Полный текст (947 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الأسئلة
стр. 842
التحذير من خرافات الصوفية
السؤال
أعلمكم بأنني بعد عناء كبير وبحث وتنقيب هداني الله ﵎ إلى أصحاب الدعوة الصحيحة، ألا وهي الدعوة السلفية، فهي الفرقة الناجية إن شاء الله، بعد أن كنت قبورياً صوفياً، وأطلب من العلماء أن يكثروا من دروس العلم، وأن يكثّفوا جهودهم لهداية الناس وخاصة ضد الصوفية، فهي الخطر الدائم ضد التوحيد، وأقسم لكم بالله إنهم يقولون كلاماً ويعتنقون معتقدات أكثر كفراً وشركاً من اليهود والنصارى والكفار عامة؛ فأحيطكم علماً أن هذه الطرق الصوفية شركية تسري وتنتشر بسرعة الصاروخ، ولها جنود يعملون على انتشارها، وأصحاب الدعوة نائمون عن هذا! فهم أكثر خطراً من العلمانيين؛ فهم يجعلون من سيدنا محمد إلهاً، كما أُعرّفك أنني من بلدة تابعة لمحافظة المنية ولا يوجد فيها أكثر من عدد الأصابع يتبعون الدعوة السلفية، ومعظم أهل البلدة يتبعون الطرق الصوفية، وعددها يقرب من الثلاثين ألفاً.
وبعد فمرفق هذا الخطاب أحاديث يوزعونها على الصوفية، وهي بعض من أحاديث كثيرة.
الحديث الأول: نور النبي، قال رسول الله ﷺ : (أول ما خلق الله نوري قبل كل شيء)؟
الجواب
وهو حديث لم يقله الرسول ﷺ .
وأيضاً يقول الشيخ الشعراوي نسأل الله أن يعفو عنا وعنه: إن رسول الله ﷺ قال: (إن أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر!) وهذا القول الذي ينسبونه إلى رسول الله ﷺ لا أساس له من الصحة، وأصل هذا راجع لنظرية عند الهنود وعند محيي الدين بن عربي اسمها: الحقيقة المحمدية، فالهنود يقولون: أول ما خلق الله الكلمة، وبالكلمة خلق كل شيء؛ هذا اعتقاد الهنود في كتابهم: زندة فتة، والصوفية يقولون في الحقيقة المحمدية: أول ما خلق الله الحقيقة المحمدية وبها خلق كل شيء؛ وهذا مخالف للفطرة وللعقل السليم؛ لأن أبا البشر خُلق من طين، ثم جعل نسله من ماء، ورسول الله ﷺ من نسل آدم، من سلالة من ماء، هذا هو الصحيح.
وكان هناك عندنا شيخ صوفي آثاري كبير يقول: الذين يقولون: إن الرسول ﷺ ولد ولادة طبيعية، مثل ما يجري ما بين الرجل وامرأته من جماع صحيح هذا يستحق الضرب! فالرسول ﷺ شق له فتحة غير المجرى التناسلي تماماً خرج منها رسول الله ﷺ ، وكان الرجل هذا مع الشركيات التي عنده يقول لهم: الجمعة الآتية سأكون في البلدة الفلانية، وهكذا ضربت الصوفية بشركياتها على البلدة.
ومن الصوفية من يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٧] ﷺ ، فطالما أن هذا قول لا يتبدل، ويعلم أن فيكم رسول الله؛ إذاً: يقولون بنظرية التناسخ، فيقولون: انتقلت روح النبي ﷺ إلى قائم العصر الذي يدعى عز الدين ومعنى ذلك: أن هذا الكلام يقول بالتناسخ الذي يقول به الفلاسفة.
стр. 843
الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة
السؤال
كيف نوفق بين أن ندعو إلى الله ﵎ ونحن نتوقع البلاء، وبين ألا نعرِّض أنفسنا لما لا نطيق؟
الجواب
الإنسان لا بد أن يعرف أن هناك حداً معيناً للتعامل مع الظالمين، فهو مثلاً يعلم أنه مهما استخدم القوة المسلحة لن يغيّر شيئاً، فيستجلب الضرر على نفسه وعلى جماعته ودعوته، كما وقع معنا ونحن في بني شريف، فإن مجرد حصول اعتداء على ضابط شرطة؛ أسفر عنه الضرر على بقية الدعاة، فقد حبس ثلاثمائة وخمسون داعية، فالأصل فيهم وإن كانوا ظالمين أنهم مسلمون، وإهدار دم المسلم نحاسب عنه أمام الله ﵎، ومتى رخُص الدم رخُص كل شيء، فالإنسان يتقي الله ﵎: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] ليست على عجلة، والمفروض أن الحركات الإسلامية تعي الدرس جيداً، وماذا بقي حتى يفيق الناس ويتقون الله ﵎ فيما تبقى من الحركة.
فقد قامت الحركة الإسلامية قبل عام (١٩٨١م) منطلقة من المدينة الجامعية، حتى قال مدير المدينة الجامعية: يا إخوة! كأنكم دولة داخل دولة، فالمطعم نحن الذين نشرف عليه، والذي لا يصلي نأتي به ليصلي، والدجاج يذبح بطريقة إسلامية، ولا يوجد نصراني في المدينة، فقد جعلناها مدينة إسلامية، إلى أن انتشر خبرها أمام مجلس الشعب، وتكلمت بها إذاعة بريطانيا، ولكن الناس لم يرعوا هذه النعمة، فوالله لقد كنا نفعل في المدينة ما لا يفعله مدير المدينة الجامعية نفسه، أما الآن فإن الدعوة في القرى محاصرة، ومداخل المحافظات ومخارجها محاصرة، فأنت قد تدمر دعوتك بسبب تصرفك.
стр. 844
علامات البلاء
السؤال
كيف أعرف أن إنساناً مبتلى من الله ، وهل هناك علامات لذلك؟ وما الذي يجب على الناس في شدة البلاء؟
الجواب
إن أعطاك الله مالاً ثم نمت عن صلاة الفجر شهراً أو سنة فهذا بلاء؛ فكلنا أعلم ببلائه والله أعلم، وإن أعطاك الله زوجة لا تعينك على الطاعة فهذا بلاء، وإن أعطاك الله أولاداً يكثر منهم الأخطاء فهذا بلاء، وكل أعلم ببلائه.
стр. 845
حكم المسافر الذي يدخل المسجد وقد بقي من الصلاة ركعتان
السؤال
رجل كان في سفر فدخل المسجد فوجد جماعة وعلم أنه بقي من الصلاة ركعتان فنوى القصر وصلى ركعتين، فما حكم صلاته؟
الجواب
هذا القول جائز في قول مرجوح عند الأحناف، ونقل هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ولكن هذا مرجوح وضعيف، والعمل على خلافه والله أعلم.
стр. 846
السنة صيام ثلاثة أيام من كل شهر
السؤال
هل يجوز صيام التاسع والعاشر والحادي عشر من هذا الشهر، ثلاثة أيام متصلة؟
الجواب
نعم، هذه هي السنة والله أعلم.
стр. 847
جواز فطم المرضعة طفلها قبل عامين
السؤال
ما حكم الإسلام في امرأة حامل تُرضع طفلها الرضيع، هل تفطم طفلها وقد قال الله ﵎: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤]؟
الجواب
أقصى مدة للرضاعة عامان، ولكن يجوز لها أن تفطمه قبل ذلك، والله أعلم.
стр. 848
وجوب ستر المعاصي ما لم يكن صاحبها مجاهراً بها
السؤال
شاب أقبل على علاقة مع سيدة متزوجة؟
الجواب
الستر أولى يا إخوة! اتقوا الله ﵎.
стр. 849
وجوب الذهاب إلى طبيب مسلم
السؤال
إني مسافر للعمل في الخارج، وأشكو من خشونة في الركبة وذهبت للعلاج عند طبيب نصراني فقال لي: لا تثن ركبتك، وصلِّ على كرسي؟
الجواب
اذهب إلى طبيب مسلم أولاً، والخشونة في الركبة قد تكون من نقص اليود وغيره، فمن الممكن أن تتعالج بسهولة جداً، والله أعلم.
стр. 850
حكم الجهر بالبسملة والإسرار بها في الصلاة الجهرية
السؤال
أغلب الأئمة في صلاتهم لا يجهرون بالبسملة، وهذا قول الجمهور، فلماذا يحرمون الناس من سماع البسملة؟
الجواب
لأنه هو الرأي الأقوى، والذي عليه جمهور أهل العلم.
стр. 851
حكم إعفاء اللحية
السؤال
ما حكم إعفاء اللحية إذا كانت تسبب عقوق الوالدين؟
الجواب
لا تحلقها، قال رسول الله ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف)، وقال رسول الله ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وهذه فتوى الشيخ ابن باز.
стр. 852
نصيحة لمشاهدي مباريات كرة القدم
السؤال
يا حبذا من نصيحة للشباب، يقولون: في هذه الليلة يبدأ كأس العالم لكرة القدم!
الجواب
نحن لدينا مباراة كبيرة جداً في البوسنة والهرسك والفلبين، وهي جماجم أطفال المسلمين، فاتقوا الله ﵎، فإن الرجال عندما تميل تميل النساء، ونحن لا نحرم شيئاً أحله الله ﵎، ولكن اتق الله ﵎ واسأل نفسك هل تعطي لنفسك من دروس العلم والقرآن ما تعطيه لكأس العالم؟ فالواجب عليك أن تحمل هم الإسلام، فإن الشيخ ابن عثيمين أفتى أنه لا يجوز الذهاب إلى بلاد الكفر لمشاهدة مباراة كأس العالم، لكنك ترى السعوديين فرحين لوصولهم إلى نهائيات كأس العالم، وكأنهم حرروا القدس، فأفتى الشيخ ابن عثيمين بأنه يحرم ذلك، فنحن نقول: اتقوا الله ﵎ فما يجري في الدعوة من مباريات كثيرة تدار في الخفاء أولى أن تنتبهوا لها، فاللعب لا تستطيع أن تقول: إنه في ميزان حسناتك، ولكنك عندما تدعو واحداً سيكون في ميزان حسناتك: (لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من الدنيا وما فيها) فلو أنك ذهبت لأحد جيرانك وقعدت معه ناصحاً لكان أفضل لك، بدلاً من أن تقف مع ماردونا! ولن يجعله الله في ميزان حسناتك يوم القيامة، فنحن نريد من الإخوة أن يدعوا إلى الله ﵎، ويعمروا المراكز دعوة إلى الله ﵎.
стр. 853
المؤمن يتحرى الإخلاص في العمل
السؤال
قد يعمل الإنسان العمل لا يرجو به إلا وجه الله ولكن قد تحدثه نفسه بما فيه الرياء؟
الجواب
ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما، فإذا أتاك الشيطان وأنت في صلاة وقال لك: أنت مراءٍ فزد فيها.
стр. 854
حكم الزواج العرفي
السؤال
نرجو إلقاء الضوء على حكم الزواج العرفي؟
الجواب
الزواج بوجود القاضي والشهود الأكثرون من أهل العلم يقولون: إنه زواج فاسد، قالوا: لا نكاح إلا بولي، والله أعلم.
فما بالك بقولك: زوجتكِ نفسي، وقولها لك: زوجتكَ نفسي؟!
стр. 855
تحريم المجاهرة بالمعاصي
السؤال
ما حكم من ارتكب جريمة؟
الجواب
اتق الله يا رجل! واستر على نفسك يسترك الله يوم القيامة.
стр. 856
حكم صيام تاسوعاء وعاشوراء
السؤال
ما حكم صيام تاسوعاء وعاشوراء من شهر محرم؟
الجواب
قال رسول الله ﷺ : (نحن أولى الناس بموسى) ثم خالفهم قال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع) فالإنسان يجمع بين صيام التاسع والعاشر مخالفة لليهود.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 857
الصالحون والعصاة - حياتهم ومماتهم وميعادهم
لقد أرسل الله رسلاً، وأنزل كتباً ليبين للناس سبيل الرشاد، فكان من الأنام من اتبع نهج مولاه، وسار على طرق الحق، واتبع سبيل الهدى، فكانوا أعظم الناس قرباً إلى الله، وأحظاهم عنده.
وفي المقابل هناك من الناس من اتبعوا الشهوات، وغاصوا في بحور الشبهات المظلمات، وأوقعوا أنفسهم في مستنقعات الملهيات، فخسروا أنفسهم، وضيعوا أعمارهم، وحازوا على أكبر خسارة، ونالوا أعظم ندامة.
стр. 858
ذكر بعض الآيات التي تميز الصالحين عن العصاة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، و ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].
ثم أما بعد.
فحديثنا عن الصالحين والعصاة حياتهم ومماتهم ومعادهم.
وعندما نتأمل فإننا نجد الفروق بين الصالحين والعصاة قد تصل إلى خمسمائة فرق، وسنقف عند كل فرق ونترنم بقول القائل: وقل للذي قد غاب يكفي عقوبة مغيبك عن ذا الشأن لو كنت واعيا وحتى ولو لم تكن هناك نار أو آخرة.
وأن نترنم بقول القائل: قوم تخللهم زهو بسيدهم والعبد يزهو على مقدار مولاه تاهوا به عمن سواه لهوا يا حسن رؤيتهم في حسن ما تاهوا فيا صاحبي! قف بي مع الحق وقفة أعيش بها وفداً وأحيا بها وفدا وقل لملوك الأرض تجهد جهدها فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى قال الله ﵎: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠].
ولم يتكلم عن أصحاب النار وأهمل شأنهم وأعرض عنهم وجعلهم نسياً منسيا، وإنما ذكر أصحاب الجنة فقال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠].
وقال الله ﵎: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢].
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر:٢٤].
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٢].
وفي الجهل قبل الموت موت قلوبهم وأجسادهم قبل القبور قبور وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور وقال الله ﵎: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦].
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨].
وقال ﵎: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر:٥٨].
وقال الله ﵎: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨].
وقال الله ﵎: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص:٦١].
وقال الله ﵎: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر:٨].
وقال الله ﵎: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود:٢٤].
وقال الله ﵎: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩].
وقال الله ﵎: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٢].
وقال الله ﵎: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة:٨٨ - ٩٤].
وقال الله ﵎: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد:٣٥].
وهناك آيات كثيرة تزيد عن مائة آية في المقارنة بين العصاة وبين الصالحين.
стр. 859
بعض أقوال العلماء في التفريق بين الصالحين والعصاة
ومن أقوال أهل العلم، قال أحدهم: أفمن رغب إلى الله كمن رغب عن الله؟! أفمن بقي مع الله كمن بقي عن الله؟! وعزة سيدي! لا يسبق المقصر المجتهد أبداً ولو حبا إلى المجد حبواً.
ويقول الحسن البصري: لا يجعل الله عبداً أسرع إليه كمن أبطأ عنه.
ويقول أحدهم: أفمن كان في حال الوصال يجر أذياله كمن هو في مذلة الفراق يقاسي وباله؟! أفمن كان في روح القربة ونسيم الزلفة كمن هو في هول العقوبة يعاني مشقة الكلفة؟! أفمن هو في روح إقبال الله عليه كمن هو في محنة إعراضه عنه؟! أفمن هو في نهار العرفان وضياء الإحسان كمن هو في ليالي الكفران ووحشة العصيان؟! أفمن أيد بنور البرهان وطلعت عليه شموس العرفان كمن ربط بالخذلان ووسم بالحرمان؟! لا يستويان ولا يلتقيان.
стр. 860
تفريق الرسول الكريم بين الأبرار والفجار
وقال رسول الله ﷺ : (كما لا يجتنى من الشوك العنب كذلك لا ينزل الله الأبرار منازل الفجار).
وقال ﷺ : (عند الله خزائن الخير والشر مفاتيحها الرجال، فطوبى لمن جعله الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، وويل لمن جعله الله مغلاقاً للخير مفتاحاً للشر).
стр. 861
ذكر بعض الفروق بين الصالحين والعصاة
وانظر إلى العصاة وإلى الصالحين، فمن وجد الله فماذا فقد؟ ومن فقد الله فماذا وجد؟ فالأول كل عيشه مع الله ، وفي معية الله ، والله مولاه وناصره، وهو من حزب الله ، فماذا فقد إذا كان عزه بسيده؟ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨].
واجعل بربك كل عزك يستقر ويثبت فإن اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت والآخر إلهه هواه، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣].
وإلهه الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، قال ﷺ : (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة).
الأول في معية الله ، يصلي لله ﵎ ويثني عليه، وقد جاء في الحديث الصحيح: (إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحيتان في البحار ليصلون على معلم الناس الخير) ويثني عليه الله ، فماذا يريد بعد ذلك من الخير؟ ويقول له الله عند موته: (أن صدق عبدي) فماذا يريد بعد ذلك من الخير؟ فكفاه جزاء على الطاعة أن رضيه لها أهلاً، وأنه نظف مشاعره وأحاسيسه وقلبه وصدره وفرغه له، وجعل كل همه في طاعته وفي مرضاته، ويكفيه هذا وحتى ولو لم تكن هناك جنة، فما ظنه بصلاة الله عليه، واستغفار حملة العرش له، ودعاء النبيين له قبل وجوده في دار الدنيا، كما قال نوح ﵇ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح:٢٨].
وكما قال الله ﵎ لنبيه محمد ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]، فماذا يريد من الخير بعد ذلك؟ يضاعف له العمل القليل الذي ربما احتقره وربما لم ينظر إليه، وإذا عاد أخاً له في الله مريضاً بعث الله ﵎ على مدرجته سبعون ألف ملكاً يستغفرون له حتى يمسي، وهذا الكلام نوقن به ونعلمه.
وما ظنك بأن يستغفر لنا من أول النهار إلى آخره سبعون ألف ملك وأن نكون في معية الله ؟ فماذا تريد بعد ذلك؟ فعفوه يستغرق الذنوب، فكيف رضوانه؟ ورضوانه يستغرق الآمال، فكيف حبه؟ وحبه يدهش العقول، فكيف وده؟ ووده ينسي ما دونه، فكيف لطفه؟ ولطفه تطيب به الأرض، وكذلك الصالحون تطيب بهم الأرض، قال ﵊: (هم القوم لا يشقى جليسهم).
قوم كرام السجايا أينما جلسوا يبقى المكان على آثارهم عطرا فهم يعطرون المكان بعطر تطيب به الأرض بفضل طيبهم، وتشتاق إليهم الأرض، بل تشتاق إليهم الجنة.
وفي الحديث الصحيح الذي حسنه الشيخ الألباني يقول ﵊: (إن الجنة لتشتاق إلى علي وعمار وسلمان).
وإن الجبل ينادي جبلاً آخر باسمه: هل مر بك ذاكر لله ؟ فإن قال: نعم قال: أبشر، فالأرض تحس بوقع أقدامهم الطيبة.
وعلى الطرف الآخر أناس تلعنهم الأرض وتستريح بموتهم، فقد مرت جنازة على رسول الله ﷺ فقال: (مستريح أو مستراح منه.
فقالوا: يا رسول الله! ما المستريح وما المستراح منه؟ قال: إن العبد الكافر أو الفاسق أو المنافق تستريح منه البلاد والعباد والشجر والدواب).
وفي الأثر: (إن هوام الأرض وعقاربها تقول: لعن الله ابن آدم منعنا القطر بشؤم معصيته)، فأرض تلعن ناساً يمشون عليها، وأرض تشتاق إلى مرور أقدام الصالحين عليها، فماذا نريد بعد ذلك؟
стр. 862
صور من عز الصالحين
وانظر إلى وجه هذا وإلى وجه هذا، وإلى عزة هذا وذل هذا، فالأول له العز كل العز فشيخ الإسلام ابن تيمية عندما أتى إليه السلطان محمد بن قلاوون يقول: إنك تعمل مع ملك التتر -أي: المغول- لنزع ملكي، قال: ملكك وملك المغول لا يساوي عندي فلساً.
ويقول: أنا جنتي وبستاني في صدري أينما ذهبت فهي معي، إن معي كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، إن قتلوني فقتلي شهادة، وإن نفوني عن بلدي فنفيي سياحة، وإن سجنوني فأنا في خلوة مع ربي.
إن المحبوس من حبس عن ربه وإن الأسير من أسره هواه.
ولما منعوا سلطان العلماء أن يخطب في دمشق حتى يقبل يد سلطان دمشق الصالح إسماعيل قال: يا سبحان الله! أيها الناس! أنتم في واد وأنا في واد آخر، والله ما أرضى لسلطانكم أن يقبل يدي فضلاً عن أن أقبل أنا يده.
فانظر إلى عز هؤلاء حتى وهم في سجنهم.
وشيخ الإسلام ابن تيمية لما مات دخل عليه يغسله الحافظ المزي ومعه أربعة من حفاظ الحديث، وما استطاع ساجنوه أن يخرجوا في يوم موته إلى الشوارع أبداً؛ خوفاً من بطش العامة بهم.
فانظر إلى سجين يسجن ساجنيه وهو ميت.
فأي عز بعد هذا.
وهذا الفراء فقد كان ابنا المأمون يأتيان له بنعلين ليلبسهما.
ولما حبسوا عز الدين بن عبد السلام أراد الصالح وهو يكلم ملوك الفرنج أن يتودد إليهم، فقال: أتدرون من هذا الذي يقرأ في ظلمات الليل في خيمته القرآن؟ قالوا: من؟ قال: هذا أكبر قسيسي المسلمين -أي: أكبر شيخ عند المسلمين- حبسته من أجلكم؛ لأنه حرم بيع السلاح لكم.
فقال أكبر ملوك الفرنجة: لو كان هذا القسيس عندنا لغسلنا رجليه ولشربنا مرقته، أي: لجعلنا غسيل رجليه مرقاً وشربناه؛ لأنه رجل مبارك.
فهذا هو عز الصالحين.
стр. 863
صور من ذل العصاة
وأما ذل العصاة فيقول أحدهم: إني لأعصي الله فأجد ذلك في خلق دابتي وامرأتي.
ويقول الحسن البصري: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.
وانظروا إلى قول المخلوق للمخلوق: أناس أعرضوا عنا بلا جرم ولا معنى أساءوا ظنهم فينا فهلا أحسنوا الظنا فإن خانوا فما خنا وإن عادوا فقد عدنا وإن كانوا قد استغنوا فإنا عنهم أغنى أيها المعرض عنا إن إعراضك منا لو أردناك جعلنا كل ما فيك يردنا أي: لو أنك نظيف ولك قيمة ومنزلة عندهم لرفعوك كما يقول الله ﵎، ولكنك متمسك بالطين والوحل، وتعيش في الأرض بين الديدان والحشرات ومستنقع الهوام ولعب الأطفال ولا تنظر إلى السماوات أبداً، ولا تنظر إلى جمال الإسلام أبداً.
إذا أنت غمت عليك السماء وضلت حواسك عن صبحها فعش دودة في ظلام القبور تغوص وتسبح في قيحها
стр. 864
نور وجوه الصالحين وظلمة وجوه العاصين في الدنيا والآخرة
وعند المقارنة بين وجه هذا ووجه هذا فإن الشيخ إبراهيم عزة والشيخ صفوت نور الدين كانا إذا رؤيا ذكر الله.
ولم يسلم رجل بالنظر إلى وجه أحد الصالحين مثل ما حصل مع الحافظ عبد الغني المقدسي، فقد جلس معه رجل طول الليل ورأى بكاءه وصلاته فزفر الرجل زفرة خرج الكفر بها من صدره وأسلم.
وكانوا يصطفون في الطرقات لرؤية وجوه الصالحين، ويقولون: الوجه هذا يذكر بقيام الليل، والوجه هذا يذكر بصلاة الفجر جماعة، وهذا يذكر بالمسح على رءوس اليتامى.
فقد كانت وجوههم نيرة بطاعة الله .
قيل للحسن البصري: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوهاً؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره.
وعلى الطرف الآخر وجه كلما نظرت إليه ذكرك بالظلم وبسب الدين وبترك الصلوات وبالكبر، وبكل ما هو قبيح على وجه الأرض.
وإذا رأى الشيطان طلعة وجهه حيا وقال: فديت من لا يفلح فأين هذا من ذاك؟ قال الله ﵎: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٦٠].
وقال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن:٤١].
فهم زرق العيون سود الوجوه، وهذا أقبح منظر عند العرب.
قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١].
وقال: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس:٤٠ - ٤٢].
فهم خاشعة أبصارهم منكسة رءوسهم في يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء:٩٧].
وقال : ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨].
فهل يستوي الوجهان؟ وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٧].
وقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
стр. 865
الصلاح يعلي من قدر الإنسان ولو كان عبداً خادماً
وقبل أن تنظر إلى فكر هذا وفكر هذا، وإلى نهار هذا ونهار هذا، وليل هذا وليل هذا، وزوجة هذا وزوجة هذا، وطفل هذا وطفل هذا، وسماع هذا وسماع هذا، والصفات الخلقية العظيمة لهذا والصفات الذميمة لهذا، وجار هذا وجار هذا، انظر لخادم هذا وخادم هذا، أي: الخدام في بيوت الصالحين وفي بيوت العصاة، فهذا عنده خدامة سيلانية بالدولار، والثاني خادمه سالم مولى أبي حذيفة، والسيدة عائشة تحتبس ليلة على رسول الله ﷺ ، فيقول: (ما حبسك عنا يا عائشة؟ فقالت: رجل حسن الصوت يتهجد بكلام الله ، فيخرج النبي ﷺ إلى المسجد فإذا هو بـ سالم مولى أبي حذيفة، فيقول له: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك).
ولما كان يوم اليمامة وانكشف صف المسلمين أمسك سالم براية المسلمين، فقالوا: يا سالم! إنا نخشى أن نؤتى من قبلك.
قال: بئس حامل القرآن إذاً أنا، ثم أمسك اللواء بيمينه فقطعت يمينه، ثم أمسك اللواء بيساره فقطعت يساره، فضم اللواء إلى عضديه وهو يتلو قول الله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦].
والخادم في البيت المسلم مثل أبي العالية رفيع بن مهران كان يختم القرآن يومياً حتى نهاه أصحاب محمد ﷺ ، فجعل يختمه كل ثلاث.
والخادم في البيت المسلم مثل: سعيد بن جبير مولاهم، والحسن البصري مولاهم، وطاوس بن كيسان اليماني مولاهم، وعطاء بن أبي رباح مفتي الحرم، فهم سادة، نعالهم فوق جباه أبناء الدنيا جميعاً.
وأبناء الآخرة تخدمهم الملوك، وقد كان عطاء بن أبي رباح وهو عبد، وكان مفتي مكة، وأعلم الناس بالمناسك، وكان عبد الملك بن مروان يأتي به فيرفعه على سريره وقريش تحته يعلمهم، وكان عطاء بن أبي رباح أعور أفطس الأنف أشن أعرج أسود، ثم بعد ذلك عمي، ورغم هذا كله كان سيد الناس، وكنت إذا نظرت إليه لا تأبه له، فإذا تكلم علمت أنه مؤيد، وكأنما تنطق على لسانه الملائكة، هذا عطاء بن أبي رباح.
وكذلك كان الحسن البصري، فهؤلاء كانوا موالي، وكانوا عبيداً.
فأبناء الآخرة تخدمهم الملوك والخلفاء، فالشيخ ابن باز حمل نعشه أمراء السعودية.
وأبناء الدنيا تخدمهم الإماء والعبيد، وانظر عندما يكون خادمك عبداً ولا يكون ملكاً.
أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي.
(ولا يجعل الله من أسرع إليه كمن أبطأ عنه) أو كما قال ﵊.
стр. 866
مقارنة بين قلوب وهموم الصالحين والعصاة
الحمد لله وحده لا شريك له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ثم أما بعد: وانظر إلى قلب الصالح وإلى قلب العاصي، فالصالح قلبه سليم، سلم مما سوى الله ، وجعل همه في الله ، فهو مخبت منيب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧].
وعلى الطرف الآخر قلب قاس.
وفي القلب الأول يقول الرسول ﷺ : (إن لله آنية في الأرض، وآنية ربكم في أرضه قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها).
وقال النبي ﷺ : (خير الناس ذو القلب المخموم.
قالوا: وما القلب المخموم يا رسول الله؟! قال: الذي لا غل فيه ولا حقد ولا حسد).
وقلب العاصي فيه أغلال وأنكال، وعليه الران، فهو قلب مسود قاس ممسوخ، ومن الناس من يمسخ قلبه فيصبح كالكلب، ومنهم من يمسخ قلبه فيصبح كالخنزير فيترك الطيبات، وتكون العقوبة على القلب: الران والأغلال والصد والشد والقفل والصمم والبكم والغشاوة وتقليب الأفئدة وإنكار القلب وجعله غافلاً، وكل هذه عقوبات على القلب.
فهنا بساتين تزهر، وهناك نتن يفوح وقلوب دنسة، لم يرد الله ﵎ أن يطهرها.
وانظر إلى هم الصالح وهم العاصي، يقول النبي ﷺ (من جعل الهم هماً واحداً كفاه الله سائر همومه).
وإي والله! من جعل الهم هماً واحداً فجعله في ذات الله كفاه الله سائر همومه.
وقال النبي ﷺ : (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له منها).
تجده يقول لزوجته: نحن اليوم نريد أن نضع جدولاً لمدة ثلاثة أشهر ننضم فيها جدولنا في الصيف ونذهب بالأولاد إلى كذا وكذا، وهذا هو أمره، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧].
وقال: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم:٣٠]، هذا هو الشيء الوحيد الذي يعرفه ويريده، فنهاره مهتم بالدوري، يذهب لمشاهدة مباراة كذا وكذا، ولا هم له إلا هذا، ولا تمر الآخرة على باله مطلقاً في لحظة من نهار.
والصالح رجل همه أن يسارع في الاستيقاظ في السحر؛ حتى يفيق قلبه من غفلة الدنيا، ولو شممت نسيم الأسحار لاستفاق منك قلبك المخمور، ورياح الأسحار لا يشمها مزكوم الغفلة؛ لأنه عند السحر لابد أن ينام.
وفي الأثر: (يا جبريل! أنم هذا وأقم هذا).
كما قال العلامة ابن رجب الحنبلي.
همه أول ما يستيقظ أن يكون أول داخل إلى المسجد في صلاة الغداة -أي: صلاة الفجر- لأنه يعرف أنه أول من يخرج من بيته لصلاة الغداة يرافقه ملك برايته حتى يدخل معه المسجد، ثم يعود معه إلى بيته، فأراد أن ينعم بصحبة الملك، فهو قد جعل همه أن يسمع أذان المؤذن في صلاة الفجر وهو في المسجد، فإذا ما صلى الفجر في الصف الأول جلس في مصلاه إلى الشروق، ثم بعد ذلك يصلي ركعتين، فتكتب له أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة.
يقول سعيد بن المسيب: منذ أربعين سنة ما فاتتني تكبيرة الإحرام بالمسجد.
ويقول إبراهيم التيمي: إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فانفض يديك منه؛ فإنه لا يفلح.
فإذا أشرق الضحى تجده واقفاً صافاً قدمه بين يدي مولاه ليصلي صلاة الضحى، والقاسم بن محمد قال: ذهبت إلى بيت عمتي عائشة بعد صلاة الصبح فإذا هي قائمة تصلي الضحى وتقرأ قول الله : ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٨].
قال: فعدت إلى منزلي، ثم دخلت السوق واشتريت حاجتي، ثم أتيت، فإذا هي قائمة تردد نفس الآية: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧].
والصالح إذا أشرق عليه الصبح يقول: يا نفس! هذا يومك الذي فيه تموتين، أنت ستموتين هذا اليوم ولن يأتي المغرب عليك، فيظل في طاعة إلى الغروب، يسابق خروج الروح.
ويبدأ نهاره كما بدأ أبو هريرة بالتسبيح اثنا عشر ألف تسبيحة، ويقول: إنما أسبح بقدر ذنبي.
والصالح لا يترك زوجته تذهب أين شاءت، فتركب الأوتوبيس، مبهذل حالها على سلم الأوتوبيس فما هي عيشة الهم هذه؟ فبدلاً من أن تجلس في بيتها تسبح أو تسمع قراءة الشيخ خالد القحطاني أو الشيخ ابن باز أو ابن عثيمين، فتجلس تسبح وتنظف بيتها وتطعم أولادها، وليس لها هم إلا ذلك، وعندما تأتي تأكل مع زوجها تذكره بالآخرة، كما كانت تفعل رابعة بنت إسماعيل الشامية، كانت إذا جلست مع زوجها تلميذ الإمام أحمد تذكره بالآخرة، وأن الجنة فيها كذا، والنار فيها كذا، والعرض على الله كذا، فيقول لها: دعينا لا تنغصي علينا عيشنا، يعني: اللقمة التي نأكلها دعيها تنزل ولا تنغصيها علينا، فتقول له: لست أنا وأنت ممن ينغص عليه العيش بذكر الآخرة.
وكان أحدهم في وقت النهار لو رجع من الحرب والجهاد في سبيل الله يجمع غبار المعارك في صرة؛ حتى يجعل من هذه الصرة لبنة توضع معه في القبر.
стр. 867
بيان بعض أخلاق الصالحين
حياة الصالح حياة غريبة، فإنك تجده في النهار شفتيه ذابلتين، مثل سيدنا أبو أمامة ﵁، قال: (يا رسول الله! دلني على عمل، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له)، فكان أبو أمامة لا يرى في بيته دخان بالنهار أبداً إلا في حضرة ضيف.
والصالحون إذا مشوا على بقاع الأرض يمشون هوناً، ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣].
ويسعون في مصلحة الناس، يقول النبي ﷺ : (أفضل الأعمال عند الله سرور تدخله على مسلم، أو تطرد عنه جوعاً، أو تقضي عنه دينا)، وفي رواية: (أو تطعمه خبزا).
الصالحون ملئت قلوبهم رحمة، فلا تجدهم إلا واضعين أيديهم على رأس يتيم، يمسحون بها على رأسه، ويطعمون اليتيم بأيديهم، فقد كان سيدنا أبو بكر الصديق -وهو خليفة- يحلب شياه اليتامى بالنهار.
ولا يبغون من الخير إلا رقة الأحاسيس في دار الدنيا، وطهارة القلب ونعيمه، بدلاً من أن يصعد القلب كأنما يصعد في السماء في ضيق النفس والقلب وضيق الصدر واسوداد القلب.
وحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم والله العظيم! إن هذه الجنة في دار الدنيا قبل دار الآخرة، يقول ابن تيمية: إن لله جنة في الأرض من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة.
стр. 868
مقارنة بين ليل الصالحين وليل العصاة
وهناك أكثر من خمسمائة مقارنة بين الصالحين وبين العصاة، وتجد هذا عند الموت، بل تجده عند الموت الأول في ليل هذا وفي ليل هذا.
فليل الصالح دموع ورجاء وأمل بالله ، وخوف يقطع نياط القلوب الطاهرة، ودعاء ورغبة وذل على باب سيده، يقول: أسألك بعزتك وذلي، وأسألك بغناك عني وحاجتي إليك إلا رحمتني، عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، سؤال من رغم لك أنفه، وذلت لك رقبته، وخضع لك جميع أمره.
والصالح لا تجده في الليل إلا هكذا.
والآخر لا تجده إلا في صياح في كازينو أو في ملهى ليلي.
فالصالح يصف قدميه بين يدي مولاه، ولا يأتي فراشه إلا زحفاً، فإذا أتى إلى فراشه بكى وقال: سبقني العابدون وقطع بي، ويقول لنفسه: قومي يا مأوى كل سوء! وهل رضيتك لله طرفة عين؟ ويقول أحدهم: إني لأصلي الركعتين لله ، أقوم منهما بمنزلة السارق والزاني الذي يراه الناس، ينكرون أنفسهم ويحتقرونها.
ويقول مالك بن دينار: إذا ذكر الصالحون فأف لي وتف.
ويقول محمد بن واسع: لو كانت للذنوب رائحة ما استطاع أحد أن يجالسني من نتن رائحتي.
فكانوا يمقتون أنفسهم، ويظلون طوال الليل قانتين لله ، فإذا كان السحر مالوا إلى الاستغفار.
يقول الحسن البصري: وكأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم.
وكأنهم باتوا مصرين على القبائح والمعاصي.
فهل يستوي ليل هذا وليل ذاك؟ لا يستويان.
والصالح سماعه سماع النبيين والصديقين من أحسن الحديث والطيب من القول؛ سماعه القرآن الكريم يردده في صدره، ويردد الآية ويتعجب كيف ينام الناس عن هذا القرآن! يقول أحدهم: إني لأتعجب لحفظة القرآن -أو لقراء القرآن- كيف يذوقون النوم؟ وكيف ينامون ومعهم القرآن؟ أما والله! لو علموا ما حملوا لطار عنهم النوم فرحاً بما رزقوا.
والعاصي رجل بال الشيطان في أذنيه، وعقد الشيطان على قافية رأسه: عليك ليل طويل فنم ولا تقم، فليل هذا ليل كله غفلة، ينام حتى عن صلاة الظهر.
فلا يستوي هذا وذاك.
стр. 869
مقارنة بين الصالحين والعصاة عند الموت
والعاصي عند سكرات الموت كما قال الله ﵎: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٧].
وأنت عندما يضربك أحد -كالمعلم- في دار الدنيا تجد لضربه ألماً، فكيف بضرب الملائكة، كما قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام:٩٣]، قال ابن كثير: أي في الضرب.
ويقول ملك الموت للصالح عند سكرات الموت: اخرجي أيتها الروح الطيبة -إن كانت في الجسد الطيب- إلى روح وريحان ورب غير غضبان.
قال ابن القيم: إن العبد وهو يتقلب في نعيم الجنة فيذكر نعيم الدنيا فلا يساوي شيئاً مقارنة ببشارة ملك الموت له عند خروج الروح.
واليوم أربعة مليون شخص شيعوا جنازة الأميرة ديانا، وهذه قمة اللهو.
وإذا نظرنا إلى عدد المشيعين للعبد المؤمن فإنه عندما تخرج روحه يضعها الملائكة في حنوط من حنوط الجنة، وكفن من أكفان الجنة، فتخرج منها كأطيب نفحة مسك على وجه الأرض، وينادونه بأحب الأسماء إليه كانت في دار الدنيا، ويشيعها من كل سماء مقربوها إلى السماء التالية.
وفي حديث النبي ﷺ : (ما في السماوات موضع أربعة أصابع إلا وملك ساجد واضع جبهته لله).
وسمك السماء الواحدة مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، والمقربون يشيعون روح العبد الصالح حتى يصلوا بها إلى السماء السابعة، فيقول الله: (اكتبوا كتاب عبدي في عليين).
وعلماء التفسير اختلفوا في معنى عليين، يعني: هل هي في السماء السابعة أو عند سدرة المنتهى أو في قائمة العرش اليمنى أو عند الله ؟ فأقل شيء أن روحه تكون في السماء السابعة فما فوق، فهي في علو دائم.
وأما العاصي فيقول له: (اكتبوا كتاب عبدي في سجين) في الأرض السابعة، في حزر إبليس وتحت سيطرته، وروحه لا تفتح لها أبواب السماء، ولا تصعد في ملكوت السماوات، قال تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].
والعاصي تجذب روحه جذباً، وذلك عندما تتفرق وتخاف وتنتشر في جسده فإن الملائكة يجذبونها جذباً، قال تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات:١].
وتخرج منها كأنتن جيفة على وجه الأرض، ولا تصعد إلى السماء، وينادى من قبل العرش: (أن كذب عبدي)، وكفاية عليك هذا لو لم ترض بجوار الله .
стр. 870
نعت الله لأهل المعاصي بأقبح النعوت
المولى نعت أهل المعاصي والشاردين عن بابه ومن كفروا بأقبح النعوت، فنعتهم بالضلال، قال الله ﵎: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٦].
ونعتهم بالغفلة، قال الله ﵎: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].
ونعتهم بالتخبط في الظلمات، قال تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة:١٧].
ونعتهم بالانحراف عن الصراط، قال الله ﵎: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون:٧٤].
ونعتهم بالسقوط والهوي، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].
ونعت قرينهم بقرين السوء قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء:٣٨].
وقال الله ﵎: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:٢٧].
وقال الله ﵎: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣].
ويقول الشيطان خطيبهم في النار، وانظر إلى من يكون خطيبه في الجنة ألا وهو نبي الله داود ذا الصوت الرخيم وصاحب المزامير، وصاحب النار يكون خطيبه نعيق البوم والشيطان: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢].
فإذا سمعوا مقالته هذه مقتوا أنفسهم.
ونعت الرجل الذي أعطاه العلم فأخلد إلى الأرض بقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦]، وليس هذا فقط، بل قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:٥].
إذاً: فهو كمثل الكلب وأضل من الأنعام ومثل الحمار، ولا يوجد هناك نعت أسوأ من هذا ولا أقبح من هذا، إلا وألصق بهم ونسب إليهم.
ويقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢].
ويقول الله ﵎: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤].
ونعتهم بغيبة العقل وبالعلم القاصر وبالمجادلة بغير علم، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج:٨].
وباتباع الظن، قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم:٢٨].
وبالسفاهة، قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٤٠].
وبالمقت، قال تعالى: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر:١٠].
ووصف قلوبهم بالقاسية قال الله ﵎: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦].
وبالفسق وبفعل السوء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:١٦٩].
وبظلم أنفسهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:٢٣١].
وبالكبر، قال تعالى: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦].
وبالريبة والشك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٤٥].
وبالغرام الشديد بكل شيء، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٥].
فإذا وجدت مسرحية جديدة هم عبدة لها، وإذا حان وقت مباريات كأس العالم، تجد شغله الشاغل هو وزوجته وأولاده أن يعملوا الأكل ويضعوه في الثلاجات؛ لأنهم مشغولون بكأس العالم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٥].
إلا الوادي الأفيح، وإلا وادي المسك، وإلا وادي المعاملة مع الله ، فهذا الوادي لا يعرفونه.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٥].
وإذا ظهرت أغنية جديدة فإنهم ينشغلون بها، وينشغلون بالبذلة الجديدة، وبآخر موضة جديدة، وبالأكل في المطعم الفلاني فهذا هو مبلغه من العلم، وهذا الذي يعيشه فقط، وليس معه شيء آخر، ولا يفكر في حاجة أخرى، وليس له هم للإسلام أو هم للدعوة أو لكذا أو كذا.
وقد كانت زوجة أبي محمد حبيب العجمي تقول له: قم يا سيدي! فهذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، وبين يدينا طريق طويل وزاد قليل، وهذه قوافل الصالحين قد سارت أمامنا إلى الجنة ونحن قد بقينا.
فبالله عليك هل يستوي هذا وهذا؟ وسياسي كبير يقول: أنا حققت ثلاثة انتصارات: على ذبابة دخلت مخدع نومي وكانت تطن، وبعد ساعة قتلتها وانتصرت عليها! والثاني يقول: كان وزني خمسة وثمانين كيلو فعملت ريجيم وخفضت من وزني، ولا ألعب طاولة مع زميلي إلا وكان زميلي كل مرة يغلبني والمرة هذه غلبته أنا.
فهذه ثلاثة انتصارات لا يتحملها القلب لدرجة أنه أصيب بالسكر، فإن كنت هكذا فأنت شبه رجل.
стр. 871
حجب الله للعصاة وفضحه لهم وتكريمه للصالحين
ومن كان هذا حاله فإن الله حجب عنه مغفرته، قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٣٧].
ورؤيته، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
ونظره وتزكيته لهم، قال تعالى: ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران:٧٧].
وحرمهم من النور، قال تعالى: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد:١٣].
وينادى بهم على رءوس الأشهاد، ويقول الأشهاد: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود:١٨]، وهذه فضيحة مجلجلة، قال تعالى: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]، فكيف هو حال العاصي إذا ضيق عليه القبر حتى تختلف أضلاعه؟ وكيف إذا جعل له فراش من النار؟ وكيف إذا أتى إليه الشجاع الأقرع؟ الذي ينكره أحمد منصور؟ نسأل الله أن يجازيه به إن لم يتب، وكيف إذا قال الله : ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] فيبتدره سبعون ألف ملك أو مائة ألف ملك، كلهم يريد أن يضع الغل في عنقه؟ وكيف إذا سحب على وجهه إلى النار؟ وكيف إذا سيق إلى جهنم وهو عطشان كما قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦] وهذا بعد خمسين ألف سنة وقد تقطعت أعناقهم من شدة العطش؟ وكيف إذا حشروا إلى النار هكذا؟ وأما الصالحون فتقرب إليهم الجنة؛ لكرامتهم على الله، قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق:٣١].
ولا يسيرون إليها سيراً بل -والله- ركباناً، فكيف إذا تلقتهم الملائكة؟ وكيف إذا تلقتهم الحور العين على أبواب قصورهم؟ وخادم واحد من خدمك في الجنة يساوي الدنيا كلها ومن عليها، وإذا رأى قهرمانه في الجنة -وهو وكيل الخزنة- هم بالسجود له، فيقول له: ارفع رأسك، فيقول: كأنك ملك وأنا لا أعرف، فيقول: إنما أنا قهرمانك، وتحت يدي ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه.
وآخر من يدخل الجنة له مثل عشرة أمثال الدنيا من يوم أن خلقها الله حتى يحييها.
وعند النظر في نعيم الجنة ونورها والمقارنة بين متاع هذا في الجنة ومتاع هذا في الجنة نجد بينهما ألف نقطة، ونقطة واحدة فقط كفيلة أن تعود بك إلى الله .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 872
الصدق
الصدق منجاة، من عمل به نجاه، وهو من صفات المؤمنين، ومن خصال المتقين، ومن علامات الصالحين، فالفوز والفلاح معقود في كل كلمة صدق، والنجاة والخلاص متعلقة بكل كلمة حق.
وقد حث الله عليه في كتابه الكريم، وحض عليه رسوله المصطفى في غير موضع من سنته المطهرة، والصدق لا يعني فقط صدق اللسان، وإنما هو صدق الجنان، والجوارح والأركان في جميع الأعمال والأقوال والأحوال.
стр. 873
فضل الصدق
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
ثم أما بعد: الصدق أساس هذا الدين، وعمود فسطاط اليقين، به تميز سكان الجنان من سكان النيران، أما كونه أساس هذا الدين فلا يدخل العبد في الإسلام إلا بتصديق من قلبه حتى وإن نطق بالشهادتين وخالف النطق قلبه فهو مخلد في النار، فأساس الإسلام: قول باللسان وتصديق بالجنان، وكما قالوا: إن العبد يعصم ماله ودمه بالنسبة للدنيا بالنطق بالشهادتين، ولكن المسلم الناجي عند الله : من أتى بالنطق بالشهادتين ثم صدق القلب بما نطق اللسان.
وهذه قد تظهر من فلتات الرجل أو تظهر من أعماله وإن لم يصرح بها.
هب أن رجلاً نطق بالشهادتين أمام الناس، ثم أتى إلى مصحف فمزقه، ووضعه تحت قدمه وهو غير مكره ولا خائف ولا معتوه العقل، فهل يصدق أن هذا مسلم؟ فلو كان في قلبه أصل أعمال القلوب، وأصل التوقير لله ، وأصل الخوف من الله ، لما مزق كتاب الله ، فلا يدخل العبد في الإسلام إلا بتصديق القلب، والنطق بالشهادتين: يعصم بها المال والدم في ديار الإسلام، ولا يقتل الرجل طالما أنه نطق بالشهادتين ما لم يرتد بعد ذلك.
الصدق به الفلاح في الدنيا والآخرة، قال الله : ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة:١١٩]، فالصدق هو الذي ينجي في عرصات القيامة، والكاذب كاذب حتى في عرصات القيامة، فلقد جاء في الحديث: أن الله ﵎ يقول لنوح أول نبي أرسله: (يا نوح هل بلغت؟! يقول: نعم، فيقول الله لأمة نوح: هل بلغكم نوح؟ يقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول الله : من شهودك؟ يقول: محمد ﷺ وأمته)، فيكذب قوم نوح أمام الله ، ولكنهم إذا رءوا النار تلتهب صدقوا: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥]، وعندما يقول لهم خزنة النار: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨ - ٩].
يقول رسول الله ﷺ من حديث أبي هريرة الذي رواه الإمام أحمد، وحسنه الحافظ ابن كثير، وحسن الإسناد الشيخ أحمد شاكر: (إنها ستأتي على الناس سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل لـ أبي هريرة: وما الرويبضة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة)، أي: الرجل الحقير التافه يتكلم في أمر العامة، ولقد قال رسول الله ﷺ : (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)، وقال رسول الله ﷺ : (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه)، وقال ﷺ لأعرابي: (إن تصدق الله يصدقك)، وقال أيضاً: (أفلح إن صدق).
стр. 874
من أخبار الصادقين
عبد القادر الحسيني رجل عظيم، استشهد وهو يدافع عن القدس، وابنه هو المسئول الآن عن ملف القضية الفلسطينية، هذا كان خريج الجامعة الأمريكية في القاهرة، وفي حفل التخرج، وبعد أن صعد المنصة ليتسلم شهادته، قال أمام الجميع: إنكم ما أتيتم لبلادنا إلا للتفجير والتنصير، وهناك كتب عدة في الجامعة تدعو إلى هذا، ثم أتى بالشهادة فمزقها ووضعها تحت قدميه.
إن تصدق الله يصدقك.
وهذا الرجل في أثناء حرب ثمانية وأربعين، وقد أوشكت القدس على السقوط، ذهب إلى سوريا يستنجد من اللجنة العربية لإنقاذ القدس، ويطلب سلاحاً يدافع به عن القدس، فلم يعطوه، فعاد مرة ثانية من سوريا وهو يقسم ألا تسقط القدس حتى يقتل في سبيل الله ، وظل بمدفعه يقاتل أربعة وعشرين ساعة متكاملة، والقوات التي أمامه تظن أنه كتيبة فدائية تقاتلها، حتى سقط الرجل شهيداً.
إن تصدق الله يصدقك.
مفتاح الصديقية، وهي درجة ثانية بعد النبوة، صدق في الأقوال، وصدق في الأحوال وهو الإخلاص وصدق في الأعمال واستواء السريرة مع العلانية ولقد كان رسول المولى يسأله: أن يرزقه مدخل صدق، ومخرج صدق، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:٨٠].
وسيدنا إبراهيم سأل ربه فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤]، وقال الله ﵎: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥]، وقال الله ﵎: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس:٢].
ومعنى: أدخلني مدخل الصدق أي: كل دخول في أي أرض يكون بالله ولله، كدخول النبي ﷺ المدينة، فقد خرج من دياره تاركاً وراءه كل شيء: الأهل والأحباب والمال، خرج فاراً بدينه، فلما أتى إلى المدينة وكان دخوله صادقاً بالله وفي الله أثر هذا الدخول في عبد الله بن سلام زعيم اليهود، قال عن يوم دخول النبي ﷺ المدينة: (لما نظرت إليه علمت أنه ليس بوجه كذاب على الله، فكان أول ما سمعته منه: أيها الناس! أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)، هذا مدخل الصدق.
ومخرج الصدق: كل خروج يكون لله ، كخروج النبي ﷺ إلى بدر، وخروجه أيضاً من مكة لينشر دعوة الله : ويح قوم جفوا نبياً بأرض ألفته ضبابها والظباء وسلوه وحن جذع إليه وقلوه ووده الغرباء ونحا المصطفى المدينة واشتا قت إليه من مكة الأنحاء وخروج الكذب: كخروج أبي جهل في يوم بدر، قالوا له: قد أفلتت العير من محمد فارجع سالماً، قال: لا والله! والله لا نعود ولا نرجع حتى نمكث ببدر ثلاثة أيام، نشرب الخمور وتعزف لنا القيان، فتسمع بنا العرب فتهابنا، فأذله الله في يوم بدر.
كل خروج من البيت أو إلى أي مكان تكون فيه ضامناً على الله وأنك ستخرج لله وفي لله، فهو خروج الصدق.
ولسان الصدق: هو الثناء العطر من الناس بعد ممات الرجل، قال الله ﵎: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:١٠٨ - ١٠٩].
فاحذر أن يفضحك ميراثك يوم موتك، يقول النبي ﷺ لما مروا عليه بجنازة: (مستريح أو مستراح منه، ولما سألوه عن المستراح منه؟ قال: العبد المنافق أو الكافر تستريح منه البلاد والعباد والشجر والدواب).
ومقعد صدق أي: الجنة، وقدم صدق: ما تقدمه من إيمان بالله ورسوله، ولذلك فسروها: بأنها محمد ﷺ ، أو ما تقدم عليه وهي الجنة.
الدين كله صدق، فمن زاد عليك في الصدق، فقد زاد عليك في الدين.
قال الله ﵎: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥]، وقال الله ﵎: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، وقال الله ﵎: ((وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ)) أي: الدين ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] أي: الصديق ﵁.
يقول سيدنا علي: والذي نفسي بيده! إن الله سمى أبا بكر صديقاً، يعرفه المسلمون بنعته وصفته، وكثير من المسلمين لا يعرفون اسم أبي بكر الصديق الحقيقي، إنما يعرفونه بكنيته وبصفته.
الصدق يرفع صاحبه، وانظر إلى الصديق الأنصاري ومنزلته في الأنصار كمنزلة أبي بكر في المهاجرين، وهو سيدنا سعد بن معاذ ﵁ لما قال: (يا رسول الله! امض لما أمرك الله به، فإنا والله صدق في الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك)، وهذا الرجل حالف يهود بني قريظة قبل الإسلام فكانوا من حلفائه، يقول النبي ﷺ لمعشر الأنصار: (قوموا إلى سيدكم) فأنزلوه، وكان مريضاً، وسأل الله ألا يمته حتى تقر عينه من يهود بني قريظة، وقد قالوا في النبي ﷺ ما قالوا، ونالوا منه بألسنتهم، وكان قد أصيب سعد في أكحله، وكان الدم لا يرقأ، وبكى أبو بكر وبكى عمر وبكى النبي ﷺ ، وجعل النبي حوله من يرقع جرحه، وما اندمل الجرح، فرفع سعد يده يدعو إلى السماء، وقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من يهود بني قريظة، قالوا: فوالله لقد حبس الشريان فما قطرت منه بعد ذلك قطرة واحدة، ثم حاصر النبي ﷺ يهود بني قريظة وقاتلهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ وهم يظنون أنه سيجاملهم.
وحكم فيهم سعد بحكم الله من فوق سبع سماوات: أن تقتل مقاتلتهم، وأن تسبى نساؤهم وذراريهم، وهذا نفس الحكم الموجود في توراتهم المحرفة، فأخبر النبي ﷺ وقال: (لقد حكمت فيهم يا سعد! بحكم الله من فوق سبع سماوات).
فتصوروا أن رجلاً يمشي على الأرض يوافق حكمه حكم الله من فوق السماوات السبع، أي شرف لهذا الصادق أعظم من هذا.
ثم قال سعد بعد أن قتل اليهود على ضوء سعف النخيل: اللهم افجره شوقاً إليك، فانفجر الشريان، وكان النبي ﷺ يأتي إلى سعد كل يوم، ويسأل عن أخباره رفيدة، فلما أتى إلى رفيدة قالت: يا رسول الله! اشتد به الوجع، فأتى قومه بني عبد الأشهل فحملوه إلى ديارهم، ونزل جبريل على رسول الله ﷺ ، وقال: (يا رسول الله! من هذا الذي مات من أمتك؟ نزل اليوم إلى الأرض سبعون ألف ملك، ما نزلوا إلى الأرض قبل يومنا هذا).
فالنبي ﷺ أسرع المشي حتى قال الصحابة: (يا رسول الله! تقطعت شسوعنا ونعالنا، فقال النبي ﷺ : أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله كما غسلت حنظلة).
ولما وصل النبي ﷺ إلى بيته وجد أمه تنوح عليه، فقال: (كل نائحة تكذب إلا أم سعد، أو إلا نائحة سعد)، جعلت تقول: ويل أم سعد سعداً صرامة وجداً وفارساً معداً.
ولما حملوه قال المنافقون: ما وجدنا أخف حملاً منه، فأخبرهم ﷺ أن الملائكة قد حملته معهم، ثم قال النبي ﷺ : (إن السرير اهتز فرحاً بموت سعد بن معاذ)، وفي رواية: (إن عرش الرحمن اهتز فرحاً بموت سعد بن معاذ)، وهذه هي الجائزة العظمى للصدق.
стр. 875
من أنواع الصدق
الصدق في الإيمان والأحوال والأعمال، والصدق في النيات، والصدق في العزم.
стр. 876
الصدق في الخوف
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ثم أما بعد: الصدق في الخوف: ليس أن تدمع عيناك وأنت ترتكب المعاصي، ليس الخائف من يبكي ويمسح عينيه، إنما الخائف من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه.
كان مالك بن دينار يعظ قوماً، ثم بعد أن انتهى من موعظته التفت إلى النعل فلم يجدها، فقال: كلنا يبكي فمن سرق النعل؟ فالدموع ليست بكافية، ربما تكون دموع تماسيح.
هل أنت صادق مع الله ؟ أم أن توبتك كتوبة شيخ ضعفت قوته عن ارتكاب المعصية، أو يدعي التوبة ويلتفت إلى الذنب الفينة بعد الفينة، ويتذكر حلاوة الذنب؟ فلو صدقت توبتك لصحت.
فكل يوم يمر عليك ولا تعصي الله فهو يوم عيد.
وهذه هاجر أتى بها إبراهيم إلى جبال فاران موضع مكة الآن، ونظرت حولها فلم تجد إلا هدير الصحراء؛ فقالت: (يا إبراهيم! إلى من تتركنا في مثل هذا المكان القفر، يا إبراهيم! آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً فلن يضيعنا).
هذا الكلام سهل، لكنه كلام امرأة ومعها رضيعها في الصحراء، وبعد قليل سيفارقها زوجها، ولن تجد بعد ذلك لا ابن ولا بنت، ولن تجد إلا الموت في الصحراء.
فماذا تفعل المرأة برضيعها، وهو يتلبط من الجوع والعطش، فتهرول ما بين الصفا والمروة، ولصدقها يجعل الله هذه الخطوات ركن من أركان الحج، فرفعها الله بصدقها، ولما نزل إليها جبريل، قال: من أنت؟ ومن زوجك؟ قالت: أنا أم إسماعيل، وزوج إبراهيم، قال: إلى من وكلكما؟ قالت: إلى الله، فقال: صدقت، وكلكما إلى خير كافل، لا تخشي الضيعة، إن الله لا يضيع أهله.
ويزعم أنه منا قريب وأنا لا نضيع من أتانا ويسألنا على الإحسان جوداً كأنا لا نراه ولا يرانا قال الله : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]، ولما صدقت في المعاملة مع الله ، وعلمت أن الله هو خير كافل، وهو خير وكيل، ألقت بابنها الرضيع على صفحة النهر، وقد كانت ترضعه على خوف من فرعون وملئه، والآن تلقيه في اليم، والأم إذا خافت على ولدها ضمته إلى صدرها، فلم يقل لها: فضميه إلى صدرك بل (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)، وهذا من صدق التوكل على الله .
سبحان من جعل من موج البحر لموسى مستراحاً ومأمناً ومناماً، وجعل من النار لإبراهيم برداً وسلاماً.
ويأتي هذا التابوت إلى قصر فرعون لتكون المعركة على أرضه.
وكأنه يقال له: جندت كل جندك وكل القافلات من أجل هذا الطفل الرضيع! فسوف نسهل لك المهمة ونأتي به إلى قصرك.
وتنظر الجواري فيلتقطن سيدنا موسى ﵇، وإنما يؤتى الحذر من مأمنه، ولا يؤتى فرعون إلا من قبل زوجته التي تعيش معه في غرفة واحدة، قال الله ﵎: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، قالت زوجة فرعون: ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص:٩]، ونجاه الله بأرق شيء، وهو المحبة التي ألقاها في قلب آسية، فلم تحمه الملائكة ولا غيرها، وإنما حماه الله بكلمة الحب: لا تقتلوه.
وربي موسى في حجر فرعون، ولسان القدر يقول: لا نربيه إلا في حجرك.
стр. 877
الصدق في الأقوال
الصدق في الأقوال: أن يجتنب الإنسان ما أمكنه عن المعاريض، ويحاول أن يكون صادقاً، ويجنب نفسه كثرة المعاريض، نعم إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ولكن يحاول الإنسان أن يخفف.
ومن الصدق في الأقوال: أن يصدق الله في مناجاته أثناء العبادات، فلا يقول أثناء الصلاة: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً.
وقلبه في القاهرة مثلاً، ولا يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] ويكون عبداً لشهواته، ولقد قال النبي ﷺ : (تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة)، فالصدق في الأقوال ينجي.
روي أن صبياً وهو عبد القادر الجيلاني أثناء طلب العلم ذهب إلى بغداد، فأعطته أمه أربعين ديناراً، فخرج على القافلة التي كان يسير فيها قطاع الطرق، فأتى أحد اللصوص إلى الجيلاني فقال: ما معك؟ قال: أربعون ديناراً! فظن أن الولد يكذب، فأعاد عليه مرة ثانية، فقال: معي أربعون ديناراً، فأتى به إلى زعيم اللصوص، فقال: ما معك؟ قال: أربعون ديناراً، ثم أخرجها؟ قال: ما حملك على الصدق؟ قال: إني عاهدت أمي على الصدق! قال: يا سبحان الله! أنت تخاف أن تنقض عهدك مع أمك على الصدق، وأنا لا أخاف أن أنقض عهد الله ، ثم قال: أنا تائب على يديك، فقال اللصوص: أنت كبيرنا في التوبة كما كنت كبيرنا في قطع الطريق، وتابوا على يد الجيلاني وهو طفل صغير.
والصدق منجاة، قال الجنيد في درجة الصدق في الأقوال: أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب، مثل ربعي بن حراش ﵀ وهو أحد التابعين، قالوا: ما كذب قط، وكان الحجاج طالباً منه ولديه ولم يكن له غيرهما، فعلم أن ربعي بن حراش يعلم مكان ولديه، فلما أتي به إلى الحجاج قال: أين ولداك؟ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون هما في البيت، قال: عفونا عنهما من أجل صدقك.
стр. 878
الصدق في المجاهدة والتوبة إلى الله
والصدق في المجاهدة مع الله : ألا تختار غير الله ، ولا تقدم عليه أحداً، قال الله : ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨] أي: اصطفاكم، فلا تختر على الله ولا تقدم عليه أحداً، كما لم يقدم عليك ولا على المسلمين أحداً بأن اصطفى هذه الأمة.
والصدق في التوبة مع الله .
فهذا بشر بن الحارث الحافي، الذي قال عنه الناس: ما أخرجت بغداد أتم عقلاً منه، والإمام أحمد كان إذا سئل في مسألة عن الزهد والورع، قال: تسألوني عن الزهد وفيكم بشر؟ قالوا: إنه كان في بداية حياته ماجناً، وكان يسرق، وبينما هو يدعو إخوانه إلى ليلة عنده، إذ مر ذاهب بالباب فطرق قصر بشر بن الحارث، فلما خرجت إليه الجارية، قال لها: قصر من هذا، قصر عبد أم حر؟ فقالت له: قصر حر، فقال: صدقت لو كان عبداً لاستعمل آداب العبودية، ثم مضى، فخرج بشر حافياً وراءه، لما سأل الجارية عما قاله، وما لبس نعلاً وظل حافياً طيلة حياته، قال: حال لقيت الله بها لا أغادرها أبداً، فلقب بالحافي، ويوم موته خرجوا به وقت صلاة الغداة وما وضعوه في قبره إلا بعد العشاء.
علي بن المديني يقول: هذا والله! عز الدنيا قبل عز الآخرة، وهذا شرف الدنيا قبل شرف الآخرة.
وكان أبو محمد حبيب العجمي مرابياً، وكان إذا خرج إلى الشارع يخرج الأطفال حوله يهتفون وراءه: هذا أبو محمد حبيب العجمي المرابي، فجلس مجلساً للحسن البصري فتاب إلى الله ، وتصدق بجميع ماله، فكان بعد ذلك إذا خرج إلى السوق يقول الأطفال: هذا أبو محمد حبيب العجمي الزاهد.
إن تصدق الله يصدقك، يقول أبو عبد الرحمن الزاهد: ويلي! من أشد جرماً؟ يا مولاي! عاملتُ عبادك بالصدق والأمانة، وعاملتك بالخيانة!! اتق يوماً تقف فيه أمام الله ، ليس بينك وبينه ترجمان، تنظر عن يمنيك ما ترى إلا ما قدمت، وتنظر أشأم منك فلا ترى إلا النار.
أنا العبد الذي كسب الذنوبا وصدته الأماني أن يتوبا أنا العبد المسيء عصيت سراً فمالي الآن لا أبدي النحيبا أنا الغدّار كم عاهدت عهداً وكنت على الوفاء به كذوبا أنا العبد المخلف عن أناس حووا من كل معروف وطيبا فيا أسفا على عمر تقضى ولم أكسب به إلا الذنوبا وأحذر أن يعاجلني ممات يحير هول مصرعه اللبيبا أنا العبد الفقير مددت كفي إليكم فادفعوا عني الخطوبا أنا العبد الغريق بلج بحر أصيح لربما ألقى مجيبا أنا العبد السقيم من الخطايا وقد أقبلت ألتمس الطبيبا أنا المضطر أرجو منك عفواً ومن يرجو رضاك فلن يخيبا انظروا إلى توبة ماعز الذي ارتكب الزنا ثم قال الرسول ﷺ : (والله! لقد تاب توبة لو قسمت على أمة لعمتهم).
وانظروا إلى الغامدية التي قال عنها النبي ﷺ بعد أن زنت وتابت إلى الله : (والله! لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبلت منه).
وهذا كعب بن مالك عندما تاب الله عليه قال له النبي ﷺ : (أبشر يا كعب بخير يوم خرج عليك منذ ولدتك أمك).
стр. 879
الصدق في النيات والعزم
فالصدق في النيات: هو أن تريد بالعمل وجه الله ﵎، ولا تريد رئاء الناس، يقول الله ﵎ عن المنافقين: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة:١٠٧]؛ لأنهم كذبوا في نياتهم.
الصدق في العزم: يقول سيدنا عمر بن الخطاب ﵁: والله! لئن أقدم فتضرب عنقي، أحب إليّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر الصديق.
والصدق في العزم يتفاوت، فرب رجل يقول: عليّ لله إن أعطاني مالاً أن أتصدق بجميع هذا المال، ولكنه إذا أتاه المال يكون متردداً.
وقد يقول رجل: إني أحب أبا بكر الصديق، ولكن لا يكون في عزمه كعزم سيدنا عمر، فسيدنا عمر يقول: والله لئن أقدم فتضرب عنقي أحب إليّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر الصديق.
وهذا صدق في العزم.
ومثل سيدنا أنس بن النضر ﵁ عندما غاب عن مشهد بدر، فقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ مع الكافرين وأغيب عنه! والله! لئن أشهدني الله مشهداً آخر لأرين الله ما أصنع.
يقول أبو تراب النخشبي: إن الرجل إذا صدق في عزمه أعطاه الله حلاوة العمل قبل مباشرته للعمل.
يعني: إذا علم الله من نيتك ومن عزمك الصدق ألبسك رداء هذا العمل قبل أن تفعله، وأعطاك بصيصاً من حلاوته قبل أن تقدم عليه.
فالأصل: المتاجرة مع الله بالقلوب، وسيدنا أنس بن النضر عندما خرج إلى جبل أحد، فقال له سعد بن معاذ: إلى أين يا أبا عمرو؟ فقال: إليك عني يا سعد بن معاذ، والله! إني لأشم ريح الجنة من دون أحد.
وقاتل حتى قتل، فما عرفته إلا أخته الربيع بنت النضر ببنانه فقط، وفيه نزل قول الله : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣].
يقول النبي ﷺ في حديث نعيم بن همار الذي أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط بإسناد صحيح، قال: (الشهداء الذين يقاتلون في سبيل الله في الصف الأول، ولا يلتفتون بوجوههم حتى يقتلوا، يلقون في غرف الجنة العليا يتلبطون، يضحك الله ﵎ إليهم، وإن الله ﵎ إذا ضحك إلى عبد فلا حساب عليه).
стр. 880
النصر متعلق بالصدق
والصدق ينجي في الدنيا والآخرة، هل صدق المسلمون والعرب وهم مليار وربع مليار، واليهود خمسة مليون فقط؟ هل صدقوا الله في نصرة فلسطين؟ والله! ما صدقوا.
قالوا لنا أرضنا أرض مباركة فيها التقى والهدى والوحي والرسل ما لي أراها وبحر الزور يغرقها وأبقوا الأمر في أرجائها زجل عار على الأرض كيف الذل أغرقها كيف استوى عندها الكذاب والرجل فكم بكينا على أطلال قرطبة وقدسنا لم تزل في العار تغتسل في القدس تبكي أمام الله مئذنة ونهر دمع على المحراب ينهمل لم يبق شيء لنا من بعد ما غربت شمس الرجال تساوى السفح والجبل وكعبة تشتكي لله غربتها وتسكب الدمع في أعتاب من رحلوا كانوا رجالاً وكانوا للورى قبساً وجذوة من ضمير الصدق تشتعل القاتل الوغد لا تحميه مسبحة حتى ولو قام وسط البيت يعتمر يعقوب لا تبتئس فالذئب نعرفه من دم يوسف كل الأهل قد سكروا أسماء تبكي أمام البيت والهة وابن الزبير على الأعناق يحتضر يا فارس الشعر قل للشعر معذرة هل يسمع الشعر من بالوحي قد كفروا واكتب على القبر: هذي أمة رحلت لم يبق في ذكرها شأن ولا أثر تصوروا يا إخوتاه! أن الذي أدخل البريطانيين إلى القدس هم العرب، فقد أقام الجنرال اللنبي معاهدة مع الشريف حسين حتى يأخذ الخلافة، وتكون الخلافة هاشمية، فاسترخص اللنبي أن يأتي بدم إنجليزي ويدخل به إلى القدس، فأتى بعرب من أعراب المسلمين، ودخل ببنادقهم القدس في عام (١٩١٧م)، ثم ركز علمه الذي فيه الصليب على جبل الزيتون وقال: انتهت الحروب الصليبية الآن، والذين حوله لا يعلمون رطانته الأعجمية، ولا يعرفون ماذا يعني.
ولما سقطت فلسطين، واجتمعت الجيوش العربية نصبوا الملك عبد الله، عامله الله بما يستحقه، ومسكوه قيادة القوات العربية كلها، فجعل على رأس القمة قائداً إنجليزياً، وهو جولوب الإنجليزي، فكيف ستقاتلون الإنجليز واليهود تحت راية رجل إنجليزي؟!! وإن تصدقوا الله يصدقكم.
اللهم ارزقنا الصدق في الأقوال والأحوال والأعمال، واحشرنا مع الصادقين، واجعلنا مع الصادقين، اللهم زينا بزينة المهتدين المتقين.
رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أوابين مخبتين منيبين، اللهم تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا، بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا إلى غيرك، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننكسر فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا.
أقول قولي هذا، وأستغفر لي ولكم.
следующие страницы →