← Тараджим

Тараджим · id 36357

لسان الميزان - ت أبي غدة

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (5 296 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الورقة الأولى من الجزء الثاني من نسخة مكتبة كوبرلي (ك)

стр. 177

الورقة الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة مكتبة كوبرلي (ك)

стр. 178

وجه الجزء الثالث من نسخة مكتبة كوبرلي (ك)

стр. 179

الورقة الأولى من الجزء الثالث من نسخة مكتبة كوبرلي (ك)

стр. 180

الورقة الأخيرة من الجزء الثالث من نسخة مكتبة كوبرلي (ك)

стр. 181

وجه الجزء الثاني من نسخة مكتبة لاله لي (ل)

стр. 182

الورقة الأولى من الجزء الثاني من نسخة مكتبة لا له لي (ل)

стр. 183

الورقة الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة مكتبة لا له لي (ل)

стр. 184

السماعات المثبتة في آخر نسخة مكتبة لا له لي (نسخة ابن قمر) (ل)

стр. 185

لِسَانُ المِيزَانِ لِلإمَامِ الحَافِظ أَحْمَد بْن عَليّ بْن حَجَر العَسْقَلَانيّ وُلدَ سَنة ٧٧٣، وتُوفِّي سَنة ٨٥٢ رَحمَهُ الله تعَالى اعتَنى بهِ الشّيخُ العَلّامة عبد الفتاح أبو غدَّة وُلِدَ سَنَة ١٣٣٦ وَتُوفِّي سَنَة ١٤١٧ رَحمَهُ الله تعالى اعتَنى بإخرَاجِهِ وَطبَاعَتِه سلمان عبْد الفتّاح أبو غدَّة الجزْء الأَوَّل

стр. 186

تقدمة المؤلف: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلَّى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه الحمد لله المحمودِ بكل لسان، المعروفِ بالجُود والإِحسان، الذي خلق الإِنسانَ وعلَّمه البيان، وأشهد أن لا إله إلَّا الله، شهادة أدَّخِرُها يوم العَرْض على الميزان، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، المنتخَبُ من وَلَدِ عدنان، صلَّى الله عليه وعلى عِترته الطاهرين، وصحبِه الأكرمين، ما اتفَقَ الفَرْقدان واختَلَف الجديدان. أما بعد: فإن خير الأعمال الاشتغالُ بالعلم الديني، وأفضلُه وأعظَمُه بركةً معرفةُ صحيح حديث رسول الله ﷺ من مدخوله، ومُنْقَطِعِه من موصوله، وسالمِهِ من معلوله (١). ولما خَصَّ الله هذه الأمة المحمدية بضبط حديث نبيها بالإِسناد المأمون، وتولَّى هو حفظَ كتابه العزيز، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ونَدَب رسولُ الله ﷺ إلى الأخذ منه، والتبليغ عنه، وأوضح أن أحاديثه عليها مدارُ الشريعة، وبيان مراد الكتاب العزيز، وأنها المفسِّرة لمُجْمَلِه، والفاتحة لمُقْفَلِه، فقال ﷺ : "نَضَّر الله آمرأً سَمع منا حديثًا فأدَّاهُ كما سمعه، فرُبّ حاملِ فقهٍ غيرُ فقيه، ورب حاملِ فقهٍ إلى مَنْ هو أفقه منه". _________ (١) قال سلمان: الصواب لغة: مُعَلِّه. ومثل هذا لا يخفى على الحافظ ﵀، لكنه راعى السجع.

стр. 187

وقال ﷺ في خطبة حِجَّة الوَدَاع، وقد بلغَتْ التواتر: "ألا هل بلَّغتُ؟ قالوا: نعم، قال: فليبلّغ الشاهدُ الغائبَ، فرب مبلَّغ أوعَى من سامع". وقال ﷺ : "ألا إني أُوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه، أَلَا إني أوتيتُ القرآن ومثلَه معه، ألا يُوشِكُ رجلٌ شَبْعانُ على أَرِيكتِه يقول: عليكم بهذا القرآن". وفي لفظٍ: "ألا هل عسى رجلٌ يَبْلُغه الحديثُ عنِّي، وهو مُتَّكئ على أريكته فيقولَ: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرَّمناه (١)، وإن ما حَرَّم رسول الله كما حَرَّم الله". حَسَّنه الترمذي وصَحَّحه الحاكم والبيهقي. وفي "المستدرك" أيضًا من حديث الحسن قال: بينا عِمْرانُ بن حُصَين يحدّث عن سنَّة نبينا ﷺ إذ قال له رجل: يا أبا نُجَيد، حَدِّثْنا بالقرآن، فقال: أنت وأصحابُك تقرؤون القرآن، أكنتَ مُحَدِّثي عن الصلاة وما فيها وحدودِها؟! أكنتَ محدِّثي عن الزكاة في الذهب، والإِبِل، والبقر، وأصنافِ المال؟! فقال: فقال له الرجل: أحييتَني أحياك الله". ورواه ابن حِبَّان في "صحيحه" ولفظُه: "بينما نحن عند عِمرانَ بن حصين … " فذكره. وقال ﷺ : "تَسمَعُون ويُسمَعُ منكم (٢)، ويُسمَع ممن يَسْمعُ منكم". رواه أبو داود بإسناد صحيح. _________ (١) جاء في ص د: "استَحْرمناه"، وفي بقية النسخ: "حَرَّمناه"، وهو المطابق لما في جامع الترمذي (٢٦٦٤)، والمستدرك (١: ١٠٩)، وسنن البيهقي (٩: ٣٣١). (٢) جاء في ص ك: "نسمع" بالنون، وفي باقي النسخ: "يُسْمَع" بالتحتية المثناة، ولفظ أبي داود في "سننه" ٦٨:٤ (٣٦٥٩) "تَسْمَعون ويُسْمَع منكم، ويُسْمَع ممّن سَمِع منكم".

стр. 188

فامتَثَل أصحابُه أمرَه، ونقلوا أقواله وأفعاله، ونومَه ويقَظَتَه، وغيرَ ذلك. ثم إنَّ مَنْ بعدَ الصحابة تلقَّوْا ذلك منهم، وبذلوا أنفسَهم في حفظه وتبليغه، وكذلك مَنْ بعدَهم، إلَّا أنه دَخَل فيمن بعد الصحابة في كل عصر قومٌ ممن ليس لَهُ أهليّةُ ذلك وتبليغُه. فأخطأوا فيما تحمَّلوا ونقلوا، ومنهم من تعمَّد ذلك، فدخلت الآفةُ من هذا الوجه. فأقام الله طائفةً كَثِيرةً من هذه الأمة للذبّ عن سُنَّة نبيه ﷺ ، فتكلَّموا في الرواةِ على قصدِ النصيحة، ولم يَعُدُّوا ذلك من الغِيبة المذمومة، بل كان واجبًا ذلك عليهم وجوبَ كفاية. ثم ألَّف الحفاظُ في أسماء المجروحين كتبًا كثيرة، كلٌّ منهم على مبلغ علمه، ومقدار ما وصل إليه اجتهادُه، ومِنْ أجمع ما وقفتُ عليه في ذلك كتابُ: "الميزان" الذي ألَّفه الحافظ أبو عبد الله الذَّهبي. وقد كنتُ أردتُ نَسْخَهُ على وَجْهه، فطال عليَّ، فرأيتُ أن أحذِفَ منه أسماءَ من أَخرج له الأئمةُ الستةُ في كتبهم أو بعضُهم، فلمَّا ظهر لي ذلك، استخرتُ الله تعالى، وكتبتُ منه ما ليس في "تهذيب الكمال" (١). _________ (١) يعني سواء كان المذكور في "تهذيب الكمال" من رُواة الستة، أو ذكره المزِّي تمييزًا، فهما جميعًا ليسا من شرط المصنف في هذا الكتاب، كما تقدم ص ٨٨ و ٨٩، وانظر ما علَّقت على الترجمة [١٠٢٤]. وإنما أحال الحافظ ﵀ على "تهذيب الكمال" للمزي، ولم يُحل على كتابه "تهذيب التهذيب"، لأنه ألَّف "اللسان" قبل "التهذيب"، "فالتهذيب" لم يكن موجودًا حال تأليفه "اللسان" حتى يحيلَ عليه. فقد أنهى "اللسان" سنة ٨٠٥، كما جاء في آخره (قبل فصل التجريد)، في حين أنهى "التهذيب" سنة ٨٠٨، كما جاء في آخره ٤٩٣:١٢. وهذا في الجملة فقد ظلَّ -وهو الحافظ المحقق المدقق- ينقح ويصحح ويستدرك =

стр. 189

وكان لي من ذلك فائدتان: إحداهما: الاختصار والاقتصار، فإنَّ الزمانَ قصير، والعمرَ يسير. والأخرى: أنَّ رجال "التهذيب" إما أئمة موثَّقون، وإما ثِقاتٌ مقبولون، وإما قوم ساء حفظهم ولم يُطْرَحوا، وإما قوم تُركوا وجُرحوا. فإن كان القصد بذكرهم أنه يُعلم أنه تُكلّم فيهم في الجملة، فتراجمهم مستوفاة في "التهذيب" (١)، وقد جمعتُ أسماءهم، أعني من ذُكِر منهم في "الميزان"، وسردتُها في فصلٍ آخِرَ الكتاب (٢). ثم إنني زدتُ في الكتاب جملةً كثيرة، فما زدته عليه من التراجم المستقلة: جعلت قُبالتَه أو فوقَه (ز) (٣). ثم وقفتُ على مجلَّد لطيف لشيخنا حافظ الوقت أبي الفضل بن _________ = ويضيف ويحذف، في كلا الكتابين وغيرهما من كتبه، ولذا تجده أحال في مواضع من "اللسان" على "تهذيب التهذيب"، كما في التراجم: ١١٦٩ و ١٤٠٨ و ١٦٩٠ و ٢٨٨٤ و ٢٨٩٥ و ٣١٦٣، ويسميه أحيانًا باسمه، وأحيانًا "مختصر التهذيب"، يريد "مختصر تهذيب الكمال"، فهذا من إلحاقاته بعد فراغه من الكتاب للمرة الأولى. فقد ذكر تقي الدين القلقشندي صاحب نسخة الأصل المعتمدة أنه قابل نسخته بأصل المؤلف مرتين، وأضاف إليها في المرة الثانية إلحاقات المؤلف بعد المقابلة الأولى. وإنما أطلت في هذا الأمر لأن إدراكه في غاية الأهمية، فبه تزول كثير من الإِشكالات والالتباسات. (١) أي في "تهذيب الكمال" للمِزِّي. (٢) بعنوان (فصلٌ في تجريد الأسماء التي حذفتُها من "الميزان" اكتفاءٌ بذكرها في "تهذيب الكمال"). (٣) جاء في ص أ: "زاي" بالحروف، وفي باقي النسخ: "ز" بالرمز، وهو الذي مشى عليه المصنف في الكتاب، فيَرْمُز لما زاده من التراجم بحرف "ز".

стр. 190

الحسين (١) جعله ذيلًا على "الميزان"، ذَكَر فيه مَنْ تُكلِّم فيه وفاتَ صاحبَ "الميزان" ذِكرُه، والكثيرُ منهم من رجال "التهذيب"، فعلَّمتُ على مَنْ ذكره شيخُنا في هذا "الذيل" صورة (ذ) إشارةً إلى أنه من "الذيل" لشيخنا (٢). وما زدتُه في أثناء ترجمةٍ ختمتُ كلامَه (٣) بقولي: (انتهى). وما بعدها فهو كلامي. وسمَّيتُه (لسان الميزان). وها أنا أسوق خُطبتَه على وجهها، ثم أختمها بفوائد وضوابط نافعة إن شاء الله تعالى. _________ (١) هو الإمام الحافظ العراقي كبير شيوخ الحافظ ابن حجر، وصاحب فضل توجيهه للعناية بعلم الحديث، المتوفى سنة ٨٠٦، رحمهما الله تعالى. (٢) جَمَع المصنِّف في بعض التراجم بين رمزي (ذ) و (ز)، وذكرتُ أرقام هذه التراجم في تقدمتي للكتاب ص ٩٧. كما أن بعض التراجم رمز لها (ز) فقط وهي في "ذيل الميزان". (٣) أي كلامَ الذهبي. ويؤخذ من هذا أنه إذا ذكر لفظ الذهبي ولم يزد عليه، لم يحتج أن يقول في آخر كلامه (انتهى). ولم يستعمل المصنف لفظة (انتهى) مع ما ينقله عن العراقي من "ذيل الميزان"، لأنه لم يلتزم سياق كلامه على الوجه، بل يذكره بالمعنى غالبًا. وأحيانًا يكرر المصنف لفظةَ (انتهى) في الترجمة الواحدة، وذلك فيما إذا فرَّق الذهبي ترجمة رجل واحد في موضعين، وبينهما اختلاف في اللفظ، فإن المصنف غالبًا يجمعهما في موضع واحد، فيسوق لفظ الذهبي من الموضع الأول، ويقول في آخره: (انتهى). ثم يسوق لفظه من الموضع الآخر، وفي آخره أيضًا (انتهى).

стр. 191

خُطبة الأصل أخبرنا أبو هريرة عبدُ الرحمن بنُ الحافظِ الكبير الشهير الإِمام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبيّ الدمشقي، فيما أجازه لنا غَيرَ مرة، وابنُهُ أبو عبد الله محمدُ بن أبي هريرة، وابنُ عمَّتِه أبو محمد عبد القادر بن محمد بن علي، فيما شافَهَاني به غيرَ مرة بدمشق في آخَرِين عن المؤلِّف قال: الحمدُ لله الحَكَم العَدْل، العليّ الكبير، اللطيفِ الخبير، الماجِد البصير، الذي خَلَق كل شيء فأحسَنَ التقدير، ودبَّر الخلائقَ فأكمَل التدبير، وقَضَى بحكمته على العباد بالسعادة والشقاوة: فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير. وأَرسَل رسلَه الكرام، بأصدق الكلام وأبينِ التحرير، وختمهم بالسيد أبي القاسم البشير النذير، السراج المنير، فأرسله رحمة للعالمين من نار السعير، وحَفِظ شريعته من التبديل والتغيير، وصيَّر أمتَه خيرَ أمة أُخرِجَتْ للناس، فيا حبذا التصيير. وجَعَل فيهم أئمة ونُقّادًا يدققون في النَّقير والقِطْمير، ويتبصّرون في حِفظِ آثار نبيهم أتم التبصير، ويتعوّذون بالله من الهوى والتقصير، ويتكلّمون في مراتب الرجال، وتقريرِ أحوالهم، من الصدق والكذب، والقوة والضعف، أحسنَ تقرير. وأشهدُ أن لا إله إلَّا الله، شهادة أَدَّخِرُها لسؤال منكرَ ونَكِير، وأُردفها

стр. 192

بشهادة أن محمدًا عبده ورسولُه، خيرُ نبي وأصدقُ نذير، صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وصحبِه أولي العزم والتشمير. أما بعد: هدانا الله وسدَّدنا، ووفقنا لطاعته، فهذا كتابٌ جليل مبسوط في إيضاح نَقَلة العلم النبوي، وحَمَلة الآثار، ألَّفتُه بعد كتابي المنعوت بـ"المُغني" (١)، وطوَّلت العبارة، وفيه أسماءُ عِدَّة من الرواة، زائدًا على من في "المغني" زدتُ معظمَهم من الكتاب "الحافل" المذيَّل على "الكامل" لابن عدي (٢). وقد ألَّف الحفاظ مصنفاتٍ جُملةً (٣) في الجَرْح والتعديل، ما بين اختصار _________ (١) وكان الحافظ الذهبي قد أنهى "المغني" سنة ٧٢٠، كما في آخره ٢: ٨١٨. (٢) مؤلف "الحافل" هو العلامة الحافظ الناقد الطبيب أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرِّج الأُمَوي مولاهم، الأندلسي الإِشبيلي، الظاهري، النَّباتي الزَّهرِي العَشَّاب، المعروف بابن الرُّوميَّة، ولد سنة ٥٦١ وسمع من أبي عبد الله بن زَرْقُون وأبي ذَرّ الخُشَني ومِنْ أصحاب الفُراوي وأبي الوقت وغيرهما، ورحل إلى العراق ومصر وغيرهما. وكان بصيرًا بالحديث ورجاله، وفاق أهل عصره في معرفة النباتات والحشائش، وكان ظاهريًا متعصبًا لابن حزم بعد أن كان مالكيًا. روى عنه ابن نقطة وأبو بكر المؤمناني وأبو إسحاق البَلِّفِيقي وغيرهم. ومن مصنفاته في الحديث: "المُعْلِم بزوائد البخاري على مُسْلم"، و"توهين طُرق حديث الأربعين"، و"مختصر الكامل" لابن عدي، و"الحافلُ" المذكورُ هنا، وهو سفر ضخم، و"كتاب التذكرة" في معرفة مَشْيخته، و"مختصر غرائب مالك" للدارقطني. ومن مصنفاته في الأعشاب: "رسالة في تركيب الأدوية"، و"الرحلة النَّباتية"، و"تفسير أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريدس"، وغيرها. توفي في ربيع الأول سنة ٦٣٧ رحمه الله تعالى. له ترجمة في: "تكملة الإِكمال" ٩٧:٣ و"تكملة المنذري" ٣: ٥٣٠ و"تكملة ابن الأبار" ١: ١٢١ و"سير أعلام النبلاء" ٥٨:٢٣ و"تذكرة الحفاظ" ٤: ١٤٢٥ و"تاريخ الإِسلام" ٢٩٨ سنة ٦٣٧ و"المُقَفَّى" ١: ٦١٤ و"الأعلام" ١: ٢١٨. (٣) جاء في جميع الأصول: (جُملةً). وفي ط: "جَمَّة" وهو كذلك في ثلاث نسخ راجعتُها من "الميزان" وهو المعتمد.

стр. 193

وتطويل، فأوَّلُ من جُمعَ كلامهُ في ذلك الإِمامُ الذي قال فيه أحمد بن حنبل: ما رأيتُ بعيني مثلَ يحيى بن سعيد القَطَّان، وتكلَّم في ذلك بعده تلامذتُه: كيحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وعَمْرِو بن علي الفَلَّاس، وأبي خَيْثَمة. وتلامذتُهم، مثلُ: أبي زُرْعَة، وأبي حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبي إسحاق الجُوزْجاني السَّعدي، وخَلْق. ومَنْ بعدَهم مثلُ: النَّسَائيِّ، وابنِ خُزَيمة، والترمذي، والدُّولابي، والعُقَيلي، وله مصنَّفٌ مفيد في معرفة الضعفاء، ولأبي حاتم بن حِبان كتابٌ كبير عندي في ذلك. ولأبي أحمد بن عدي كتابُ "الكامل" هو أكمل الكتب، وأجلُّها في ذلك. وكتابُ أبي الفتح الأزدي، وكتابُ أبي محمد بن أبي حاتم في "الجَرْح والتعديل"، و"الضعفاء" للدارقُطني، و"الضعفاء" للحاكم، وغيرُ ذلك. وقد ذيَّل ابنُ طاهر المقدسي على "الكامل" لابن عدي، بكتاب لم أره، وصنَّف أبو الفرج بن الجوزي كتابًا كبيرًا في ذلك، كنتُ اختصرتُه أولًا، ثم ذيَّلتُ عليه ذيلًا بعدَ ذَيْل. والساعةَ، فقد استخرتُ الله في عملِ هذا المصنَّف، ورتبتُه على حروف المعجم، حتى في الآباء، ليقرُب تناولُه، ورمزتُ على اسم الرجل مَنْ أَخرَج له في كتابه من الأئمة الستة، فذكرها، ثم قال: وفيه من تُكلِّم فيه مع ثقتِهِ وجلالتِهِ بأدنى لِين، وبأقلِّ تجريح، فلولا أن ابنَ عدي أو غيرَه من مؤلِّفي كتب الجرح ذكروا ذلك الشخص، لَمَا ذكرته لثقته، ولم أر من الرأي أن أحذِف اسمَ أحدٍ ممن له ذكرٌ بتليينٍ مَّا في كتب الأئمة المذكورين، خوفًا من أن يُتعقَّب عليَّ، لا أني ذكرتُه لضَعْفٍ فيه عندي.

стр. 194

إلَّا ما كان في كتاب البخاري وابن عدي وغيرِهما، من الصحابة، فإني أُسقِطُهم لجلالة الصحابة، ولا أذكرُهم في هذا المصنف، فإن الضَّعف إنما جاء من جهة الرُّواة إليهم. وكذا لا أذكرُ في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحدًا، لجلالتهم في الإِسلام، وعظمتِهم في النفوس، مثلَ: أبي حنيفة (١)، والشافعي، والبخاري (٢)، فإن ذكرتُ أحدًا منهم، فأذكره على الإِنصاف، وما يَضُرّه ذلك عند الله، ولا عند الناس، إذْ إنما يَضُر الإِنسانَ الكذبُ، والإِصرارُ على الخطأ، والتجرِّي على تدليس الباطل، فإنه خِيانة وجِناية، والمرءُ المسلم يُطبَع على كل شيء، إلَّا الخيانة والكذب. فقد احتوى كتابي هذا: ١ - على ذكر الكذابين الوَضَّاعين المتعمِّدين، قاتلهم الله. ٢ - وعلى الكاذبين في أنهم سَمِعُوا، ولم يكونوا سَمِعوا. ٣ - ثُم على المتَّهمين بالوضع أو بالتزوير. ٤ - ثم على الكذابين في لهجتهم، لا في الحديث النبوي. ٥ - ثم على المتروكين الهَلْكَى الذين كَثُرَ خطؤهم، وتُرِكَ حديثُهم، ولم يُعتمَد على روايتهم. ٦ - ثم على الحفاظ الذين في دِينهم رِقَّة، وفي حديثهم وَهْن. _________ (١) وقد فنَّدت في تعليقي على "الرفع والتكميل" الطبعة الثالثة ص ١٢١ - ١٢٧ ما جاء في بعض نسخ "الميزان" المخطوطة والمطبوعة، من ترجمة لأبي حنيفة ﵀، وبيَّنتُ أنها مدسوسة. (٢) زيادة من م ط.

стр. 195

٧ - ثم على المحدِّثين الضعفاء من قِبَل حفظهم، فلهم غَلَط وأوهام، ولم يُترَك حديثُهم، بل يُقبَل ما روَوْه في الشواهد، والاعتبارُ بهم لا في الأصول والحلال والحرام. ٨ - ثم على المحدّثين الصادقين، أو الشيوخ المستورين الذين فيهم لين ولم يبلغوا رتبةَ الأثبات المتقنين (١)، وما أوردت منهم إلَّا مَنْ وجدتُه في كتاب في أسماء الضعفاء. ٩ - ثم على خلق كثير من المجهولين، ممن يَنُصُّ أبو حاتم الرازي على أنه مجهول، أو يقول غيرُه: لا يُعرَف، أو: فيه جهالة، أو غيرَ ذلك من العبارات التي تدل على عدم شهرة الشيخ بالصدق، إذ المجهول غيرُ محتج به. ١٠ - ثم على الثقات الأثبات الذين فيهم بِدعة، والثقاتِ الذين تَكَلَّم فيهم مَنْ لا يُلتفت إلى كلامه ولا إلى تضعيفه، لكونه تعنَّتَ وخالف الجمهورَ من أولي النقد والتحرير، فإنَّا لا ندّعي العصمةَ من السهو والخطأ في الاجتهاد في غير الأنبياء ﵈. ثم إن البدعة صُغْرى وكبرى، رَوَى عاصمٌ الأحول، عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يَسألون عن الإِسناد حتى وقعَتْ الفتنة (٢)، فلما وقعت: نظروا من كان من أهل السنَّة أخذوا حديثَه، ومن كان من أهل البِدَع تركوا حديثَه. وروى هشام، عن الحسن قال: لا تُفاتِحُوا أهل الأهواء (٣)، ولا تسمعوا منهم. _________ (١) العبارة في الأصول هكذا: "أو الشيوخ المستورين الذين لم يبلغوا رتبة الأثبات المتقنين" والمثبت من "الميزان" لأنه أوضح. (٢) يعني الفتنة في مقتل سيدنا عثمان ﵁. (٣) في "النهاية" ٣: ٤٠٧: "فاتحه: حاكَمَه، ومنه حديث لا تُفاتحوا أهلَ القَدَر أي لا تُحاكموهم، وقيل: لا تبدؤوهم بالمجادلة والمناظرة".

стр. 196

فالتليين بالبدعة بابٌ صَلِفٌ (١)، فيه اختلافٌ بين العلماء، ليس هذا موضع تقريره. ولم أتعرض لذكر مَنْ قيل فيه: محلُّه الصدق، ولا من قيل فيه: هو صالحُ الحديث، أو: يُكتَبُ حديثُه، أو: هو شيخٌ، فإنَّ هذا وشبهَه يدل على عدم الضعف المطلق. فأعلى العبارات في الرواة المقبولين: ١ - ثَبْتٌ حجة، وثَبْتٌ حافظ، وثقةٌ مُتْقِن (٢)، وثقة ثقة. ٢ - ثم ثقة. ٣ - ثم صدوقٌ، ولا بأس به، وليس به بأس. ٤ - ثم محلُّه الصدق (٣)، وجيِّدُ الحديث، وصالحُ الحديث، وشيخٌ وَسَطٌ، وشيخٌ، وحسَنُ الحديث، وصدوق إن شاء الله، وصُوَيلِح، ونحوُ ذلك. وأردى عباراتِ الجرح: ١ - دجَّال، كذَّاب، أو وَضَّاع، يَضَعُ الحديث. ٢ - ثم متَّهم بالكذب، ومتَّفَقٌ على تركِه. _________ (١) في (الأصول): "بابٌ صَلِف، وشُكِل الصادُ بالفتح واللامُ بالكسر، وكذا جاء (صَلِفٌ) في ثلاث نُسَخ من "الميزان". يقال: صَلِفَ الشيءُ صَلَفًا فهو صَلِفٌ: قلَّ خيرُه. وفي المطبوعة من "الميزان" و "اللسان": (سَلَف). (٢) لم أقف على أوصاف (المتقِن) تعيينًا وتحديدًا في كلام المحدِّثين، ويمكنُ أن أقول: هو القويُّ الحفظ والمعرفة، الدقيقُ الضبط والتوثق، النادرُ الوَهَم والتصحيف. (٣) في ص أ ك د: "ومحلُّه" بالواو. وفي ط وعدة نسخ من م: "ثم محلُّه" وهو الصواب، فإن هذه الألفاظ دون التي قبلها في المرتبة.

стр. 197

٣ - ثم متروك، وليس بثقة، وسكتوا عنه، وذاهبُ الحديث، وفيه نَظَر، هالك، وساقط. ٤ - ثم واهٍ بمَرَّة، وليس بشيء، وضعيف جدًّا، وضعَّفوه، ضعيف، واهٍ، منكَرُ الحديث، ونحوُ ذلك. ٥ - ثم يُضعَّفُ، وفيه ضعف، قد ضُعِّف، ليس بالقوي، غيرُ حجة، ليس بحجة، ليس بذاك، تَعرِفُ وتُنِكرُ، فيه مقال، تُكلِّم فيه، لَيِّنٌ، سيِّئُ الحفظ، لا يُحتج به، اختُلِفَ فيه، صدوقٌ لكنه مبتدع. ونحوُ ذلك من العبارات التي تدل بوضعها على اطّراحِ الراوي بالأصالة، أو على ضَعفِه، أو على التوقفِ فيه، أو على جوازِ أن يُحتج به مَعَ لِينٍ فيه. وكذلك من قد تُكلِّم فيه من المتأخرين، لا أُوردُ منهم إلَّا من قد تبيَّن ضعفُه واتَّضَح أمرُه من الرواة، إذ العُمدة في زماننا ليس على الرواة، بل على المحدِّثين والمفيدين، والذين عُرفَتْ عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين. ثم من المعلوم أنه لا بد من صَوْن الراوي وسَتْرِه، والحدُّ الفاصلُ بين المتقدم والمتأخر، هو رأسُ سنة ثلاث مئة، ولو فتحتُ على نفسي تليينَ هذا الباب، ما سَلِمَ معي إلَّا القليل، إذ الأكثر لا يَدْرون ما يروون، ولا يعرفون هذا الشأن، وإنما سُمِّعوا في الصِّغَر، واحتِيجَ إلى علو سندهم في الكِبَر، والعُمدةُ على من أفادهم، وعلى من أَثبَت طِباقَ السَّماع لهم، كما هو مبسوط في علوم الحديث، والله الموفق، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله. (هذا آخر الخطبة). وقد وجدتُ له في أثناء الكتاب، ما يَصلح أن يكون في الخطبة، كقولِهِ في ترجمة أبان العطَّار (١): إذا كتبتُ (صح) أولَ الاسم، فهي إشارة إلى أن العمل على توثيق ذلك الرجل. _________ (١) "الميزان" ١: ١٦.

стр. 198

وقولِهِ فيها: ومن عيوب كتابه - يعني ابنَ الجوزي - أنه يَسرد الجرح ويَسكت عن التعديل. وقال في ترجمة أبان بن حاتم الأُمْلُوكي (١): اعلم أنَّ كل من أقول فيه: مجهول، ولا أُسندُه إلى قائل، فإن ذلك هو قولُ أبي حاتم فيه، وسيأتي من ذلك شيء كثيرٌ جدًّا فاعلَمْه، فإن عزَيْتُهُ إلى قائله، كابن المديني، وابن معين، فذلك بَيِّنٌ ظاهر (٢). وإن قلتُ: فيه جهالةٌ، أو نُكْرةٌ، أو يُجْهَل، أو لا يُعرف، وأمثالَ ذلك، ولم أعْزُه إلى قائل، فهو من قِبَلي، كما إذا قلتُ: صدوق، وثقة، وصالح، وليِّنٌ، ونحوَ ذلك ولم أُضِفه إلى قائل، فهو من قولي واجتهادي. وقولِهِ في ترجمة أبان بن تَغْلِب (٣): فإن قيل: كيف ساغ توثيقُ مبتدع وحَدُّ الثقة العدالةُ والإِتقان، فكيف يكون عدلًا، وهو صاحبُ بدعة؟ وجوابُهُ أن البدعة على ضربين: فبدعةٌ صغرى: كغلو التَّشْيِيع، وكالتَّشْيِيع بلا غُلُوّ ولا تَحرُّق، فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق (٤)، فلو رُدَّ حديثُ هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مَفْسَدة بيِّنة. _________ (١) "الميزان" ١: ٦. (٢) قد خالف الذهبي شرطه ذلك أحيانًا، كما وضحته في تعليقي على "الرفع والتكميل"، فانظره إن شئت. (٣) "الميزان" ١: ٥. (٤) قلت: بل كان مِنْ بعض الصحابة، قال الحافظ ابن عبد البر في "الاستيعاب" في ترجمة الصحابي أبي الطُّفَيْل عامر بن واثلة الليثي ٧٩٩:٣: "وكان محبًا لعلي ﵁، وكان من أصحابه في مشاهده، وكان ثقة مأمونًا يعترف بفضل الشيخين ﵄، إلَّا أنه كان يقدِّم عليًا ﵁، توفي سنة مئة من الهجرة". وقال في ١٦٩٧:٤: "وكان متشيعًا في علي ﵁، ويفضِّله ويثني على الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، ويترحم على عثمان ﵁".

стр. 199

ثم بدعةٌ كبرى: كالرفض الكامل، والغلو فيه، والحطِّ على أبي بكر وعمر ﵄، والدُّعاءِ إلى ذلك، فهؤلاء لا يُقبَل حديثُهم، ولا كرامةَ. وأيضًا فلا أستحضِرُ الآن في هذا الضَّرْبِ رجلًا صادقًا ولا مأمونًا، بل الكذبُ شِعارُهم، والتقيَّةُ والنفاقُ دِثارُهم، فكيف يُقبَلُ مَنْ هذا حالُه؟ حاشا وكلا. فالشيعي والغالي في زمان السلف وعُرْفِهم، هو من تَكلَّم في عثمان، والزبير، وطلحة، وطائفةٍ ممن حارب عليًا ﵁، وتعرَّض لسبِّهم. والغالي في زماننا وعُرفِنا، هو الذي كفَّر هؤلاء السادة، وتبرَّأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضال مُعَثَّر (١). وقال في ترجمة إبراهيم بن الحَكَم بن ظُهَير (٢): اختلَفَ الناسُ في رواية الرافضة على ثلاثة أقوال (٣): أحدُها: المنعُ مطلقًا. والثاني: الترخُّصُ مطلقًا، إلَّا في من يَكْذِبُ ويَضَع. والثالثُ: التفصيل، فتُقبَلُ روايةُ الرافضي الصدوق العارفِ بما يُحدِّث، وتُرَدُّ رواية الرافضي الداعية، ولو كان صدوقًا. قال أشهب: سُئل مالك عن الرافضة فقال: لا تكلِّمهم، ولا تَرْوِ عنهم، فإنهم يَكذبون. وقال حرملة: سمعتُ الشافعي يقول: لم أر أشهدَ بالزُّورِ من الرافضة. وقال مؤمَّلُ بن إِهاب: سمعتُ يزيدَ بن هارون يقول: يُكتَبُ عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية، إلَّا الرافضة، فإنهم يَكذبون. _________ (١) جاء في ص: "مُفْتَرٍ". بدون شكل، وما أثبته هو من "الميزان" ١: ٦ وهو الملائم للسياق هنا. والمُعَثَّر هو: المتردِّي في الهلاك. (٢) "الميزان" ١: ٢٧. (٣) في ط: "في الاحتجاج برواية الرافضة"، وفي د: "في رواية الغلاة والرافضة".

стр. 200

وقال محمد بن سعيد بن الأصبهاني: سمعتُ شَرِيكًا يقول: احمِل العلمَ عن كل من لقيتَ إلَّا الرافضة، فإنهم يَضَعُون الحديث، ويتخذونه دِينًا. هذا آخِرُ كلامه. قلت: فالمنع من قبول رواية المبتدعة الذين لم يُكفَّروا ببدعتهم، كالرافضة والخوارج، ونحوِهم، ذهب إليه مالك وأصحابُه، والقاضي أبو بكر الباقِلَّاني وأتباعُه. والقبولُ مطلقًا، إلَّا فيمن يُكفرُ ببدعته، وإلَّا فيمن يَستحل الكذبَ، ذهب إليه أبو حنيفة، وأبو يوسف، وطائفة. ورُوي عن الشافعي أيضًا. وأما التفصيل: فهو الذي عليه أكثرُ أهلِ الحديث، بل نَقَل فيه ابنُ حِبَّان إجماعَهم، ووَجْهُ ذلك: أن المبتدع إذا كان داعية، كان عنده باعث على رواية ما يَشُدّ به بدعتَه. وقد حكى القاضي عبد اللّه بن عيسى بن لَهِيعة، عن شيخ من الخوارج أنه سمعه يقول بعد ما تاب: "إن هذه الأحاديث دِين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنَّا كنا إذا هَوِينا أمرًا صَيَّرناه حديثًا" (١). حَدَّث بها عبد الرحمن بن مَهْدي الإِمام، عن ابن لَهِيعة، فهي من قديم حديثه الصحيح. أنبأنَا بذلك إبراهيم بن داود شِفاهًا، أخبرنا إبراهيم بن علي، أخبرنا أبو الفرج بن الصَّيْقَل، أخبرنا أحمدُ بن محمد كتابة، أخبرنا الحسن بن أحمد، أخبرنا أبو نُعَيم، حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو يحيى الرازي، حدثنا عبد الرحمن بن عمر، حدثنا ابنُ مهدي بها. قلتُ: وهذه واللّه قاصمة الظهر للمحتجين بالمراسيل، إذْ بدعةُ الخوارج كانت في صدر الإِسلام والصحابةُ متوافِرون، ثم في عصر التابعين، فمن _________ (١) "الموضوعات" ١: ٣٨.

стр. 201

بعدَهم، وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمرًا جعلوه حديثًا، وأشاعوه، فربما سمعه الرجل السُّنِّي، فحدَّث به، ولم يَذكر من حَدَّثَهُ به تحسينًا للظن به، فيَحمِلُه عنه غيرُه، ويجيء الذي يَحتج بالمقاطيع فيَحتج به، ويكونُ أصلهُ ما ذكرتُ، فلا حول ولا قوة إلَّا باللّه. وينبغي أن يقيد قولُنا بقَبول رواية المبتدع إذا كان صدوقًا ولم يكن داعيةً: بشرطِ أن لا يكون الحديثُ الذي يُحدِّث به مما يَعْضُد بدعتَه ويَشُدّها، فإنا لا نأمن حينئذ عليه غلبةَ الهوى، واللّه الموفق. فقد نَصَّ على هذا القيدِ في هذه المسألة الحافظُ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني شيخُ النسائي، فقال في مقدمة كتابه في "الجرح والتعديل" (١): "ومنهم زائغ عن الحق، صدوقُ اللهجة، قد جَرَى في الناس حديثُه، لكنه مخذولٌ في بدعته، مأمون في روايته، فهؤلاء ليس فيهم حِيلة، إلَّا أن يؤخذ من حديثهم ما يُعرَف، إلَّا ما يُقوّي به بدعتَه فيُتَّهمُ بذلك" (٢). وقال حماد بن سَلَمة: حدثني شيخ لهم - يعني الرافضة - قال: كنا إذا اجتمعنا فاستحسَنّا شيئًا: جعلناه حديثًا (٣). وقال مُسَبِّحُ بن الجَهْم الأسلمي التابعي (٤): كان رجل منا في الأهواء _________ (١) أي "أحوال الرجال" له، ص ٣٢. (٢) هكذا في الأصول، وهو استثناء بعدَ استثناء، وعبارةُ الجوزجاني في كتابه: (إذا لم يُقَوِّ به بدعته، فيُتَّهمُ عندَ ذلك). وهذا من تصرُّف الحافظ ابن حجر المعروف لأنه يكتب من حفظه. (٣) "الموضوعات" ١: ٣٩. (٤) سَمّاه ابن عدي في مقدمة "الكامل" ١: ١٤٤: (منذر بن الجهم) وله ترجمة في "التاريخ الكبير" ٧: ٣٥٨ و "الجرح والتعديل" ٨: ٢٤٣.

стр. 202

مدة، ثم صار إلى الجماعة، وقال لنا: أَنشُدُكم الله أن تَسمعوا من أحد من أصحاب الأهواء (١)، فإنَّا واللّه كنا نروي لكم الباطل، ونحتسبُ الخير في إضلالكم. وقال زهير بن معاوية: حدثنا مُحْرِز أبو رجاء، وكانَ يرى القَدَر فتاب منه، فقال: لا تَرْوُوا عن أحد من أهل القَدَر شيئًا، فواللّه لقد كنا نضَعُ الأحاديث، نُدْخِل بها الناسَ في القَدَر نحتسِبُ بها، فالحُكْمُ للّه!. وهذه فصول يُحتاج إليها في هذه المقدمة: ١ - فصل قال عثمان بن سعيد الدَّارِمي (٢): سُئل يحيى بن معين، عن الرجل يُلْقِي الرجلَ الضعيف بين ثقتين، ويَصِل الحديثَ ثقةَ عن ثقة ويقول: أَنْقُصُ من الإِسناد، وأصِلُ ثقةً عن ثقة؟ قال: لا تَفعل، لعل الحديث عن كذاب ليس بشيء، فإذا حسَّنَه إذا هو أفسَدَه، ولكن يُحدِّثُ بما رَوَى. قال عثمان: كان الأعمش ربما فَعَل هذا. قلتُ: ظاهر هذا تدليسُ التسوية، وما علمتُ أحدًا ذكر الأعمشَ بذلك، فيُستفاد. ٢ - فصل قال أبو مصعب الزُّهْرِيُّ: سمعتُ مالكًا يقول: لا تَحمِل العلمَ عن أهل _________ (١) قوله: (أن تَسمعوا … ) أي أَنشُدُكم اللَّهَ أن لا تَسمعوا … ، على غِرار قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾، وعلى مِنوالِ قول الشاعر القُطَامي في صفةِ ناقةٍ نجيبةٍ نفيسة، يُحذِّرُ من بَيْعِها: رأينا ما يَرَى البُصَراءُ منها … فآلَيْنا عليها أن تُبَاعَا (٢) "تاريخ ابن معين" برواية الدارمي ص ٢٤٣.

стр. 203

البدع كلِّهم، ولا تحمِل العلمَ عمن لم يُعرَف بالطلبِ ومُجالسةِ أهل العلم (١)، ولا تحمل العلم عمن يَكذِب في حديث النبي ﷺ ، ولا عمن يَكذِب في حديث الناس، وإن كان في حديث النبي ﷺ صادقًا، لأن الحديثَ والعلمَ إذا سُمع من الرجل، فقد جُعل حُجَّةً بين الذي سمعه وبين اللّه تعالى، فلينظر عمن يأخذُ دينَه. وقال علي بن المديني: سمعتُ يحيى بن سعيد القطان يقول: ينبغي لصاحب الحديث أن يكون فيه خِصال: أن يكون ثَبْتَ الأخذ، ويَفهمَ ما يُقالُ له، ويُبْصِرَ الرجالَ، ثم يَتعاهَدَ ذلك (٢). وقال ابن مهدي: قيل لشعبة: من الذي يُترَكُ حديثُه؟ قال: إذا رَوَى عن المعروفين ما لا يَعرفه المعروفون فأكثرَ طُرِح حديثُه، وإذا أكثر الغلطَ طُرح حديثُه، وإذا اتُّهِم بالكذب طُرح حديثه، وإذا رَوَى حديثًا غلطًا مُجتمَعًا عليه، فلم يَتَّهِم نفسَه عليه طُرح حديثُه، وأما غيرُ ذلك فاروِ عنه (٣). وقال ابن مهدي: الناسُ ثلاثة: رجلٌ حافظ متقن (٤)، فهذا لا يُختلَف فيه. وآخَرُ يَهِم، والغالبُ على حديثه الصحة، فهذا لا يُترك حديثُه، ولو تُرِك حديثُ مثلِ هذا، لَذَهب حديثُ الناس. وآخَرُ يَهِمُ، والغالبُ على حديثه الوَهَم، فهذا يُترك حديثُه (٥). _________ (١) لقد اتَّصَف بهذا الذي ينهى عنه الإِمامُ مالك - عدمِ المعرفة بالطلب وعدمِ مجالسة أهل العلم - كثيرٌ أو الأكثرُ اليومَ! بل اتصفوا بأطمَّ منه! فتلقَّوْا عن الصُّحُف أو عن الصَّحَفِيّة وقعدوا يُصحِّحون ويُضعِّفون، ويُبدِّعون ويُضلِّلون، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون! (٢) "الكفاية" ١٦٥. (٣) "المحدث الفاصل" ٤١٠. (٤) تقدم تعليقًا في ص ١٩٩ شرح معنى (المتقِن). (٥) "المحدث الفاصل" ٤٠٦، "الكفاية" ١٤٣.

стр. 204

قلتُ: هذه أقسام الصادقين، أما من يتعمد الكذب، فلم يتعرض له ابن مهدي في هذا التقسيم. وقال ابن المبارك: يُكتَبُ الحديث إلَّا عن أربعة: غَلّاطٍ لا يَرجِع، وكذَّابٍ، وصاحبِ هوىً يدعو إلى بدعتِه، ورجلٍ لا يَحفظ فيُحدِّثُ من حفظه (١). وقال الإِمام أحمد: ثلاثةُ كُتُبٍ ليس لها أُصُول (٢) وهي: المغازي، والتفسير، والمَلَاحم (٣). قلت: ينبغي أن يضاف إليها: الفضائل، فهذه أودِيَةُ الأحاديث الضعيفة والموضوعة، إذ كانت العمدة في المغازي على مثل الواقدي، وفي التفسير على مثل مُقاتِلٍ والكلبيّ، وفي المَلَاحم على الإِسرائيليات. وأما الفضائل، فلا يُحصَى كم وَضَع الرافضةُ في فضل أهل البيت، وعارَضَهم جَهَلةُ أهل السنَّة بفضائل معاوية، بل وبفضائلِ الشيخين، وقد أغناهما اللّه، وأعلى مرتبتهما عنها. ٣ - فصل وقال ابن قُتَيبة في "اختلاف الحديث" (٤): الحديثُ يدخله الشَّوْبُ والفسادُ من وجوه ثلاثة، منها: الزنادقةُ واجتيالُهم للإِسلام وتهجينُه بدَسِّ الأحاديث المستبشعَة والمستحيلة، والقُصَّاصُ: فإنهم يُميلون وجوهَ العوام إليهم (٥)، _________ (١) "الكفاية" ١٤٣. (٢) أي أسانيد. (٣) "الكامل" لابن عدي ١: ١١٩. (٤) ص ١٨٨ - ١٩٢. (٥) في ص: "العوام السوء" بدل "إليهم".

стр. 205

ويستدرّون ما عندهم بالمناكير والغرائب والأكاذيب. ومِن شأنِ العوام ملازمةُ القاصِّ ما دام يأتي بالعجائب الخارجةِ عن نظر العقول (١). ٤ - فصل قال ابن أبي خَيْثَمة: قلتُ لابن معين: إنك تقول: فلان ليس به بأس، وفلان ضعيف، قال: إذا قلتُ لك: ليس به بأس، فهو ثقة، وإذا قلتُ: هو ضعيف، فليس هو بثقة، ولا يُكتَبُ حديثه. وقال حمزة السَّهْمِي: قلتُ للدارقُطني: إذا قلتَ: فلانٌ ليِّنٌ أَيْشٍ تريدُ به؟ قال: لا يكون ساقطًا متروكَ الحديث، ولكنْ مجروحًا بشيء لا يُسقطه عن العدالة (٢). ٥ - فصل قال ابن حبان: من كان منكَرَ الحديث على قلته، لا يجوزُ تعديلُه إلَّا بعدَ السَّبْر (٣)، ولو كان ممن يروي المناكير ووافَقَ الثقاتِ في الأخبار، لكان عدلًا مقبول الرواية، إذ الناس في أقوالهم على الصلاح والعدالة، حتى يَتبيّن منهم ما يوجب القدح، هذا حُكمُ المشاهير من الرواة. فأما المجاهيل الذين لم يَرْوِ عنهم إلَّا الضعفاء، فهم متروكون على الأحوال كلها. قلت: وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان، من أن الرجل إذا انتفت جهالة _________ (١) وقال ابن قتيبة أيضًا: "وأما الوجه الثالث الذي يقع فيه فساد الحديث فأخبار متقادمة، كان الناس في الجاهلية يروونها تشبه أحاديث الخُرافة، كقولهم: إن الضبَّ كان يهوديًا عاقًا، فمسخه اللّه تعالى ضبًّا … ". (٢) "سؤالات حمزة" ص ٧٢. وانظر حول ضبط (أَيْشٍ) وأصلها تعليقي على "جواب الحافظ المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل" ص ٦١. (٣) في ص ك: "السَّتْر" بالفوقية المثناة.

стр. 206

عينه، كان على العدالة إلى أن يتبين جَرحُه، مذهبٌ عجيب، والجمهور على خلافه. وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب "الثقات" الذي ألَّفه، فإنه يَذكر خَلْقًا ممن ينصّ أبو حاتم وغيرُه على أنهم مجهولون، وكأنَّ عند ابن حبان: أن جهالةَ العين ترتفع برواية واحدٍ مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره. وقد أفصح ابن حبان بقاعدته فقال: العدل من لم يُعرف فيه الجرح، إذ التجريح ضد التعديل، فمن لم يُجرَح فهو عدل حتى يَتبين جَرحُه، إذ لم يُكلَّف الناسُ ما غاب عنهم (١). وقال في ضابط الحديث الذي يُحتَجّ به: إذا تعرَّى راويه من أن يكون مجروحًا، أو فوقه مجروح، أو دونه مجروح، أو كان سندُه مرسَلًا، أو منقطعًا، أو كان المتن منكرًا (٢). هكذا نقله الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي في "الصارم المُنْكِي" (٣) من تصنيفه، وقد تصرَّف في عبارة ابن حبان، لكنه أتى بمقصده (٤)، _________ (١) "الثقات" ١: ١٣ (٢) "الثقات" ١: ١٢. (٣) ص ٩٥. (٤) طالعتُ كتاب ابن عبد الهادي "الصارم المُنكي" فوجدتُه نَقَل كلام ابن حبان من كتابه "الثقات" ١: ١٢، بلفظه، ولم يتصرَّف فيه كما يقول المصنف هنا. وعبارة ابن حبان كما نقلها ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي" ص ٩٥: "كل من أذكر في الكتاب فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره إذا تعرَّى خبرُه عن خصالٍ خمس، فإذا وُجِدَ خبر منكر عن واحد ممن ذكرته في كتابي هذا، فإن ذلك الخبر لا ينفكّ من إحدى خمس خصال: ١ - إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرتُ اسمَه في كتابي، في الإِسناد رجل ضعيف لا يُحتج بخبره. ٢ - أو يكونَ دونه رجل واهٍ لا يحتج بخبره. =

стр. 207

وسيأتي بعض كلامه في (أيوب)، آخِرَ مذكورٍ في حرف الألف [١٣٩٤]. قال الخطيب (١): "أقلُّ ما ترتفع به الجهالة، أن يرويَ عن الرجل اثنان فصاعدًا من المشهورين بالعلم، إلَّا أنه لا يَثبُت له حكم العدالة بروايتهما، وقد زعم قوم أن عدالته تثبت بذلك، وهذا باطل، لأنه يجوز أن يكون العدل لا يَعْرف عدالتَه، فلا تكون روايته عنه تعديلًا له، ولا خبرًا عن صدقه. كيف وقد وُجِدَ جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث، أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم، مع علمهم بأنهم غير مرضيين، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب، مثلُ قولِ الشعبي: حدثنا الحارث، وكان كذابًا. وقولِ الثوري: حدثنا ثُوَير بن أبي فاخِتَة، وكان من أركان الكذب. وقولِ يزيد بن هارون: حدثنا أبو رَوْح وكان كذابًا. وقولِ أحمد بن مُلاعِب: حدثنا مُخوَّل بن إبراهيم، وكان رافضيًا. وقولِ أبي الأزهر: حدثنا بكر بن الشَّرُود، وكان قَدَريًا داعية. قلتُ: وقد رَوَى هؤلاء كلهم في مواضعَ أخر عمن سُمِّي، ساكتين عن وصفهم بما وصفوهم به، فكيف تكون رواية العدل عن الرجل تعديلًا له، لكن مَنْ عُرِف من حاله أنه لا يروي إلَّا عن ثقة، فإنه إذا رَوى عن رجل: وُصِف بكونه ثقة عنده، كمالك، وشعبة، والقطان، وابن مهدي، وطائفة ممن بعدهم" (٢). _________ = ٣ - أو الخبرُ يكون مرسلًا، لا يلزمنا به الحجة. ٤ - أو يكون منقطعًا لا تقوم به الحجة. ٥ - أو يكون في الإِسناد رجل مدلس، لم يبين سماعَه في الخبر مِن الذي سمعه منه". انتهى. (١) في "الكفاية" ص ٨٨ - ٩٢. (٢) وفي "قواعد في علوم الحديث" ص ٢١٦ لشيخنا العلامة ظَفَر أحمد التهانوي =

стр. 208

٦ - فصل وقال الخطيب (١): "اتفق أهل العلم على أن من جَرَحه الواحدُ والاثنان، وعدَّله مثلُ عددِ من جَرَّحه، فإن الجرح أولى، والعلة في ذلك أن الجارح يخبر عن أمر باطن قد علمه، ويُصدِّقُ المُعدِّلَ (٢)، ويقول: قد علمتُ من حالِهِ الظاهرِ ما علمتَ أنت، وتفردتُ بعلمٍ لم تعلمه من اختبار أمره. وإخبارُ المعدِّلِ عن العدالة الظاهرة، لا ينفي قولَ الجارح فيما أَخبَر به، فوجب بذلك أن يكون الجرح أولى من التعديل". قال (٣): "فإذا عدَّل جماعة رجلًا، وجَرحه أقل عددًا من المعدلين، فإن الذي عليه الجمهور من العلماء، أن الحكمَ للجرح، والعملُ به أولى. وقالت طائفة: الحكم للعدالة، وهو خطأ". قلت: بل الصواب التفصيل، فإن كان الجرح والحالة هذه مفسَّرًا: قُبِل، وإلَّا عُمل بالتعديل، وعليه يُحمَل قول من قدَّم التعديل، كالقاضي أبي الطيب الطبري وغيره. فأمَّا من جُهِل حاله، ولم يُعلم فيه سوى قول إمام من أئمة الحديث: إنه ضعيف، أو متروك، أو ساقط، أو لا يُحتج به، أو نحوُ ذلك، فإن القول قولُه، ولا نطالبه بتفسير ذلك، إذ لو فسَّره وكان غيرَ قادح لمنَعَتْنا جهالة حال ذلك الرجل من الاحتجاج به، كيف وقد ضُعِّف. _________ = رحمه الله تعالى وفيما علَّقتُه عليه شِبهُ استقصاء لأسماء من وصفوا بأنهم لا يروون إلَّا عن ثقة. (١) في "الكفاية" ص ١٠٥ و ١٠٦. (٢) في الأصول كلِّها: "العَدْل" وهو خطأ، والتصويب من "الكفاية". (٣) في "الكفاية" ص ١٠٧.

стр. 209

فوجهُ قولهم: إنَّ الجرح لا يقبل إلَّا مفسَّرًا، هو في من اختُلِف في توثيقه وتجريحه كما شرحناه، ويؤيده قول ابن عبد البر (١): "من صحَّتْ عدالتُه، وثبتَتْ في العلم إمامتُه، وبانَتْ هِمَّتُهُ وعنايتُهُ بالعلم، لم يُلتفت فيه إلى قولِ أحد، إلَّا أن يأتي الجارح في جَرْحه ببينةٍ عادلة، تصح بها جَرْحَتُه على طريق الشهاداتِ والعملِ بما فيها من المشاهدة لذلك، بما يوجب قبوله". ٧ - فصل وممن ينبغي أن يُتوقَّف في قَبول قوله في الجرح: من كان بينه وبين من جَرَحه عداوةٌ سببها الاختلاف في الاعتقاد، فإن الحاذق إذا تأمل ثَلْب أبي إسحاق الجُوزجاني لأهل الكوفة رأى العَجَب، وذلك لشدة انحرافه في النَّصْب، وشهرةِ أهلها بالتشيع. فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسانٍ ذَلْق، وعبارةٍ طلقة، حتى إنه أخذ يليّن مثل الأعمش، وأبي نُعيم، وعُبَيد اللّه بن موسى، وأساطينَ الحديث، وأركانَ الرواية، فهذا إذا عارضه مثلُه أو أكبرُ منه، فوثَّق رجلًا ضعَّفه: قُبِل التوثيق. ويلتحق به عبدُ الرحمن بن يوسف بن خِرَاش المحدِّثُ الحافظ، فإنه من غلاة الشيعة، بل نُسِب إلى الرفض، فيُتأنَّى في جَرحه لأهل الشام، للعداوة البيِّنة في الاعتقاد. ويُلحَق بذلك ما يكون سببُه المنافسةَ في المراتب، فكثيرًا ما يقع بين العصريَّيْن الاختلافُ والتباين لهذا وغيره، فكل هذا ينبغي أن يُتأنَّى فيه ويُتأمَّل، وما أحسن ما قال الإمام أبو الفتح القُشَيْري (٢): أعراض الناس حُفرةٌ من حُفَر _________ (١) في "جامع بيان العلم وفضله" ٢: ١٥٢ أو ٢: ١٠٩٨. (٢) هو الإِمام ابنُ دقيق العيد كما في كتابه "الاقتراح" ص ٦١. وانظر حول خطورة =

стр. 210

النار، وَقَف على شَفِيرها طائفتان: الحُكام والمحدِّثون. هذا أو معناه. ٨ - فصل وينبغي أن يُتأمَّل أيضًا أقوالُ المزكِّين ومَخارِجُها، فقد يقول العدل: فلان ثقة، ولا يريد به أنه ممن يُحتجّ بحديثه، وإنما ذلك على حسب ما هو فيه ووَجْهِ السؤالِ له، فقد يُسأل عن الرجل الفاضل المتوسطِ في حديثه، فيُقرَن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان، وفلان، وفلان؟ فيقول: فلان ثقة، يريد أنه ليس من نَمَط من قُرِن به، فإذا سئل عنه بمفرده، بَيَّن حاله في التوسط. فمن ذلك أن الدُّوْريَّ قال: سُئِل ابن معين عن محمد بن إسحاق فقال: ثقة، فحَكَى غيرُه عن ابن معين أنه سُئل عن ابن إسحاق، وموسى بن عُبَيْدة الرَّبَذي، أيهما أحب إليك؟ فقال: ابنُ إسحاق ثقةٌ. وسئل عن محمد بن إسحاق بمفرده فقال: صدوق، وليس بحجة (١). ومثلُه أنَ أبا حاتم قيل له: أيهما أحب إليك: يونسُ، أو عُقيل؟ فقال: عُقيلٌ لا بأس به، وهو يريد تفضيله على يونس. وسئل عن عُقَيل، وزَمْعة بن صالح، فقال: عُقيل: ثقة متقن، وهذا على حكم اختلاف السؤال. وعلى هذا يُحمَل أكثرُ ما ورد من اختلاف كلام أئمة أهل الجرح والتعديل ممن وَثَّق رجلًا في وقت، وجَرَّحه في وقت آخر. وقد يحكمون على الرجل الكبير في الجرح بمعنى، لو وجد فيمن هو دونه لم يُجَرَّح به، فيتعين لهذا حكاية أقوال أهل الجرح والتعديل بنصها ليتَبيَّن منها ما لعلّه يَخفَى على كثير من الناس إذا عُرِض على ما أصّلناه، واللّه الموفق. _________ = الجرح والتعديل وآفاتهما ما كتبته في كتابي "لمحات من تاريخ السنَّة وعلوم الحديث" الطبعة الرابعة ص ١٨٤. (١) "تاريخ ابن معين" رواية الدوري ٢: ٥٠٣ و "الجرح والتعديل" ٧: ١٩٢ و ١٩٤.

стр. 211

٩ - فصل قال ابن المبارك: من ذا يَسْلم من الوَهَم (١)؟ وقال ابن معين: لست أعجب ممن يحدّث فيخطئ، إنما أعجب ممن يحدث فيصيب. قلت: وهذا أيضًا مما ينبغي أن يُتوقف فيه، فإذا جُرح الرجل، بكونه أخطأ في حديثٍ أو وَهِمَ، أو تفرَّد؛ لا يكون ذلك جرحًا مستقِرًا، ولا يُردُّ به حديثه. ومثلُ هذا إذا ضُعِّف الرجل في سماعه من بعض شيوخه خاصة، فلا ينبغي أن يُردّ حديثه كلُّه، لكونه ضعيفًا في ذلك الشيخ. وقال الشافعي: إذا رَوَى الثقةُ حديثًا، وإن لم يروِهِ غيرُه، فلا يقال له: شاذ، إنما الشاذ أن يَروي الثقاتُ حديثًا على وجه، فيَرويَه بعضُهم فيُخالفَه، فيقال: شَذَّ عنهم، وهذا صواب، ومع ذلك فلا يَخرجُ الرجل بذلك عن العدالة، لأنه ليس بمعصوم من الخطأ والوَهَم إلَّا إذا بين له خطؤه فأَصرّ. ١٠ - فصل وقال الشافعي في "الرسالة" (٢): "ولا تقومُ الحجة بخبر الخاصة - يعني بذلك خبرَ الواحد - إلَّا أن يكونَ من حَدَّث ثقة (٣) في دينه معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يُحدّث به، عالمًا بما يُحِيلُ معانيَ الحديث من الألفاظ. _________ (١) الوَهَمُ بفتح الهاء بوزن الغلط وبمعناه، ويختارون التعبير به بدَلَ الغلط، لغموض معناه بعض الشيء فهو آدَبُ، أما الوَهْمُ بسكون الهاء فهو أن يَسبق الخاطر أو اللسان أو القلم إلى شيء وأنت تريد غيره وتعلمُهُ على وجهه، وقد شرحتُ الفرق بين الوَهَم والوَهْم لغة ومعنى بتفصيل وتمثيل في آخر "الرفع والتكميل" من الطبعة الثالثة. (٢) في "الرسالة" ص ٣٧٠ - ٣٧٢. (٣) في ط و "الرسالة" ص ٣٧٠: "أن يكون مَنْ حدَّث به ثقةً".

стр. 212

أو يكونَ ممن يؤدِّي الحديث بحروفه كما سمعه، لا يُحدِّثُ به على المعنى، فإنه إذا حَدَّث به على المعنى، وهو غيرُ عالم بما يُحِيل معناه لم يدر لعلّه يُحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أدَّى بحروفه، لم يَبْق وجهٌ يُخافُ منه إحالةُ الحديث. حافظًا إن حَدَّث بحروفه من حفظه، حافظًا لكتابه إن حَدَّث من كتابه، إذا شَرِكَ أهلَ الحفظ في الحديث: وافَقَهم، بريئًا من أن يكون مدلسا يُحدِّثُ عمن لقي بما لم يَسمع منه، أو يُحدِّثُ عن النبي ﷺ بما يُحدِّثُ الثقاتُ خلافَه. ويكون كذلك حُكْمُ مَنْ فوقه ممن حدثه، حتى ينتهي الحديث موصولًا إلى النبي ﷺ ، أو إلى من انتهى به إليه دونه، لأن كل واحد منهم مُثْبِتٌ مَنْ حدثه، وشاهدٌ على من حدَّث عنه، فلا يُستغنَى في كل واحد منهم عما وصفتُ. قال (١): ومن كَثُرَ غلطُه من المحدِّثين، ولم يكن له أصلُ كتابٍ صحيح، لم يُقبَل حديثه، كما يكون من أكثرَ التخليطَ في الشهادة لم تُقبَل شهادته. وأقبلُ الحديث ممن قال: حدثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلِّسًا، ومن عرفناه دَلَّس مرة، فقد أبان لنا عورته في روايته، وتلك العورةُ ليست بكذب فيُردَّ بها حديثُه، ولا على النصيحةِ في الصدق، فنقبَلَ منه ما قبلْنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نَقْبَلُ (٢) من مدلس حديثًا حتى يقول: حدثني، أو سمعت". انتهى كلام الشافعي ﵀. _________ (١) في "الرسالة ص ٣٧٣ و ٣٧٩ و ٣٨٠ و ٣٨٢. (٢) في ص: (لا يقبل من مدلِّس حديثًا)، والصواب المثبت من "الرسالة" ص ٣٨٠ ومن نسخة ك.

стр. 213

وخَرَج بقوله: "ثقةً في دينه" من كان مبتدِعًا بدعةً يُكفَّر بها، وكذلك غيرُ المميِّز من صبيٍ ومجنون. وأما قوله: "عاقلًا لما يُحدِّث به"، فقال ابن حبان (١): العقلُ لما يُحدِّثُ مِن الحديث أن يَعقِلَ من اللغة مقدار ما لا يُزيلُ معاني الأخبار عن سَنَنها، ويعقِلَ من صناعة الحديث ما لا يَرفعُ موقوفًا، ولا يصِلُ مرسَلًا، أو يُصحِّفُ اسمًا. قال: والعلمُ بما يحيل معاني ما يرويه، هو أن يعرف من الفقه (٢)، مقدار ما إذا أدى خبرًا، أو رواه من حفظه، أو اختصره: لم يُحِلْه عن المعنى الذي أراده رسول اللّه ﷺ إلى معنى آخر. قلت: ولا خلاف بين الأئمة في اشتراط هذه الشروط، إن جوَّزنا الرواية بالمعنى. وقد تضمن هذا الفصلُ من كلام الشافعي، جميعَ الشروط المتفق عليها بين أهل الحديث في حَدِّ من تُقبَلُ روايته. وأما من شَرَط العَدَدَ فهو قولٌ شاذ، مخالفٌ لما عليه الجمهور، بل تُقبَلُ روايةُ الواحد إذا جَمَع أوصاف القبول. وكذا من يَشْترِطُ أن يكون فقيهًا عالمًا، فهو خلاف ما عليه الجمهور وحجَّتُهم قول اللّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَثَبَّتوْا﴾ (٣)، الآية، معناه أن لا يُتَثبَّت في غير خبر الفاسق، ولو لم يكن عالمًا. _________ (١) في مقدمة "صحيحه" ١: ١١٣. (٢) في أ د: "أن يعلم الفقه". (٣) هذه القراءة (فتثبَّتُوا) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف، وقراءةُ الباقين: (فتبيَّنوا) وكلا القراءتين مفسرة للأخرى.

стр. 214

وفي قوله ﷺ : "نَضَّر اللَّهُ امرأ سَمعَ مقالتي فوعاها … " الحديث، أقوى دليلٍ على ذلك، لأنه ﷺ لم يُفرِّق، بل صرح بقوله: "فرب حاملِ فِقْهٍ غيرِ فقيه، وربَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقَهُ منه". وكذا قولُ من شَرَط أن يكون مشهورًا بسماع الحديث، ومعرفةَ نَسَبِ الراوي، وأن لا يُنكِر راوي الأصل رواية الفرع عنه على وجه النسيان. فكلُّ هذه الشروط مخالف لما عليه الجمهور. واللّه أعلم بالصواب، إليه المرجعُ والمآب، لا إله إلَّا هو. * * * *

стр. 215

حرف الألف [من اسمه أبان وأبا] * - آدم، يأتي، وكان ينبغي أن يُذْكَر هنا (١)، وكذا أَبَّا بن جعفر. ١ - ز - أبان بن أرقم الأَسَدي الكوفي، ذكره أبو جعفر الطُّوسي في الشيعة الإِمامية، في رجال أبي عبد الله جعفرِ الصادق، ووثقه. ٢ - ز - أبان بن أرقم الطائي ثم السِّنْبِسي، أبو الأرقم الكوفي، ذكره الطوسي في رجال أبي عبد الله جعفر الصادق، ووثَّقه، وكان من الشيعة الإِمامية. ٣ - ز - أبان بن أرقم العِتْرِي (٢) الكوفي، ثم المدني، ذكره أبو جعفر الطوسي في "الشيعة الإِمامية" وقال: رَوَى عن أبي عبد الله جعفر الصادق، رَحَل إليه فسمع منه حديثًا كثيرًا.
следующие страницы →