ولد النسائي بنسا في سنة ٢١٥هـ وطلب العلم في صغره فارتحل إلى قتيبة في سنة ٢٣٠هـ فأقام عنده بمدينة بغلان سنة فأكثر عنه، ومن شيوخه إسحاق بن راهويه وهشام بن عمار ويروي عن رفقائه.
شيوخ النسائي:
شيوخ النسائي: قتيبة بن سعيد وإسحاق بن راهويه وهشام بن عمار وهناد بن السري ومحمد بن بشار وعمرو بن علي الفلاس ومحمد بن آدم المصيصي ونصر بن علي الجهضمي ويعقوب الدورقي والحسن البزار وعمار بن خالد الواسطي ومحمد بن إسماعيل بن علية ومحمد بن النضر بن مساور وهارون بن عبد الله الحمال ويعقوب بن ماهان ومحمد بن معمر القيسي.
تلاميذ النسائي:
تلاميذ النسائي: سليمان بن أحمد الطبراني وأبو جعفر الطحاوي وأبو علي النيسابوري وأبو بشر الدولابي وأبو بكر بن السني o حمزة بن محمد الكناني ومحمد بن إسماعيل النحاس النحوي والحسن بن الخضر الأسيوطي والحسن بن رشيق ومحمد بن معاوية بن الأحمر الأندلسي وعبد الكريم بن أبي عبد الرحمن النسائي ومحمد بن موسى المأموني ومحمد بن حيوية النيسابوري ومحمد بن أحمد بن الحداد الشافعي وأبيض بن محمد بن أبيض.
[*] مناقب النسائي ﵀:
كان النسائي ﵀ من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله ، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها.
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقبه رحمه الله تعالى:
(١) ثناء العلماء على النسائي ﵀:
كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبصر ونقد الرجال وحسن التأليف رحل في طلب العلم في خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام والثغور ثم استوطن مصر ورحل الحفاظ إليه ولم يبق له نظير في هذا الشأن.
حدث عنه أبو بشر الدولابي وأبو جعفر الطحاوي وأبو علي النيسابوري وغيرهم كثير.
وهاك غيضاً من فيض ممن أثنوا عليه خيرا.
[*] قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: الإمام الحافظ الثبت، شيخ الإسلام، ناقد الحديث. كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبصر ونقد الرجال وحسن التأليف، جال في طلب العلم في خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام والثغور ثم استوطن مصر ورحل الحفاظ إليه ولم يبق له نظير في هذا الشأن.
[*] قال الدار قطني: أبو عبد الرحمن مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره.
стр. 1157
وقال الدار قطني أيضاً: كان أبو بكر بن الحداد الشافعي كثير الحديث ولم يحدث عن غير النسائي وقال رضيت به حجة بيني وبين الله تعالى.
[*] وقال الحافظ ابن يونس: كان النسائي إمامًا حافظًا ثبتًا.
[*] قال الحافظ ابن طاهر سألت سعد بن علي الزنجاني عن رجل فوثقه فقلت قد ضعفه النسائي فقال يا بني إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم قلت صدق فإنه ليَّن جماعة من رجال صحيحي البخاري ومسلم.
[*] وقال الحاكم: كلام النسائي على فقه الحديث كثير ومن نظر في سننه تحير في حسن كلامه.
[*] وقال ابن الأثير في أول جامع الأصول: كان شافعيا له مناسك على مذهب الشافعي وكان ورعا متحريا قيل إنه أتى الحارث بن مسكين في زي أنكره عليه قلنسوة وقباء وكان الحارث خائفا من أمور تتعلق بالسلطان فخاف أن يكون عينا عليه فمنعه فكان يجيء فيقعد خلف الباب ويسمع ولذلك ما قال حدثنا الحارث وإنما يقول قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع.
[*] قال مأمون المصري المحدث: خرجنا إلى طرسوس مع النسائي سنة الفداء فاجتمع جماعة من الأئمة عبد الله بن أحمد بن حنبل ومحمد بن إبراهيم مربع وأبو الآذان فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ فأجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي وكتبوا كلهم بانتخابه.
[*] وقال أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ: من يصبر على ما يصبر عليه النسائي عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة يعني عن قتيبة عن ابن لهيعة قال فما حدث بها.
[*] قال محمد بن المظفر الحافظ: سمعت مشايخنا بمصر يصفون اجتهاد النسائي في العبادة بالليل والنهار وأنه خرج إلى الفداء مع أمير مصر فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه والانبساط في المأكل وأنه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد بدمشق من جهة الخوارج.
[*] قال الحافظ أبو علي النيسابوري: الإمام في الحديث بلا مدافعة أبو عبد الرحمن النسائي.
[*] قال أبو عبد الله بن منده: الذين أخرجوا الصحيح وميزوا الثابت من المعلول والخطأ من الصواب أربعة البخاري ومسلم وأبو داود وأبو عبد الرحمن النسائي.
[*] وقال مأمون المصري المحدث: خرجنا إلى طرسوس مع النسائي سنة الفداء فاجتمع جماعة من الأئمة؛ عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن إبراهيم مربع وأبو الآذان، وكيلجه، فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ فأجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي وكتبوا كلهم بانتخابه.
стр. 1158
[*] يقول السيوطي في مقدمة شرحه لكتاب السنن للنسائي: كتاب السنن أقل الكتب بعد
لصحيحين حديثًا ضعيفًا، ورجلاً مجروحًا.
(٢) طلب النسائي للعلم وشيوخه وتلامذته:
وطلب العلم في صغره، فارتحل إلى قتيبة في سنة ثلاثين ومئتين، فأقام عنده ببغلان سنة، فأكثر عنه.
وسمع من: إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار، ومحمد بن النضر بن مساور، وسويد بن نصر، وعيسى بن حماد زغبة، وأحمد بن عبدة الضبي، وأبي الطاهر بن السرح، وأحمد بن منيع، وإسحاق بن شاهين، وبشر بن معاذ العقدي، وبشر بن هلال الصواف، وتميم بن المنتصر، والحارث بن مسكين، والحسن بن صباح البزار، وحميد بن مسعدة، وزياد بن أيوب، وزياد بن يحيى الحساني، وغيرهم كثير، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: سمع من خلائق لا يحصون.
وقد روى النسائي في " سننه " مواضع يقول: حدثنا أبو داود، فالظاهر أن أبا داود في كل الأماكن هو السجستاني، فإنه معروف بالرواية عن السبعة، لكن شاركه أبو داود سليمان بن سيف الحراني في الرواية عن بعضهم، والنسائي مكثر عن الحراني، وقد روى النسائي في كتاب " الكنى "، عن سليمان بن الأشعث، ولم يكنه، وذكر الحافظ ابن عساكر في "النبل" أن النسائي يروي عن أبي داود السجستاني.
[*] قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: حدث عنه: أبو بشر الدولابي، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو علي النيسابوري، وحمزة بن محمد الكناني، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس النجوي، وأبو بكر محمد بن أحمد بن الحداد الشافعي، وعبد الكريم بن أبي عبد الرحمن النسائي، وأبو بكر أحمد بن محمد بن السني، وأبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، ومحمد بن معاوية بن الأحمر الأندلسي، والحسن بن رشيق، ومحمد بن عبد الله بن حيويه النيسابوري، ومحمد بن موسى المأموني، وأبيض بن محمد بن أبيض، وخلق كثير.
(٣) صفات النسائي رحمه الله تعالى:
قال الذهبي رحمه الله تعالى: وكان شيخنا مهيبا، مليح الوجه، ظاهر الدم، حسن الشيبة .. وكان نضر الوجه مع كبر السن، يؤثر لباس البرود النوبية والخضر، ويكثر الاستمتاع، له أربع زوجات، فكان يقسم لهن ... ومع ذلك فكان يصوم صوم داود ويتهجد.
(٤) عقيدة النسائي ﵀:
стр. 1159
قال قاضي مصر أبو القاسم عبد الله بن محمد بن أبي العوام السعدي: حدثنا أحمد بن شعيب النسائي، أخبرنا إسحاق بن راهويه، حدثنا محمد بن أعين قال: قلت لابن المبارك: إن فلانا يقول: من زعم أن قوله تعالى: (إِنّنِيَ أَنَا اللّهُ لآ إِلََهَ إِلآ أَنَاْ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصّلاَةَ لِذِكْرِيَ) [طه: ١٤] مخلوق، فهو كافر. فقال ابن المبارك: صدق، قال النسائي: بهذا أقول.
﴿تنبيه﴾: وأما رمي به من التشيع والانحراف عن خصوم علي، فبسبب تأليفه لكتاب خصائص علي ﵁، فمن أحسن ما يعتذر له به ما قاله هو لما سُئل عن ذلك:
قال الوزير ابن حنزابة: سمعت محمد بن موسى المأموني صاحب النسائي قال: سمعت قوما ينكرون على أبي عبد الرحمن النسائي كتاب: " الخصائص" لعلي ﵁، وتركه تصنيف فضائل الشيخين، فذكرت له ذلك، فقال: دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير، فصنفت كتاب: " الخصائص"، رجوت أن يهديهم الله تعالى.
(٥) مذهب النسائي الفقهي ﵀:
[*] قال ابن الأثير في أول " جامع الأصول ": كان شافعيا، له مناسك على مذهب الشافعي، وكان ورعا متحريا.
(٦) مصنفات النسائي رحمه الله تعالى:
ترك النسائي مجموعة نفيسة من الكتب حُقَّ لها أن تُكْتَب بماء الذهب وهي كما يلي: *السنن الكبرى * المجتبى * مسند علي * الكنى * خصائص علي * عمل اليوم والليلة * كتاب التفسير * كتاب الضعفاء * عشرة النساء.
، وأهمها كتاب السنن وهو الذي عرف به.
[*] يقول السيوطي في مقدمة شرحه لكتاب السنن للنسائي: كتاب السنن أقل الكتب بعد
لصحيحين حديثًا ضعيفًا، ورجلاً مجروحًا.
فقد أطلق عليه اسم "الصحيح " كل من ابن منده وابن السكن وأبي علي النيسابوري والدارقطني وابن عدي والخطيب البغدادي، فلعل مقصودهم من هذه التسمية: تحريه وشدة شرطه إذا قورن بشرط غيره من أصحاب السنن، ويسمى " السنن الصغرى" تمييزاً له عن الكبرى.
ويسمى " المجتبى" لأن النسائي اصطفاه وانتقاه من السنن الكبرى، ومنه قوله تعالى:] (فَاجْتَبَاهُ رَبّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ) [القلم: ٥٠]
ويسمى " المجتنى" - بالنون- من: جنى الثمرة واقتطفها وجرّها إليه، ويصح إطلاق هذا الاسم على السنن الصغرى لأنه اقتطفها من السنن الكبرى.
стр. 1160
وقد وضع النسائي كتابًا كبيرًا جدًا حافلاً عرف بالسنن الكبرى، وهذا الكتاب (المجتبى) المشهور بسنن النسائي منتخب منه،
وكتاب (المجتبى) هذا يسير على طريقة دقيقة تجمع بين الفقه وفن الإسناد، فقد رتب الأحاديث على الأبواب، ووضع لها عناوين تبلغ أحيانًا منزلة بعيدة من الدقة، وجمع أسانيد الحديث الواحد في موطن واحد.
وقد جمع النسائي في كتابه أحاديث الأحكام، وقسمه إلى كتب، وعدد كتبه ثمانية وخمسين كتابًا، وقسم كل كتاب إلى أبواب، ولم يفعل فعل أبي داود و الترمذي في الكلام على بعض الأحاديث بالتضعيف، كما لم يتكلم على شيء من رجال الحديث بالجرح والتعديل، ولم ينقل شيئًا من مذاهب فقهاء الأمصار ... .
والسبب الذي دعا أبا داود و الترمذي و النسائي إلى أن يذكروا في كتبهم أحاديث معللة هو احتجاج بعض أهل العلم والفقه بها، فيوردونها ويبينون سقمها لتزول الشبهة.
وقد اشتهر النسائي بشدة تحريه في الحديث والرجال، وأن شرطه في التوثيق شديد.
قيمة الكتاب العلمية وثناء العلماء عليه:
[*] قال الحاكم: كلام النسائي على فقه الحديث كثير، ومن نظر في سننه تحير في حسن كلامه.
[*] قال ابن رشيد: كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفاً وأحسنها ترصيفاً، وهو جامع بين طريقي البخاري ومسلم مع حظٍ كبير من بيان العلل التي كأنها كِهانة من المتكلم.
[*] قال السِّلفي: الكتب الخمسة اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب.
منهج الإمام النسائي في المجتبى:
[*] قال السخاوي: ولعمري فكتابه بديعٌ لمن تدبره، وتفهَّم موضوعه وكرَّره، وكم من جواهرٍ اشتمل عليها، وأزاهر انتعشت الأرواح بالدخول إليها وذلك:
(١) أنه يفسِّر الغريب أحيانا: كقوله في حديث الأعرابي الذي بال: " لا تزرموه" يعني: " لا تقطعوا عليه" ومرة: " لا تقطعوه" ...
(٢) ويعيِّن المهمل: ـ كقوله فيما رواه من جهة بكر: ـ وهو بن مُضرـ
وفيما رواه من جهة عبد الله: ـ وهو ابن القِبطية ـ وقد يذكره ـ أي المهمل ـ مع الشك.
(٣) ويسمي المبهم في أصل السند: كإيراده حديث محمد بن عبد الرحمن عن رجل عن جابر ﵁ مرفوعا ... ثم ساقه من طريق محمد ـ أيضاً ـ فقال: (عن محمد بن عمرو بن حسن عن جابر.
стр. 1161
وكذلك في المتن: كقوله في حديث ذي اليدين: فقام إليه رجل يقال له: الخِرباق. بل أورده كذلك في موضع آخر مسمىً في أصل رواية أخرى.
(٤) ويُسمي المكنى: كقوله فيما رواه: من جهة أبي مُعَيد: هو حفص بن غيلان.
ومن جهة أبي هشام: هو المغيرة بن سلمة.
(٥) ويكني المسمى حيث كان مشهوراً بكنيته: كقوله: أخبرنا زكريا بن يحيى: هو أبو كامل وذكوان: أبو صالح، وذكوان: أبو عمرو.
(٦) ويشير للمتفِق والمفترق، ومنه: آخر الأمثلة في الذي قبله.
(٧) ونحوه مما يندفع به تعدد الواحد، " كهارون بن أبي وكيع وهو هارون بن عنترة"
ولما يزول به اللبس من ذلك، فساق: من طريق ابن المبارك عن أبي جعفر عن أبي سلمان، وقال: (وليس بأبي جعفر الفرّاء.
(٨) وهو كثيراً ما يسمي المنقطع مرسلاً، وكثيراً ما يرجح المرسل على المتصل بقرينة على ذلك.
(٩) يحرص النسائي في الباب الواحد على إخراج الحديث الصحيح إذا وجده، فإن لم يجد أخرج بعض الأحاديث الضعيفة التي يرى أن رواتها المضعفين ممن لم يجمع الأئمة على ضعفهم وترك حديثهم، وربما أخرج الحديث الصحيح ثم أعقبه ببعض الأحاديث الضعيفة وذلك لكون الحديث الضعيف تضمن زيادة لم ترد في الحديث الصحيح. وهو يبين أصح ما في الباب، كقوله عقب حديث عبد الله بن عُكيم:" كتب إلينا رسول الله r: لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب": (أصح ما في هذا الباب في جلود الميتة إذا دُبغت حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة: ألا دبغتم إهابها فاستمتعتم به.
(١٠) اعتنى ﵀ بالناحية الفقهية، فكتابه جامع بين الناحيتين الفقهية والحديثية، كما هو صنيع الترمذي في كتابه، ومن الأدلة على عنايته بالناحية الفقهية:
(١١) تكراره للحديث، فإنه يكرر الحديث في مواضع متعددة، كما هو الحال عند البخاري. والذي دعاه لذلك كثرة التفريعات والتفصيلات في الباب الواحد في كتابه، حتى إن القارئ ليشعر أنه يتناول كتاباً فقهياً يخرج للفقهاء آراءهم ويبين مستندهم .. ومثال ذلك: حديث " إنما الأعمال بالنيات" كرره ست عشرة مرة.
(١٢) أنه أحيانا يقتصر على موضع الشاهد من الحديث، ويختصر المتون، وهذه نزعة إلى الفقه أقرب منها إلى الحديث.
(١٣) أنه أحيانا يورد كلاماً من عنده يدل على فقه الحديث.
стр. 1162
(١٤) أنه يورد أحيانا بعض الأحاديث المتعارضة في الباب الواحد إذا صحت عنده، وكأنه يشير إلى جواز العمل بهذا وذاك، كما في أحاديث الجهر والإسرار بالبسملة، فإنه أورد أحاديث الجهر والإسرار بها، وكذلك فعل في الإسفار والتغليس لصلاة الفجر (١/ ٢٧١)
(١٤) أن كتابه لا يخلو من نقلٍ عن الفقهاء، وإن كان ذلك قليلاً، مثال ذلك: في (٨/ ٣١٤) نقل عن مسروق فتوى في الهدية والرشوة وشرب الخمر.
(١٥) ينقل صور كتب فقهية في المزارعة والشركات والتدبير، وهذا عمل فقهي محض، مثاله: قال أبو عبد الرحمن: كتابة المزارعة على أن البذر والنفقة على صاحب الأرض، وللمزارع ربع ما يخرج الله منها هذا كتاب فلان وفلان ..
ومن الأدلة على عنايته بالناحية الحديثية:
(١) أنه يعتني بعلل الأحاديث، وينقد المتون التي ظاهرها الصحة. ويوجد في كتابه ما لا يوجد في غيره من بيان العلل والتنبيه على أوهام بعض الحفاظ، مثال ذلك: قوله في (٧/ ٨٨): أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا الأنصاري، قال: حدثنا محمد بن عمرو عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت قال: ... الحديث ثم قال: قال أبو عبد الرحمن: محمد بن عمرو لم يسمعه من أبي الزناد. وأيضاً في (٣/ ٤٩) قال أبو عبد الرحمن: أنبأنا قتيبة بهذا الحديث مرتين، ولعله أن يكون قد سقط عليه منه شطر.
(٢) ويبين الحديث المنقطع، كقوله في حديث مخرمة بن نُكير عن أبيه: (مخرمة لم يسمع من أبيه شيئاً) .. ويبين المرسل، كقوله في حديث لجرير عن منصور عن رِبعي عن حذيفة رفعه: " لا تقدَّموا الشهر": (أرسله الحجاج بن أرطاة عن منصور بدون حذيفة)
стр. 1163
(٣) يعتني بنقد الرجال، وهو في الغالب لا يسكت عن الضعيف، بل يبينه، ومثال ذلك: قوله في عمرو: ليس بالقوي في الحديث، وإن كان روى عنه مالك. وقوله في محمد بن الزبير الحنظلي عقب حديث" لا نذر في غضب .. ": ضعيف لا تقوم بمثله حجة، وقد اختلف عليه في هذا الحديث، ثم بدأ يسوق اختلاف رواياته التي اضطرب بها مدللاً على كلامه (المجتبى ٧/ ٢٨)، وكلامه في العلل والجرح والتعديل كثير حتى لا يكاد يخلو كتاب من كتب الرجال من نقلٍ عن النسائي، وقد تلقى العلماء ذلك من سننه ومن كتبه الأخرى، وقد اعتمدوا على جرحه وتعديله لأنه كان في غاية التحري والدقة. وهذا الأمر غير موجود في صحيح البخاري ولا صحيح مسلم، ويوجد بقلة عند الترمذي وبشكل نادر عند أبي داود وابن ماجه.
(٤) تسميته لبعض المكنين وتكنيته لبعض المشهورين بأسمائهم، مما قد يلتبس في الأسانيد، مثاله: في (٥/ ٤٩) قال أبو عبد الرحمن: أبو عمار اسمه عريب بن حميد، وعمرو بن شرحبيل يكنى أبا ميسرة.
(٥) محافظته على سياق الأحاديث بإسنادها، فيندر أن تجد معلقاً ولعله لا يوجد في المجتبى سوى موضعين لهما صورة المعلق ويمكن أن يحملا على الاتصال.
(٦) حكمه على الأحاديث؛ وقد استعمل كثيراً من المصلحات الحديثية السائدة في عصره، فكثيرا ما يقول: هذا حديث منكر أو غير محفوظ، أو ليس بثابت، أو أخطأ فيه فلان، أو هذا حديث صحيح. وقد اعتنى الأئمة بنقل أحكام النسائي على الأحاديث لأنه إمام مطلع.
(٧) ويشير إلى الحديث المنكر، والغريب، والموقوف، ولما يعلم منه عدم التلازم بين السند والمتن حيث وصف سند بالحسن ومتنه بالنكارة، وللمدرج، ولما يدرج في حديث بعض الرواة مما هو عند غيرهم، ولما يشير به لنوع من التدليس، ولما لعله يقع تصحيفاً، ويشير لما يثبت به العلة أو يدفعها، وإذا اختلف الرواة في شيء رجح بالأثبتية ونحوها، وربما يشير لإيضاح النسبة، ويسرد نسب شيخه أحياناً، وكذا لقبه، وللمحل الذي سمع من شيخه فيه، ولما يزول به اللبس كقوله: (أخبرنا عبد الله بن محمد الضعيف- شيخ صالح- والضعيف: لقبٌ لكثرة عبادته)، ونحوه: (الضال لكونه ضل الطريق). (ختم السخاوي على سنن النسائي باختصار وتصرف يسير).
(٨) سياقه الروايات وبيان الخلافات في الأسانيد والمتون، ويرجح بينها اعتماداً على الأحفظ والأكثر، كما نص على ذلك ابن حجر في (نتائج الأفكار ص٤٥)
أوجه الشبه بين منهج الإمام النسائي ومنهج الإمامين البخاري ومسلم:
стр. 1164
(١) يشبه منهج البخاري في تدقيق الاستنباط والتبويب لما يستنبطه بحيث يكرر لذلك المتون، ومثاله: قصة عائشة ﵂ في اتباعها سراً للنبي ﷺ لما خرج من عندها ليلاً إلى البقيع. فإنه ذكرها في:
الأمر بالاستغفار للمؤمنين من الجنائز، وأعادها في الغيرة من النكاح بسندها ومتنها سواء، ولكن بزيادة في نسب شيخه فقط، وباختصار يسير في آخر المتن، مع زيادة طريقين للحديث ...
(٢) وكذا شابه البخاري في التقليل من الإتيان بحاء للفصل بين السندين، بل هي عنده قليلة جداً.
(٣) ووافقه على جواز الرواية بالمعنى ومنه: روايته من جهة ابن عليَّة عن أيوب وابن عون وسلمة بن علقمة وهشام بن حسان؛ دخل حديث بعضهم في بعض كلهم عن محمد بن سيرين. قال سلمة - فقط - في روايته: نبِّئتُ عن أبي الجعفاء. وقال الباقون: عنه. بلا واسطة.
(٤) وفيما ذهب إليه من المسمى أصح الأسانيد وإن خالفه في نفس التراجم، فقال: إن أصح الأسانيد ما رواه ابن شهاب عن زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده ... وذكر تمام أربع تراجم.
(٥) وشابه مسلماً في كثير مما اعتنى به معهما. كالإشارة لصاحب اللفظ ممن يورد المتن عنهم أو عنهما. وربما يقول: لفظ فلان كذا، ولفظ الآخر كذا. ومنه: ما رواه من طريق حجاج ورَوْح كلاهما عن ابن جريج، وساق الحديث " من شك في صلاته فليسجد سجدتين" قال حجاج: "بعدما يسلِّم" وقال رَوح: " وهو جالس".
(٦) وكذا شابه مسلماً في الاعتناء بصيغة التحديث، كقوله: " أخبرني: الحسن بن إسماعيل وأيوب بن محمد قالا: حدثنا حجاج بن محمد" قال أيوب: حدثنا، وقال حسن: أخبرني شعبة.
(٧) وشابهه في بيان ما عند الراويين من لفظ: (النبي) و (الرسول) ..
(٨) وشابهه في إرداف العام بالمخصص، والمجمل بالمبيَّن المنصص، والمنسوخ بالناسخ له، ونحوه ..
стр. 1165
(٩) وفي الكناية عن الضعيف إذا قُرن في الرواية بثقة، كروايته في غير موضع عن محمد بن عبد الله بن يزيد المُقرئ عن أبيه عن حَيْوة، وذكر آخر كلاهما عن شرحبيل بن شريك، فإن المبهم هنا هو ابن لهيعة، كما صرحت به رواية لأحمد في مسنده في أمثلة لذلك عن ابن لهيعة وغيره ... والظاهر من حاله في التثبت أنه عرف أن لفظهما أو معناهما سواء، وفائدة ذلك: الإشعار بضعف المبهم، وكونه ليس من شرطه، وكثرة الطرق ليترجح بها الخبر عند المعارضة. (بغية الراغب المتمني في ختم النسائي بتصرف يسير)
ما انفرد به النسائي عن بقية الكتب الستة:
انفرد بعقد كتابٍ للتطبيق، ذكر فيه: حديث النهي عن وضع اليدين بين الركبتين، وكذا الإمساك بالركب في الركوع، ونحو ذلك.
وكتابٍ للشروط مما ينتفع به القضاة والموثقون .. (ختم السخاوي على النسائي)
الانتقاد الموجه إلى النسائي والجواب عن هذا الانتقاد:
انتقد الإمام النسائي بإخراجه عن رجال مجهولين حالاً أو عيناً، والجواب عن هذا الانتقاد: أن إخراجه عن هؤلاء الرجال لا يغضُّ من قيمة مصنفه خصوصاً المجهولي الحال، وذلك أن هذا الصنيع مذهبٌ لعدد من المحدثين كابن حبان وغيره، وقد ارتضى هذا المذهب غير واحد من الأئمة منهم ابن حجر حيث عدَّ هذا الفعل من قبيل إدخال الحسن في قسم الصحيح وذلك اصطلاح لا مشاحة فيه، كما أن ابن حجر قد ارتضى رواية النسائي عن شيوخه مجهولي الحال والعين توثيقاً وتعديلاً ورفعاً للجهالة عنهم حيث قال في تهذيب التهذيب (١/ ٨٩) مستدركاً على الذهبي تجهيله لأحمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني-: قلت: بل يكفي رواية النسائي عنه في التعريف بحاله وتوثيقه له.
ومن شدة انتقاء النسائي وتحريه استنتج التهاوني نتيجة مهمة في كتابه "قواعد في علوم الحديث" حيث قال: وكذا من حدَّث عنه النسائي فهو ثقة. (وينبغي أن تقيَّد هذه القاعدة فيما إذا لم يضعفه النسائي نفسه)
ومن الانتقاد الموجه له: أن ابن الجوزي أورد حديثاً موضوعاً من سنن النسائي. ويجاب: بأن الأئمة الذهبي وابن حجر والسيوطي وغيرهم قد ردُّوا على ابن الجوزي صنيعه هذا وبينوا أنه لا يوجد في السنن حديثاً موضوعاً أعلى ما عند النسائي في كتابه وأنزل ما عنده:
стр. 1166
لم يقع للنسائي أسانيد ثلاثية كما وقعت للبخاري (وقد بلغت ٢٢ حديثا كما في الحطة ص٨٦)، وللترمذي (حديثاً واحداً في كتاب الفتن)، ووقع عند ابن ماجه خمسة أحاديث ثلاثية لكنها ضعيفة، فأعلى ما عند النسائي الأسانيد الرباعية، وأنزل ما عنده إسناد عشاري.
من شروح سنن النسائي ... :
(١) زهر الربا على المجتبى لجلال الدين السيوطى المتوفى سنة (٩١١هـ)، وهو بمثابة تعليق لطيف حل فيه بعض ألفاظه ولم يتعرض بشيء للأسانيد.
(٢) حاشية لأبي الحسن نور الدين بن عبد الهادي السندى المتوفى سنة (١١٣٦هـ).
(٣) شرح لأبي العباس أحمد بن أبي الوليد بن رشد (٥٦٣هـ)
(٤) شرح سراج الدين ابن الملقن (٨٠٤هـ) زوائده على الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي.
(٥) حاشية لأبي الحسن محمد بن عبد الهادي السندي (١١٣٦هـ)، وهي مطبوع مع "زهر الربى"
(٦) التعليقات السلفية على سنن النسائي لمحمد عطاء الله حنيف.
(٧) ومن الشروح الحديثة: ذخيرة العقبى في شرح المجتبى للشيخ محمد بن علي بن آدم الأثيوبي المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة وهو شرح مبسوط، وإلى الآن طبع منه تسع مجلدات وصل فيه إلى كتاب الإمامة.
مسألة: هل السنن الصغرى (المجتبى) من تصنيف الإمام النسائي أو ابن السني؟
هناك رأيان في المسألة:
الرأي الأول: أنها تنسب إلى ابن السني، وقد قال بهذا القول: الذهبي وتبعه ابن ناصر الدين الدمشقي.
قال الذهبي في تاريخ الإسلام: والذي وقع لنا من سننه هو الكتاب المجتبى من انتخاب أبي بكر بن السني.
الرأي الثاني: أنها تنسب للإمام النسائي، وهو رأي أكثر العلماء، ومنهم ابن الأثير وابن كثير والعراقي والسخاوي، وغيرهم، ولعل هذا الرأي هو الراجح، ومن الأدلة عليه ما يلي:
(١) حكاية مفادها أن أمير الرملة لما اطلع على السنن الكبرى للنسائي سأله: هل كل ما في هذا الكتاب صحيح؟ قال: لا، فقال: أخرج لي الصحيح منه، فانتقى هذا المجتبى (قلت: وهذه القصة ضعفها كثير من العلماء فإن الواقع يكذبها، فكم من حديث في السنن الصغرى أعله النسائي نفسه.
(٢) ما نقله ابن خير في الفهرست (ص١١٦): عن أبي علي الغساني (ت٤٩٨هـ) قوله: (كتاب الإيمان والصلح ليسا من المصنف إنما هما من المجتبى له بالباء في السنن المسندة لأبي عبد الرحمن النسائي اختصره من كتابه الكبير المصنف ..
стр. 1167
(٣) وجود نسخ خطية قديمة تفيد بأن السنن الصغرى من تأليف النسائي وأن ابن السني مجرد راوٍ لها عن النسائي.
(٤) أن ابن الأثير عندما ضم المجتبى في جامع الأصول ساقه بإسناده إلى النسائي من طريق ابن السني، ففيه نص ظاهر أنها من تأليف النسائي، ولو كانت من تأليف ابن السني لنص عليه ابن الأثير ولاكتفى بالإسناد إلى ابن السني.
(٥) أن ابن السني ذاته نص أنه سمع المجتبى من النسائي في مواضع من الكتاب.
وقد قال ابن كثير في ترجمة النسائي من البداية والنهاية (١١/ ١٢٣): "وقد جمع السنن الكبير، وانتخب ما هو أقل حجماً منه بمرات، وقد وقع لي سماعهما."
رواة السنن عن النسائي:
روى السنن عن مصنفها جماعة، منهم:
ابنه عبد الكريم، وأبو بكر أحمد بن إسحاق الدينوري ابن السني، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن أبي التمام، وأبو محمد الحسن بن رشيق العسكري، وأبو محمد بن معوية القرشي الأندلسي ابن الأحمر، وغيرهم.
شرط النسائي في كتابه:
[*] قال الإمام ابن طاهر المقدسي في "شروط الأئمة الستة"ص٨٨: وأما أبو داود فمن بعده فإن كتبهم تنقسم على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: صحيح؛ وهو الجنس المخرج في هذين الكتابين للبخاري ومسلم، فإن أكثر ما في هذه الكتب مخرج في هذين الكتابين، والكلام عليه كالكلام على الصحيحين فيما اتفقا عليه واختلفا فيه.
والقسم الثاني: صحيح على شرطهم، حكى أبو عبد الله بن منده أن شرط أبي داود والنسائي: (إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم، إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال)، ويكون هذا القسم من الصحيح ...
قال الحافظ ابن حجر: المراد إجماعاً خاصاً، وذلك أن كل طبقة لا تخلو من متشدد ومتوسط .. فإذا أجمع أصحاب الطبقة الواحدة على ترك رجل ٍ تركاه، وإن اختلفوا فيه خرجا حديثه.
والقسم الثالث: أحاديث أخرجوها للضدية في الباب المتقدم، وأوردوها لا قطعاً منهم بصحتها، وربما أبان المخرِّج لها عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة.
فإن قيل: لم أودعوها كتبهم ولم تصح عندهم؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: رواية قومٍ لها واحتجاجهم بها، فأوردوها وبينوا سقمها لتزول الشبه.
стр. 1168
والثاني: أنهم لم يشترطوا ما ترجمه البخاري ومسلم على ظهر كتابيهما من التسمية بالصحة، فإن البخاري قال: ما أخرجت في كتابي إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول. ومسلم قال: ليس كل حديث صحيح أودعته هذا الكتاب، وإنما أخرجت ما أجمعوا عليه. ومن بعدهم لم يقولوا ذلك، فإنهم كانوا يخرجون الشيء وضدَّه.
والثالث: أن يقال لقائل هذا الكلام: رأينا الفقهاء وسائر العلماء يوردون أدلة الخصم في كتبهم، مع علمهم أن ذلك ليس بدليل، فكان فعلهما ـ عني أبا داود والنسائي ـ هذا كفعل الفقهاء، والله أعلم.
[*] وقال الحازمي في "شروط الأئمة الخمسة " (ص١٥٠) بعد أن ذكر مذهب من يخرج الصحيح: .. وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم. ولنوضح ذلك بمثال، وهو أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلا على طبقات خمس، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها وتفاوت. فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة، وهو غاية مقصد البخاري والطبقة الثانية شاركت الأولى في العدالة، غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من يُزامله في السفر ويُلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهم شرط مسلم. والطبقة الثالثة: جماعة لزموا الزهري مثل أهل الطبقة الأولى، غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين الرد والقبول، وهو شرط أبي داود والنسائي.
[*] وقال الحافظ ابن طاهر: سألت سعد بن علي الزنجاني عن رجل، فوثقه، فقلت: قد ضعفه النسائي، فقال: يا بني! إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم.
قلت ـ أي الذهبي ـ: صدق، فإنه لين جماعة من رجال صحيحي البخاري ومسلم.
[*] وقال أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ: من يصبر على ما يصبر عليه النسائي؟ عنده حديث ابن لهيعة ترجمة يعنى عن قتيبة، عن ابن لهيعة قال: فما حدث بها.
[*] وقال حمزة بن يوسف السهمي: وسئل يعني الدارقطني إذا حدث أبو عبد الرحمن النسائي وابن خزيمة بحديث أيما تقدمه؟
فقال: أبو عبد الرحمن، فإنه لم يكن مثله ولا أقدم عليه أحدا، ولم يكن في الورع مثله لم يحدث بما حدث ابن لهيعة وكان عنده عاليا عن قتيبة.
стр. 1169
[*] وقال السخاوي في ختمه على النسائي (ص٦١): وقد سئل شيخنا ﵀ عن ذكر النسائي لبعض الأئمة في ضعفائه، فأجاب بقوله: (النسائي من أئمة الحديث، والذي قاله إنما هو بحسب ما ظهر له وأدَّاه إليه اجتهاده، وليس كل أحدٍ يؤخذ بجميع قوله سيما وقد وافق النسائي في مطلق القول جماعة.
ومن تشدده في الرجال أنه تجنب إخراج أحاديث جماعة ممن أخرج لهم صاحبا الصحيحين، مثل: إسماعيل بن أبي أويس، بل إن الدارقطني جمع مصنفا في أسماء الرواة الذين ضعفهم النسائي وأخرج لهم الشيخان في صحيحيهما.
وقد صرح النسائي بأنه لا يترك حديث الراوي حتى يجمع الجميع على تركه، وهذا في الظاهر مذهب متسع كما قال ابن منده، وليس كذلك بل مقصوده إجماعاً خاصاً كما بين ابن حجر؛ وهو أن كل طبقة لا تخلو من متشدد ومتوسط، فالنسائي لا يترك حديث الراوي حتى يجمع علماء الطبقة الواحدة على تركه .. مثال ذلك: أنه أخرج حديث عبد الله بن عثمان بن خيثم ثم قال: " ابن خيثم ليس بالقوي في الحديث، ويحيى بن سعيد القطان لم يترك ابن خيثم ولا عبد الرحمن ـ يعني ابن مهدي ـ إلا أن علي بن المديني قال: ابن خيثم منكر الحديث". فهذا الراوي مختلف فيه، فلذلك أخرج حديثه لأنه لم يجمع الجميع تركه.
وقد نصَّ ابن حجر في تهذيب التهذيب على أن النسائي من المتشددين في الجرح والتعديل.
وفاة النسائي رحمه الله تعالى:
[*] قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: سمعت علي بن عمر يقول كان أبو عبد الرحمن النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره وأعرفهم بالصحيح والسقيم من الآثار وأعلمهم بالرجال فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه فخرج إلى الرملة، فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه فضربوه في الجامع، فقال: أخرجوني إلى مكة فأخرجوه إلى مكة وهو عليل وتوفي بها مقتولا شهيدا قال الحاكم أبو عبد الله: ومع ما جمع أبو عبد الرحمن من الفضائل رزق الشهادة في آخر عمره.
[*] روى أبو عبد الله بن مندة: عن حمزة العقبي المصري وغيره أن النسائي خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق فسئل بها عن معاوية وما جاء في فضائله فقال لا يرضى رأسا برأس حتى يفضل قال فما زالوا يدفعون في حضنيه حتى أخرج من المسجد ثم حمل إلى مكة فتوفي بها كذا قال وصوابه إلى الرملة.
стр. 1170
[*] وقال الدار قطني خرج حاجا فامتحن بدمشق وأدرك الشهادة فقال احملوني إلى مكة فحمل وتوفي بها وهو مدفون بين الصفا والمروة وكانت وفاته في شعبان سنة ٣٠٣هـ قال وكان أفقه مشايخ مصر في عصره وأعلمهم بالحديث والرجال.
[*] قال أبو سعيد بن يونس في تاريخه كان النسائي إماما حافظا ثبتا خرج من مصر في شهر ذي القعدة سنة اثنتين وثلاث مائة وتوفي بفلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاث مائة، ولعل هذا الأرجح أنه توفي بفلسطين.
سيرة ابن ماجة ﵀:
كان الإمام ابن ماجة من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، من الطبقة التي تلي تابعي التابعين:
[*] قال أبو يعلى الخليلي الحافظ: ابن ماجه ثقة كبير متفق عليه، محتج به، له معرفة وحفظ، وله مصنفات في السنن والتفسير والتاريخ، وكان عارفا بهذا الشأن، ارتحل إلى العراقيين ـ البصرة والكوفة ـ ومكة والشام ومصر.
[*] وقال عنه الحافظ ابن كثير: صاحب كتاب السنن المشهورة وهي دالة على عمله وعلمه، وتبحره واطلاعه، واتباعه للسنة في الأصول والفروع (١)، وكانت وفاته لثمان بقين من رمضان سنة ٢٧٣هـ.
اسم ابن ماجة ونسبه ومولده:
هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة الربعي بالولاء القزويني الحافظ الكبير المفسر، ولد سنة (٢٠٩هـ) وتوفي سنة (٢٧٣هـ).
[*] مناقب ابن ماجة ﵀:
كان ابن ماجة ﵀ من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله ، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها.
وهاك غيض من فيض مما ورد في مناقبه رحمه الله تعالى:
ثناء العلماء على ابن ماجة:
[*] قال أبو يعلى الخليلي الحافظ: ابن ماجه ثقة كبير متفق عليه، محتج به، له معرفة وحفظ، وله مصنفات في السنن والتفسير والتاريخ، وكان عارفا بهذا الشأن، ارتحل إلى العراقيين ـ البصرة والكوفة ـ ومكة والشام ومصر.
[*] وقال عنه الحافظ ابن كثير: صاحب كتاب السنن المشهورة وهي دالة على عمله وعلمه، وتبحره واطلاعه، واتباعه للسنة في الأصول والفروع (٢)، وكانت وفاته لثمان بقين من رمضان سنة ٢٧٣هـ.
رتبة سنن ابن ماجة بين الكتب الستة:
стр. 1171
[*] قال الحافظ السلفي: اتفق على صحتها ـ أي الكتب الخمسة (١) ـ علماء الشرق والغرب، ولم يضموا إليها سنن ابن ماجه لتأخر مرتبتها عنها، وأول من جعلها سادس الكتب الستة الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي بن أحمد القيسراني المقدسي المتوفى سنة ٥٠٧هـ في كتابه (أطراف الكتب الستة)، ورسالته (شروط الأئمة الستة) (٢)
ثم تابعه الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة ٦٠٠هـ في كتابه (الكمال في أسماء الرجال)، ثم تابعهما أصحاب كتب الأطراف وأسماء الرجال، والمتأخرون في تصانيفهم، وإنما قدم هؤلاء سنن ابن ماجة على الموطأ لكثرة زوائده على الكتب الخمسة بخلاف الموطأ؛ فإن أحاديثه ـ إلا القليل منها ـ موجودة في الكتب الخمسة مندمجة فيها، فهذا هو السبب في عدهم السادس سنن ابن ماجة دون الموطأ (٣)
[*] وقال الصنعاني عن ابن ماجة: وكان أحد الأعلام، وألف السنن، وليست لها رتبة ما أُلّف مِنْ قَبْلِه، لأن فيها أحاديث ضعيفة بل منكرة، ونقل عن الحافظ المزي أن غالب ما تفرد به الضعيف.
وقد اعتُبِر هذا الكتاب رابع السنن، ومتمم الكتب الستة التي هي المراجع الأصول للسنة النبوية، وكان المتقدمون يعدونها خمسة، ليس فيها كتاب ابن ماجه، ثم جعل بعضهم الموطأ سادسها، فقد عدّ بعض الحفاظ موطأ مالك في درجة الصحيحين، بل منهم من قدمه على الصحيحين، كالإمام ابن عبد البر المتوفى سنة ٤٦٣هـ، والإمام أبو بكر بن العربي المتوفى سنة ٥٤٣هـ والإمام أبو الحسن أحمد بن رزين السرقسطي المتوفى سنة ٥٣٥هـ في كتابه (التجريد في الجمع بين الصحاح)، وتابعه على ذلك أبو السعادات مبارك بن محمد المشهور بابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٠٦هـ وكذا غيره (٤).
ومن الذين قدموا الموطأ على سنن ابن ماجة الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى.
[*] قال ابن حجر: لم يرو ـ أي الإمام مالك ـ فيه إلا الصحيح عنده (٥).
ومن الحفاظ من عد سادس الكتب كتاب الدارمي.
стр. 1172
[*] قال طاهر الجزائري: ولما كان ابن ماجة قد أخرج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث، قال بعضهم: ينبغي أن يجعل السادس كتاب الدارمي؛ فإنه قليل الرجال الضعفاء، نادر الأحاديث المنكرة والشاذة،
وإن كانت فيه أحاديث مرسلة وموقوفة؛ فهو مع ذلك أولى منه (١).
[*] وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ: سنن أبي عبد الله كتاب حسن لولا ما كدره أحاديث واهية ليست بالكثيرة (٢).
[*] وقال الحافظ ابن رجب عند كلامه عن طبقات الرواة عن الزهري في الطبقة الخامسة: قوم من المتروكين والمجهولين كالحكم الأيلي، وعبد القدوس بن حبيب، ومحمد بن سعيد المصلوب، وبحر السقاء ونحوهم؛ فلم يخرج لهم الترمذي ولا أبو داود ولا النسائي، ويخرج لبعضهم ابن ماجة،
ومن هنا نزلت درجة كتابه عن بقية الكتب، ولم يعده من الكتب المعتبرة سوى طائفة من المتأخرين (٣).
وقال الحافظ ابن حجر: كتابه في السنن - أي ابن ماجة - جامع جيد، كثير الأبواب والغرائب، وفيه أحاديث ضعيفة جدا، حتى بلغني أن السري كان يقول: مهما انفرد بخبر، فيه أحاديث كثيرة منكرة، والله تعالى المستعان،
ثم وجدت بخط الحافظ شمس الدين محمد بن علي الحسيني ما لفظه: سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: كل ما انفرد به ابن ماجة فهو ضعيف (٤)، يعني: وكلامه هو ظاهر كلام شيخه.
لكن حمله على الرجال أولى، وأما حمله على أحاديث فلا يصح (٥)
السبب الذي حمل العلماء على أن يُدْرِجوا سنن ابن ماجة في الأصول:
стр. 1173
لما رأى بعض الحفاظ كتابه كتابًا مفيدًا قوي النفع في الفقه ورأى من كثرة زوائده أدرجه في الأصول وجعلوه آخرها منزلة؛ وذلك لأنه تفرد بأحاديث عن رجال متهمين بالكذب.
﴿تنبيه﴾: ومما تقدم نعلم أن إطلاق الصحيح على أحد كتب السنن الأربعة أو عليها مجتمعة مع الصحيحين فيه تساهل، لأن أحاديث الأربعة ليست كلها صحيحة، نعم أكثرها صحيح أو حسن، وربما كان ذلك سبب إطلاق الصحاح عليها من باب التغليب.
стр. 1174
ومن هنا أجد لزاماً علي أن أشيد بالجهد الضخم الذي قدَّمه العلامة البحر الفهامة الضياء الامع والنجم الساطع (الشيخ الألباني رحمه الله تعالى) في تصحيح الكتب الستة التي هي عماد طالب العلم في الحديث ـ بعد الله تعالى ـ هذا العالم الجليل الذي وسَّع دائرةَ الاستفادةِ من السنة بتقديمه مشروع (تقريب السنة بين يدي الأمة) ذلك المشروع الذي بذل فيه أكثر من أربعين سنة، ومن أراد أن يعرف هذه الفائدة العظيمة فلينظر على سبيل المثال إلى السنن الأربعة التي ظلَّت مئات السنين محدودة الفائدة جداً حيث كانت الاستفادة منها مقتصرة على من كان له باع في تصحيح الحديث وتضعيفه ولكن بعد تقديم الشيخ الألباني لصحيح السنن الأربعة اتسعت دائرة الاستفادة حتى تعم كل طالب أراد أن يستفيد وهذا ولا شك فائدة عظيمة جداً عند من نور الله بصيرته وأراد الإنصاف، فحقيقٌ على كل مسلمٍ نوَّر الله بصيرته وأراد الإنصاف وأسند الفضل لأهله وعلم أن من أدب العلم التوادَّ فيه أن يدعوا للشيخ الألباني رحمه الله تعالى في سجوده على هذا العمل الضخم المتعدي النفع والذي يُشْبِه في نفعه الغيثَ من السماء أو الريح المرسلة يعم نفعُه كل من يقابله، والشيخ الألباني رحمه الله تعالى كان رحمه الله تعالى كان رحمه الله تعالى من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله ، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها، كان الكتاب والسنة له كالجناحين للطائر يتمسك بهما ويعضُ عليهما بالنواجذ، كان رحمه الله تعالى شهاباً ثاقباً ونجماً ساطعاً وبدراً طالعاً وسهماً نافذاً، وكان كوكبَ نُظَرَائه وزهرةَ إخوانه، تفوح منه علامات اليُمْنِ وأمارات الخير ورائحة التوفيق والسداد، واحد زمانه، وإمام عصره وأوانه، العالم الحبر، ذو الأحلام والصبر، العلم حليفه، والزهد أليفه، كان رحمه الله تعالى خزانة علم فكان علمه واسعاً مباركا كالغيث من السماء أينما حل نفع، يتفجَّرُ العلمُ من جوانبه، وتنطِق الحكمةُ من نواحيه، لا يُشَقُ له غُبارٌ في غزارة علمه ودقة استنباطه للفوائد والأحكام وسعة فقهه ومعرفته بأسرار اللغة العربية وبلاغتها، وكان ﵀ ذا همةٍ عاليةٍ تناطح السحاب في طلب العلم فكان يُقْبِلُ على طلب العلم إقبالَ الظامئ على الموردِ العذب فقد أفنى جلَّ عمره في طلب العلم فكان إماماً يقتدى
стр. 1175
به في ذلك وكان مناراً عظيماً من منارات العلم، مناراً راسي القواعد مُشَيَّدَ الأركان ثابتَ الوطائد، الإمام اللبيب، ذو اللسان الخطيب، الشهاب الثاقب، والنصاب العاقب، صاحب الإشارات الخفية، والعبارت الجلية، ذوالتصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة، الصوَّام القوَّام، الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، صاحب الأخلاق الرضية، والمحاسن السنية، العالم الرباني المتفق على علمه وإمامته وجلالته وزهده وورعه وعبادته وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته، كان رحمه الله تعالى سراج العباد، ومنار البلاد، رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً تعمُ أرجائه، وتغمده برحمةٍ فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، وأنعم عليه برضا الكبير المتعال إنه وليُ ذلك والقادرُ عليه.
عدد أحاديث سنن ابن ماجة
قال محقق الكتاب الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي: جملة أحاديث سنن ابن ماجة (٤٣٤١) حديثًا.
من هذه الأحاديث (٣٠٠٢) حديثًا أخرجها أصحاب الكتب الخمسة كلهم أو بعضهم، وباقي الأحاديث وعددها (١٣٣٩) هي الزوائد على ما جاء في الكتب الخمسة، وهي كالآتي.
(١) حاديث رجالها ثقات، صحيحة الإسناد (٤٢٨) حديثًا
(٢) أحاديث حسنة الإسناد "١٩٩ " حديثًا.
(٣) أحاديث ضعيفة الإسناد " ٦١٣ " حديثًا.
٤ - أحاديث واهية الإسناد أو منكرة أو مكذوبة " ٩٩ " حديثًا.
من شروح سنن ابن ماجة:
(١) الديباجة بشرح سنن ابن ماجة للشيخ كمال الدين محمد بن موسى الدميرى الشافعي المتوفى سنة (٨٠٨هـ)، وجاء هذا الشرح في خمس مجلدات لكنه مات قبل تحريره.
(٢) صباح الزجاجة على سنن ابن ماجة للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ، وقد شرح قطعة منه في خمس مجلدات.
(٣) ما تمس إليه الحاجة على سنن ابن ماجة للعلامة ابن الملقن الشافعي شرح فيه زوائد ابن ماجه على الكتب الخمسة، وقد ضبط فيه مشكله من الأسماء والكنى وما يحتاج إليه من الغرائب وجاء شرحه في ثمان مجلدات.
(٤) شرح سنن ابن ماجه للحافظ علاء الدين مغلطاى بن قليج بن عبد الله الحنفي التركي المصري المتوفى سنة (٧٦٢هـ)، لكنه لم يتمه
- سادساً: نماذج من سير الزاهدين من المُجَدِدين المتأخرين:
﴿تَقْدِمَة﴾: إن ذِكْرَ سيّر تلك الثلة الطيبة والكوكبة المباركة من علماء أهل السنة والجماعة من باب الوفاء والإكرام، وإنزال الناس منازلهم، واحترام كبيرهم والعطف على صغيرهم، وتكريم عالمهم، والحلم على جاهلهم.
стр. 1176
فالعلماء بعلومهم، والحكماء بحكمتهم، والصالحون بوصاياهم، هم - بإذن الله - نجوم هادية لمن سار في الليالي المظلمة، ودفة محكمة لمن خاض عُباب البحار الموحشة، وغيثٌ مدرارا يأتي على الأرض الهامدة، فتهتز وتربو ثم تنبت من كل زوج بهيج " (١)، فهم بحق " سراج العباد، ومنار البلاد وقوام الأمة، وينابيع الحكمة وهم غيظ الشيطان، بهم تحيا قلوب أهل الحق، وتموت قلوب أهل الزيغ، مثلهم في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدي بها في ظلمات البر والبحر، إذا انطمست النجوم تحيروا، وإذا أسفر عنها الظلام أبصروا " (٢).
ولله درُّ من قال:
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهُدى بِمَن استهدى أدلاّءُ
وقَدْرُ كُلِّ امرئٍ ما كان يُحْسِنُه ... والجاهلون لأهل العلم أعداءُ
فَفُزْ بعلم تَعِشْ حيّاً به أبداً ... الناسُ موتى وأهلُ العلمِ أحياءُ
إن كلمات العلماء الصادقة المطمئِنة والمشجعة على تطبيق وتنفيذ أوامر الله ونبيه ﷺ من التزام بأحكام الإسلام، والبذل في سبيل الله تعالى، والثبات على الحق، هي النور الذي يضيء للناس الطريق بإذن الله تعالى، وهي النبراس الذي يبيّن لهم سبيل الصواب فيسلكوه، ومواقع الخطأ والانحراف فيتجنبوه فهم ورثة الأنبياء ويقع على عاتقهم القيام بهداية الإرشاد بلسان الحال والمقال.
[*] وما أجمل قول شيخ الإسلام ابن القيم الجوزية ﵀ في التعريف عن العالم الرباني لما ذكر مراتب جهاد النفس فقال:" إن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانياً حتى يعرف الحق، ويعمل به، ويُعلّمه؛ فمن علم وعمل وعلَّم فذاك يدعى عظيماً في ملكوت السماوات " فلقد كانوا بحق مرجع للأمة في علومها وحكمها، أناروا الطريق للسالكين وعبدوه للعابرين، ليسهل على السالك الوصول إلى شريعة الله وسنة نبيهم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
стр. 1177
إن سيَّر العلماء العاملين المخلصين الربانيين هي صورة مشرقة ومثلاً أعلى يُحتذى به لكل من يعجبه الزهد والحلم، ويبحث عن الحكمة والكرم.، مع ما فيها بلسان الحال والمقال من منافحةٍ عن أهل العلم الذين جهلهم بعض المغرضين والحاقدين على دعوة أهل السنة والجماعة (دعوة السلف الصالح)، ليصل بهم المطاف وسوء والأدب أن يقولوا: إن الدعوة السلفية، دعوة حكام وسلاطين ومنافقين، ناهيك أن الغالب منهم سرعان ما اغتاب ونقص من قدر علماء السلف في عصرنا الحاضر، فمن المؤسف في زماننا هذا أن نرى بعض طلبة العلم ممن لا يُقًامُ لهم وزناً في العلم يتطاولون علماء السلف في عصرنا الحاضر مثل الشيخ الألباني ويجترئون عليه ويترقبون له الهفوات ويتصيدون له الأخطاء ويلتمسون العثرات ليشهروا به، وربّما يصل به الحدّ إلى الانتقاص من بعض العلماء الجبال الرواسي أمثال شيخ الإسلام أحمد بن تيميه وابن القيم الجوزية ... وربما ببعض التابعين،
وهذا - ولا شك - يدل على فسادِ النية وسوء الطوية وسقامةِ الضمائر ولؤم السرائر ويدل كذلك على أن قلبه أخلى من جوف البعير، إذ لو تعلم العلم لعلم أن من أدب العلم التوادَ فيه، ولقد كان ابن عباس ﵄ يأخذ بركاب زيد ابن ثابت ﵁ ويقول هكذا أًمِرْنا أن نفعل بالعلماء، وكان الشافعي ﵀ يقول لعبد الله ابن الإمام أحمد: أبوك من الستة الذين أدعو لهم كل يوم عند السحر، وأورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن يحيى القطان قال: أنا أدعو الله للشافعي اخصه به، ولا أدري كيف سوَّلت لهم أنفسهم أن يتطاولوا على عالم صاحب حديث رسول الله أكثر من نصف قرن ولا أدري كيف يتطاولون على العَالِم والكتاب والسنة طافحين بما يدل على احترام أهل العلم وتوقيرهم، ألا فليحذر طالب العلم من أن يكون سيئ الخلق ناطحاً للسحاب يترقب للعالم الهفوات ويلتمس العثرات ليشهر به فإن ذلك ينقصُ من مقدار التقوى عنده مما يكون سبباً في حرمانه من العلم، بل ينبغي لطالب العلم أن يكون كريمَ الطباع حميدَ السجايا مهذبَ الأخلاق سليمَ الصدر مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر إذا تكلم غنم وإذا سكت سلم.
стр. 1178
من أجل هذا ما رحل علامة من علماء الإسلام إلا وقد ترك آثاراً إصلاحية وعلمية كبيرة ينهل من معينها الصافي المصلحون، ويجدّ في تحصيلها والغوص إلى دررها ومعانيها العالمون، وسيبقى أجرها جارياً لمن ورَّثها بإذن الله تعالى، وقد قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) [يس: ١٢] أي: ما قدموا من الأعمال والآثار التي أثاروها وخلفوها من بعدهم، من علم ودعوة ودلالة على خير .. ،
[*] وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا و من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.
- وهاك نماذج من سير الزاهدين من العلماء المعاصرين:
سيرة محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
﴿تَقْدِمَة﴾: كان الدعاة والحكماء والبلغاء في تلك الفترة (١) كثير، ولكن قليل منهم المخلصين الذين انبثقت عقيدتهم ومنهجهم من منهج أهل السنة والجماعة، لذا " لما كان الحديث عن المصلحين والدعاة والمجددين، والتذكير بأحوالهم وخصالهم الحميدة، وأعمالهم المجيدة، وشرح سيرتهم التي دلت على إخلاصهم، وعلى صدقهم في دعوتهم وإصلاحهم، لما كان الحديث عن هؤلاء المصلحين المشار إليهم، وعن أخلاقهم وأعمالهم وسيرتهم، مما تشتاق إليه النفوس، وترتاح له القلوب، ويود سماعه كل غيور على الدين، وكل راغب في الإصلاح، والدعوة إلى سبيل الحق، رأيت أن أتحدث إليكم عن رجل عظيم ومصلح كبير، وداعية غيور، ألا وهو الشيخ المجدد للإسلام في الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر من الهجرة النبوية ...
هو المصلح العظيم وباعث النهضة الإسلامية في العصر الحديث الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي الحنبلي.
стр. 1179
لقد عرف الناس هذا الإمام ولا سيما علماؤهم ورؤساؤهم، وكبراؤهم وأعيانهم في الجزيرة العربية وفي خارجها، ولقد كتب الناس عنه كتابات كثيرة ما بين موجز وما بين مطول، ولقد أفرده كثير من الناس بكتابات، حتى المستشرقون كتبوا عنه كتابات كثيرة، وكتب عنه آخرون في أثناء كتاباتهم عن المصلحين، وفي أثناء كتاباتهم في التاريخ، وصفه المنصفون منهم بأنه مصلح عظيم، وبأنه مجدد للإسلام، وبأنه على هدى ونور من ربه، وإن تعدادهم يشق كثيرا.
ومن جملتهم المؤلف الكبير أبو بكر الشيخ حسين بن غنام الأحسائي. فقد كتب عن هذا الشيخ فأجاد وأفاد، وذكر سيرته وذكر غزواته، وأطنب في ذلك وكتب كثيرا من رسائله، واستنباطاته من كتاب الله .
وممن كتب عنه أيضا الشيخ عثمان بن بشر في كتابه عنوان المجد، فقد كتب عن الإمام الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) أيضا، وعن دعوته، وعن سيرته، وعن تاريخ حياته، وعن غزواته وجهاده.
وممن كتب عنه من خارج الجزيرة الدكتور أحمد أمين في كتابه زعماء الإصلاح، فقد كتب عنه وأنصف، ومنهم الشيخ الكبير مسعود الندوي، فقد كتب عنه وسماه: المصلح المظلوم، وكتب عن سيرته وأجاد في ذلك، وكتب عنه أيضا آخرون، منهم الشيخ الكبير الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني، فقد كان في زمانه وقد كان على دعوته. فلما بلغه دعوة الشيخ سُر بها وحمد الله عليها.
وكذلك كتب عنه العلامة الكبير الشيخ محمد بن علي الشوكاني، صاحب نيل الأوطار ورثاه بمرثية عظيمة، وكتب عنه جمع غير هؤلاء يعرفهم القراء والعلماء وبمناسبة كون كثير من الناس قد يخفى عليه حال هذا الرجل وسيرته ودعوته رأيت أن أساهم في بيان حال هذا الرجل، وما كان عليه من سيرة حسنة، ودعوة صالحة، وجهاد صادق، وأن أشرح قليلا مما عرفته عن هذا الإمام الرباني حتى يتبصر في أمره من كان عنده شيء من لُبْس، أو شيء من شك في حال هذا الرجل، ودعوته، وما كان عليه.
مولد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
ولد الإمام (محمد بن عبد الوهاب) في عام (١١١٥) هجرية، هذا هو المشهور في مولده رحمة الله عليه، وقيل في عام (١١١١) هجرية، والمعروف الأول: أنه ولد في عام ١١١٥ هجرية على صاحبها أفضل الصلاة وأكمل التحية.
نشأة محمد بن عبد الوهاب وتلقيه العلم:
стр. 1180
تعلم محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى على أبيه في (بلدة العيينة) وهذه البلدة هي مسقط رأسه ﵀ عليه وهي قرية معلومة في اليمامة في نجد، شمال غرب مدينة الرياض، بينها وبين الرياض مسيرة سبعين كيلو متر، ولد فيها رحمة الله عليه، ونشأ نشأة صالحة.
قرأ القرآن مبكراً قبل بلوغ العاشرة (١) وكان ذكيا حاد الفهم أخذ العلم عن والده وغيره ثم ذهب لطلب العلم إلى البصرة ومكة والمدينة و الإحساء وغيرها، ثم عاد إلى نجد. كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر داعيا إلى توحيد الله وإقامة حدوده ونبذ الشرك والبدع التي انتشرت في وقته ولاقى في سبيل ذلك أذى كثيرا ﵀.
اجتهد في الدراسة والتفقه على أبيه الشيخ عبد الوهاب بن سليمان وكان فقيها كبيرا، وكان عالما قديرا، وكان قاضيا في بلدة العيينة. ثم بعد بلوغ الحلم حج وقصد بيت الله الحرام، وأخذ عن بعض علماء الحرم الشريف. ثم توجه إلى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فاجتمع بعلمائها وأخذ العلم عنهم، انتقل وارتحل وأخذ عن عدّة مشايخ أجلاء وعلماء فضلاء منهم ما يلي:
(١) والده الشيخ عبد الوهاب بن محمد التميمي ﵀ مفتي نجد، أخذ عنه الفقه بعد أن حفظ القرآن عليه عن ظهر قلب.
(٢) الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي المدني، وقد قرأ عليه وأجازه بكل ما حوى.
(٣) الإمام المحدث محمد حياة السندي ﵀، وكان له أكبر الأثر في توجيهه إلى إخلاص توحيد عبادة الله، والتخلص من رق التقليد الأعمى والاشتغال بالكتاب والسنة. وقد كان أحد مشايخه في علم الحديث.
(٤) الشيخ محمد المجموعي صاحب البصرة ﵀، وهو عالم جليل أقام عنده - الشيخ محمد - في البصرة وقرأ عليه.
(٥) الشيخ علي أفندي داغستاني ﵀ جلس يدرس عليه في المدينة النبوية وأجازه.
(٦) الشيخ عبد الطيف العفالقي الأحسائي ﵀، ولقد أجاز الإمام محمد بن عبد الوهاب بكل ما حواه.
(٧) الشيخ إسماعيل العجلوني ﵀
(٨) الشيخ عبد الله بن سالم البصري ﵀، وذكر ما قرأ عليه وهو في الثانية عشر من عمره.
(٩) الشيخ صبغة الله الحيدري ﵀، وقد أخذ عنه ببغداد.
стр. 1181
وغيرهم من العلماء وأجازه محدثو العصر بكتب الحديث وغيرها، كما سمع عن عبد الله بن إبراهيم النجدي ثم المدني. ثم رحل الإمام المجدد لطلب العلم إلى العراق، فقصد البصرة واجتمع بعلمائها، وأخذ عنهم ما شاء الله من العلم، وأظهر الدعوة هناك إلى توحيد الله، ودعا الناس إلى السنة، وأظهر للناس أن الواجب على جميع المسلمين أن يأخذوا دينهم عن كتاب الله وسنة رسول الله ﵊، وناقش وذاكر في ذلك، وناظر من هنالك من العلماء واشتهر من مشايخه هناك شخص يقال له الشيخ محمد المجموعي، وقد ثار عليه بعض علماء السوء بالبصرة، وحصل عليه وعلى شيخه المذكور بعض الأذى، فخرج من أجل ذلك، وكان من نيته أن يقصد الشام، فلم يقدر على ذلك لعدم وجود النفقة الكافية، فخرج من البصرة إلى الزبير، وتوجه من الزبير إلى الإحساء واجتمع بعلمائها وذاكرهم في أشياء من أصول الدين، ثم توجه إلى بلدة حريملاء وذلك ـ والله أعلم ـ في العقد الخامس من القرن الثاني عشر في عام ١١٤٠ هجرية أو ما بعدها، واستقر هناك، ولم يزل مشتغلا بالعلم والتعليم، والدعوة في حريملاء حتى مات والده عام ١١٥٣ هجرية، فحصل من بعض أهل حريملاء شر عليه، وَهَمَّ بعض السفلة بها أن يفتك به، وقيل إن بعضهم تسور عليه الجدار، فعلم بهم بعض الناس فهربوا، وهكذا لما اشتهر أمره عاداه كثير من الناس ـ كما هي سنة الله فيمن دعا إلى الحق ـ إما جهلا أو حسدا وعنادا للحق، وبعد ذلك ارتحل الشيخ إلى العيينة رحمة الله عليه.
وأسباب غضب هؤلاء السفلة عليه أنه كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، وكان يحث الأمراء على تعزير المجرمين، الذين يعتدون على الناس بالسلب والنهب والإيذاء، هؤلاء السفلة الذين يقال لهم العبيد هناك، ولما عرفوا من الشيخ أنه ضدهم، وأنه لا يرضى بأفعالهم، وأنه يحرض الأمراء على عقوباتهم، والحد من شرهم، غضبوا عليه وهموا أن يفتكوا به، فصانه الله وحماه، ثم انتقل إلى بلدة العيينة وأميرها إذ ذاك عثمان بن ناصر بن معمر، فنزل عليه ورحب به الأمير، وقال قم بالدعوة إلى الله، ونحن معك وناصروك، وأظهر له الخير، والمحبة والموافقة على ما هو عليه.
стр. 1182
فاشتغل الشيخ بالتعليم والإرشاد والدعوة إلى الله ، وتوجيه الناس إلى الخير، والمحبة في الله رجالهم ونسائهم، واشتهر أمره في العيينة، وعظم صيته، وجاء إليه الناس من القرى المجاورة، وفي يوم من الأيام قال الشيخ للأمير عثمان: دعنا نهدم قبة زيد بن الخطاب ﵁ فإنها أسست على غير هدى، وأن الله لا يرضى بهذا العمل، والرسول ﷺ نهى عن البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وهذه القبة فتنت الناس وغيرت العقائد، وحصل بها الشرك فيجب هدمها، فقال الأمير: لا مانع من ذلك، فقال الشيخ: إني أخشى أن يثور أهل الجبيلة، والجبيلة قرية هنالك قريبة من القبر، فخرج عثمان ومعه جيش يبلغون ٦٠٠ مقاتل لهدم القبة. ومعهم الشيخ رحمة الله عليه، فلما قربوا من القبة خرج أهل الجبيلة لما سمعوا بذلك لينصروها ويحموها. فلما رأوا الأمير عثمان ومن معه كفوا ورجعوا عن ذلك. فباشر الشيخ هدمها وإزالتها، فأزالها الله على يديه رحمة الله عليه " (١).
وكانت دعوته السلفيّة المباركة ـ طيب الله ثراه ـ مستمدة من سنة النبي الأمين ﷺ ، والسلف الصالح ـ تنبع من صميم منهاج أهل السنة والجماعة. كانت تحرر العقل من البدع والخرافات والشعوذة التي كانت تتغذى من واقع التخلف وقيم الدولة العثمانية ومراحل الانحطاط في الواقع العربي، حيث كانت بداية التأسيس العلمي والحضاري للمجتمع الجديد.
ولم يكن يقصد ﵀ بالرجوع إلى سيرة السلف الصالح إلى الرجوع بالتاريخ إلى الوراء ولا استنساخ أي تجربة من تجارب الماضي وإنما استلهم قوة تلك الفترة، أما اعتبار الفوارق الزمنية واختلاف العصور وما ينتج عن ذلك من خلاف طبيعة الحلول، فتلك أمور كانت تعتبر من المسلمات ولم تكن موضوع نقاش في كتابات الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ طيب الله ثراه ـ ولم يكن الشيخ يوماً مقلداً، وإنما كان مجتهد عصره، ومدرسته منفتحة على المذاهب الأربعة وتتبين الفارق بين خرافات التصوف في الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر ومناهج التربية الروحية في الإسلام.
стр. 1183
والناظر في دعوة الشيخ يجد أنها امتداداً لفهم السلف الصالح للكتاب والسنة، ولم تكن وليدة دعوة الإمام بل كانت أيضاً امتداداً للعلماء عبر القرون مثل الأئمة الأربعة وابن تيمية وابن القيم والشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف، الذي تتلمذ الإمام على يده، وأيضا فقيه صنعاء محمد بن إسماعيل الصنعاني، والعالم المجتهد محمد الشوكاني، فالعقيدة السلفية التي دعا لها الشيخ ﵀ إنما هي عقيدة حضارية كاملة وليست مجرد دعوة منحصرة في واقعها المحلي، أو مرتبطة بظروف البداوة فقط كما يعتقد البعض كما ذكرت، فدعا إلى محو كل ما هو مخالف للإسلام الصحيح، والعودة إلى الإسلام في صورته الأولى، في بساطته وطهارته ونقائه، وصدق التوحيد واتصال العبد بربه من غير واسطة ولا شريك.
وكان الإمام " محمد بن عبد الوهاب " يرى أن ما لحق بالمسلمين من ضعف وسقوط إنما هو بسبب ضعف العقيدة، والبعد عن التوحيد، فقد كانت العقيدة الإسلامية في أول عهدها صافية نقية من أي شرك، وبهذه العقيدة وحدها انتصر المسلمون وفتحوا العالم.
[*] وكانت ترتكز دعوة محمد بن عبد الوهاب المباركة على عدّة ركائز أهمها ما يلي:
(١) الدعوة إلى التوحيد الخالص من شوائب الشرك صغيره وكبيره.
(٢) الإتباع التام لسنة رسول الله ﷺ الخالص من شرور الابتداع والخرافات حتى لو كان يسيرا.
(٣) الدعوة إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة، بفهم علماء السلف، وجعلهما المصدر الأساس للدين والبعد عن الجمود على التقليد إذا استبان الدليل، مع البعد عن علم الكلام.
(٤) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يلزم من ذلك من نشر العلم الشرعي والجهاد في سبيل الله وإقامة الحدود والرد على أهل الباطل.
(٥) إحياء مبدأ الولاء للمؤمنين ولو كانوا أبعد الناس والبراء من المشركين والملحدين ولو كانوا أقرب الناس.
[*] دعوة بن عبد الوهاب ﵀ إلى التوحيد:
стр. 1184
كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى حنبلي المذهب، يميل إلى الشدة في التعاليم الدينية، ولا يأخذ بالرخص، فاستنكر كثيرًا من البدع الفاشية بين المسلمين، ورأى فيها شركًا بالله، ودعا إلى التوحيد، وتنقية الدين من البدع والخرافات، وتخليصه مما داخَلَه من انحراف، فدعا قومه إلى نبذ البدع، وطرح كل ما لم يرد في القرآن والسنة من الأحكام والتعاليم، والرجوع بالدين إلى فطرته النقية وبساطته الأولى، وسعى إلى تنقية العقيدة من تلك الشوائب والشبهات، والعودة إلى التوحيد الخالص والعقيدة الصافية؛ ولذلك فقد أُطلِقَ على تلاميذه وأتباعه اسم " الموحدين أو السلفيين "، وأما اسم "الوهابيين" الذي عُرفوا به في الوقت المعاصر، فقد أطلَقَهُ عليهم خصومهم، واستعمله الأوروبيين والغربيين حتى صار عَلمًا عليهم.
وقد قامت دعوته ﵀ على فكرة التوحيد، فالتوحيد أساسه الاعتقاد بأن الله وحده هو خالق هذا الكون، وأنه هو المسيطر عليه، وواضع قوانينه التي يسير عليها، وليس في الخلق من يشاركه في خلقه ولا في حكمه، ولا من يعينه على تصريف أموره؛ فهو وحده الذي بيده الحكم، وهو وحده الذي يملك النفع والضر، وليس في الوجود من يستحق العبادة والتعظيم سواه.
مسألة: لماذا يهاجمون دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب؟ (١)
واجهت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى منذ بداية ظهورها حملةً ضارية وعداءً سافراً، سواءً من قبل أمراء وحكام، أو من قبل بعض المنتسبين إلى العلم، وقد تنوعّت أساليب هذه المعارضة وتعددت جوانبها من تأليف وترويج الكتب ضد هذه الدعوة السلفية التجديدية، وتحريض الحكام عليها، ورميها بالتشدد والتكفير وإراقة الدماء.
وقد تحدّث الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى عن هذه الهجمة قائلاً: "فلما أظهرت تصديق الرسول فيم جاء به سبّوني غاية المسبة، وزعموا أنّي أكفر أهل الإسلام وأستحل أموالهم" (مجموعة مؤلفات الشيخ ٥/ ٢٦).
ويصف الشيخ عداوة الخصوم وفتنتهم في رسالته للسويدي ـ أحد علماء العراق ـ فيقول ﵀: "ولبّسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس، وكبرت الفتنة وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله" (مجموعة مؤلفات الشيخ ٥/ ٣٦).
стр. 1185
ولاحظت من خلال استقراء كتب خصوم هذه الدعوة أن غالبهم إما من الروافض أو غلاة الصوفية، فالروافض ينافحون عن وثنيتهم وعبادتهم للأئمة، وكذلك الصوفية يفعلون.
وعمد العلمانيون في هذه البلاد ـ ومن تأثّر بهم من التنويريين والإصلاحيين ـ إلى الطعن في هذه الدعوة من أجل التوثّب على قواعد الشريعة والتفلّت منها، ومنهم من شغب على هذه الدعوة؛ لأن ثوابت هذه الدعوة كالجهاد في سبيل الله، وبُغْض الكافرين والبراءة منهم تعكِّر ما يصبوا إليه من ركون إلى الدنيا وإيثار للسلامة والسلام مع الكفار، فهدف أرباب العقول المعيشية أن يأكلوا ويقتاتوا بسلام ولو على حساب وَأْدِ الثوابت العقدية والقواطع الشرعية.
وأما عداوة الغرب لهذه الدعوة فقديمة قدم هذه الدعوة المباركة، فما إن سقطت الدرعية سنة ١٢٣٤هـ على يد إبراهيم باشا حتى أرسلت الحكومة البريطانية مندوبَها مهنئاً على هذا النجاح، ومبدياً رغبة الإنجليز في سحق نفوذ الوهابيين بشكل كامل! لا سيما وأن الإنجليز ـ في ذروة غطرستهم وهيمنتهم ـ قد كابدوا أنواعاً من الهجمات الموجعة من قبل "القواسم" أتباع الدعوة، وذلك في بحر الخليج العربي.
ولا عجب أن يناهض الغرب هذه الدعوة الأصيلة، فالغرب يدين بالتثليث والشرك بالله، وهذه الدعوة قائمة على تحقيق التوحيد لله، وأُشرب الغرب حبّ الشهوات المحرمة وعبودية النساء والمال، وهذه الدعوة على الملة الحنيفية تدعو إلى التعلّق بالله، والإقبال على عبادته والإنابة إليه، والإعراض والميل عما سوى الله .
أسباب مناهضة هذه الدعوة السلفية:
وأما عن أسباب مناهضة هذه الدعوة السلفية، فيمكن أن نجمل ذلك في الأسباب الآتية:
(١) غلبة الجهل بدين الله، وظهور الانحراف العقدي على كثير من أهل الإسلام، فالتعصب لآراء الرجال والتقليد الأعمى، وعبادة القبور، والتحاكم إلى الطاغوت، والركون إلى الكفار والارتماء في أحضانهم .. كل ذلك مظاهر جلية في واقع المسلمين الآن، وهذه الدعوة تأمر باتباع نصوص الوحيين، وتدعو إلى عبادة الله وحده، وتقرر أن من أطاع العلماء أو الأمراء في تحليل ما حرّم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله، وتنهى عن موالاة الكفار، وتقرر أن مظاهرة الكفار ضد المسلمين من نواقض الإسلام، فلما أظهر الله تعالى هذه الدعوة السلفية استنكرها الرعاع وأدعياء العلم والعوام؛ لأنها خالفت عوائدهم الشركية ومألوفاتهم البدعية.
стр. 1186
(٢) ومن أسباب هذه الحملة الجائرة: ما ألصق بهذه الدعوة ومجددها وأنصارها من التهم الباطلة والشبهات الملبسة، فقد كُذب على الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما "كُذب على جعفر الصادق"، ومثال ذلك رسالة ابن سحيم ـ أحد الخصوم المعاصرين للشيخ ـ حيث بعث برسالة إلى علماء الأمصار، يحرّضهم ضد الشيخ، وقد حشد في تلك الرسالة الكثير من الأكاذيب والمفتريات، ثم جاءت مؤلفات أحمد دحلان ضد الدعوة فانتشرت في الآفاق والبلاد.
(٣) النزاعات السياسية والحروب التي قامت بين أتباع هذه الدعوة وبين الأتراك من جهة، وبين أتباع هذه الدعوة والأشراف من جهة أخرى، فلا تزال آثار تلك النزاعات باقية إلى الآن،
[*] يقول العلامة محب الدين الخطيب ﵀ في هذا الشأن: (كان الأستاذ محمد عبده ﵀ يستعيذ بالله من السياسة ومن كل ما يتصرف منها؛ لأنها إذا احتاجت إلى قلب الحقائق، وإظهار الشيء بخلاف ما هو عليه اتخذت لذلك جميع الأسباب، واستعانت على ذلك بمن لهم منافع شخصية من وراء إعانتها، فتنجح إلى حين في تعمية الحق على كثير من الخلق، ومن هذا القبيل ما كان يطرق آذان الناس في مصر والشام والعراق وسائر الشرق الأدنى في المائة السنة الماضية من تسمية الدعوة التي دعا بها الشيخ المصلح محمد بن عبد الوهاب ﵀ باسم "الوهابية" اتهاماً بأنه مذهب جديد ... ) (١)
[*] ويقول الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: (إن سبب قذف الوهابية بالابتداع والكفر سياسي محض، كان لتنفير المسلمين منهم لاستيلائهم على الحجاز، وخوف الترك أن يقيموا دولة عربية، ولذلك كان الناس يهيجون عليهم تبعاً لسخط الدولة، ويسكتون عنهم إذا سكنت ريح السياسة) (٢)(٤) ومن أسباب هذه المناهضة: الجهل بحقيقة هذه الدعوة، وعدم الإطلاع على مؤلفات ورسائل علماء الدعوة، فجملة من المثقفين يتعرّفون على هذه الدعوة من كتب خصومها، أو من خلال كتب غير موثّقة ولا محرّرة.
إن المنصف لهذه الدعوة ليدرك ما تتميز به هذه الدعوة من سلامة مصادر تلقيها، وصفاء عقيدتها، وصحة منهجها، وما قد يقع من زلات أو تجاوزات فهذا يتعلّق بجوانب تطبيقية وممارسات عملية لا ينفك عنها عامة البشر، وعلماء الدعوة لا يدّعون لأنفسهم ولا لغيرهم العصمة، فكل يؤخذ منه ويردّ إلا المصطفى ﷺ .
стр. 1187
كما أن الدفاع عن هذه الدعوة ليس مجرد دفاع عن أئمة وأعلام فحسب، بل هو ذبّ عن دين الله تعالى، وذودٌ عن منهج السلف الصالح.
وفي الختام ندعو أهل الإسلام عموماً للانتفاع بالجهود العلمية والتراث النفيس الذي سطّره علماء الدعوة، والانتفاع بمواقفهم العملية وتجاربهم الاحتسابية والإصلاحية، والله أعلم.
تأثر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
لقد تأثر الإمام "محمد بن عبد الوهاب" في دعوته وتعاليمه بعالم جهبذ جليل ظهر في القرن السابع الهجري هو شيخ الإسلام الإمام "أحمد بن تيمية الحراني" الذي عُرف بالشجاعة وقوة الحجة، وكان لا يخشى في الله لومة لائم، حتى تعرض للسجن والتعذيب.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يدعو إلى التوحيد وإخلاص العبودية لله، وترك ما اقترن بزيارة القبور من بدع أو التبرك بالأولياء، كما نادى بهدم الأضرحة حتى لا تجلب للناس الفساد في العقيدة أو الفتنة في الدين.
وقد وجدت دعوة " شيخ الإسلام ابن تيمية " صدى لها في قلب وعقل " الإمام محمد بن عبد الوهاب "، فأخذ كثيرًا من أقواله وفتاويه وأفكاره وآرائه التي دعا بها في ضوء الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح، ولم يكن مقلداً له، بل كان يخالفه إذا وجد الدليل الأقوى مع غيره من علماء السلف.
أبرز تلاميذ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
لقد أخذ عنه العلم جماعة من العلماء الأجلاء والدعاة الفضلاء، وغيرهم كثير ممن تتلمذوا على كتبه وفتاويه، فما زالت كتبه وستبقى - إن شاء الله - منارة لطلبة العلم الشرعي، فمن غفل عنها فقد خسر علم واسعاً وضيّع رأياً سديداً. (١)
فكان من أبرز تلاميذه ﵀: أبناؤه الشيخ حسين والشيخ عبد الله والشيخ علي. كما أخذ عنه الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، والشيخ عبد العزيز الحصين الناصري، والشيخ سعيد بن حجي، والشيخ عبد العزيز والشيخ محمد آل سويلم، والشيخ حمد بن راشد العريني.
ثناء العلماء على محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
[*] قول علامة الشام الشيخ محمد بهجة البيطار: (ليس للوهابية ولا للإمام محمد بن عبد الوهاب مذهب خاص ولكنه ﵀ كان مجددا لدعوة الإسلام ومتبعا لمذهب احمد بن حنبل ... ) (٢)
стр. 1188
[*] الشيخ البشير الإبراهيمي الجزائري: (لقد كان رحمه الله تعالى ـ الشيخ البشير ـ في محاربتهِ للصُّوفيَّة وخرافاتها وتُرّهاتهم متأثِّراً بتعاليم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهَّاب الإصلاحيَّة، ويتَّضحُ ذلك عندما نراه يُعَلّل هجوم المتاجرين بالدَّين على هذه الدَّعوةِ السُّنِّيَّة الإصلاحيَّة في البلاد الحجازيَّة التي سَّماها خصومُها بِـ (الوهَّابيَّة) تنفيراً وتَشويهاً ـ لأنَّها قضت على بدعهم، وحاربت خرافاتهم (١)، فيقول ـ الشيخ البشير الإبراهيمي ـ رحمه الله تعالى: (إنَّهم موتورون لهذه الوهَّابيَّة التي هدمت أنصابهم، ومحت بدعهم فيما وقعَ تحتَ سلطانهم من أرضِ الله، وقَد ضجَّ مبتدعة الحجاز فضجَّ هؤلاء لضجيجهم والبدعة رحم ماسة، فليس ما نسمعهُ هنا من ترديد كلمة (وهابي) تُقذف في وجه كل داعٍ إلى الحقِّ إلاّ نواحاً مردَّداً على البدع التي ذهبت صرعى هذه الوهَّابيَّة).
[*] قال العالم الأزهري الكبير الشيخ "أبو الهدى الصعيدي" عام ١٨١٥م بعد أن انتهى من مناظرة قامت بينه وبين بعض علماء الوهابيين بأمر محمد علي والي مصر في ذلك الحين: (إذا كانت الوهابية كما سمعنا وطالعنا ـ دعوة الإسلام، دعوة التوحيد الخالص، ثورة على الشرك والوثنية، وإعصار على الضلال والبهتان، فنحن أيضاً وهابيون .. ) نطق هذا العالم بكلمة الحق، ولم يخش بطش الوالي المتسلط الذي كمم الأفواه وسلط على أتباع هذه الدعوة جنوده وفتكه وناره؛ لأن قوة هذا الوالي مبتوتة الصلة عن القوة العليا قوة الله ، فهي لا تخيف ولا ترهب. وأيضاً فإن هذا العالم تأدب بأدب الرسول ﷺ وتربى في رحاب سنته التي ترى: (أن أفضل الجهاد كلمة الحق عند سلطان جائر). وكأن الوجود كله قد أخذ يردد في تلك اللحظة كلمة هذا الشيخ المؤمن الصادق الإيمان.
ونقول: إذا كان ذلك كذلك .. فلماذا قامت الدنيا ولم تقعد؟ ولماذا تقولوا على الدعوة الأقاويل؟ ورموا صاحبها بالمروق عن الإسلام؟ وأعلنت الحرب الضروس التي لا تبقي ولا تذر؟ للإجابة على ذلك: علينا أن نقطع شوطاً آخر في البحث) (٢)
стр. 1189
[*] يقول فضيلة الشيخ الدكتور وهبة الزحيليحفظه الله: ( ... إذا ما تكلم ناصح، أو تأمل مخلص، أو اندفع غيور يدافع عن حرمات الله، سرعان ما اتهمه العوام والسطحيون ـ وهم مع الأسف أكثرية ـ بالمروق، والشذوذ والعمالة لفئة ما، وعدّوا أنفسهم أهل الملة، وسدنة الشريعة وحماة الإسلام. وعلى هذا النحو مرت بالمسلمين في فترة ضعف الخلافة العثمانية وما قبلها أزمنة حجب فيها صفاء الإسلام، وبساطته ونقاؤه وجوهره وقوته الحقيقية ... .
ولكن فضل الله على الأمة كبير، إذ حفظ للمسلمين أصول الشريعة في القرآن والسنة الصحيحة، حتى تظل الشريعة حجة على العلم (لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)
وفي سبيل الحفاظ على الوحي الإلهي الأخير، يهيئ الحق ﵎ صوت الإصلاح الداوي بين الحين والآخر، وإن صاحبه بعض الأخطاء، لأن المصلح بشر، لتعهد الله بحفظ الذكر المبين، فتثير حركة الإصلاح رعب الجبناء، وتقض مضاجع الأدعياء، وتهز أركان الجهل وكيان الجهلة، وتزلزل مواقع النفعيين: (إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة، على رأس كل مائة سنة، من يجدد لها دينها).
стр. 1190
ومما لا شك فيه، إنصافاً للحقيقة، لا إرضاءً لأحد، وعملاً بمبدأ القرآن العظيم: (وَلاَ تَبْخَسُواْ النّاسَ أَشْيَآءَهُمْ) [الشعراء: ١٨٣] كان من أجرأ أصوات الحق، وأكبر دعاة الإصلاح، والبناء والجهاد لإعادة تماسك الشخصية الإسلامية وإعادتها لمنهج السلف الصالح: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي) لتجديد الحياة الإسلامية، فكان ابن عبد الوهاب بحق، زعيم النهضة الدينية الإصلاحية المنتظر، الذي صحح موازين العقيدة الإسلامية الناصعة، وأبان حقيقة الوحدانية والوحدة والتوحيد الخالص لله ، وأن العبادة هي التوحيد، وحوّل الشراع رأساً على عقب، للعمل الكامل بالقرآن والسنة ونبذ مظاهر الترف والبدع، وتحطيم ما علق بالحياة الإسلامية من أوهام، والعودة إلى الحياة الإسلامية الأولى المبسطة التي لا تعرف غير الجهاد الدائم منهجاً، وقصد مرضاة الله مسلكاً، وألتزم أخلاق الإسلام قانوناً ومظهراً، وبروز دور العقل والفكر، والجد والعلم والاجتهاد فيما لا نص فيه أو ما فيه نص ظني، بغية تقدم الأمة، وتصحيح مسار حياة العامة التائه أحياناً، لأن دين الإسلام لا يعرف الخرافة والجهل والضلالة، فكانت أعمال ابن عبد الوهاب وثبة وجبارة، وقفزة رائعة لتصحيح خطأ الناس في العقيدة والعبادة، في وسط شوهت فيه مبادئ الإسلام ومناهجه) (١)
[*] قال الشيخ العلامة سيدي محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي المغربي: (ولد الإمام محمد بن عبد الوهاب في مدينة العيينة أقليم العارض بنجد سنة ١١١٥هـ وربى بحجر أبيه، ثم أنتقل إلى البصرة لإتمام دروسه، فبرع في علوم الدين، واللسان وفاق الأقران، واشتهر هناك بتقوى وصدق التدين ... ثم قال: وكانت عقيدته السنة الخالصة، على مذهب السلف المتمسكين بمحض القرآن والسنة لا يخوض التأويل والفلسلفة ولا يدخلهما في عقيدته.
стр. 1191
وفي الفروع: مذهبه حنبلي غير جامد على تقليد الإمام أحمد، ولا من دونه؛ بل إذا وجد دليلاً أخذ به، وترك أقوال المذهب فهو مُستقل الفكر في العقيدة والفروع معاً. إلى أن قال: وكان قوي الحال ذا نفوذ شخصي وتأثير نفسي، ولذا كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهو متفرد عن عشيرته في البصرة) (١)
[*] يقول فضيلة الشيخ علي الطنطاوي ﵀ بعدما ذكر فشو البدع قبل ولادة الإمام محمد: (واعتقد الناس النفع والضرر بالرسول والصالحين، وبالقبور والأشجار، والقباب والمزارات، فيطلبون منهم الحاجات، ويرجعون في الشدائد إليهم، وينذرون لهم، ويذبحون لهم، واشتد تعظيم الأموات. وكان حظ نجد في هذه الجاهلية الجديدة أكبر الحظوظ. فقد اجتمع على أهله الجهل والبداوة، والفقر، والانقسام في كل ناحية من نواحي نجد، من الأمراء بمقدار ما كان فيها من القرى.
ففي كل قرية أمير، وفي كل ناحية جمعية أمم. وكان في كل إمارة قبر، عليه بناء، أو شجرة لها أسطورة. يقوم عليها سادن من شياطين الإنس، ويزين للناس الكفر ويدعوهم إلى الاعتقاد بالقبر والذبح له، والتبرك به، والدعاء عنده، إلى أن قال ﵀: وكان العلماء قلة، والحكام عتاة ظلمة، والناس فوضى يغزو بعضهم بعضاً، ويَعْدُو قويهم على ضعيفهم، في تلك البيئة نشأ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فرأى شمس الإسلام إلى أفول، ورأى ظلمة الكفر إلى امتداد وشمول. وأراد الله له الخير فقدر له أن يكون أحد الذين أخبر الرسول أنهم يبعثون ليجددوا لهذا الأمة دينها، بل لقد كان أحق بهذا الوصف من كل من وصف به في تاريخنا. فقد حقق الله على يديه عودة نجد إلى التوحيد الصحيح، والدين الحق والألفة بعد الاختلاف، الوحدة بعد الانقسام. ولا أقول: إن الرجل كامل، فالكمال لله ولا أقول إنه معصوم فالعصمة للأنبياء.
ولا أقول: إنه عار عن العيوب والأخطاء.
ولكن أقول: إن هذه اليقظة، التي عمت نجداً، ثم امتدت حتى جاوزته إلى أطراف الجزيرة،
ثم إلى ما حولها، ثم امتدت حتى وصلت إلى آخر بلاد الإسلام ليست إلا حسنة من حسناته عند الله إن شاء الله ا هـ.
стр. 1192
[*] رأي الأستاذ أحمد حسين ـ مؤسس حزب مصر الفتاة ـ في كتابه (مشاهداتي في جزيرة العرب) بعد أن وصف ما كان في جزيرة العرب من جهالة قبل ظهور الدعوة ما يلي: (وفي وسط هذا الجو ولد محمد بن عبد الوهاب. وكان أبوه الشيخ عبد الوهاب قاضي بلدة العيينة. وكان شيخاً عالماً جليلاً. فقرأ على أبيه الفقه. وسرعان ما ظهرت عليه علائم النجابة. وبدأ يدرك على الفور ما تردت به البادية من همجية وردة عن دين الإسلام. وبدأت تجيش به نفسه كل مصلح من عزم على تغيير هذه الحال. فلما بلغ من العمر عشرين ربيعاً. بدأ يستخدم فصاحته وعلمه في مناقشة أنداده وأضرابه. بل ومن هم أكبر منه سناً. في فساد الحال فلم يجد منهم أذناً صاغية. وبعد أن ذكر سفر الشيخ إلى الحجاز والبصرة - ورجوعه ثانية إلى نجد. واستقراره في الدرعية واتفاقه مع محمد بن سعود.
ختم هذا البحث بقوله: تلك هي قصة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما بدأت. والتي لم تكمل حتى الآن. فلا يزال أحفاد محمد بن سعود. وأحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب. يحملون لواء التوحيد. وينافحون عنه. وإذا كان العالم الإسلامي كله اليوم تحت تأثير النور والعرفان. قد بدأ يدرك بفطرته هذا الذين كانوا أول من نصره واستجاب له. اهـ
[*] رأي الأستاذ الإمام محمد عبده مفتي مصر ـ نقلاً عن كتاب (٥٠عام في جزيرة العرب ـ للشيخ حافظ وهبة). أثنى على الإمام الشيخ محمد عبد الوهاب وكان يلقبه بالمصلح العظيم.
[*] تناول الأستاذ أحمد أمين العالم المصري الشهير في كتابه (زعماء الإصلاح الإسلامي) فذكر أن: (الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أثناء إقامته في الحجاز ورحلاته إلى كثير من بلاد العالم الإسلامي وجد أن التوحيد الذي هو مزية الإسلام الكبرى قد ضاع ودخله الكثير من الفساد ... فشغلت ذهنه فكرة التوحيد في العقيدة مجردة من كل شريك، وفكرة التوحيد في التشريع لا مصدر له إلا الكتاب والسنة).
стр. 1193
[*] قال الشيخ محمد حامد الفقي (١): (الوهابية نسبة إلى الإمام المصلح شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب مجدد القرن الثاني عشر. وهي نسبة على غير القياس العربي. والصحيح أن يقال المحمدية، إذ أن اسم صاحب هذه الدعوة والقائم بها هو محمد، لا عبد الوهاب، ثم قال بعد كلام: وإنهم لحنابلة متعصبون لمذهب الإمام أحمد في فروعه ككل أتباع المذاهب الأخرى، فهم لا يدعون، لا بالقول، ولا بالكتابة أن الشيخ بن عبد الوهاب أتى بمذهب جديد، ولا اخترع علماً غير ما كان عند السلف الصالح، وإنما كان علمه وجهاده لإحياء العمل بالدين الصحيح وإرجاع الناس إلى ما قرره القرآن في توحيد الإلهية والعبادة لله وحده ذلاً وخضوعاً، ودعاءاً، ونذراً وحلفاً، وتوكلاً، وطاعة لشرائعه ... )
стр. 1194
[*] قال أمين سعيد: في كتابه (سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب) إن سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي من أحفل السير بالعظات وأغناها بالفضائل وأحقها بالبحث والفصل، والتفسير والتعليل وهي سيرة مصلح من كرام المصلحين، ومجاهد من كبار المجاهدين وعالم من خيرة العلماء أنار الله بصيرته وهداه سبله وألهمه التقوى فدعا أمته للرجوع إلى الله والعمل بكتابه وسنة رسوله ونبذ سواهما ... ومن وسط الجو القاتم المربد جو الجهل والجمود، جو ضعف الوازع الديني وتسلط الحكام واستبداد الطغاة، أشرقت من جانب نجد أنوار الدعوة الوهابية التي حمل مشعلها الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب فأنارت للأمة السبيل وألهمتها رشدها فشقت طريقها واهتدت بهديها، وحققت الدعوة لنجد آمالها وقد بدأت في محيطها أول ما بدأت فأنشأت لها مجتمعاً إسلامياً سليماً يؤمن بالتوحيد ويعظم شأنه ويسير على هداه ولا يدعو مع الله أحدا ولا يزال هذا حالة لم يتبدل ولم يتغير منذ عهد الشيخ حتى يومنا هذا فهو يصدع بالحق ويؤمن به، وانبثقت عن هذا المجتمع دولة عربية كريمة نشأت في ظل الدعوة وآمنت بها فكانت أول دولة عربية كبرى يؤسسها العرب داخل جزيرتهم بعد دولة الخلفاء الراشدين فاتبعت طريقهم وترسمت خطاهم فسادت وشادت ووسعت حدودها وانتشرت الدعوة في بلاد الإسلام وسرى نورها في أرجائها وأقبل عليها الكثيرون وأخذوا بها وتفاعلوا معها واستجابوا لها فكانت الأمة الكبرى لهذه النهضات التي تعم بلاد العرب وبلاد المسلمين فأحييت ميت الهمم وأيقظت خامد النفوس، وضرب الشيخ الأمثال على تجرده ونزاهته وعلى أنه لم يرد من دعوته سوى وجه الله وحده وإصلاح حال أمته وإنقاذها من ظلمات الجهالة التي كانت تغمرها).
[*] يقول الدكتور مصطفى صادق الرافعي الأديب المصري: (والسبب لتأليف هذا الكتاب (١) فمن أجل حركة توعية رائدة، ومن أجل تجهيز دعاة إسلاميين ذوي جدارة وأهلية، لمواجهة النكبات التي تتوالى على الإسلام والمسلمين منذ أكثر من خمسة قرون، أقدم هذه العجالة عن بعض الدعاة السابقين المؤهلين "رجال الإسلام" عسى أن يكون فيها بعض ما ينير الظلمات التي تكتنف حياتنا، وتلف مجتمعاتنا، وعسى أن تنشأ بوادر انتفاضة صحيحة تقوّم الاعوجاج، وتزيح أستار الضلالة، وتدفع بعربة الإسلام في طريق المجد والتقدم)
стр. 1195
ومن القدوات لأبناء هذا الجيل إمام الدعوة السلفية المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ولنقف مع أديبنا د- مصطفى صادق الرافعي والإمام محمد بن عبد الوهاب .. حيث قال: الدعوة السلفية،
عاش الشرق الإسلامي زهاء خمسة قرون من عمر الزمن، ينعم في بحبوحة ونعيم، وحضارة وارفة الظلال، بفضل نور الإسلام الوهاج الذي عمّم خيراته على كل أرض، ونشر هدايته لكل قبيل.
بعدها اعتراه الوهن والضعف، فمر في عهود سوداء، وحاقت به ظلمات حالكة، فتقلصت هداية الإسلام عن أرضه أو أوشكت، وأصبح تراث المسلمين نهباً مقسماً بين شذاذ الأمم، وذئبان الشعوب، يستغلون علومه ويستأكلون حضارته، فسيطر على بلاده الغربيون، فأذاقوها من العذاب أقساه، ومن الألم أشده، حتى انحدرت بلاد المسلمين إلى هوة عميقة من الضعف والتخلف والانحطاط.
ثم ما إن أطلّ القرن الثامن عشر، حتى انطلقت صيحة واعية مؤمنة من قلب الجزيرة العربية، تهيب بالمسلمين أن يتحرروا من الشوائب التي اعترت عقائدهم، والخرافات والأباطيل التي شوّهت دينهم، وأن يعودوا في جميع شؤون حياتهم إلى ما كان عليه حال السابقين الأولي من أسلافهم. وكان مرسل هذه الصيحة، الداعي إلى الله على بصيرة القائد الفذّ، محمد بن عبد الوهاب، وإليه تنسب "الحركة السلفية" التي دعت إلى إصلاح النفوس، واستعادة مجد الإسلام، فظهرت بظهورها تباشير صبح جديد، فيه كل معاني الصباح، من نور وضياء، وإشراق ولألاء، فأيقظ المسلمين من سباتهم العميق الذي رزخوا تحت وطأته حقباً طويلة من الزمن.
[*] قال أحمد القطان: (استطاعت حركة الموحدين نشر العلم والمعرفة بين طبقات الشعب المختلفة, واستطاعت تكوين طبقة ممتازة من علماء الدين ورجال المعرفة فنشرت الحركة في الناس علوم الشريعة المطهرة وآلاتها , من التفسير والحديث , والتوحيد والفقه , والسيرة والتاريخ , وغير ذلك وأصبحت الدرعية قبلة العلوم والمعارف يفد إليها الطلاب من سائر النواحي والأرجاء , و انتشر العلم في جميع الطبقات) (١)