← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36328

حطم صنمك وكن عند نفسك صغيرا

مجدي الهلالي

Полный текст (189 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأخرج ابن أبى حاتم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " ما رفع سليمان ﵇ رأسه إلى السماء تخشعًا، حيث أعطاه الله ما أعطاه ". كيف دخل عمر بن الخطاب بيت المقدس ؟!: وهذا عمر بن الخطاب يدخل بيت المقدس فاتحًا .. فماذا كان حاله؟! كان بينه وبين الغلام الذي معه مناوبة .. فلما قرب من الشام كانت نوبة ركوب الغلام، فركب الغلام وأخذ عمر بزمام الناقة فاستقبله الماء في الطريق، فجعل عمر يخوض في الماء، ونعله تحت إبطه اليسرى، وهو آخذ بزمام الناقة، فخرج أبو عبيدة وكان أميرًا على الشام، وقال: يا أمير المؤمنين إن عظماء الشام يخرجون إليك، فلا يحسن أن يروك على هذا الحال، فقال عمر: إنما أعزنا الله بالإسلام، فلا نبالي بمقالة الناس (١). وعند موته ﵁ قال لابنه عبد الله: اطرح وجهي يا بني بالأرض لعل الله يرحمني .. قال: فمسح خديه بالتراب (٢). ألا ترى في هذا الموقف مدى تذلل عمر وانكساره لربه، وهو يمسح خديه بالتراب، وكيف كانت آماله كلها متعلقة برحمته سبحانه؟! وعلى نفس الدرب سار عمر بن عبد العزيز الذي ما كان يسجد إلا على التراب (٣) .. وكان يلبس ثيابًا عجيبه عند قيامه الليل! عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: كان لعمر بن عبد العزيز سفط، فيه دراعة من شعر وغل، وكان له بيت في جوف بيت، يصلي فيه لا يدخل فيه أحد، فإذا كان في آخر الليل، فتح ذلك السفط ولبس تلك الدرعة، ووضع الغل في عنقه، فلا يزال يناجي ربه ويبكي حتى يطلع الفجر، ثم يعيده إلى السفط (٤).

стр. 107

التواضع عند الرِفعة: إذن فعندما نبتلى بمنصب أو جاه بين الناس علينا أن نكثر من أعمال التواضع، لأن النفس في هذه الحالة تريد أن تشمخ وتخلع جلباب العبودية، وتلبس لباس التيه والفخر، وبالمبالغة في التواضع تعود إلى أصلها. انظر إلى أبي بكر الصديق ﵁ وقد استمر في حلب الأغنام لجيرانه بعد توليه الخلافة، ويقول لهم بعد أن ظنوا أنه لن يستمر في ذلك: بل لعمري لأحلبها لكم، وإني لأجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه خلق كنت عليه، فاستمر يحلب لهم (١). ولما بعث عمر أبا هريرة أميرًا للبحرين دخلها وهو راكب على حمار، وجعل يقول: طرقوا للأمير، طرقوا للأمير (٢). ورئي عثمان بن عفان على بغلة، وخلفه عليها غلامه نائل وهو خليفة، ورئي كذلك نائمًا في المسجد في ملحفة ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين (٣). قال أيوب السختياني: ينبغي للعالم أن يضع الرماد على رأسه تواضعًا لله (٤). ويحكي ابن الحاج في المدخل عن الشيخ الزيات - الذي كان من أكابر العلماء الصلحاء في وقته ببلاد المغرب - أنه كان إذا جلس إلى الدرس يجتمع له نحو من أربعمائة أو ستمائة من الفقهاء يحضرون إليه، فإذا فرغ من مجلسه قام ودخل بيته، وأخرج ما يحتاج إليه على رأٍسه أو في يده من قمح أو عجين يخبزه، أو شراء خضرة أو حاجة من السوق، أو حصاد لزرعه بيده، أوغسل ثياب إلى غير ذلك من الحوائج (٥).

стр. 108

التواضع عند ورود النعم: ومن المواضع التي يتأكد عندها التواضع لله : ورود النعم. قال كعب: ما أنعم الله على عبد من نعمة من الدنيا فشكرها لله، وتواضع بها لله، إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا، ورفع له بها درجة في الآخرة، وما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشكرها لله، ولم يتواضع بها لله، إلا منعه الله نفعها في الدنيا، وفتح له طبقًا من النار يعذبه إن شاء، أو يتجاوز عنه (١). ومن صور التواضع لله: كثرة السجود: من أجَل صور التواضع لله: السجود، فمن خلاله يكون العبد في وضع يظهره بمظهر الذليل، المنكسر، المستكين، وهذا ما يريده الله منه، من هنا يتبين لنا قوله ﷺ : " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء " (٢). فلنكثر من السجود، ولنظهر فيه انكسارنا واستكانتنا وخضوعنا لمولانا. قال طاووس: دخل علي بن الحسين الحجر ليلة فصلى، فسمعته يقول في سجوده: عُبَيدك بفنائك، ومسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك (٣). إظهار المسكنة في الدعاء: إظهار المسكنة في الدعاء صورة من صور تواضع العبد لربه .. أخرج الطبراني من حديث ابن عباس ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ ، ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين. وفى حديثه أيضًا أن النبي ﷺ قال في دعائه عشية عرفه: " أنا البائس الفقير، المستغيث، المستجير، الوجل، المشفق، المقر، المعترف بذنبه، أسالك مسألة

стр. 109

المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل جسده، ورغم لك أنفه ". التواضع عند الشدة والكرب: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]. فذم - سبحانه - من لا يستكين لربه عند الشدة. فمع ضرورة استكانة قلب المؤمن لربه وخشوعه له وإظهاره الفقر والمسكنة إليه في كل أحواله، إلا أن هذه الحالة ينبغي أن تتأكد عند الشدة والكرب. فهذا رسولنا ﷺ يخرج عند الاستسقاء متواضعًا، متخشعًا متمسكنًا متبذلًا (١). وحبس لمطرف بن عبد الله قريب له، فلبس خلقان ثيابه، وأخذ بيده قصبة وقال: أتمسكن لربي لعله يشفعني فيه (٢).

стр. 110

مع النفس حقيقة التواضع مع النفس هو استصغار المرء لها، ورؤيتها بعين النقص، كحال موسى ﵇ عندما استصغر نفسه، واستكثر أن يتحمل الرسالة بمفرده ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤] مع أن الواقع يدل على أنه ﵇ قد قام بها على خير وجه. وهذا إبراهيم ﵇ يقول في دعائه: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] قال الشوكاني: وإنما قال ﵇ ذلك هضمًا لنفسه (١). وتأمل ما قاله يوسف ﵇ في مناجاته لربه: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وكانت أحب كلمة تقال لعيسى ﵇: كان هذا المسكين (٢). وكذلك كان رسولنًا ﷺ ، يقول القاضي عياض: وحسبك أنه خُيِّر بين أن يكون نبيًا ملكًا أونبيًا عبدًا، فاختار أن يكون نبيًا عبدًا، فقال له إسرافيل عند ذلك: فإن الله قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من تنشق الأرض عنه، وأول شافع (٣). ومن صور تواضعه مع نفسه قوله ﷺ : " رحم الله أخي يوسف لو أنا أتاني الرسول بعد طول الحبس لأسرعت الإجابة حين قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ (٤) [يوسف: ٥٠].

стр. 111

ولقد جئ إليه ﷺ يومًا بطعام، فقالت له عائشة ﵂: لو أكلت يا نبي الله وأنت متكئ كان أهون عليك، فأصغى بجبهته حتى كاد يمس الأرض بها وقال: " بل آكل كما يأكل العبد، وأنا جالس كما يجلس العبد، وإنما أنا عبد " (١). ودخل عليه رجل فأصابته من هيبته رعدة، فقال له: " هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد " (٢). ضع نفسك: من أهم صور التواضع المرء عند نفسه: عدم تقديم نفسه للقيام بعمل ما، وكذلك رؤيته أنه ليس أهلًا للعمل الذي يتم ترشيحه له: كطلب الدعاء منه، أو تقديمه للإمامة في الصلاة، أو التحدث أمام الناس. فهذا أبو بكر الصديق يقول في أول خطبة له بعد توليه الخلافة: قد وليت عليكم ولست بخيركم .. مع أنه خير الناس جميعًا بعد رسول الله ﷺ ولكنه استصغار النفس. وهذا عمر بن عبد العزيز ﵁ يقال له: يا أمير المؤمنين! لو أتيت المينة، فإن قضى الله موتًا دفنت موضع القبر الرابع، مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر وعمر، قال: والله لأن يعذبني الله بكل عذاب، إلا النار فإنه لا صبر لي عليها، أحب إلى من أن يعلم من قلبي أني أرى أني لذلك أهل (٣). وكان كثير من السلف يكره أن يُطلب منه الدعاء ويقول لمن يسأله: أي شيء أنا، وكتب رجل إلى الإمام أحمد يسأله فقال: إذا دعونا نحن لهذا فمن يدعو لنا (٤).

стр. 112

يمشون على الأرض هونًا: ومن أعمال تواضع المرء عند نفسه: عدم التبختر أو الخيلاء عند المشي، بل كما وصف الله عباده: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. ومنها كذلك عدم التشدق أو التقعر بالكلام. ومنها الأكل على الأرض، وعدم الجلوس متكئًا كما كان يفعل رسول الله ﷺ . ومنها تقصير الثوب، وعدم جره خيلاء، ومنها لبس الدون من الثياب في بعض الأوقات، وقال ﷺ : " من ترك اللباس تواضعًا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان يلبسها (١). ولقد كان عبد الرحمن بن عوف لا يُعرف من بين عبيده (٢)، أي من تواضعه في الزي. وهنا أمر ينبغي الإشارة إليه فيما يخص اللباس: فالكثير من الناس يحب أن يكون ملبسه حسنًا، وهيئته حسنة، وذلك بدافع فطري، وهذا أمر لا غبار عليه: قال ﷺ : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ". فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنًا، قال: " إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس" (٣). فالهيئة الحسنة تثير البهجة في نفس صاحبها، وتتوافق مع فطرته في حب المستحسنات، وهذا أمر محمود، أما المذموم فهو فعل ذلك مع الإعجاب بالنفس، والاختيال في المشي والشعور بالتميز بهذا الزي عن الآخرين. قال ﷺ : " بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مُرجّل رأسه، يختال في مشيته إذ خسف الله به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" (٤).

стр. 113

من نماذج المتواضعين: ومن نماذج المتواضعين مع نفوسهم: شيخ الإسلام ابن تيميه، يقول عنه تلميذه الإمام ابن القيم: لقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيميه - قدس الله روحه - من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: ما لى شيء، ولا منى شيء، ولا في شيء، وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت: أنا المكدي وابن المكدي ... وهكذا كان أبي وجدي وكان إذا أُثنى عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامى كل وقت، وما أسلمت بعد إسلامًا جيدًا. وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه، وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه: أنا الفقير إلى رب البريات ... أنا المسكين في جميع حالاتي أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن يأتنا من عنده يأتي لا أستطيع لنفسي جلب منفعة ... ولا عن النفس لي دفع المضرات والفقر لي وصف ذات لازم أبدًا ... كما أن الغنى أبدًا وصف له ذاتي وهذا الحال حال الخلق أجمعهم ... وكلهم عنده عبد له آتي (١)

стр. 114

مع الناس التواضع مع الناس ينطلق من حقيقة أنك لست أفضل منهم مهما كانت رتبتك أو علمك أو عبادتك .. فعلى سبيل المثال: الجلوس مع المساكين ومؤاكلتهم والتحدث معهم دليل على أنك لست تفضلهم بغناك .. ليس الدون من الملابس دليل على عدم أفضليتك على غيرك بملابسك. مساعدتك لخادمك وجلوسه على مائدتك دليل كذلك على عدم شعورك بالأفضلية الذاتية عليه، وهكذا .. مع العلم بأن القيام بهذه الأفعال له أثر تربوي عظيم في تأكيد معنى استصغار الواحد منا لنفسه، وعدم شعوره بالأفضلية على الآخرين. قال ﷺ : " إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" (١). من صور وأعمال التواضع مع الناس: ١ - خدمة أهل البيت: كان ﷺ في بيته في مهنة أهله (٢)، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويقُمُّ البيت، ويعقل البعير، ويعلف ناضحه، ويأكل مع الخادم، ويحمل بضاعته من السوق (٣). ٢ - الجلوس مع المساكين ومآكلتهم وخدمتهم: كان دواد ﵇ يدخل المسجد فينظر أغمط حلقة من بني إسرائيل

стр. 115

فيجلس إليهم، ثم يقول: مسكين بين ظهراني مساكين، وكذلك كان سليمان بن داود ﵉ إذا أصبح تصفح وجوه الأغنياء والأشراف حتى يجيئ إلى المساكين فيقعد معهم ويقول: يارب مسكين مع المساكين (١). ٣ - عدم التميز بالخدمة من أجل رتبتك بين الناس: لقد كان رسولنا الحبيب ﷺ ينقل التراب مع أصحابه عند حفر الخندق في غزوة الأحزاب، وهذا عمر بن الخطاب ﵁ يخرج في يوم حار واضعًا رداءه على رأسه، فمر به غلام على حمار، فقال: يا غلام، احملني معك. فوثب الغلام عن الحمار، وقال: اركب يا أمير المؤمنين. قال: لا اركب وأركب خلفك .. تريد أن تحملني على المكان الوطئ، وتركب أنت على الموضع الخشن؟! فركب خلف الغلام (٢). وكان عمر بن عبد العزيز يكتب ذات ليلة شيئًا وعنده ضيف، فماد السراج ينطفئ، فقال الضيف: هل أقوم إلى المصباح فأصلحه؟ فقال: لا، ليس من الكرم استخدام الضيف، قال: هل أنبه الغلام؟ قال: لا، هي أول نومة نامها، فقام وجعل الدهن في المصباح، فقال الضيف: كيف قمت بنفسك يا أمير المؤمنين؟ فقال له: ذهبت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر (٣). ٤ - خفض الجناح للمؤمنين: عن أبى رفاعة تميم بن أٍسيد ﵁ قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب، فقلت يا رسول الله: رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟ فأقبل علي رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إليّ فأتى بكرسي، فقعد عليه وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها (٤).

стр. 116

وعن أنس: إن كانت الأَمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت حتى يقضي حاجتها (١). ٥ - إجابة دعوة الفقراء والضعفاء: ولو على أقل شيء وإظهار السرور، وعدم التأفف من ذلك. عن أنس ﵁ قال: كان ﷺ يردف خلفه، ويضع طعامه على الأرض، ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار (٢). ٦ - السعي في قضاء حوائج الناس، ومساعدتهم: مر عمر بن الخطاب على امرأة وهي تعصد العصيدة، فقال: ليس هكذا يعصد، ثم أخذ المسوط، فقال هكذا، فأراها (٣). ٧ - عدم الافتخار على الناس بشيء: قال يحيى بن معين: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الصلاح والخير (٤). ٨ - عدم الجلوس في الصدارة بين الناس: بل بين عامتهم، وحيث ينتهي بك المكان .. قال عمر بن الخطاب: رأس التواضع أن تبدأ بالسلام على من لقيت من المسلمين، وأن ترضى بالدون من المجلس، وأن تكره أن تُذكَر بالبر والتقوى. ٩ - علينا بتعود النظر إلى الجانب الإيجابي عند الآخرين: لتستقر في نفوسنا حقيقة أن الناس جميعًا أفضل منا فإذا نظرنا إلى من هو

стр. 117

أصغر منا نقول: سبقناه بالذنوب، وإذا نظرنا إلى من هو أكبر منا نقول: سبقنا بالعمل الصالح، وإذا نظرنا إلى فاسق نقول: لعل في قلبه انكسارًا لله ليس فينا فيجذبه الله نحوه، ويختم له بخير .. وإذا نظرنا إلى عامي نقول: مخمول الذكر، قريب من الإخلاص، وإذا نظرنا إلى عالم قلنا: يعلم عن الله ما لا نعلم، وإذا نظرنا إلى فقير قلنا: حسابه يوم القيامة قليل .. وهكذا مع الناس جميعًا. كان عابد يتعبد في جبل، فأتى في النوم فقيل له: إيت فلان الإسكاف، فأساله أن يدعو لك، فأتاه فسأله عن عمله، فأخبره أن يصوم النهار ويتكسب، فيتصدق ببعضه، ويطعم عياله ببعضه، فرجع وهو يقول: إن هذا لحسن، فأما التفرغ لطاعة الله فلا، فأتى في النوم، فقيل له: إيت الإسكاف، فاسأله، فقل له: ما هذا الصفار في وجهك؟ فأتاه فسأله، فقال له الإسكاف: ما رفع لي أحد من الناس إلا ظننت أنه سينجو وأهلك أنا، فقال له العابد: بهذه نجوت (١). ١٠ - لا تخبر أحدًا بحقيقتك وبخاصة إذا ما كنت صاحب منصب أو شهرة، واترك الناس يعاملونك حسب ما يرون: كان سلمان الفارسي أميرًا بالمدائن، ومر برجل من عظمائها قد اشترى شيئًا، فحسب سلمان حمالًا، فقال: تعالى فاحمل هذا، فحمله سلمان، فجعل يتلقاه الناس ويقولون: أصلح الله الأمير، نحن نحمل عنك، فأبى أن يدفع إليهم، فقال الرجل في نفسه: ويحك إني لم أسخر إلا الأمير، فجعل يعتذر إليه ويقول: لم أعرفك أصلحك الله، فقال: انطلق، فذهب به إلى منزله، ثم قال: لا أسخر أحدًا أبدًا (٢).

стр. 118

وقال الحسن: كنت مع ابن المبارك يومًا فأتينا على سقاية والناس يشربون منها، فدنا منها ليشرب، ولم يعرفه الناس، فزحموه ودفعوه، فلما خرج قال: ما العيش إلا هكذا .. حيث لم نعرف، ولم نوقر (١). ١١ - عدم الاستنكاف عن ذكر ما ينقصنا: من أخطاء وقعنا فيها، أو فشل صادفنا، والتعود على التلقي من الجميع، وسؤال الآخرين عما نجهل أيًا كان وضعهم، كالأبناء في البيت، والمرؤوسين في العمل .. والتعود كذلك على قول: لا أدري، لما يخفى علينا من الأمور. قال زاذان: خرج علينا علي بن أبى طالب ﵁ يومًا وهو يمسح بطنه وهو ويقول: يا بردها على الكبد، سئلت عما لا أعلم فقلت: لا أعلم، والله أعلم (٢). ١٢ - تقدير الآخرين وإشعارهم بقيمتهم: وإبراز أعمالهم ونجاحاتهم، وبخاصة في غيابهم، وحسن الإنصات وعدم مقاطعة المتحدث، ولو كان حديثه معروفًا لدينا: حدث رجل بحديث، فاعترضه رجل، فغضب عطاء بن أبى رباح وقال: ما هذه الأخلاق، ما هذه الطباع؟ والله إن الرجل ليحدث بالحديث لأنا أعلم به منه، ولعسى أن يكون سمعه مني، فأنصت إليه وأريه كأني لم أسمعه قبل ذلك (٣). ١٣ - مؤاخاة المؤمنين أيًا كانت رتبتهم وقبول أعذار المعتذرين وإن كانت واهية، وحسن الاستماع إلى نصيحة الناصحين وعدم ردها. وخلاصة القول: التواضع محله القلب، ولابد من تكلف الأعمال التي تدل

стр. 119

عليه ليزداد رسوخه في القلب .. هذه الأعمال يجمعها مفهوم رؤية المرء لنفسه بعين النقص، ولربه بالإجلال والتعظيم، وللناس بالأفضلية. ويؤكد ابن حزم على هذه الوسيلة في علاج العُجب فيقول: كانت فيَّ عيوب .. ومنها عجب شديد، فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها، حتى ذهب كله ولم يبق والحمد لله أثر، بل كلفت نفسي احتقار قدرها جملة، واستعمال التواضع (١).

стр. 120

الفصل الخامس غلق الأبواب أمام النفس * عند ورود النعم. * عند النجاح في القيام بعمل ما. * عند المدح. * عند كثرة الخلطة والمجالس الفارغة. * عند تولي مسئولية. * عند الاشتهار بين الناس. * عند إسداء خدمة للآخرين. * العلاج المضاد. * البديل. * الفرح المحمود.

стр. 121

غلق الأبواب أمام النفس إذا كانت النفس تحاول أن تأخذ حظها من كل فعل يقوم به العبد، فإن هذه المحاولة تزداد عند حالات معينة، لذلك علينا أن نكون على حذر باستمرار، وأن نعمل جاهدين على غلق الأبواب أمامها لتفشل في محاولاتها. ومن هذه الحالات: - عند ورود النعم. - عند المدح. - عند كثرة الخلطة. - عند تولي مسئولية. - عند الاشتهار بين الناس. - عند إسداء خدمة للآخرين.

стр. 122

أولًا: عند ورود النعم: بين الحين والآخر تَرِد نعم كبيرة على العبد مثل زيادة في الرزق، ونجاح في عمل أو دراسة، شراء بيت جديد، تغيير أثاث المنزل. عند ذلك تجد النفس أمامها فرصة ومجالًا واسعًا للاستعظام، والفخر، والشعور بالتميز عن الآخرين بهذه النعم .. فماذا نفعل كي نغلق هذا الباب أمامها؟ علينا أن نسارع بشكر الله وذلك من خلال: ١ - سرعة ربط النعمة بالنعم وحمده عليها ، كما قال تعالى لنوح ﵇: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨]. ٢ - سجود الشكر الفوري بعد ورود النعمة: وإطالة هذا السجود، ومناجاة الله فيه، واعترافنا بفضله علينا، وأنه لولا كرمه وجوده سبحانه ما حصلنا على هذه النعمة. عن سعد بن أبي وقاص، ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريبًا من عزوراء (موضع قريب من مكة) نزل ثم رفع يديه، فدعا الله ساعة، ثم خر ساجدًا، فمكث طويلًا، ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجدًا - فعله ثلاثًا - وقال: " إني سألت ربي، وشفعت لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدًا لربي شكرًا، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدًا لربي شكرًا، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي لأمتي - فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجدًا لربي " رواه أبو داود. ويوضح ابن القيم أهمية الشكر الفوري لله بعد ورود النعم فيقول: حدوث النعمة يوجب فرح النفس وانبساطها، وكثيرًا ما يجر ذلك إلى الأشر

стр. 123

والبطر، والسجود ذل لله وعبودية وتضرع .. فإذا تلقى به نعمته كان جديرًا بدوام تلك النعمة، وإذا تلقاه بالفرح الذي لا يحبه الله والأشر والبطر، كما يفعله الجهال عندما يحدث لهم من النعم، كانت سريعة الزوال وشيكة الانتقال، وانقلبت نقمة، وعادت استدراجًا (١). وليكن سجود الشكر فور ورود النعمة، فتأخرنا عن ذلك يعطي للشيطان فرصة لإضعاف همتنا نحو الشكر. قال بكر بن عبد الله: ينزل بالعبد الأمر فيدعو الله فيصرفه عنه، فيأتيه الشيطان فيضعف شكره، يقول: إن الأمر كان أيسر مما تذهب إليه، قال: أو لا يقول العبد: كان الأمر أشد مما أذهب إليه، ولكن الله صرفه عني (٢). ٣ - الإنفاق مما تحبه النفس: سواء كان ذلك في صورة صدقة أو هدية، فالنفس يزداد شحها في وقت إقبال النعم عليها وعلاجها بالإنفاق مرة بعد مرة حتى تسكن. فى الصحيحين: أنه لما تاب الله على كعب بن مالك سجد وألقى رداءه إلى الذي بشره. ٤ - المبالغة في القيام بصور التواضع: وبخاصة الجلوس مع المساكين وتقديم الطعام لهم، والقيام على خدمتهم. جاء في الزهد للإمام أحمد: مما أوحى الله لعيسى ﵇: " إذا أنعمت عليك بنعمة فاستقبلها بالاستكانة أتممها عليك" .. وقد مر علينا كيف كان حال النبي ﷺ عندما دخل مكة فاتحًا. ٥ - كثرة العبادة: وبخاصة قيام الليل، فعندما سألت السيدة عائشة رضي الله

стр. 124

عنها رسول الله ﷺ عن سبب قيامه بالليل حتى تورمت قدماه مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال لها: " أفلا أكون عبدًا شكورًا " (١). فاستقبال النعمة بهذه الأعمال سيكون له - بمشيئة الله - دور كبير في عدم السماح للنفس بالاستعظام والشعور بالتميز عن الآخرين، بل قد تكون هذه النعمة بمثابة وسيلة للقرب من الله .

стр. 125

ثانيا: عند النجاح في القيام بعمل ما: عند القيام بعمل مميز والنجاح في أدائه؛ كقيام ليل، أو دعوة مسلم شارد إلى المسجد، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر .. عند مثل هذه الأحوال تجد النفس أمامها المجال رحبًا لجعل صاحبها يحمدها، ويعجب بها، ويستعظم فعاله، وهذا باب خطير لو فتح أمام العبد عليه إغلاقه بسرعة، وإلا تعرض عمله الذي تعب فيه للضياع. فماذا نفعل لكي نغلق هذا الباب أمام نفوسنا؟! ١ - إخفاء العمل قدر الإمكان، وعدم التحدث به أمام أحد من الناس: فكلما كان العمل في الخفاء قلت فرصة النفس للإلحاح على صاحبها بحمدها. قال ﷺ : " إن الله يحب العبد التقي الخفي " (١). قال الحسن: لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع (٢) لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم (٣). ووعظ الناس يومًا، فتنفس رجل الصعداء، فقال: يا ابن أخي ما عساك أردت بما صنعت؟ إن كنت صادقًا فقد شهرت نفسك، وإن كنت كاذبًا فقد أهلكتها. ويقول محمد بن واسع: أدركت رجالًا، كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة، قد بل ما تحت خده من دموعه، لا تشعر به امرأته، ولقد أدركت رجالًا يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده لا يشعر به الذي إلى جانبه. فلنعمل على إحاطة أعمالنا بأسوار عالية من السرية والكتمان- قدر الإمكان -

стр. 126

ولا نسمح لأحد بالاطلاع عليها، ولنجتهد في تنفيذ وصية رسول الله ﷺ : " من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل " (١). ٢ - نسيان العمل بعد القيام به: لنعمل على شغل أنفسنا بأمور أخرى فور الانتهاء من العمل الناجح المميز حتى لا نفكر كثيرًا فيه، وفى تميزه .. فكلما نسي العبد عمله الصالح بعد أدائه، كان ذلك أدعى لتعرضه للقبول من الله لابتعاده عن محاولات النفس لسرقته والاستيلاء عليه، ومن ثم نفي الإخلاص منه. ومن وسائل نسيان العمل كذلك: سؤال الله أن يصرف عنا التفكير في هذا العمل، وكذلك عدم طلب رأى الناس فيه. وهذا أمر مهم في هذا الباب، فالبعض منا يحرص بعد قيامه بعمل ما - كإلقائه موعظة أو قيامه بخدمة الآخرين- والثناء عليه، مما يفتح للنفس بابًا عظيمًا للاستعظام والانتشاء والطرب. ٣ - تقليل العمل: كلما صغر العمل في عين صاحبه كان بعيدًا عن سطوة النفس، فلنفعل على ذلك، ولنسأل الله أن يصغر أعمالنا في أعيننا. ومما يعين على ذلك: عدم إحصاء أعمالنا الصالحة، فلا نسجل مثلًا عدد ختمات القرآن التي ختمناها، ولا عدد العمرات التي أديناها .. وكذلك: الاستتار من الكرامات كرؤية صالحة أو موقف فيه ولاية من الله وجل. يقول ابن رجب: وأما العلماء فلا تعظم هذه الخوارق عندهم، بل يرون الزهد فيها، وإنها من نوع

стр. 127

الفتنة والمحنة وبسط الدنيا على العبد، فيخافون من الاشتغال بها، والوقوف معها، والانقطاع عن الله. ودخل إبراهيم الحصري على أحمد بن حنبل فقال: إن أمي رأت لك منامًا، هو كذا وكذا، وذكرت الجنة، فقال: يا أخي إن سهل بن سلامة كان الناس يخبرونه بمثل هذا وخرج إلى سفك الدماء (١). ٤ - تخويف النفس: ومن طبيعة النفس أنها كالطفل إذا خوف خاف .. هكذا خلقها الله فإذا ما ألحت علينا أنفسنا بحمدها: علينا أن نذكرها ونخوفها من عاقبة العُجب، وأنه يحبط العمل الذي أخذ منا وقتًا وجهدًا، وأنه كذلك يعرضنا لمقت الله وحرمان التوفيق نستقبل من أعمال.

стр. 128

ثالثًا: عند المدح: وهو من أخطر الأبواب على النفس .. فإذا ما فتح أمامها فإنها تجد المجال خصبًا لكي تنتفخ وتتعاظم .. فهو الشراب الحلو اللذيذ الذي يسكرها ويجعلها تعيش في أجواء النشوة والسرور والطرب. لذلك قيل: المدح هو الذبح .. فمن أراد أن يذبح أحدًا فليكثر من مدحه، كما قل ﷺ لمن مدح رجلًا عنده: " ويحك قطعت عنق صاحبك، لو سمعها ما أفلح " ثم قال: " إن كان أحدكم لابد مادحًا أخاه فليقل أحسب فلانًا ولا أزكي على الله أحدًا، حسيبه الله إن كان يرى أنه كذلك" (١). ماذا نفعل عند المدح؟ ولكن ماذا نفعل إذا ما مدحنا شخص في وجوهنا؟ ١ - علينا بعدم الاسترسال أو التجاوب مع المدح ومدافعته بشتى الطرق: فهذا رسولنا الحبيب ﷺ يقول لأصحابه: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله" (٢). وعن أنس أن رجلًا قال: يا محمد أيا سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا فقال رسول الله ﷺ : " يا أيها الناس، عليكم بتقواكم، ولايستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله" (٣). أطرى رجل عمر بن عبد العزيز في وجهه، فقال: يا هذا؟ لو عرفت من نفسي ما أعرف منها، ما تظرت في وجهي.

стр. 129

وذكر أن العلاء بن زياد قال له رجل: رأيت كأنك في الجنة، فقال له، ويحك، أما وجد الشيطان أن أحدًا يسخر به غيري وغيرك؟ (١). ويعلمنا الحسن البصري كيف نرد على من يمدحنا فيقول: قيل لبعضهم: ما أقل التفاتك في صلاتك" وأحسن خشوعك!! فقال: يا ابن أخي، وما يدريك أين كان قلبي؟ وقيل لابن حنبل: ما أكثر الداعين لك، فتغرغرت عيناه، وقال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا. وقال له خرساني: الحمد لله الذي رأيتك، قال: اقعد، أي شيء ذا؟ من أنا؟ (٢). ٢ - زجر ونهي المادح: فلو زجر كل منا من يمدحه، فلن يستمر في المدح، ولن يعود إلى تكرار ذلك مرة أخرى. قال ﷺ : " احثوا التراب في وجوه المداحين" (٣). وقال رجل يومًا لابن عمر: يا خير الناس، وابن خير الناس، فقال: ما أنا خير الناس، ولا ابن خير الناس، ولكني عبد من عباد الله، وأرجو الله وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه. ٣ - مطالبة الناس بحمد الله لا حمدك: فعلينا بتذكير المادح بحقيقتنا، وأن الذي يستوجب الحمد هو الله، لا نحن، فلو تركنا ولم يمدنا بأسباب التوفيق ما وفقنا. يقول ابن رجب: من هنا كان أئمة الهدى ينهون عن حمدهم على أعمالهم، وما يصدر منهم من الإحسان إلى الخلق، ويأمرون بإضافة الحمد على ذلك لله وحده لا شريك له، فإن النعم كلها منه.

стр. 130

وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ شديد العناية بذلك، وكتب مرة إلى أهل الموسم كتابًا يقرأ عليهم، وفيه الأمر بالإحسان إليهم، وإزالة المظالم التي كانت عليهم، وفى الكتاب: ولا تحمدوا على ذلك إلا الله، فإنه إن وكلني إلى نفسي كنت كغيري. ويستطرد ابن رجب: وحكايته مع المرأة التي طلبت منه أن يفرض لبناتها اليتامى مشهورة، فإنها كانت لها أربع بنات ففرض لاثنتين منهن، وهي تحمد الله، ثم فرض للثالثة، فشكرته، فقال: إنما كنا نفرض لهن حيث كنت تولين الحمد أهله فمري الثلاث يواسين الرابعة .. (١).

стр. 131

رابعًا: عند كثرة الخلطة والمجالس الفارغة: من الأمور التي تجد النفس من خلالها الفرصة مواتية لدفع صاحبها إلى أن يزكيها، ويمجدها: كثرة الخلطة بالناس، والوجود في المجالس الفارغة، التي يتجاذب فيها الحاضرون أطراف الحديث، فيجد الشخص نفسه وقد استدرج للحديث عن نفسه وعن أعماله وحياته الخاصة، وشيئًا فشيئًا تسقط الحواجز الداخلية لديه فلا يجد غضاضة في إفشاء عمله الذي ظل يخبؤه سنوات طوالًا .. فما العمل؟ ونحن نعيش بين الناس؟! الحل الأمثل لغلق هذا الباب هو أن تكون خلطتنا مع الناس في الخير والتعاون على البر، أما غير ذلك فلتكن في بيوتنا كما قال أبو الدرداء: نعم صومعة الرجل بيته، يكف سمعه وبصره ودينه وعرضه، وإياكم والجلوس في الأسواق فإنها تلهي، وتلغي (١). قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٤]. (لو لم يكن في العزلة إلا السلامة من آفة الرياء، والتصنع للناس، وما يدفع إليه الإنسان إذا كان فيهم من استعمال المداهنة معهم، وخداع المواربة في رضاهم، لكان في ذلك ما يرغب في العزلة ويحرك إليها ... ) (٢). نعم، إن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم كما قال ﷺ (٣)، ولكن هذه الخلطة ينبغي أن

стр. 132

تكون في مشاهد الخير - كما ذكر النووي-: مثل حضور جمعهم، وجماعتهم، ومجالس الذكر معهم، وعيادة مريضهم وحضور جنائزهم ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم، وغير ذلك من مصالحهم، وهذا ما كان عليه رسول الله ﷺ ، وكذلك الخلفاء الراشدون، ومن بعدهم من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم علماء المسلمين وأخيارهم .. (١).

стр. 133

خامسًا: عند تولي مسئولية: المسئولية والإمارة باب فتنة عظيمة للنفس، ووسيلة لخلع جلباب الذل والانكسار والعبودية لله ، ولهذا كان ﷺ يحذر أصحابه من طلبها، ففى الحديث: " يا عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها ... " (١). إن وجود المرء في موقع المسئولية والصدارة من شأنه أن ينسيه حقيقة نفسه من ضعف وعجز، وأن ينخدع في السلطة التي تحت يديه مما يتسبب في استعاظمه لنفسه واستعلائه على الآخرين. فما العمل لإغلاق هذا الباب؟! ليدفع كل منا عن نفسه الإمارة، وليتهرب منها غاية الإمكان، فإذا ما كلف بمسئولية ما، ولم يجد له مناصًا من قبولها فعليه لزوم الخوف والحذر من تبعاتها، وعليه كذلك المداومة على استشارة من حوله، وعدم الانفراد برأيه، وأن يكثر من استخدام العلاج المضاد والذي سيأتي بيانه بعون الله، وعليه كذلك أن يبالغ في القيام بصور التواضع السابق ذكرها.

стр. 134

سادسًا: عند الاشتهار بين الناس من أخطر الأبواب أمام النفس: الاشتهار بين الناس، والوقوع تحت الأضواء فمن خلال ذلك، يجد الشخص نفسه وقد التف الناس حوله، وكثر من يمدحه، ويثني عليه، مما يجعله مهيأ لتصديق كلامهم بأنه مميز، وأنه، وأنه، فتكبر عنده نفسه، ويزداد إعجابه بها. إنها فتنة عظيمة، يصعب على المرء التخلص منها إلا إذا استعان بالله استعانة صادقة كص يحفظه منها، وألا ينسيه أصله وعجزه وجهله، وأن يقيه شر نفسه. وعلى كل من ابتلي بالاشتهار بين الناس كذلك أن يكثر من تكلف أفعال المتواضعين ويبالغ في ذلك، دون أن يشعر به أحد، فيكثر من الجلوس مع المساكين والتودد إليهم ومآكلتهم والسعي في خدمتهم، وكذلك القيام على خدمة نفسه، ولا يسمح لأحد بخدمته قدر المستطاع. * وعليه كذلك أن يصلي على التراب كلما سنحت له الفرصة، وأن يعود نفسه الاستماع إلى غيره، فمن فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع كما قال بعض السلف (١). * وعليه كذلك أن يكثر من استخدام العلاج المضاد، والذي سيأتي بيانه، وعليه أن يدفع بنفسه كل فترة للقيام بأعمال الناس، كما فعل عبد الله بن سلام ﵁ عندما حمل حزمة حطب فقيل له: يا أبا يوسف قد كان في غلمانك وبنيك من يكفيك! قال: أجل، ولكن أردت أن أجرب نفسي هل تنكر ذلك؟ (٢).

стр. 135

سابعًا: عند إسداء خدمة للآخرين: من الأبواب التي تجد النفس عند فتحها فرصة عظيمة للاستطالة على غيرها، والشعور بالعلو والتميز عنهم: النجاح في تقديم خدمات للآخرين، فعندما يحدث ذلك، تبدأ النفس في الإلحاح على صاحبها بالمن على هؤلاء، وتذكيرهم بما فعله معهم من بذل وتضحية، مع العمل الدائم على استنطاقهم ومعرفة رأيهم فيما تم معهم، بل وجرهم للثناء عليه وشكره. يحتاج هذا الباب إلى مجاهدة عظيمة من المرء لغلقه إذا ما فتح أمامه، ومن أهم الوسائل لذلك: ١ - تذكير النفس بخطورة المن بالعطايا على الآخرين - سواء كانت مادية أو معنوية - وأنها تحبط العمل. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. قال الضحاك في هذه الآية: من أنفق نفقة ثم مَنّ بها، أو آذى الذي أعطاه النفقة حبط أجره، فضرب مثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فلم يدع من التراب شيئًا، فكذلك يمحق الله أجر الذي يعطي صدقته ثم يمن بها كما يمحق المطر ذلك التراب (١). والمَن لا يحبط العمل فقط، ولكنه كذلك يستوجب غضب الله على

стр. 136

فاعله: قال ﷺ : " ثلاثه لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى ... " (١). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لا يدخل الجنة منان. فشق ذلك عليّ حتى وجدت في كتاب الله في المنان ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (٢). ٢ - الاجتهاد في عدم مقابلة من أسديت إليه الخدمة أو الاتصال به فترة من الزمن تنسي فيها النفس ما حدث وتنشغل بأمور أخرى. ٣ - علينا أن نقلل من حجم العمل الذي قمنا به مع الآخرين، ونشعرهم أننا لم نتكلف الشيء الكبير بفعلنا هذا إذا ما حاولوا شكرنا عليه. ٤ - ومن وسائل غلق هذا الباب: العمل على خدمة الآخرين دون أن يشعروا بك، أو يعرفوا هويتك. كان علي بن الحسين يبخل، فلما مات، وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة .. وكان الناس في المدينة يعيشون لا يدرون من أين يأتي معاشهم، فلما مات على بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به الليل (٣).

стр. 137

العلاج المضاد تأتي على الواحد منا لحظات يضعف فيها أمام نفسه، وأمام إلحاحها عليه لحمدها، واستعظامها، والإعجاب بها، وتزكيتها أمام الآخرين. نعم، إن العمل الدائم على غلق الأبواب أمام النفس من شأنه أن يقلل فرص وجود هذه اللحظات، ولكن ماذا نفعل إذا جاءت؟! لقد كانت مثل هذه اللحظات تأتي للصالحين ممن سبقونا، ولقد كانوا يستخدمون علاجات سريعة من شأنها أن تعيد للمرء توازنه مع نفسه مرة أخرى، ومن ذلك. ١ - نقد النفس أمام الآخرين: نادى عمر بن الخطاب يومًا: الصلاة جامعة ... وصعد المنبر وقال: أيها الناس، لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم فيقبضن لي القبضة من التمر والزبيب، فأظل في يوم وأي يوم .. ثم نزل؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: والله يا أمير المؤمنين مازدت على أن قمئت نفسك. فقال عمر: ويحك يا ابن عوف، إنى خلوت فحدثتني نفسي فقالت: أنت أمير المؤمنين فمن ذا أفضل منك؟! فأردت أن أعرفها نفسها (١). ٢ - القيام بأفعال تقلل من شأنها: قال عروة: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ وعلى عاقته قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا، فقا: لما أتتني الوفود بالسمع والطاعة دخلت في نفسي نخوة، فأحببت أن أكسرها، ومضى بالقربة إلى حُجرة امرأة من الأنصار فأفرغها في إنائها (٢).

стр. 138

ولقد تشاجر أبو ذر وبلال ﵄، فَعَيَّر أبو ذر بلالًا بالسواد فشكاه إلى النبى ﷺ ، فقال: " يا أبا ذر إنه بقي في قلبك من كبر الجاهلية شيء " فألقى أبو ذر نفسه، وحلف ألا يرفع رأسه حتى يطأ بلالً خده بقدمه، فلم يرفع حتى فعل بلال (١). ٣ - طلب النصيحة والنقد من الآخرين: فالاستماع إلى النصيحة والنقد من الآخرين له دور كبير في عودة النفس إلى ما كانت عليه، وإزالة شموخها وانتفاخها. فعلينا أن نطلب ممن حولنا أن يقدموا لنا النصيحة كما كان يفعل عمر بن الخطاب بقوله: رحم الله امرأ أهدى إليّ عيوبي. ومن صور النصيحة: تقديمها في صورة رسالة مكتوبة ليتسنى لنا قراءتها كل فترة ولتكن بمثابة الدواء السريع عند الشعور بالانتشاء واستعظام النفس. ولنحذر من مقاطعة الناصح أو محاولة الدفاع عن أنفسنا أمامه، وإلا فقد هذا الدواء مفعوله. (كان الوزير نظام الملك يكثر من إدخال أحد الفقهاء عليه، فسئل في ذلك، فقال: هذا الفقيه يدخل عليّ فلا يطريني، ولا يغرني، بل يذكرني بذنوبي وتقصيري فيخرج من عندي، وقد غسلت نفسي من الكبر، ثم هو لا يقبل مني عطاء ولو اجتهدت في إقناعه. أما غيره فأشعر حين يخرجون من عندي أن نفسي تغتر ويعتريها غفلات) (٢). ٤ - أين مرآتك: ومن صور هذا العلاج كذلك: أن يتخذ الواحد منا لنفسه صديقًا يتعاهد معه على دوام نصحه، مثلما فعل عمر بن عبد العزيز عندما طلب ذلك من مولاه مزاحم

стр. 139

بقوله: إن الولاة جعلوا العيون على العوام، وأنا أجعلك عيني على نفسي، فإن سمعت مني كلمة تربأ بي عنها، أو فعلًا لا تحبه، فعظني عنده، وانهني عنه .. وطلب - رحمة الله - نفس الطلب من عمرو بن مهاجر وقال له: يا عمرو إذا رأيتني قد مِلت عن الحق فضع يدك في تلابيبي، ثم هزني، ثم قل لي: ماذا تصنع؟ بل الأعجب من ذلك أنه لما استخلف رحمة الله قال لمن حوله: انظروا رجلين من أفضل من تجدون، فجئ برجلين فكان إذا جلس مجلس الإمارة أمر، فألقى لهما وسادة قبالته، فقال لهما: إنه مجلس شر وفتنة، فلا يكن لكما عمل إلا النظر إلي، فإذا رأيتما مني شيئًا لا يوافق الحق، فخوفاني وذكراني بالله (١). ويؤكد الماوردي على هذا المعنى فيقول: وينبغي للعاقل أن يسترشد إخوان الصدق الذين هم أصفياء القلوب، ومرايا المحاسن والعيوب على ما ينبهونه عليه من مساويه، التي صرفه حسن الظن عنها، فإنهم أمكن نظرًا، وأسلم فكرًا، ويجعلون ما ينبهونه به عليه من مساويه عوضًا عن تصديق المدح فيه (٢). ومن هنا ندرك قوله ﷺ : " المؤمن مرآة المؤمن " (٣). فليتخذ كل منا لنفسه مرآة يرى فيها عيوبه، ويعود بها إلى حجمه الحقيقي. ٥ - ترك العمل الذي يفسد صاحبه: فكما قال الحسن: لايزال الرجل بخير ما علم بالذي يفسد عليه عمله. صلى حذيفة بقوم فلما سلم من صلاته قال: لتلتمسن إمامًا غيري أو لتصلن وحدانًا، فإنى رأيت في نفسي أنه ليس في القوم أفضل مني.

стр. 140

وهذا أبو عبيدة بن الجراح يؤم يومًا، فلما انصرف قال: مازال الشيطان بى آنفًا حتى رأيت أن لي فضلًا على من خلفي، لا أؤم أبدًا (١). وكان عمر بن عبد العزيز إذا خطب على المنبر فخاف على نفسه العُجب، قطع خطبته، وإذا كتب كتابًا أعجب به مزقه، ويقول: اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي. وقال بعضهم: إذا كنت تتحدث فأعجبك الحديث فاصمت، وإذا كنت صامتًا فأعجبك صمتك فتحدث (٢). ٦ - التصدق بالشيء الذي تم الإعجاب به أو مما تحبه النفس: كما فعلت السيدة عائشة ﵂ في الدرع الذي لبسته وأعجبت به كما مر علينا. ومما يؤكد هذا المعنى أنه ﷺ قد احتذى نعلًا فأعجبه حسنها فسجد وقال:" تواضعت لربي كي لا يمقتنى " ثم خرج بها فدفعها إلى أول سائل لقيه، ثم أمر عليًا ﵁ أن يشتري له نعلين سبتيتين جرداوين فلبسهما " (٣). ٧ - علينا بتجهيز أجوبه تدفع عنا خطورة المدح وإعجاب النفس: كقوله ﷺ للذى أصابته رعدة عند رؤيته: " هون عليك، فإني لست بملك إنما ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد" (٤). يعلق الماوردي على هذا الموقف فيقول: وإنما قال ذلك ﷺ حسمًا لمواد الكبر، وقطعًا لذرائع الإعجاب، وكسرًا لإسراف النفس، وتذليلًا لسطوة الاستعلاء (٥). وعندما تفاخرت قريش عند سلمان الفارسي رضى الله عنه يومًا، قال سلمان:

стр. 141

لكنني خلقت من نطفة قذرة، ثم جيفة منتنة، ثم آتي الميزان، فإن ثقل فأنا كريم، وإن خف فأنا لئيم. وعندما سئل عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بطينًا، ملوثًا في الخطايا، أتمنى على الله الأماني (١). وكتب رحمة الله كتابًا إلى بعض نوابه في الأمصار وقال في آخره: إني لأعظك بهذا، وإنى لكثير الإسراف على نفسي غير محكم لكثير من أمري (٢). البديل: فإن قلت: لو أغلقنا على النفس مثل هذه الأبواب، وأعطيناها الدواء المضاد فكيف سيكون طعم الحياة .. وأين البديل للسعادة؟ نعم لو تم التعامل فقط مع هذه الوسيلة دون ما سبق من وسائل سابقة، وبخاصة وسيلة معرفة الله، فقد نعاني من هذا الأمر، وقد نجد ضيقًا في صدورنا مما قد يجعلنا نستسلم لأنفسنا، ونضعف أمامها، ونسقيها شراب النشوة والطرب. فالحل إذن وجود البديل: وهل هناك أحلى أو ألذ أو أطعم من حلاوة الإيمان، والقرب من الله والأنس به ؟! كما قال أحد السلف: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا، وقال آخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم، لجالدونا عليه بالسيوف (٣). فلذة مناجاة الله وذكره وتلاوة كتابة لا تعدلها لذة، ولو اجتمعت عليها كل لذات الأرض، فلنحرص على التمتع بتلك اللذة من خلال التعرف على الله المنعم، الكريم، الودود، الرحيم، القيوم، ولنردد مع من قال:

стр. 142

لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الطعام وتلهيها عن الزاد لها بوجهك نور يستضاء به ... ومن حديثك في أعقابها حاد الفرح المحمود: تبقى نقطة أخرى في هذا الموضوع، وهي خاصة بمسألة الشعور بالفرح والسرور الذي ينتاب الفرد في بعض الأوقات عند ورود نعمة، أو عند التوفيق للقيام بعمل صالح .. هل هذا الفرح مذموم أو لا؟! الفرح المذموم هو فرح المرء بنفسه وافتخاره بها أنها صارت كذا وكذا، أو قامت بفعل كذا وكذا، وهذا الذي تلبس به قارون: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. أما الفرح المحمود فهو فرح العبد بربه أن أكرمه بهذه النعمة واختصه بها، وأن وفقه للقيام بهذه الطاعة وجعله سببًا لدعوة الناس وإقبالهم على دينه ... وهذا ما يؤكده قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. فلا يستطيع أحد أن يمنع نفسه من الفرح عند تلقى أخبار سارة، أو ورود نعمة جديدة، أو القيام بعمل من الأعمال والنجاح فيه، لكن علينا أن ننسب كل فضل لله، وأن يكون فرحنا به ، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤، ٥]. ونترجم هذا الفرح بمناجاة الله وحمده على فضله وتوفيقه، وأنه لولاه ما تم شيء من هذا أبدًا. ومما يلحق بهذه النقطة قوله ﷺ لأبي ذر: " تلك عاجل بشرى المؤمن " عندما سأله: يا رسول الله، أرأيت الرجل يعمل العمل لله يحمده الناس عليه؟! فالضابط لفرح أحدنا بحمد الناس له أن يكون منشأ فرحه: الفرح بالله وبفضله وتوفيقه للقيام بهذا العمل، والذي يساعده على ذلك المسارعة إلى شكر الله ومناجاته، وأن ينسب الفضل كله إليه. يقول ابن القيم: والذي يساعد العبد على تصفية سروره من شوائب الطغيان أن يبالغ في الشكر ويكثر منه، وكذلك التواضع والتذلل لله .

стр. 143

الفصل السادس العلاج بالقرآن * دور القرآن في العلاج. * لماذا لا ينفعنا القرآن؟! * الوسائل العامة للانتفاع بالقرآن. * كيفية علاج العُجب بالقرآن؟!

стр. 144

العلاج بالقرآن القرآن الكريم له دور كبير في علاج أمراض القلوب، وعلى رأسها مرض العُجب، ومايحدثه هذا المرض في نفس الإنسان من تعاظم واستعظام على الآخرين ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. وطريقة القرآن في العلاج طريقة فريدة تجمع الكثير من الوسائل السابقة، وتضيف عليها ما يعين قارئه على مداومة الانتباه لنفسه، والعمل الدائم على إزالة أي تضخم في ذاته. فمن خلال القرآن: أولًا: نتعرف على الله : وكما قيل من قبل فإن معرفة الله لها دور عظيم في محو أي أثر للكبر في النفس .. وهنا يأتي دور القرآن بكونه رسالة من الله للبشر؛ يعرفهم فيها بنفسه من خلال أسمائه وصفاته، وآثار تلك الأسماء والصفات في النفس والكون، مما يورث العبد الكثير من المعرفة به سبحانه، وعلى قدر تلك المعرفة تكون عبودية القلب واتجاه مشاعره لربه ومولاه ... فعلى قدر معرفة الله المنعم يكون حب العبد له سبحانه، وعلى قدر معرفة الله القيوم تكون الاستعانة والتوكل عليه، وعلى قدر معرفة الله الرحيم يكون الرجاء فيه، وعلى قدر معرفة الله الجبار يكون الخوف والحذر منه ... وهكذا .. وكلما ازدادت معرفة العبد لربه ازداد شعوره بعظيم احتياجه إليه، وضآلة حجمه، وأنه لا قيمة له إلا به، ولا غنى له عنه. ثانيًا: القرآن يعرفنا بأنفسنا: قال ﷺ " .. وكفى بالمرء جهلًا إذا أعجب برأيه " (١).

стр. 145

فإعجاب المرء بنفسه دليل على جهله بها وبحقيقتها، لذلك تجد الموضوع الرئيسي في القرآن بعد التعريف بالله هو التعريف بالإنسان وبأصله وحقيقته من ضعف وجهل، وعجز، واحتياج دائم إلى ما يصلحه ويقيمه. ويعرفنا القرآن كذلك بطبيعة النفس وأنها أمارة بالسوء ... لديها قابلية للفجور والطغيان ... تحب الاستئثار بكل خير .. لا تنظر للعواقب .. ثالثًا: القرآن يشعرنا بضآلة ما نقدمه من أعمال: من خلال عرضه الدائم لعبادة الكون وما فيه من مخلوقات لله ، كقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. رابعًا: القرآن يحذرنا من عاقبة العُجب والكبر والغرور: ويعرض الكثير من نماذج الذين استسلموا لهذه الأمراض فأهلكتهم؛ كإبليس، وقارون، وفرعون، وصاحب الجنتين. خامسًا: القرآن يقدم وصفات العلاج لأهل الكبر والغرور والإعجاب بالنفس: فعلى سبيل المثال: خطاب القرآن لليهود، وتذكيرهم بما فعلوه، يحمل في طياته أيضًا وصفة علاج لهم، إذا ما أرادوا الشفاء مما هم فيه، ومن ذلك مطالبتهم بذكر نعم ربهم عليهم ليكفوا عن طغيانهم ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٢]. ومع ذكر النعم، عليهم كذلك تذكر الآخرة وما فيها من أهوال ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
следующие страницы →