرحمن إبراهيم يريد أن يرتفع بابنه إلى كمال التسليم لأمر الله ﵎ ﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ﴾ [الصافات:١٠٢] وشبح السكين على رقبته، ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] لم يقل: ستجدني من الصابرين، وإنما من أدب النبوة: ستجدني إن شاء الله من الصابرين.
ومن أراد الله ﵎ له الثبات والصبر فسيثبت، ولو وكلك الله إلى نفسك فثم الخذلان والضياع.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات:١٠٣] أسلما الأمر كله لله ، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٣ - ١٠٥] نجزي المحسنين بأن نرفع قلوبهم إلى مستوى الوفاء لله ، ونرفع قلوبهم إلى مستوى الصبر لأمر الله ، ونجزي المحسنين بالسلام عليهم في الدنيا قبل الآخرة، سلام مسجل في الوجود، ويسطر في كتاب الله : ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:١٠٨ - ١٠٩].
انظر يا أخي! قال رسول الله ﷺ : (من أراد أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده)، فالإنسان منا بمجرد أن يكون له ولد قد يترك أمر الدعوة كلها، فإن الولد مجبنة مبخلة، ولكن سيدنا إبراهيم جاد بولده الوحيد لله ، فماذا كان الأمر؟ أعطاه الله ﵎ إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فقد بشره الله بحفيده يتمتع برؤيته في حياته، ويسميه الله : يعقوب، يعني: سيكون له عقب وذرية ونسل، بل ويجعل الله في ذريتهما النبوة والكتاب؛ لأنه ضحى بولد واحد لله ، فأعطاه الله ﵎ إسحاق وابن إسحاق يعقوب الذي سيمتد عقبه في التاريخ، وجعل النبوة والكتاب في بيت إبراهيم، قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧]، فقد بلغ إبراهيم كل اليقين، وهذا هو أصلكم الضارب في التاريخ يا من تنتمون إلى ملة إبراهيم، فهل صح انتماؤكم إلى إبراهيم؟!
стр. 818
رمضان ورهبان الليل
قيام الليل أفضل صلاة التطوع، وهو مدرسة يتعلم فيها المؤمن الإخلاص لله تعالى، وهو دأب الصالحين قبلنا، وقربة منا إلى ربنا، ومنهاة عن الإثم، ومكفرة للسيئات، ولقد حافظ النبي ﷺ وصحابته الكرام والصالحون الصادقون على قيام الليل، فهو شرف المؤمن وعزه.
стр. 819
فضل قيام الليل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
ثم أما بعد: قال رسول الله ﷺ : (افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده).
وقال ﷺ : (إن لله في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها، فلعل أحدكم من تصيبه نفحة من رحمة الله لا يشقى بعدها أبداً)، وأطيب النفحات وأعطرها وأنفحها نفحات رمضان.
الخير باد فيك والإحسان والذكر والقرآن يا رمضانُ والليل فيك نسائم هفهافة حنت لطيب عبيرها الرهبان رمضان شهر الإخلاص والصيام وصلاة التراويح والتهجد، قال الله ﵎ في محكم آياته، وهو أصدق القائلين: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧].
قال الإمام ابن القيم: أخفوا لله العمل فأخفى الله لهم الجزاء، فلا تعلم نفس ملك مقرب ولا نبي مرسل ما أعد الله لهم من الجزاء.
قال ابن عباس: من التفسير الذي لا يحيط به أحد تفسير هذه الآية: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] أي: عند الله الجزاء الأوفر، فلا تعلم نفس ما أعد الله للمتهجدين.
وفي حديث المغيرة بن شعبة: (أن موسى سأل ربه عن أعلى أهل الجنة منزلة؟ قال: أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي، فلم ترَ عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، ثم تلا النبي ﷺ : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]).
وقال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨]، وقال تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٦].
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا * إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٦ - ٢٧].
قال الإمام الشنقيطي: يستعان على طول الوقوف يوم القيامة بطول التهجد بنص هذه الآيات.
وقال الله ﵎: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]، قال ابن مسعود: إذا فرغت من الفريضة فانصب لصلاة الليل.
قال ثابت البناني: من أراد أن يدخل إلى سيده فليدخل من باب الاستقامة، وبابها المحراب، وأي دعوة تريد أن تستقيم إلى الله لابد أن يأخذ أصحابها بحظ وافر من الصلاة، فلا يسمى العابد عابداً، ولو كان فيه كل خصلة من خصال الخير، حتى تكون فيها هاتان الخصلتان، لأنهما تأخذان من لحمه ودمه، ولو كان شيء أعز من الصلاة لما قال الله : ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران:٣٩].
وقال أيضاً: الصلاة خدمة الله في الأرض، فمن علم من يخدم، ولِمَ يخدم فليخدم، وليطل الخدمة لمولاه.
وقال أيضاً: كابدت قيام الليل عشرين سنة، واستمتعت به عشرين سنة.
ويوجه الله المؤمنين إلى الصلاة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]، والصبر يكون على طول الطريق الشائك، وعلى قلة الناصر، وعلى انتشار الباطل: وهو أن ترى الشر فاشياً، والخير ضاوياً، ولا شعاع في الأفق، ولا معلم في الطريق، وهنا قد يضعف الصبر، فيمد الله الصبر بالصلاة؛ لأنها انطلاقة من حدود الأرض إلى كون الله، وصلة بالله تعالى، وجلاء الروح، ومدد القلب، وزاد الطريق.
إن الله الذي خلق القلوب، وهو العليم بما يصلحها، وجه رسولنا في بداية الدعوة إلى قيام الليل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢].
قالت السيدة عائشة ﵂: فقام رسول الله ﷺ ، وقام الصحابة اثني عشر شهراً، وأمسك الله خاتمة سورة المزمل في السماء حتى انتفخت سوقهم وأرجلهم، فلما علم الله صدقهم نزل التخفيف في نهاية السورة: ((إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ)) أي: علم أن لن تطيقوا قيام الليل بأكمله، ثم قال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠].
والصلاة خدمة الله في الأرض، ومدرسة الإخلاص، قال قتادة: كان يقال: قلما سهر الليل منافق، والدعوة إلى الله تحتاج إلى المخلصين الذين لا يبالون بمدح الناس ولا بذمهم، يريدون وجه الله لا يبتغون الجاه عند الناس ولا المنزلة، ولا يهربون من ذم الناس لهم، فالصادق لا يبالي بالخلق ولو خرجت كل محبة له من قلوب الخلق في سبيل أن يصلح ما بينه وبين مولاه.
стр. 820
حال الصالحين مع قيام الليل
فهؤلاء أخفوا لله العمل في ظلمات الليالي فملأ الله قلوبهم إخلاصاً ويقيناً، قال محمد بن أعين عن عبد الله بن المبارك: كنت مصاحباً له في أسفاره، فبينا نحن في أرض الروم ذات ليلة إذ أوهمني أنه ينام، فأوهمته أني أريد أن أنام أيضاً، فلما ظن أني قد نمت قام إلى صلاته، فما زال يصلي إلى الفجر، فلما كان عند الفجر أيقظني وقال: يا محمد! الصبح، فقلت له: إني لم أنم، فلما علم أني قد علمت بحاله، ظهر الغضب في وجهه، ولم يزل مجافياً لي إلى أن مات ﵀.
وأيوب السختياني كان يصلي معظم الليل، فإذا كان قبل الفجر أظهر الصوت والصياح، وكأنه قد قام من ساعته تلك.
ومنصور بن المعتمر: كان إذا أتى لصلاة الصبح أظهر النشاط لإخوانه، وكأنه لم يقم الليل وقد قام الليل كله أو معظمه.
ولذلك يقول النبي ﷺ : (أفضل الصلاة عند الله صلاة داود، وأفضل الصيام عند الله صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان ينام نصف الليل، ثم يقوم ثلثه، ثم ينام سدسه)، وهذا الأكمل والأفضل في صلاة الليل: أن تنام نصف الليل، ثم تقوم الثلث، ثم تنام السدس قبل صلاة الفجر، وهذا هدي النبي ﷺ .
قالت السيدة عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : (ما ألفاه السحر الأعلى إلا نائماً في بيتي)، وتقول أيضاً كما رواه البخاري: (كان يقوم إذا سمع الصارخ: الديك)، والثلث الأخير من الليل هو وقت التنزل الإلهي.
وكان نبي الله داود ﵊ ينام قبيل الفجر -السدس الأخير من الليل-؛ لأن الرجل إذا صلى طيلة الليل، وخرج إلى الناس في الصباح علت وجهه صفرة القيام، فعلم الناس بحاله، وأما إذا نام قبيل الفجر قليلاً فإن النوم يذهب صفرة الوجه، ويكون هذا أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء.
فصلاة الليل مدرسة الإخلاص، وباب التزكية الأعظم، فمن كان لهم قدر من الليل مع مولاهم فلابد أن تزكى نفوسهم وجوارحهم.
والربيع بن خثيم ﵀ تلميذ عبد الله بن مسعود قالت له ابنته يوماً: يا أبت! ما لي أرى الناس ينامون ولا تنام؟ فيقول لها: إن أباك يخشى البيات، أي: يخشى هجوم عذاب الله في الليل.
وقالت له أمه: يا بني! والله لو علم أهل القتيل ما تلاقي بسبب قتيلهم لرحموك من كثرة البكاء، فيقول: قتلت أعز الأنفس عندي، قتلت نفسي بالمعاصي.
والربيع بن خثيم هذا الأواب المتهجد اشترى فرساً بثلاثين ألف درهم ليغزو عليها، وذهب غلامه يسار ليحتش وقام هو إلى صلاته من الليل، فلما أتى الغلام لم يجد الفرس، فقال: يا سيدي أين الفرس؟ قال: سرقت، قال: سرقت وأنت تنظر إليها؟ قال: ما كان شيء يشغلني عن الصلاة، ثم رفع يده إلى السماء وقال: اللهم إنه سرقني ولم أكن لأسرقه، اللهم إن كان غنياً فاهده، وإن كان فقيراً فاغنه.
فدعا لسارقه ولظالمه بأن يهده الله إلى الجنة.
لا تعرضن لذكرنا مع ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد وقيام الليل عنوان لعلو الهمة، يقول النبي ﷺ : (عجب ربك من رجلين: رجل ثار -يعني: نهض بهمة- عن لحافه ووطائه من بين حبه وأهله، ولو شاء أن يرقد لرقد)، فهذا ممن يباهي الله ﵎ به الملائكة، ويقول: (عبدي يذر شهوته لأجلي، أشهدكم أني قد غفرت له).
وأبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب كان له سوط يعلقه في المسجد، فإذا كسل عن القيام ضرب رجله بالسوط ويقول لها: قومي يا مأوى كل سوء، أيظن أصحاب محمد ﷺ أن يسبقونا عليه، والله لأزاحمنهم عليه حتى يعلموا أنهم خلفوا بعدهم رجالاً.
إنما قالوا التهجد فيه أسرار عجيبة في فؤاد المتعبد طعم أذواق غريبة وإذا طال التهجد هبت الريح الرطيبة وأذان من بلال ادخلوها آمنينا فاز من قام الليالي بصلاة الخاشعينا قم حبيبي قم حبيبي قم فإن الديك صاح والثريا للمغيبِ أوشكت والصبح لاح والكسالى في عقال أصبحوا متخبطين فاز من قام الليالي بصلاة الخاشعين عقد الشيطان عقداً ثم في الآذان بالا ثم قال ارقد وشد فعليك الليل طالا فاغسل الماعون عدًّا من ولوغ الكلب حالا ثم أطلق للشكال أطلق الله اليمين فاز من قام الليالي بصلاة الخاشعين والجهاد في الإسلام يسقى بدمع التهجد، وما عرف الإسلام رجاله إلا كذلك: في الليل رهبان وعند جهادهم لعدوهم من أشجع الشجعان من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح أي: من خان الصلاة ولم يكن له قسط منها في الليل، خان الجهاد.
وقد تناوب سيدنا عباد بن بشر ﵁ في غزوة (ذات الرقاع) هو وعمار بن ياسر ﵁ في حراسة جيش المسلمين، وكانت النوبة على عباد بن بشر، وكان المسلمون قد أصابوا دماً لأحد المشركين، فأقسم ألا يمس جنبه الأرض حتى يصيب من المسلمين مقتلاً.
فأقبل عباد على صلاة الليل، وأتى الرجل إلى قرب من معسكر المسلمين فرأى عباداً قائماً فضربه بالسهم من الخلف، فنزع السهم وأقبل على صلاته، فضربه بالسهم الثاني فنزعه وأقبل على صلاته، ثم ضربه بالسهم الثالث، فلما استيقظ عمار ولى الرجل هارباً، فعاتب عمار ﵁ عباد بن بشر ﵁ وقال له: يرحمك الله! ما الذي منعك من أن توقظني، قال: إني كنت أقرأ سورة فكرهت أن أقطعها.
وتأخرت السيدة عائشة ﵂ ذات ليلة على النبي ﷺ فقال لها: (ما حبسك عنا يا عائشة! قالت: رجل حسن الصوت يتهجد بكلام الله ، فخرج فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة يصلي وكان حسن القراءة، فقال النبي ﷺ : الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك).
ولما كان يوم اليمامة وانكشف صف المسلمين أمسك سالم براية المسلمين، فقالوا: يا سالم إنا نخشى أن نؤتى من قبلك، قال: بئس حامل القرآن إذاً أنا، وأمسك بيمينه فقطعت يمينه، ثم أمسك الراية بيساره، فقطعت يساره، فضم اللواء إلى عضديه وهو يتلو قول الله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦].
وأسلمت هند زوج أبي سفيان في صبيحة يوم الفتح، وقد حرشت قومها على قتل زوجها أبي سفيان في يوم الفتح، وقالت: اقتلوا هذا الخريت الذي يقول: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، فقال: قد كنت أراك تكرهين الرجل فما الذي أدخلك في الإسلام؟ قالت: والله! ما رأيت الله عبد قبل اليوم في هذا البيت، يعني: ما رأيت الله عبد إلا في ليلة الفتح، لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يراوحون بين ركبهم وجباههم تهجداً لله .
فنور القيام أثر في قلب آكلة الأكباد، حتى أسلمت ودخلت في دين الله .
يقول النبي ﷺ : (أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل).
وقال ﷺ : (من تعارّ من الليل -أي: من استيقظ من الليل- فقال: الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإذا دعا -أي: قال: اللهم اغفر لي! - استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته).
قال الإمام ابن المنير: وقبول الصلاة حد زائد على صحة الصلاة.
وصلاة الليل لها فضل على صلاة النهار، فهي مقبولة بنص هذا الحديث.
وسيدنا الحسن كان يقول: والله! لو أعلم أن الله قبل مني سجدة واحدة لفرحت بذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]، فما ظنك إذا كنت تقوم من الليل وأنت تعلم أن أي صلاة تصليها لله بالليل مقبولة عند الله ﵎.
وقال النبي ﷺ عن عبد الله بن عمر: (إن عبد الله رجل صالح لو كان يصلي من الليل).
قال: سالم بن عبد الله بن عمر: فكان عبد الله لا ينام بعد ذلك من الليل إلا قليلاً.
وفي رواية: (إن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل).
وقام النبي ﷺ ذات ليلة فزعاً وقال: (سبحان الله! ماذا أنزل من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات -يعني: أمهات المؤمنين للصلاة-؟ فرب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة).
وروى الإمام البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ (أن رسول الله ﷺ طرقه ليلاً، وكنت وفاطمة نائمين، فقال: ألا تصليان؟ فقلت: يا رسول الله! أنفسنا بيد الله إذا شاء أن يبعثنا ابتعثنا، فرأيت رسول الله ﷺ مولياً وجهه عنا ويضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤]).
وما أيقظ النبي ﷺ ابنته وابن عمه في الليل الذي جعله الله سكناً للناس إلا لعلم النبي ﷺ بعظم صلاة الليل.
وقال النبي ﷺ : (أتاني جبريل فقال لي: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحببت من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس)، والناس اليوم يظنون أن الشرف في المال، فلو ضاع هذا المال ضاع الشرف.
стр. 821
فوائد قيام الليل الطبية
وقال النبي ﷺ : (عليكم بصلاة الليل؛ فإنها دأب الصالحين قبلكم، وقربة منكم إلى ربكم، ومنهاة عن الإثم، ومكفرة للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد).
وفي مؤتمر الإعجاز الطبي للقرآن الكريم الذي حضره عمداء ومدرسون ومستشارون في كليات الطب على مستوى العالم الإسلامي، عملوا بحثاً عن تأثير قيام الليل والتهجد على آلام المفاصل (الروماتيزم)، فجربوا مسكنات الألم: كالزركلين والأدنوجكت والإسبرين وغيرها من المسكنات.
أما الدكتورة سلوى من جامعة حلوان، فقد جاءت بثلاثين شخصاً من الذين يصلون التراويح، وثلاثين آخرين ممن لا يصلون التراويح، وأثبتت أن الثلاثين الذين يصلون التراويح ارتفعت عندهم الكفاءة الروحية لعضلات القلب، مع ليونة في جميع المفاصل، واختفاء آلام الروماتيزم من كل مفاصل الجسد.
стр. 822
عدد ركعات صلاة التراويح
فالمطلوب من المسلم أن يلتزم بهدي النبي ﷺ في صلاة الليل، وأن يقتدي به تمام الاقتداء، فقد كان لا يزيد في رمضان وغيره عن إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، وتجوز الزيادة على ذلك العدد.
وكانت صلاة التراويح عند الصحابة رضوان الله عليهم نموذجاً للكيف لا الكم كما قال تميم الداري: كنا نقرأ بالمئين، -يعني: في الركعة الواحدة-، وكنا نعتمد على العصي من طول القيام -يعني: عندما تمل أرجلهم من طول الصلاة- وما كنا ننصرف إلا في طلوع الفجر؛ خشيت أن يفوتنا الفلاح، أي: السحور.
يعني: كانوا يصلون إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة، وكانت تستغرق الليل إلى قبيل الفجر.
فمن أراد أن يكون سنياً فعليه أن يأتي بأكمل الهدي فيصلي في الليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة إلى قبيل الفجر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكان تكثير الركعات عوضاً عن طول القيام، وهو الذي قال به جمهور أهل العلم.
وقال الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين: صلاة الليل من النفل المطلق ولا حد لأكثره، وأفضل الهدي هدي محمد ﷺ .
فينبغي للمسلم الالتزام بهدي النبي ﷺ ، وليكثر من الوقوف بين يدي الله ﵎، فإنه يذهب من البدن أمراض الروماتيزم وغيرها من الأمراض.
وقال النبي ﷺ في حديث جابر بن عبد الله: (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه، وذلك في كل ليلة).
وهي ساعة التنزل الإلهي، وليست ساعة الإجابة التي تكون في آخر ساعة من عصر الجمعة، إنما هي ساعة إجابة في كل ليلة.
وقال النبي ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل الآخر)، وقال النبي ﷺ : (أفضل الساعات جوف الليل الآخر، أو جوف الليل الأخير).
وقال النبي ﷺ : (من قام الليل بعشر آيات لم يكتب من الخاسرين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين)، والمقنطرون كما جاء في الحديث الآخر: (من لهم قنطار من الأجر، والقنطار من الأجر خير من الدنيا وما فيها)، وفي رواية: (أثقل في الميزان من جبل أحد)، فإما أن تكون من الغافلين الذين أخذوا الطين، وإما أن تكون من المقنطرين.
أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي قال الحافظ ابن حجر: آيات جزء عم وتبارك ما يقارب ألف آية، فمن قام الليل بهذين الجزأين كتب من المقنطرين ممن لهم قنطار من الأجر عند الله ﵎.
وقال النبي ﷺ : (يعجب ربك إلى ثلاثة) وفي رواية: (ثلاثة يحبهم الله، ويضحك إليهم)، والحديث الآخر: (ومن ضحك الله إليه فلا حساب عليه)، وهؤلاء الثلاثة هم: رجل انهزم أصحابه في المعركة فقاتل بنفسه حتى فتح الله عليه وعلى أصحابه، فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر بنفسه من أجلي.
ورجل عنده فراش لين وزوجة حسناء ولو شاء أن يرقد لرقد، فيدع فراشه ويصلي من الليل، ورجل كان في سفر هو وأصحابه وطال قيامهم حتى تمنوا أن لو تمس جلودهم الأرض، فناموا جميعاً، فقام يحرسهم ويصلي لله تعالى إلى أن استيقظوا.
وممن يضحك الله إليهم: الذين يقومون الليل ويتهجدون لله .
تتجافى جنوبهم عن لذيذ المضاجعِ كلهم بين خائف مستجير وقامع تركوا لذة الكرى للعيون الهواجع واستهلت دموعهم بانصباب المدامع ورأوا أنجم الدجى طالعاً بعد طالع قيل للحسن البصري: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجهوهاً؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره.
فالذين يواظبون على صلاة الفجر ترى وجوههم نيرة، فما بالك بالذي يواظب على صلاة الليل؟ فالشيخ صفوت نور الدين، والشيخ الأستاذ عبد العظيم، والشيخ: أبو بكر الجزائري وجوههم نيرة؛ لأن لهم حظاً مع الله ، وكذلك سريرة صالحة مع الله .
وكان محمد بن سيرين إذا دخل المسجد سَبّح الناس ربهم؛ لما على وجهه من النور، قال النبي ﷺ : (أولياء الله الذين رُءوا ذُكر الله تعالى برؤيتهم).
والحافظ عبد الغني المقدسي كان إذا خرج من بيته اصطف الناس على جنبات الطريق للنظر إلى محياه، وبات معه رجل ممن يعبد الشمس فلما رأى صلاته من الليل وبكاءه، زفر الرجل زفرة خرج الكفر بها من صدره، فقد أثرت صلاة عبد الغني المقدسي في هذا الرجل فأسلم بسبب صلاة الليل.
فانظر إلى حال من لهم حال مع الله ﵎، يقول النبي ﷺ : (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى ثم أيقظ زوجته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت الليل فصلت ثم أيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء)، وفي حديث آخر: (فإن قاما من ليلتهما هذه كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات).
وصلة بن أشيم العدوي لما تزوج السيدة معاذة العدوية تلميذة السيدة عائشة ﵂، ففي ليلة البناء أدخله ابن أخيه بيتاً حاراً، ثم أدخله بيتاً مطيباً، ثم بعد ذلك أدخلوا إليه معاذة، فقام يصلي صلاة الليل حتى الصباح، وقامت هي تصلي خلفه، فعاتبه ابن أخيه في اليوم الثاني فقال له: يا عماه! في ليلة عرسك تصلي إلى الصباح! قال: وماذا أصنع يا ابن أخي، إنك أدخلتني بيتاً حاراً فذكرتني فيه بالنار، ثم أدخلتني بيتاً مطيباً فذكرتني فيه بالجنة، فلم يزل خلدي فيهما إلى الصباح.
ورياح القيسي لما تزوج ذؤابة العابدة تناوم في ليلة البناء يريد أن يختبر صلاة زوجه، فلما كان ربع الليل الأول قالت: يا رياح! قم فقد مضى ربع الليل الأول، فقال: أقم ولم يقم، فلما كان ربع الليل الثاني، قالت: يا رياح قم، قد مضى ربع الليل الثاني، قال: أقوم ولم يقم، فما زال كذلك إلى صلاة الفجر، فلما كان عند الفجر قام يصلي الفجر في جماعة، فقالت: ليت شعري من غرني بك يا رياح، لأنه ما صلى إلا الفجر فقط في جماعة.
وكانت زوجة محمد بن حبيب العجمي توقظه لصلاة الليل، وتقول له: قم يا سيدي! فهذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، والطريق طويل، والزاد قليل، وهذه قوافل الصالحين قد وصلت إلى الجنة ونحن قد بقينا.
وكانت زوج أحمد بن أبي الحواري: رابعة بنت إسماعيل الشامية توقظ زوجها لصلاة الليل، فكان يقول: والله! إن قلبي ليرق بالنظر إلى وجه زوجتي أكثر مما يرق بالحديث مع إخواني؛ لما أرى عليها من أثر التهجد والخشوع وآثار الصلاة.
والنبي ﷺ ربما قام الليل بآية حتى يصبح، وقام الليل حتى تفطرت قدماه، أي: تشققت قدماه من طول القيام، فتقول السيدة عائشة: (يا رسول الله! أتفعل هكذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً).
стр. 823
تهجد الصحابة
إن ذكر الصالحين يطيب المجالس، والحديث عن عباد السلف وعلمائهم ومجاهديهم مما يحلو به الكلام، ففاروق الإسلام عمر بن الخطاب لما مات تزوج عثمان بن العاص -وكان جاراً له- إحدى زوجات عمر، وقال: والله ما تزوجتها رغبة في نكاح ولا ولد، وإنما تزوجتها لتخبرني عن ليل عمر.
فسيدنا عمر ﵁ كان في وجهه خطان أسودان من كثرة الدموع من خشية الله.
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها قام الليل بآية فما زال يرددها ويبكي حتى أغمي عليه، فمرض من جراء هذه الآية حتى عاده الصحابة شهراً، وكان ينعس وهو قائم بعد توليه الخلافة، فقالوا له: يا أمير المؤمنين! ألا تنام؟ فقال: إن نمت بالنهار ضيعت مصالح الرعية، وإن نمت بالليل ضيعت حظي مع الله.
لسان حاله يقول: لست أدري أطال ليلي أم لا كيف يدري بذاك من يتقلى لو تفرغت لاستطابة ليلي ولرعي النجوم كنت مخلا وكذلك كانت ابنته أم المؤمنين حفصة بنت عمر ﵂، ذكر الإمام الحافظ ابن حجر في كتاب الإصابة بسند حسنه هو والشيخ الألباني عليه رحمة الله: أن النبي ﷺ طلق حفصة بنت عمر ذات يوم، فنثر عمر التراب على وجهه، وقال: ما يعبأ الله بك يا ابن الخطاب بعد هذا؟ فنزل جبريل وقال للنبي ﷺ : (إن الله يأمرك أن تراجع حفصة؛ لأنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة).
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ويزرع إلا في منابته النخل فالكلام عن الصحابة أزكى الناس على ظهر الأرض ذو شجون، فنعال الصحابة أو قلامة أظفارهم لو كانت في مياه سوداء مليون سنة لخرجت منها وهي أنظف من قلوب ووجوه الذين ينتقصون فيهم، فقد كان الصحابة قمماً عالية، فسيدنا عثمان بن عفان لما دخلت عليه زوجته نائلة وقد قتلوه، قالت: قتلتموه وإنه كان يحيي الليل كله بالقرآن كله في ركعة واحدة.
تعني: أنه قرأ القرآن كله في ركعة واحدة.
قال الشيخ عبد القادر الأرناؤوط عن هذه الرواية: إسنادها صحيح.
والعلماء الذين احتجوا بجواز صلاة الوتر بركعة واحدة احتجوا بفعل سيدنا عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير؛ فإنهم ختموا القرآن الكريم في ركعة واحدة في الكعبة.
ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً وفيه نزل قول الله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر:٩].
وترجمان القرآن عبد الله بن عباس كان تحت عينيه مثل الشراك البالي من كثرة الدموع، وكان يصلي نصف الليل ونصفه الآخر يبكي، ويكثر في النشيج، ويردد قول الله تعالى إلى أن يصبح: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩].
وأبو هريرة راوية الإسلام تناوب قيام الليل هو وزوجته وخادمه، فكان يقوم ثلثاً ثم ينام، وتقوم زوجته ثلثاً ثم تنام، ويقوم خادمه ثلثاً.
فإذا قام هذا نام هذا.
وكان يسبح بعد صلاة الصبح اثنتي عشرة ألف تسبيحة، أي: أن له اثنتي عشرة ألف نخلة غرست في الجنة، وكان يقول: إنما أسبح الله بقدر ذنبي، وفي رواية: بقدر ديتي.
وسيدنا تميم الداري الصحابي الذي تفرد برؤية الجساسة، كان بعض الشباب من أبناء الصحابة يقولون عنه: أدركناه شيخناً كبيراً وما كنا نستطيع أن نصلي وراءه صلاة الليل أبداً؛ لطول صلاته، لذلك أجرى الله الكرامات على يديه، فقد هبت نار عظيمة في أيام خلافة سيدنا عمر بن الخطاب فقال: قم لها يا تميم، قال تميم: ومن أنا؟ -تواضعاً منه- فاستحلفه بالله أن يقوم، فأومأ بيده هكذا حتى أخرجها خارج المدينة وأدخلها إلى مغارة أو كهف، فقال سيدنا عمر: ليس من سمع كمن رأى، لمثل هذا كنا نحبك يا أبا رقية.
وسيدنا أبو ريحانة الصحابي الجليل قفل عائداً من الغزو فأعدت له زوجه الطعام بالليل، فأكل ثم قام إلى مصلاه إلى الصباح، فعاتبته زوجه، فقالت: يا أبا ريحانة: غزوت فأطلت الغزو ثم عدت، أفما كان لنا فيك نصيب؟ قال: لو خطرتي لي على بال لكان لك فيّ نصيب.
قالت: يرحمك الله! ومن الذي شغلك عنا؟ قال: إني كنت في سورة فكرهت أن أقطعها.
ولقد غزى سيدنا أبو ريحانة مع الصحابة في البحر فسقطت إبرته إلى البحر، فقال: أقسمت عليك يا رب إلا أعدت إلي إبرتي، فعادت إليه.
وسيدنا شداد بن أوس: كان إذا دخل إلى فراشه فكأنما هو حبة مقلاة من كثرة التقلب، يقول: اللهم إن النار منعتني النوم، فلا يزال يصلي إلى الصبح.
ولما دعا النبي ﷺ للنفقة في غزوة تبوك رجع أبو ضمضم الأنصاري إلى بيته، وكان فقيراً لم يكن معه شيء، فقام يصلي من الليل ثم قال: اللهم إني أتصدق على كل مسلم ظلمني في مالي أو جسدي أو عرضي، فقال النبي ﷺ : (من المتصدق بعرضه البارحة؟ ليقم، فقام، فقال النبي ﷺ : والذي نفس محمد بيده! لقد قبلت صدقتك في الزكاة المتقبلة).
стр. 824
تهجد التابعين
وكان مسروق بن عبد الرحمن بن الأجدع يقوم من الليل، وكانت زوجته تبكي عليه رحمة مما يصنع بنفسه، فقد كان يصلي وإن رجلاه لمنتفختان من طول القيام، وما كان يأتي فراشه إلا زحفاً كما يزحف البعير.
وكان أصحاب الربيع بن خثيم يعرفون أنه قام الليل ولم ينم بجمته، فإذا أتى إلى الصباح يقولون: والله إن جمة الربيع لتخبركم أنه لم يتوسدها الليلة، فإنها نفس الشعر الذي فارقناه في صلاة العشاء.
وحسان بن أبي سنان تقول عنه زوجه: كان يأتي إلى فراشي فيدخل معي في فراشي ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها، فإذا علم أني قد نمت قام وسل نفسه إلى صلاة الليل.
ومنصور بن المعتمر: كان يقوم الليل إلى الصباح فوق سطح منزله، فلما مات قالت فتاة لأمها: يا أماه! المشحب الذي كان على سطح جارنا ما لي لم أره الليلة؟ فقالت: قد مضى إلى ربه.
والإمام الأوزاعي: بات يوماً عند جاره، فلما خرج من البيت رأت زوجة صاحب البيت بللاً في مصلى الأوزاعي، فعاتبت زوجها، وقالت له: ثكلتك أمك! تركت الصبيان حتى بالوا في مصلى الشيخ، فقال: والله ما هذا بول الصبيان، وإنما هذا من أثر دموع الشيخ ليلاً.
نزف البكاء دموع عينك باستعر عيناً لغيرك دمعها مدرار من ذا يعيرك عينه تبكي بها أرأيت عيناً للدموع تعارُ وعبد الرحمن بن مهدي يقول: ما صحبت رجلاً من الناس أرق من سفيان الثوري، كنت أرمقه الليلة بعد الليلة ويقوم من نومه فزعاً ويقول: اللهم لو كان لي عذر في التخلي عن الناس ما أقمت مع الناس طرفة عين، ومتى الخلاص من النار؟ اللهم إن كلاً يغدو ويروح وإن حاجة سفيان أن تغفر له ذنبه.
وشعبة بن الحجاج، يبس جلده على عظمه من كثرة العبادة.
وسيدنا أسيد بن حضير صحابي جليل، بينما هو في مربضه ليلاً يصلي ويقرأ بسورة البقرة، وكانت فرسه مربوطة بجواره، وكان ابنه يحيى قريباً منها، فكان إذا قرأ جالت الفرس، فإذا سكت سكنت، فإذا قرأ جالت، فخاف على ابنه، فأمسك عن القراءة، ثم نظر إلى السماء فإذا فيها ظل كأمثال المصابيح، فلما أصبح غدا إلى النبي ﷺ وأخبره بالقصة، فقال النبي ﷺ : (اقرأ يا ابن حضير، فلقد أتيت مزماراً من مزامير داود، قال: يا رسول الله كان ابني يحيى قريباً منها فخشيت أن تطأه الفرس بحافرها، فأمسكت عن القراءة، ثم سنظرت إلى السماء فإذا فيها أمثال الظلة فيها أمثال المصابيح، قال: أتدري ما ذاك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: تلك السكينة دنت لقراءتك)، وفي رواية: (تلك الملائكة دنت لقراءتك ولو ظللت تقرأ لرأيت منها الأعاجيب)، وفي رواية: (ولو ظللت تقرأ لاستمرت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم)، فقد كانت بيوتهم بيوت النور.
وسيدنا ثابت بن قيس ﵁ كان الصحابة يمرون بالليل على داره ويقولون: أما تنظرون إلى دار ثابت بن قيس إنها لتبهر بمصابيح منذ الليل.
وسيدنا محمد بن سيرين يقول: من يدلني على بسام بالنهار بكاء بالليل وأنا أدعو له.
فقد كان كثير التبسم للناس، فإذا أوى إلى الفراش فكأنه قتل أهل القرية جميعاً.
стр. 825
قصص المتهجدات من النساء
وكانت حفصة بنت سيرين إذا قامت إلى صلاة الليل لبست كفنها، فربما انطفأ مصباح البيت فيوقد لها مصباح آخر، وجلست في مصلاها اثنتا عشرة سنة وما خرجت إلا لقائلة، أو لحاجة زوج.
وأم الدرداء الصغرى كانت مع نساء متعففات معها يقمن الليل، فما يركعن الركعة الأولى إلا بعد قراءة سورة الأنعام، وإن أرجلهن لمنتفخات من أثر القيام.
وكانت منيفة العابدة إذا قامت إلى صلاتها من الليل تقول: بخ بخ! يا نفس قد جاء سرور المؤمن، فإذا قامت إلى صلاتها تقول: لا تأنسن بمن توحشك نظرته فتمنعن من التذكار في الظلم واجهد وكد وكن في الليل ذا شذم يسقيك كأس وداد العز والكرم فإذا أسفر الصباح بكت وقالت: واحرباه! واسلباه! ذهب الظلام بأنسه ليت الظلام بأنسه يتجدد.
وعلي بن بكار عَمِيَ من طول البكاء، وكان يقول: منذ أربعين سنة ما أحزنني إلا أذان الفجر لأنه يقطع علي الصلاة مع الله .
أخي قد قيد القيد قدميك وغل الإبعاد يديك أفما لك عين تبكي عليك؟ دخل أحمد بن أبي الحواري على أبي سليمان الداراني فوجده يبكي في وقت السحر، قال: ما يبكيك يا أبا سليمان؟! قال: وكيف لا أبكي وإنه إذا كان مثل هذا الوقت من الليل قام العابدون إلى محاريبهم، وتقطرت دموعهم على خدودهم، وأشرف الجليل من السماء وقال: بعيني من تلذذ بذكري واستراح لأنسي، لما لا تنادي فيهم يا جبريل ما هذا البكاء، هل رأيتم حبيباً يعذب أحبابه، أم كيف يجمل بي أن آخذ قوماً إذا جنهم الليل تملقوا إليّ بالدعاء؟ فبي حلفت: إن وردوا عليّ يوم القيامة لأكشفنّ لهم عن وجهي الجميل حتى ينظروا إليّ وأنظر إليهم.
وقال أبو سليمان الداراني: نمت ذات ليلة عن وردي من صلاة الليل، فإذا أنا بحوراء من أهل الجنة تأتيني مناماً وتقول لي: أتنام والملك يقظان؟ أتنام وأنا أربى لك في الخدور منذُ آلاف الأعوام؟ بؤساً لعين آثرت لذة نوم على مناجاة الملك العلام، وأنشدته شعراً حفظ منه: أتطلب مثلي وعني تنام؟ ونوم المحبين عنا حرام لأنا خلقنا لكل امرئ كثير الصلاة براه القيام يعني: أبقاه قيام الليل عظماً على لحم.
стр. 826
المجاهدون المتهجدون
وكل من له باع في الجهاد كان كثير التهجد، فـ محمد الفاتح: حين فتح القسطنطينية غدا يتهجد طيلة الليل مع جنوده.
وكذلك العلاء بن الحضرمي فاتح بلاد ماردين.
ونور الدين محمود زنكي بطل موقعة حارم الذي قتل من الصليبيين عشرة آلاف، قال عنه ابن الأثير أنه كان مواظباً على صلاة الليل، وكذلك كانت زوجته عصمت الدين خاتون فقد قامت ذات ليلة غاضبة من نومها، فسألها عن سر غضبها؟ فقالت: فاتني وردي البارحة فلم أصل من الليل شيئاً، فأمر من يوقظ الناس لصلاة الليل.
ولما مات عنها نور الدين تزوجها صلاح الدين من بعده.
وأيام أن أخذ الفرنج القدس، دخل أحد السقاة من المسلمين القدس فسمع الفرنج يقولون: إن القسيم بن القسيم -يعنون: نور الدين محمود زنكي - لا ينصر علينا بكثرة عتاده وجنده، وإنما لأنه يصف قدمه بين يدي مولاه ليلاً، فلابد أن ربه ناصره علينا.
والقاضي ابن الشداد قاضي صلاح الدين الأيوبي يقول: وفي حصار عكة كنت أرمقه الليلة بعد الليلة، فإذا جن الليل علا على سجادته تتقاطر دموعه على وجنتيه وهو يقول في سجوده: إلهي! قد انقطعت الأسباب الأرضية عن نصرة دينك وليس لي إلا الإخلاد إلى جنابك، فيأتيه خبر النصر على الأعداء.
فإن سهام الليل لا تخطئ وسل الله أن يرفع الغمة عن بلاد المسلمين.
اللهم إنا نسألك باسمك الأعظم، بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، اللهم صل على عبدك ونبيك محمد ﷺ .
اللهم انصر المسلمين المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم احم ديارهم واحفظ أموالهم وأعراضهم، واحقن دماءهم، وأرنا في الصليبيين واليهود ودول الكفر آية، إنهم لن يعجزوك فخذهم أخذ عزيز مقتدر.
اللهم ارحم المسلمين واكس عاريهم، واشف مرضاهم وسدد رميهم، وأرنا في الكافرين والصليبيين آية.
اللهم قو شوكة المسلمين، وأقبل بشبابهم على كتابك وسنة نبيك، وانشر الدعوة إلى دينك في ربوع الأرض مشارقها ومغاربها، وأرنا وجه نبينا في رضوانك والجنة، واحشرنا مع نبينا غير خزايا ولا نادمين، ولا شاكين ولا مفتونين ولا مبدلين، وارفع الغمة عن المسلمين الصادقين، وفك أسرهم وفرج كربهم، واحم بيوتهم وأولادهم.
اللهم ارزقنا الشهادة إن علمت صدقاً منا فارزقنا الشهادة في سبيلك، واختم أيامنا بالشهادة في سبيلك، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 827
سنن الله في الكون والأمم
لقد سنَّ الله سبحانه سنناً يجري عليها نظام الكون، فلا تتبدل ولا تتغير، وهي كثيرة ومتعددة تشمل جميع المخلوقات، وقد ذكر الله في القرآن كثيراً منها حتى يراعيها الناس في حياتهم.
стр. 828
المقصود من سنن الله في الكون وبيان عمومها وتنوعها
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].
السنن: جمع سنة، والسنة هي الطريقة المتبعة في معاملة الله ﵎ للبشر بناءً على سلوكهم وأفعالهم، وموقفهم من شرع الله وأنبيائه، وما يترتب على ذلك من نتائج في الدنيا والآخرة.
إن معاملة الله ﵎ للبشر المطيعين والمسيئين، وللمعاندين لرسوله والمقبلين على دعوته؛ لها قانون عام يحكم البشر، وهذا القانون العام هو سنة الله ﵎، ولها وجهان: الوجه الأول: قانون عام يحكم الكون بما فيه من جمادات ونبات وإنسان، فالإنسان تجد فيه الكبد في الناحية اليمنى ويقوم بوظيفة كذا وكذا وكذا! والمعدة تقوم بوظيفة كذا وكذا وكذا! كذلك قول الله ﵎: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٨ - ٤٠].
فخروج الشمس طالعة من المشرق وغيابها في المغرب سنة من سنن الله ﵎ في الكون، والنظام المفترض لهذه السنن يدل على أن وراء الكون خالقاً عظيماً، وسنة الله ﵎ في إيجاد البشر من الماء المهين من سنن الله ﵎ في الكون، وسنة الله ﵎ في إخراج الولد من رحم الأنثى لا من الرجل من سنن الله ﵎؛ فهذا الوجه الأول للقانون العام.
الوجه الثاني: ما يتعرض له العباد من نعيم في الدارين أو من ذل وشقاء، نتيجة إقبالهم على كتاب الله ﵎ أو إعراضهم عنه.
فمثلاً: سنة الله ﵎ في استدراج الظالمين، ومكر الله ﵎ بالماكرين، وجزاء الله ﵎ لمن بطر النعمة، وسنة الله في الظالمين لا تختلف ولا تتبدل ولا تتغير، يقول الله ﵎: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢].
فهذا القانون لا يُحابي ولا يجامل أحداً، ولم يأت شيء من خلق الله ﵎ بالصدفة! يقول الله ﵎: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣]، ويقول الله ﵎ بعد أن يقص أخبار الأمم السابقة: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] أي: لا تفعلوا صنيع القوم؛ فيكون جزاؤكم من جنس جزائهم.
وإلا فما فائدة سرد قصص أنبياء الله ﵎ مع المعاندين والمشاقين والحائدين عن طريق الله ﵎ إن لم تكن للعظة والعبرة؟ ولذلك يقول الله ﵎: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر:٤٣] يعني: ليس كفاركم من جنس ثانٍ أنظف من جنس أولئك، فإن عمّهم جنسٌ الكفر فالنتيجة واحدة والعقاب واحد، فهذه سنة من سنن الله ﵎، فـ أبو لهب لم ينطق بكلمة لا إله إلا الله! وطالما أنه حاد عن طريق الله وكفر بأنعُم الله فالجزاء المحتم النار والخلود فيها، وقد يجازيه الله ﵎ بما قدّم من خير للناس في دار الدنيا فيوفيه نصيبه فيها وليس له في الآخرة من نصيب.
قال الله ﵎: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر:٤٣]، ويقول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:٥١]، ويقول الله ﵎: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣].
واليهود قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه فسيتجاوز عن ذنوبنا، فقال الله ﵎: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] فكل من يعمل سوءاً يلق جزاءه؛ لأن الجزاء بحسب سنة الله ﵎ أثر طبيعي لكفر الكافر أو لإيمان المؤمن، يقول الله ﵎: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧ - ١٣٨] أي: لعل الناس يعودون إلى رشدهم، ويئوبون إلى طريق خالقهم .
فتدبر سنن الكون ووقائع الله ﵎ بالأمم السابقة أمر واجب على كل مؤمن؛ ليصحح المعاملة مع الله ﵎.
ومن سنن لله ﵎: سنة ربط الأسباب بالمسببات، وربط النتائج بالمقدمات، وسنة الله ﵎ في قانون الهدى والضلال، ودفع الله الناس بعضهم ببعض، وسنة الله ﵎ فيمن اتبع هداه ومن أعرض عنه، وسنة الله ﵎ في الابتلاء وفي الفتنة، وسنة الله ﵎ في الظلم والظالمين، وسنة الله ﵎ في الاختلاف والمختلفين، وسنة الله ﵎ في المتساوين والمختلفين، وسنة الله ﵎ في الترف والمترفين، وسنة الله ﵎ في الطغيان والطغاة والمتكبرين، وسنة الله ﵎ فيمن بطر النعمة وجحدها، وسنة الله ﵎ في الذنوب والسيئات، وسنة أخرى في التقوى والإيمان والعمل الصالح، وسنة الله ﵎ في استدراج الظالمين، وسنة الله في المكر بالماكرين بالدعوة، وسنة الله في ثواب الدنيا والآخرة، وسنة الله في الرزق، وسنة الله في الفظاظة والغلظة وفي الرفق، فالرجل الفظ تنفر منه الناس عادة، فمن سنة الله ﵎ ألا يقبل الناس على رجل فظ غليظ القلب، وإنما يقبلون على من كان في قلبه رقة، ومن كان حسن المعاملة للناس.
стр. 829
سنة ربط الأسباب بالمسببات
هذه السنن واقعة والقانون العام الذي يحكمها هو الشمول والعموم، والسنة الأولى من سنن الله ﵎ في الكون أن كل شيء بسبب، والنتائج لا بد لها من مقدمات، والمسببات لا بد لها من أسباب، يقول الله ﵎: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ﴾ [البقرة:٢٢] فالفاء هنا السببية: ﴿فَأَخْرَجَ﴾ [البقرة:٢٢] أي: أنزل المطر ليخرج به النبت، فجعل المطر سبباً لظهور المسبب وهو النبات.
ويقول الله ﵎: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩] أي: علماً ونوراً في القلب يفرِّق به العبد بين الحق والباطل، والفرقان يحدث بسبب التقوى، فالتقوى سبب والفرقان مسبب عن التقوى.
ويقول الله ﵎ في شأن الصائمين: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] أي: بسبب عملكم في أيام الدنيا كلوا الآن واشربوا.
ويقول الله ﵎: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم:١] إذاً: أنزل الله ﵎ الكتاب لهداية البشرية، فاللام لام السببية، وما أنزل الله ﵎ القرآن عبثاً حاشاه، وإنما أنزله لهداية الناس إلى طريق الله ﵎.
ويقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
стр. 830
الرد على الأشاعرة في قولهم ليس هناك ربط بين الأسباب والمسببات
بعض الناس ومنهم الأشاعرة يقولون: إن الله ﵎ قد يدخل النار أولى أوليائه، ويدخل الجنة أعتى أعدائه، وهذا قول الأشاعرة يدرسونه في الأزهر، ويتبعون ذلك لمحض الإرادة، يقولون: إن الله ﵎ ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] فيفعل أي شيء يريده.
وقولهم هذا قول باطل؛ لأن الله ﵎ لا يظلم أحداً، وقد أنكر الأشاعرة كل باء سببية في القرآن الكريم وأولوها وقالوا: إن النار لا تحرق بطبعها، يعني: لا توجد في ذاتها خاصية للإحراق، لكنك عندما تقرب منها الخشب تحرق.
وهذا يصادم العقل؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الذي يقول هذا ليس عنده أدنى مسكة من عقل، فالمولى ﵎ جعل الشبع والغذاء سبباً لحياة الناس وبقائهم، والولد يخلقه الله ﵎ في بطن أمه بإلقاء ماء الرجل في رحم المرأة؛ فالمسببات تكون بأسبابها.
ويقول الأشاعرة: إن الإنسان يشبع عند الأكل، أي: مجرد أن ينظر إلى الأكل يشبع، لكن علماء السلف يقولون: الإنسان يشبع لأن المولى ﵎ وضع خاصية الإشباع في الأكل، فإذا أكل الإنسان أكلة معينة لمدة معينة وبقدر معين يحصل الشبع بسبب هذا الأكل لا عند أكله، وهذه نقطة من نقط الخلاف الرئيسية بين الأشاعرة وأهل السنة والجماعة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: يقول الله ﵎ عن القرآن: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة:١٦] فمن قال: يفعل الله عندها، أي: عند هذه الأسباب لا بها فقد خالف لفظ القرآن الكريم، ويقول: مع أن الحس والعقل يشهدان أن القرآن سبب لحصول الهداية، ويعلم الفرق بين الجبهة والعين في اختصاص أحدهما بقوة ليست موجودة في الآخر، فحاسة السمع أودع الله ﵎ فيها قوة للسماع، وحاسة البصر أودع الله ﵎ فيها قوة تختلف عن قوة السماع وهي قوة الإبصار، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ويعلم الفرق بين الخبز والحصى، أن أحدهما أودع الله فيه خاصية الغذاء والآخر لا يحتوي على هذه الخاصية؛ فأهل السنة والجماعة يقرون بربط الأسباب بالمسببات، وهذه سنة من سنن الله ﵎ في الكون.
لكن الأشاعرة يقولون: ممكن أن يكون السبب موجوداً والمسبب عنه لا يحدث، مستدلين بقول المصطفى ﷺ : (لن يدخل الجنة أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) قالوا: مع أن الرجل يعمل صالحاً لكن من الممكن ألا يدخل الجنة، إذاً: السبب موجود والمسبب عنه الذي هو دخول الجنة قد لا يحصل وقد يحصل؛ وهذا لفهمهم الخاطئ للباء هنا، كما يقول الله ﵎: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢] جعل الله ﵎ عملهم الصالح سبباً لدخول الجنة، إذاً: الباء هنا باء السببية وتفهم من الحديث: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله) قالوا: هذه باء العوض، يعني: لا تظن أن عملك هذا تضعه في كفة ودخولك الجنة في كفة، وتقول: ثمن عبادتي أنني سأدخل الجنة، وعبادتي هذه تساوي دخول الجنة، صحيح أن دخول الجنة بالعمل، وميراث الدرجات أيضاً بالعمل، لكن هذا العمل ليس عوضاً عن الجنة، إذاً: (لا يدخل أحدكم الجنة بعمله) الباء هذه باء العوض والمقابلة، أي: لن تدخل الجنة مقابل هذا العمل الضئيل.
أيضاً ربط المولى ﵎ بين الأسباب وبين التوكل على الله ﵎، فالتوكل: علم القلب بكفاية الرب، وكما يقول ابن القيم: قال الإمام أحمد: التوكل عمل من أعمال القلب، لكن اتخاذ الأسباب عمل من أعمال الجوارح، فلا منافاة بين اتخاذ الأسباب وبين التوكل على الله ﵎؛ فهذا عمل للجوارح وهذا عمل وعلم للقلوب، فتعاطي الأسباب لا ينافي التوكل، كما قال المصطفى ﷺ : (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز) والاستعانة بالله هي عين التوكل على الله ﵎، وقوله: (ولا تعجز) أي: ولا تعجز عن اتخاذ الأسباب.
وإن قوماً قالوا: إنا متوكلون على الله ﵎ وخرجوا من الأسباب بالكلية، وهذا طعن في السنة، فرسول الله ﷺ قال للرجل: (اعقلها وتوكل) قال: أعقلها أو أتوكل؟ قال: (اعقلها وتوكل)، ويقول الرسول ﷺ : (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، وكما قال الشاعر: توكل على الرحمن في الأمر كله ولا تعجزن يوماً عن السبب ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يساقط الرطب مع مباشرة آلام المخاض والولادة.
قال: ولو شاء أدنى الجذع من غير هزّها لجذع ولكن كل شيء له سبب فلا بد أن تعتمد على الله ﵎ مع مباشرتك للأسباب، يقول أبو بكر الصديق للرسول ﷺ : يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى أسفل قدميه لأبصرنا، قال: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما) فالنبي ﷺ أخذ كل الأسباب لسرية عملية الهجرة، ثم توكل على الله ﵎ بعد ذلك.
стр. 831
سنة الله تعالى في اتباع هداه والإعراض عنه
وهناك قانون يسمى قانون الهدى والضلال، يقول الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة:٣٣] فالهدى هو دين الإسلام: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة:١٢٠].
ومن يترك هدى الله يتركه الله ﵎ وما اختاره، يقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥].
فقوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء:١١٥] أي: نتركه وما اختاره لنفسه، ونكله إلى ما توكل عليه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢] فيتركه الله ﵎ للشياطين، ولكنه ينذره عذابه، يقول الله ﵎: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٢٠] فالمخاطب بهذه الآية النبي ﷺ والمأمور بها الأمة، قال العلماء: الخطاب مع الرسول والأمر لأمته، وهذا قول العلامة ابن كثير، مثل قوله ﵎: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٤٥] فالخطاب للرسول ﷺ والمراد: أمته.
فمن سنن الله ﵎ أن من يتبع هدى الله ﵎ لا يخاف ولا يحزن، لا يحزن على ما فات ولا يخاف من الآتي؛ لأنه يرضى بقضاء الله ﵎، ويعلم أن سبيل الهدى يكسبه الخيرات والدرجات عند الله ﵎، فالله ﵎ يعد من اتبع هداه وسنته بسعادة الدنيا والآخرة، يقول الله ﵎: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] قال ابن عباس: تكفّل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، هذه سنة من سنن الله في الكون.
وقد يقول قائل: أنا أقرأ القرآن وأعمل بما فيه، لكنني أشعر بضيق، نقول: من سنن الله ﵎ أنك لو قرأت القرآن وعملت بما فيه لا يضلك الله في الدارين، ولا يجعل الشقاء يعرف طريقاً إلى قلبك؛ لأن مفاهيمك للحياة ستتغير، فإذا فهمت القرآن وعملت بالذي فيه، وأصابك ضيق في الرزق فإنك ستصبر وتعلم أن هذا قضاء الله وقدره، قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣١ - ١٣٢] فطالما أنك مع القرآن فالعاقبة والخير لك، إذاً: لا يوجد شقاء.
ولو رأيت أخاً يقول لك: أنا حامل لكتاب الله، لكنني أشعر كأن صدري يصعّد في السماء، فقل له: لقد أخطأت الطريق، ما هكذا يا سعد تورد الإبل، يقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]؛ فأقسم بأسماء الله ﵎ أن الذي يُعرض عن طريق الله ولا يريد أن يطبّق حكم الله ﵎ أن حياته كلها نكد، وإن فعل وفعل، وإن أظهر أنه سعيد في حياته، كما قال الحسن البصري: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يُذل من عصاه! فأنت في نعمة! ومن النعمة أن تدخل المسجد وليس معك حرس لا من أمامك ولا من خلفك، ومن النعمة أن تمشي في الشارع في الوقت الذي تريد وفي المكان الذي تريد، فإن رئيس أي دولة يقول: أنا المعتقل الوحيد في هذا البلد؛ لأني لا أستطيع أن أمشي دقيقة واحدة بدون حرس، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس المحبوس من حبس عن ربه، وإنما المحبوس من حبسه هواه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] وهذه سنة من سنن الله ﵎ في الكون فمن سنة الله ﵎ في الكون: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] يقول ابن القيم: إن شيخ الإسلام ابن تيمية كان من أفقر الناس، فكُنا إذا ضاقت بنا الدنيا فما هي إلا أن نجلس إليه برهة فنقوم وقد نفضنا عنا الدنيا بأكملها؛ فالذي يعمل عملاً صالحاً لا بد أن يرزقه الله ﵎ حلاوة هذا العمل، فيحس بشوق إلى الله ﵎ وإلى الدار الآخرة، فالمؤمن يصاحب الناس ببدنه وروحه معلقة بالملأ الأعلى، هذه هي الحياة الطيبة.
ومن أعرض عن ذكر الله ﵎ يقيض له الله شيطاناً فهو له قرين.
ومن الناس من يعمل مع الجن، واعلم أنه لا يوجد جني مسلم يخدم ساحراً أو كاهناً أو يؤذي الآخرين؛ يقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٩].
فأهل المصائب يشتركون في مصيبة واحدة ويخفف عن أحدهم بعض مصابه عندما ينظر إلى مصيبة غيره؛ ولكن هؤلاء لا ينفع بعضهم بعضاً وهم في النار، ولا يوافي بعضهم بعضاً؛ يقول الله ﵎: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩] أي: تفرقوا أيها المجرمون.
وإن كان للعبد المؤمن في الجنة خلان يجتمع بهم وأصدقاء، فإنه يتقابل مع إخوته على الأرائك، أما أهل النار فيقول عنهم الله ﵎: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾ [يس:٥٩] يعني: انفصلوا فلا اجتماع بينكم، وإنما يُحبس كل منهم في تابوت من النار وآخر الأمر لا يَرى ولا يُرى، بل يقيّض الله له شيطاناً سواء أكان الشيطان من الشرق أم من الغرب، فالكل شياطين، يقول الشاعر: روسية ماذا جنيتم بعدها غير الجنون يقول: هذا كاسترو ولينين وإستالين وماركس وغيرهم، وبعد أن انتهت روسيا والاشتراكية قالوا: نذهب إلى أمريكا! روسية ماذا جنيتم بعدها غير الجنون ماذا جنيتم واسألوا سينا وأطراف الحدود أو فلتكن غربية تعطيكم شهد العهود فليعطكم متران نصراً في الجرائد من بنود نحن يا مقداد أوفى بالعقيدة بالعهود بالعقيدة سوف نمضي إخوة حتى نعود
стр. 832
سنة التدافع بين الحق والباطل
ومن سنن الله ﵎ في الكون: قانون التدافع بين الحق والباطل: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج:٤٠].
وتعرفون ما حدث في عهد جمال عبد الناصر، فالمسلمون كانوا في اضطهاد وتضييق، حتى إنهم كانوا يصلون ويخرجون فيقولون: رجال الشرطة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون! ولكن شاء الله أن يدفع الباطل بالحق، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الحج:٤٠] وهناك بعض الناس كما يقول القرضاوي: في الشر معجون به منقوع.
فمن سنن الله ﵎ التدافع بين الحق والباطل، وسنة الله في هذا التدافع أن الغلبة للحق وأهله، ولكن من الممكن لكثرة الضربات التي لحقت بالحركات الإسلامية من مكر الماكرين أن يصيب بعض الإخوة الوهن، ويظنون أن الله يخلف وعده! وليس الأمر كذلك يقول الله ﵎: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الشورى:٢٤].
ويقول ﵎: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨].
ويقول الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١].
فمن كان بيته من زجاج فلا يرمي بيوت الناس بالحجر، فقوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١] أي: لا يجعل عمل المفسدين صالحاً، وقال الزمخشري في تفسيرها: لا يثبته ولا يديمه، ولكن يسلط عليه الدمار، فانظر كم من أفلام ومسرحيات عُملت، وفي الأخير يقول صاحب الأفلام والمسرحيات: سنة من سنن الله ﵎ في الكون أن الله ﵎ ﴿لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١].
стр. 833
سنة الله في نصر المؤمنين على الكافرين
سنة الله ﵎ في نصر المؤمنين لا تختلف؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح:٢٢ - ٢٣].
ويقول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:٣٤].
ويقول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣].
ويقول الله ﵎: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١] وهذه الكتابة لا تتبدل ولا تتغير.
ويقول الله ﵎: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢].
يقول العلامة ابن كثير: وهذه سنة الله ﵎ في خلقه من قديم الدهر وحديثه أنه ينصر عباده المؤمنين، ويقر أعينهم ممن آذاهم.
ويقول السدي: لن يبعث الله رسولاً قط إلى قوم فيقتلونه، أو قوماً من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلونهم، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله ﵎ من ينصرهم فيطلب بدمائهم ممن فعل بهم ذلك في دار الدنيا، وهذا وعد الله ﵎.
فالنصر قد يتأخر لنصر أكبر؛ وهذا من رحمة الله ﵎ بالمؤمنين، فالفتح الأعظم هو فتح مكة وقد تأخر من بداية دعوة الرسول ﷺ في مكة إلى سنة (٨ هـ) قبل موت الرسول ﷺ بعامين فقط، فقد كان هناك انتصارات؛ ولكن النصر النهائي كان قبل وفاة الرسول ﷺ بعامين؛ ولا بد أن يحدث قبل النصر أذىً وتمحيص، كما قيل للإمام الشافعي: يبتلى الرجل أم يمكن؟ قال: لا يمكّن حتى يُبتلى، ولذلك نقول لكل الإخوة السلفيين: الإنسان لا يتمنى البلاء أبداً، ولا يتمنى السجون أبداً، نود لو دمرت السجون وخرج منها كل الموحدين! وقد تتعدد صنوف الابتلاء، وطالما أنك على الجادة فلا بد من ابتلاء؛ والابتلاء قد يكون بالفقر، وقد يكون بالمرض، وقد يكون بزوجة غير صالحة، وقد يكون بفتنة الأولاد، وقد يكون بنقص من الثمرات وبموت ولد، وبطء في الرزق، وبمرض معين، وليست الفتنة أن تكون في سجن فقط! وهذه هي سنة الله ﵎: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١].
فلا بد من التمحيص؛ لأن من يريد جوار بلال وعمار لا بد أن يكون على طريقتهم، فـ عمار ﵁ ما كان يكفر أحداً إلا الكافرين، كذلك ابن تيمية الذي أُلقي في السجن حتى مات ما ذهب ليكفر الناس الذين عذبوه في السجن، والمعتزلة اختلفت الأمة في تكفير أعيانهم، والرأي الأقوى أنهم لا يكفرون، ومع أن المأمون كان يقول بفكر المعتزلة لكن لم يكفره الإمام أحمد بن حنبل.
فسنة الله ﵎ أنه لا بد من التمحيص، والذي يتصور أن الحركة الإسلامية من الممكن أن تستقر وتنتشر في ربوع البلاد بدون تمحيص فليجلس في بيته، يقول ابن القيم: أول الأمر بذل الدم وإلا فدع عنك الترهات.
ويقول أيضاً: أين أنت يا مخنث العزم والطريق طويل، تعب فيه آدم، وناح فيه نوح، وأُلقي في النار إبراهيم، وأضجع للذبح إسماعيل، وشق بالمنشار زكريا، وذُبح السيد الحصور يحيى، وعاش مع الوحوش عيسى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار بالبكاء داود، واتهم بالسحر والشعوذة والجنون رسول الله ﷺ ، ونحن لن نكون أكرم على الله ﵎ من رسوله الذي أوذي وشد الحجر على بطنه من شدة الجوع، بل إن يوسف ﵇ كان أميناً على خزائن الأرض وكان لا يشبع، فسئل عن ذلك؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجياع، ونحن نقول: إنّا على الدرب سائرون، ولكننا ما شددنا حجراً في يوم من الأيام، وما ابتلينا.
إن سيدنا أبا بكر صدِّيق هذه الأمة ضُرب بالنعل على وجهه من قبل عقبة بن أبي معيط وكان ينزو على بطنه حتى أقبلت بنو تيم وهم لا يشكون في موته ولا يعرفون أنفه من وجهه، وتقول أسماء: وجعل أبو بكر ﵁ لا يمس شيئاً من شعره إلا وسقط معها شيء من لحم الرأس.
فإذا أردت أن تلحق بركاب الناس فعلى الأقل ادع إلى الله ﵎، وتعلم شيئاً ينفعك في دينك، فلو ضاقت علينا الدنيا كلها، فعلى كل واحد أن يمسك عائلته ويدعو فيها؛ وليقم الرجل خطيباً في قبيلته، حتى لو سدوا عليك أبواب الدعوة وأودعوك السجن، ولم يبعثوا أحداً ليتقصى أخبارك! فأقل شيء أن تدعو عائلتك، وقد يتأخر نصر الله ﵎ لعدم وجود الإيمان، أو لعدم كماله؛ فهذا الشيخ عبد الكريم زيدان يقول: واقع المسلمين لا ينقض سنة الله في نصر المؤمنين، إن سنة الله في نصر المؤمنين قررها الله ﵎ في القرآن الكريم، وهي سنة مؤكدة يقيناً لا يخالطنا فيها ذرة من الشك بسبب ما يُرى من واقع المسلمين من كونهم مغلوبين لا غالبين، بل مقهورون من قبل أعدائهم غير منصورين عليهم؛ لأن هذه السنة وهي نصر المؤمنين حين يكونون موصوفين بأوصاف الإيمان وبمعانيه التي بينها الله في كتابه، لا بمعاني الإيمان في مخيلاتهم ومقاييسهم بأمانيهم، فإن انتصارهم على أهل الباطل كائن.
стр. 834
سنة الله أن للقوة المادية تأثيرها في النفوس
أيضاً من سنن الله: أن للقوة المادية تأثيرها في النفوس.
فمن الناس من يقول: لن ننتصر ما دمنا قلة، نقول له: قال الله ﵎: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [الأنفال:٤٣].
إذاً: للقوة المادية مع القوة المعنوية تأثير في النفوس، وإن كانت القوة المادية مفقودة عند الصحابة يوم بدر لكن الله نصرهم: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال:٤٣].
وفي وصية عمر بن الخطاب ﵁ لجنده: إنما ينصر الله ﵎ المسلمين بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا بالقوة، وإن لم ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أنه عليكم في مسيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله.
هذه سنة الله ﵎ في نصر أوليائه وهزيمة أعدائه.
стр. 835
سنة الله أن على الجماعة المسلمة تجنب الرياء إن أرادت النصر
أيضاً من سنن الله ﵎ في الكون: أن على الجماعة المسلمة التي تريد النصر أن تتجنب الرياء والشبهات: فأول من تسعر بهم النار ثلاثة، منهم رجل ظن نفسه مجاهداً في سبيل الله، وكما يحدث الرياء في الأفراد فقد يحدث الرياء في جماعة من الجماعات، يقول الشيخ عبد الكريم زيدان: وعلى الجماعة المسلمة أن تتجنب الرياء في عملها، وألا تحرص على ثناء الناس ولا على رضاهم مطلقاً؛ لأن الرياء يفقد الجماعة تأييد الله ورضاه، وإنما عليها أن تحرص على رضا الله ﵎.
يقول: ولكن هذا لا يعني أنها لا تتوقى سخط الناس ولا ترغب في رضاهم! فرضا الناس يؤدي إلى ثقتهم بالجماعة، والثقة شيء مطلوب ولكن لا يجوز لأي اتجاه أن يطلب رضا الناس بسخط الله ﵎.
стр. 836
سنة الله في الابتلاء والتمحيص
ومن سنن الله ﵎ قانون الابتلاء، وأنه لا بد من الفتنة: يقول الله ﵎: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] فلا بد من الفتنة إما بالمال وإما بالأمراض والأوجاع وغير ذلك.
يقول الله ﵎: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] إذاً: البلاء سنة من سنن الله ﵎.
ويقول الله ﵎: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧].
ويقول ﵎: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥].
ولكن الابتلاء بين الناس يتفاوت، فقد جرت سنة الله ﵎ في الابتلاء أن البلاء على قدر الإيمان؛ فأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون والعلماء الأمثل فالأمثل، ويمتحن الله ﵎ المؤمنين بالشدائد كما يمتحنهم بالجهاد ويمتحنهم بأنواع الأذى.
وقد يبتلي الله ﵎ الأمة الكافرة عسى أن ينفعها هذا البلاء، يقول الله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف:٩٤].
والله ﵎ يبتلي أيضاً مدّعي الإيمان: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣].
والله ﵎ قد يبتلي العبد بفتنة النعمة وهذه سنة من سنن الله ﵎، وكثير من الناس لا يصمد على فتنة المال؛ يقول عبد الرحمن بن عوف ﵁: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر.
فمن الممكن أن تلقى أخاً يرابط على صلاة الجماعة في الصف الأول طالما أن لديه أكل يوم فقط! فإذا ما أغناه الله غاب عن صلاة الجماعة؛ ولذلك قال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٤٩].
والله ﵎ هو المتفرد بامتحان عباده، وقد أمرنا أن نتعوذ من الفتن، فقد كان النبي ﷺ يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم، ومن فتنة القبر وعذاب القبر، ومن فتنة النار وعذاب النار، ومن شر فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال).
ويقول الله ﵎: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة:٥] جاء في التفسير: أي: لا تظهرهم علينا فيفتنونا عن ديننا، ولا تسلطهم علينا فيفتنونا عن ديننا.
والله ﵎ حين يبتلي الجماعة المسلمة لا يبتليها ليعذبها وإنما يبتليها ليهذبها؛ وهناك كلام طيب للشيخ عبد الكريم زيدان في سنة الابتلاء يقول: والمحن إن كانت مما جرت به سنة الله في ابتلاء عباده فهي تمحيص وتمييز للصادق من الكاذب، وللخبيث من الطيب، وهذه السنة تسري على الجماعة المسلمة، ولكن حذار أن تجلب الجماعة المسلمة المحن لنفسها أو تستعجل وقوعها لها، مدفوعة بالحماس لنصرة الإسلام أو مستحضرة في نفسها أن المحن والشدائد لابد منها، وأنها بدون المحن تنصب عليها التهم بالضعف والخور والقصور في خدمة الإسلام.
ويقول: استعجال المحن جهل من الجماعة المسلمة، أعني بهذا الجهل: جهل الجماعة المسلمة بمعنى سنة الله في الابتلاء والفتن والامتحان وما يجب عليها.
يقول: لا يعني ذلك وجوب أو استحباب أو إباحة أن تجلب الجماعة المحن لنفسها وتتعمد الوقوع فيها، كما لا تعني هذه السنة عدم جواز الحذر أو الوقاية! فالموقف الصحيح للجماعة المسلمة أنها لا تستغرب الفتن إذا أصابتها المحن أو الشدائد، ولكنها لا تستعجل الوقوع فيها ولا تتمنى الوقوع فيها، يقول المصطفى ﷺ : (لا تتمنوا لقاء العدو)، ويقول الله ﵎ عن نبيه إسماعيل: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] لم يقل: ستجدني من الصابرين؛ فالذي يصبر من صبّره الله ﵎.
يقول الشيخ عبد الكريم زيدان: رياء الجماعة المسلمة يجلب لها المحن، وقد يكون الدافع للجماعة المسلمة في سعيها لجلب المحن لنفسها هو رياؤها وطلبها السمعة لنفسها عند الناس، وهذا الدافع للعمل داء قديم في الجماعات وفي الأفراد، ولكن ضرره في الجماعة المسلمة أشد من ضرره بالأفراد والجماعات الدنيوية، فالمصطفى ﷺ يقول: (بشر هذه الأمة بالثناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب) وإذا لم يحصل ثناء ولا رفعة ولا تمكين في الأرض فذلك لأنه يوجد رياء، وليس هناك إخلاص.
وأيضاً من المحاذير في هذا الباب وفي هذه السنة: أنه (لا ينبغي للمسلم أن يذل نفسه)؛ وهذا حديث صحيح: كيف يذل نفسه؟ قال: (يتعرض من البلاء لما لا يطيق) أي: أنه يعرض نفسه لأمر يعلم أنه يؤدي إلى الفتنة، وأنه سيحلق لحيته.
فالإنسان يتقي الله ﵎ في إخوانه، ويتقي الله ﵎ فيمن حوله وفيمن وراءه.
стр. 837
سنة الله تعالى في أخذ الظالمين بالظالمين
وأيضاً من سنن الله ﵎: قانون الظلم: فإن الله ﵎ حرّم الظلم على كل شيء، وأن الظالم لا بد له من عقوبة في الدنيا قبل الآخرة، يقول رسول الله ﷺ : (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة به في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم).
وانظروا في تاريخ مصر أو في تاريخ الدول قاطبة: كيف حال الظالمين؟ وأين حال الظالمين؟ ذهبوا إلى مزبلة التاريخ، مشيعين بلعنات الصادقين؛ فهؤلاء أرادوا أن يدخلوا التاريخ فدخلوا التاريخ من أنجس أبوابه.
فمن السنن أن الله ﵎ قد يعاقب الظالم بتسليط ظالم عليه، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩] يعني: ينتقم الله ﵎ من ظالم بظالم، ولذلك كانوا يقولون للحسن البصري: ندعو على الحجاج؟ نخرج على الحجاج؟ قال: إن الحجاج كان عقوبة من الله ﵎، وعقوبة الله لا تغير بالسيف وإنما بالتوبة.
وذلك أن أهل العراق لما ظلموا وخرجوا عن طاعة علي ﵁ دعا عليهم كما يقول الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية فقال: اللهم سلط عليهم فتى ثقيف الذيّال الميّال يبيد خضراءهم، ولم يولد الحجاج بعد.
يقول الإمام ابن القيم: فأعمال القوم عمّالهم، يعني: أن ولاتنا على قدرنا، وإن ولاة الصدر الأول من الصحابة على قدرهم، ويأبى عدل الله أن يولي علينا أمثال معاوية بن أبي سفيان فضلاً عن أبي بكر وعمر.
والعجيب أنه إذا اختلفت الجماعات الإسلامية لا يلجئون إلى مثل تحاكم معاوية وعلي ﵄، فإن علياً لما اختلف مع معاوية وحدث بينهم من القتال ما حدث، قال لـ ضرار: يا ضرار! صف لي علياً؟ قال: اعفني يا أمير المؤمنين! قال: والله لا أعفيك، فجعل يصف علياً قال: كان غزير الدَمعة، قصير الثوب، أشهد والله لقد رأيته في ظلم الليل وهو يتململ تململ السليم ويقول: يا دنيا! إليكِ عني لقد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها.
قال: كيف حزنك عليه يا ضرار؟! قال: كحزن من ذُبح وحيدها في حجرها.
فبكى معاوية حتى بل ثوبه وقال: رحمك الله يا أبا الحسن! وأنت اليوم إذا اختلفت مع أخ لك فإنك تسبه وتلعنه، يعني: كل حسناته تضعها في التراب ولا ترى فيه إلا الشيء السيئ؛ هذا في تعاملات الناس مع إخوانهم، ولم نصل بعد للخلافة ولم نصل إلى الإمبراطورية، بل ما زلنا على الرصيف نمشي، ومن الناس من يقول: نعم والله العظيم، لقد حصل من فتنة علي ومعاوية الضرر الكثير وذهبت الألوف المؤلفة، وهاهو ابن القيم يقول: ويأبى عدل الله أن يولي علينا أمثال معاوية فضلاً عن أمثال أبي بكر وعمر، يعني: ليس من سنة الله في الكون أن يولي علينا أمثال أبي بكر وعمر إلا إذا كنا على نهج الصحابة تماماً، قيل لأمير المؤمنين علي: ما بال الثورات قد كثرت في عهدك ولم تكثر في عهد أبي بكر؟ قال: لأن أبا بكر كان أمير على مثلي وأنا اليوم أميراً على أمثالكم، كما تكونون يولى عليكم.
стр. 838
سنة الله في الظالمين أنهم لا يفلحون أبداً
ومن سنة الله ﵎ أن الظالم لا يفلح أبداً: يقول الله ﵎: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:١٣٥].
ويقول الله ﵎ مبيناً أن الأمة تهلك بظلمها: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام:٤٥] أي: تهلك الأمم بالظلم، وهلاك الأمم الظالمة له أجل محدود، فقد يملي الله ﵎ للظالم ولكنه إذا أخذه لم يفلته.
стр. 839
سنة الله أن الدولة تبقى مع كفرها ولا تبقى مع ظلمها
وأيضاً من سنن الله ﵎: أن الدولة قد تبقى مع الكفر ولا تبقى مع الظلم: يقول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] فالدولة الكافرة قد تكون عادلة، بمعنى أن حكامها لا يظلمون الناس، والناس أنفسهم لا يتظالمون فيما بينهم، فهذه الدولة مع كفرها تبقى، وهذه سنة الله في الكون؛ إذ ليس من سنته إهلاك الدولة بكفرها فقط، لكن إذا انضم إلى الكفر ظلم حكامها للرعية، وتظالم الناس فيما بينهم هلكت هذه الدولة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة.
ويقول أيضاً: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام، حتى وإن كان الناس مسلمين فلن يبقوا وهم ظالمون، فليتقوا الله ﵎ حتى لا تخرب البلاد؛ فمن آثار الظلم خراب البلاد، يقول الإمام القرطبي: إن الجور والظلم يخرّب البلاد بقتل أهلها وانجلائهم منها، وترفع من الأرض البركة، يقول الله ﵎: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل:٥٢].
стр. 840
سنة الله تعالى في خلاص الصالحين من فتنة الظالمين
ومن سنن الله ﵎ أن الصالحين لا يفتنون من الظالمين على الدوام: ففي صحيح الإمام البخاري: قال إبراهيم النخعي: كان الصحابة يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا.
والتعاون مع هذه السنة أن الإنسان لا يركن إلى الذين ظلموا، يقول سعيد بن المسيب: لا تملئوا أعينكم من أعين الظلمة إلا وأنتم لهم منكرون؛ حتى إنهم كانوا يتحاشون الدخول على الأمراء أيام دولة الخلافة، فقد كان سعيد يقول: إذا رأيت العالم يرتاد مجالس الأمراء فاعلم أنه لص.
стр. 841
الأسئلة
стр. 842
التحذير من خرافات الصوفية
السؤال
أعلمكم بأنني بعد عناء كبير وبحث وتنقيب هداني الله ﵎ إلى أصحاب الدعوة الصحيحة، ألا وهي الدعوة السلفية، فهي الفرقة الناجية إن شاء الله، بعد أن كنت قبورياً صوفياً، وأطلب من العلماء أن يكثروا من دروس العلم، وأن يكثّفوا جهودهم لهداية الناس وخاصة ضد الصوفية، فهي الخطر الدائم ضد التوحيد، وأقسم لكم بالله إنهم يقولون كلاماً ويعتنقون معتقدات أكثر كفراً وشركاً من اليهود والنصارى والكفار عامة؛ فأحيطكم علماً أن هذه الطرق الصوفية شركية تسري وتنتشر بسرعة الصاروخ، ولها جنود يعملون على انتشارها، وأصحاب الدعوة نائمون عن هذا! فهم أكثر خطراً من العلمانيين؛ فهم يجعلون من سيدنا محمد إلهاً، كما أُعرّفك أنني من بلدة تابعة لمحافظة المنية ولا يوجد فيها أكثر من عدد الأصابع يتبعون الدعوة السلفية، ومعظم أهل البلدة يتبعون الطرق الصوفية، وعددها يقرب من الثلاثين ألفاً.
وبعد فمرفق هذا الخطاب أحاديث يوزعونها على الصوفية، وهي بعض من أحاديث كثيرة.
الحديث الأول: نور النبي، قال رسول الله ﷺ : (أول ما خلق الله نوري قبل كل شيء)؟
الجواب
وهو حديث لم يقله الرسول ﷺ .
وأيضاً يقول الشيخ الشعراوي نسأل الله أن يعفو عنا وعنه: إن رسول الله ﷺ قال: (إن أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر!) وهذا القول الذي ينسبونه إلى رسول الله ﷺ لا أساس له من الصحة، وأصل هذا راجع لنظرية عند الهنود وعند محيي الدين بن عربي اسمها: الحقيقة المحمدية، فالهنود يقولون: أول ما خلق الله الكلمة، وبالكلمة خلق كل شيء؛ هذا اعتقاد الهنود في كتابهم: زندة فتة، والصوفية يقولون في الحقيقة المحمدية: أول ما خلق الله الحقيقة المحمدية وبها خلق كل شيء؛ وهذا مخالف للفطرة وللعقل السليم؛ لأن أبا البشر خُلق من طين، ثم جعل نسله من ماء، ورسول الله ﷺ من نسل آدم، من سلالة من ماء، هذا هو الصحيح.
وكان هناك عندنا شيخ صوفي آثاري كبير يقول: الذين يقولون: إن الرسول ﷺ ولد ولادة طبيعية، مثل ما يجري ما بين الرجل وامرأته من جماع صحيح هذا يستحق الضرب! فالرسول ﷺ شق له فتحة غير المجرى التناسلي تماماً خرج منها رسول الله ﷺ ، وكان الرجل هذا مع الشركيات التي عنده يقول لهم: الجمعة الآتية سأكون في البلدة الفلانية، وهكذا ضربت الصوفية بشركياتها على البلدة.
ومن الصوفية من يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٧] ﷺ ، فطالما أن هذا قول لا يتبدل، ويعلم أن فيكم رسول الله؛ إذاً: يقولون بنظرية التناسخ، فيقولون: انتقلت روح النبي ﷺ إلى قائم العصر الذي يدعى عز الدين ومعنى ذلك: أن هذا الكلام يقول بالتناسخ الذي يقول به الفلاسفة.
стр. 843
الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة
السؤال
كيف نوفق بين أن ندعو إلى الله ﵎ ونحن نتوقع البلاء، وبين ألا نعرِّض أنفسنا لما لا نطيق؟
الجواب
الإنسان لا بد أن يعرف أن هناك حداً معيناً للتعامل مع الظالمين، فهو مثلاً يعلم أنه مهما استخدم القوة المسلحة لن يغيّر شيئاً، فيستجلب الضرر على نفسه وعلى جماعته ودعوته، كما وقع معنا ونحن في بني شريف، فإن مجرد حصول اعتداء على ضابط شرطة؛ أسفر عنه الضرر على بقية الدعاة، فقد حبس ثلاثمائة وخمسون داعية، فالأصل فيهم وإن كانوا ظالمين أنهم مسلمون، وإهدار دم المسلم نحاسب عنه أمام الله ﵎، ومتى رخُص الدم رخُص كل شيء، فالإنسان يتقي الله ﵎: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] ليست على عجلة، والمفروض أن الحركات الإسلامية تعي الدرس جيداً، وماذا بقي حتى يفيق الناس ويتقون الله ﵎ فيما تبقى من الحركة.
فقد قامت الحركة الإسلامية قبل عام (١٩٨١م) منطلقة من المدينة الجامعية، حتى قال مدير المدينة الجامعية: يا إخوة! كأنكم دولة داخل دولة، فالمطعم نحن الذين نشرف عليه، والذي لا يصلي نأتي به ليصلي، والدجاج يذبح بطريقة إسلامية، ولا يوجد نصراني في المدينة، فقد جعلناها مدينة إسلامية، إلى أن انتشر خبرها أمام مجلس الشعب، وتكلمت بها إذاعة بريطانيا، ولكن الناس لم يرعوا هذه النعمة، فوالله لقد كنا نفعل في المدينة ما لا يفعله مدير المدينة الجامعية نفسه، أما الآن فإن الدعوة في القرى محاصرة، ومداخل المحافظات ومخارجها محاصرة، فأنت قد تدمر دعوتك بسبب تصرفك.
стр. 844
علامات البلاء
السؤال
كيف أعرف أن إنساناً مبتلى من الله ، وهل هناك علامات لذلك؟ وما الذي يجب على الناس في شدة البلاء؟
الجواب
إن أعطاك الله مالاً ثم نمت عن صلاة الفجر شهراً أو سنة فهذا بلاء؛ فكلنا أعلم ببلائه والله أعلم، وإن أعطاك الله زوجة لا تعينك على الطاعة فهذا بلاء، وإن أعطاك الله أولاداً يكثر منهم الأخطاء فهذا بلاء، وكل أعلم ببلائه.
стр. 845
حكم المسافر الذي يدخل المسجد وقد بقي من الصلاة ركعتان
السؤال
رجل كان في سفر فدخل المسجد فوجد جماعة وعلم أنه بقي من الصلاة ركعتان فنوى القصر وصلى ركعتين، فما حكم صلاته؟
الجواب
هذا القول جائز في قول مرجوح عند الأحناف، ونقل هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ولكن هذا مرجوح وضعيف، والعمل على خلافه والله أعلم.
следующие страницы →